← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤٥ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَعْظِيمِهِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَذَاهُمَا بِغَيْرِ مَا يَجِبُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْ الْبِرِّ فِي غَيْرِ هَذَا: فَفِي ضَبْطِهِ إشْكَالٌ كَبِيرٌ. [الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى] ١ وَأَمَّا " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى " فَمَرْتَبَتُهُ فِي الدِّينِ عَظِيمَةٌ. وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلٌ. فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ. مِنْهَا مَا هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى غَيْرِهِ. وَفَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ. فَحَيْثُ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسِيلَةً إلَى إعْلَانِ الْإِيمَانِ وَنَشْرِهِ، وَإِخْمَالِ الْكُفْرِ وَدَحْضِهِ كَانَتْ فَضِيلَةُ الْجِهَادِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ] " الْمُرُوطُ " أَكْسِيَةٌ مُعْلَمَةٌ، تَكُونُ مِنْ خَزٍّ. وَتَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَ " مُتَلَفِّعَاتٍ " مُلْتَحِفَاتٍ، و " الْغَلَسُ " اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى التَّغْلِيسَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَقْدِيمَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لَا سِيَّمَا مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ طُولِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَهَذَا. مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَرَأَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهُودِ النِّسَاءِ الْجَمَاعَةَ بِالْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِنَّ عُجُزًا أَوْ شَوَابَّ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْخُرُوجَ لِلشَّوَابِّ. وَقَوْلُهَا " مُتَلَفِّعَاتٍ " بِالْعَيْنِ، وَيُرْوَى " مُتَلَفِّفَاتٍ " بِالْفَاءِ. وَالْمَعْنَى

стр. 107

٤٦ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُتَقَارِبٌ: إلَّا أَنَّ " التَّلَفُّعَ " يُسْتَعْمَلُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَكُونُ الِالْتِفَاعُ إلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ: كَيْفَ تَرْجُونَ سُقُوطِي بَعْدَمَا … لَفَعَ الرَّأْسَ بَيَاضٌ وَصَلَعٌ ؟ وَاللِّفَاعُ: مَا اُلْتُفِعَ بِهِ. وَاللِّحَافُ: مَا اُلْتُحِفَ بِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ " الْمُرُوطَ " بِكَوْنِهَا أَكْسِيَةً مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَتِهَا: أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ سَدَاهَا مِنْ شَعْرٍ. وَقِيلَ: إنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا. وَقَالُوا: إنَّ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ: عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَجَّلِ قَالُوا " الْمِرْطُ " هَاهُنَا مِنْ خَزٍّ. وَفَسَّرَ " الْغَلَسَ " بِأَنَّهُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَ " الْغَلَسُ " وَالْغَبَشُ مُتَقَارِبَانِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْغَلَسَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. وَقَدْ يَكُونُ الْغَبَشُ فِي آخِرِهِ وَأَوَّلِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ " الْغَبْسُ " بَالِغَيْنِ وَالْبَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - فَغَلَطٌ عِنْدَهُمْ. [حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ] الْهَاجِرَةُ: هِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ بَعْدَ الزَّوَالِ. الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ فِي أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. فَأَمَّا الظُّهْرُ: فَقَوْلُهُ " يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ " يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ: إنَّهُمَا شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتُهُ. وَيُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا» وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ اسْمَ

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْهَاجِرَةِ " عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ فِيهِ الْهَاجِرَةُ فِي وَقْتٍ، فَيُطْلَقُ عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَقَدْ يُقَرَّبُ بِمَا نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ: أَنَّ الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ نِصْفُ النَّهَارِ. فَإِذَا أُخِذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ: كَانَ مُطْلَقًا عَلَى الْوَقْتِ. [الْإِبْرَاد رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ] ١ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ رُخْصَةٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﷺ " أَبْرِدُوا " أَمْرُ إبَاحَةٍ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُهُ لَهَا فِي الْهَاجِرَةِ أَخْذًا بِالْأَشَقِّ وَالْأَوْلَى. أَوْ يَقُولُ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ: إنَّ التَّهْجِيرَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَفِي هَذَا بُعْدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " كَانَ " يُشْعِرُ بِالْكَثْرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ عُرْفًا. [وَقْت الْعَصْر] ١ وَقَوْلُهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِهَا أَيْضًا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَا بَعْدَ الْقَامَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ " وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ أَيْ الشَّمْسُ ". الْوُجُوبُ: السُّقُوطُ. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُقُوطَ قُرْصِهَا يَدْخُلُ بِهِ الْوَقْتُ. وَالْأَمَاكِنُ تَخْتَلِفُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا فِيهِ حَائِلٌ بَيْنَ الرَّائِي وَبَيْنَ قُرْصِ الشَّمْسِ، لَمْ يَكْتَفِ بِغَيْبُوبَةِ الْقُرْصِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى غُرُوبِهَا بِطُلُوعِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ. قَالَ: ﷺ «إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، وَطَلَعَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا. فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» أَوْ كَمَا قَالَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَائِلٌ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ الْوَقْتَ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَإِشْعَاعِهَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا. وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَقِيبَ الْغُرُوبِ. وَأُخِذَ مِنْهُ: أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الْوَقْتَ مُسْتَمِرٌّ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. [تَقْدِيم الْعِشَاء وتأخيرها] وَأَمَّا الْعِشَاءُ: فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا. فَقَالَ قَوْمٌ: تَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، لِأَحَادِيثَ سَتَرِدُ فِي الْكِتَابِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ اجْتَمَعَتْ الْجَمَاعَةُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ. وَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَمُسْتَنِدُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ. فَفِي الشِّتَاءِ وَفِي رَمَضَانَ: تُؤَخَّرُ. وَفِي غَيْرِهِمَا: تُقَدَّمُ. وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ فِي الشِّتَاءِ لِطُولِ اللَّيْلِ، وَكَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا. . [صَلَاة الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ بِالْعَكْسِ] ١

стр. 109

٤٧ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ تَكَلَّفُوا فِيهَا. وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ بِالْعَكْسِ؟ حَتَّى إنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي حَقِّ شَخْصٍ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا، أَوْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنَّ التَّأْخِيرَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ " وَإِذَا أَبْطَئُوا أَخَّرَ " فَأَخَّرَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّقْدِيمِ؛ وَلِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّرْغِيبَ فِي فِعْلِهَا: مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَرَدَتْ عَلَى جِهَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَأَمَّا جَانِبُ التَّشْدِيدِ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَلَمْ يَرِدْ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الرُّجْحَانِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. نَعَمْ إذَا صَحَّ لَفْظٌ يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَانَ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَرَى عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَذْهَبِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " عَلَى وَقْتِهَا " لَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةُ الظُّهُورِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. . [التَّغْلِيس بِالصُّبْحِ] ١ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ " الْغَلَسِ " وَأَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِالصُّبْحِ أَفْضَلُ. وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ. فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» - قِيلَ فِيهِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ: تَبَيُّنُ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوُضُوحِهِ لِلرَّائِي يَقِينًا. وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ. فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَالتَّيَقُّنِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ. فَلَا أَجْرَ فِيهَا. وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي بِلَفْظَةِ " أَفْعَلَ " فِيهِ: أَنَّ ثَمَّ أَجْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْمَلُ مِنْ الْآخَرِ. فَإِنَّ صِيغَةَ " أَفْعَلَ " تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَصْلِ، مَعَ الرُّجْحَانِ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً. وَقَدْ تَرِدُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي الْأَصْلِ قَلِيلًا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرَجَّحُ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلًا بِالْعَمَلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ. .

стр. 110

الْأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ] " أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ " اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ. وَالْأَشْهَرُ الْأَصَحُّ: نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَوْ نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَيُقَالُ: نَضْلَةُ بْنُ عَائِذٍ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَ وِلَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ، قَبْلَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ، سَنَةَ سِتِّينَ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَةَ " كَانَ " تُشْعِرُ عُرْفًا بِالدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُكْرِمُ الضُّيُوفَ. وَكَانَ فُلَانٌ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ، إذَا كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " الْمَكْتُوبَةِ " لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَلِهَذَا أَجَابَ بِذِكْرِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ الْعُمُومَ. وَقَوْلُهُ " كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ " فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْهَجِيرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا قَبْلَ أَنَّ " الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ " شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ " الْأُولَى "؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇. وَقَوْلُهُ " حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ. وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: زَوَالُهَا. وَاللَّفْظَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا. وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَ صَلَاتِهِ ﷺ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ. وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا تَحْصُلُ بِأَنْ يَقَعَ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ تَكُونُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ. وَتَكُونُ الصَّلَاةُ وَاقِعَةً فِي أَوَّلِهِ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ هَذَا

