Полный текст (659 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ «فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ» .
١٠٤ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] » . وَفِي رِوَايَةٍ " صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَلِمُسْلِمٍ «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى]
فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي أَيِّ صَلَاةٍ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ: طَوَّلَ فِيهَا مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ. فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ هَذَا الْقَدْرِ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. وَمِنْ الْحَسَنِ أَيْضًا: قِرَاءَةُ هَذِهِ السُّوَرِ بِعَيْنِهَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمُخْتَلِفَةِ. فَيَنْبَغِي أَنْ تُفْعَلَ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ " اعْمَلْ بِالْحَدِيثِ وَلَوْ مَرَّةً، تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ.
[بَابُ تَرْكِ الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
[حَدِيثُ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]
أَمَّا قَوْلُهُ «كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فَقَدْ تَقَدَّمَ
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْكَلَامُ فِي مِثْلِهِ وَتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ بِالْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى عَدَمَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: تَرْكُهَا سِرًّا وَجَهْرًا. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
الثَّانِي: قِرَاءَتُهَا سِرًّا لَا جَهْرًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ.
الثَّالِثُ: الْجَهْرُ بِهَا فِي الْجَهْرِيَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمُتَيَقَّنُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: عَدَمُ الْجَهْرِ. وَأَمَّا التَّرْكُ أَصْلًا: فَمُحْتَمَلٌ، مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ. وَهُوَ قَوْلُهُ " لَا يَذْكُرُونَ ". وَقَدْ جَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ بَابَ الْجَهْرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَجْمَعُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا - أَوْ الْأَكْثَرُ - مُعْتَلٌّ، وَبَعْضُهَا جَيِّدُ الْإِسْنَادِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَرْضِ، أَوْ فِي الصَّلَاةِ. وَبَعْضُهَا فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحِ الدَّلَالَةِ عَلَى خُصُوصِ التَّسْمِيَةِ. وَمِنْ صَحِيحِهَا: حَدِيثُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ قَالَ «كُنْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ. وَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي الدَّلَالَةِ وَالصِّحَّةِ: حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ «وَكَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا، وَيَقُولُ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَبِي. وَقَالَ أَبِي: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسٍ. وَقَالَ أَنَسٌ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ. وَإِذَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَطَرِيقُ أَصْحَابِ الْجَهْرِ: أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْإِثْبَاتَ عَلَى النَّفْيِ وَيَحْمِلُونَ حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ. وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ، مَعَ طُولِ مُدَّةِ صُحْبَتِهِ. وَأَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَالْمُتَيَقَّنُ مِنْ ذَلِكَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ - تَرْكُ الْجَهْرِ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى التَّرْكِ مُطْلَقًا.
стр. 213
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيت، أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ. ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ: فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] [حَدِيثُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ]
" الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ يَتَعَلَّقُ بِمَبَاحِثَ: بَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَبَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ. وَبَحْثٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفِقْهِ فَأَمَّا الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فَفِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السَّهْوِ فِي الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈. وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالنُّظَّارِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ صَرَّحَ ﷺ فِي
