← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 16636

بغية النقاد النقلة

ابن المواق

Полный текст (1 124 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فهذا الترمذي يقول: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال رواه غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن؛ قال خطب ابن عباس. وكأنه رأى هذا أصح من رواية يزيد، وإنما قال هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة؛ يقولون في أيام علي، كان علي أمره بالبصرة، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة. (١) وممن تأول قوله "خطبنا" أبو حاتم الرازي، ويحيى بن معين، وأبو بكر البزار. قال أبو جاتم الرازي: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، يعني خطب أهل البصرة". (٢) ونقل قاسم بن أصبغ عن علان، عن عباس الدوري أنه سمع يحيى بن معين يقول: "لم يسمع الحسن من ابن عباس ... يقولون إن الحسن كان غائبا في إمارة ابن عباس على البصرة". (٣) وتأول البزار قوله "خطبنا"؛ حيث قال: "وذكر أنه خطبهم ابن عباس، فهذا الموضع مما أنكر عليه، وابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة، وإنما كان عندنا ". (٤) وروى ابن وضاح عن أبي جعفر السبتي أنه قال: "الحسن عن ابن عباس لم يسمع منه، رسل عنه". (٥) وبعد ذكر هذه النقول عن هؤلاء الأئمة أشار أبو عبد الله بن المواق إلى أن اتفاقهم على ذلك يدل على صحة قول ق: أنه لم يسمع منه.

стр. 247

وبعد ذلك خلص ابن المواق إلى أن ما نسب إلى أحمد بن حنبل من أنه كانت له منه مجالسة، إنما روي من طريق ابن خيرون عن محمد بن الحسين البغدادي، وابن خيرون يروي المناكير عن محمد بن الحسين -هذا منها- أما محمد بن الحسين البغدادي فمجهول بالنقل؛ لم يذكره الخطيب في تاريخه -ولا غيره- في أهل بغداد، فلا عبرة بنقله. (١) قلت: وممن نفى سماع الحسن من ابن عباس كذلك علي بن المديني؛ حيث قال: ""خطبنا ابن عباس بالبصرة" إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: قدم علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقولهم غزا بنا مجاشع بن مسعدة". (٢) وقال بهز بن أسد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس". (٣) وقال الزيلعي: "وقد أنكر عليه قوله: "خطبنا ابن عباس بالبصرة، لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحصن أيام صفين، فلم يدركه بالبصرة". (٤) وأخرج أبو داود عن ابن المثنى، عن سهل بن يوسف، عن حميد، عن الحسن، عن ابن عباس أنه خطب في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم ... ". (٥) وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد،

стр. 248

عن الحسن، عن ابن عباس. (١) وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به. وقال "الحسن لم يسمع من ابن عباس". وفي الصلاة، وأيضا في الزكاة: عن علي بن حجر، عن يزيد بن هارون، عن حميد، به. (٢) وأخرجه أحمد في مسنده؛ قال: حدثنا يحيى، حدثنا حميد، عن الحسن، عن ابن عباس؛ قال: "فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة كذا وكذا ونصف صاع بر". (٣) وقد ادعى الدكتور عمر عبد العزيز الجغبير أن الحسن لقي ابن عباس وسمع منه، محتجا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد؛ وهو: "حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، عن ابن سيرين أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لإبن عباس: (قام له رسول الله ﷺ ، فقال: قام وقعد". (٤) وقال الدكتور عمر عقبه: "وفي الحديث تصريح باللقاء والسماع". (٥) قلت: إن المراد في سند الحديث هو: "الحسن بن علي"، وليس "الحسن البصري". وبالرجوع إلى رواية النسائي يتبين المراد: "أخبرنا قتيبة؛ قال حدثنا حماد عن أيوب، عن محمد بن [ابن سيرين] أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودي؟ قال ابن عباس: نعم، ثم

стр. 249

جلس". (١) وجاء في رواية البيهقي كذلك التصريح بأنه الحسن بن علي، وهذا نصها: " أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا طاهر بن الزبيري، ثنا أبي عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز أن جنازة مرت بابن عباس والحسن بن علي ﵄، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم النبي ﷺ ؟ فقال الآخر: بلى ثم قعد". (٢) ثم إن الحافظ المزي لا أورد رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس قال ما نصه: "حديث أن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس ... الحديث في مسند الحسن بن علي بن أبي طالب". (٣) وبهذا يتبين أن لا حجة عند من ادعى سماع الحسن من ابن عباس المبحث التاسع: شرط البخاري ومسلم: لم ينص البخاري ومسلم على شروط اشترطوها في صحيحيهما، ولكن العلماء فهموا شروطهما بالتتبع والإستقراء، اللهم إلا ما كان من مسلم فقد وضع مقدمة لكتابه ضمنها منهجه الذي سار عليه، تناول فيها بعض ما يمكن أن يدخل في هذا الإطار. وقد ذكر الحاكم في "معرفة علوم الحديث" صفة الحديث الصحيح؛ فقال في وصفه: "أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة؛ وهو أن يروي

стр. 250

عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". (١) وتكلم الحاكم في "المدخل في أصول الحديث" (٢) على أقسام الحديث فقسمها إلى عشرة أقسام، خمسة منها متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها، فقال: "فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواه من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح". (٣) وفهمت طائفة كبيرة من كلام الحاكم المتقدم أن شرط الشيخين البخاري ومسلم ألا يخرجا إلا حديثا سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضا عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا النوال برسول الله ﷺ ، وأنهما لم يخرجا حديثا لم يعرف إلا من جهة واحدة، أو لم يروه إلا راو واحد، وإن كان ثقة. فانبرت طائفة من المحدثين للرد على الحاكم فيما ذهب إليه؛ قال الحازمي: "فاعلم وفقك الله تعالى أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار، ولم يلج تيار الأخبار، وجهل مخارج الحديث، ولم يعثر على مذاهب أهل التحديث. ومن

стр. 251

عرف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد وقف على اصطلاح العلماء في كيفية مخرج الإسناد لم يذهب هذا المذهب وسهل عليه المطلب. ولعمري هذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت". (١) وقال كذلك؛ "وأما قول الحاكم في القسم الأول: إن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن عدلين، إلى النبي ﷺ فهذا غير صحيح طردا وعكسا، بل لو عكس القضية، وحكم كان أسلم، وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث، وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستي: أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهمداني. أنبأنا أبو القاسم المستملي. أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي. أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد ابن هارون الزوزني. حدثنا ابن حبان البستي، قال وأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ , فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار آحاد. ومن اشترط ذلك فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد. هذا آخر كلام ابن حبان، ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب للصواب ". (٢) وذكر أبو الفضل بن طاهر المقدسي أن شرك البخاري ومسلما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته (٣) إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين