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْقَائِلُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ قَالَ " يُصَلِّي حِينَ تَزُولُ " فَظَاهِرُهُ: وُقُوعُ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ عِنْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " يُصَلِّيَ " يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى " يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ " فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُمَدُّ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. فَإِنَّ النِّصْفَ السَّابِقَ مِنْ الشَّيْءِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَأَخِّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ الْأَعْدَلُ - إنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ عَقِيبَ دُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَسَعَى إلَى الْمَسْجِدِ، وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ - وَبِالْجُمْلَةِ: لَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ - فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا: فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي هَذَا، حَتَّى يُوقِعَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ " وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ " مَجَازٌ عَنْ بَقَاءِ بَيَاضِهَا، وَعَدَمِ مُخَالَطَةِ الصُّفْرَةِ لَهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ تَقْدِيمِهَا. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ " يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ " مِنْ " مِنْ التَّبْعِيضِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوَقْتِ، أَوْ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ " الَّتِي تَدْعُونَهَا: الْعَتَمَةَ " اخْتِيَارٌ لِتَسْمِيَتِهَا بِالْعِشَاءِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْعَتَمَةِ مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَوَرَدَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ. وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لَعَلَّ الْمَكْرُوهَ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ " الْعَتَمَةِ " بِحَيْثُ يَكُونُ اسْمُ " الْعِشَاءِ " لَهَا مَهْجُورًا، أَوْ كَالْمَهْجُورِ. " وَكَرَاهِيَةُ النَّوْمِ قَبْلَهَا " لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا، أَوْ لِتَأْخِيرِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ. " وَكَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا " إمَّا: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَهَرٍ يُفْضِي إلَى النَّوْمِ عَنْ الصُّبْحِ، أَوْ إلَى إيقَاعِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ. أَوْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يَقَعُ

стр. 112

٤٨ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى - صَلَاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . ٤٩ - وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى - صَلَاةِ الْعَصْرِ - مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ فِيهِ مِنْ اللَّغَطِ وَاللَّغْوِ مَا لَا يَنْبَغِي خَتْمُ الْيَقِظَةِ بِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَدِيثُ هَاهُنَا: قَدْ يَخُصُّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمُصْلِحَةِ الدِّينِ، أَوْ إصْلَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ. فَقَدْ صَحَّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ " وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ " بَابُ السَّمَرِ بِالْعِلْمِ " وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْحَدِيثِ فِيهِ مِنْ الْأَشْغَالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصْلَحَةُ الْإِنْسَانِ. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَنْفَتِلُ. .. إلَخْ " دَلِيلٌ عَلَى التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ: فَإِنَّ ابْتِدَاءَ مَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ لِجَلِيسِهِ يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ الْغَبَشِ. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ " أَيْ بِالسِّتِّينَ مِنْ الْآيَاتِ إلَى الْمِائَةِ مِنْهَا. وَفِي ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّقَدُّمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. لَا سِيَّمَا مَعَ تَرْتِيلِ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [حَدِيثُ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى] فِيهِ بَحْثَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ. وَدَلِيلُهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ، مَعَ غَيْرِهِ. وَهُوَ قَوِيٌّ فِي

стр. 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَقْصُودِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَمِيلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَى اخْتِيَارِ " صَلَاةِ الصُّبْحِ " وَاَلَّذِينَ اخْتَارُوا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الْمُعَارَضَةِ. وَعُورِضَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، ثُمَّ قَالَتْ: إذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ «كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ: إذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا. فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» . وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ مِنْهُ: أَنَّهُ عَطَفَ " صَلَاةَ الْعَصْرِ " عَلَى " الصَّلَاةِ الْوُسْطَى " وَالْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُتَغَايِرَانِ. [مَا رُوِيَ مِنْ الْقُرْآنِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ] ١ وَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ. وَهُوَ أَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ الْقُرْآنِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ - إذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا - فَهَلْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَمَلِ بِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَمَلِ بِهِ. وَلِهَذَا أَوْجَبَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ لِلْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ: خِلَافَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِطَرِيقِ الْآحَادِ، وَلَا إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ خَبَرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ. الثَّانِي: احْتِمَالُ اللَّفْظِ لِلتَّأْوِيلِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَالْعَطْفِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: إلَى الْمَلِكِ الْقَرَمِ وَابْنِ الْهُمَامِ … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ فَقَدْ وُجِدَ الْعَطْفُ هَاهُنَا مَعَ اتِّحَادِ الشَّخْص. وَعَطْفُ الصِّفَاتِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَرُبَّمَا سَلَكَ بَعْضُ مَنْ رَجَّحَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ: طَرِيقَةً أُخْرَى وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ قَرِينَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] مِنْ كَوْنِهَا " الصُّبْحُ " الَّذِي فِيهِ الْقُنُوتُ. وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَحَدُهُمَا: أَنَّ " الْقُنُوتَ " لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ. يُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامِ، وَعَلَى السُّكُوتِ، وَعَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى " الْقُنُوتِ " الَّذِي فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يُعْطَفُ حُكْمٌ عَلَى حُكْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا مَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُخْتَصِمِينَ بِهِ. فَالْقَرِينَةُ ضَعِيفَةٌ. وَرُبَّمَا سَلَكُوا طَرِيقًا أُخْرَى. وَهُوَ إيرَادُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ أَمْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ. كَقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ. وَهَذَا مُعَارَضٌ بِالتَّأْكِيدَاتِ الْوَارِدَةِ فِي " صَلَاةِ الْعَصْرِ " كَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَكَقَوْلِهِ «فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» وَقَدْ حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. بَلْ نَزِيدُ، فَنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَا نَعْلَمُهُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» . وَرُبَّمَا سَلَكَ مَنْ رَجَّحَ الصُّبْحَ طَرِيقَ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ تَخْصِيصَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى بِالْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ. وَأَشَقُّ الصَّلَوَاتِ: صَلَاةُ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَلَذَّ النَّوْمِ إغْفَاءَةُ الْفَجْرِ. فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَحْثُوثُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَهَذَا قَدْ يُعَارَضُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ بِمَشَقَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا وَقْتُ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمَعَاشِ وَالتَّكَسُّبِ، وَلَوْ لَمْ يُعَارَضْ بِذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ، مَعَ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ. وَلِلْفَضَائِلِ وَالْمَصَالِحِ مَرَاتِبُ لَا يُحِيطُ بِهَا الْبَشَرُ. فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ فِيهَا. وَرُبَّمَا سَلَكَ الْمُخَالِفُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ مَسْلَكَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهَا " وُسْطَى " مِنْ

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حَيْثُ الْعَدَدُ. وَهَذَا عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ " الْوُسْطَى " لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْفَضْلُ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ عُدُولًا. الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ ابْتِدَاءً فِي الْعَدَدِ يَقَعُ بِسَبَبِهِ مَعْرِفَةَ الْوَسَطِ. وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ التَّعَارُضُ. فَمَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا " الصُّبْحُ " يَقُولُ: سَبَقَهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ لَيْلًا. وَبَعْدَهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ نَهَارًا. فَكَانَتْ هِيَ الْوُسْطَى. وَمَنْ يَقُولُ " هِيَ الْمَغْرِبُ " يَقُولُ: سَبَقَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَتَأَخَّرَ الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ، فَكَانَتْ الْمَغْرِبُ هِيَ وُسْطَى. وَيَتَرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَدْ سُمِّيَتْ الْأُولَى. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَأَقْوَى مَا ذَكَرْنَاهُ: حَدِيثُ الْعَطْفِ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ: فَدَلَالَتُهُ قَاصِرَةٌ عَنْ هَذَا النَّصِّ الَّذِي اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهَا " الْعَصْرُ " وَالِاعْتِقَادُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَقْوَى مِنْ الِاعْتِقَادِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَدِيثِ الْعَطْفِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاظِرِ الْمُحَقِّقِ: أَنْ يَزِنَ الظُّنُونَ، وَيَعْمَلَ بِالْأَرْجَحِ مِنْهَا. [تَرْتِيب الْفَوَائِتِ] ١ الْبَحْثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ " ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَصَلَّاهَا بَيْنَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتِ الْعِشَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَصَلَّاهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يَكُونُ الْحَدِيثُ دَالًا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ صَلَّاهَا - أَعْنِي الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ - بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ الْحَاضِرَةِ. وَذَلِكَ لَا يَرَاهُ مَنْ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ، إلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ يُرَجِّحُ هَذَا التَّقْدِيرَ - أَعْنِي قَوْلَنَا: بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ - عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ - أَعْنِي قَوْلَنَا: بَيْنَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتِ الْعِشَاءِ - فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ تَمَّ الِاسْتِدْلَال، وَإِلَّا وَقَعَ الْإِجْمَالُ. وَفِي هَذَا التَّرْجِيحِ - الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ - مَجَالٌ لِلنَّظَرِ عَلَى حَسِبَ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَيَانِ. وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِمَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ لِلتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِالْعَصْرِ وَصَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَالتَّرْجِيحَاتِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ " الصَّلَاةَ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ " أَيْضًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ.

