← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَفِي لَفْظِ " فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ ". وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ " حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ هَذَا الْحَدِيثُ: يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْعَدَدُ مِنْهَا. وَفِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا: مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ. أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ: فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا. فَتَتَكَيَّفُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْخُشُوعِ فِيهَا، الَّذِي هُوَ رُوحُهَا. فَإِذَا قُدِّمَتْ السُّنَنُ عَلَى الْفَرِيضَةِ تَأَنَّسَتْ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنْ الْخُشُوعِ. فَيَدْخُلُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ تَكُنْ تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ تُقَدَّمْ السُّنَّةُ. فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّكَيُّفِ بِمَا هِيَ فِيهِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَ أَوْ طَالَ. وَوُرُودُ الْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا قَدْ يَمْحُو أَثَرَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ أَوْ يُضْعِفُهُ. وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُتَأَخِّرَةُ: فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ خَلَلًا فِيهِ إنْ وَقَعَ. [أَعْدَاد رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ] ١ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ فِعْلًا وَقَوْلًا. وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الِاخْتِيَارِ لِتِلْكَ الْأَعْدَادِ وَالرَّوَاتِبِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: وَإِنَّمَا يُوَقِّتُ فِي هَذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَالْحَقُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي مَا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ - أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ، أَوْ هَيْئَةٍ مِنْ الْهَيْئَاتِ، أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ: يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ. فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهِ - إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ فِعْلًا، أَوْ بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ، وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ، وَإِمَّا بِمُعَاضَدَةِ حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ، أَوْ أَحَادِيثَ فِيهِ - تَعْلُو مَرْتَبَتُهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ. وَمَا يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَانَ بَعْدَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا عُمِلَ بِهِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ صَحِيحٌ أَقْوَى مِنْهُ. وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، أَعْنِي الصَّحِيحَ الَّذِي لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُؤَكَّدْ اللَّفْظُ فِي طَلَبِهِ. وَمَا كَانَ ضَعِيفًا لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمَوْضُوعِ، فَإِنْ أَحْدَثَ شِعَارًا فِي الدِّينِ: مُنِعَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ بِالْوَقْتِ أَوْ بِالْحَالِ وَالْهَيْئَةِ، وَالْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ: يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ بِخُصُوصِهِ. وَهَذَا أَقْرَبُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ. الْأُولَى: أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ، فَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مِثَالُهُ: الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَلَا حَسُنَ. فَمَنْ أَرَادَ فِعْلَهَا - إدْرَاجًا لَهَا تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ - لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نَهَى أَنْ تُخَصَّ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ " وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ الْعُمُومِيَّاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي قُلْنَاهُ - مِنْ جَوَازِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ - نُرِيدُ بِهِ فِي الْفِعْلِ، لَا فِي الْحُكْمِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ بِهَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِحْبَابِهِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ: يَحْتَاجُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَا بِاحْتِمَالِهِ. الثَّالِثُ: قَدْ مَنَعْنَا إحْدَاثَ مَا هُوَ شِعَارٌ فِي الدِّينِ. وَمِثَالُهُ: مَا أَحْدَثَتْهُ الرَّوَافِضُ مِنْ عِيدٍ ثَالِثٍ، سَمَّوْهُ عِيدَ الْغَدِيرِ. وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ وَإِقَامَةُ شِعَارِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، لَمْ يَثْبُتْ شَرْعًا. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ الْعِبَادَةُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ مُرَتَّبَةً عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. فَيُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ: أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا أَمْرًا آخَرَ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، زَاعِمًا أَنَّهُ يُدْرِجُهُ تَحْتَ عُمُومٍ. فَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعِبَادَاتِ التَّعَبُّدُ، وَمَأْخَذُهَا التَّوْقِيفُ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ: حَيْثُ لَا يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ أَوْ مَنْعِهِ. فَأَمَّا إذَا دَلَّ فَهُوَ أَقْوَى فِي

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَنْعِ وَأَظْهَرُ مِنْ الْأَوَّلِ. وَلَعَلَّ مِثَالَ ذَلِكَ، مَا وَرَدَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ. فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ رَفْعُ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مُطْلَقًا. فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَرْفَعُ الْيَدَ فِي الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ. فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَيْئَةِ الْعِبَادَةِ التَّعَبُّدُ وَالتَّوْقِيفُ. وَالصَّلَاةُ تُصَانُ عَنْ زِيَادَةِ عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِيهَا. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ فِي رَفْعِ الْيَدِ فِي الْقُنُوتِ: كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى صِيَانَةِ الصَّلَاةِ عَنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَمْ يُشَرَّعْ: أَخَصَّ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ. الرَّابِعُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَنْعِ: فَتَارَةً يَكُونُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ، وَتَارَةً مَنْعَ كَرَاهَةٍ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الِابْتِدَاعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ التَّخْفِيفِ. أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا: لَمْ تُسَاوِ الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ. وَلَعَلَّهَا - أَعْنِي الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا - لَا تُكْرَهُ أَصْلًا. بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ: لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِلْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ. فَهَذَا مَا أَمْكَنَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الْقَوِيَّةِ، لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِيهِ بِقَوَانِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لِلسَّابِقِينَ. وَقَدْ تَبَايَنَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ تَبَايُنًا شَدِيدًا، حَتَّى بَلَغَنِي: أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ مَرَّ فِي لَيْلَةٍ مِنْ إحْدَى لَيْلَتَيْ الرَّغَائِبِ - أَعْنِي الَّتِي فِي رَجَبٍ، أَوْ الَّتِي فِي شَعْبَانَ - بِقَوْمٍ يُصَلُّونَهَا، وَقَوْمٍ عَاكِفِينَ عَلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ. فَحَسَّنَ حَالَ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَلَى حَالِ الْمُصَلِّينَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ. وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَالِمُونَ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ، فَيُرْجَى لَهُمْ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ، وَالْمُصَلُّونَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ - مَعَ امْتِنَاعِهَا عِنْدَهُ - مُعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ. فَلَا يَتُوبُونَ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. وَالتَّبَايُنُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَهُوَ إدْرَاجُ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ، أَوْ طَلَبُ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ. وَمَيْلُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى هَذَا الثَّانِي. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَا يُؤَيِّدُهُ فِي مَوَاضِعَ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ فِي صَلَاةِ

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الضُّحَى " إنَّهَا بِدْعَةٌ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهَا دَلِيلٌ. وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهَا تَحْتَ عُمُومَاتِ الصَّلَاةِ لِتَخْصِيصِهَا بِالْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْقُنُوتِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي عَصْرِهِ " إنَّهُ بِدْعَةٌ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ عُمُومَاتِ الدُّعَاءِ. وَكَذَلِكَ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لِابْنِهِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ " إيَّاكَ وَالْحَدَثَ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ دَلِيلٍ عَامٍّ وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ " ذُكِرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ قَاصٌّ يَجْلِسُ بِاللَّيْلِ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: قُولُوا كَذَا، وَقُولُوا كَذَا. فَقَالَ: إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي. قَالَ: فَأَخْبَرُوهُ. فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مُتَقَنِّعًا. فَقَالَ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لَأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، يَعْنِي أَوْ إنَّكُمْ لَمُتَعَلِّقُونَ بِذَنْبٍ ضَلَالَةً " وَفِي رِوَايَةٍ " لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، أَوْ لَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا " فَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْكَرَ هَذَا الْفِعْلَ، مَعَ إمْكَانِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ عُمُومِ فَضِيلَةِ الذِّكْرِ. عَلَى أَنَّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي الْقُنُوتِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَاتِ. الْخَامِسُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَلَا تَظْهَرُ لَهُ مُنَاسَبَةٌ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " مَعْنَاهُ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. فَلَيْسَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةً. فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ الْمَعِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا. وَمِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ: أَنَّهُ أَوْرَدَ عَقِيبَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَهَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. [رَكْعَتَا الْفَجْرِ] ١ ٦٢ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ الْمُقَدَّمُ الذِّكْرَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمَا فِي الْفَضِيلَةِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِك. أَعْنِي فِي قَوْلِهِ " إنَّهُمَا سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ " بَعْدَ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ

стр. 145

٦٣ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ قَانُونًا فِي ذَلِكَ. وَهُوَ أَنَّ مَا وَاظَبَ ﷺ عَلَيْهِ، مُظْهِرًا لَهُ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ سُنَّةٌ. وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، وَعَدَّهُ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ، فَهُوَ فَضِيلَةٌ. وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ - وَهَذَا مِثْلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَضِيلَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ رَاجَعَا إلَى الِاصْطِلَاحِ: فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ. فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ فِي التَّسْمِيَاتِ عَلَى وَضْعٍ يَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى اخْتِلَافٍ فِي مَعْنًى. فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأَكُّدُ أَمْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا. وَمُقْتَضَاهُ: تَأَكُّدُ اسْتِحْبَابِهِمَا. فَلْيَقُلْ بِهِ. وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُسَمِّيهَا سُنَّةً، وَإِنْ أُرِيدَ: أَنَّهُمَا مَعَ تَأَكُّدِهِمَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مُظْهِرًا لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ رُتَبَ الْفَضَائِلِ تَخْتَلِفُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا سُمِّيَ بِالسُّنَّةِ أَعْلَاهَا رُتْبَةً: رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الِاصْطِلَاحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . [بَابُ الْأَذَانِ] [حَدِيثُ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ] الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ قَوْلَهُ " أُمِرَ " رَاجِعٌ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَذَا " أُمِرْنَا " وَ " نُهِينَا "؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ: انْصِرَافُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ شَرْعًا. وَمَنْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا. وَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَالتَّقْدِيرَاتِ فِيهَا: لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيتَارِ فِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ. وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّكْبِيرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ مَثْنَى وَالتَّكْبِيرُ الْأَخِيرُ أَيْضًا. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْإِقَامَةِ كَالْأَذَانِ

стр. 146

٦٤ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ قَالَ «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أُدْمٍ - قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: ـــــــــــــــــــــــــــــ مُثَنَّاةٌ. وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ لَفْظُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " فَقَالَ مَالِكٌ: يُفْرَدُ. وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُثَنَّى، لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. . وَهُوَ قَوْلُهُ «أُمِرَ بِلَالٌ بِأَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ، إلَّا الْإِقَامَةَ» أَيْ إلَّا لَفْظَ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ". وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْحَدِيثِ - قَدْ أُيِّدَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَنَقْلِهِمْ. وَفِعْلُهُمْ فِي هَذَا قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ طَرِيقَةَ النَّقْلِ وَالْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ: تَقْتَضِي شُيُوعَ الْعَمَلِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ تَغَيَّرَ لَعُلِمَ وَعُمِلَ بِهِ. [إجْمَاع أَهْلِ الْمَدِينَةِ] ١ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. أَوْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَالِانْتِشَارُ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّاعِ وَالْمُدِّ، وَالْأَوْقَاتِ، وَعَدَمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ؟ فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ: وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ. وَمَا قَالَهُ: غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا جَزْمًا. وَلَا فَرْقَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ. إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِ الْأُمَّةِ. نَعَمْ مَا طَرِيقَةُ النَّقْلِ إذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ، وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ، وَاقْتَضَتْ الْعَادَةُ مَشْرُوعِيَّتَهُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَلَوْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ - فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ عَادِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [وُجُوب الْأَذَانِ] ١ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْأَذَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا أَمَرَ بِالْوَصْفِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَأْمُورًا بِهِ. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ فِيهَا. وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ سُنَّتَانِ. وَقِيلَ: هُمَا فَرْضَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مُتَمَسِّكٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا قُلْنَا.

