التعريف بصاحب الكتاب: علي بن هبة الله بن علي بن جعفر، أبو نصر، المعروف بابن ماكولا. قال السلفي: سألت شجاع الذهلي عن ابن ماكولا، فقال: كان حافظا فهما ثقة. له مصنفات عدة؛ منها: (الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب). (١)
- المتفق والمفترق، للخطيب البغدادي (٢)
- الألقاب، لإبن الفرضي (٣)
عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي، أبو الوليد القرطبي، الحافظ، سمع بالأندلس من جماعة، منهم ابن عبد البر، وأبو زكرياء يحيى بن مالك بن عابد، ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز، المعروف بابن الخراز، تم ارتحل إلى إفريقية ومصر ومكة، فسمع من شيوخ هذه البلاد. صنف العديد من المصنفات منها: (تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس)، و (المؤتلف والمختلف،)، و (الألقاب).
قتله البربر في داره سنة ثلاث وأربعمائة، عن اثنتين وخمسين سنة. (٤)
٨ - طبقات الصحابة:
-كتاب الصحابة، لإبن السكن. (٥)
стр. 212
-كتاب الإستيعاب، لإبن عبد البر. (١)
التعريف بصاحب الكتاب: القاضي أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر ابن عاصم، النمري، القرطبي، حافظ المغرب، (٣٦٨ هـ - ٤٦٣ هـ) له مصنفات كثيرة، منها: (التمهيد لما في الموطأ من العاني والأسانيد)، و (الإستذكار بمذاهب علماء الأمصار) (٢)، و (الكافي) في الفقه، و (الدر في المغازي والسير)، و (الإستيعاب في معرفة الأصحاب) (٣)
٩ - كتب الفقه:
- المختصر، للمزني. (ت ٢٦٤ هـ (٤)
التعريف بصاحب المختصر: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني، المصري، تلميذ الشافعي، وناصر مذهبه، حلاه الذهبي بقوله: (الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد)، وقال فيه أيضا: (وهو قليل الرواية، ولكنه كان رأسا في الفقه)، له مصنفات كثيرة، منها "المختصر". توفي سنة أربع وستين ومائتين. (٥)
- التعليق على المختصر، لأبي حامد الإسفرايني. (ت ٤٠٦ هـ). (٦)
التعريف بصاب التعليق على المختصر: أبو حامد الإسفرايني، أحمد بن
стр. 213
محمد بن أحمد، شيخ الشافعية ببغداد، حدث عن أبي بكر الإسماعيلي، وسمع (السنن) من الدارقطني. من الذين سمعوا منه: القاضي أبو الحسن الماوردي. انتهت إليه رياسة الدين والدنيا ببغداد، وعلق عنه تعاليق في شرح المزني. ذكر الخطيب البغدادي أنه كان ثقة، وأنه سمع منه في مسجد ابن المبارك، وكان يحضر مجلسه جم غفير من الفقهاء. (١)
١٠ - كتب في فنون مختلفة، متون الحديث وغيرها:
- المراسيل، لأبي داود. (ت ٢٧٥ هـ) (٢)
- المنتخب، لعلي بن عبد العزيز. (ت ٢٨٦ هـ) (٣)
التعريف بصاحب المنتخب: علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور، الإمام الحافظ الصدوق، أبو الحسن البغوي، نزيل مكة. سمع أبا نعيم، والقعنبي .. حدث عنه أبو القاسم الطبري، وخلق كثير، من الرحالة. قال الدارقطني.: ثقة مأمون. وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقا. وتكلم فيه النسائىِ لأخذه الأجرة على التحديث. قال أبو بكر بن السني: بلغني أنهم عابوه على الأخذ. فقال: يا قوم: إنا قوم بين الأخشبين، إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قُعَيْقعان، يقول: من بقي؟ فيقول: بقي المجاورون. فيقول: أطبق. من مصنفاته (المسند الكبير). (٤)
- عمل اليوم والليلة، للنسائى. (ت ٣٠٣ هـ) (٥)
стр. 214
- تهذيب الآثار، لأبي جعفر الطبري. (ت ٣١٠ هـ) (١)
التعريف بالكتاب وصاحبه: محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري. إمام رحالة في طلب العلم، له إطلاع واسع على فنون كثيرة؛ منها: الفقه والتفسير والحديث والنحو واللغة والعروض .. له تصانيف كثيرة، منها: كتاب التفسير، وتهذيب الآثار، وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله ﷺ . قال ياقوت: وهو كتاب يتعذر على العلماء عمل مثله، ويصعب عليهم تتمته. وقال الفرغاني: وابتدأ تصنيف كتاب تهذيب الآثار، وهو من عجائب كتبه .. وتكلم (فيه) على كل حديث بعلله وطرق، وما فيه من الفقه والسنن واختلاف العلماء وحججهم، ما فيه من المعاني والغريب، فتم منه مسند العشرة، وأهل البيت والموالي ومن مسند ابن عَباس جزء، ومات قبل تمامه. (٢)
- شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي. (ت ٣٢١ هـ) (٣)
التعريف بصاحب الكتاب: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، المصري، الحنفي، الإمام العلامة الحافظ، قال السيوطي: وكان ثقة ثبتا فقيها لم يخلف بعده مثله، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، له تصانيف بديعة؛ منها: شرح معاني الآثار، ومشكل الآثار. (٤)
- مشكل الآثار، للطحاوي كذلك. (٥)
стр. 215
- المراسيل، لإبن أبي حاتم الرازي. (ت ٣٢٧ هـ) (١)
-كتاب الحروف، لإبن السكن. (ت ٣٥٣ هـ) (٢)
-كتاب صحيح ابن حبان. (ت ٣٥٤ هـ) (٣)
التعريف بصاحب الصحيح: محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ، البستي. قال الخطيب: "كان ثقة نبيلا فهما". وقال الحاكم كان ابن حبان: "من أوعية، العلم في الفقه واللغة والحديث .. " من مصنفاته: المسند الصحيح، والتاريخ، وكتاب الضعفاء. (٤)
- غريب الحديث، للخطابي. (ت ٣٨٨ هـ) (٥)