стр. 116

٥٠ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لَأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ.» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ فِيهِ " حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ، أَوْ اصْفَرَّتْ " وَقْتُ الِاصْفِرَارِ: وَقْتُ الْكَرَاهَةِ. وَيَكُونُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ خَارِجًا. وَلَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْآيَةُ نَزَلَتْ لَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْآيَةُ. وَقَوْلُهُ " حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ " قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، مِنْ صَلَاتِهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْحَبْسُ انْتَهَى إلَى هَذَا الْوَقْتِ. وَلَمْ تَقَعْ الصَّلَاةُ إلَّا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْتَضٍ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَى مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ. . [الدُّعَاء عَلَى الْكُفَّارِ] وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِمِثْلِ هَذَا. وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِعَدَمِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى. فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَرَدَّدَ بَيْنَ قَوْلِهِ " مَلَأَ اللَّهُ " أَوْ " حَشَا اللَّهُ " وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ، مَعَ تَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى. وَجَوَابُهُ: أَنَّ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتًا. فَإِنَّ قَوْلَهُ " حَشَا اللَّهُ " يَقْتَضِي مِنْ التَّرَاكُمِ وَكَثْرَةِ أَجْزَاءِ الْمَحْشُوِّ مَا لَا يَقْتَضِيه " مَلَأَ " وَقَدْ قِيلَ: إنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفِينَ، لَا يَنْقُصُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخِرِ. عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ جَوَّزْنَا بِالْمَعْنَى، فَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ اللَّفْظِ أَوْلَى. فَقَدْ يَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَحَرَّى لِطَلَبِ الْأَفْضَلِ. . [حَدِيثُ أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ] " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو الْعَبَّاسِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَائِهِمْ. كَانَ يُقَالُ لَهُ " الْبَحْرُ " لَسِعَةِ عِلْمِهِ. مَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَوُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ: يُقَالُ " عَتَمَ اللَّيْلُ " يَعْتِمُ - بِكَسْرِ التَّاءِ - إذَا أَظْلَمَ، وَالْعَتَمَةُ: الظُّلْمَةُ وَقِيلَ: إنَّهَا اسْمٌ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ. نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيلِ. وَقَوْلُهُ " أَعْتَمَ " أَيْ دَخَلَ فِي الْعَتَمَةِ، كَمَا يُقَالُ: أَصْبَحَ، وَأَمْسَى، وَأَظْهَرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] . الثَّانِي: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَرَاهِيَةِ تَسْمِيَةِ " الْعِشَاءِ " بِالْعَتَمَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَعْتَمَ " أَيْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ. وَالْمُرَادُ: صَلَّى فِيهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَمَّى الْعِشَاءَ " عَتَمَةً " وَأَصَحُّ مِنْهُ: الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ» وَمِنْهُمْ مِنْ كَرِهَ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى صَلَاةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ. وَمُسْتَنَدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ. وَلَكِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» أَيْ يُؤَخِّرُونَ حَلْبَهَا إلَى أَنْ يُظْلِمَ الظَّلَامُ. وَعَتَمَةُ اللَّيْلِ: ظُلْمَتُهُ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: صِيغَةُ النَّهْيِ. وَالثَّانِي: مَا فِي قَوْلِهِ " تَغْلِبَنَّكُمْ " فَإِنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا عَنْ هَذِهِ التَّمْسِيَةِ. فَإِنَّ النُّفُوسَ تَأْنَفُ مِنْ الْغَلَبَةِ. وَالثَّالِثُ: إضَافَةُ الصَّلَاةِ إلَيْهِمْ، فِي قَوْلِهِ " عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ " فَإِنَّ فِيهِ زِيَادَةً. أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا: لَا تُغْلَبَنَّ عَلَى مَالِكَ: كَانَ أَشَدَّ تَنْفِيرًا مِنْ قَوْلِنَا: لَا تُغْلَبَنَّ عَلَى مَالٍ، أَوْ عَلَى الْمَالِ؟ لِدَلَالَةِ الْإِضَافَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ. وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ: أَنْ تَجُوزَ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، وَيَكُونُ الْأَوْلَى تَرْكُهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَوْلَى تَرْكَ الشَّيْءِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. أَمَّا الْجَوَازُ: فَلَفْظُ الرَّسُولِ ﷺ . وَأَمَّا عَدَمُ الْأَوْلَوِيَّةِ: فَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُهُ " لَا أُحِبُّ " - أَقْرَبُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِهِ " وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَهَا الْعَتَمَةُ ". أَوْ يَقُولُ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ الْغَلَبَةُ عَلَى الِاسْمِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ دَائِمًا،

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَوْ أَكْثَرِيًّا. وَلَا يُنَاقِضُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ قَلِيلًا. فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِهِ قَلِيلًا. أَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ» وَيَكُونُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَحْمُولًا عَلَى أَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ غَالِبًا أَوْ دَائِمًا. . [تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ] ١ الثَّالِثُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: قَوْلُهُ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» ، أَوْ عَلَى النَّاسِ. .. إلَخْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَأْخِيرُهَا لَوْلَا الْمَشَقَّةُ. ١ - الرَّابِعُ: قَدْ حَكَيْنَا أَنَّ " الْعَتَمَةَ " اسْمٌ لِثُلُثِ اللَّيْلِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ " أَعْتَمَ " عَلَى أَوَّلِ أَجْزَاءِ هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنَّ أَوَّلَ أَجْزَائِهِ: بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى آخِرِهِ، أَوْ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ، وَسَبَبًا لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ". [انْتِفَاء الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ] الْخَامِسُ: قَدْ كُنَّا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَنَّهُ اُسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ. فَلَكَ أَنْ تَنْظُرَ: هَلْ يَتَسَاوَى هَذَا اللَّفْظُ مَعَ ذَلِكَ فِي الدَّلَالَةِ، أَمْ لَا؟ فَأَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَتَسَاوَى مُطْلَقًا. فَإِنَّ وَجْهَ الدَّلِيلِ ثَمَّ: أَنَّ كَلِمَةَ " لَوْلَا " تَدُلُّ عَلَى انْتِمَاءِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ انْتِفَاءَ الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ. وَالْأَمْرُ الْمُنْتَفَى لَيْسَ أَمْرَ الِاسْتِحْبَابِ، لِثُبُوتِ الِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ الْمُنْتَفِي، هُوَ أَمْرُ الْوُجُوبِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ. فَإِذَا اسْتَعْمَلْنَا هَذَا الدَّلِيلَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْأَمْرَ الْمُنْتَفَى لَيْسَ أَمْرَ الِاسْتِحْبَابِ - لِثُبُوتِ الِاسْتِحْبَابِ - تَوَجَّهَ الْمَنْعُ هَاهُنَا، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ بِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُضَمَّ إلَى الِاسْتِدْلَالِ: الدَّلَائِلُ الْخَارِجَةُ، الدَّالَّةُ

стр. 119

٥١ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» . ٥٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْدِيمِ. وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً. وَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ. فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الضَّمِيمَةِ. السَّادِسُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْبِيهِ الْأَكَابِرِ: إمَّا لِاحْتِمَالِ غَفْلَةٍ، أَوْ لِاسْتِثَارَةِ فَائِدَةٍ مِنْهُمْ فِي التَّنْبِيهِ. لِقَوْلِ عُمَرَ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ". السَّابِعُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ " رَاجَعَا إلَى مَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ مِنْهُمْ، لِقِلَّةِ احْتِمَالِهِمْ الْمَشَقَّةَ فِي السَّهَرِ. فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجَعَا إلَى مَنْ خَلَفَهُ الْمُصَلُّونَ فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ " رَقَدَ النِّسَاءُ " إشْفَاقًا عَلَيْهِنَّ مِنْ طُولِ الِانْتِظَارِ. [حَدِيثُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ] لَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ " فِي الصَّلَاةِ " عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَلَا عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَغْرِبِ. لِقَوْلِهِ «فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَذَلِكَ يُخْرِجُ صَلَاةَ النَّهَارِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. وَيَبْقَى التَّرَدُّدُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. فَيَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَغْرِبِ، لِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «إذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا» وَهُوَ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا صَحَّ «فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ» وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالظَّاهِرِيَّةُ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى الصَّلَاةِ. وَزَادُوا - فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ - فَقَالُوا: إنْ صَلَّى فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَأَمَّا أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ: فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى، وَفَهِمُوا: أَنَّ الْعِلَّةَ التَّشْوِيشُ، لِأَجْلِ التَّشَوُّفِ إلَى الطَّعَامِ. وَقَدْ أَوْضَحَتْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَهِيَ قَوْلُهُ " وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ " فَتَتَبَّعُوا هَذَا الْمَعْنَى. فَحَيْثُ حَصَلَ التَّشَوُّفُ الْمُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ قَدَّمُوا الطَّعَامَ. وَاقْتَصَرُوا أَيْضًا عَلَى مِقْدَارِ مَا يَكْسِرُ سُورَةَ الْجُوعِ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ: يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُوَسَّعٌ. فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ التَّوْسِعَةِ فَصَحِيحٌ، لَكِنْ لَيْسَ بِمَحِلِّ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ. وَإِنْ أُرِيدَ التَّوْسِعَةُ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. فَفِي الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ ضَيَّقَ وَقْتَ الْمَغْرِبِ جَعَلَهُ مُقَدَّرًا بِزَمَانٍ يَدْخُلُ فِي مِقْدَارِ مَا يَتَنَاوَلُ لُقَيْمَاتٍ يَكْسِرُ بِهَا سُورَةَ الْجُوعِ. فَعَلَى هَذَا: لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مُوَسَّعًا إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ. عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وَجْهِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَهَذَا صَحِيحٌ، إنْ أُرِيدَ بِهِ: أَنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ - مَعَ التَّشَوُّفِ إلَيْهِ - عُذْرُ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ تَقْدِيمِ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ. فَإِنَّهُمَا لَمَّا تَزَاحَمَا قَدَّمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوَسِيلَةَ إلَى حُضُورِ الْقَلْبِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَالْمُتَشَوِّقُونَ إلَى الْمَعْنَى أَيْضًا قَدْ لَا يَقْصِرُونَ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِ الطَّعَامِ. بَلْ يَقُولُونَ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَعْنَى. وَهُوَ التَّشَوُّفُ إلَى الطَّعَامِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الطَّعَام إذَا لَمْ يَحْضُرْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَيَسِّرَ الْحُضُورِ عَنْ قَرِيبٍ، حَتَّى يَكُونَ كَالْحَاضِرِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ: فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَهُوَ مَا يَتَرَاخَى حُضُورُهُ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ

стр. 121

٥٣ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِالْحَاضِرِ. فَإِنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ يُوجِبُ زِيَادَةَ تَشَوُّفٍ وَتَطَلُّعٍ إلَيْهِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اعْتَبَرَهَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى الصَّلَاةِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهَا مَا لَا يُسَاوِيهَا، لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ " إنَّ مَحَلَّ النَّصِّ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا لَمْ يُلْغَ ". [حَدِيثُ لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ] هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلُ فِي الْعُمُومِ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى لَفْظِ " الصَّلَاةِ " وَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُضُورِ الطَّعَامِ. " وَالْأَخْبَثَانِ " الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ. وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ. وَ " مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ " إمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ إلَى الْإِخْلَالِ بِرُكْنٍ، أَوْ شَرْطٍ، أَوْ لَا. فَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ، امْتَنَعَ دُخُولُ الصَّلَاةِ مَعَهُ. وَإِنْ دَخَلَ وَاخْتَلَّ الرُّكْنُ أَوْ الشَّرْطُ: فَسَدَتْ بِذَلِكَ الِاخْتِلَالِ. وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إلَى ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ ذَلِكَ مُؤَثِّرٌ فِي الصَّلَاةِ بِشَرْطِ شُغْلِهِ عَنْهُ، وَقَالَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدِهِ. وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَغَلَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى. فَهُوَ الَّذِي يُعِيدُ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَأَمَّا إنْ شَغَلَهُ شُغْلًا خَفِيفًا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إقَامَةِ حُدُودِهَا، وَصَلَّى ضَامًّا بَيْنَ وِرْكَيْهِ، فَهُوَ الَّذِي يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ مَا لَا يَعْقِلُ بِهِ صَلَاتَهُ وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ إنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِيهَا. وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَكَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: فِيهِ بَعْضُ إجْمَالٍ. وَالتَّحْقِيقُ: مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلًا، أَنَّهُ إنْ مُنِعَ مِنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ: امْتَنَعَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ. وَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ بِاخْتِلَالِ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، إنْ نُظِرَ إلَى الْمَعْنَى، أَوْ مُمْتَنِعٌ إنْ نُظِرَ إلَى ظَاهِرِ النَّهْيِ. وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ

стр. 122

٥٤ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي: عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْإِعَادَةَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ " لَا يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى " أَوْ مَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ " إنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ مَا لَا يَعْقِلُ صَلَاتَهُ " فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ: الشَّكُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا السَّبَبِ. وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: أَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ بِالْكُلِّيَّةِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ خُشُوعٍ. وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَقَوْلُ الْقَاضِي " وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَهَا " إنْ أُرِيدَ بِهِ: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ: فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مُبَيِّنًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِرُهَا، فَإِنْ أَوْقَعَ ذَلِكَ شَكًّا فِي فِعْلِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّاكِّ فِي الْإِتْيَانِ بِالرُّكْنِ، أَوْ الْإِخْلَالِ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، مِنْ ذَهَابِ الْخُشُوعِ: فَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَيْضًا. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى إعَادَةِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ الدُّخُولِ فِيهَا، فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ تَذَكُّرِ إقَامَةِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا. وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، مِنْ امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عَنْ مَقَرِّهَا يَجْعَلُهَا كَالْبَارِزَةِ، وَيُوجِبُ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ، وَتَحْرِيمَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، مِنْ غَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ: فَهُوَ عِنْدِي بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ سَبَبٍ آخَرَ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، صَرِيحٍ فِيهِ. فَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّ السَّبَبَ مَا ذَكَرَهُ. وَإِنَّمَا غَايَتُهُ: أَنَّهُ مُنَاسِبٌ أَوْ مُحْتَمَلٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 123

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ] فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: رَدٌّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْمُبَايَنَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ﵃. وَقَوْلُهُ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ» أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ " وَبَعْدَ الْعَصْرِ " أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ الْأَوْقَاتَ الْمَكْرُوهَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهَا: مَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهَةُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْفِعْلُ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ قَبْلَهُ. وَإِنْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كُرِهَتْ. وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. وَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ. وَمِنْهَا: مَا تَتَعَلَّقُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ بِالْوَقْتِ، كَطُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الِارْتِفَاعِ، وَوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ. وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالظَّاهِرِيَّةِ: فِيهِ خِلَافٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَصِيغَةُ النَّفْيِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَالْأَوْلَى: حَمْلُهَا عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ. لَا عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ الْوُجُودِيِّ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ " نَفْيًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا الْحِسِّيَّةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّ الشَّارِعَ يُطْلِقُ أَلْفَاظَهُ عَلَى عُرْفِهِ. وَهُوَ الشَّرْعِيُّ. وَأَيْضًا، فَإِنَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ - وَهُوَ غَيْرُ مُنْتَفٍ - احْتَجْنَا إلَى

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إضْمَارٍ لِتَصْحِيحِ اللَّفْظِ. وَهُوَ الْمُسَمَّى بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ يَكُونُ عَامًّا أَوْ مُجْمَلًا، أَوْ ظَاهِرًا فِي بَعْضِ الْمَحَامِلِ. أَمَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ نَحْتَجْ إلَى إضْمَارٍ. فَكَانَ أَوْلَى. وَمِنْ هَذَا الْبَحْثِ يُطَّلَعُ عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» فَإِنَّك إذَا حَمَلْتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَمْ تَحْتَجْ إلَى إضْمَارٍ. فَإِنَّهُ يَكُونُ نَفْيًا لِلنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ. وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْحِسِّيَّةِ - وَهِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ حِسًّا - احْتَجْتَ إلَى إضْمَارٍ. فَحِينَئِذٍ يُضْمِرُ بَعْضُهُمْ " الصِّحَّةَ " وَبَعْضُهُمْ " الْكَمَالَ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ سِنَانٍ. و " خُدْرَةُ " مِنْ الْأَنْصَارِ. فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ. فَإِنَّهُ مَدَّ الْكَرَاهَةَ إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ، بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي تَزُولُ عِنْدَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ، أَوْ حُمْرَتُهَا. وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ. وَقَوْلُهُ " لَا صَلَاةَ " فِي الْحَدِيثَيْنِ، عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ. وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ بِالنَّوَافِلِ، وَلَمْ يَقُولَا بِهِ فِي الْفَرَائِضِ الْفَوَائِتِ. وَأَبَاحَاهَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالِامْتِنَاعِ. وَهُوَ أَدْخَلُ فِي الْعُمُومِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَكَوْنُهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ " لَا وَقْتَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ " إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ. فَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ: خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ، عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ. وَحَدِيثُ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ: خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، عَامٌّ فِي الْوَقْتِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ. فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، وَكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ،

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ، وَعَائِشَةَ ﵃، وَالصُّنَابِحِيِّ. وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . أَمَّا " عَلِيٌّ فَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو الْحَسَنِ وَاسْمُ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ: عَبْدُ مَنَافٍ. وَقِيلَ اسْمُهُ: كُنْيَتُهُ. وَعَلِيٌّ ﵁ ذُو الْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ الَّتِي لَا تَخْفَى. قِيلَ: أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ، أَوْ عَشْرٍ، أَوْ ثَمَانٍ. أَقْوَالٌ. وَقُتِلَ ﵁ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي رَمَضَانَ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ شَمْخٍ، فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ. مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَهُوَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ الْعَدَوِيُّ. وَرِيَاحٌ فِي نَسَبِهِ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ. وَرَزَاحُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، بَعْدَهَا زَايٌ مَفْتُوحَةٌ. وَتُوُفِّيَ ﵀ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: فَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبُو نُصَيْرٍ، بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ - ابْنِ سَهْمٍ، السَّهْمِيُّ. أَحَدُ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ. وَالْمُكْثِرِينَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قِيلَ: إنَّهُ مَاتَ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ، وَكَانَتْ الْحَرَّةُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ: غَيْرُهُ.

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا سَمُرَةُ: فَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ أَبُو سُلَيْمَانَ، أَوْ أَبُو سَعِيدٍ -: سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ - بِضَمِّ الدَّالِ، وَقَدْ يُقَالُ بِفَتْحِهَا - ابْنِ هِلَالٍ. فَزَارِيٌّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَأَمَّا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: فَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنُ الْأَكْوَعِ، مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ الْأَكْوَعِ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَسَلَمَةُ أَسْلَمِيٌّ، يُكَنَّى أَبَا مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: أَبَا إيَاسٍ وَقِيلَ: أَبَا عَامِرٍ. أَحَدُ شُجْعَانِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ. مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَهُوَ أَبُو خَارِجَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدِ أَنْصَارِيٌّ نَجَّارِيٌّ. وَقِيلَ: يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ. وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ: ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ ﵁ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، مُتَقَدِّمًا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ. وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وَأَمَّا مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ: فَهُوَ مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ - فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ عَفْرَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ: فَبَهْزِيٌّ، سُلَمِيٌّ - فِيمَا قِيلَ - مَاتَ بِالشَّامِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُهُ. وَأَمَّا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ: فَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ، وَصُدَيُّ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - مِنْ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ. مَاتَ بِالشَّامِّ سَنَةَ

стр. 127

٥٦ - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا. قَالَ: فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ إحْدَى وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالشَّامِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: فَهُوَ أَبُو نَجِيحٍ. وَيُقَال: أَبُو شُعَيْبٍ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْبَاءِ مَعًا، وَالْبَاءُ تَلِي الْعَيْنَ - ابْنِ عَامِرِ بْنِ خَالِدٍ، سُلَمِيٌّ. لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا رُبْعُ الْإِسْلَامِ " ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا عَائِشَةُ ﵂: فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَمْرِهَا. وَأَمَّا الصُّنَابِحِيُّ: فَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ، مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ مِنْ الْيَمَنِ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - كَانَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَصَدَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْجُحْفَةِ لَقِيَهُ الْخَبَرُ بِمَوْتِهِ ﷺ . وَكَانَ فَاضِلًا.