стр. 147

فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ؛ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ] قَوْلُهُ " عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ وَقِيلَ: وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ، وَالسُّوَائِيُّ فِي نَسَبِهِ - مَضْمُومُ السِّينِ مَمْدُودٌ - نِسْبَةً إلَى سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. مَاتَ فِي إمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْكُوفَةِ وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ " فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوءٍ " بِفَتْحِ الْوَاوِ بِمَعْنَى الْمَاءِ، وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ، أَوْ بِقَيْدِ الْإِضَافَةِ إلَى الْوُضُوءِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، قَدْ مَرَّ. وَقَوْلُهُ " فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ " النَّضْحُ: الرَّشُّ. قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَنَالُ مِنْهُ مَا لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَبَعْضَهُمْ كَانَ يَنَالُ مِنْهُ مَا يَنْضَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَتَشْهَدُ لَهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " فَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا. فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ. فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ. وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ ". الثَّانِي: يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ الْتِمَاسُ الْبَرَكَةِ بِمَا لَابَسَهُ الصَّالِحُونَ بِمُلَابَسَتِهِ. فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْوَضُوءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَيُعَدَّ بِالْمَعْنَى إلَى سَائِرِ مَا يُلَابِسُهُ الصَّالِحُونَ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يُرِيدُ يَمِينًا وَشِمَالًا " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِدَارَةِ الْمُؤَذِّنِ لِلِاسْتِمَاعِ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ. وَهُوَ وَقْتُ التَّلَفُّظِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ " يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " يُبَيِّنُ وَقْتَ

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الِاسْتِدَارَةِ. وَأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْعَلَتَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ تَكُونُ قَدَمَاهُ قَارَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَتَيْ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَّا بِوَجْهِهِ دُونَ بَدَنِهِ، أَوْ يَسْتَدِيرُ كُلُّهُ؟ الثَّانِي: هَلْ يَسْتَدِيرُ مَرَّتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَالْأُخْرَى عِنْدَ قَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " أَوْ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " أُخْرَى. ثُمَّ يَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " مَرَّةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ شِمَالًا فَيَقُولُ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " أُخْرَى؟ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَنْقُولَانِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا الثَّانِي بِأَنَّهُ يَكُونُ لِكُلِّ جِهَةٍ نَصِيبٌ مِنْ كَلِمَةٍ وَقِيلَ: إنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ. وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي إلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ: هُوَ الْأَوَّلُ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ رَكَزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ " أَيْ أَثْبَتَتْ فِي الْأَرْضِ. يُقَالُ: رَكَزْتُ الشَّيْءَ أَرْكُزُهُ - بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ - رَكْزًا: إذَا أَثْبَتَهُ وَ " الْعَنَزَةُ " قِيلَ: هِيَ عَصًا فِي طَرَفِهَا زُجٌّ. وَقِيلَ: الْحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ. [وَضْع السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي] ١ الْخَامِسُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ وَضْعِ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي، حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ كَالصَّحْرَاءِ. وَدَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِي السُّتْرَةِ بِمِثْلِ غِلَظِ الْعَنَزَةِ. وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ غَيْرُ ضَارٍ. [رُجْحَان الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ] ١ السَّادِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " هُوَ إخْبَارٌ عَنْ قَصْرِهِ ﷺ الصَّلَاةَ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجْحَانِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ. وَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَلَيْسَ بِمُخْتَارٍ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ. السَّابِع: لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَوْضِعَ اجْتِمَاعِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَهَا فِيهَا " أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ. وَهُوَ بِالْأَبْطُحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أُدْمٍ " وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُبَيِّنَةُ مُفِيدَةٌ لِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ. فَإِنَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْمُبْهَمَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي طَرِيقِهِ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهَا. وَعَلَى هَذَا يُشْكِلُ قَوْلُهُ " فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " عَلَى مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّفَرَ تَكُونُ لَهُ نِهَايَةٌ يُوصَلُ إلَيْهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ. وَذَلِكَ مَانِعٌ

стр. 149

٦٥ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ الْقَصْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. أَمَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ الِاجْتِمَاعُ بِالْأَبْطُحِ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الظُّهْرِ الَّتِي أَدْرَكَهَا ابْتِدَاءَ الرُّجُوعِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ " حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ " انْتِهَاءَ الرُّجُوعِ. [حَدِيثُ إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ] فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ. فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ. وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُسْتَحَبًّا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ مَكْرُوهًا، كَمَا تَقَدَّمَ. أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ: فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لَهُ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعَةٍ. وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَتَّبُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِذَلِكَ، كَمَا فِي أَذَانِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵄، فَإِنَّهُمَا وَقَعَا مُتَرَتِّبَيْنِ؛ لَكِنْ فِي صَلَاةٍ يَتَّسِعُ وَقْتُ أَدَائِهَا، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ. وَأَمَّا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ: فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهَا مُؤَذِّنَانِ. وَالْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا: يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَذِّنُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً. [الْأَذَان لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا] ١ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا. ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَالْمَنْقُول عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافُهُ؛ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَكُونُ فِي وَقْتِ السَّحَرِ بَيْنَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، قَالَ: وَيُكْرَهُ التَّقْدِيمُ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ مَا يُقَرِّبُ هَذَا. وَهُوَ

стр. 150

٦٦ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ " إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ " إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَائِدَةٌ لِلسَّامِعِينَ قَطْعًا. وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْأَذَانِ مُشْتَبَهًا، مُحْتَمِلًا لَأَنْ يَكُونَ وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ وَقْتِ أَذَانِ بِلَالٍ مِنْ الْفَجْرِ. [كون الْمُؤَذِّن أَعْمَى] ١ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى. فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ جَوَازِ اجْتِهَادِهِ فِيهِ. فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ إمَّا سَمَاعٌ مِنْ بَصِيرٍ، أَوْ اجْتِهَادٌ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «وَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْبَصِيرِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رُجُوعِهِ إلَى الِاجْتِهَادِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُبْهَمًا لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا. وَاسْمُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِيمَا قِيلَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ مَطْلُوبَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِجَابَةِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْإِجَابَةَ تَكُونُ بِحِكَايَةِ لَفْظِ الْمُؤَذِّنِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ سَامِعَ الْمُؤَذِّنِ يُبْدِلُ الْحَيْعَلَةَ بِالْحَوْلَقَةِ - وَيُقَالُ الْحَوْقَلَةُ - لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهَا، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِخُصُوصِهِ وَعُمُومِ هَذَا. وَذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى: أَنَّ الْأَذْكَارَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْحَيْعَلَةِ يَحْصُلُ ثَوَابُهَا بِذِكْرِهَا، فَيَشْتَرِكُ السَّامِعُ وَالْمُؤَذِّنُ فِي ثَوَابِهَا إذَا حَكَاهَا السَّامِعُ، وَأَمَّا

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْحَيْعَلَةُ: فَمَقْصُودُهَا الدُّعَاءُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَحْدَهُ، وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنْ السَّامِعِ، فَعُوِّضَ عَنْ الثَّوَابِ الَّذِي يَفُوتُهُ بِالْحَيْعَلَةِ الثَّوَابَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ بِالْحَوْقَلَةِ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يَحْكِيهِ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدَيْنِ فَقَطْ. الثَّانِي: الْمُخْتَارُ: أَنْ يَكُونَ حِكَايَةُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ عَقِيبَ قَوْلِهِ. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ " إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ " مَحْمُولٌ عَلَى سَمَاعِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهُ. وَالْفَاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ. فَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ: اقْتَضَى تَعْقِيبَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ بِقَوْلِ الْحَاكِي. وَفِي اللَّفْظِ احْتِمَالٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا سَمِعَهُ فِي حَالَ الصَّلَاةِ: هَلْ يُجِيبُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُجِيبُ، لِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالثَّانِي: لَا يُجِيبُ؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا. كَمَا وَرَدَ. حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّافِلَةِ أَخَفُّ. وَذَكَرَ بَعْضُ مُصَنِّفِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ هَلْ يُكْرَهُ إجَابَتُهُ فِي الْأَذْكَارِ الَّتِي فِي الْأَذَانِ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَجْهَانِ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهَا لَا تُبْطِلُ. وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِمَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. أَمَّا الْحَيْعَلَةُ: فَإِمَّا أَنْ يُجِيبَ بِلَفْظِهَا أَوْ لَا. فَإِنْ أَجَابَ بِالْحَوْقَلَةِ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الذِّكْرِ الَّذِي فِي الْأَذَانِ. وَإِنْ أَجَابَ بِلَفْظِهَا بَطَلَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَذَكَرَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلَيْنِ - أَعْنِي إذَا قَالَ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " فِي الصَّلَاةِ - هَلْ تَبْطُلُ؟ وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالْبُطْلَانِ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مُخَاطَبَةٌ لِلْآدَمِيِّينَ. فَأَبْطَلَ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ الَّتِي هِيَ ذِكْرٌ، وَالصَّلَاةُ مَحِلُّ الذِّكْرِ. وَوَجْهُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَعُمُومُهُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِقَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " دُعَاءَ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ، بَلْ حِكَايَةَ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ. الرَّابِعُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ لَفْظَةَ " الْمِثْلِ " لَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّهُ قَالَ " فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ " وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ الْمُمَاثَلَةُ فِي كُلِّ الْأَوْصَافِ، حَتَّى رَفْعَ الصَّوْتِ. الْخَامِسُ: قِيلَ فِي مُنَاسَبَةِ جَوَابِ الْحَيْطَةِ بِالْحَوْقَلَةِ: إنَّهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إلَى

