الفصل الأول
كتابا الأحكام لعبد الحق الإشبيلي "الكبرى" و"الصغرى "
تمهيد: سبب تأليف عبد الحق لكتب الأحكام
المبحث الأول: الأحكام الكبرى
المبحث الثاني: الأحكام الصغرى
المبحث الثالث: الكتب المصنفة على الأحكام الصغرى
стр. 107
مؤلفات عبد الحق الإشبيلي كثيرة جداً -تقدم ذكرها- وكلها في غاية الجودة وحسن السياق، لكن كتب الأحكام الثلاثة حازت درجة السبق وحسن القبول، وانتشرت في الناس، وهي: الأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى.
سبب تأليف عبد الحق لكتب الأحكام:
ذكر صاحب صلة الصلة أن أبا الحجاج يوسف بن محمد البلوي بن الشيخ، المالقي (ت ٦٠٤ هـ) لما رحل إلى الحج سنة ٥٦٠ - أو نحوها- أخذ فى طريقه ببجاية عن أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، وعزم عليه في تأليف كتاب الآحكام، وقد فاوضه في ذلك، ولما قفل من رحلته أقام معه ببجاية وصحبه أشهرا، وأخذ عنه أحكامه، وكير ذلك، وكان من أقعد الناس به وبأخباره. (١)
حدث بكتاب الأحكام عن عبد الحق، هكذا ذكر الرعيني، وابن الأبار، وعينها ابن غازي، فقال "الأحكام الكبرى".
المبحث الأول: الأحكام الكبرى:
وهو أصل هذه الكتب ذلك أنه انتقى أحاديثه من الموطأ، والكتب الخمسة، ومسند أبي بكر البزار، والكامل في الضعفاء، لإبن عدي، والمصنف، لإبن أبي شيبة، والمحلى، لإبن حزم، والسنن، والعلل، وكلاهما للدارقطني، ومصنف قاسم ابن أصبغ، ومستدرك الحاكم، وغيرها من الصادر الحديثية. (٢)
وهو عمل ضخم استوعب فيه المصنف أحاديث كثيرة جدا بأسانيدها، حيث
стр. 108
ينقل النصوص من مصادرها كاملة، وقد يسندها منه إلى النبي ﷺ ، إن كانت له في حديث الباب رواية مسندة، وقد يدخل عليها كلاما تارة للتعريف بأصحاب هذه الأصول، وأخرى للتعريف ببعض رجال الإسناد، وحينا آخر لتناول عللها.
وقد نص عبد الحق نفسه على تسمية كتابه هذا بالكتاب الكبير (١) وكذلك سماه ابن القطان في غير ما إحالة (٢)
وممن روى هذا الكتاب: (٣)
محمد بن أحمد الهاشمي (٤)
وعلي بن أبي نصر البجائي (٥)
وأبو الحجاج بن الشيخ البلوي (٦)
وسهل بن مالك (٧)
وأبو محمد بن حوط الله (٨)
стр. 109
المبحث الثاني: الأحكام الصغرى
هذا الكتاب اختصره عبد الحق من أحكامه الوسطى، ولذلك قد يطلق عليه كذلك: مختصر الأحكام، ومن ميزات هذا الإختصار ما يأتي:
- حذف الأحاديث الضعيفة، والإقتصار على ذكر الأحاديث الصحيحة.
- الإبقاء على كل الأحاديث الصحيحة في الأغلب الأعم.
- ولا تفترق الوسطى عن الصغرى من حيث ترتيب الأبواب (باستثناء الأبواب الأخيرة، ففيها تقديم وتأخير).
- حذف بعض الأبواب من الوسطى، وخاصة ما لا يسمح التقييد بالأحاديث الصحيحة بذكره؛ مثل:
- باب ذكر أحاديث أعلها برجال، وفيها من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف.
- باب ذكر أحاديث أعلها، ولم يبين من أسانيدها مواضع العلة.
- باب ذكر أحاديث ضعفها، وهي صحيحة أو حسنة، وما أعلها به ليس بعلة. (١)
رواية الأحكام الصغرى:
اهتم العلماء برواية الأحكام الصغرى، حتى إنك لتجدها مووية بأسانيدهم إلى مؤلفها في برامجهم وأثباتهم، أو تلقوها عن شيوخهم فأثبتوا روايتهم لها، وهذا بعض من ذكرها ضمن مروياته:
المنذري مناولة في تكملته. (٢)
стр. 110
والتجيبي في برنامجه. (١)
والذهبي في سيره وتذكرته. (٢)
والمجاري في برنامجه. (٣)
والرصاع في فهرسته. (٤)
والوادي آشي في برنامجه. (٥)
وابن غازي في فهرسته. (٦)
والروداني في صلة الخلف. (٧)
وتوجد عدة نسخ مخطوطة من كتاب الأحكام الصغرى -وقد عنون بعضها بالأحكام الحديثية- في الخزائن العالمية والمغربية، أكتفي بذكر ما في خزانة القروين منها:
- مخطوطة تحمل رقم ١٠٧٩/ ٨٠ في مجلد واحد ضخم بخط أندلسي جيد - تام في كاغد أصفر، في أوراقه طرر، وتعاليق كثيرة،. متلاش، تاريخ نسخه ٥٩٦ هـ، عار عن اسم الناسخ. (٨)
- مخطوطة تحمل رقم ٤٠/ ٢١٨، في سفر واحد بخط أندلسي متقن، متلاشية في الجملة، ناسخها محمد بن علي بن عباد الأنصاري.
стр. 111
ملحوظة: بها نص سماعين: أحدهما من ناسخ الكتاب وإجازة الشيخ إبراهيم ابن عبد الله البكري. (١)
- مخطوطة تحمل رقم ١٥٣٣/ ٨٠، سفر واحد كتب بخط أندلسي جيد، بها أكل أرضة أتت على بعض كلماتها، عدد صفحاتها ١٦٢، تاريخ النسخ ٥٩٤ هـ -عار عن اسم الناسخ-
ملحوظة: قوبلت على نسخة مسموعة على الأستاذ المحدرث أبي ذر الخشني -بتاريخ ٦٠٠ هـ على ما يظهر- (٢)
- مخطوطة تحمل رقم ١٠٧٨/ ٨٠، سفر ضخم، كتب بخط مغربي، مبتور من أواخره، فقد من أوائله ثمان ورقات، عوضت بخط جديد -هو خط العلامة أبي العباس البوعزاوي- متلاش في الجملة، عار عن تاريخ النسخ واسم الناسخ. (٣)
وقد تمت طباعة الأحكام الشرعية الصغرى بتحقيق أم محمد بنت أحمد الهليس، تحت عنوان: (الأحكام الشرعية الصغرى "الصحيحة")، في مجلدين، طبع بمطابع ابن تيمية بالقاهرة، ونشرته مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، ومكتبة العلم بجدة، وصدرت الطبعة الأولى بتاريخ ١٤١٣ هـ الموافق ١٩٩٣ م.