التعريف بصاحب الكتاب: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، أبو سليمان، البستي، الخطابي، صاحب التصانيف، سمع من أبي سعيد بن الأعرابي بمكة، وأبي بكرداسة بالبصرة، وآخرين، وسمع منه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، وخلق كثير، من مصنفاته: (معالم السنن)، وهو شرح لسنن أبي داود، و (غريب الحديث)، و (أعلام الحديث). (٦)
стр. 216
- غريب حديث مالك، للدارقطني. (١)
-كتاب ابن الفرضي. (ت ٤٠٣ هـ) (٢)
- فوائد الأصيلي. (ت ٣٩٢ هـ) (٣)
التعريف بصاحب الكتاب: عبد الله بن إبراهيم، أبو محمد، الأصيلي، نشأ بأصيلا، وتفقه بقرطبة، سمع ابن المشاط، وابن السليم القاضي، رحل إلى القيروان وسمع بها، ثم إلى مصر، فسمع من أبي القاسم حمزة بن محمد الكناني، ثم إلى مكة، فسمع من طائفة؛ ومن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي صحيح البخاري، ودخل بغداد فسمع من أبي بكر الشافعي، ورجع إلى الأندلس بعلم غزير، له كتاب "الدلائل" في اختلاف مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. قال عياض: (كان من حفاظ مذهب مالك، ومن العالمين بالحديث، وعلله ورجاله). (٤)
-كتاب هبة الله اللالكائي. (ت ٤١٨ هـ). (٥)
التعريف بصاحب الكتاب: هبة الله بن الحسن بن منصور، أبو القاسم الطبري، الرازي، الشافعي اللالكائي (٦)، سمع عيسى بن علي الوزير، وأبا طاهر المخلص، روى عنه ابنه محمد بن هبة الله، والخطيب البغدادي. صنف كتابا في
стр. 217
السنن، وكتابا في معرفة أسماء من في الصحيحين، وكتابا في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. قال الخطيب: (كان يفهم ويحفظ)، مات سنة ثمان عشرة وأربع مائة. (١)
- الإيصال، لإبن حزم. (ت ٤٥٦ هـ) (٢)
التعريف بالكتاب وصاحبه: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الأندلسي القرطبي، الظاهري، صاحب المصنفات العديدية، منها: كتاب (المحلى)، وكتاب (الإيصال إلى فهم كتاب الخصال): وهو عبارة عن شرح كبير لكتاب الخصال الجامعة لمحصل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام -له كذلك-)، أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، في مسائل الفقه ودلائله. قيل إن جزءا من "الإيصال" بمكتبة حميد الدين باليمن، ولم يثبت ذلك، وزعم أبو تراب الظاهري أن لديه بعضه. (٣)
- المحلى، لإبن حزم. (٤)
- التمهيد، لإبن عبد البر. (ت ٤٦٣ هـ) (٥)
-كتاب أبي محمد الرشاطي. (ت ٥٤٢ هـ). (٦)
التعريف بالمؤلف: عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن أحمد
стр. 218
ابن عمر اللخمي، الأندلسي، أبو محمد الرشاطي الحافظ النسابة، من أهل أوريولة، وسكن المرية، يروي عن أبي علي الغساني، وأبي الحسن ابن الدش، وابن فتحون، وجماعة، من مصنفاته: (اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب ولاة الآثار)
كان ضابطا محدثا متقنا إماما، ذاكرا للرجال، حافظا للتاريخ والأنساب، فقيها بارعا، استشهد عند دخول العدو المرية سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة. (١)
- التحقيق في أحاديث التعليق، لإبن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ). (٢)
اسم الكتاب: سماه الذهبي: (التحقيق لأحاديث التعليق) (٣) وذكره رياض زادة مختصرا باسم (كتاب التحقيق) (٤) وسماه ابن عبد الهادي: "التحقيق في أحاديث التعليق". وسماه بعضهم: التحقيق في أحاديث الخلاف (٥)
التعريف بصاحب الكتاب: عبد الرحمن بن علي بن محمد، أبو الفرج، الشهير بابن الجوزي، الحافظ الكبير، البغدادي، الحنبلي، الواعظ المتفنن صاحب التصانيف الشهيرة والمفيدة؛ منها: زاد المصير، وتلقيح فهوم أهل الأثر، والموضوعات، وصيد الخاطر، وتلبيس إبليس، والتحقيق في أحاديث التعليق. (٦)
стр. 219
الفصل الرابع
جهود ابن المواق في علوم الحديث
стр. 220
مباحث الفصل الرابع
المبحث الأول: الحكم على السند المعنعن
المبحث الثاني: الحكم على السند المؤنن
المبحث الثالث: تدليس التسوية
المبحث الرابع: متى يحكم على الحديث بالإنقطاع
المبحث الخامس: حكم مراسيل الصحابة
المبحث السادس: حكم الرواية بالمكاتبة
المبحث السابع: حكم النسبة إلى الجد
المبحث الثامن: هل سمع الحسن من ابن عباس
المبحث التاسع: شرط البخاري ومسلم
المبحث العاشر: الحديث الحسن
المبحث الحادي عشر: والجهالة وحكمها
المبحث الثاني عشر: بم تثبت العدالة؟
المبحث الثالث عشر: هل في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابحي؟
المبحث الرابع عشر: الرواية بالمعنى
المبحث الخامس عشر: الإهتمام بنسبة روايات كتب الحديث إلى مؤلفيها
стр. 221
تمهيد:
علم مصطلح الحديث من العلوم التي شارك في بناء لبناتها عدد كبير من الحفاظ والمحدثين، وابن المواق شأنه شأن غيره من جهابذة هذا الفن، فقد أدلى بدلوه في كثير من قضاياه، وأسهم في ترسيخ أسسه وأصوله، وهذه بعض
النماذج التي لإبن المواق فيها نصيب من البناء والتأصيل:
بعض القضايا التي شارك بها ابن المواق في مصطلح الحديث:
المبحث الأول: الحكم على السند المعنعن (١):
اختلف الأئمة في حكم الإسناد المعنعن علي مذاهب؛ منها:
المذهب الأول: السند المعنعن من قبيل المرسل والمنقطع ما لم يتبين اتصاله من جهة أخرى.