стр. 152

٦٧ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ " وَلِمُسْلِمٍ " غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ " وَلِلْبُخَارِيِّ " إلَّا الْفَرَائِضَ ". ـــــــــــــــــــــــــــــ الْحُضُورِ أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " أَيْ بِمَعُونَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ. وَالْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ غَيْرُ مُتَرَادِفَتَيْنِ، فَالْقُوَّةُ الْقُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْحَوْلُ: الِاحْتِيَالُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالْمُحَاوَلَةُ لَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] [حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: " التَّسْبِيحُ " يُطْلَقُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْهُ. فَقَوْلُهُ " يُسَبِّحُ " أَيْ يُصَلِّي النَّافِلَةَ. وَرُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] بِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. وَالتَّسْبِيحُ: حَقِيقَةٌ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ " سُبْحَانَ اللَّهِ " فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الصَّلَاةِ فَإِمَّا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ، كَمَا قَالُوا فِي الصَّلَاةِ: إنَّ أَصْلَهَا الدُّعَاءُ، ثُمَّ سُمِّيَتْ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا بِذَلِكَ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مُنَزِّهٌ لِلَّهِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، وَ " التَّسْبِيحُ " التَّنْزِيهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ؛ لِأَنَّ التَّنْزِيهَ يَلْزَمُ مِنْ الصَّلَاةِ الْمُخْلَصَةِ وَحْدَهُ. الثَّانِي: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَوَازِ صَلَاتِهَا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِالرَّاكِبِ رَاحِلَتُهُ. وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ: تَيْسِيرُ تَحْصِيلِ النَّوَافِلِ عَلَى الْمُسَافِرِ وَتَكْثِيرِهَا. فَإِنَّ مَا ضُيِّقَ طَرِيقُهُ قَلَّ وَمَا اتَّسَعَ طَرِيقُهُ سَهُلَ. فَاقْتَضَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 153

٦٨ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ـــــــــــــــــــــــــــــ بِالْعِبَادِ أَنْ قَلَّلَ الْفَرَائِضَ عَلَيْهِمْ تَسْهِيلًا لِلْكُلْفَةِ. وَفَتَحَ لَهُمْ طَرِيقَةَ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ تَعْظِيمًا لِلْأُجُورِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ " يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ جِهَةَ الطَّرِيقِ تَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْقِبْلَةِ، حَتَّى لَا يَنْحَرِفُ عَنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةِ الْمَسِيرِ. الرَّابِعُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْإِيمَاءِ. وَمُطْلَقُهُ: يَقْتَضِي الْإِيمَاءَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: يَكُونُ الْإِيمَاءُ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ. لِيَكُونَ الْبَدَلُ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا يَنْفِيهِ. وَفِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَقِيقَةِ السُّجُودِ، إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ " يُومِئُ " عَلَى الْإِيمَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعًا. الْخَامِسُ: اسْتَدَلَّ بِإِيتَارِهِ ﷺ عَلَى الْبَعِيرِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بِنَاءً عَلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى. وَهِيَ: أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُقَامُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَأَنَّ الْفَرْضَ مُرَادِفٌ لِلْوَاجِبِ. السَّادِسُ: قَوْلُهُ " غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ " قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ لَا تُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَوِيٍّ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكُ الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ. وَلَيْسَ التَّرْكُ بِدَلِيلٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ. وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ " إلَّا الْفَرَائِضَ " فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ. وَتَرْكُ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ دُخُولَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ مِمَّا يَكْثُرُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ. فَتَرْكُ الصَّلَاةِ لَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ دَائِمًا، مَعَ فِعْلِ النَّوَافِلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، يُشْعِرُ بِالْفُرْقَانِ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، مَعَ مَا يَتَأَيَّدُ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى. وَهُوَ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ: قَلِيلَةٌ مَحْصُورَةٌ، لَا يُؤَدِّي النُّزُولُ لَهَا إلَى نُقْصَانِ الْمَطْلُوبِ. بِخِلَافِ النَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ. فَإِنَّهَا لَا حَصْرَ لَهَا، فَتَكَلُّفُ النُّزُولِ لَهَا يُؤَدِّي إلَى نُقْصَانِ الْمَطْلُوبِ مِنْ تَكْثِيرِهَا، مَعَ اشْتِغَالِ الْمُسَافِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 154

قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا] يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَسَائِلُ أُصُولِيَّةٌ وَفُرُوعِيَّةٌ. نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَحْضُرُنَا الْآنَ. أَمَّا الْأُصُولِيَّةُ: فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْهَا: قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَعَادَةُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ: اعْتِدَادُ بَعْضِهِمْ بِنَقْلِ بَعْضٍ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا: أَنْ تُثْبِتَ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ. فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ: التَّنْبِيهُ عَلَى مِثَالٍ مِنْ أَمْثِلَةِ قَبُولِهِمْ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِيُضَمَّ إلَيْهِ أَمْثَالٌ لَا تُحْصَى. فَيَثْبُتُ بِالْمَجْمُوعِ الْقَطْعُ بِقَبُولِهِمْ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ. [نَسْخ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] ١ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رَدُّوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَى أَنَّ نَسْخَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ. هَلْ يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَمْ لَا؟ مَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ لَا يُزَالُ بِالْمَظْنُونِ. وَنُقِلَ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ جَوَازُهُ. وَاسْتَدَلُّوا لِلْجَوَازِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ. وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ عِنْدِي مُنَاقَشَةٌ وَنَظَرٌ. فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَيَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ أَهْلُ قُبَاءَ - مَعَ قُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْثِيَالِهِمْ لَهُ، وَتَيَسُّرِ مُرَاجَعَتِهِمْ لَهُ - أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَبَرًا عَنْهُ ﷺ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ. وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِفِعْلِهِ، أَوْ مُشَافَهَةٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَلَوْ سَلَّمْت أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي الْعَادَةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنَدُ مُشَاهَدَةَ فِعْلٍ، أَوْ مُشَافَهَةَ قَوْلٍ. وَالْمُحْتَمَلُ الْأَمْرَيْنِ لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. فَلَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ اسْتِقْبَالِهِمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى خَبَرٍ عَنْهُ ﷺ . بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُشَاهَدَةٍ. وَإِذَا جَازَ انْتِفَاءُ أَصْلِ الْخَبَرِ جَازَ انْتِفَاءُ خَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمُطْلَقِ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ قُيُودِهِ. فَإِذَا جَازَ انْتِفَاءُ خَبَرِ التَّوَاتُرِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مَنْصُوبًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَإِنْ قُلْتَ: الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ادَّعَيْتَ مِنْ امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ أَهْلِ قُبَاءَ مُجَرَّدَ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ - إنْ صَحَّ - إنَّمَا يَصِحُّ فِي جَمِيعِهِمْ. أَمَّا فِي بَعْضِهِمْ: فَلَا يَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ. الثَّانِي: أَنَّ مَا أَبْدَيْتَهُ مِنْ جَوَازِ اسْتِنَادِهِمْ إلَى الْمُشَاهَدَةِ: يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَزَالُوا الْمَقْطُوعَ بِالْمَظْنُونِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ طَرِيقُ قَطْعٍ. وَإِذَا جَازَ إزَالَةُ الْمَقْطُوعِ بِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ جَازَ زَوَالُ الْمَقْطُوعِ بِهِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. فَإِنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي زَوَالِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ. قُلْتُ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: فَإِنَّهُ إذَا سَلِمَ امْتِنَاعُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِمْ. فَقَدْ انْقَسَمُوا إذَنْ إلَى مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ التَّوَاتُرَ، وَمَنْ يَكُونُ مُسْتَنَدُهُ الْمُشَاهَدَةَ. فَهَؤُلَاءِ الْمُسْتَدِيرُونَ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ اسْتَنَدَ إلَى التَّوَاتُرِ. فَلَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَوْلُهُ " أَهْلُ قُبَاءَ " يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ اسْتَدَارَ مُسْتَنَدُهُ التَّوَاتُرُ. فَيَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ. قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي إمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مُسْتَنَدُهُمْ الْمُشَاهَدَةُ. وَمَعَ هَذَا التَّجْوِيزِ: لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ خَبَرُ التَّوَاتُرِ. وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْبِيهُ وَالْمُنَاقَشَةُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ. وَقَدْ تَمَّ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا إثْبَاتُهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَنْصُوصِ: فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ جَوَازِ نَسْخِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مَقِيسًا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَقْطُوعِ بِهِ مُشَاهَدَةً بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَظْنُونِ، بِجَامِعِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي زَوَالِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ. لَكِنَّهُمْ نَصَبُوا الْخِلَافَ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ لَمْ يَقُلْ بِهِ. وَالظَّاهِرِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ. فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى الْمُدَّعِي. وَهَذَا الْوَجْهُ مُخْتَصٌّ بِالظَّاهِرِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [نَسْخ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ] ١ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: رَجَعُوا إلَى الْحَدِيثِ أَيْضًا فِي أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ. وَوَجْهُ التَّعَلُّقِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُخْبِرَ لَهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ " أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ "

стр. 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَأَحَالَ فِي النَّسْخِ عَلَى الْكِتَابِ. وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ. وَلَيْسَ التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْكِتَابِ. إذْ لَا نَصَّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ. فَهُوَ بِالسُّنَّةِ وَيَلْزَمُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ: خِلَافُهُ. وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِوُجُوهٍ بَعِيدَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْمَنْسُوخُ كَانَ ثَابِتًا بِكِتَابٍ نُسِخَ لَفْظُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: النَّسْخُ كَانَ بِالسُّنَّةِ. وَنَزَلَ الْكِتَابُ عَلَى وَفْقِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يُجْعَلَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] مُجْمَلٌ، فُسِّرَ بِأُمُورٍ: مِنْهَا: التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَيَكُونُ كَالْمَأْمُورِ بِهِ لَفْظًا فِي الْكِتَابِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: بِأَنَّ مَسَاقَ هَذَا التَّجْوِيزِ: يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يُعْلَمَ نَاسِخٌ مِنْ مَنْسُوخٍ بِعَيْنِهِ أَصْلًا. فَإِنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مُطَّرِدَانِ فِي كُلِّ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا التَّجْوِيزَ: يَنْفِي الْقَطْعَ الْيَقِينِيَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَحْتَفَّ الْقَرَائِنُ بِنَفْيِ هَذَا التَّجْوِيزِ، كَمَا فِي كَوْنِ الْحُكْمِ بِالتَّحْوِيلِ إلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَنِدًا إلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. وَأُجِيبَ عَنْ الثَّالِثِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ الْبَيَانَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ. [حُكْم النَّاسِخِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ لَهُ؟ وَتَعَلَّقُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ التَّعَلُّقِ: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِمْ، لَبَطَلَ مَا فَعَلُوهُ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى، بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَيُفْقَدُ شَرْطُ الْعِبَادَةِ فِي بَعْضِهَا فَتَبْطُلُ. ١ - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُطْلَقِ النَّسْخِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخَصِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَعَمِّ. [الِاجْتِهَاد فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ] ١ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ، أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْطَعُوا الصَّلَاةَ وَأَنْ يَبْنُوا. فَرَجَّحُوا الْبِنَاءَ. وَهُوَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ. تَمَّتْ الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ. [الْوَكِيل إذَا عُزِلَ فَتَصَرَّفَ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ] وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ: فَالْأُولَى مِنْهَا: أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا عُزِلَ فَتَصَرَّفَ قَبْلَ بُلُوغِ

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخَبَرِ إلَيْهِ: هَلْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسْخِ؟ وَهَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ؟ وَقَدْ نُوزِعَ فِي هَذَا الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ. وَوَجْهُ قَوْلِ هَذَا الْمُنَازِعِ فِي هَذَا الْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسْخِ: أَنَّ النَّسْخَ خِطَابٌ تَكْلِيفِيٌّ، إمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالِاعْتِقَادِ. وَلَا تَكْلِيفَ إلَّا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَلَا إمْكَانَ مَعَ الْجَهْلِ بِوُرُودِ النَّاسِخِ. وَأَمَّا تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ: فَمَعْنَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْعَزْلِ فِيهِ: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي أَنْ يُعْلَمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ بُطْلَانُهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْبِنَاءِ: فَالْحُكْمُ هُنَاكَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ يَكُونُ مَأْخُوذًا بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ. [صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ثُمَّ عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ] ١ الثَّانِيَةُ: إذَا صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، ثُمَّ عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ: هَلْ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ فَمَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ قَبْلَ بُلُوغِ الْعِلْمِ إلَيْهَا قَالَ بِفَسَادِ مَا فَعَلَتْ فَأَلْزَمَهَا الْقَطْعَ. وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ لَمْ يُلْزِمْهَا الْقَطْعَ، إلَّا أَنْ يَتَرَاخَى سِتْرُهَا لِرَأْسِهَا وَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ بِالْقِيَاسِ. [تَنْبِيه مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ هُوَ فِيهَا] ١ الثَّالِثَةُ: قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَنْبِيهِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ هُوَ فِيهَا. وَأَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ. كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ وَفِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُخْبِرَ عَنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مُخْبِرٌ عَنْ وَاجِبٍ، أَوْ آمِرٌ بِتَرْكِ مَمْنُوعٍ. وَمَنْ يَفْتَحُ عَلَى غَيْرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا. فَلَا يُسَاوِيهِ، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ. هَذَا إذَا كَانَ الْفَتْحُ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ. [الِاجْتِهَاد فِي الْقِبْلَةِ] الرَّابِعَةُ: قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، وَمُرَاعَاةِ السَّمْتِ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَدَارُوا إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ قَطْعِهِمْ عَلَى مَوْضِعِ عَيْنِهَا. [صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ] ١ الْخَامِسَةُ: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ، مَعَ مُخَالَفَةِ الْحُكْمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ فَعَلُوا مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ ظَنِّهِمْ بَقَاءَ الْأَمْرِ. وَلَمْ يَفْسُدْ فِعْلُهُمْ، وَلَا أُمِرُوا بِالْإِعَادَةِ. [مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ] ١ السَّادِسَةُ: قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَلَا أَمْكَنَهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ. فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ. وَالْحُجَّةُ غَيْرُ قَائِمَةٍ عَلَيْهِ. وَرَكَّبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذَا: مَسْأَلَةَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ

стр. 158

٦٩ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ «اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْحَرْبِ، أَوْ أَطْرَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ لَا يَجِدُ مَنْ يَسْتَعْلِمُهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا مَرَّ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ، لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُمَا؟ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلْزَامُهُ ذَلِكَ - أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ - لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِعْلَامِ وَالْبَحْثِ، وَالْخُرُوجِ لِذَلِكَ. وَهَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا " يُرْوَى بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الْأَمْرِ، وَيُرْوَى " فَاسْتَقْبَلُوهَا " بِفَتْحِهَا عَلَى الْخَبَرِ. [حَدِيثُ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّأْمِ] الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا زِيَادَةُ أَنَّهُ " عَلَى حَمَارٍ " فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ مُلَامَسَتَهُ مَعَ التَّحَرُّزِ عَنْهُ مُتَعَذَّرَةٌ؛ لَا سِيَّمَا إذَا طَالَ زَمَنُ رُكُوبِهِ. فَاحْتَمَلَ الْعَرَقَ. وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. وَقَوْلُهُ " مِنْ الشَّأْمِ " هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ " حِينَ قَدِمَ الشَّامَ " وَقَالُوا: هُوَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا مِنْ الْبَصْرَةِ لِيَتَلَقَّوْهُ مِنْ الشَّامِ. وَقَوْلُهُ «رَأَيْتُكَ تُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ» إنَّمَا يَعُودُ إلَى الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَقَطْ. وَهُوَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ، لَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبُو حَمْزَةَ أَنْسُ بْنُ سِيرِينَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. وَيُقَالُ: إنَّهُ لَمَّا وُلِدَ ذُهِبَ بِهِ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَسَمَّاهُ أَنَسًا، وَكَنَّاهُ بِأَبِي حَمْزَةَ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ

стр. 159

٧٠ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» . ٧١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . ٧٢ - وَلِمُسْلِمٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــ مَاتَ بَعْدَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ. وَكَانَتْ وَفَاةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. [بَابُ الصُّفُوفِ] [حَدِيثُ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ] تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ: اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ تَدُلُّ تَسْوِيَتُهَا أَيْضًا عَلَى سَدِّ الْفُرَجِ فِيهَا، بِنَاءً عَلَى التَّسْوِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ تَسْوِيَتَهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَمْرٌ مَطْلُوبٌ. وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلِهِ ﷺ " مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، غَيْرُ وَاجِبٍ. لِقَوْلِهِ " مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ " وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلَا وَاجِبَاتِهَا. وَتَمَامُ الشَّيْءِ: أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى وُجُودِ حَقِيقَتِهِ الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهَا فِي مَشْهُورِ الِاصْطِلَاحِ. وَقَدْ يَنْطَلِقُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ عَلَى بَعْضِ مَا لَا تَتِمُّ الْحَقِيقَةُ إلَّا بِهِ.

стр. 160

صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ] " النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَمَانِ - أَوْ سِتِّ سَنَوَاتٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُتِلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ بِمَرْجِ رَاهِط. تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ: قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " مَعْنَاهُ: إنْ لَمْ تُسَوُّوا؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَبَيْنَهُ، أَيْ الْوَاقِعُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا التَّسْوِيَةُ، أَوْ الْمُخَالَفَةُ. وَكَانَ يَظْهَرُ لِي فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ، وَتَغَيُّرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ تَقَدُّمَ إنْسَانٍ عَلَى الشَّخْصِ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَتَخْلِيفَهُ إيَّاهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَامًا لِلْإِمَامَةِ بِهِمْ: قَدْ يُوغِرُ صُدُورَهُمْ. وَهُوَ مُوجِبٌ لِاخْتِلَافِ قُلُوبِهِمْ. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمُخَالَفَةِ وُجُوهِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي التَّبَاعُدِ وَالتَّقَارُبِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ وَجْهِ الْآخَرِ. فَإِنْ شِئْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ " الْوَجْهَ " بِمَعْنَى " الْجِهَةِ " وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَ " الْوَجْهَ " مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ وَتَبَايُنِ النُّفُوسِ. فَإِنَّ مَنْ تَبَاعَدَ عَنْ غَيْرِهِ وَتَنَافَرَ، زَوَى وَجْهَهُ عَنْهُ. فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ: التَّحْذِيرَ مِنْ وُقُوعِ التَّبَاغُضِ وَالتَّنَافُرِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسُوخِ، أَوْ يُخَالِفُ بِوَجْهِ مَنْ لَمْ يُقِمْ صَفَّهُ وَيُغَيِّرُ صُورَتَهُ عَنْ وَجْهِ مَنْ أَقَامَهُ، أَوْ يُخَالِفُ بِاخْتِلَافِ صُوَرِهَا بِالْمَسْخِ وَالتَّغْيِيرِ. وَأَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ - وَهُوَ قَوْلُهُ " فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسُوخِ " فَلَيْسَ فِيهِ مُحَافَظَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظَةِ " بَيْنَ " وَالْأَلْيَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُقَالَ: يُخَالِفُ وُجُوهَكُمْ عَنْ كَذَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ وُجُوهِ مَنْ مُسِخَ وَمَنْ لَمْ يُمْسَخْ، فَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي، وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَخِيرِ: فَفِيهِ مُحَافَظَةٌ عَلَى مَعْنَى " بَيْنَ " إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُحَافَظَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى قَوْلِهِ " وُجُوهَكُمْ " فَإِنَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ بَعْدَ الْمَسْخِ،

стр. 161

٧٣ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ؟ قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلَيْسَتْ تِلْكَ صِفَةُ وُجُوهِهِمْ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فِي الْفِعْلِ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ. وَقَوْلُهُ " الْقِدَاحُ " هِيَ خَشَبُ السِّهَامِ حِينَ تُبْرَى وَتُنْحَتُ وَتُهَيَّأُ لِلرَّمْيِ. وَهِيَ مِمَّا يُطْلَبُ فِيهَا التَّحْرِيرُ، وَإِلَّا كَانَ السَّهْمُ طَائِشًا، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِغَرَضِ إصَابَةِ الْغَرَضِ. فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لِتَحْرِيرِ التَّسْوِيَةِ لِغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ يُوَكِّلُ بِالنَّاسِ مَنْ يُسَوِّي صُفُوفَهُمْ. وَقَوْلُهُ " حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا " يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِيهِمْ فِي التَّسْوِيَةِ وَيُرَاقِبُهُمْ، إلَى أَنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ عَقَلُوا الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَامْتَثَلُوهُ. فَكَانَ ذَلِكَ غَايَةً لِمُرَاقَبَتِهِمْ، وَتَكَلُّفَ مُرَاعَاةِ إقَامَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ " حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ. فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ. .. إلَخْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ كَلَامِ الْإِمَامِ فِيمَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ حَاجَةٍ. وَقِيلَ. إنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ.