الكتب المصنفة على الأحكام الصغرى:
اهتم العلماء بهذا الكتاب ما بين شارح وناقل وناقد، واهتم به طلبة العلم حتى كثر حافظوه، وهذه بعض أوجه الإهتمام به:
стр. 112
شرح كتاب الأحكام الصغرى:
لما كان الكتاب مختصرا احتاج إلى الشرح ليستفيد منه الناس أكثر، وهذا ما جعل طائفة من الناس تقوم بهذه المهمة؛ فممن قام بشرحه:
- محمد بن علي الصنهاجي (ت ٦٢٨ هـ) واسم كتابه: (الإعلام بفوائد الأحكام). (١)
- أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي، التميمي، التونسي، المعروف بـ "ابن بَزيزة" (ت ٦٦٢) ٠ الصوفي، المفسر، الفقيه المالكي- اعتمد عليه خليل في التشهير- (٢)
- أبو الأصبغ عبد العزيز بن خلف بن إدريس السلمي، الشاطبي (٦٠٦ - ٦٦٢ هـ) (٣)
- أبو عبد الله محمد بن عمر بن علي المصري الشافعي، العروف بـ"ابن الرحل"، و"ابن الوكيل". قال السبكي: كان إماما كبيرا، بارعا في المذهب والأصلين ... وذكر الشوكاني أن ابن المرحل هذا شرع في شرح الأحكام لعبد الحق، فكتب منه ثلاث مجلدات. توفي بالقاهرة (ت ٧١٦). (٤)
ولأبي الحسن علي بن وهب القشيري،- الشهير بـ (ابن دقيق العيد) تعقيب
стр. 113
على الأحكام الصغرى. (١)
- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق التلمساني، عرف بالخطب، المتوفى بمصر (ت ٧٨١). (٢)
- محمد بن القصار الفاسي -من أهل القرن العاشر- (٣)
стр. 114
الفصل الثاني
الأحكام الشرعية الوسطى
المبحث الأول: التعريف بالأحكام الوسطى
المبحث الثاني: منهج الإشبيلي في الأحكام الوسطى
المبحث الثالث: مصادر الكتاب
المبحث الرابع: القيمة العلمية للكتاب
стр. 115
المبحث الأول: التعريف بالأحكام الوسطى:
هذا الكتاب اختصره عبد الحق من الكتاب الكبير، فانتقى أحاديثه وحذف أسانيده، وقد أشار أبو الحسن بن القطان إلى ذلك حيث قال في مقدمة كتاول: "بيان الوهم والإيهام": (... وعلمت ذلك، إما بأن رأيته قد كتبه في كتاول الكبير الذي يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها، الذي منه اختصر هذا). (١)
وقال كذلك في موضع آخر: (هكذا رأيته بخطه (أي بخط عبد الحق) في كتابه الكبير حيث يذكر الأحاديث بأسانيدها، ساقه بإسناده. (٢)
حظي كتاب" الأحكام الوسطى" بمكانة ساقة بين العلماء وطلبة العلم، وتداوله عامتهم، وكثيرا ما يطلق عليه "الأحكام الكبرى" بالقياس إلى الصغرى. ولذا نجد في كثير من الصادر والراجع وصف هذا الكتاب بالكبرى، ولعل سبب ذلك يعود إلى أن "الأحكام الكبرى" لم تنتشر انتشار الكتابين: "الوسطى" و "الصغرى" حتى صار العلماء وطلبة العلم لا يميزون إلا بينهما، فأطلق على "الوسطى" "الكبرى".
وتوجد نسخ مخطوطة متعددة من "الأحكام الوسطى" في الخزائن الغربية، وهذه بعضها:
- نسخة خزانة القرويين رقم ٢١٩/ ٤٠ في جزئين، ولا يتصل الثاني بالأول لضياع فصل من آخر الأول منهما، وهي بخط أندلسي، كتب على السفر الأول منها:
"الأحكام الكبرى"، وهو مجرد وهم، تاريخ نسخها ٦٩٤ هـ ليس بها ذكر لإسم الناسخ. (٣)
стр. 116
وبالخزانة العامة بالرباط: نسختان ناقصتان:
- إحداهما بالكتبة الكتانية، وتحمل رقم ١٨٦٢ بخط مشرقي مشكول، يوجد منها مجلد إلى كتاب الصيام.
- والأخرى بمكتبة الكلاوي، وتحمل رقم ٨٣٨ (١)
وبالخزانة الحسنية ثلاث نسخ خطة:
- الاُولى كتبت بخط مغربي جميل، ويظهر أنها قديمة، ومصححة، نص فيها على طائفة ممن ملكها من العلماء، آخرهم الشيخ محمد التاودي بن الطالب بن سودة، وهي في مجلد من الأول إلى باب الخلع، وتحمل رقم ٥٦٨٢ (٢)
ويوجد بخزانة تمكروت مصور عن هذه المخطوطة يحمل رقم: ١٠٦١ (٣)
- والثانية كاملة في مجلد، إلا أنه سقط من آخره ورقة عوضت بخط مغربي، حديث، وتحمل اسم: "الأحكام الشرعية" ذات رقم ٢٣٥. عدد صفحاتها ١٤٩، خالية من تاريخ النسخ واسم الناسخ. (٤)
- والثالثة وتحمل عنوان "الأحكام الشرعية" ذات رقم ٥٣٨٠، كتبت بخط مغربي جميل، لدي مصور من أجزائها: الثاني (كتاب الصلاة من أوله إلى غاية باب تكبيرة الإحرام وهيئة الصلاة والقراءة والركوع)، والسابع (كتاب الديات والحدود إلى باب في ثواب الأمراض وما يصيب المسلم).
- وبخزانة ابن يوسف نسخة خطية، كتبت بخط مغربي جيد وكبير، تمتاز بوضوحها، تحمل بعض أجزائها رقم ٥٤٠، وقد كتب عليها: "الأحكام الشرعية"
стр. 117
في ثمانية أجزاء، لدي منها مصور الأجزاء: الأول والثالث والرابع والثامن. (١)
- وبخزانة القروين نسخة مخطوطة تحمل اسم "الأحكام الشرعية"، ذات رقم ١٨٠١، الجزء الأول منها بخط أندلسي مشكول، مبتورة الأول، متلاشية في الجملة، وقضت عليها الخروق والأرضة والرطوبة، تاريخ نسخها في شوال عام ٦٠٢ هـ. واسم الناسخ: سعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد الأنصاري. (٢)
المبحث الثاني: منهج الإشبيلي في الأحكام الوسطى:
خير من يضع بين أيدينا منهج عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام الوسطى" هو عبد الحق نفسه وذلك من خلال مقدمته للكتاب المذكور، وهذا نصها: (٣)
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى جميع عباده الصالحين، أما بعد، وفقنا الله وإياك، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقا من حديث رسول الله ﷺ في لوازم الشرع وأحكامه وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترهيب وذكر الثواب والعذاب إلى غير ذلك من الآداب والرقائق والحكم والمواعظ وفنونا من الأدعية والأذكار وجملا من الفتن والأشراط وأحاديث في معان أخر مع نبذ من التفسير مما يكسب حافظه العلم الكثير والعمل به الحظ الخطير والملك الكبير.