стр. 252

الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه ... ". (١) ثم أورد ابن طاهر ما ذكره الحاكم ناقلا له من كتابه "المدخل إلى معرفة الإكليل" واعترض عليه بقوله: "إن البخاري ومسلما لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما أظن. ولعمري إنه لشرط حسن لوكان موجودا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعا". (٢) وقد مثل كل من الحافظ أبي بكر الحازمي، والحافظ أبي الفضل بن طاهر بأمثلة كثيرة للتدليل على بطلان ما ذهب إليه الحاكم، ويمكن أن يكتفى بالإشارة إلى أن البخاري افتتح صحيحه بحديث فرد غريب: (إنما الأعمال بالنيات ..)، واختتمه بحديث فرد غريب كذلك: (كلمتان خفيفتان). وفي صحيح مسلم أمثلة كثيرة من هذا الصنف كذلك. (٣) ولما وجد بعضهم أنه لا مجال للقول بأن الشرط المتقدم هو شرط البخاري ومسلم تأولوا كلام الحاكم بأن المراد منه إنما هو اشتراط أن يكون لكل راو في الكتابين راويان؛ لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه.

стр. 253

قال أبو علي الغساني -ونقله عياض عنه-: "ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه، ثم عن تابعيه، فمن بعده؛ فإن ذلك يعز وجوده. وإنما المراد أن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حد الجهالة". (١) ولم ير ذلك أبو عبد الله بن المواق مقبولا؛ لذا رد عليه بقوله: "ما حمل عليه الغساني كلام الحاكم، وتبعه عليه عياض وغيره ليس بالبين. ولا أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما ولا خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابيهما فلم يصب؛ لأن الأمرين معا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريا فى كتابيهما فلا دليل على كونهما اشترطاه. ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد أكثر ممن لم يرو عنه إلا واحد من الرواة مطلقا، لا بالنسبة لمن خرج لهم في الصحيحين. وليس من الإنصاف التزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به، لأنهما إذا صح عنها اشترط في لك كان في إخلالهما به درك عليهما". (٢) وقد اطلع الحافظ ابن حجر على نقد ابن المواق فأعجب به؛ ولذا قال: "وهذا كلام مقبول وبحث قوي". (٣) وإن كان الحافظ ابن حجر علق على ما ذهب إليه الحاكم بقوله: "ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد فقط". (٤)

стр. 254

وقد وجد السخاوي في كلام الحاكم ما فهم منه أنه تراجع عما كان ذهب إليه سابقاً: وهذا كلامه ببعض التصرف: وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعا، فإن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي عن النبي ﷺ : يذهب الصالحون الأول ... واحتج بحديث قيس عن عدي بن عميرة عن النبي ﷺ : من استعملناه على عمل ... وليس لهما راو غير قيس بن أبي حازم، وكذلك مسلم قد احتج بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وأحاديث مجزأة بن زاهر الأسلمي عن أبيه. (١) المبحث العاشر: الحديث الحسن: قال أبو عيسى الترمذي في العلل، من أواخر كتاب الجامع: "وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث حسن" فإنما أردنا به حسن إسناده -عندنا- كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن". (٢) ولما تكلم ابن الصلاح على معرفة الحسن من الحديث، تناول ضمن التنبيهات والتفريعات المتعلقة به التنبيه الثامن؛ فقال: "في قول الترمذي وغيره: هذا حديث حسن صحيح إشكال؛ لأن الحسن

стр. 255

قاصر عن الصحيح ... ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته. وجوابه أن ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، أي إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر ... " (١) فقال العراقي مستدركا عليه: "وقد تعقبه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في "الإقتراح" بأن الجواب الأول ترد عليه الأحاديث التي قيل فيها "حسن صحيح" مع أنه ليس له إلا مخرج واحد" قال: "وفي كلام الترمذي في مواضع يقول هذا حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقد أجاب بعض المتأخرين عن ابن الصلاح بأن الترمذي حيث قال هذا يريد به تفرد أحد الرواة به عن الآخر لا التفرد الطلق، قال: ويوضح ذلك ما ذكره في الفتن من حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين، عن أبي هريرة يرفعه: "من أشار لأخيه بحديدة" الحديث. قال فيه هكذا: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، فاستغربه من حديث خالد لا مطلقا انتهى". (٢) لكن هذا الجواب لا يستقيم مع المواضع التي يقول فيها: لا نعرفه إلا من هذا الوجه كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا". حيث قال أبو عيسى عقبه: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. (٣) ولما ضعف ابن دقيق العيد ما أجاب به ابن الصلاح عن الإستشكال المذكور

стр. 256

أجاب عنه بما حاصله: أن الحسن لا يشترط فيه قيد القصور عن الصحيح، وإنما يجيئه القصور حيث انفرد الحسن، وأما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا؛ وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة الدنيا، صحيح باعتبار الصفة العليا؛ قال: ويلزم على هذا أن يكون كل ص حيح حسنا؛ ويؤيده قولهم: حسن في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود فى كلام المتقدمين انتهى. (١) ولما كان ابن المواق قد سبق ابن دقيق إلى هذا التعقيب فقد نقلة عنه غير واحد؛ ولذا قال الحافظ العراقي في التقييد: (وقد سبقه إلى نحو ذلك الحافظ أبو عبد الله بن المواق فقال في كتابه "بغية النقاد": لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحا حتى يكون رواته غير مهتمين، بل ثقات؛ قال فظهر من هذا أن الحسن عند أبي عيسى صفة لا تخص هذا القسم، بل قد يشركه فيها الصحيح؛ قال: فكل صحيح عنده حسن، وليس كل حسن صحيحا". انتهى كلامه). (٢) وقد اعترض على ابن المواق أبو الفتح اليعمري؛ فقال في شرح الترمذي: (وبقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح). (٣)

стр. 257

هكذا كان اعتراضه على ابن المواق في مقدمة شرحه للترمذي، لكن خالف ذلك في أثناء الشرح عند حديث عائشة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال غفرانك. فإن الترمذي قال عقبه: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة. فأجاب أبو الفتح عن هذا الحديث بأن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته؛ قال: وأكثر ما في الباب أن الترمذي عرف بنوع منه لا بكل أنواعه. (١) ورغم ذلكم فإن الحافظ ابن حجر قد وافق أبا الفتح على اعتراضه، واعتذر عن ابن المواق فيما ذهب إليه؛ حيث قال: (قلت: وهو تعقب وارد ورد واضح على زاعم التداخل بين النوعين، وكأن ابن المواق فهم التداخل من قول الترمذي: "وألا يكون راويه متهما بالكذب، وذلك ليس بلازم للتداخل، فإن الصحيح لا يشترط فيه ألا يكون متهما بالكذب فقط، بل بانضمام أمر آخر وهو: ثبوت العدالة والضبط بخلاف قسم الحسن الذي عرف به الترمذي، فبان التباين بينهما). (٢) المبحث الحادي عشر: الجهالة وحكمها: تعريف الجهالة في الإصطلاح: قال الخطيب في الكفاية: (باب ذكر المجهول وما به ترتفع الجهالة. المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد. وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين

стр. 258

بالعلم كذلك، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة روايتهما عنه). (١) يمكن أن يقال إن الأوصاف التي من أجلها حكم على الراوي بالجهالة عند الخطيب هي الآتية: - ألا يشتهر الراوي بطلب العلم في نفسه. - ألا يعرفه العلماء بطلب العلم. - ألا يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد. - ألا يعرف بجرح ولا تعديل. ويستفاد من كلامه أن الجهالة ترتفع برواية اثنين من أهل العلم عنه، لكن مع ذلك لا يثبت له بذلك حكم العدالة. (٢) ولما تكلم ابن الصلاح عن رواية المجهول قسمه إلى ثلاثة أقسام؛ وهي: القسم الأول: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا. قال: (وروايته غير مقبولة عند الجماهير، على ما نبهنا عليه أولا). (٣) وقال أيضا: (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه). (٤) القسم الثاني: (المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة، وهو عدل في الظاهر، وهو المستور.

стр. 259

قال بعض أئمتنا: فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول ...). (١) قلت [ابن الصلاح]: (ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة فى غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، والله اعلم). (٢) القسم الثالث: مجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة. قال ابن السبكي في جمع الجوامع: (أما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا، وكذا مجهول العين). (٣) ولما أشار السخاوي إلى قول ابن السبكي المتقدم أعقبه بما نصه: (ونحوه قول ابن المواق: "لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد، وإنما يحكى الخلاف عن الحنفية"). (٤) ولما تكلم الزركشي على مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن ... نقل عن ابن المواق قوله: (المجاهيل على ضربين: لم يرو عنه إلا واحد مجهول، روى عنه إثنان فصاعدا، وربما قيل في الأخير مجهول الحال، فالأول لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد رواياتهم، وإنما يحكى في ذلك خلاف الحنفية، فإنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد، وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية

стр. 260

المجهول على الإطلاق). (١) قال ابن الصلاح: (قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد ... وكذلك خرج مسلم حديث لا راوي لهم غير واحد ... وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه، والخلاف في ذلك متجه نحو اتجاه الخلاف المعروف في الإكتفاء بواحد في التعديل). (٢) قلت: ولعل الحافظ ابن حجر قد أشار إلى مذهب البخاري ومسلم في ذلك حينما قال: (فإن سمي الراوي وانفرد راو واحد بالرواية عنه، فهو مجهول العين، كالمبهم فلا يقبل حديثه إلا أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك ...). (٣) مذهب ابن رشيد السبتي: يرى ابن رشيد أن الذي روى عنه راو واحد لا يسمى مجهول العين، ومع ذلك لا يوافق على قبول روايته؛ قال: (لا شك أن رواية الواحد الثقة تخرج عن جهالة العين إذا سماه ونسبه). (٤) وقال كذلك: (لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد واثنين ما لم يصرح الواحد أو غيره بعدالته، نعم كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به). (٥) وتوجيه هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا تكون تعديلا له على

стр. 261

الصحيح، وقيل تقبل مطلقا؛ وكأن صاحب هذا المذهب يرى أنه لو لم ير تعديله لذلك الراوي عنه، لما روى عنه، وقد نقل السخاوي (١) عن ابن المواق أنه نسب هذا المذهب لأكثر أهل الحديث كالبزار والدارقطني. (٢) المجهول عند أبي حاتم: إذا وصف أبو حاتم الراوي بكونه مجهولا، فليس مراده أنه لم يرو عنه سوى واحد، بدليل أنه وصف عددا من الرواة روى له أكثر من واحد بذلك؛ فإنه قال في داود بن يزيد الثقفي "مجهول" مع أنه قد روى عنه جماعة. لذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات، يعنى أنه مجهول الحال. (٣) ولما تكلم السخاوي عن (القسم الوسط) أي مجهول حال باطن وظاهر، وذكر أن حكمه الرد وعدم القبول عند الجماهير من الأئمة؛ قال ما نصه: "وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وما حكيناه من صنيعه فيما تقدم لِشهد له". (٤) المبحث الثاني عشر: تثبت العدالة ؟ التعريف الإصطلاحي للعدالة: قال ابن الصلاح: (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن

стр. 262

يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه). (١) وقال في تفصيل العدالة: (أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة). (٢) أما ابن حجر فقد لخص تعريف العدالة بقوله: (هي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة). (٣) مذاهب المحدثين في إثبات صفة العدالة: إن الذي يرجع إلى تصرف العلماء في ثبوت العدالة يلحظ أنهم انقسموا إلى قسمين: - القسم الأول: يجعل المدار في ثبوت العدالة على تحقق العلم بها، وهذه الفئة تشمل المذهبين التاليين: أ - تثبت العدالة بتنصيص المعدلين عليها. ب - تثبت العدالة بالإستفاضة. (٤) - القسم الثاني: يجعل مدار ثبوت العدالة على عدم العلم بمفسق، وهذه الفئة تشمل المذاهب التالية: أ - تثبت العدالة لكل حامل علم معروف العناية به.

стр. 263

ب - تثبت العدالة برواية عدل عن رجل سماه. ج - تثبت العدالة برواية عدلين عنه. د - تثبت العدالة برواية أحد أهل العمل الكبار عنه، ممن لا يعرف بالرواية عن المجهولين. هـ - تثبت بالشهرة في غير العلم بالزهد والنجدة. (١) ومن مذهب ابن القطان أن العدالة لا تثبت للراوي حتى ينص عليها، ولذا قال في سعيد بن محمد بن جبير: لا يعرف حاله، وإن عرف نسبه وبيته، وروى عنه جمع، فالحديث لأجله حسن لا صحيح. (٢) وقال في مالك بن خير الزبادي: (هو ممن لم تثبت عدالته). فقال الذهبي: (يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة). (٣) وبإمعان النظر في القسم الثاني نجد أنه يرتكز على أساسين: الأول منهما: النظر في القرائن التي ترجح جانب العدالة على الفسق، أو العكس. الثاني: النظر في ضبط الراوي في حديثه. فمن قامت لديهم القرائن على عدالته، ولم يجدوا في حديثه ما يخالف فيه الثقات؛ قبلوه ومشوه، وإلا وصفوه بحسب مذاهبهم في ذلك. فإذا وجدنا راويا روى عن جمع من الثقات، وروى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بمنكر، يقبل حديثه، ولا يضرنا جهل عدالته الباطنة وذلك لأنه يبعد أن