стр. 162

٧٤ - وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ] قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ: الْيَتِيمُ هُوَ: ضُمَيْرَةُ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ. مُلَيْكَةُ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ. وَبَعْضُ الرُّوَاةِ: رَوَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ. قِيلَ هِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ. وَقِيلَ: أُمُّ حَرَامٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَصِحُّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ: رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي " جَدَّتِهِ " عَائِدٌ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا أُمُّ أَبِيهِ. قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ. فَعَلَى هَذَا: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ إِسْحَاقَ. فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ ذِكْرَهُ تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ جَدَّةَ أَنَسٍ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ: إنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ، أُمُّ أُمِّهِ. فَعَلَى هَذَا: لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ إِسْحَاقَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَالْأَحْسَنُ إثْبَاتُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِي. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إجَابَةِ أُولِي الْفَضْلِ لِمَنْ دَعَاهُمْ لِغَيْرِ الْوَلِيمَةِ. وَفِيهِ أَيْضًا: جَوَازُ الصَّلَاةِ لِلتَّعْلِيمِ، أَوْ لِحُصُولِ الْبَرَكَةِ بِالِاجْتِمَاعِ فِيهَا، أَوْ بِإِقَامَتِهَا فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ. وَهُوَ الَّذِي قَدْ يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ " لَكُمْ ". وَقَوْلُهُ " إلَى حَصِيرٍ قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ " أُخِذَ مِنْهُ: أَنَّ الِافْتِرَاشَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِبَاسٌ، وَرُتِّبَ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَافْتَرَشَهُ: أَنَّهُ يَحْنَثُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ لِبَاسٌ لَهُ، فَيَحْرُمُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ - أَعْنِي افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ - قَدْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ يَخُصُّهُ. وَقَوْلُهُ " فَنَضَحْتُهُ " النَّضْحُ: يُطْلَقُ عَلَى الْغُسْلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَهُ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْغُسْلَ. فَيَكُونَ ذَلِكَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَهِيَ تَلْيِينُهُ وَتَهْيِئَتُهُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وَهِيَ طَلَبُ طَهَارَتِهِ، وَزَوَالُ مَا يَعْرِضُ مِنْ الشَّكِّ فِي نَجَاسَتِهِ، لِطُولِ لُبْسِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا دُونَ الْغُسْلِ. وَهُوَ النَّضْحُ الَّذِي تَسْتَحِبُّهُ الْمَالِكِيَّةُ لِمَا يُشَكُّ فِي نَجَاسَتِهِ. وَقَدْ قَرَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ

стр. 163

٧٥ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ. فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَبَا عُمَيْرٍ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْتِ، وَاحْتِرَازُ الصِّبْيَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ بَعِيدٌ. وَقَوْلُهُ " فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ " حُجَّةٌ لِجُمْهُورِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَوْقِفَ الِاثْنَيْنِ وَرَاءَ الْإِمَامِ. وَكَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ يَرَى أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ أَحَدِهِمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرِ عَنْ يَسَارِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقِفًا فِي الصَّفِّ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْمَرْأَةِ وَرَاءَ مَوْقِفِ الصَّبِيِّ. وَلَمْ يُحْسِنْ مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ صَحِيحَةٌ. فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ. وَأَبْعَدُ مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهَا لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَأَخُّرُهَا فِي الصَّفِّ، فَلَا تَتَقَدَّمُ إمَامًا. وَقَوْلُهُ " ثُمَّ انْصَرَفَ " الْأَقْرَبُ: أَنَّهُ أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْ الْبَيْتِ. وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ الِانْصِرَافَ مِنْ الصَّلَاةِ. أَمَّا عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ: فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّلَامَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُسَمَّى الرَّكْعَتَيْنِ: وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِ: فَيَكُونُ الِانْصِرَافُ عِبَارَةً عَنْ التَّحَلُّلِ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ السَّلَامَ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِمَاعِ فِي النَّوَافِلِ خَلْفَ إمَامٍ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّبِيِّ وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ] خَالَتُهُ " مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ " أُخْتُ أُمِّهِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَمَبِيتُهُ عِنْدَهَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ، مِنْ الْمَبِيتِ عِنْدَ الْمَحَارِمِ مَعَ الزَّوْجِ. وَقِيلَ: إنَّهُ تَحَرَّى لِذَلِكَ وَقْتًا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ وَقْتُ الْحَيْضِ. وَقِيلَ: إنَّهُ بَاتَ عِنْدَهَا لِيَنْظُرَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقِفًا مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّفِّ، وَإِذَا أُخِذَ بِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ " دَخَلَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ "

стр. 164

٧٦ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ: أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟» . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشُّرُوعِ فِي الِائْتِمَامِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ مِنْ الْإِمَامِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا. [بَابُ الْإِمَامَةِ] [حَدِيثُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ فِي الرَّفْعِ. هَذَا مَنْصُوصُهُ، فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: التَّوَعُّدُ عَلَى الْفِعْلِ. وَلَا يَكُونُ التَّوَعُّدُ إلَّا عَنْ مَمْنُوعٍ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ: السَّبْقُ فِي الْخَفْضِ، كَالْهَوِيِّ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَفِي وَقَوْلِهِ ﷺ " أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ: مُتَعَرِّضٌ لِهَذَا الْوَعِيدِ. وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِهِ وَلَا بُدَّ. وَقَوْلُهُ " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ مَجَازِيٍّ. فَإِنَّ الْحِمَارَ مَوْصُوفٌ بِالْبَلَادَةِ. وَيُسْتَعَارُ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ. وَرُبَّمَا رُجِّحَ هَذَا الْمَجَازُ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ فِي الظَّاهِرَةِ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ رَفْعِ الْمَأْمُومِينَ قَبْلَ الْإِمَامِ. وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهِ مُتَعَرِّضًا لِذَلِكَ، وَكَوْنِ فِعْلِهِ صَالِحًا لَأَنْ يَقَعَ

стр. 165

٧٧ - الْحَدِيثُ الثَّانِي - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ. فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . ٧٨ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، صَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ: أَنْ اجْلِسُوا لَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَعِيدُ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَأَيْضًا فَالْمُتَوَعَّدُ بِهِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ. أَعْنِي عِنْدَ الْفِعْلِ، وَالْجَهْلُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الْفِعْلِ. وَلَسْتُ أَعْنِي بِالْجَهْلِ هَاهُنَا: عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، بَلْ إمَّا هَذَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ فِعْلِ مَا لَا يُسَوَّغُ. وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْحُكْمِ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِي هَذَا: إنَّهُ جَهْلٌ. وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ جَاهِلٌ. وَالسَّبَبُ فِيهِ: أَنَّ الشَّيْءَ يُنْفَى لِانْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ وَالْمَقْصُودِ مِنْهُ. فَيُقَالُ: فُلَانٌ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ، إذَا لَمْ يَفْعَلْ الْأَفْعَالَ الْمُنَاسِبَةَ لِلْإِنْسَانِيَّةِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ الْعَمَلَ بِهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ: إنَّهُ جَاهِلٌ غَيْرُ عَالِمٍ.

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ] الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ. فَمَنَعَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَجُعِلَ اخْتِلَافُ النِّيَّاتِ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ " فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ " وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ. الثَّانِي: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ " فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا " إلَخْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمَأْمُومِ تَكُونُ بَعْدَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْمَنْعِ مِنْ السَّبْقِ. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُسَاوَاةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: مَكْرُوهَةٌ. الثَّالِثُ قَوْلُهُ " وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ إنَّ التَّسْمِيعَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " مُخْتَصٌّ بِالْمَأْمُومِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ ﵀. الرَّابِعُ: اخْتَلَفُوا فِي إثْبَاتِ الْوَاوِ وَإِسْقَاطِهَا مِنْ قَوْلِهِ " وَلَكَ الْحَمْدُ " بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الِاخْتِيَارِ، لَا فِي الْجَوَازِ. وَيَرْجِعُ إثْبَاتُهَا بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا - أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ - وَلَكَ الْحَمْدُ. فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ. وَإِذَا قِيلَ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ دَلَّ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ. [الْجُلُوس خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ لِلضَّرُورَةِ] ١ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ " وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " أَخَذَ بِهِ قَوْمٌ، فَأَجَازُوا الْجُلُوسَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ لِلضَّرُورَةِ، مَعَ قُدْرَةِ الْمَأْمُومِينَ عَلَى الْقِيَامِ. وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْقِيَامِ. وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ. وَالْمَانِعُونَ اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طُرُقٍ. الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ: ادِّعَاءُ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا، وَنَاسِخُهُ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا. وَهُمْ قِيَامٌ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ يُعْلِمُهُمْ بِأَفْعَالِ صَلَاتِهِ. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الْإِمَامَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَمَوْضِعُ التَّرْجِيحِ: هُوَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، قَالُوا: ثُمَّ نُسِخَتْ إمَامَةُ الْقَاعِدِ جُمْلَةً بِقَوْلِهِ " لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا " وَبِفِعْلِ