وهذا القول حكاه ابن الصلاح ولم يسم قائله. (٢)
وكان من مذهب شعبة أن الإسناد المعنعن ونحوه ليس بحجة؛ وهذا ما نقله عنه الحافظ السخاوي:
(كل إسناد ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل) (٣). ونُقل عنه كذلك: (فلان عن فلان ليس بحديث). (٤)
стр. 222
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي -بعد نقله لكلام شعبة السابق-: قال وكيع وقال سفيان: (هو حديث). (١)
لكن الذي استقر عليه شعبة مؤخرا (أنه حديث)، وهذا ما صرح به ابن عبد البر حيث قال: (ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان. (٢)
المذهب الثاني: أن العنعنة تفيد الإتصال بشروط ثلاثة هي: المعاصرة وثبوت اللقيا والسلامة من التدليس (٣)، وهذا الذي عليه حذاق الفن كعلي بن المديني والإمام البخاري وطائفة. (٤)
وقريب من هذا ما ذهب إليه ابن عبد البر -مع دعوى الإجماع- حيث قال:
"اعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي:
١ - عدالة المحدثين في أحوالهم.
٢ - ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة.
٣ - وأن يكونوا برآء من التدليس. (٥)
стр. 223
وقال الخطب البغدادي: "وأهل العلم مجمعون على أن قول المحدث: "حدثنا فلان عن فلان" صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك حديثًا نازلا فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عاليا، فيقول: "حدثنا فلان عن فلان" أعني الذي لم يسمعه منه، لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الإتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده" (١)
ومن الذين ادعوا الإجماع على عد الأحاديث العنعنة متصلة، إذا خلت من التدليس، الحاكم النسيابوري. (٢)
المذهب الثالث: وهو اشترط المعاصرة مع إمكان اللقاء دون تحقق ثبوته، فمتي كان الراوي بريئا من تهمة التدليس، وكان لقاؤه بالمروي عنه بالعنعنة ممكنا من حيث السن والبلد، كان حديثه عنه متصلا سواء ثبت أنهما التقيا أو لم يثبت ذلك.
وهذا ما ذهب إليه الإمام مسلم في صحيحه، ونافح عنه في مقدمة كتابه بما لا مزيد عليه، ومنه قوله: "وذلك لأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا، حتى تكون الدلالة التي بينا ". (٣)
стр. 224
ومذهب أبي الحسن بن القطان أنه لا يعد الحديث المعنعن متصلا وإن ثبت سماع المُعَنْعِن من المعنعَن عنه ما لم يصرح بسماعه لذلك الحديث منه.
قال ابن القطان تعقيبا على عبد الحق الإشبيلي في حديث عرفجة: (فعلى طريقة المحدثين ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة فإنها معنعنة، وقد زاد فيها ابن علية واحدا، ولا يدرأ هذا قولهم أن عبد الرحمن بن طرفة سمع جده، وقول- يزيد بن زريع أنه سمع من جده. فإن هذا الحديث لم يقل فيه أنه سمعه منه، وقد أدخل بينهما فيه الأب ...) (١)
ولما تكلم ابن المواق على حديث رافع بن خديج (٢) نقل عن ابن القطان قوله:
"ففيه كما ترى زيادة "رفاعة بن رافع" بين عباية، وجده رافع، ولم يكن في حديث مسلم، من رواية الثوري وأخيه- وهما روياه عن أبيهما - ذكر لسماع عباية من جده رافع، إنما جاء به معنعنا يحتمل الزيادة لواحد فأكثر؛ فبين أبو الاحوص عن سعيد أن بينهما واحدا، وهو رفاعة بن رافع؛ والد عباية، وإن كان الترمذي قد قال: "أن عباية سمع من جده رافع بن خديج"، فليس في ذلك أنه سمع منه هذا الحديث". (٣) ثم اجتهد في رده دعوى ابن القطان، وبين أن الحكم على السند المعنعن الذكور بأنه لا يصح دعوى باطلة، ولكننا نجد ابن المواق يتابع شيخه فيتعقبه بعدم تعليله حديثين ذكرهما عبد الحق من طريق أبي الزبير عن جابر معنعنا (٤)، والذي يظهر لي أنه إنما تعقبه في ذلك جريا على ما التزم به ابن القطان بتعليل رواية أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، وإلا فمذهب ابن
стр. 225
المواق في العنعنة والأنأنة واحد، وسيأتي ذكره في المبحث التالي.
المبحث الثاني: الحكم على السند المؤنن (١):
اختلف المحدثون في حكم الحديث المروي بهذه الصيغة على مذاهب، منها:
المذهب الأول: "أن فلانا قال كذا" هو بمنزلة "عن" في الحمل على الإتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه انقطاع. (٢)
وهذا ما ذهب إليه ابن عبد البر حيث قال: "جمهور أهل العلم على أن "عن" و"أن" سواء وأن الإعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع واَلمشاهدة فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا كان حديث بعضهم عن بعض أبدا بأي لفظ ورد محمولا على الإتصال، حتى يتبين فيه علة الإنقطاع". (٣)
وقد نسب هذا المذهب الخطيب البغدادي إلى الإمام مالك بن أنس ﵀. (٤)
المذهب الثاني: أن "عن" و"أن" ليسا سواء.
وهو المروى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀. (٥)
وحكى الحافظ ابن عبد البر في التمهيد عن أبي بكر البرديجي: أن حرف "أن" محمول على الإنقطاع حتى يتبين السماع لذلك الخبر بعينه من جهة أخرى.
стр. 226
لكنه لم يرتضه لذا تعقبه بقوله: "هذا عندي لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه: "قال رسول الله ﷺ " أو "أن رسول الله ﷺ قال" أو "عن رسول الله ﷺ أنه قال" أو"سمعت رسول الله ﷺ "، كل ذلك سواء عند العلماء، والله أعلم". (١)
وهناك من فرق بين كون الصحابي الذي روى بـ"عن" أو "أن" وبين، غيره. (٢)
المذهب الثالث: العبرة بإدراك الراوي للمروي عنه أو عدم إدراكه؛ وقد ذكر تفصيل هذا المذهب السيوطي (٣)، وهو كالآتي: ذلك أن الراوي إذا روى حديثا في قصة أو واقعة، فإن كان ادرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ ، وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك القصة أدرك تلك الواقعه، فهي محكوم بها بالإتصال.
فإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي.
فإن كان الراوي تابعيا فهو منقطع.
وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة.
وختم السيوطي الكلام على ذلك بما نقل عن ابن المواق من قوله: "وقد حكى اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابن المواق". (٤)
стр. 227
وهذا الذي نقله السيوطي عن ابن المواق هو ما عنده في البغية- عند كلامه على حديث عرفجة- فقد نقل -أي أبو عبد الله بن المواق- عن ابن السكن أنه نبه على أن حديث عرفجة مرسل؛ لأن عبد الرحمن تابعي، لم يشاهد القصة، ولم يذكر من حدثه، فبقى الحديث مرسلا، ونص كلامه:
"وهو أمر بين لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا اللسان في انقطاع ما يروى كذلك وإرساله إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث والذي قبله". (١)
وهذا الذي ذهب إليه ابن المواق هو ما عمل به شيخه أبو الحسن بن القطان في غير ما حديث؛ منه حديث (عكرمة: أن أم حبيبة استحيضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنظر أيام إقرائها) فقد عده منقطعا؛ حيث قال: ذكر من طريق أبي داود عن عكرمة أن أم حبيبة استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها الحديث. هكذا أورده وسكت عنه. وهو حديث مرسل أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضا يصح له ذلك ...). (٢)
المبحث الثالث: تدليس التسوية وحكمه:
التدليس في اللغة إخفاء العيب وكتمانه، وأصله من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، فمن دلس الحديث فقد جعل أمره مظلما على الواقف عليه بما أخفى من حاله، كما تخفى الأشياء على البصر في الظلمة. (٣)
стр. 228
وينقسم التدليس إلى قسمين (١) أحدهما:
تدليس الإسناد (٢)، وتحته أنواع، أذكر منها الآتي:
- تدليس الإسقاط: وهو أن يروي المحدث عمن لقيه وسمعه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه موهما أنه لقيه وسمع منه. ومن صيغة: (عن فلان)، أو (أن فلان)، أو (قال فلان)، ونحو ذلك من الصيغ التي لا تفيد التصريح بالسماع، وقد يكون الساقط واحدا أو أكثر. (٣)
- تدليس القطع: وهو أن يقطع اتصال أداة الرواية بالراوي. (٤).
- تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ ويعطف عليه شيخا - آخر له، ولا يكون ذلك المروي من الثاني. (٥)
стр. 229
- تدليس التسوية: وهو أن يروي المدلس حديثا بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف ويجعل بين الثقتين عبارة موهمة، فيصير الإسناد كله ثقات بحسب الظاهر، وقد كان القدماء يسمونه (تجويدا) (١).
قال بدر الدين الزركشي في نكته على ابن الصلاح: "واعلم أن بعضهم سمى هذا النوع تدليس التسوية، ومنهم أبو الحسن بن القطان وتلميذه ابن المواق؛ فقال في "بغية النقاد":
(وصورته عند أئمة هذا الشأن أن يعمد الراوي إلى إسقاط راو من بين شيخه وبين من رواه عنه شيخه، أو من بين شيخ شيخه ومن رواه عنه شيخ شيخه ليقرب بذلك الإسناد، وإنما يفعل من يفعله منهم في راويين علم التقاؤهما واشتهرت رواية أحدهما عن الآخر حتى يصير معلوم السماع منه، ثم يتفق له في حديث أن ورويه عن رجل عنه، فيعمد ذلك المسوي إلى ذلك الرجل فيسقطه؛ فيبقى الإسناد ظاهر الإتصال فيسوي الإسناد كله ثقات وهذا شر أقسام التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس ويجده الواقف على المسند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفى هذا غرور شديد، قال: ومثاله: حديث علي "إذا كان لك ما تبادرهم" ح، جرير (٢) سمع من أبي إسحاق (٣)، وروى عنه الكثير، ثم يروي هذا الحديث عن الحسن بن
стр. 230
عُمارة (١) عنه، فإسقاط الحسن بن عُمارة لكونه ضعيفاً تسوية". اهـ (٢)
المبحث الرابع: متى يحكم على الحديث بالإنقطاع:
عقد ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام بابا عنوانه: باب ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها. فمهد له بالضوابط التي يحكم بها على الحديث بالإنقطاع فقال:
"اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات:
- الأولى قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه.
- الثانية أن توجد رواية المحدث عن المحدث لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالإنقطاع ...
- الثالثة أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه.
стр. 231
- الرابعة أن يكون الإنقطاع مصرحا به من المحدث، مثل أن يقول: حدثت
عن فلان، أو بلغني، إما مطلقا، وإما فى حديث حديث". اهـ (١)
هكذا ذكر ابن القطان هذه المدارك الأربعة للإنقطاع، وكذلك نقلها عنه بدر الدين الزركشي في نكته على ابن الصلاح، ثم نقل تعقيب تلميذه ابن المواق عليه في المدرك الثاني فكان منه أن قال:
"قال ابن المواق في بغية النقاد: "وإنما يكون الذي ذكره في الثانية منقطعا بشروط:
أحدهما أن يكون الراوي قد عنعن ولم يصرح بالسماع، ولا بما يقتضيه من "حدثنا" وشبهه.
الثاني أن يكون راوي الزيادة ثقة، فإن رواية غير الثقة مناقضة غير قادحة، قال النسائي: لا يحكم بالضعفاء على الثقات.