стр. 264

يكون معروفا بفسق ومع ذلك يروي عنه هؤلاء الثقات، دون بيان حاله. (١) قال الذهبي: (وفي الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديته صحيح). (٢) من مسلك البزار في الرواة أن مما تثبت به العدالة رواية جماعة من الجلة عن الراوي. (٣) أما ابن عبد البر فيرى أن كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة، حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه، لقوله ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله) (٤). (٥) وممن أخذ بقول ابن عبد البر من أهل العلم: - أبو عبد الله بن المواق؛ قال الزين العراقي: (وممن تبع ابن عبد البر على اختيار ذلك -من المتأخرين- أبو عبد الله [بن] أبي بكر بن المواق فقال في كتابه بغية النقاد: "أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك"). (٦)

стр. 265

- ابن سيد الناس؛ حيث قال عن مذهب ابن عبد البر: (لست أراه إلا مرضيا). (١) - الحافظ المزي حيث قال عن مذهب ابن عبد البر: (هو في زماننا مرضي بل ربما تعين). (٢) - ابن الجزري حيث نقل عنه السخاوي قوله: (إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب). (٣) - وابن الوزير، فإنه انتصر لمذهب ابن عبد البر -ومن وافقه- في كتبه، ومن ذلك قوله: (ثم إن ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن المواق هو الذي عليه عمل الموافق والمخالف في أخذ اللغة عن اللغويين، وأخذ الفتيا عن المفتين، وأخذ الفقه ومذاهب العلماء عن شيوخ العلم). (٤) المبحث الثالث عشر: هل في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابحي ؟ ذكر أبو سالم العياشي أنه لما زار مكة عثر على كتب غريبة منها: رحلة الشيخ المحدث محمد بن رشيد السبتي، وأنه رأى منها عدة أجزاء، وصفها بأنها كثيرة الفوائد العلمية، ثم عدد بعض يراه من فوائدها، فكان منه أن قال: (ومنها لما ذكر عبد الله الصنابحي - راوي حديث الموطأ: إذا توضأ العبد فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه الخ ما نصه: اختلف الناس هل وجد في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابحي أو لم يوجد، وإنما هو أبو عبد الله

стр. 266

الصنابحي التابعي المشهور، ثم ذكر [أقوال] العلماء، وأطال إلى أن قال: وقد وقفت على كلام جيد في المحاكمة بين هذين القولين في كتاب: "المأخذ الحفال السامية عن مآخذ الأغفال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم من الإخلال والإغفال وما انضاف إليه من تتميم وإكمال". مما تولى تعليقه الحافظ الناقد أبو عبد الله محمد بن الإمام يحيى بن المواق ﵀، وتولى ﵀ تخريج بعضه من المبيضة، ثم اخترمته المنية ولم ييلغ من تكميله الأمنية فتوليت [القائل هو ابن رشيد] تكميل تخريجه مع زيادة تتمات وكتب ما تركه المؤلف بياضا) اهـ. (١) وبهذا يتبين أن ابن رشيد لما وجد الناس قد اختلفوا هل في الصحابة من اسمه عبد الصنابحي، أم هو وهم وقع في رواية مالك، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي التابعي ليس إلا، وبالتالىِ فالرواية منقطعة. ذهب إلى ترجيح قول الإمام ابن المواق فيما ذهب إليه من أن مالكا لم يهم؛ وأنهما إثنان: عبد الله صحابي، وأبو عبد الله تابعي. وكذلك اعتمد صاحب الرحلة -أبو سالم العياشي- قول ابن المواق حيث نص هذه الفائدة على ما ختم به من تأكيد ما ذكر من صحة وجود عبد الله المذكور وكونه صحابيا. (٢) وبالرجوع إلى ملء العيبة نجد أن ابن رشيد إنما اطلع على كتاب العجالة في الأنساب من تأليف أبي بكر محمد بن موسى الحازمي؛ وقد جاء فيه: (الصنابحي منسوب إلى صنابح بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن يحارب، وهو مراد، بطن من مراد، منهم أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، يروي عن أبي بكر، وبلال، وعبادة بن الصامت، روى عنه عطاء بن

стр. 267

يسار، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وليس له صحبة، لأنه قدم الدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس ليال. والصنابح بن الأعسر لا مدخل له مع هذا في الباب. وذاك أحمسي وله صحبة، وهذا صنابحي، وهو تابعي). انتهى كلام الحافظ أبو بكر. فاشتاق ابن رشيد لمعرفة القول الفصل في المسألة، فما كان إلا أن وقف على كتاب: (المآخذ الحفال السامية ....). فكان ذلك شافيا لما في نفسه في هذه المسألة. قال ابن رشيد السبتي: (ونص ما أورده [أي ابن المواق] حاكيا كلام شيخه أبي الحسن، ﵀، ومستدركا عليه ومتعقبا قال: (ومن التردد فيه في هذا الباب الذي رده بالإنقطاع ويغلب على الظن اتصاله ما ذص من رواية مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه ... " الحديث. ثم قال: وعبد الله الصنابحي لم يلق النبي ﷺ ، ويقال: أبو عبد الله وهو الصواب. واسمه عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي. قال أبو الحصن ﵀ انتهى ما ذكر، وهو كله مقول. أكثرهم زعموا أن مالكا وهم في قوله: عن عبد الله الصنابحي في هذا الحديث، وفي الحديث: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان"، وفي صلاته خلف أبي بكر الغرب وقراءته في الأخيرة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (١) كل هذه الأحاديث يقول فيها مالك: عن عبد الصنابحي، يزعمون