ونقلتها من كتب الأئمة المشهورين الجلة السابقين سرج الدين وهداة المسلمين: أبو عبد الله مالك ابن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأبو عبد الله
стр. 118
محمد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن أحمد ابن شعيب النسائي، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأضفت إلى ذلك أحاديث من كتب أخر أذكرها عند ذكر الحديث منها، أو أذكر أصحابها، أو المشهور برواية ذلك الحديث الذي أخرج، مثل أن أقول ومن مسند أبي بكر بن أبي شيبة أو وذكر ابن أبي شيبة أو وروى وكيع ابن الجراح أو فلان،
وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لغيره عن صاحب، ثم أقول: وعنه أو وعن فلان وأذكر ذلك الصاحب أو صاحبا آخر فإنما كل ذلك لمسلم، أو من الكتاب الذي أذكر أولا، حتى أسمي غيره، وربما تخللها كلام في رجل أو في شيء ما، وإذا قلت: وفي روايَة أخرى، أو في طريق أخرى ولا أذكر الصاحب؛ فإنه من ذلك الكتاب وعن ذلك الصاحب عن النبي ﷺ ، وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لسواه، ثم أقول: (زاد البخاري كذا وكذا، أو زاد فلان كذا وكذا، أو قال فلان كذا وكذا، أو لم أذكر الصاحب ولا النبي ﷺ ، وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر ذكرت الصاحب، وذكرت النبي ﷺ ، وربما ذكرت الزيادة وقلت: خرجها من حديث فلان، ولم أذكر النبي ﷺ ولكنه عن النبي ﷺ ، وإن كان حديثا كاملا ذكرت الصاحب وذكرت النبي ﷺ ، وإن كانت الزيادة أو الحديث الكامل لإسناد معتل ذكرت علته، ونبهت عليها بحسب ما اتفق من التطويل أو الإختصار، وإن لم تكن فيه علة كان سكوتي عنه دليلا على صحته، هذا فيما أعلم، ولم أتعرض لإخراج الحديث العتل كله، وإنما أخرجت منه يسيرا مما عمل به أو بأكثره عند بعض الناس، واعتمد عليه، وفُزِع عند الحاجة إليه، والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له أو أشتغل به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحدة، فذكرته منها، وربما بينه.
ومنها ما ورد من طريقين أو أكثر فذكرت منها ما أمكن، وأضربت عن سائرها.
ومنها ما لم أحص طرقه، ولو أردت ذكر ذلك لم أقدر عليه، ولا وجدت
стр. 119
سبيلا إليه، لضيق الباع، وقلة الاتساع، مع ما أكرهه أيضا من التكرار، وأرغب فيه من التقريب والإختصار.
وكثيرا ما أخذت من كتاب أبي أحمد بن عدي الجرجاني حديثا وتعليلا، وكذلك من كتاب أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، كتاب السنن، وكتاب العلل له.
وأخذت كلاما كثيرا في التجريح والتعديل من كتاب أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ومن كتاب غيره.
وربما أخذت حديثا من كتاب وتعليلا من كتاب آخر، أو كلاما في رجل، وقد بينت ذلك فى بعض المواضع.
وأكثر ما أذكر من العلل ما يوجب حكما ويثبت ضعفا، ويخرج الحديث من العمل به إلى الرغبة عنه، والترك له، أو إلى الإعتبار بروايته، مثل: القطع، والإرسال، والتوقيف، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد وليس كل إسناد يفسده الاختلاف.
وليس الإرسال أيضا علة عند قوم إذا كان الذي يرسله إماما، ولا التوقيف علة عند آخرين، إذا كان الذي يسنده ثقة.
وضعف الراوي علة عند الجميع.
وضعف الراوي يكون بالتعمد للكذب، ويكون بالوهم، وقلة الحفظ وكثرة الخطأ، وإن كان صادقا، ويكون بالتدليس، وإن كان ثقة فيحتاج حديثه إلى النظر، ويكون أيضا بجرحة أخرى مما يسقط العدالة، أو يوهنها أو برأي يراه، ومذهب يذهب إليه مما يخالف السنة ويفارق الجماعة، وقد يكون داعية إلى مذهبه ذلك، وقد يكون يعتقده ويقول به، ولا يدعو إليه، وبينهما عند بعضهم فرق، وللكلام في هذا موضع آخر، وإنما أذكر في هذا الكتاب كلام الأئمة في الراوي مختصرا.
стр. 120
وإذا ذكرته في موضع، وذكرت الكلام فيه، ووقع ذكره في موضع آخر، ربما ذكرت من تكلم فيه، وربما ذكرت ضعفه خاصة، وربما ذكرت الجرحة في بعض المواضع، وربما قلت: لا يصح هذا من قبل إسناده، اتكالا على شهرة الحديث في الضعف.
وإنما أعلل من الحديث ما كان فيه أمر أو نهي، أو يتعلق به حكم، وأما ما سوى ذلك، فربما كان في بعضها سمح.
وليس فيها شيء عن متفق على تركه، فيما أدري، وليس فيها أيضا من هذا النوع إلا قليل.
ولعل قائلا يقول قد كان فيما جمع أبو القاسم الزيدوني ﵀ ما يريحك عن تعبك ويغنيك عن نصبك، فما فائدتك فيما قصدت، وما الفائدة التي تعود عليك في هذا الذي جمعت؟
فأقول والله المستعان: إن لكل أحد رأيا يراه، وطريقا يلتمسه ويتوخاه، وإن أبا القاسم ﵀ أخذ الأحاديث غثها وسمينها، وصحيحها وسقيمها فأخرجها بجملتها، ولم يتكلم في شئ من عللها إلا في الشيء اليسير والنادر القليل، وقد ترك أحاديث في الأحكام لم يخرجها إذ لم تكن في الكتب التي أخرج حديثها، وإن كان فيها أحاديث معتلة، فقد أخرج أمثالها في الوهن وتلك الأحاديث التي ترك قد أخرجت منها ما يسر الله به، وما كان منها فيه علة فقد ذكرتها كما فعلت في سائر ما في الكتب من الحديث المعتل مما أخرجته منها، إلا أن تكون العلة لا توهن الحديث لضعفها، وقلة القائلين بها.
وأيضا فإن أبا القاسم عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة، وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظا واحدا، ولم يبين لفظ من هو؟ ولا من انفرد، وقل ما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو معنى، أو زيادة أو نقصان، ولم يبين هو شيئا من ذلك إلا في النزر القليل، أو في الحديث من المائة، أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك.
стр. 121
وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقا، ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به، وأما ما كان في الحديث من اختلاف معنى أو زيادة أو نقصان، فإنه يحتاج إلى تبيين ذلك وتمييزه وتهذيبه وتلخيصه حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والعنى الختلف، وإنما ترجم ﵀-على الحديث الواحد بما ترجم عليه من الكتب لتعرف شهرة الحديث.
فأخرجته من كتاب واحد، وبلفظ واحد، وكذلك ذكرت الزيادة من كتاب واحد وبلفظ واحد ليعرف صاحب اللفظ، ويتميز صاحب النص، وتقع نسبة الحديث إليه صحيحة.
وإن الحديث إذا جاء من طريق واحد صحيح، ولم يجيء ما يعارضه فإنه يوجب العمل وتلزم به الحجة (كما يوجب العمل، وتلزم به الحجة) إذا جاء من طرق كثيرة، وإن كانت النفس إلى الكترة أميل، وبها أطيب إذا كانت الكثرة إنما اجتمعت ممن يوثق بحديثه، ويعتمد على روايته.
وأن ذكر الحديث في مواضع كثيرة، ومجيئه في دواوين عديدة، وشهرته عند الناس لا يخرجه عن منزلته، ولا يرفعه في الحقيقة عن درجته، وأنه إذا رجع إلى طريق واحد حكم له بحكم الواحد، فإن كان صحيحا حكم له بحكم الصحيح، وإن كان سقيما حكم له بحكم السقيم، لأن الفرع لا يطيب إلا
بطيب الأصل.