الثالث ألا يخالف راوي الزيادة الحفاظ، ولا يأتي بشذوذ وما لا يتابع عليه، وإن كان ثقة (٢) فإنه إذا خالف الحفاظ أو شذ لم تعتبر روايته وكان القول قول الجمهور، قال: وهذا الشرط لم يعتبره ابن القطان، وليس كما قال؛ فإن الجمهور ردوا رواية عبد الرزاق عن ابن جريج حديث أم كرز في العقيقة (٣) وحكموا
стр. 232
بوهمه لا قالت الحفاظ من أصحاب ابن جريج، فزاد في إسناده راويا (١) بين سباع بن ثابت وأم كرز؛ ممن نقل ذلك أحمد بن حنبل وأبو بكر النيسابوري والدارقطني وغيرهم"". (٢)
المبحث الخامس: حكم مراسيل الصحابة:
تعريف مرسل الصحابي:
"هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ، ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك". (٣)
ومن هذا القسم كثير من حديث سهل بن سعد الساعدي، والحسن بن علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، وأبو الطفيل الكناني، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخزمة، وغيرهم. (٤) ذكر ابن الصلاح أن حكم الرسل -غير مرسل الصحابي- حكم الحديث الضعيف، ثم أكد ذلك بقوله:
"وما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم. وفي صدر صحيح مسلم: "الرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة". وابن عبد البر، حافظ المغرب، ممن حكى ذلك عن جماعة أصحاب
стр. 233
الحديث". (١)
وبعد كلام له في المرسل انتقل إلى مرسل الصحابي، فقال:
"ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة (٢)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول". (٣)
وقال صاحب محاسن الإصطلاح: "حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة، ولكن الخلاف ثابت، ذكره بعض الأصوليين عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وحكى بعض المحدثين فيه الخلاف، لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين، وللخطيب أبي بكر تصنيف في الصحابة الذين رووا عن التابعين، بلغ عددهم ثلاثة وعشرين صحابيا، والمراد أن غالب رواية الصحابة إنما هو عن صحالي مثله". (٤)
وذهب النووي في التقريب إلى أن مرسل الصحابي "محكوم بصحته على المذهب الصحيح". (٥)
وزاد السيوطي ذلك شرحا " [أنه] الذي قطع به الجمهور من أصحابنا
стр. 234
وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف الرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها". (١)
قال الزركشي: "قال الحافظ أبو علي الغساني: ليس يعد مرسل الصحابي مرسلا؛ فقد كان يأخذ بعضهم عن بعض ويروي بعضهم عن بعض، وقال: كان لعمر بز الخطاب جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل هو يوماً والآخر يوما، قال: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره. وقال البراء: ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا، وكنا لا نكذب.
وقال ابن طاهر في كتاب اليواقيت: كان من مذهب الصحابة - رضي الله تعالي عنهم - أنه إذا صح عندهم أن رسول الله ﷺ ذكر حديثا رووه عنه من غير أن تذكر الواسطة بينهم، فقد روى أبو هريرة وابن عباس قصة -وأنذر عشيرتك الأقربين- وهذه القصة كانت بمكة في بدء الإسلام لم يحضرها أبو هريرة ويصغر عنها سنن ابن عباس، وروى ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وقوف النبي ﷺ -على قليب بدر، وابن عمر لم يحضر بدرا". (٢)
ثم حكى الزركشي الإجماع على الإحتجاج بمراسيل الصحابة.
ثم قال: "ولم أر من خالف في ذلك سوى ابن القطان فإنه علل حديث جابر في صلاة النبي ﷺ عند الكعبة بأن جابرا لم يدرك من حدثه بذلك ... ". (٣)
ولما كان أبو الحسن بن القطان يعد مرسل الصحابي منقطعا وضعيفا، فإننا نراه
стр. 235
يعلل أحاديث كثيرة من أحكام عبد الحق الإشيبلي بكونها من مراسيل الصحابة، وهو في ذلك لا يفرق بين ما أخرج في الصحيحين أو غيرهما، ومما رده لهذا السبب:
- حديث زيد بن حارثة أن جبريل لما نزل على النبي ﷺ أراه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها في الفرج. الحديث ذكره عبد الحق الإشبيلي من طريق البزار. (١)
فقد عقب أبو عبد الله ابن المواق على شيخه في الحديث المتقدم مبينا سبب تعليل ابن القطان لهذا الحديث متناولا أوجه رده المحتملة واحدا واحدا إلى أن خلص إلى القول: فلم ييق موضع نظر إلا فيما بين أسامة والنبي ﷺ ، وأسامة قد روى عن النبي ﷺ حديثا كثيرا. فأراه إنما يريد، والله أعلم، أن أسامة تصغر سنه عن وقت نزول جبريل، وتعليمه النبي ﷺ الوضوء والصلاة". (٢)
ولما كان مذهب أبي عبد الله بن المواق قبول مرسل الصحابي فقد رد على شيخه في هذا الوجه بقوله: "وهذا إن كان معنيه فليس بصواب (٣). فإن أقصى ما في ذلك أن يكون سمعه من أبيه، أو من غيره ممن شاهد ذلك، هذا إن لم يكن سمعه من النبي ﷺ ، وليس ذلك بقادح في الحديث؛ فإن الصحابة كلهم عدول لا يوضع في رواياتهم هذا النظر، كما لا يوضع فيهم تعديل ولا تجريح؛ فإنهم عدول بتعديل الله تعالى، وهم الأمناء على الوحي المأخوذ عنهم كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ". (٤)
- حديث جابر بن عبد الله في إمامة جبريل بالنبي ﷺ فقد ذكره عبد الحق
стр. 236
الإشبيلي من طريق النسائي، وفيه: فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ الحديث. (١)
قال ابن القطان تعقيبا عليه: "وهو أيضا يجب أن يكون مرسلا كذلك، إذ لم يذكر جابر من حدثه بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لما علم من أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة، وابن عباس، وأبو هريرة: اللذان رويا أيضا قصة إمامة جبريل، فليس يلزم فى حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر، لأنهما قالا: إن رسول الله ﷺ قال ذلك وقصه عليهم". (٢)
- حديث ابن عباس، الذي ذكره الإشبيلي من طريق الترمذي؛ قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ منها الحديث ... فقد رده ابن القطان، وبين أنه مرسل، حيث قال: "فإن شريكا رواه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة؛ قال: "أجنبت فاغتسلت من جفنة، فجاء النبي ﷺ الحديث.