стр. 268

أنه وهم فيه، أو لم يعرفه، فأسماه عبد الله، فإن الناس كلهم عبيد الله. ثم ذكر قول الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: وهم مالك في هذا، فقال "عبد الله الصنابحي"، وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ . وهذا الحديث مرسل. ثم قال: وممن تبعه على هذا، ونقله كما هو أبو عمر بن عبد البر. وممن نحا نحوه أبو محمد بن أبي حاتم وأبوه، ثم ذكر ما ذكره ابن أبي حاتم إلى قوله: سمعت أبي يقول ذلك. ثم قال: هذا ما ذكره به. وبلا شك أن هذا الذي ذكروا في أبي عبد الصنابحي وهم كما ذكروه. فهو رجل مشهور الخير والفضل، فاتته الصحبة بموت النبي ﷺ قبل وصوله إليه بليال، ولكن التكهن بأنه المراد بقول عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي ونسبة الوهم فيه إلى مالك أو إلى من فوقه. كل ذلك خطأ ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة. ومالك ﵀ لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بل وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف، وهو أحد الثقات. وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأثنى عليه أحمد بن حنبل، واتفق البخاري ومسلم على الإخراج له والإحتجاج به، ثم ذكر من طريق أبي داود، عن محمد بن حرب الواسطي؛ قال: أنا يزيد بن هارون، أنا ابن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عبد عبد الله الصنابحي؛ قال: زعم أبو محمد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد ... الحديث. وممن وافق مالكا وأبا غسان على ذلك زهير بن محمد، رواه عن زيد بن أسلم. كذلك ذكره أبو علي بن السكن فذكر أيضا: عن عبد الله بن محمد؛ قال: أنا سويد ين سعيد؛ قال أنا حفص بن ميصرة في زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عبد عبد الله الصنابحي، سمعت رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع مع قرن الشيطان، فإذا طلعت قارنها، وإذا ارتفعت فارقها". وذكر الحديث ثم قال: هؤلاء مالك وأبو غسان وزهير بن محمد وحفص بن ميسرة كلهم يقول

стр. 269

فيه؛ عبد الله الصنابحي. نص حفص بن ميسرة على سماعه من النبي ﷺ في هذا الحديث. وترجم ابن السكن لأسمه في الصحابة، وقال: يقال له صحبة، معدود في المدنيين. روى عنه عطاء بن يسار. قال: ويقال إن عبد الله الصنابحي غير معروف في الصحابة. وسأل عباس الدوري يحيى بن معين عن هذا فقال: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون، ويشبه أن تكون له صحبة. ثم قال الشيخ أبو الحسن بن القطان ﵀: "والمتحصل من هذا أنهما رجلان؛ أحدهما أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، ليس له صحبة، يروي عن أبي بكر وعبادة، والآخر عبد الله الصنابحي يروي أيضا عن أبي بكر وعن عبادة. والظاهر منه أن له صحبة، ولا أبت ذلك، ولا أيضا أجعله أبا عبد الله عبد الرحمن بن عيسلة، فإن توهين أربعة من الثقات في ذلك لا يصح، فاعلمه. قال القاضي أبو عبد الله بن المواق. ﵀: تكلم أبو الحسن على هذا الحديث كلاما جيدا، ومع ذلك فعليه فيه أدراك. أحدهما: عده حديث صلاة أبي بكر وقراءته في المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ مما رواه مالك. فقال فيه: "عن عبد الله الصنابحي" فإنه وهم، وإنما قال فيه مالك: "عن أبي عبد الله الصنابحي، روى الرواة عن مالك عن أبي عبيد. مولى سليمان بن عبد الملك. عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.

стр. 270

الثاني: قوله: "عبد الله الصنابحي روى عن أبي بكر، فإنه أيضا وهم جره وهمه الأول". فإنه لما اعتقد أنه الراوي حديث أبي بكر صلاة أبي بكر في المغرب عد فيمن روى عنه عبد الله الصنابحي أبا بكر، وليس كذلك، فإن عبد الله الصنابحي لا تعرف له رواية إلا في الأحاديث الثلاثة: حديث الوضوء، وحديث إن الشمس تطلع، وحديث الوتر، فاعلمه. الثالث: قوله إن مالكا لم يعرفه؛ فأسماه عبد الله، فإن الناس كلهم عبيد الله، ونَسْبُه هذا إلى من يقوله، ولم يسم أحدا وهو خطأ من قائله. فإن مالكا، ﵀، أشد الناس تحفظا وتورعا فى رواية الحديث والإتيان به على نص ما سمعه. ويشهد على صحة ما قلناه وخطأ من قال ذلك أنه ذكره في حديث "صلاة أبي بكر المغرب" على ما سمعه من أبي عبيد، فقال: عن أبي عبد الله الصنابحي. فدل ذلك أنه في الحديثين أتى به على ما سمع من زيد بن أسلم. والله أعلم. وقد قال أبو عمر بن عبد البر: ما أظن هذا الإضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم. قال القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي يحيى: لو كان مالك هو الذي أسماه في الحديثين، لاُنه لم يعرفه كما زعم هذا القائل لأسماه في هذا أيضا كذلك، وإنما نقل ﵀ ما سمع. الرابع: أنه أغفل من قول ابن معين وغيره في عبد الله الصنابحي ما يقوي مذهبه فيه. وذلك ما روى ابن أبي خيثمة؛ قال: قال لي يحيى بن معين "الصنابحي؛ عبد الرحمن بن عسيلة لم يلق النبي ﷺ ، وعبد الله الصنابحي، ويقال أبو عبد الله الصنابحي لقي النبي ﷺ ". قال القاضي أبو عبد الله: ففرق ابن معين بينهما، وأتبت، لأحدهما الصحبة ونفاها عن الآخر. فذكر البخاري في التاريخ حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن النبي ﷺ في الوضوء، ثم قال: وتابعه ابن أبي مريم عن أبي غسان، عن زيد ...

стр. 271

قال القاضي أبو عبد الله وأخرج النسائي الحديثين في مسند مالك، ولوكانا عنده على الوهم ما أخرجهما، وكذلك خرجهما في المصنف، ولم يذكر أنهما مرسلان، وذكر مسلم في التمييز أحاديث نسب الوهم فيها إلى مالك، ولم يذكر هذين الحديثين فيهما، وذكره أبو القاسم بن عساكر في الأطراف فجعله في عدد الصحابة من العبادلة. وذكر أن ابن ماجة القزويني روى حديث: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان" عن إسحاق الكوسجي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم نحوه. وروى روح بن القاسم العنبري، عن مالك، وعن زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: سمعت عبد الله الصنابحي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشمس تطلع بقرن الشيطان" وذكر الحديث. خرجه الدارقطني في اختلاف الموطآت فقال: أنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، قال: أنا إسماعيل بن أبي الحارث، وأنا روح فذكره. ففي هذا سماعه من النبي ﷺ من رواية مالك وزهير بن محمد كما في رواية سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة. ورواه الحارث بن أبي أسامة عن روح بإسناده، وفيه: سمعت رسول الله ﷺ ، ذكره قاسم. وروح بن قاسم أحد الثقات؛ وإسماعيل بن أبي الحارث شيخ للبزار، روى عنه في مسنده، وقال ثقة مأمون؛ وأحمد بن محمد الزعفراني أحد الثقات ذكره الخطيب ووثقه. وحكى أن يوسف القواس ذكره في جملة شيوخه الثقات، فاعلم ذلك. قال القاضي أبو عبد الله: فهذه الروايات كلها عاضدة لا ذكره، ولكنه أغفلها، والإحاطة لله وحده.