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «بِأَنَّهُ يَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَوَغِّلِينَ، فَقَالَتْ: لَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَنْسَى عَمْدًا. وَيَتَعَمَّدُ صُورَةَ النِّسْيَانِ لِيَسُنَّ. وَهَذَا قَطْعًا بَاطِلٌ، لِإِخْبَارِهِ ﷺ بِأَنَّهُ يَنْسَى؛ وَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّ صُورَةَ الْفِعْلِ النِّسْيَانِيِّ كَصُورَةِ الْفِعْلِ الْعَمْدِيِّ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزَانِ لِلْغَيْرِ بِالْإِخْبَارِ وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا السَّهْوَ قَالُوا: لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ الْفِعْلِيُّ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِ التَّنْبِيهِ الِاتِّصَالُ بِالْحَادِثَةِ، أَوْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؟ بَلْ يَجُوزُ التَّرَاخِي إلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّةُ التَّبْلِيغِ، وَهُوَ الْعُمْرُ. وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ قَدْ وَقَعَ الْبَيَانُ فِيهَا عَلَى الِاتِّصَالِ، وَقَدْ قَسَّمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَفْعَالَ إلَى مَا هُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَلَاغِ، وَإِلَى مَا لَيْسَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَلَاغِ، وَلَا بَيَانَ لِلْأَحْكَامِ مِنْ أَفْعَالِهِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ عَادَاتِهِ وَأَذْكَارِ قَلْبِهِ. وَأَبَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ زَمَنٍ. وَقَالَ: إنَّ أَقْوَالَ الرَّسُولِ ﷺ وَأَفْعَالَهُ وَإِقْرَارَهُ: كُلَّهُ بَلَاغٌ، وَاسْتَنْتَجَ بِذَلِكَ الْعِصْمَةَ فِي الْكُلِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى الْعِصْمَةِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ. وَهَذِهِ كُلُّهَا بَلَاغٌ. فَهَذِهِ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْعِصْمَةُ - أَعْنِي: الْقَوْلَ، وَالْفِعْلَ وَالتَّقْرِيرَ - وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي ذَلِكَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ عَمْدٍ وَسَهْوٍ. وَأَخْذِ الْبَلَاغِ فِي الْأَفْعَالِ: مِنْ حَيْثُ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ . فَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِأَنَّ السَّهْوَ وَالْعَمْدَ سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ فَهَذَا الْحَدِيثُ يُرَدُّ عَلَيْهِ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: الْأَقْوَالُ. وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ. وَالسَّهْوُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ. وَنُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ، كَمَا يَمْتَنِعُ التَّعَمُّدُ قَطْعًا وَإِجْمَاعًا. وَأَمَّا طُرُقُ السَّهْوِ فِي الْأَقْوَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِيمَا لَيْسَ سَبِيلُهُ الْبَلَاغَ، مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَسْتَنِدُ الْأَحْكَامُ إلَيْهَا، لَا أَخْبَارُ الْمَعَادِ، وَلَا مَا يُضَافُ إلَى وَحْيٍ. فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ: أَنَّهُمْ جَوَّزُوا السَّهْوَ وَالْغَفْلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّبْلِيغِ الَّذِي يُتَطَرَّقُ بِهِ إلَى الْقَدَحِ فِي الشَّرِيعَةِ. قَالَ: وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ: تَرْجِيحُ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي خَبَرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، كَمَا لَمْ يُجِيزُوا عَلَيْهِمْ فِيهَا الْعَمْدَ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُلْفٌ مِنْ خَبَرٍ، لَا عَنْ قَصْدٍ وَلَا سَهْوٍ، وَلَا فِي صِحَّةٍ وَلَا مَرَضٍ، وَلَا رِضًى وَلَا غَضَبٍ. وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: قَوْلُهُ ﷺ «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» وَفِي
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رِوَايَةٍ أُخْرَى «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» وَاعْتُذِرَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَكُنْ الْقَصْرُ وَالنِّسْيَانُ مَعًا. وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ اعْتِقَادِ قَلْبِهِ وَظَنِّهِ. وَكَأَنَّهُ مُقَدِّرٌ النُّطْقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ فِي ظَنِّي، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ خِلَافَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خِلَافُهُ فِي ظَنِّهِ. فَإِذَا كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِهِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُقَدِّرًا مُرَادًا. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يَخْتَصُّ أَوَّلُهُمَا بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» . وَأَمَّا مَنْ رَوَى «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» فَلَا يَصِحُّ فِيهِ هَذَا التَّأْوِيلُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْخَبَرِيِّ هُوَ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ فَإِنَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ - فَهُوَ الثَّابِتُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فَيَصِيرُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَمْ أَنْسَ» يُحْمَلُ عَلَى السَّلَامِ، أَيْ: إنَّهُ كَانَ مَقْصُودًا، لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ. وَلَمْ يَقَعْ سَهْوًا فِي نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ السَّهْوُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَهَذَا بَعِيدٌ. وَرَابِعُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى. وَلِذَلِكَ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ النِّسْيَانَ؛ لِأَنَّهُ غَفْلَةٌ. وَلَمْ يَغْفُلْ عَنْهَا. وَكَانَ شُغْلُهُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ وَمَا فِي الصَّلَاةِ: شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَةً عَنْهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. وَلَيْسَ فِي هَذَا تَخْلِيصٌ لِلْعِبَادَةِ عَنْ حَقِيقَةِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، مَعَ بُعْدِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ وَكَأَنَّهُ مُتَلَوِّحٌ فِي اللَّفْظِ: أَنَّ النِّسْيَانَ عَدَمُ الذِّكْرِ لِأَمْرٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ. وَالسَّهْوُ عَدَمُ الذِّكْرِ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا. وَيَكُونُ النِّسْيَانُ الْإِعْرَاضَ عَنْ تَفَقُّدِ أُمُورِهَا، حَتَّى يَحْصُلَ عَدَمُ الذِّكْرِ، وَالسَّهْوُ: عَدَمُ الذِّكْرِ، لَا لِأَجْلِ الْإِعْرَاضِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا - بَعْدَ مَا ذَكَرْنَاهُ - تَفْرِيقٌ كُلِّيٌّ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ. وَخَامِسُهَا: مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مَا هُوَ أَقْرَبُ وَجْهًا، وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ ﷺ نِسْبَةَ النِّسْيَانِ الْمُضَافِ إلَيْهِ. وَهُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ كَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ» وَقَدْ رُوِيَ «إنِّي لَا أَنْسَى»
стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى النَّفْيِ «وَلَكِنِّي أُنَسَّى» عَلَى النَّفْيِ وَقَدْ شَكَّ الرَّاوِي - عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ - فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: هَلْ قَالَ " أَنْسِي " أَوْ " أُنَسَّى " وَأَنَّ " أَوْ " هُنَا لِلشَّكِّ. وَقِيلَ: بَلْ لِلتَّقْسِيمِ. وَأَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْهُ مَرَّةً مِنْ قِبَلِ شُغْلِهِ وَسَهْوِهِ، وَمَرَّةً يُغْلَبُ عَلَى ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، لِيَسُنَّ. فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِلُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَنْكَرَهُ وَقَالَ لَهُ " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ " أَمَّا الْقَصْرُ: فَبَيِّنٌ وَكَذَلِكَ " لَمْ أَنْسَ " حَقِيقَةً مِنْ قِبَلِ نَفْسِي وَغَفْلَتِي عَنْ الصَّلَاةِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ نَسَّانِي لِأَسُنَّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» وَهَذَا يَعْتَرِضُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، مِنْ أَنَّهُ ﷺ أَنْكَرَ نِسْبَةَ النِّسْيَانِ إلَيْهِ. فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ نَسَبَ النِّسْيَانَ إلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرَّتَيْنِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، مِنْ أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُقَالَ: نَسِيتُ كَذَا» الَّذِي أَعْرِفُهُ فِيهِ «وَبِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا» وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ إضَافَةِ " نَسِيتُ " إلَى " الْآيَةِ " وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ إضَافَةِ النِّسْيَانِ إلَى الْآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَظَّمِ، وَيَقْبُحُ بِالْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُضِيفَ إلَى نَفْسِهِ نِسْيَانَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي كُلِّ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ النِّسْيَانُ، فَلَا يَلْزَمُ مُسَاوَاةُ غَيْرِ الْآيَةِ لَهَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُنَاسَبَةٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْخَاصِّ النَّهْيُ عَنْ الْعَامِّ. وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ " نَسِيت " - الَّذِي أَضَافَهُ إلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ - دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ. فَيُنْكَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَمَّا تَكَلَّمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَ: أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ اللَّهِ فِي الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا؛
стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِأَنَّهُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةُ. وَأَمَّا إخْبَارُهُ عَنْ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ: فَيَجُوزُ عَلَيْهِ فِيهِ النِّسْيَانُ هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ.
[التَّرْجِيح بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ] ١
وَأَمَّا الْبَحْثُ الْمُتَعَلِّقُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ: فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ إخْبَارَ الْقَوْمِ، بَعْدَ إخْبَارِ ذِي الْيَدَيْنِ. وَفِي هَذَا بَحْثٌ.
[نِيَّة الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَطْعِهَا] ١
وَأَمَّا الْبَحْثُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفِقْهِ: فَمِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَطْعِهَا، إذَا كَانَتْ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ السَّلَامَ سَهْوٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ.
الثَّالِثُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِيهِ.
الرَّابِعُ: الْكَلَامُ الْعَمْدُ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُبْطِلُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . مِنْ الِاسْتِفْسَارِ وَالسُّؤَالِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَإِجَابَةِ الْمَأْمُومِ: أَنَّ صَلَاتَهُمْ تَامَّةٌ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ. وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ هَذَا اخْتَلَفُوا فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَاَلَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ وُجُوهٌ:
مِنْهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ فِيهِ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ شَاهَدَ الْقِصَّةَ وَإِسْلَامُهُ عَامَ خَيْبَرَ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ - وَلَا يُنْسَخُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمُتَقَدِّمِ.