ذكر ذلك الدارقطني، فزاد -كما ترى- "عن ميمونة" فيجب أن تكون رواية شعبة والثوري وأبي الأحوص عن سماك مرسلة إذ لم تذكر فيها ميمونة، ويتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك، وإنما تلقاه من ميمونة خالته، والله أعلم". (٣)
وإذا كان ابن المواق قد رد على شيخه ابن القطان في تعليل الأحاديث
стр. 237
بمراسيل الصحابة، فإنه كذلك فعل مع عبد الحق الإشبيلي، فهذا الأخير لما ذكر حديثا ذكر أنه من مسند عقبة بن عامر - أنه أتى النبي ﷺ فأخبره أن أخته نذرت أن تمشى إلى الكعبة حافية ... - تعقبه ابن المواق بأن الحديث من مسند ابن عباس، ﵄، فكان منه أن قال: ما نصه: "فابن عباس وإن كان من أصاغر الصحابة فإنه قد روى عن النبي ﷺ حديثا كثيرا، ومحمله على السماع حتى يتبين في لفظه أنه لم يسمعه، وأنه إنما سمعه بواسطة، فحينئذ يقدم على ذلك". (١)
المبحث السادس: الرواية بالمكاتبة:
هو أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له شيئا من حديثه، أو يبدأ الشيخ بكتاب ذلك مفيدا للطالب بحضرته، أو من بلد آخر.
قال صاجما المحدث الفاصل بين الراوي والواعي:
"وأما الكتاب من المحدث إلى آخر بأحاديث يذكر أنه أحاديثه سمعها من فلان كما رسمها في الكتاب - فإن الكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكا فيه، فإن كان شاكا فيه لم تحز له روايته عنه، وإن كان متيقنا له - فهو وسماعه [و] الإقرار منه سواء، لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة - إما بكتاب وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه- كان ذلك كله سواء، وقد روى عن النبي ﷺ ما يدل على أنه أقام الإشارة مقام القول في باب العبارة: (وهو حديث الرجل الذي أخبره أن عليه عتق رقبة، وأحضره جارية فقال إنها أعجمية، فقال لها النبي ﷺ : "أين ربك"؟ فأشارت إلى السماء، قال "من أنا؟ " قالت أنت
стр. 238
رسول الله. قال: "أعتقها" (١) " (٢).
وقد صحح هذا النوع والرواية به كل من أيوب السختياني، ومنصور بن المعتمر، والليث بن سعد، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين.
وذكر القاضي عياض -كذلك- أن المشايخ أجازوا الحديث بذلك متى صح عنده أنه خطه وكتابه؛ وعللوا ذلك بأن كتابه إليه بخط يده أو إجابته إلى ما طلبه هو أقوى إذن بذلك، وبهذا قال حذاق الأصوليين، واختاره المحاملي -من أصحاب الشافعي-؛ قال: وذهب ناس إلى أنه لا تجوز الرواية عنه، وهذا
غلط. (٣)
ومن مذهب البخاري الإحتجاج بالمكاتبة وعدها من قبيل الأحاديث المتصلة لذا عقد بابا في صحيحه عنونه بقوله: "باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان". ثم أورد عقبه حديثا معلقا (٤): "وقال أنس: نسخ عثمان الصاحف فبعث بها إلى الآفاق، ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك ذلك جائزا، واحتج بعض أهل العلم في المناولة بحديث النبي ﷺ ؛ حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا كذا. الحديث ... (٥)
قال ابن حجر في الفتح: "والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي أن يكتب الضيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن في روايته عنه، وقد سوى الصنف بينها وبين المناولة". (٦)
стр. 239
وقد قال ابن حجر في شرح قوله: (نسخ عثمان المصاحف ...): "ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالإعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها، والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن فإنه متواتر عندهم". (١)
وجاء في صحيح البخاري بالسند المتصل إلى عبد الله بن عباس، ﵄، أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ... الحديث. (٢)
قال السخاوي عقب ذكره لهذا الحديث: "وقد صارت كتب النبي ﷺ دينا يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أو بكر، وعمر، وغيرهما من الخلفاء الراشدين فهو معمول به". (٣)
وقال عياض: "وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم: كتب إلى فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في الأسانيد كثيرا". (٤)
وتبعه ابن الصلاح فقال: "وكثيرا ما يوجد في مصنفاتهم قولهم "كتب إلى فلان: قال حدثنا فلان" والمراد به هذا، وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الوصول". (٥)
стр. 240
وروى أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس أنه سمع خاله مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لا أراد الخروج إلى العراق التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك عنه، قال مالك: ثم بعثت بها إليه. (١)
وفي الصحيحين اجتماعا وانفرادا أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي، أو من رواية غير التابعي ونحو ذلك؛ فمما اجتمعا عليه:
- حديث ورّاد الثقفي، قال كتب معاويه إلى المغيرة - رضى الله عنهما - أن اكتب إلي ما سمعت من رسول الله ﷺ فكتب إليه: "سمعت النبي ﷺ يقول إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال وكثره السؤال" (٢)
- حديث عبد الله بن عون؛ قال كتبت أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون. الحديث (٣)
وفي الصحيحين أحاديث أخر من هذا النوع غير ما ذكر. (٤)
ومما انفرد به البخاري حديث هشام الدستوائي؛ قال: كتب إلى يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رفعه: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا
стр. 241
حتى تروني". (١)
ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص؛ قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، ﵄، مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، فذكر الحديث. (٢)
بل روى البخاري عن شيخه محمد بن بشار بالمكاتبة. (٣)
وبهذا يتبين أن مذهب الجمهور جواز الرواية بالمكاتبة واعتبارها من المسند المتصل، لكن من الذين قالوا بالمنع: الماوردي في الحاوي، وقال السيف الآمدي: لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ؛ كقوله: فاروه عني، أو أجزت لك روايته. (٤)
أما أبو الحسن بن القطان الفاسي فقد اعتبر الرواية بالمكاتبة من قبيل المنقطع لذا علل أحاديث كثيرة في الصحيحين وردها بذلك، وقد ضمن مذهبه هذا في المدرك الرابع من مدارك الإنقطاع، من باب ذكر أحاديث أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة أو مشكوك في اتصالها، ومن أمثلة ذلك حديث جابر بن سلمة المتقدم قرييا، فإنه تعقب عبد الحق الإشبيلي في ذكره لهذا الحديث مع سكوته عنه؛ حيث قال: "وهو عند مسلم ﵀ منقطع؛ إنما كتب به جابر بن سمرة عامر بن سعد ... ". (٥)
وتعقب عبد الحق كذلك في حديث عبد الله بن أوفى -الذي ذكره من طريق مسلم- وقال:
стр. 242
"وهو حديث لم يسمعه أبو النضر سالم بن عبد الله بن أبي أوفى وإنما كتب به إلى مولاه ... ". (١)
ثم ساق نفس الحديث من طريق البخاري وبين أنه رواه كذلك ابن أبي الزناد مكاتبة، وختم بقوله: "فالحديث إذن منقطع حدث به أبو النضر عن كتاب ابن أبىِ أوفى إلى مولاه المذكور". (٢)
وقد استحسن ابن القطان صنيع عبد الحق الإشبيلي حينما ذكر حديث ابن
عمر في الدعوة قبل القتال، حيث قال: "وذكر أبو محمد حديث ابن عمر ... كما وقع فبرئت منه عهدت؛ قال: عن ابن عون كتب إلى نافع أسأله عن الدعوة قبل القتال فكتب إلي ... فمثل هذا هو الصواب في أمثاله أن ييين أنه من كتاب فاعلمه". (٣)
ولم يوافق أبو عبد الله بن المواق شيخه على ما ذهب إليه من عده الحديث المروي بالمكاتبة منقطعا لذا رد ذلك على شيخه، وقد نقل هذا الرد الحافظ زين الدين العراقي في شرحه على ألفيته (٤).