стр. 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ] حَدِيثُ عُمَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَبِّ الْمُشْرِكِينَ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَ السَّبِّ. فَيَنْبَغِي - مَعَ إطْلَاقِهِ - أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِفُحْشٍ. [صَلَاة الْخَوْفِ] ١ وَقَوْلُهُ " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ " يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ إذَا دَخَلَ عَلَى " كَادَ " تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ فِي الْأَكْثَرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ ﷺ " وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا " قِيلَ: فِي هَذَا الْقَسَمِ إشْفَاقٌ مِنْهُ ﷺ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا، وَتَحْقِيقُ هَذَا: أَنَّ الْقَسَمَ تَأْكِيدٌ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْقَسَمِ إشْعَارٌ بِبُعْدِ وُقُوعِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْتَقَدُ وُقُوعُهُ. فَأَقْسَمَ عَلَى وُقُوعِهِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ هَذَا التَّرْكِ. وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْإِشْفَاقِ مِنْهُ، أَوْ مَا يُقَارِبُ هَذَا الْمَعْنَى. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهِيَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ " مَا صَلَّيْنَا " خِلَافَ مَا يَتَوَهَّمُهُ قَوْمٌ مِنْ النَّاسِ. وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الصَّلَاةَ لِشُغْلِهِ بِالْقِتَالِ، كَمَا وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» فَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ إلَى حَالَةِ الْأَمْنِ. وَالْفُقَهَاءُ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ - فِيمَا قِيلَ: شُرِعَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. وَهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ. وَهُوَ أَنَّ الشُّغْلَ إنْ أَوْجَبَ النِّسْيَانَ، فَالتَّرْكُ لِلنِّسْيَانِ. وَرُبَّمَا اُدُّعِيَ الظُّهُورُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النِّسْيَانِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الظَّاهِرُ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَهُوَ الشُّغْلُ. وَقَوْلُهُ " فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ " اسْمُ مَوْضِعٍ، يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَذَكَرَ غَيْرُهُمْ فِيهِ الْفَتْحَ فِي الْبَاءِ وَالْكَسْرَ فِي الطَّاءِ دُونَ الضَّمِّ. [صَلَاة الْفَوَائِتِ جَمَاعَةً] ١ وَقَوْلُهُ " فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا " قَدْ يُشْعِرُ بِصَلَاتِهِمْ مَعَهُ ﷺ جَمَاعَةً فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صَلَاةِ الْفَوَائِتِ جَمَاعَةً. وَقَوْلُهُ " فَصَلَّى الْعَصْرَ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ فِي الْقَضَاءِ. وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْفَوَائِتِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَهِيَ مَا دُونَ الْخَمْسِ، وَفِي الْخَمْسِ خِلَافٌ. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُطْلَقًا. فَإِذَا ضُمَّ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ

стр. 129

٥٧ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الدَّلِيلُ عَلَى اتِّسَاعِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ: لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. وَإِنْ ضُمَّ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ الدَّلِيلُ عَلَى تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ: كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ تَخْرُجْ الْحَاضِرَةُ عَنْ وَقْتِهَا، لِفِعْلِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَالدَّلَالَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُكْمِ التَّرْتِيبِ: تَنْبَنِي عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ لِلْوُجُوبِ. [بَابُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَوُجُوبِهَا] [حَدِيثُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْفَذِّ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ: أَنَّ لَفْظَةَ " أَفْعَلُ " تَقْتَضِي وُجُودَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَصْلِ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ فَضِيلَةٍ فِي صَلَاةِ الْفَذِّ وَمَا لَا يَصِحُّ فَلَا فَضِيلَةَ فِيهِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ " أَفْعَلْ " مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَأَمَّا التَّفَاضُلُ بِزِيَادَةِ عَدَدٍ فَيَقْتَضِي بَيَانًا. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ جُزْءٌ مَعْدُودٌ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ أُخَرُ. كَمَا إذَا قُلْنَا: هَذَا الْعَدَدُ يَزِيدُ عَلَى ذَاكَ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ الْآحَادِ. فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ أَصْلِ الْعَدَدِ، وَجُزْءٍ مَعْلُومٍ فِي الْآخَرِ، وَمِثْلُ هَذَا. وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْهُ: مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، أَوْ تُضَاعَفُ " فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ شَيْءٍ يُزَادُ عَلَيْهِ، وَعَدَدٍ يُضَاعَفُ. نَعَمْ يُمْكِنُ مَنْ

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ قَالَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْفَذِّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا تَصِحُّ - وَهُوَ دَاوُد عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ - أَنْ يَقُولَ: التَّفَاضُلُ يَقَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَعْذُورِ فَذًّا وَالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ إذَا وَجَدْنَا مَحْمَلًا صَحِيحًا لِلْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ " الْفَذَّ " مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ كُلِّ فَذٍّ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْفَذُّ الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. . ١ - الثَّانِي: قَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّفْضِيلُ " بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً " وَفِي غَيْرِهِ التَّفْضِيلُ " بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا " فَقِيلَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ: إنَّ الدَّرَجَةَ أَقَلُّ مِنْ الْجُزْءِ، فَتَكُونُ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ جُزْءًا سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمَاعَاتِ، وَأَوْصَافِ الصَّلَاةِ. فَمَا كَثُرَتْ فَضِيلَتُهُ عَظُمَ أَجْرُهُ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الصَّلَوَاتِ. فَمَا عَظُمَ فَضْلُهُ مِنْهَا عَظُمَ أَجْرُهُ. وَمَا نَقَصَ عَنْ غَيْرِهِ نَقَصَ أَجْرُهُ. ثُمَّ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ: الزِّيَادَةُ لِلصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. وَقِيلَ: لِلصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ كَالْمَسْجِدِ مَعَ غَيْرِهِ. الثَّالِثُ: قَدْ وَقَعَ بَحْثٌ فِي أَنَّ هَذِهِ " الدَّرَجَاتِ " هَلْ هِيَ بِمَعْنَى الصَّلَوَاتِ؟ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِمَثَابَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ لَفْظَ " الدَّرَجَةِ " وَ " الْجُزْءِ " لَا يَلْزَمُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ مَبْنِيًّا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَكَذَلِكَ لَفْظَةُ " تُضَاعَفُ " مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ. [تَسَاوِي الْجَمَاعَاتِ فِي الْفَضْلِ] ١ الرَّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَسَاوِي الْجَمَاعَاتِ فِي الْفَضْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ. قِيلَ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ: أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي الْفَضْلِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا دَلَّ عَلَى الْفَضْلِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ، اقْتَضَى ذَلِكَ الِاسْتِوَاءَ فِي الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ. وَلَوْ قُرِّرَ هَذَا بِأَنْ يُقَالُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِالْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ، فَتَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ جَمَاعَةٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا:

стр. 131

٥٨ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْجَمَاعَةُ الْكُبْرَى وَالْجَمَاعَةُ الصُّغْرَى. وَالتَّقْدِيرُ فِيهِمَا وَاحِدٌ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ - كَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: زِيَادَةُ الْفَضِيلَةِ بِزِيَادَةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ حَدِيثٌ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ. وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ» الْحَدِيثُ. فَإِنْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فَهُوَ مُعْتَمَدٌ. [حَدِيثُ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الثَّوَابُ الْمُقَدَّرُ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ. وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ. الْأُولَى: أَنَّ اللَّفْظَ - أَعْنِي قَوْلَهُ " وَذَلِكَ " - أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ الْحُكْمِ السَّابِقِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ. وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّعْلِيلِ. وَسِيَاقُ هَذَا اللَّفْظِ فِي نَظَائِرِ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَحِلَّ الْحُكْمِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَوْجُودَةٌ فِيهِ. وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا. لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي مَحِلِّ الْحُكْمِ لَكَانَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ. فَلَا يَحْصُلُ التَّعْلِيلُ بِهَا. الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَا رُتِّبَ عَلَى مَجْمُوعٍ لَمْ يَلْزَمْ حُصُولُهُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ إلَّا