وكما أن التواتر إذا رجع إلى آحاد حكم له بحكم الآحاد، إلا أن يكون الإجماع على عمل يوافق حديثا معتلا، فإن الإجماع حكم آخر، وهو الأصل الثالث الذي يرجع إليه، وليس ينظر حينئذ إلى علة الحديث، ولا لضعف الراوي ولا لتركه.
ولم يشتهر بالصحة من الكتب التي أخرج أبو القاسم ﵀ أحاديثها إلا كتابا الإمامين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن
стр. 122
الحجاج -رحمة الله عليهما-، وسائرها لم يعرف بالصحة ولا اشتهر بها، وإن كان فيها من الصحيح ما لم يجئ في الكتابين، كما أن فيها من السقيم ما يحتاج إلى الكلام فيه، والتنبيه عليه، والتمييز له، وإلا كان قارئه والعامل به يسير في ظلماء، ويخبط في عشواء.
مع أن أحاديث في الكتابين قد تكلم فيها، ولم يسلم لصاحبها إخراجها في جملة الصحيح، وإن كان ذلك الإعتراض لا يخرج الكتابين عن تسميتهما بالصحيحين.
ومع أن بعض الكلام في تلك الأحاديث تعسف وتشطط، لا يصغى إليه ولا يعرج عليه.
وقد أخرجت في هذا الكتاب أحاديث قليلة من كتاب وتركتها في كتاب أشهر من الكتاب الذي أخرجتها منه، ثم نبهت على كونها في ذلك الكتاب المشهور.
وإنما فعلت ذلك لزيادة في الحديث أو لبيانه، أو لكماله وحسن سياقه، أو لقوة في سند ذلك الحديث على غيره، ومنها ما فعلته نسيانا، ونبهت على الكل.
وقد يكون حديث بإسناد صحيح، وله إسناد آخر أنزل منه في الصحة، لكن يكون لفظ الإسناد النازل أحسن مساقا، أو أبين، فأخذه لا فيه من البيان، وحسمق الساق، إذ المعنى واحد، إذ هو صحيح من أجل الإسناد الآخر، أو يكون حديث تعضده آية ظاهرة البيان من كتاب الله تعالى، فإنه وإن كان معتلا أكتبه لأن معه ما يقويه، ويذهب علته، وهذا النوع المعتذر عنه في هذا المجموع قليل.
وجعلت هذا الكتاب مختصر الإسناد ليسهل حفظه، ويقرب تناوله، وتتيسر فائدته إلأ أحاديث يسيرة ذكرت سندها، أو بعضه ليتبين الراوي المتكلم فيه، لأنه ربما كان الراوي لا يعرف إلا حتى يذكر عَمَّن روى، ومن روى عنه، وربما فعلمت ذلك لقرب السند، وربما يكون مما تقدم ذكره، والكلام عليه في موضع آخر، أو
стр. 123
لغير ذلك، وربما ذكرت من الإسناد رجلا مشهورا يدور الحديث عليه، ويعرف به كما تقدم. وعلى كتاب مسلم فى الصحيح عولت، ومنه أكثر ما نقلت.
وإلى الله أرغب، ومنه ﵎ أسأل، وأطلب أن يجعل ذلك خالصا لوجهه، مقربا إليه، مزلفا لديه، وأن يعين على العمل به، والأخذ بما فيه، وأن ييسر لنا طريق النجاة، وسبيل الهداية، وأن يرزقنا طيب الحياة، وكرم الوفاة برحمته، لا رب غيره، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
المبحث الثالث: مصادر الكتاب:
كانت خدمة أبي الحسن بن القطان لكتاب عبد الحق الإشبيلي خدمة جليلة، ومنها أنه في أواخر كتاب "بيان الوهم والإيهام" قام بالترجمة للمصنفين الوارد ذكرهم عند عبد الحق، وقد اتبع منهجا فريدا في ذلك إذ غايته هو تقريب الكتاب لمن ليس من أهل الاختصاص، وهذا ما ييرره ما ذهب إليه من إغفال الترجمة لبعض من انتشر ذكره، واشتهر أمره بين المحدثين، وقد أشار إلى أنه رتب ذكرهم حسب أزمانهم، وهذه أسماء هؤلاء المصنفين: (١)
- أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار مولى قيس بن مخرمة، هو صاحب المغازي، وأبو عبد الله سفيان ابن سعيد بن مسروق الثوري، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار، ومالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأبو بشر إسماعيل بن إبراهيم، ووكيع بن الجراح بن مليح، وأبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم، وأبو محمد سفيان بن عيينة، وأبو داود سليمان بن داود الطالسي، وأبو بكر عبد الرزاق بن همام، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو جعفر محمد بن الصباح البزاز،
стр. 124
وَأَسَد بن موسى، المعروف بأسد السنة، وأبو عثمان سعيد بن منصور الخراسانى، وأبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي -وهو ابن أبي شيبة- وأو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المعروف بابن راهوية، وأبو محمد عبد بن حميد الكشي، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن سنجر الجرجانى، وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري، وعباس بن محمد الدوري، وأبو داود سليمان بن الأشعت بن إسحاق، وأبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي، وأبو بكر أحمد ابن أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني، القرطبي، وعلي بن عبد العزيز بن مروان البغوي، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، وأبو عبد الله محمد بن نصر الروزي، وأبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي، وأبو عبد الرحمن أحمد ابن شعيب بن علي النسائي، وأبو يحيى زكرياء بن داود الساجي، وأبو جعفر محمد بن جعفر بن جرير الطبري، وأبو بكر بن أبي داود سليمان بن الأشعث، وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الهمداني، وأبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي، وأبو محمد قاسم بن أصبغ البياني، وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي، وأبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، وأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني، وأبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الصري، وأبو محمد الأصيلي، وهو عبد الله بن إبراهيم، وأبو سعيد أحمد بن محمد بن أحمد الخليلي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الحاكم، وأبو الحسن محمد بن علي بن صخر الأزدي، البصري، وأبو أحمد الحاكم، وهو: محمد بن محمد بن أحمد الكرابيسي -صاحب كتاب الكنى- وأبو عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي، وأبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري.