المبحث السابع: النسبة الى الجد:
من المؤاخذات التي آخذ بها أبو الحسن بن القطان عبد الحق الإشبيلي أنه
стр. 243
نسب بعض الرواة إلى أجدادهم، ومن مذهبه أن الراوي يجب أن ينسب إلى أبيه، وهذه بعض النماذج لذلك:
جاء في الأحكام لعبد الحق الإشبيلي ما نصه: "أبو داود عن عبد الرحمن بن يزيد قال: استأذن علقمة والأسود على عبد الله وقد كنا أطلنا القعود ... ". (١)
فتعقبه ابن القطان بأن صوابه الذي يجب أن يكون عليه هو: "عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد ... والذي أورد أبو محمد [يعني عبد الحق] لا هو ما وقع في سنن أبي داود، ولا هو إصلاح له". (٢)
ولما كان من مذهب أبي عبد الله بن المواق جواز نسبة الراوي إلى جده إذا لم يكن في ذلك لبس فقد استدرك على شيخه ابن القطان بأن غاية جناية عبد الحق فيه أن نسب راويا إلى جده. ثم قال:
"وهذا شائع لا حجر فيه إذا لم يكن فيه لبس".
ثم استدل ابن المواق على ما ذهب إليه بجزء من حديث البراء بن عازب الذي أخرجه البخاري ومسلم (٣) وهو قوله ﷺ : "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد الطلب". وكذا بحديث ضمام بن ثعلبة الذي أخرجه البخاري، (٤) وفيه: "يا ابن عبد الطلب إني سائلك ... " وختم بقوله: "وهذا كثير جداً، معمول به عند المحدثين وغيرهم، فالمؤاخذة بمثله ليس فيها درك". (٥)
стр. 244
وذكر عبد الحق في الأحكام حديث أسامة بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو -مرفوعا- ما تركت بعدي فتنة ... الحديث. فقال عبد الحق "وسعيد بن عمرو" حيث نسبه إلى جده. وفي حديث صلاته ﷺ في مسجد بني عبد الأشهل -الذي ذكره من طريق البزار- قال عبد الحق: "من رواية إبراهيم بن أبي حبيبة" فتعقبه ابن القطان بأنه قد أخطأ في الحديثين وأن الصواب أنه إن وجد الراوي منسوباً إلى جده بينه، لا العكس كما فعل في الراوي إبراهيم بن أبي حبيبة، حيث إن الذي عند البزار "إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة".
وقد تعقبه ابن المواق بأن المؤاخذة بمثله قريبة ليس فيها كبير درك في المشاهير من الرواة كإبراهيم المذكور وعبد الرحمن بن الأسود المتقدم وأمثالهما.
ثم نص ابن المواق على أن ابن القطان نفسه وقع فيما واخذ به عبد الحق الإشبيلي في مواطن قريبة في كتابه من مكان تعقبه هذا -بل قد يقع له ذلك عدة مرات في الصفحه الواحدة- حيث قال: "ذكره أبو علي بن السكن ... فإن يحيى بن صاعد". وبموجب مذهبه كان عليه أن يقول في الأول: سعيد ابن عثمان بن السكن، وفى الثاني: يحيى بن محمد بن صاعد.
وخلاصة مذهب ابن المواق هو الذي ختم به كلامه في هذا الموضوع بقوله:
"والصواب في هذا ما ذكرته أن يتسامح في هذا؛ في الرجال المشاهير ... ويتقى غير ذلك في غير المشاهير فإنه يكون فيه إبهام لأمرهم وتعمية لطريق تعرفتهم". (١)
وقال بدر الدين الزركشي (٢): "قوله (٣): "عن ابن مجاهد كان ينسب
стр. 245
النقاش إلى جد له"
يقتضي كراهة ذلك، ولهذا جعله تدليسا، وحكى ابن المواق في "بغية النقاد" خلافا في نسبة الرجل إلى جده، واختار التفصيل بين المشهور به فجوز ذلك، وإلا فلا لما فيه من إبهام أمرهم وتعمية طريق معرفتهم". (١)
المبحث الثامن: هل سمع الحسن من ابن عباس ﵄ -؟
ذكر عبد الحق الإشبيلي، من عند أبي داود، حديث ثعلبة بن صعير في زكاة الفطر، وقال بعده: "ورواه أيضا من حديث الحسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، والحسن لم يسمع من ابن عباس".
فاعترضه ع في دعوى عدم السماع، ووعد بذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها على أنها منقطعة، وهى متصلة. ولما لم يذكره حيث وعد، استدرك عليه أبو عبد الله بن المواق مفصلا الكلام في الموضوع ومبرزا لمذهبه فيه، وهذا مجمله:
حجة من ادعى سماع الحسن من ابن عباس:
رواية رواها نريد بن هارون في هذا الحديث: عن حميد، عن الحسن، قال: "خطبنا ابن عباس" فذكر الحديث. خرجه الترمذي في كتاب العلل الكبير. (٢)
وروي أيضا عن أحمد بن حنبل أنه قال: كانت له من ابن عباس مجالسة (٣)
ولما ذهبت طائفة من المحدثين إلى أنه لم يسمع منه فقد رجحوا رواية أخرى على هذه الرواية، المتقدمة، أو تأولوا قوله: " خطبنا ... ".