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إلْغَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ. فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مُعْتَبَرًا. لَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى بَعْضِهِ. فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ: فَاللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِمُضَاعَفَةِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ. وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِاجْتِمَاعِ أُمُورٍ: مِنْهَا: الْوُضُوءُ فِي الْبَيْتِ، وَالْإِحْسَانُ فِيهِ، وَالْمَشْيُ إلَى الصَّلَاةِ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ. وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ. وَإِذَا عُلِّلَ هَذَا الْحُكْمُ بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَوْجُودًا فِي مَحِلِّ الْحُكْمِ. وَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنْهَا، فَالْأَصْلُ: أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ بِدُونِهِ. فَمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَحْصُلْ فِي صَلَاتِهِ بَعْضُ هَذَا الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ الْمَشْيُ الَّذِي بِهِ تُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَاتُ وَتُحَطُّ عَنْهُ الْخَطِيئَاتُ. فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ لَهُ. لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ - أَعْنِي الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ، مَعَ كَوْنِهِ رَافِعًا لِلدَّرَجَاتِ، حَاطًّا لِلْخَطِيئَاتِ - لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى الْقِيَاسِ فِي هَذَا اللَّفْظِ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ - وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي تَرْتِيبَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مُطْلَقِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ -: يَقْتَضِي خِلَافَ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ حُصُولُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الثَّوَابِ لِمَنْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي بَيْتِهِ. فَيَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي مَدْلُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَيْسَ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ فِي الْجَمَاعَةِ بِإِقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ، أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ. وَلَعَلَّ هَذَا نَظَرًا إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. [إقَامَة الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ] ١ الْبَحْثُ الثَّانِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالِانْفِرَادِ. وَهَلْ يَحْصُلُ لِلْمُصَلِّي فِي الْبُيُوتِ جَمَاعَةً هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ: حُصُولُهُ. وَلَسْت أَعْنِي أَنَّهُ لَا تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ عَلَى الِانْفِرَادِ فِيهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ. إنَّمَا النَّظَرُ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَفَاضَلُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ أَمْ لَا؟ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ هَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْفَضِيلَةِ: عَدَمُ حُصُولِ مُطْلَقِ الْفَضِيلَةِ. وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ: هَلْ يَتَأَدَّى بِهَا الْمَطْلُوبُ؟ فَعَنْ

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ فِي إقَامَةِ الْفَرْضِ، أَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفِي إذَا اشْتَهَرَ، كَمَا إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي السُّوقِ مَثَلًا. وَالْأَوَّلُ عِنْدِي: أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ الْمَسَاجِدِ. هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَتَأَتَّى إلْغَاؤُهُ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي صَدَّرْنَا بِهَا هَذَا الْبَحْثَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ نَظَرٌ فِي أَنَّ إقَامَةَ الشِّعَارِ هَلْ تَتَأَدَّى بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي بَحَثْنَاهُ أَوَّلًا: هُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ هَلْ تَتَضَاعَفُ بِالْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ أَمْ لَا؟ [هَلْ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً] ١ الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ» يَتَصَدَّى النَّظَرُ هُنَا: هَلْ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً، أَوْ تَفْضُلُ عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا؟ أَمَّا الْحَدِيثُ: فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ صَلَاتَهُ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِهَذَا الْقَدْرِ. لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ» مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. لِأَنَّهُ قُوبِلَ بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ. وَلَوْ جَرَيْنَا عَلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ: لَمْ تَحْصُلْ الْمُقَابَلَةُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قِسْمُ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ. وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَوْلُهُ ﷺ " صَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ " عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَةَ. وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ مِنْ جِهَةِ مَا وَرَدَ أَنَّ " الْأَسْوَاقَ مَوْضِعُ الشَّيَاطِينِ " فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا نَاقِصَةُ الرُّتْبَةِ، كَالصَّلَاةِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَكْرُوهَةِ لِأَجْلِ الشَّيَاطِينِ، كَالْحَمَّامِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - وَإِنْ أَمْكَنَ فِي السُّوقِ - لَيْسَ يُطَّرَدُ فِي الْبَيْتِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاوَى فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةً مَعَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي السُّوقِ جَمَاعَةً، فِي مِقْدَارِ الْفَضِيلَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ: أَنْ لَا يَتَسَاوَى مَا وُجِدَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَعَ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِمَّا يَقْتَضِيه السِّيَاقُ: أَنَّ الْمُرَادَ تَفْضِيلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ مُنْفَرِدًا: فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا.

стр. 134

٥٩ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ ـــــــــــــــــــــــــــــ وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِبْعَادِ تَسَاوِي صَلَاتِهِ فِي الْبَيْتِ مَعَ صَلَاتِهِ فِي السُّوقِ جَمَاعَةً فِيهِمَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ مَعْنَى السُّوقِ، مَعَ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ. وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِنُقْصَانِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. يَلْزَمُهُ تَسَاوِي مَا وُجِدَتْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ فِي مِقْدَارِ التَّفَاضُلِ. أَمَّا إذَا جَعَلْنَا التَّفَاضُلَ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ مُنْفَرِدًا، فَوَصْفُ " السُّوقِ " هَاهُنَا مُلْغَى، غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. فَلَا يَلْزَمُ تَسَاوِي مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَعَ مَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ فِي مِقْدَارِ التَّفَاضُلِ. وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا: أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا السُّوقَ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ لِلصَّلَاةِ. وَبِهَذَا فَارَقَ الْحَمَّامَ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا. [خُرُوجُ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَسْجِدِ] الْبَحْثُ الرَّابِعُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا لَا تُلْغَى. فَلْيُنْظَرْ الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعْتَبَرًا مِنْهَا وَمَا لَا. أَمَّا وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ: فَحَيْثُ يُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ إلَى الْمَسْجِدِ، يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاوَى مَعَ الرَّجُلِ، لِأَنَّ وَصْفَ الرُّجُولِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثَوَابِ الْأَعْمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْبَيْتِ: فَوَصْفُ كَوْنِهِ فِي الْبَيْتِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّعْلِيلِ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ: فَمُعْتَبَرٌ لِلْمُنَاسِبَةِ، لَكِنْ: هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ طَاهِرًا، أَوْ فِعْلُ الطَّهَارَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ، لَكِنْ الْأَظْهَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ " إذَا تَوَضَّأَ " لَا يَتَقَيَّدُ بِالْفِعْلِ. وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَلَبَةِ، أَوْ ضَرْبَ الْمِثَالِ. وَأَمَّا إحْسَانُ الْوُضُوءِ: فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ. وَبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُ الطَّهَارَةِ. لَكِنْ يَبْقَى مَا قُلْنَاهُ: مِنْ خُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، أَوْ ضَرْبَ الْمِثَالِ وَأَمَّا خُرُوجُهُ إلَى الصَّلَاةِ: فَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ لِأَجْلِهَا. وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَنْهَزُهُ إلَّا الصَّلَاةُ» وَهَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ. وَأَمَّا صَلَاتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ: فَبِالضَّرُورَةِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا. فَإِنَّهَا مَحِلُّ الْحُكْمِ. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: الْخُطْوَةُ - بِضَمِّ الْخَاءِ - مَا بَيْنَ قَدَمَيْ الْمَاشِي، وَبِفَتْحِهَا: الْفَعْلَةُ. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ مَفْتُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُ الْمَاشِي.

стр. 135

الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ ﷺ " أَثْقَلُ الصَّلَاةِ " مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ. لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﵇ " لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " وَقَوْلُهُ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ - إلَى قَوْلِهِ - لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ " كُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ: حُضُورُهُمْ إلَى جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ. الثَّانِي: إنَّمَا كَانَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. لِقُوَّةِ الدَّاعِي إلَى تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِيهِمَا، وَقُوَّةِ الصَّارِفِ عَنْ الْحُضُورِ، أَمَّا الْعِشَاءُ: فَلِأَنَّهَا وَقْتُ الْإِيوَاءِ إلَى الْبُيُوتِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَهْلِ، وَاجْتِمَاعِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَطَلَبِ الرَّاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّعْيِ بِالنَّهَارِ. وَأَمَّا الصُّبْحُ: فَإِنَّهَا فِي وَقْتِ لَذَّةِ النَّوْمِ. فَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ فَفِي وَقْتِ شِدَّتِهِ، لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالشَّمْسِ، لِطُولِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ: فَهُوَ وَقْتُ الْبَرْدِ وَالرَّاحَةِ مِنْ أَثَرِ حَرِّ الشَّمْسِ لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِهَا. فَلَمَّا قَوِيَ الصَّارِفُ عَنْ الْفِعْلِ ثَقُلَتْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ: فَهُوَ عَالِمٌ بِزِيَادَةِ الْأَجْرِ لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمُورُ دَاعِيَةً لَهُ إلَى هَذَا الْفِعْلِ، كَمَا كَانَتْ صَارِفَةً لِلْمُنَافِقِينَ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ " وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا " أَيْ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ " لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الْمَشَقَّاتِ تَكُونُ دَاعِيَةً لِلْمُؤْمِنِ إلَى الْفِعْلِ [الْجَمَاعَة فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ] ١ الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَقِيلَ: سُنَّةٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ. وَقِيلَ:

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. قَدْ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقِيلَ: شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ دَاوُد. وَقِيلَ: إنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ: أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ. فَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ: قَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ إنْ قِيلَ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَقَدْ كَانَ هَذَا الْفَرْضُ قَائِمًا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا سُنَّةٌ، فَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ السُّنَنِ. فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا عَلَى وُجُوهٍ، فَقِيلَ: إنَّ هَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجِدَ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» وَهَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا سِيَّمَا أَكَابِرُهُمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ. وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ: كَانَ التَّحْرِيقُ لِلنِّفَاقِ، لَا لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ: فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْرِضًا عَنْهُمْ؛ عَالِمًا بِطَوِيَّاتِهِمْ. كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْهُمْ فِي التَّخَلُّفِ، وَلَا عَاتَبَهُمْ مُعَاتَبَةَ كَعْبٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ تَرْكُ مُعَاقَبَةِ الْمُنَافِقِينَ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِهَذَا التَّحْرِيقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَلَنَا أَنْ نَقُولَ: إنَّ تَرْكَ عِقَابِ الْمُنَافِقِينَ وَعِقَابُهُمْ كَانَ مُبَاحًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مُخَيَّرًا فِيهِ. فَعَلَى هَذَا: لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُنَافِقِينَ، لِجَوَازِ مُعَاقَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ، وَلَيْسَ فِي إعْرَاضِهِ عَنْهُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ عِنْدَمَا طُلِبَ مِنْهُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ - " لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ " يُشْعِرُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ قَتْلِهِمْ لَكَانَ الْجَوَابُ بِذِكْرِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَنْ قَالَ " إنَّ ذَلِكَ فِي الْمُنَافِقِينَ " عِنْدِي: سِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ". وَجْهٌ آخَرُ فِي تَقْدِيرِ كَوْنِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ: أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: هَمُّ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّحْرِيقِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَتَرْكُهُ التَّحْرِيقَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هَذَا التَّرْكِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ جَوَازُ التَّحْرِيقِ وَجَوَازُ تَرْكِهِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ. وَهَذَا الْمَجْمُوعُ لَا يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَنْ حُجَّةِ أَصْحَابِ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْيَانِ: مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى دَاوُد، لَا لَهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَمَّ، وَلَمْ يَفْعَلْ. وَلِأَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ. وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ. وَأَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَضَعِيفٌ جِدًّا، إنْ سَلَّمَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَهُمُّ إلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ. وَأَمَّا الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ " وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ - فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْبَيَانُ قَدْ يَكُونُ بِالتَّنْصِيصِ وَقَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ، وَلَمَّا قَالَ ﷺ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ " إلَى آخِرِهِ: دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ عَلَيْهِمْ لِلْجَمَاعَةِ. فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الْعِبَادَةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا غَالِبًا. كَانَ ذِكْرُهُ ﷺ لِهَذَا الْهَمِّ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْحُضُورِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ. فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذَا الْهَمِّ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ. وَهُوَ وُجُوبُ الْحُضُورِ. وَوُجُوبُ الْحُضُورِ دَلِيلًا عَلَى لَازِمِهِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْحُضُورِ. فَذِكْرُ هَذَا الْهَمِّ بَيَانٌ لِلِاشْتِرَاطِ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا، كَمَا قُلْنَا. إلَّا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الْعِبَادَةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الْغَالِبُ. وَلَمَّا كَانَ الْوُجُوبُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ الشَّرْطِيَّةِ قَالَ أَحْمَدُ - فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ - إنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، غَيْرُ شَرْطٍ. وَمِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْمُوجِبِينَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ: أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا. فَقِيلَ: الْعِشَاءُ. وَقِيلَ: الْجُمُعَةُ. وَقَدْ وَرَدَتْ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُفَسَّرَةً فِي الْحَدِيثِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " الْعِشَاءُ، أَوْ الْفَجْرُ " فَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْجُمُعَةُ - وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهَا - لَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ أَنْ يُنْظَرَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي بُيِّنَتْ فِيهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ: أَهِيَ الْجُمُعَةُ، أَوْ الْعِشَاءُ، أَوْ الْفَجْرُ؟ فَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً، قِيلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا

стр. 138

٦٠ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا. قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟» وَفِي لَفْظٍ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الطُّرُقُ، فَقَدْ يَتِمُّ هَذَا الْجَوَابُ، إنْ عُدِمَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ بَعْضِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ وَبَعْضٍ، وَعُدِمَ إمْكَانُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَذْكُورًا. فَتَرْكُ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْضَهُ ظَاهِرًا، بِأَنْ يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ. أَعْنِي الْجُمُعَةَ، أَوْ الْعِشَاءَ - مَثَلًا - فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْجُمُعَةُ: لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعِشَاءُ: يَتِمُّ. وَإِذَا تَرَدَّدَ الْحَالُ وَقَفَ الِاسْتِدْلَال. وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا: أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ بِالتَّحْرِيقِ إذَا وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ - وَهِيَ الْعِشَاءُ، أَوْ الْجُمُعَةُ، أَوْ الْفَجْرُ - فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَتَرْكِ اتِّبَاعِ الْمَعْنَى. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ قَوْلُهُ ﷺ «أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ» عَلَى عُمُومِ الصَّلَاةِ. فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى اعْتِبَارِ لَفْظِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَسِيَاقِهِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَيُحْمَلُ لَفْظُ " الصَّلَاةِ " عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ التَّحْقِيقُ وَطَلَبُ الْحَقِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﵇ " وَلَقَدْ هَمَمْتُ. .. " إلَخْ. أُخِذَ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ. وَسِرُّهُ: أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِالْأَهْوَنِ مِنْ الزَّوَاجِرِ اُكْتُفِيَ بِهِ مِنْ الْأَعْلَى.

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا] الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ لِلنِّسَاءِ عَنْ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ» يُشْعِرُ أَيْضًا بِطَلَبِهِنَّ لِلْخُرُوجِ فَإِنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى. وَيَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إبَاحَتُهُ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَنْهَ الرِّجَالَ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ. وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي النِّسَاءِ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ وَحَالَاتٍ: مِنْهَا: أَنْ لَا يَتَطَيَّبْنَ. وَهَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ. فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَفِي بَعْضِهَا «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» وَفِي بَعْضِهَا «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» فَأَلْحَقَ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا. فَمَا أَوْجَبَ هَذَا الْمَعْنَى الْتَحَقَ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا: حُسْنُ الْمَلَابِسِ، وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ عَائِشَةَ ﵂ فِي الصَّحِيحِ " لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ: لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ " عَلَى هَذَا، تَعْنِي إحْدَاثَ حُسْنِ الْمَلَابِسِ وَالطِّيبِ وَالزِّينَةِ. وَمِمَّا خَصَّ بِهِ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ: أَنَّ مَنْعَ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لِلْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ: أَنْ يَكُونَ بِاللَّيْلِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى. فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» فَالتَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ قَدْ يُشْعِرُ بِمَا قَالَ. وَمِمَّا قِيلَ أَيْضًا فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنْ لَا يُزَاحِمْنَ الرِّجَالَ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَدَارُ هَذَا كُلِّهِ النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى. فَمَا اقْتَضَاهُ الْمَعْنَى مِنْ الْمَنْعِ جُعِلَ خَارِجًا عَنْ الْحَدِيثِ. وَخُصَّ الْعُمُومُ بِهِ. وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ. وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ وَقَعَ عَلَى بَعْضِ مَا اقْتَضَاهُ التَّخْصِيصُ، وَهُوَ عَدَمُ الطِّيبِ.

стр. 140

٦١ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقِيلَ: إنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذَا إنْ أُخِذَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازَ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ: بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ. وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّ مَنْعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مَشْهُورٌ مُعْتَادٌ. وَقَدْ قُرِّرُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْجَوَازِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ الْمَعْلُومِ. فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْعِ. وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَكُونُ مَنْعُ الرَّجُلِ لِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ مَأْخُوذًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» مُنَاسَبَةً تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ. أَعْنِي كَوْنَهُنَّ " إمَاءَ اللَّهِ " بِالنِّسْبَةِ إلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِإِمَاءِ اللَّهِ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّسَاءِ لَوْ قِيلَ. وَإِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ. وَالْمُرَادُ بِالِانْتِفَاءِ هَا هَاهُنَا: انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، أَيْ لِلصَّلَاةِ. وَأُخِذَ مِنْ إنْكَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى وَلَدِهِ وَسَبِّهِ إيَّاهُ: تَأْدِيبُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ. الْعَامِلِ بِهَوَاهُ، وَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَتَأْدِيبُ الْعَالِمِ مَنْ يَتَعَلَّمُ عِنْدَهُ إذَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي. وَقَوْلُهُ " فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: وَاقِدٌ " وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبْنَاءٌ. مِنْهُمْ بِلَالٌ. وَمِنْهُمْ وَاقِدٌ.