стр. 125
وبعد أن أتم ابن القطان ترجمة من تقدموا قال: (وقد فرغنا من ترتيب ما وجدنا في الكتاب الذكور بالترتيب الصناعي، فما بقي من أمثاله وجب إلحاقه به). (١)
المبحث الرابع: القيمة العلمية للكتاب:
تتجلى تيمة هذا الكتاب من شهادات من تعاملوا معه ودرسوه واستفادوا منه وعرفوا قدره، ولا أحد ممن اطلع عليه يجهل قيمته، لا من الفقهاء ولا من المحدثين؛ فإن الجميع قد أفاد منه في مجاله، والمراجع لكتب الرجال المتأخرين- أمثال: "الميزان"، للذهبي، و"لسان الميزان"، لإبن حجر العسقلاني- يلحظ نقولا من كتاب عبد الحق، واعتمادا للأحكام الواردة فيه. (٢)
وأول الشهادات التي ينبغي الرجوع إليها لعرفة قيمة الكتاب وأهميته شهادة من خبره جملة جملة، وتفحصه كلمة كلمة، ونقده واستدرك عليه وهاجمه بعنف أحيانا، وسالمه أخرى؛ وهُو أبو الحسن ابن القطان، وهذا جزء من مقدمة كتابه "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" يبين هذه الحظوة التي كانت لهذا الكتاب في نفسه:
"وبعد: فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي- رحمة الله عليه- قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أفعال المكلفين، علما نافعا، وأجرا قائما زكى به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب الذكور وانتشر، وتلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، واقتصاده، وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع. ..)) (٣)
стр. 126
وقد كان كتاب الأحكام مطمحا لكل عالم أو متعلم حتى انتشر بين جميع الناس، واستفاد منه المحدثون، والفقهاء، والتكلمون، والأصوليون، كل بدرجة معينة، ولذلك قال أبو الحسن بن القطان:
(لذلك لا تجد أحدا سعى إلى نوع من العلوم الشرعية إلا والكتاب الذكور عنده، أو نفس ٥ متعلقة به، قد حداهم حسن تأليفه إلى الإكباب عليه وإيثاره، وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث؛ من فقهاء ومتكلمين وأصوليين، فإنهم الذين قد قنعوا به ولم يبتغوا سواه)). (١)
ولا ترجم الذهبي لعبد الحق الإشبيلي، قال بشأن كتب "الأحكام": (وسارت بـ"أحكامه الصغرى" و"الوسطى" الركبان. وله "أحكام كبرى" قيل هي بأسانيده، فالله أعلم). (٢)
وقد جرى عمل الفقهاء المتأخرين على عد الكتاب من وسائل وأدوات الإجتهاد؛ فمن ذلك أن قاضي الجماعة: ابن عبد السلام -شيخ ابن عرفة- في شرحه على "مختصر ابن الحاجب" قال: "ومواد الإجتهاد في زماننا أيسر منها في زمان التقدمين لو أرإد الله بنا الهداية، لأن كتب الأحاديث والتفاسير دونت، وكان الرجل يرحل في سماع الحديث الواحد".
ويعقب عليه ابن عرفة بقوله: (وما أشار إليه ابن عبد السلام من يسر الإجتهاد يساعد عليه مثل قراءة "الجزولية" في النحو، والكتب الفقهية، والإطلاع على أحاديث "الأحكام الكبرى" لعبد الحق، ونحو ذلك يكفي في تحصيل آلة الإجتهاد، مع الإطلاع على فهم مشكل اللغة بـ "مختصر العين" و"صحاح الجوهري" ونحو ذلك من غريب الحديث، سيما مع نظر ابن القطان، وتحقيقه
стр. 127
أحاديث الأحكام). (١)
والذي يرجع إلى كثير من كتب الفروع الفقهية المتأخرة يجدها ترجع من حين لَاخر لعبد الحق الإشبيلي ناقلة عنه، أحاديث من كتبه معتمدة على كلامه فيها، ومن هذا القبيل كثرة نقول ابن عرفة في مختصره، وغالبا ما ينقل عن ابن الخراط من كتاب الأحكام، مذيلا على نقله بقوله: تعقبه ابن القطان، أو لم يتعقبه.
المبحث الخامس: الأعمال العلمية الموضوعة على كتب الأحكام:
من أوجه الإهتمام بكتب الأحكام لعبد الحق ما وضع من المصنفات عليها، ما بين ناقل، أو ناقد، أو مستدرك، أو شارح، أو مختصر ...
وقد تنوع أصحاب هذه المصنفات في التعامل مع كتب الأحكام الثلاثة عموما، وكتاب الوسطى خصوصا، تارة بالنقل والإعتماد لما فيها من تصحيح وتضعيف، أو تعديل وتحريح، وأخرى بالنقد والإستدراك، وثالثة بالشرح أو الإختصار. (٢)
وهذه بعض هذه المؤلفات:
- استدراك للقاضي محمد بن عبد الله بن طاهر الحسيني الفاسي، أبو عبد الله، اشتهر بـ (ابن الصيقل) (ت ٦٠٨)
قال ابن عبد اللك:
(استدرك على "الأحكام الكبرى" لعبد الحق، أحاديث كثيرة في أكثر الكتب، رأى أن أبا محمد أغفلها، وأنها أولى بالذكر مما أورده أبو محمد في
стр. 128
الأحكام، دل ذلك على حسن نظره وجودة اختياره). (١)
لكن أشهر هذه المصنفات وأكثرها فائدة وعلما وتتبعا وتمحيصا هو: مصنف أبي الحسن بن القطان على هذا الكتاب: "بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الحكام لعبد الحق الإشبيلي"، ومصنف ابن المواق: "بغية النقاد".
стр. 129
الفصل الثالث
كتاب بيان الوهم والإيهام
المبحث الأول: اسم الكتاب وأبوابه
المبحث الثاني: على أي كتاب من كتب الأحكام الثلاثة وضع كتاب البيان؟
المبحث الثالث: بيان منهج ابن القطان في بيان الوهم والإيهام
стр. 130
المبحث الأول فى اسم الكتاب وأبوابه:
اسم هذا الكتاب هو: (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام)، هكذا ذكره طائفة ممن ترجم لأبي الحسن بن القطان (١). وهو كذلك في نسخة القرويين للكتاب. (٢)
وقد يذكر الكتاب مختصرا بـ (الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام) (٣)، كما يرد بـ (الوهم والإيهام) فقط، وهذا الإختصار الأخير هو الشائع عند كثير ممن نقل عن الكتاب أو استفاد منه، كالحافظ الذهبي وغيره. (٤)
وهذا الإسم الذي سمي به ابن القطان كتابه ينطبق تماما على محتواه، حيث إنه قسمه إلى قسمين:
- القسم الأول منهما لتتبع عبد الحق الإشبيلي في أوهامه الراجعة إلى نقوله؛ سواء من حيث التحويف في النقل، أو التصحيف، وما يليه، وهذه هي التي عبر عنها بـ (الوهم).
وهذا القسم يندرج تحته اثنى عشر بابا، كل باب يتناول فيه ما تجمع لديه من نفس الوهم من خلال كتاب الأحكام بكامله، وهذه الأبواب هي:
١ - باب الزيادة في الأسانيد.
٢ - باب النقص من الأسانيد.
стр. 131
٣ - باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها.
٤ - باب ذكر أحاديث يوردها من موضع عن راو ثم يردفها زيادة أو حديثا من موضع آخر موهما أنها عن ذلك الراوي، أو بذلك الإسناد، أو في تلك القصة، أو في ذلك الوضع، وليس كذلك.
٥ - باب ذكر أحاديث يظن من عطفها على أخر، أو إردافها إياها أنها مثلها في مقتضياتها، وليست كذلك.
٦ - باب ذكر أشياء متفرقة تغيرت في نقله، أو بعده عما هي عليه.
٧ - باب ذكر رواة تغيرت أسماؤهم وأنسابهم في نقله عما هي عليه.
٨ - باب ذكر أحاديث أوردها ولم أجد لها ذكرا، أو عزاها إلى مواضع ليست هي فيها، أو ليست كما ذكر.
٩ - باب ذكر أحاديث أوردها على أنها مرفوعة وهي موقوفة أو مشكوك في رفعها.
١٠ - باب ذكر أحاديث أوردها موقوفة وهي في المواضع التي نقلها منها مرفوعة.
١١ - باب ذكر أحاديث أغفل نسبتها إلى المواضع التي أخرجها منها.
١٢ - باب ذكر أحاديث أبعد النجعة في إيرادها، ومتناولها أقرب أو أشهر.