стр. 272

الدرك الخامس: أنه ذكر هنا رواية زهير بن محمد واعتض بها، ووثقه في جملة من شملهم إطلاق لفظه بل نصه، وقد ضعفه فى حديث عائشة في التسليمة الواحدة؛ وقد ضعف به غير حديث، ونقله هنا اصوب). (١) قال ابن رشيد السبتي: (انتهى كلام القاضي أبي عبد الله [أي ابن المواق]، أوردناه بجملته، وإن كان فيه بعض ما لا تمس حاجتنا إليه في الموضع، ولكنه، اشتمل على فوائد ومحاسن، فاخترنا إيراده بكامله، والله ينفع بذلك الجميع، ويتغمدنا برحمته إنه منعم كريم رؤوف رحيم). (٢) المبحث الرابع عشر: الرواية بالمعنى عند ابن المواق: الرواية بالمعنى عند عبد الحق الإشبيلي: تكلم عبد الحق الإشبيلي على كتاب أبي القاسم الزيدوني، فذكر مؤاخذات عليه منها: (أنه عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظا واحدا، ولم يبين لفظ من هو، ولا من انفرد به وقلما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو معنى أو زيادة أو

стр. 273

نقصان، ولم يبين هو شيئا من ذلك إلا في النزر القليل، أو في الحديث من المائة أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك، وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقا، ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به، وأما ما كان في الحديث الواحد من اختلاف معنى أو زيادة أو نقصان، فإنه يحتاج إلى تبيين ذلك وتمييزه وتهذييه وتلخيصه حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والمعنى المختلف). اهـ (١) يستفاد من هذا النص أن عبد الحق الإشبيلي يرى: - أن الحديث إذا كان له طرق مختلفة فإنه يجب على من أخرجه أن يبين اللفظ الذي ساق لمن هو. - الاختلاف في لفظ الحديث لا يضره إذا كان المعنى متحدا. - الأولى عند اختلاف الألفاظ واتحاد المعنى أن ينسب كل كلام إلى قائله. - إذا اختلف المعنى في حديث بين رواية وأخرى وجب تبيان ما في كل رواية من زيادة أو نقصان حتى يعرف صاحب الحكم الزائد والمعنى المختلف. بين ابن المواق وعبد الحق الإشبيلي: - لما ذكر أبو محمد الإشبيلي من طريق ابن عدي حديث أبي هريرة مرفوعا: (لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل) (٢) أورده من طريقين. فبين ابن المواق أن إحدى الطريقين ذكر فيها لفظ (وخاطب)، وأن هذا اللفظ لم يذكر في الطريق الثاني، واستدل ابن المواق على أنه لفظ منكر. وبهذا يتبين أن ابن الخراط خالف أصله الذي ذكره حينما عقب على الزيدوني في وجوب بيان الاختلاف بين الروايات، ونسبة كل كلام إلى قائله.

стр. 274

-أورد عبد الحق الإشبيلي من طريق مسلم حديث عائشة: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب ...). ثم قال: (وفي رواية: من بيت زوجها، وفي أخرى من حديث أبي هريرة: "من غير أمره فلها نصف أجره"). (١) فتناول ابن المواق بيان أن حديث أبي هريرة -عند مسلم- ليس فيه التصريح بأجر المرأة، وإنما فيه: "فإنما نصف أجره له". ثم قال ابن المواق: (وهذا وإن كان مفهوما منه أن النصف الثاني لها على حد ما فهم من قوله جل وعلا: ﴿فلأمه الثلث﴾ أن الثلثين للأب، فإن من لا يرى نقل الحديث بالمعنى لا يتسامح في ذلك، وعلى هذا جرى عمل ق في كتابه). (٢) وهذا النموذج الذي ذكرت من عطف الإشبيلي رواية على أخرى أو حديث على حديث كثيرا ما يكون سببا في التعقيب من ابن المواق عليه فيه، إذ قلما تجد روايتين متفقتين لا تغاير بينهما بالزيادة أو النقصان ... (٣) يتبين لنا من التعقيب السابق -وغيره- من ابن المواق تشدده في باب الرواية بالمعنى، فابن المواق وإن كان قد ذكر في غير موضع جواز النقل بالمعنى بشروط فإنه يتشدد في هذا الباب حتى إن هذا التجويز يصير بعيد المنال. - ويلمس تشدده كذلك في متابعة عبد الحق عند نقل الأقوال بالمعنى: فعبد

стр. 275

الحق الإشبيلي لما تكلم على أبي يحيى الأعرج المعرقب، (١) نقل عن ابن عدى أنه قال فيه: (زائغا عن الحق)، فبين ابن المواق ان ابن عدى لم يقل ذلك من تلقاء نفسه، بل نقله عن أبي حاتم، ثم بين أن صواب النقل: (زائغا عن الطريق). - ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أبى ثعلبة الخشني في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) ثم عطف عليه رواية أخرى فيها جزء مرسل، ولم يصرح بإرساله، فتعقبه ابن المواق حيث قال: "وهذه رواية ظاهرها الإرسال، إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بالإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك .. ولو فعل هذا فاعل عد متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله". ولمبحث الرواية بالمعنى ملحقات ثلاثة تناولها أبو عبد الله بن المواق؛ الأول منها حكم الزيادة والنقص في الحديث، والثاني حول ضوابط الإختصار في الحديث، والثالث علاقة فقه الحديث باختصاره، وسأتناولها بالترتيب الذي ذكرت. أ - انقص من الحديث، ولا تزد فيه: - في حديث على بن أبي طالب في النهى عن بيع الضطر، (٣) أشار ابن المواق إلى قاعدة من قواعد علوم الحديث وهي: "أنقص من الحديث، ولا تزد فيه"، ومثل لها بما يأتي: فلو كان في الرواية النهى عن بيع المضطر، وغيره، جاز له أن يكتفي بذكر النهى عن بيع المضطر، وإنما المنوع عكسه؛ أن يكون المذكور النهى، فيعكس هو؛ فيقول: حرام؛ فيكون قد زاد في ما روى.