стр. 141

وَفِي لَفْظِ " فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ ". وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ " حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ هَذَا الْحَدِيثُ: يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْعَدَدُ مِنْهَا. وَفِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا: مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ. أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ: فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا. فَتَتَكَيَّفُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْخُشُوعِ فِيهَا، الَّذِي هُوَ رُوحُهَا. فَإِذَا قُدِّمَتْ السُّنَنُ عَلَى الْفَرِيضَةِ تَأَنَّسَتْ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنْ الْخُشُوعِ. فَيَدْخُلُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ تَكُنْ تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ تُقَدَّمْ السُّنَّةُ. فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّكَيُّفِ بِمَا هِيَ فِيهِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَ أَوْ طَالَ. وَوُرُودُ الْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا قَدْ يَمْحُو أَثَرَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ أَوْ يُضْعِفُهُ. وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُتَأَخِّرَةُ: فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ خَلَلًا فِيهِ إنْ وَقَعَ. [أَعْدَاد رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ] ١ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ فِعْلًا وَقَوْلًا. وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الِاخْتِيَارِ لِتِلْكَ الْأَعْدَادِ وَالرَّوَاتِبِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: وَإِنَّمَا يُوَقِّتُ فِي هَذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَالْحَقُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي مَا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ - أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ، أَوْ هَيْئَةٍ مِنْ الْهَيْئَاتِ، أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ: يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ. فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهِ - إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ فِعْلًا، أَوْ بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ، وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ، وَإِمَّا بِمُعَاضَدَةِ حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ، أَوْ أَحَادِيثَ فِيهِ - تَعْلُو مَرْتَبَتُهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ. وَمَا يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ كَانَ بَعْدَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا عُمِلَ بِهِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ صَحِيحٌ أَقْوَى مِنْهُ. وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، أَعْنِي الصَّحِيحَ الَّذِي لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُؤَكَّدْ اللَّفْظُ فِي طَلَبِهِ. وَمَا كَانَ ضَعِيفًا لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمَوْضُوعِ، فَإِنْ أَحْدَثَ شِعَارًا فِي الدِّينِ: مُنِعَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ بِالْوَقْتِ أَوْ بِالْحَالِ وَالْهَيْئَةِ، وَالْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ: يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ بِخُصُوصِهِ. وَهَذَا أَقْرَبُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ. الْأُولَى: أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ، فَشَرْطُهُ: أَنْ لَا يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مِثَالُهُ: الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَلَا حَسُنَ. فَمَنْ أَرَادَ فِعْلَهَا - إدْرَاجًا لَهَا تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ - لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نَهَى أَنْ تُخَصَّ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ " وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ الْعُمُومِيَّاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي قُلْنَاهُ - مِنْ جَوَازِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ - نُرِيدُ بِهِ فِي الْفِعْلِ، لَا فِي الْحُكْمِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ بِهَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِحْبَابِهِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ: يَحْتَاجُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَا بِاحْتِمَالِهِ. الثَّالِثُ: قَدْ مَنَعْنَا إحْدَاثَ مَا هُوَ شِعَارٌ فِي الدِّينِ. وَمِثَالُهُ: مَا أَحْدَثَتْهُ الرَّوَافِضُ مِنْ عِيدٍ ثَالِثٍ، سَمَّوْهُ عِيدَ الْغَدِيرِ. وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ وَإِقَامَةُ شِعَارِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، لَمْ يَثْبُتْ شَرْعًا. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ الْعِبَادَةُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ مُرَتَّبَةً عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. فَيُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ: أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا أَمْرًا آخَرَ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، زَاعِمًا أَنَّهُ يُدْرِجُهُ تَحْتَ عُمُومٍ. فَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعِبَادَاتِ التَّعَبُّدُ، وَمَأْخَذُهَا التَّوْقِيفُ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ: حَيْثُ لَا يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ أَوْ مَنْعِهِ. فَأَمَّا إذَا دَلَّ فَهُوَ أَقْوَى فِي

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَنْعِ وَأَظْهَرُ مِنْ الْأَوَّلِ. وَلَعَلَّ مِثَالَ ذَلِكَ، مَا وَرَدَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ. فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ رَفْعُ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مُطْلَقًا. فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَرْفَعُ الْيَدَ فِي الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ. فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَيْئَةِ الْعِبَادَةِ التَّعَبُّدُ وَالتَّوْقِيفُ. وَالصَّلَاةُ تُصَانُ عَنْ زِيَادَةِ عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِيهَا. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ فِي رَفْعِ الْيَدِ فِي الْقُنُوتِ: كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى صِيَانَةِ الصَّلَاةِ عَنْ الْعَمَلِ الَّذِي لَمْ يُشَرَّعْ: أَخَصَّ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى رَفْعِ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ. الرَّابِعُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَنْعِ: فَتَارَةً يَكُونُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ، وَتَارَةً مَنْعَ كَرَاهَةٍ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الِابْتِدَاعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ التَّخْفِيفِ. أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا: لَمْ تُسَاوِ الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ. وَلَعَلَّهَا - أَعْنِي الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا - لَا تُكْرَهُ أَصْلًا. بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ: لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِلْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ. فَهَذَا مَا أَمْكَنَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الْقَوِيَّةِ، لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِيهِ بِقَوَانِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لِلسَّابِقِينَ. وَقَدْ تَبَايَنَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ تَبَايُنًا شَدِيدًا، حَتَّى بَلَغَنِي: أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ مَرَّ فِي لَيْلَةٍ مِنْ إحْدَى لَيْلَتَيْ الرَّغَائِبِ - أَعْنِي الَّتِي فِي رَجَبٍ، أَوْ الَّتِي فِي شَعْبَانَ - بِقَوْمٍ يُصَلُّونَهَا، وَقَوْمٍ عَاكِفِينَ عَلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ. فَحَسَّنَ حَالَ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَلَى حَالِ الْمُصَلِّينَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ. وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَاكِفِينَ عَلَى الْمُحَرَّمِ عَالِمُونَ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ، فَيُرْجَى لَهُمْ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ، وَالْمُصَلُّونَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ - مَعَ امْتِنَاعِهَا عِنْدَهُ - مُعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ. فَلَا يَتُوبُونَ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. وَالتَّبَايُنُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَهُوَ إدْرَاجُ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ، أَوْ طَلَبُ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ. وَمَيْلُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى هَذَا الثَّانِي. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَا يُؤَيِّدُهُ فِي مَوَاضِعَ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ فِي صَلَاةِ

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الضُّحَى " إنَّهَا بِدْعَةٌ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهَا دَلِيلٌ. وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهَا تَحْتَ عُمُومَاتِ الصَّلَاةِ لِتَخْصِيصِهَا بِالْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْقُنُوتِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي عَصْرِهِ " إنَّهُ بِدْعَةٌ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ عُمُومَاتِ الدُّعَاءِ. وَكَذَلِكَ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لِابْنِهِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ " إيَّاكَ وَالْحَدَثَ " وَلَمْ يَرَ إدْرَاجَهُ تَحْتَ دَلِيلٍ عَامٍّ وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ " ذُكِرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ قَاصٌّ يَجْلِسُ بِاللَّيْلِ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: قُولُوا كَذَا، وَقُولُوا كَذَا. فَقَالَ: إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي. قَالَ: فَأَخْبَرُوهُ. فَأَتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مُتَقَنِّعًا. فَقَالَ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ لَأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، يَعْنِي أَوْ إنَّكُمْ لَمُتَعَلِّقُونَ بِذَنْبٍ ضَلَالَةً " وَفِي رِوَايَةٍ " لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، أَوْ لَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا " فَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْكَرَ هَذَا الْفِعْلَ، مَعَ إمْكَانِ إدْرَاجِهِ تَحْتَ عُمُومِ فَضِيلَةِ الذِّكْرِ. عَلَى أَنَّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي الْقُنُوتِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَاتِ. الْخَامِسُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَلَا تَظْهَرُ لَهُ مُنَاسَبَةٌ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " مَعْنَاهُ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. فَلَيْسَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةً. فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ الْمَعِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا. وَمِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ: أَنَّهُ أَوْرَدَ عَقِيبَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَهَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. [رَكْعَتَا الْفَجْرِ] ١ ٦٢ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ الْمُقَدَّمُ الذِّكْرَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمَا فِي الْفَضِيلَةِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِك. أَعْنِي فِي قَوْلِهِ " إنَّهُمَا سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ " بَعْدَ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ

стр. 145

٦٣ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ قَانُونًا فِي ذَلِكَ. وَهُوَ أَنَّ مَا وَاظَبَ ﷺ عَلَيْهِ، مُظْهِرًا لَهُ فِي جَمَاعَةٍ، فَهُوَ سُنَّةٌ. وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، وَعَدَّهُ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ، فَهُوَ فَضِيلَةٌ. وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ - وَهَذَا مِثْلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَضِيلَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ رَاجَعَا إلَى الِاصْطِلَاحِ: فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ. فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ فِي التَّسْمِيَاتِ عَلَى وَضْعٍ يَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى اخْتِلَافٍ فِي مَعْنًى. فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَأَكُّدُ أَمْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا. وَمُقْتَضَاهُ: تَأَكُّدُ اسْتِحْبَابِهِمَا. فَلْيَقُلْ بِهِ. وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُسَمِّيهَا سُنَّةً، وَإِنْ أُرِيدَ: أَنَّهُمَا مَعَ تَأَكُّدِهِمَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مُظْهِرًا لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ رُتَبَ الْفَضَائِلِ تَخْتَلِفُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا سُمِّيَ بِالسُّنَّةِ أَعْلَاهَا رُتْبَةً: رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الِاصْطِلَاحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . [بَابُ الْأَذَانِ] [حَدِيثُ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ] الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ قَوْلَهُ " أُمِرَ " رَاجِعٌ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَذَا " أُمِرْنَا " وَ " نُهِينَا "؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ: انْصِرَافُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ شَرْعًا. وَمَنْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا. وَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَالتَّقْدِيرَاتِ فِيهَا: لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيتَارِ فِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ. وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّكْبِيرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ مَثْنَى وَالتَّكْبِيرُ الْأَخِيرُ أَيْضًا. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْإِقَامَةِ كَالْأَذَانِ
следующие страницы →