أما القسم الثاني فيعود إلى ما وقع فيه عبد الحق من أوهام متعلقة بنظره من
تصحيح ما هو ضعيف، أو تضعيف ما هو صحيح، أو تعليل ما هو سالم من
العلة، أو سكوته عما هو ضعيف ... وتحته واحد وعشرون بابا؛ لكن الذي يتعلق بمصطلح (الإيهام) تسعة عشر بابا، والبابان الأخيران يمكن إدراجهما في خدمة ابن القطان للكتاب لتيسير الإستفادة منه لعموم العلماء والمحدثين وطلبة العلم، فهما بمثابة فهارس علمية لكتاب الأحكام، وهي كالآتي:
стр. 132
١ - باب ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة أو مشكوك في اتصالها.
وضمن هذا الباب أربعة مدارك هي:
المدرك الأول لإنقطاع الأحاديث في هذا الباب.
المدرك الثاني لإنقطاع الأحاديث في هذا الباب.
المدرك الثالث لإنقطاع الأحاديث في هذا الباب، وهو العلم بتاريخ الراوي والمروي عنه.
المدرك الرابع لإنقطاع الأحاديث وهو أن يكون الإنقطاع مصرحا به في أسانيدها.
٢ - باب ذكر أحاديث ردها بالإنقطاع وهي متصلة.
٣ - باب ذكر أحاديث ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهى معتلة بغيره، ولم يبين ذلك فيها.
٤ - باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها من هو مثلهم أو أضعف أو مجهول لا يعرف.
٥ - باب ذكر أحاديث أعلها بما ليس بعلة، وترك ذكر عللها.
٦ - باب ذكر أحاديث عللها ولم يبين من أسانيدها مواضع العلل.
٧ - باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححا لها وليست بصحيحة.
٨ - باب ذكر أحاديث سكت عنها، وقد ذكر أسانيدها، أو قطعا منها، ولم يبين من أمرها شيئا.
٩ - باب ذكر أحاديث أتبعها منه كلاما يقضي ظاهره بتصحيحها، وليست
стр. 133
بصحيحة.
١٠ - باب ذكر أحاديث أتبعها منه كلاما لابين منه مذهبه فيها، فبين أحوالها من صحة أو سقم أو حسن.
١١ - باب ذكر أحاديث أوردها على أنها صحيحة أو حسنة، وهي ضعيفة من تلك الطرق صحيحة أو حسنة من غيرها.
١٢ - باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها منها، وهي ضعيفة منها، صحيحة أو حسنة من طرق آخر.
١٣ - باب ذكر أحاديث ضعفها، وهي صحيحة أو حسنة، وما أعلها بلا ليس بعلة.
١٤ - باب ذكر أحاديث ضعفها، ولم يبين بماذا، وضعفها إنما هو الإنقطاع أو توهمه.
١٥ - باب ذكر أمور جميلة من أحوال رجال يجب اعتبارها، فأغفل ذلك أو تناقض فيه.
١٦ - باب ذكر رجال لم يعرفهم، وهم ثقات، أو مختلف فيهم.
١٧ - باب ذكر أحاديث عرف ببعض رواتها فأخطأ في التعريف بهم.
١٨ - باب ذكر رجال ضعفهم بما لا يستحقون، وأشياء ذكرها عن غيره، وهي محتاجة إلى التعقيب.
١٩ - باب ذكر أحاديث أغفل منها زيادات مفسرة، أو مكملة أو متممة.
٢٠ - باب ذكر المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه، ما أخرج من حديث أو تعليل أو تجريح أو تعديل.
стр. 134
٢١ - باب ذكر مضمن كتاب الإشبيلي على نسق القصنيف. (١)
وبهذا يكون الكتاب قد اشتمل على ثلاثة وثلاثين بابا، ضمن قسميه: الوهم، والإيهام.
المبحث الثاني: على أي كتاب من كتب الأحكام الثلاثة وضع كتاب بيان الوهم والإيهام ؟
وكتاب "بيان الوهم والإيهام" موضوع على "الأحكام الوسطى"، ومن عادة ابن القطان أنه يرجع من حين لآخر إلى "الأحكام الكبرى" إن احتاج إلى ذلك، للنظر في سند حديث، أو تتبع روايات ... وكثيرا ما ينعت هذا الأخير بالكتاب الكبير، لكن التعقيب منه دائما جار على الوسطى. (٢)
وقد أفاد وأجاد فضيلة الدكتور إبراهيم بن الصديق في بيان أن "بيان الوهم"
قد وضع على "الوسطى" ولم يُيق في ذلك شكا ولا رييا لمرتاب. (٣)
ومن الغريب أن نجد بعض أهل العلم -حتى من القدماء- يخلطون في المسألة.
فأبو العباس الغبريني (ت ٧١٤) يرى أن كتاب "البيان"، لأبي الحسن بن القطان موضوع على الصغرى، حيث قال:
(وقد كتب أبو عبد الله بن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على "الأحكام الصغرى" نكتا واستلحاقا ..). (٤)
стр. 135
ولعل أبا عبد الرحمن الظاهري تبع الغبريني في هذا الوهم أولا، حتى تبين له الصواب ثانيا، فأخذ به.
يقول أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
(تقصيت ترجمة ابن القطان، وتأملت مواقف عنايته بعبد الحق في "بيان الوهم والإيهام" فما وجدت له إشارة إلى شرح لأحد أحكام عبد الحق، فتيقنت أن المراد بالشرح انتقاد ابن القطان للأحكام الصغرى بكتابه الوهم والإيهام). (١)
لكن أبا عبد الرحمن الظاهري تبين له أخيرا أن كتاب "بيان الوهم والإيهام" موضوع على الوسطى، وهذا ما صرح به ثانية. (٢)
وبما تقدم بيانه يتبين أن من قال بأن "بيان الوهم" موضوع على الكبرى، ليس بمخطئ، وإن كان المقام يستدعي البيان، سيما واسم "الكبرى" مشترك: حيث وضع للكبرى أصلا وأطلق على الوسطى، وانتشر هذا الإطلاق الثاني للوسطى حتى غلب على أصل التسمية.
وممن ذكر أنه موضوع على الكبرى دون أن بببن:
أبو جعفر الكتاني؛ وهذا نص كلامه:
(كتاب الأحكام الشرعية الكبرى ... في ست مجلدات انتقاها من كتب الأحاديث، وقد وضع عليها الحافظ الناقد أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكتامي، العروف بابن القطان ... كتابه المسمى: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام"). (٣)
стр. 136
المبحث الثالث: بيان منهج ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام:
تمهيد:
سلك الحفاظ المتقدمون طرقا ثلاثة في تصانيفهم:
- طائفة سطرت في مقدمة كتابها مُضَمَّنه، وفصلت المنهج الذي ستسير عليه فيه، حتى يتبين للقارئ المهيع المسلوك، وبالتالي لا يقع اختلاف في مقاصد ومرامي المؤلف.
- طائفة ثانية انتقلت في تأليفها مباشرة إلى ما ترمي إليه، دون بيان منهج التصنيف فيه، أو تفاصيله، وهذه كلفت القارئ بالبحث عن المنهج، وحملته عبء استقراء النصوص، وقراءة المرامي والمقاصد من خلال المصنَّف نفسه.
- وطائفة ثالثة وسط بين الطائفتين؛ لا هي فصلت المنهج وبيئته بيانا شافيا، ولا هي تركت الأمر غفلا، وهؤلاء ألمعوا إلماعا إلى منهجهم معتمدين في تبيان بقيته على فطنة القارئ ومعرفته وتمرسه بمناهج المصنفين في كتبهم المختلفة.