стр. 276

- ذكر عبد الحق الإشبيلي من عند الدارقطني حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ مرفوعا: (العين وكاء السه، فإذا نام استطلق الوكاء)، (١) فتعقبه ابن المواق بأن لفظ الحديث عند الذي نقل منه هو: (... فإذا نامت العين إستطلق الوكاء). وهكذا نرى بأن ابن المواق لا يجيز تغيير (نامت العين) بـ (نام). وقد تتبع ابن المواق عبد الحق الإشبيلي في مواطن اعتبره أخل فيها بالمعنى، والحال هذه أنه لم يصادف الصواب في ذلك؛ منها: أن ابن الخراط ذكر من مراسيل أبى داود حديث الحسن أن النبي ﷺ كان إذا أراد الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبيث ... ". فتعقبه ابن المواق بأن نص لفظ الحديث هو: (إذا دخل). قال: وهذا القول يستفاد منه إباحة هذا القول في الخلاء، وهذا المعنى الذي ذكر لا يصح، والصواب ما ذكرت في التعليق على الحديث. (٢) وفي بعض الأحيان يتعقب ابن المواق عبد الحق الإشبيلي لإيراده الحديث بالمعنى، ومع ذلك يقر لأنه وإن حدث فيه بالمعنى فإنه لا يخل به. (٣) والأحاديث التي تتضمن تعقيبا في موضوع الرواية بالمعنى كثيرة جدا في البغية. (٤)

стр. 277

- وقد نقل ابن المواق كذلك تعقيبات من أبى الحسن بن القطان على عبد الحق الإشبيلي في الرواية بالمعنى؛ منها: - في حديث ابن وهب الذي ذكره عبد الحق الإشبيلي: "ومن أجاز عرنة قبل الغروب فلا حج له". قال ابن القطان؛ (وذلك إنما نقله بالمعنى). وقال كذلك "والنقل بالمعنى شرط جوازه الوفاء بالمقصود، وذلك أن لفظ الخبر عند ابن وهب إنما هو: "فعليه حج قابل"، فنقله هو: فلا حج له"". ثم بين ابن القطان الفرق بين اللفظين، وأجاد في ذلك وأفاد. (١) ب - من ضوابط الإختصار: ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أم عطية: (غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي لهم الجرحى)، هكذا ذكره، فتعقبه ابن المواق بأن تتمته: (وأقوم على المرضى)؛ وهكذا اعتبره واهما فيما ترك من بقية لفظ الحديث، إذ يرى ابن المواق أن مثل هذا لا يحسن اختصاره؛ لأنه من جملة ما ذكرت أنها كانت تغزو، بالإضافة إلى نزارة لفظه، وقلة حروفه. (٢) وإذا كان الحديث قضاء من رسول الله ﷺ فلا يجوز ذكر قسم من قضائه وترك قسم؛ ومن أمثلة ذلك: أن عبد الحق الإشبيلي ذكر حديث تميم بن طرفة المرسل: "وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى النبي ﷺ ، فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال النبي ﷺ : " إن شئت فخذ بما اشتراها") فتعقبه أبو عبد الله بن المواق بأن تمامه: هكذا: (إن شئت فخذها بالذي اشتراها، وإن شئت فدع). قال: (ولا خفاء بأن هذا لا يختصر مثله: لأنه نظام الكلام وتمام القضاء الذي روى عن المصطفي - عليه أفضل الصلاة والسلام -،

стр. 278

فاختصاره إجحاف لا يليق بكتاب الأحكام). (١) ومن أمثلة ذلك: إيراد عبد الحق الإشبيلي لحديث (الإيمان قيد الفتك)، فتعقبه ابن المواق بأن مثله لا يختصر لما فيه من زيادة، إذ تتمته؛ (لا يفتك المؤمن). (٢) ج - الإختصار وفقه الحديث: ابن المواق لا يجيز الإختصار إذا كان ذلك سيؤثر على الحكم الفقهي المستنبط من الحديث، وأمثلة ذلك في النص كثيرة؛ منها: أن عبد الحق الإشبيلي ذكر حديث أبي هريرة مرفوعا -من عند ابن عدي-: "إذا قال الرجل لأخيه في مجلس هلم أقامرك، فقد وجبت عليه كفارة يمين". قال أبو عبد الله ابن المواق معقبا عليه: (وهذا أيضا سقط له من آخره: "وإن لم يفعل" ومثل هذا لا يصح أن يتركه اختصارا، وإنما يتركه سهوا؛ لوضوح موقعه من فقه الحديث). (٣) ومنه ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من حديث عمران بن حصين مرفوعا: (لا نذر في غضب)، قال أبو عبد الله بن المواق: (فإنه سقط له منه آخره أيضا وهو: "كفارته كفارة يمين" ... ولا يخفي موقع هذه الزيادة من فقه الحديث، فلا يكون تركها اختصارا ... " (٤) المبحث الخامس عشر: الإهتمام بنسبة روايات كتب الحديث إلى مؤلفيها: الأمة الإسلامية أمة سند، وقد كان أوائل المحدثين يؤكدون على أهمية الرجوع إلى سند الحديث، وبالتالي كانت عمدتهم في النقل هي المشافهة

стр. 279

والتلقي المباشر، ولهذا كم من راو جرحوه بكونه صحفي؛ لا يأخذ إلا عن الصحف، ولما ألفت كتب الحديث اهتم العلماء بروايتها عن شيوخها، وأخذها بالسند العالي منهم، ومن ثمة اشتهر رواة لكتب الحديث الشهورة، وقد يقع اختلاف في روايات هذه الكتب بين راوية وآخر، لذا نجد أبا عبد الله بن المواق كثيرا ما يرجع إلى هذه الروايات الموثقة النسبة إلى مؤلفيها ليقارن بينها مرجحا لما يراه راجحا منها، وأضرب مثالا لروايات سنن أبي داود من خلال كتاب: "بغية النقاد". سنن أبي داود رواها عنه أربعة رواة؛ هم: ابن داسة، وابن الأعرابي، والرملي، واللؤلؤي. - رواية ابن داسة رواها عنه كذلك ابن عبد المؤمن، وعنه رواها ابن عبد البر، وعنه رواها أبو علي الغساني. - رواية ابن داسة رواها عنه كذلك الخولاني. - رواية ابن الأعرابي رواها عنه الخولاني، وأبو عمر الصدفي. - رواية الرملي، رواها عنه ابن الخليل، وحميد بن ثوابة الجذامي. أما رواية اللؤلؤي فهي حاضرة في الكتاب، ولم يذكر ابن المواق الطريق الذي وصلت منه إلى المغاربة. وفي الصفحة الموالية تشجير لأصحاب رواة سنن أبي داود:

стр. 280

التشجير لرواة سنن أبي داود أبو داود ابن داسة (١) ... ابن الأعرابي (٢) ... الرملي (٣) ... اللؤلؤي (٤) ابن الخليل (٥) حميد بن ثوابة (٦) الخولاني (٧) أبو عمر الصدفي (٨) عيسى بن حنيف (٩) الخولاني ابن عبد المؤمن (١٠) الخطابي (١١) أبو محمد عبد الله بن الوليد (١٢) ابن الحضائري (١٣) ابن عبد البر (١٤) أبو علي الغساني (١٥)