стр. 167

٧٩ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَؤُمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَالِسًا، وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . فَمُثَابَرَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْ إمَامَةِ الْقَاعِدِ بَعْدَهُ، وَتُقَوِّي لِينَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ. أَمَّا الْحَدِيثُ فِي «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» فَحَدِيثٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الْجُعْفِيِّ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ - عَنْ الشَّعْبِيِّ - بِفَتْحِ الشِّينِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالُوا فِيهِ: مَتْرُوكٌ. وَرَوَاهُ مُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَقَدْ اُسْتُضْعِفَ مُجَالِدٌ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْخُلَفَاءِ الْإِمَامَةَ عَنْ قُعُودٍ: فَأَضْعَفُ. فَإِنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ. فَلَعَلَّهُمْ اكْتَفَوْا بِالِاسْتِنَابَةِ لِلْقَادِرِينَ، وَإِنْ كَانَ الِاتِّفَاقُ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ بِالْقَائِمِ مَرْجُوحَةٌ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا. فَذَلِكَ كَافٍ فِي بَيَانِ سَبَبِ تَرْكِهِمْ الْإِمَامَةَ مِنْ قُعُودٍ. وَقَوْلُهُمْ " إنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْ إمَامَةِ الْقَاعِدِ بَعْدَهُ " لَيْسَ كَذَلِكَ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ التَّرْكَ لِلْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: لِلْمَانِعِينَ ادِّعَاءَ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيل. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: التَّأْوِيلُ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ " وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا " عَلَى أَنَّهُ: إذَا كَانَ فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ فَاجْلِسُوا، وَلَا تُخَالِفُوهُ بِالْقِيَامِ. وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا. أَيْ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَقُومُوا وَلَا تُخَالِفُوهُ بِالْقُعُودِ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " إذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا " وَهَذَا بَعِيدٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ وَطُرُقِهَا: مَا يَنْفِيهِ، مِثْلُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ الْآتِي " أَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ: أَنْ اجْلِسُوا " وَمِنْهُ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ الْأَعَاجِمِ فِي الْقِيَامِ عَلَى مُلُوكِهِمْ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ فِي الْجُمْلَةِ يَمْنَعُ مِنْ سَبْقِ الْفَهْمِ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. وَالْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ مِثْلُ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ قَدْ حَصَلَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

стр. 168

- ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخِطْمِيُّ " مَفْتُوحُ الْخَاءِ سَاكِنُ الطَّاءِ - مِنْ بَنِي خَطْمَةَ. وَخَطْمَةُ مِنْ الْأَوْسِ. كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ. وَاَلَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ: أَبُو إِسْحَاقَ. وَقَوْلُهُ " وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ " حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ فِي وَصْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، لَا كَلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي وَصْفِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي وَصْفِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَلَوْ كَانَ ذَكَرَ أَبَا إِسْحَاقَ لَكَانَ أَحْسَنَ، أَوْ مُتَعَيَّنًا، لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ الْوَجْهَيْنِ مَعًا. وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ: فَلَا يُحْتَمَلُ إلَّا أَحَدُهُمَا. وَهُوَ الْبَرَاءُ. وَاَلَّذِينَ حَمَلُوا الْكَلَامَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: قَصَدُوا تَنْزِيهَ الْبَرَاءِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الصُّحْبَةِ، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِي أَبَا إِسْحَاقَ - إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ غَيْرُ كَذُوبٍ. وَلَا يُقَالُ لِلْبَرَاءِ: إنَّهُ غَيْرُ كَذُوبٍ. فَإِذَا قَصَدُوا ذَلِكَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَيْضًا قَدْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ. وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَرَدَّ هَذَا بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ. وَإِنْ كَانَ هَذَا مُحْتَمَلًا أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ الصَّحَابَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى يَتَلَبَّسَ بِالرُّكْنِ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ، لَا حِينَ يَشْرَعُ فِي الْهَوِيِّ إلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طُولِ الطُّمَأْنِينَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أَعْنِي قَوْلَهُ " فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا

стр. 169

٨٠ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ سَجَدَ فَاسْجُدُوا " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ مَا يُسَمَّى رُكُوعًا وَسُجُودًا. [حَدِيثُ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا] الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَاخْتِيَارُ مَالِكٍ: أَنَّ التَّأْمِينَ لِلْمَأْمُومِينَ. وَلَعَلَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ. فَإِنَّهُ عَلَّقَ تَأْمِينَهُمْ بِتَأْمِينِهِ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ. وَذَلِكَ بِالسَّمَاعِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا " لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ " أَوَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ " إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ " عَلَى بُلُوغِهِ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ. وَهُوَ خَاتِمَةُ الْفَاتِحَةِ، كَمَا يُقَالُ " أَنْجَدَ " إذَا بَلَغَ نَجْدًا. وَ " أَتْهَمَ " إذَا بَلَغَ تِهَامَةً. و " أَحْرَمَ " إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ. وَهَذَا مَجَازٌ. فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ - وَهُوَ قَوْلُهُ " إذَا أَمَّنَ " فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّأْمِينِ - عُمِلَ بِهِ. وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ. وَلَعَلَّ مَالِكًا اعْتَمَدَ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ، وَرَجَّحَ بِهِ مَذْهَبَهُ. وَأَمَّا دَلَالَةُ الْحَدِيثِ " عَلَى الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ فَأَضْعَفُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْسِ التَّأْمِينِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى تَأْمِينِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ جَهْرٍ. وَمُوَافَقَةُ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ ظَاهِرُهُ: الْمُوَافَقَةُ فِي الزَّمَانِ. وَيُقَوِّيهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ.

стр. 170

٨١ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» . ٨٢ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِعُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُوَافَقَةُ رَاجِعَةً إلَى صِفَةِ التَّأْمِينِ، أَيْ يَكُونَ تَأْمِينُ الْمُصَلِّي كَصِفَةِ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَمْدُوحَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا كَلَامٌ فِي مِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ ﵌ " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَهَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّغَائِرِ؟ . [حَدِيثُ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ وَاسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو وَيُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. وَلَكِنَّهُ نَزَلَهَا، فَنُسِبَ إلَيْهَا - يَدُلَّانِ عَلَى التَّخْفِيفِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَالْحُكْمُ فِيهَا مَذْكُورٌ مَعَ عِلَّتِهِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ اللَّاحِقَةُ لِلْمَأْمُومِينَ إذَا طَوَّلَ. وَفِيهِ - بَعْدَ ذَلِكَ - بَحْثَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَتْ الْعِلَّةُ وَجَبَ أَنْ يَتْبَعَهَا الْحُكْمُ، فَحَيْثُ يَشُقُّ عَلَى

стр. 171

٨٣ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَأْمُومِينَ التَّطْوِيلُ، وَيُرِيدُونَ التَّخْفِيفَ: يُؤْمَرُ بِالتَّخْفِيفِ. وَحَيْثُ لَا يَشُقُّ، أَوْ لَا يُرِيدُونَ التَّخْفِيفَ: لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّهُ إذَا عَلِمَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ: أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ طَوَّلَ، كَمَا إذَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِقِيَامِ اللَّيْلِ. فَإِنَّ ذَلِكَ - وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ - فَقَدْ آثَرُوهُ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ. الثَّانِي: التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ: مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ. فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَوِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ قَوْمٍ. وَقَدْ يَكُونُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ آخَرِينَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّخْفِيفِ. فَكَأَنَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الصَّحَابَةِ لِأَجْلِ شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا. هَذَا إذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَامًّا فِي صَلَوَاتِهِ أَوْ أَكْثَرِهَا. وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِبَعْضِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمَأْمُومِينَ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ تَطْوِيلًا بِسَبَبِ مَا يَقْتَضِيه حَالُ الصَّحَابَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَطْوِيلًا لَكِنَّهُ بِسَبَبِ إيثَارِ الْمَأْمُومِينَ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ: لَا يَقْتَضِي الْخُصُوصَ بِبَعْضِ صَلَوَاتِهِ ﷺ . وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ: يَدُلُّ عَلَى الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ. وَذَلِكَ يَكُونُ: إمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمَوْعُوظِ لِمَا عَلِمَهُ، أَوْ التَّقْصِيرُ فِي تَعَلُّمِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [بَابُ صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ] [حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً] تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ " كَانَ " تُشْعِرُ بِكَثْرَةِ الْفِعْلِ أَوْ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي مُجَرَّدِ وُقُوعِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لِمَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ. وَالدَّالُّ عَلَى الْمُقَيَّدِ دَالٌّ عَلَى الْمُطْلَقِ، فَيُنَافِي ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَالِكِيَّةِ الذِّكْرَ فِيمَا بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. وَلَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ ذِكْرٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ. وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ هَذِهِ السَّكْتَةِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. وَالْمُرَادُ بِالسَّكْتَةِ هَاهُنَا السُّكُوتُ عَنْ الْجَهْرِ، لَا عَنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ، أَوْ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لَا عَنْ الذِّكْرِ. وَقَوْلُهُ " مَا تَقُولُ؟ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا فَإِنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ بِقَوْلِهِ " مَا تَقُولُ؟ " وَلَمْ يَقَعْ بِقَوْلِهِ " هَلْ تَقُولُ؟ " وَالسُّؤَالُ " بِهَلْ " مُقَدَّمٌ عَلَى السُّؤَالِ " بِمَا " هَاهُنَا. وَلَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَصْلِ الْقَوْلِ بِحَرَكَةِ الْفَمِ. كَمَا وَرَدَ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وَقَوْلُهُ " اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ". عِبَارَةٌ: إمَّا عَنْ مَحْوِهَا وَتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا، وَإِمَّا عَنْ الْمَنْعِ مِنْ وُقُوعِهَا وَالْعِصْمَةِ مِنْهَا وَفِيهِ مَجَازَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِعْمَالُ الْمُبَاعَدَةِ فِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ، أَوْ فِي الْعِصْمَةِ مِنْهَا. وَالْمُبَاعَدَةُ فِي الزَّمَانِ أَوْ فِي الْمَكَانِ فِي الْأَصْلِ. وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الْمُبَاعَدَةِ فِي الْإِزَالَةِ الْكُلِّيَّةِ. فَإِنَّ أَصْلَهَا لَا يَقْتَضِي الزَّوَالَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَهُنَا الْبَقَاءَ مَعَ الْبُعْدِ، وَلَا مَا يُطَابِقُهُ مِنْ الْمَجَازِ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْإِزَالَةُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ التَّشْبِيهُ بِالْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، الْمَقْصُودُ مِنْهَا: تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ أَوْ الْعِصْمَةُ. وَقَوْلُهُ " اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ - إلَى قَوْلِهِ - مِنْ الدَّنَسِ " مَجَازٌ - كَمَا تَقَدَّمَ - عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَأَثَرِهَا. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَظْهَرَ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ.