وصاحبنا ابن القطان من الطائفة الأولى التي لم تترك القارئ في حيرة من أمره، ولذا تجده يضع مقدمة لكتابه يسطر فيها منهجه فيه، ويضع بين يدي القارئ صورة مجملة لمضمن الكتاب والأبحاث المتناولة فيه، وهذا نص هذه المقدمة: (١)
"الحمد لله كما يحق له ويجب، والصلاة والتسليم على محمد نبيه المصطفى المنتخب وبعد؛ فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي -رحمة الله عليه- قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكام أفعال المكلفين علما نافعا وأجرًا قائما، زكا به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر
стр. 137
وتلفي بالقبول، وحق له ذلك لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه واقتصاده وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع، فلذلك لا تجد أحدا ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم الشرعية، إلا والكتاب المذكور عنده، أو نفسه متعلقة به، قد حداهم حسن تأليفه إلى الاكباب عليه وإيثاره، وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث من فقهاء ومتكلمين وأصوليين، فإنهم الذين قد قنعوا به، ولم يبتغوا سواه، حتى لربما جر عليهم جهالات -ضرهم بها، كما نفع غيرهم ممن ينظر في هذا العلم- منها:
اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله، فرواها وتفقد أسانيدها، وتعرف أحوال رواتها فعلم بذلك صحة الصحيح، وسقم السقيم، وحسن الحسن، فإنها كثير مما احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث التي لا يحتوي عليها إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه، وهذا ممن اعتقده غلط، بل إتقان كتاب من كتب الحديث وتعرفه كما يجب، يحصل به أكثر ما يحصل الكتاب المذكور من صناعة النقل.
فإنه ما من حديث يبحث عنه حق البحث، إلا ويجتمع له من أطرافه، وضم ما في معناه إليه، والتنبه إلى ما يعارضه في جميع ما يقتضيه، أو بعضه، أو يعاضده ومعرفة أحوال نقلته وتواريخهم ما يفتح له في آلاف من الأحاديث.
وكذلك يجب عليه أيضا اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلا لابد فيه من البخاري، وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم، وما ذكره من عند أبي داود ربما ليس هو عند الترمذي أو النسائي ولذلك ذكره من عند أبي داود، وما علم أنه ربما لم يخل منه كتاب.
وكذلك أيضا يجر عليهم تحصيل الأحاديث منه غاية التشتت، بحيث يتعرض للغلط في نسبتها إلى مواضعها بأدنى غيبة عنها. ولذلك ما ترى المشتغلين به الآخذين أنفسهم بحفظه ينسبون إلى مسلم ما ليس عنده، وإلى غيره ما لم
стр. 138
يذكر كذلك.
وربما شعر أحدهم بأنه بذلك مدلس كتدليس من يروي ما لم يسمع عمن قد روى عنه من حيث يوهم قوله: ذكر مسلم أو البخاري كذا، أنه قد رأى ذلك في موضعه ونقله من حيث ذكر، فيتحرج من ذلك أحدهم فيحوجه ذلك إلى أن يقول: ذكره عبد الحق، فحصل من ذلك فى مثل ما يحصل فيه من يذكر من النحو مسألة هي في كتاب سيبويه، فيقول: ذكرها المهدوي فى التحصيل، أو مكي في الهداية، أو يذكر مسألة من الفقه هي في أمهات كتبه، فينسبها إلى متأخري الناقلين منها، بخلاف ما يتحصل الأمر عليه في نفس قارئ كتاب مسلم وأبي داود مثلا، فإنه يعلم الأبواب مرتبة مصنفة، وأطرافها من غيره، وما عليها من زيادات أو معارضات أو معاضدات مرتبة عليها في خاطره، بحيث لا يختل، ولا يتثبج إلا في الندرة.
والذي يحصل من علم صحة هذا الذي وصفناه للمزاول أكثر وأبين مما وصفنا منه.
فالكتاب المذكور من حيث حسنه وكثرةُ ما فيه، قد جر الإعراضَ عن النظر الصحيح والترتيب الأول من تحصيل الشيء من معدنه، وأخذه من حيث أخذه هو وغيره، هذا على تقدير سلامته من اختلال نقل، أو إغفال أو خطأ في نظر أهل هذا الشأن.
فأما والأمر على هذا فقد يجب أن يكون نظر من يقرِؤه وبحثه أكثر وأكبر من بحث من يقرأ أصلا من الأصول، لا كما يصنعه كثير ممن أكب عليه من اعتمادهم على ما نقل، وتقليدهم إياه فيما رأى، وذهب إليه من تصحيح أو تسقيم، وقد يعمم بعضهم هذه القضية في جميع نظر المحدث ويقول: إنه كله تقليد.
стр. 139
وإن غاية ما ينتهي إليه الناظر بنظرهم تقليد معدل أو مجرح، فهو كتقليد مصحح أو مضعف للحديث، وهذا ممن يقوله خطأ، بل ينتهى الأمر بالمحدث إلى ما هو الحق من قبول الرواية، ورد الرأي، فهو لا يقلد من صحح ولا من ضعف، كما لا يقلد من حرم ولا من حلل، فإنها في العلمين مسائل مجتهدة، لكنه يقبل من رواية العدل الناقل له من أحوال من روى عنه الحديث ما يحصل عنده الثقة بنقله أو عكس ذلك.
ونقلهم لذلك إما مفصلا، وإما مجملا بلفظ مصطلح عليه، كألفاظ التعديل والتجريح فإنهم قد تواضعوا عليها بدلا من التطواف على جزيئات الأحوال، وتأديتها على التفصيل، فلما كان يحصل لنا من نقل العدل إذا قال لنا: إن فلانا كان ورعا حافظا ضابطا فهما عالما أن فلانا المذكور مقبول الرواية، مرجح جانب صدقه على جانب كذبه، فكذلك يحصل لنا ذلك إذا قال لفظا من الألفاظ المصطلح عليها.
ولبيان هذا المعنى والإنفصال عما يعترض به عليه مواضعه.
ولما كان الحال على ما وصفت من احتواء الكتاب المذكور على ما لا يعصم منه أحد، ولا سيما من جَمَع جَمْعَه وأكثر إكثاره، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه. تجردت لذكر المعثور عليه من ذلك، فذكرته مقيدا به، وممثلا لما لم أعثر عليه من نوعه، إذ الإحاطة متعذرة، وانحصر في ذلك في أمرين، وهما نقله ونظره. أما نقله ... (١)
فجميع هذا القسم إيهام منه لصحة سفيم أو سقم صحيح، أو لإتصال منقطع، أو لإنقطاع متصل، أو لرفع موقوت، أو لوقوت مرفوع، أو لثقة ضعيف، أو لضعيف ثقة، أو لتيقن مشكوك، أو لتشكك في مستيقن، إلى غير ذلك من مضمنه.
стр. 140
وباعتبار هذين القسمين من الأوهام والإيهامات سميته: (كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام).
والباب الذي لذكر الزيادة المفسرة أو الكملة هو باب يتسع ويكثر مضمنه، ولم نقصده بالجمع، فالذي ذكرنا فيه إنما هو التييسر ذكره، ولعلنا نعثر منه على الأكثر بعد إن شاء الله.