стр. 281

(١) محمد بن بكر بن داسة، أبو بكر، لازم أبا داود وأخذ عنه السنن، وحدث بها؛ قال أبو على الجياني: (ورواية أبي بكر بن داسة أكمل الروايات كلها، ورواية ابن عيسى الرملي تقاربها) (١) (٢) أبو سعيد بن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم، البصري، الصوفي، صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقا عمل لهم (معجما)، وعنه ابن جُمَيع وابن منده وكان ثقة ثبتا، عارفا عابدا ربانيا كبير القدر، بعيد الصيت، توفي سنة أربعين وثلاث مائة. (٢) (٣) إسحاق بن موسى بن سعيد، أبو عيسى الرملي، المعروف بابن الصريع الوراق، سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن عوف الحمصي ... روى سنن أبي داود عن مصنفها، ورواها عنه أحمد بن دحيم بن خليل القرطبي، وحميد بن ثوابة الجذامي الثغري، سئل الدارقطني عنه، فقال: ثقة. توفي سنة عشرين وثلاث مائة. (٣) (٤) اللؤلؤي، هو: محمد بن أحمد بن عمرو، أبو على اللؤلؤي، البصري، سمع من أبي داود السجستاني السنن، وقرأها عليه عشرين سنة، وروى عن القاسم بن نصر، وجماعة، روى عنه أبو عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الوراق، البصري، المعروف بالهراس. حلاه الذهبي بقوله: (الإمام المحدث الصدوق) توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. (٤) (٥) ابن خليل، هو: أحمد بن دحيم بن خليل، من أهل قرطبة، يكنى: أبا عمر سمع عبيد الله بن يحيى، وسعيد بن عثمان الأعناقي، وأخذ سنن أبي داود

стр. 282

عن الرملي، وعنه رواها أبو عثمان سعيد بن عثمان النحوي المعروف بابن القزاز. قال فيه ابن الفرضي: كان معتنيا بالآثار، جامعا للسنن، ثقة فيما روى. توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة. (١) (٦) حميد بن ثوابة الجذامي، من أهل وشقة، يكنى أبا القاسم. كانت له عناية بالعلم ورحلة دخل فيها العراق فسمع ببغداد من أبي بكر بن أبي أبي داود السجستاني، ومن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي شيبة، وغيرهما، روى عنه أبو عمر الصدفي، وأحمد بن محمد بن معروف. قال فيه ابن الفرضي: (كان عالما بالحديث بصيرا به). (٢) (٧) عمر بن عبد الملك بن سليمان، أبو حفص، الخولاني، القاضي، المعروف بابن الرفاء، رحل إلى مكة، وقرأ بها على أبي سعيد بن الأعرابي سنن أبي داود، وذلك سنة أربعين وثلاث مائة، وقابله بأصل ابن الأعرابي، ثم رحل إلى العراق بهذا الكتاب، فسمعه بالبصرة نم أبي بكر محمد بن بكر بن داسة سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وهو ممسك بكتابه، فكان لنسخته لسنن أبي داود ميزة ليست لغيرها. (٣) (٨) أبو عمر الصدفي هو: أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس المنتجيلى، من أهل قرطبة عني بالأثار والسنن وجمع الحديث. اتسعت روايته بالرحلة، فسمع ببلده وبمكة وبمصر والقيروان. له التاريخ الكبير، ترجم فيه للمحدثين فبلغ فيه الغاية، مات سنة خمسين وثلاث مائة. (٤) (٩) عيسى بن حنيف، أبو موسى، يروي عن محمد بن بكر بن داسة، وعنه

стр. 283

رواها أبو محمد عبد الله بن الوليد. (١) (١٠) ابن عبد المؤمن، هو: عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى التجيبي، أبو محمد المعروف بابن الزيات، رحل إلى المشرق رحلتين، فسمع ببغداد من أبي علي إسماعيل بن محمد الصفار وجماعه، وسمع بالبصرة من أبي بكر بن داسة سنن أبي داود، وعنه رواها ابن عبد البر. قال فيه ابن الفرضي: (وكان كثير الحديث مسندا صحيح السماع، صدوقا في روايته، إلا أن ضبطه لم يكن جيدا ...) توفي سنة تسعين وثلاث مائة. (٢) (١١) حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، أبو سليمان، البستي، الخطابي، صاحب التصانيف، سمع من أبي سعيد بن الأعرابي بمكة، وأبي بكر بن داسة بالبصرة، وآخرين، وسمع منه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، وخلق كثير، من مصنفاته: (معالم السنن)، وهو شرح لسنن أبي داود، و (غريب الحديث)، و (أعلام الحديث)، توفي ﵀، سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة. (٣) (١٢) عبد الله بن الوليد، أبو محمد الأندلسي، روى سنن أبي داود عن عيسى بن حنيف، ورواها عنه أبو القاسم بن عمر بن الحسن بن عمر الهوزني الإشبيلي. (٤) (١٣) أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن الحضائري، روى سنن أبي داود عن عيسى بن حنيف. (٥)

стр. 284

(١٤) ابن عبد البر: هو القاضي أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم، النمري، القرطبي، حافظ المغرب، (٣٦٨ هـ - ٤٦٣ هـ) له مصنفات كثيرة؛ منها: (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)، (الإستذكار بمذاهب علماء الأمصار)، و (الكافي) في الفقه، (الدرر في المغازي والسير)، و (الإستيعاب في معرفة الأصحاب). (١) (١٥) أبو على الغساني، الجياني، الأندلسي، اسمه: الحسين بن محمد بن أحمد، إمام عصره في الحديث، له إلمام واسع باللغة والشعر والإنساب، أخذ عن كبار المحدثين ببلده، حمل عن أبي عمر بن عبد البر، رحل الناس إليه للأخذ عنه من كل قطر ومكان، حدث عنه عياض إجازة، له مصنفات قيمة؛ منها: (تقييد المهمل وتمييز المشكل)، وهو كتاب ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين .. توفي سنة ثمان وتسعين وأربع مائة. (٢)

стр. 285

الفصل الخامس متفرقات المبحث الأول: التعقيب وآدابه عند ابن المواق المبحث الثاني: ضوابط النقل عند ابن المواق المبحث الثالث: أصول التخريج عند ابن المواق المبحث الرابع: في نماذج من المناقشات العلمية في مصطلح الحديث بين ابن المواق وابن القطان المبحث الخامس: في ذكر بعض فوائد كتاب البغية المبحث السادس: نقول عن ابن المواق المبحث السابع: في ذكر المؤاخذات على ابن المواق
следующие страницы →