стр. 173

٨٤ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ: لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ: لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ " اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي " إلَى آخِرِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ - بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ - أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ التَّعْبِيرِ عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، أَعْنِي بِالْمَجْمُوعِ فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي تَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ التَّنْقِيَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٍ، يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازًا عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ بِهَا التَّكْفِيرُ وَالْمَحْوُ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْنِي: الْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَالرَّحْمَةَ - لَهَا أَثَرٌ فِي مَحْوِ الذَّنْبِ. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: يُنْظَرُ إلَى الْأَفْرَادِ. وَيُجْعَلُ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ دَالًّا عَلَى مَعْنَى فَرْدٍ مَجَازِيٍّ. وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا يُنْظَرُ إلَى أَفْرَادِ الْأَلْفَاظِ، بَلْ تُجْعَلُ جُمْلَةُ اللَّفْظِ دَالَّةً عَلَى غَايَةِ الْمَحْوِ لِلذَّنْبِ. [حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ] . هَذَا الْحَدِيثُ سَهَا الْمُصَنِّفُ فِي إيرَادِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ. فَإِنَّهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ الْبُخَارِيِّ. فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَشَرْطُ الْكِتَابِ: تَخْرِيجُ الشَّيْخَيْنِ لِلْحَدِيثِ. قَوْلُهَا " كَانَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ " قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظَةِ " كَانَ " فَإِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي مُجَرَّدِ وُقُوعِ الْفِعْلِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ - مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَدْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنَّهَا قَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِ مَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْآخَرِ. فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنْ اقْتَضَى الْمُدَاوَمَةَ أَوْ الْأَكْثَرِيَّةَ عَلَى السُّكُوتِ وَذَلِكَ الذِّكْرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْمُدَاوَمَةَ - أَوْ الْأَكْثَرِيَّةَ - لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، تَعَارُضًا. وَهَذَا الْبَحْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَفْظُ " الْقِرَاءَةِ " مَجْرُورًا. فَإِنْ كَانَتْ لَفْظَةُ " كَانَ " لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى الْكَثْرَةِ. فَلَا تَعَارُضَ. إذْ قَدْ يَكْثُرَانِ جَمِيعًا. وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَذْكُرُهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قَدْ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِكَثِيرٍ مِنْهَا عَلَى الْوُجُوبِ. لَا لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، بَلْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] خِطَابٌ مُجْمَلٌ، مُبَيَّنٌ بِالْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ الْمُبَيِّنُ لِلْمُجْمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ: يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ. فَيَدُلُّ مَجْمُوعُ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ. وَإِذَا سَلَكْتَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَجَدْتَ أَفْعَالًا غَيْرَ وَاجِبَةٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَالَ ذَلِكَ عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَحْثٌ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْخِطَابُ الْمُجْمَلُ يَتَبَيَّنُ بِأَوَّلِ الْأَفْعَالِ وُقُوعًا. فَإِذَا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ بَيَانًا، لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِالْأَوَّلِ. فَيَبْقَى فِعْلًا مُجَرَّدًا، لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ بَيَانًا. فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، بَلْ قَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، كَرِوَايَةِ مَنْ رَأَى فِعْلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَسَبَقَتْ لَهُ ﷺ مُدَّةٌ يُقِيمُ الصَّلَاةَ فِيهَا. وَكَانَ هَذَا الرَّاوِي الرَّائِي مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ حَصَلَ تَمْيِيزُهُمْ وَرُؤْيَتُهُمْ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ مُدَّةً. فَهَذَا مَقْطُوعٌ بِتَأَخُّرِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مُدَّةٍ إذَا أَخْبَرَ بِرُؤْيَتِهِ لِلْفِعْلِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّأْخِيرِ. وَهَذَا تَحْقِيقٌ بَالِغٌ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَمْرٍ جَدَلِيٍّ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: دَلَّ الْحَدِيثُ الْمُعَيَّنُ عَلَى وُقُوعِ هَذَا الْفِعْلِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ وُقُوعًا، بِدَلَالَةِ الْأَصْلِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُقُوعُهُ بَيَانًا. وَهَذَا قَدْ يَقْوَى إذَا وَجَدْنَا فِعْلًا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ. فَأَمَّا إذَا وُجِدَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا جَعَلْنَاهُ مُبَيِّنًا بِدَلَالَةِ الْأَصْلِ عَلَى عَدَمِ غَيْرِهِ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ: لَزِمَ النَّسْخُ لِذَلِكَ الْوُجُوبِ الَّذِي ثَبَتَ أَوَّلًا فِيهِ.

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَصْلِ أَقْرَبُ مِنْ الْتِزَامِ النَّسْخِ. وَقَوْلُهَا " وَكَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ " يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تُفْتَتَحُ بِالتَّحْرِيمِ، أَعْنِي مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّكْبِيرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ فِي الدُّخُولِ فِيهَا. فَإِنَّ التَّكْبِيرَ تَحْرِيمٌ مَخْصُوصٌ. وَالدَّالُ عَلَى وُجُودِ الْأَخَصِّ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ الْأَعَمِّ. وَأَعْنِي بِالْأَعَمِّ هَاهُنَا: هُوَ الْمُطْلَقُ. وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافَهُ. وَرُبَّمَا تَأَوَّلَهُ. بَعْضُهُمْ عَلَى مَالِكٍ. وَالْمَعْرُوفُ خِلَافُهُ عَنْهُ. وَعَنْ غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّحْرِيمَ يَكُونُ بِالتَّكْبِيرِ خُصُوصًا. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِيهِ وَيَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ. كَقَوْلِهِ " اللَّهُ أَجَلُّ، أَوْ أَعْظَمُ " وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْوُجُوبِ بِهَذَا الْفِعْلِ، إمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ السَّابِقَةِ مِنْ كَوْنِهِ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ. وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ. وَإِمَّا بِأَنْ يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْوُجُوبِ، مَعَ هَذَا الْقَوْلِ. أَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَهَذَا إذَا أُخِذَ مُفْرَدًا عَنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ وَسِيَاقِهِ: أَشْعَرَ بِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ بِأَنْ يُصَلُّوا كَمَا صَلَّى ﷺ فَيَقْوَى الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ ثَبَتَ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ. وَإِنَّمَا هَذَا الْكَلَامُ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ - فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَحِيمًا رَفِيقًا. فَظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا. فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: ارْجِعُوا إلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ. فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ. ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ زَادَ الْبُخَارِيُّ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَهَذَا خِطَابٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِأَنْ يُوقِعُوا الصَّلَاةَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيُشَارِكُهُمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ كُلُّ الْأُمَّةِ فِي أَنْ يُوقِعُوا الصَّلَاةَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. فَمَا ثَبَتَ اسْتِمْرَارُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ دَائِمًا: دَخَلَ تَحْتَ الْأَمْرِ، وَكَانَ وَاجِبًا. وَبَعْضُ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِهِ، أَيْ مَقْطُوعٌ بِاسْتِمْرَارِ فِعْلِهِ لَهُ. وَمَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ عَلَى صِفَتِهَا - لَا يُجْزَمُ بِتَنَاوُلِ الْأَمْرِ لَهُ. وَهَذَا أَيْضًا يُقَالُ فِيهِ مِنْ الْجَدَلِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. وَقَوْلُهَا " وَالْقِرَاءَةُ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] تَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَرْكِ الذِّكْرِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. فَإِنَّهُ لَوْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِفْتَاحُ بِالْقِرَاءَةِ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَهَذَا عَلَى أَنْ تَكُونَ " الْقِرَاءَةُ " مَجْرُورَةً لَا مَنْصُوبَةً وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَاتِحَةِ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: يَفْتَتِحُ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ. وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَجْرَى مَجْرَى الْحِكَايَةِ فَذَلِكَ يَقْتَضِي الْبُدَاءَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ. فَلَا يَكُونُ قَبْلَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ يَكُونُ هُوَ الْمُفْتَتَحُ بِهِ. وَإِنْ جُعِلَ اسْمًا فَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ لَا تُسَمَّى بِهَذَا الْمَجْمُوعِ. أَعْنِي " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " بَلْ تُسَمَّى بِسُورَةِ الْحَمْدِ فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ " كَانَ يَفْتَتِحُ بِالْحَمْدِ " لَقَوِيَ هَذَا الْمَعْنَى. فَإِنَّهُ يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلَى الِافْتِتَاحِ بِالسُّورَةِ الَّتِي الْبَسْمَلَةُ بَعْضُهَا عِنْدَ هَذَا الْمُتَأَوِّلِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهَا " وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يَشْخَصُ رَأْسَهُ " أَيْ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَمَادَّةُ اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلَى الِارْتِفَاعِ. وَمِنْهُ: أَشْخَصَ بَصَرَهُ، إذَا رَفَعَهُ نَحْوَ جِهَةِ الْعُلُوِّ. وَمِنْهُ الشَّخْصُ لِارْتِفَاعِهِ لِلْأَبْصَارِ وَمِنْهُ: شَخَصَ الْمُسَافِرُ: إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى غَيْرِهِ. وَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ " فَشَخَصَ بِي " أَيْ أَتَانِي مَا يُقْلِقُنِي. كَأَنَّهُ رُفِعَ مِنْ الْأَرْضِ لِقَلَقِهِ. وَقَوْلُهَا " وَلَمْ يُصَوِّبْهُ " أَيْ لَمْ يُنَكِّسْهُ. وَمِنْهُ الصَّيِّبُ: الْمَطَرُ. صَابَ يَصُوبُ إذَا نَزَلَ. قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَسْتِ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلَاكٍ … تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ وَمَنْ أَطْلَقَ " الصَّيِّبَ " عَلَى الْغَيْمِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الصَّيِّبِ الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ. [الْمَسْنُون فِي الرُّكُوعِ] ١ وَقَوْلُهَا " وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ " إشَارَةٌ إلَى الْمَسْنُونِ فِي الرُّكُوعِ. وَهُوَ الِاعْتِدَالُ وَاسْتِوَاءُ الظَّهْرِ وَالْعُنُقِ. [الرَّفْع مِنْ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ فِيهِ] ١ وَقَوْلُهَا " وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا " دَلِيلٌ عَلَى الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ فِيهِ. وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. الثَّالِثُ: يَجِبُ مَا هُوَ إلَى الِاعْتِدَالِ أَقْرَبُ. وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي ثَبَتَ اسْتِمْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، أَعْنِي الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَمَّا قَوْلُهَا " وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا " يَدُلُّ عَلَى الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ، وَعَلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. فَأَمَّا الرَّفْعُ: فَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَعَدُّدُ السُّجُودِ إلَّا بِهِ، بِخِلَافِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. فَإِنَّ الرُّكُوعَ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ. وَسَهَا بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَذَكَرَ مَا ظَاهِرُهُ الْخِلَافُ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ فِيهِ. فَلَمَّا ذُكِرَ السُّجُودُ قَالَ: الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ وَالِاعْتِدَالُ فِيهِ وَالطُّمَأْنِينَةُ كَالرُّكُوعِ. فَاقْتَضَى ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ جَارٍ فِي الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ. وَهَذَا سَهْوٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ خِلَافٌ فِي الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ، إذْ السُّجُودُ، مُتَعَدِّدٌ شَرْعًا. وَلَا يُتَصَوَّرُ تَعَدُّدُهُ إلَّا بِالرَّفْعِ الْفَاصِلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. وَقَوْلُهَا " وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ " أَطْلَقَتْ لَفْظَ " التَّحِيَّةِ " عَلَى التَّشَهُّدِ كُلِّهِ، مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا فَارَقَ فِيهِ الِاسْمُ الْمُسَمَّى. فَإِنَّ " التَّحِيَّةَ " الْمُلْكُ، أَوْ الْبَقَاءُ، أَوْ غَيْرُهُمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ قَوْلُهُ. وَإِنَّمَا يُقَالُ اسْمُهُ الدَّالُّ عَلَيْهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِنَا: أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْتُ الْمَاءَ. فَإِنَّ الِاسْمَ هُنَاكَ أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى. وَأَمَّا لَفْظَةُ الِاسْمِ: فَقَدْ قِيلَ فِيهَا: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. وَفِيهِ نَظَرٌ دَقِيقٌ. وَقَوْلُهَا " وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى. وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى " يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اخْتِيَارِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ لِلْجُلُوسِ لِلرَّجُلِ. وَمَالِكٌ اخْتَارَ التَّوَرُّكَ وَهُوَ أَنْ يُفْضِيَ بِوَرِكِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى. وَالشَّافِعِيُّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. فَفِي الْأَوَّلِ اخْتَارَ الِافْتِرَاشَ عَلَى التَّوَرُّكِ. وَفِي الثَّانِي اخْتَارَ التَّوَرُّكَ. وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا هَيْئَةُ التَّوَرُّكِ. فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَحَمَلَ الِافْتِرَاشَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَحَمَلَ التَّوَرُّكَ عَلَى الثَّانِي. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ. وَرُجِّحَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَمْرَيْنِ لَيْسَا بِالْقَوِيَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْهَيْئَةِ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّذَكُّرِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الِافْتِرَاشَ هَيْئَةُ اسْتِيفَازٍ. فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ لِلْقِيَامِ. وَالتَّوَرُّكُ هَيْئَةُ اطْمِئْنَانٍ. فَنَاسَبَ الْأَخِيرَ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى النَّقْلِ أَوْلَى. وَقَوْلُهَا " وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ " وَيُرْوَى " عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ "

стр. 178

٨٥ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَفُسِّرَ بِأَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ بِأَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَقَدْ سُمِّيَ ذَلِكَ أَيْضًا الْإِقْعَاءَ. وَقَوْلُهَا " وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ إلَى قَوْلِهَا - السَّبُعِ " وَهُوَ أَنْ يَضَعَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ. وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْفَعَهُمَا، وَيَكُونُ الْمَوْضُوع عَلَى الْأَرْضِ كَفَّيْهِ فَقَطْ. [التَّسْلِيم لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ] وَقَوْلُهَا " وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ " أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَعْيِينِ التَّسْلِيمِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، اتِّبَاعًا لِلْفِعْلِ الْمُوَاظَبِ عَلَيْهِ. وَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ مُسَمَّى السَّلَام. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّ التَّسْلِيمَ: مِنْ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهَا " وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ " وَلَيْسَ بِالتَّشَهُّدِ الظُّهُورُ فِي ذَلِكَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِيهِ [حَدِيثُ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ] اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَذَاهِبَ مُتَعَدِّدَةٍ. فَالشَّافِعِيُّ قَالَ بِالرَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ. أَعْنِي فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. وَحُجَّتُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ. وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَحَادِيثِ سَنَدًا. وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الرَّفْعَ فِي غَيْرِ الِافْتِتَاحِ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ. وَاقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ عَلَى الرَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ ثَبَتَ الرَّفْعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ. وَقِيَاسُ نَظَرِهِ: أَنْ يُسَنَّ الرَّفْعُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بِإِثْبَاتِ الرَّفْعِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ - لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى مَنْ رَوَى الرَّفْعَ عِنْدَ التَّكْبِيرَ فَقَطْ - وَجَبَ أَيْضًا أَنْ يُثْبِتَ الرَّفْعَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الرَّكْعَتَيْنِ. فَإِنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الرَّفْعَ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثِ فَقَطْ. وَالْحُجَّةُ وَاحِدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: وَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةً مِنْ يَسِيرِهَا وَالصَّوَابُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اسْتِحْبَابُ الرَّفْعِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِيهِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ - لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ - فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ. وَلَمَّا ظَهَرَ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قُوَّةُ الرَّفْعِ فِي الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: اعْتَذَرَ عَنْ تَرْكِهِ فِي بِلَادِهِ فَقَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ فِيهِمَا - أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ - ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ صِحَّةً، فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، إلَّا أَنَّ فِي بِلَادِنَا هَذِهِ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَهُ نُسِبَ إلَى الْبِدْعَةِ، وَتَأَذَّى فِي عِرْضِهِ، وَرُبَّمَا تَعَدَّتْ الْأَذِيَّةُ إلَى بَدَنِهِ. فَوِقَايَةُ الْعِرْضِ وَالْبَدَنِ بِتَرْكِ سُنَّةٍ: وَاجِبٌ فِي الدِّينِ. وَقَوْلُهُ " حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ " هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ فِي مُنْتَهَى الرَّفْعِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اخْتَارَ الرَّفْعَ إلَى حَذْوِ الْأُذُنَيْنِ وَفِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَرَجَحَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بِقُوَّةِ السَّنَدِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ بِضْعَةَ عَشْرَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرُبَّمَا سَلَكَ طَرِيقَ الْجَمْعِ. فَحُمِلَ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ. وَالْخَبَرُ الْآخَرُ: عَلَى أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتْ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ. وَقِيلَ: إنَّهُ رُوِيَتْ رِوَايَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفْعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، وَيُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ» . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيّ مَتَى يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَيُتِمُّ التَّكْبِيرَ مَعَ انْتِهَاءِ إرْسَالِ الْيَدَيْنِ. وَنُسِبَ هَذَا إلَى رِوَايَةِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ. وَقَدْ نُقِلَ فِي رِوَايَةِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ " اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا أُذُنَيْهِ " وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا نُسِبَ إلَى رِوَايَةِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فِيهَا بَعْضُ مَجْهُولِينَ، لَفْظُهَا أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الدَّلَالَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد - فِيهَا انْقِطَاعٌ - أَنَّهُ «أَبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ. ثُمَّ كَبَّرَ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَجْوَدُ مِنْ هَاتَيْنِ «وَكَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ» وَهَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا: فُلَانٌ فَعَلَ: احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ شَرَعَ فِي الْفِعْلِ. وَيُحْتَمَلُ: أَنْ يُرَادَ فَرَغَ مِنْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ: جُمْلَةُ الْفِعْلِ. وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ غَيْرَ مُكَبِّرٍ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ مَعَ ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ، ثُمَّ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ مَعَ تَمَامِ الْإِرْسَالِ. وَيُنْسَبُ هَذَا إلَى رِوَايَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثُمَّ يُرْسِلُ الْيَدَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيُنْسَبُ هَذَا إلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ ظَاهِرُهَا عِنْدِي مُخَالِفٌ لِمَا نُسِبَ إلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ جَعَلَ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ ظَرْفًا لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ. فَإِمَّا أَنْ يَحْمِلَ الِافْتِتَاحَ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَعَهُ. وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ: يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ غَيْرَ مُكَبِّرٍ. وَإِمَّا أَنْ يَحْمِلَ الِافْتِتَاحَ عَلَى التَّكْبِيرِ كُلِّهِ. فَأَيْضًا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ الْيَدَيْنِ غَيْرَ مُكَبِّرٍ. وَقَوْلُهُ «وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» يَقْتَضِي جَمْعَ الْإِمَامِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا حَكَى وَرَوَى عَنْ حَالَةِ الْإِمَامَةِ. فَإِنَّهَا الْحَالَةُ الْغَالِبَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهَا نَادِرٌ جِدًّا. وَإِنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ دَخَلَ فِيهِ الْمُنْفَرِدُ وَالْإِمَامُ. وَقَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَيْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ " يَعْنِي الرَّفْعَ. وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السُّجُودِ، أَوْ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ. وَحَمْلُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَقْرَبُ. وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ السُّجُود. وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ: يَرْفَعُ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ. وَهَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقَاعِدَةِ. وَهُوَ الْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَنْ نَفَاهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَاَلَّذِينَ تَرَكُوا الرَّفْعَ فِي السُّجُودِ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَرْكِ الرَّفْعِ فِي السُّجُودِ، وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَةِ مَنْ أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ وَبَيْنَ
следующие страницы →