وقد كنت شرعت في باب أذكر فيه ما ترك ذكره من الأحاديث الصحاح الفيدة أحكاما لأفعال المكلفين -لست أعني ما ترك من حسن أو ضعيف، فإن هذا قد اعترف هو بالعجز عنه وهو فوق ما ذكر، بل من قسم الصحيح- فرأيته أمرا يكثر ويتعذر الإحاطة به، ورأيت منه كثيرا لا أشك في أنه تركه قصدا بعد العلم به والوقوف عليه، وعلمت ذلك؛ إما بأن رأيته قد كتبه في كتابه الكبير الذي يذكر فيه الأحاديث بإسنادها، الذي منه اختصر هذا، وإما بأن يكون مذكورا في باب واحد من مصنف، أو في حديث صحابي واحد من مسند مع ما ذكر هنا، فعلمت أنه ترك ذلك قصدا خطأ أو صوابا، فأعرضت عن هذا المعنى، وهو أيضا إذا تعرض له لا يصلح أن يكون باب من كتاب، بل ديوانا قائما بنفسه، يتجنب فيه ما ذكره هو فقط، وقد يظن ظان أن كتابنا هذا مقصور الإفادة على من له بكتاب أبي محمد عبد الحق اعتناء، فذلك الذي يستفيد منه إصلاح خلل، أو تنبيها على مغفل، وهذا الظن ممن يظنه خطأ.
بل لوكان كتابنا قائما بنفسه، غير مشير إلى كتاب أبي محمد المذكور كان بما فيه من التنبيه على نكت حديثية، خلت عنها وعن أمثالها الكتب، وتعريف برجال يعز وجودهم، ويتعذر الوقوف على المواضع التي استفدنا أحوالهم منها، وأحاديث أفدنا فوائد في متونها، أو في أسانيدها، وعلل نبهنا عليها، وأصول أشرنا إليها، أفيد كتاب وأعظم ثمرة تجتنى.
ومن له بهذا الشأن اعتناء يعرف صحة ما قلت: وقد كاد يكون مما لم نسبق إلى مثله في الصناعة الحديثية، وترتيب النظر فيها المستفاد، بطول البحث، وكثرة
стр. 141
المباحثة والمناظرة والمفاوضة وشدة الإعتناء، ووجود الكتب التعذر وجودها على غيرنا مما تيسر الإنعام به من الله سبحانه علينا له الحمد والشكر.
فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقد وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلا أحاديث يسيرة جدا لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهدا، ولا أدعي سلامة من الخطأ لكني أتيت بالمستطاع، فإن أصبت فأرجو تضعيف الأجر، والله يعفو عن الزلل، ويتفضل بأجزال ثواب بذل المجهود، ولا حول ولا قوة إلا به، وهذا حين أبتدئ مستعينا بالله سبحانه". اهـ
стр. 142
الباب الثاني
ابن المواق وكتابه "بغية النقاد "
الفصل الأول: التعريف بابن المواق ومكانته العلمية
الفصل الثاني: أنواع التعقبات في كتاب بغية النقاد
الفصل الثالث: موارد ابن المواق في بغية النقاد
الفصل الرابع: جهود ابن المواق في علوم الحديث
الفصل الخامس: متفرقات
стр. 143
الفصل الأول
التعريف بابن المواق ومكانته العلمية
تمهيد: ندرة ترجمة ابن المواق وآثار ذلك على الباحثين
المبحث الأول: اسم ونسب ابن المواق
المبحث الثاني: البيئة العلمية التي نشأ بها ابن المواق
المبحث الثالث: شيوخ ابن المواق
المبحث الرابع: تلاميذ ابن المواق
المبحث الخامس: المذهب الفقهي لإبن المواق
المبحث السادس: المكانة العلمية لإبن المواق
المبحث السابع: ابن المواق والتصحيح والتضعيف
المبحث الثامن: ابن المواق وعلم الجرح والتعديل
المبحث التاسع: ابن المواق وعلم علل الحديث
المبحث العاشر: مصنفات ابن المواق
المبحث الحادي عشر: تأكيد نسبة بغية النقاد لإبن المواق
стр. 144
تمهيد عام بين يدي ترجمة ابن المواق:
من الملاحظ أن ترجمة ابن المواق شحيحة ونادرة، ولم تتناولها المصادر والمراجع بالشكل الذي يسمح بإعطاء صورة واضحة العالم عن هذه الشخصية العلمية الفذة، فليس لدينا ما يمكن أن نركب منه الجوانب المكونة لهذا النبوغ الذي كان لديه في علم الحديث، وغيره من العلوم التي شارك فيها.
ندرة ترجمة ابن المواق في المصادر، وآثار ذلك على الباحثين:
لو رجعنا إلى المصادر التي ترجمت لأبي عبد الله بن المواق، لما وجدنا ما يشفي الغليل في هذا الصدد، بل لعل أفضل من ترجمه هو ابن عبد اللك في "الذيل والتكملة لكتاب موصول الصلة"، ولم تصل فيه ترجمته لأكثر من صفحة ونصف، وحتى صاحب "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" لما تناول التعريف به لم يرد على نقل هذه الترجمة بنصها من "الذيل والتكملة"، اللهم إلا ما كان من التعريف بوالد المترجم، وذكر بعض شيوخه، وتسليط الضوء على بعض ما كان يتمتع به من مكانة علمية ... كل ذلك في
إيجاز واقتضاب.
أما غير هذين المصدرين فلا يعرج على ابن المواق إلا من خلال الكلام على كتابه "بغية النقاد"، أو"المآخذ الحفال ... "، أو نقول عنه وعزوها له ...
وقد كان لهذا الشح في هذه الترجمة نتائج على التعريف به، نضرب لذلك أمثلة، منها:
- عدم معرفته بالمرة عند بعض رجال العلم، ولا أقول من طرف المشارقة فحسب، بل حتى من طرف أقرب الناس إليه -أعني المغاربة- أسوق لذلك مثالا، فهذا محمد بن الحسين العراقي الحسني، الأستاذ بكلية القرويين وأمين خزانتها - لما قام بالتعليق على شرح الحافظ العراقي لألفيته المسمى بالتبصرة والتذكرة، وكذا على فتح الباقي للحافظ زكرياء الأنصاري، والتعريف بالأعلام الواردة في
стр. 145
الشرحين المذكورين قال في شأن الامام ابن المواق:
"ابن المواق الحافظ، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر: هكذا في جل شروح الألفية، ولم أقف على من ترجمه في الكتب المعتمدة في التراجم". اهـ (١)
- عدم ضبط اسم والده عند طائفة من الباحثين، إذ بعضهم قال فيه: (يحيى) (٢)، بينما اسمه:
(أبو بكر)، وكنيته: (أبو يحيى). (٣)
- بل أكثر من هذا نجد بعضهم زاد إغراقا في الخلط بين مترجمنا: ابن المواق، وبين المواق الفقيه، رغم أن المواق ليس من طبقة الأول: ولا يشترك معه لا في اسمه، ولا في نسبه، ولا فيما اشتهر به من علم، فالمواق اسمه: محمد بن يسوف، (٤) وقد اشتهر بالفقه، وهو الذي شرح "مختصر خليل" ... وصاحب كتاب "سنن المهتدين في مقامات الدين".
وكانت وفاته سنة ٨٩٧، وممن تنبه إلى هذا الأمر، أبو سالم العياشي، فقد ذكر أنه اطلع على نسخة من "تكملة ابن الأبار"، جاء في هامشها -بخط