стр. 246
فهذا الترمذي يقول: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال رواه غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن؛ قال خطب ابن عباس. وكأنه رأى هذا أصح من رواية يزيد، وإنما قال هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة؛ يقولون في أيام علي، كان علي أمره بالبصرة، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة. (١) وممن تأول قوله "خطبنا" أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين، وأبو بكر البزار.
قال أبو جاتم الرازي: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، يعني خطب أهل البصرة". (٢)
ونقل قاسم بن أصبغ عن علان، عن عباس الدوري أنه سمع يحيى بن معين يقول: "لم يسمع الحسن من ابن عباس ... يقولون إن الحسن كان غائبا في إمارة ابن عباس على البصرة". (٣)
وتأول البزار قوله "خطبنا"؛ حيث قال: "وذكر أنه خطبهم ابن عباس، فهذا الموضع مما أنكر عليه، وابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة، وإنما كان عندنا ". (٤)
وروى ابن وضاح عن أبي جعفر السبتي أنه قال: "الحسن عن ابن عباس لم يسمع منه، رسل عنه". (٥)
وبعد ذكر هذه النقول عن هؤلاء الأئمة أشار أبو عبد الله بن المواق إلى أن اتفاقهم على ذلك يدل على صحة قول ق: أنه لم يسمع منه.
стр. 247
وبعد ذلك خلص ابن المواق إلى أن ما نسب إلى أحمد بن حنبل من أنه كانت له منه مجالسة، إنما روي من طريق ابن خيرون عن محمد بن الحسين البغدادي، وابن خيرون يروي المناكير عن محمد بن الحسين -هذا منها- أما محمد بن الحسين البغدادي فمجهول بالنقل؛ لم يذكره الخطيب في تاريخه -ولا غيره- في أهل بغداد، فلا عبرة بنقله. (١)
قلت: وممن نفى سماع الحسن من ابن عباس كذلك علي بن المديني؛ حيث قال:
""خطبنا ابن عباس بالبصرة" إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: قدم علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقولهم غزا بنا مجاشع بن مسعدة". (٢)
وقال بهز بن أسد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس". (٣)
وقال الزيلعي: "وقد أنكر عليه قوله: "خطبنا ابن عباس بالبصرة، لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحصن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة". (٤)
وأخرج أبو داود عن ابن المثنى، عن سهل بن يوسف، عن حميد، عن الحسن، عن ابن عباس أنه خطب في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم ... ". (٥)
وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد،
стр. 248
عن الحسن، عن ابن عباس. (١)
وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به. وقال "الحسن لم يسمع من ابن عباس". وفي الصلاة، وأيضا في الزكاة: عن علي بن حجر، عن يزيد بن هارون، عن حميد، به. (٢)
وأخرجه أحمد في مسنده؛ قال: حدثنا يحيى، حدثنا حميد، عن الحسن، عن ابن عباس؛ قال: "فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة كذا وكذا ونصف صاع بر". (٣)
وقد ادعى الدكتور عمر عبد العزيز الجغبير أن الحسن لقي ابن عباس وسمع منه، محتجا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد؛ وهو: "حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن ابن سيرين أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لإبن عباس: (قام له رسول الله ﷺ ، فقال: قام وقعد". (٤)
وقال الدكتور عمر عقبه: "وفي الحديث تصريح باللقاء والسماع". (٥)
قلت: إن المراد في سند الحديث هو: "الحسن بن علي"، وليس "الحسن البصري". وبالرجوع إلى رواية النسائي يتبين المراد:
"أخبرنا قتيبة؛ قال حدثنا حماد عن أيوب، عن محمد بن [ابن سيرين] أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودي؟ قال ابن عباس: نعم، ثم
стр. 249
جلس". (١)
وجاء في رواية البيهقي كذلك التصريح بأنه الحسن بن علي، وهذا نصها:
" أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا طاهر بن الزبيري، ثنا أبي عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز أن جنازة مرت بابن عباس والحسن بن علي ﵄، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم النبي ﷺ ؟ فقال الآخر: بلى ثم قعد". (٢)
ثم إن الحافظ المزي لا أورد رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس قال ما نصه: "حديث أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس ... الحديث في مسند الحسن بن علي بن أبي طالب". (٣)
وبهذا يتبين أن لا حجة عند من ادعى سماع الحسن من ابن عباس
المبحث التاسع: شرط البخاري ومسلم:
لم ينص البخاري ومسلم على شروط اشترطوها في صحيحيهما، ولكن العلماء فهموا شروطهما بالتتبع والإستقراء، اللهم إلا ما كان من مسلم فقد وضع مقدمة لكتابه ضمنها منهجه الذي سار عليه، تناول فيها بعض ما يمكن أن يدخل في هذا الإطار.
وقد ذكر الحاكم في "معرفة علوم الحديث" صفة الحديث الصحيح؛ فقال في وصفه:
"أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة؛ وهو أن يروي
стр. 250
عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". (١)
وتكلم الحاكم في "المدخل في أصول الحديث" (٢) على أقسام الحديث فقسمها إلى عشرة أقسام، خمسة منها متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها، فقال:
"فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواه من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح". (٣)
وفهمت طائفة كبيرة من كلام الحاكم المتقدم أن شرط الشيخين البخاري ومسلم ألا يخرجا إلا حديثا سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضا عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا النوال برسول الله ﷺ ، وأنهما لم يخرجا حديثا لم يعرف إلا من جهة واحدة، أو لم يروه إلا راو واحد، وإن كان ثقة. فانبرت طائفة من المحدثين للرد على الحاكم فيما ذهب إليه؛ قال الحازمي:
"فاعلم وفقك الله تعالى أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار، ولم يلج تيار الأخبار، وجهل مخارج الحديث، ولم يعثر على مذاهب أهل التحديث. ومن