وَمِنْهَا: التَّأْوِيلُ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِجَوَابِهِمْ: جَوَابُهُمْ بِالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ، لَا بِالنُّطْقِ وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ حِكَايَةِ الرَّاوِي لِقَوْلِهِمْ. وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ «فَأَوْمَئُوا إلَيْهِ» فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ، بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ إيمَاءً، وَبَعْضُهُمْ كَلَامًا. أَوْ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ إجَابَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ قَالَ: إنَّ الْإِجَابَةَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْقَوْلِ. فَيَكْفِي فِيهَا الْإِيمَاءُ.
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُجِيبَ الْقَوْمُ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، لِجَوَازِ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ، وَيَلْزَمُهُمْ الِاسْتِئْنَافُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا لِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَالصَّحَابَةُ تَكَلَّمُوا مُجَاوِزِينَ لِلنَّسْخِ، فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُبْطِلًا. وَهَذَا يُضَعِّفُهُ مَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: «أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ. فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» وَقَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّسْخِ. فَقَدْ تَكَلَّمُوا بَعْدَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ النَّسْخِ. وَلْيُتَنَبَّهْ هَهُنَا لِنُكْتَةٍ لَطِيفَةٍ فِي قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ " قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ " بَعْدَ قَوْلِهِ ﷺ " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ " فَإِنَّ قَوْلَهُ " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ " تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَهُوَ عَدَمُ الْقَصْرِ.
وَالثَّانِي: الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ وَهُوَ النِّسْيَانُ. وَأَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ. وَالْآخَرُ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ ذِي الْيَدَيْنِ. فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ بَعْضَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا.
[الْأَفْعَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إذَا وَقَعَتْ سَهْوًا]
الْخَامِسُ: الْأَفْعَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إذَا وَقَعَتْ سَهْوًا. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً. فَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً: لَمْ تُبْطِلْ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَفِيهَا خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَاسْتَدَلَّ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْوَاقِعَ فِيهِ أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ " خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ ﷺ «خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ وَمَشَى» قَالَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إلَيْهِ» ثُمَّ قَدْ حَصَلَ الْبِنَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ سَهْوًا.
[الْبِنَاء عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ سَهْوًا] ١
السَّادِسُ: فِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ، بَعْدَ السَّلَامِ سَهْوًا، وَالْجُمْهُورُ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ سَحْنُونٌ - مِنْ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا سَلَّمَ مِنْ
стр. 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَكْعَتَيْنِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ الْبِنَاءَ بَعْدَ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهُوَ السَّلَامُ مِنْ اثْنَتَيْنِ، فَيَقْصُرُ عَلَى مَا وَرَدَ النَّصُّ وَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَرْعُ مُسَاوِيًا لِلْأَصْلِ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْأُصُولِ: وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمَانِعَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إنَّمَا كَانَ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالنِّيَّةِ وَالسَّلَامِ. وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ أُلْغِيَ عِنْدَ ظَنِّ التَّمَامِ بِالنَّصِّ. وَلَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ كَوْنِهِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ كَوْنِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ.
السَّابِعُ: إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْبِنَاءِ، فَقَدْ خَصَّصُوهُ بِالْقُرْبِ فِي الزَّمَنِ. وَأَبَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ. فَقَالَ بِجَوَازِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ طَالَ، مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ. وَقِيلَ: إنَّ نَحْوَهُ عَنْ مَالِكٍ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُ. وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا الزَّمَنَ طَوِيلٌ، لَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ» .
الثَّامِنُ: إذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُبْنَى إلَّا فِي الْقُرْبِ. فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ عَلَى أَقْوَالٍ. مِنْهُمْ: مَنْ اعْتَبَرَهُ بِمِقْدَارِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَنِ فَهُوَ طَوِيلٌ. وَمَا كَانَ بِمِقْدَارِهِ أَوْ دُونِهِ فَقَرِيبٌ. وَلَمْ يَذْكُرُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْخُرُوجَ إلَى الْمَنْزِلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ فِي الْقُرْبِ الْعُرْفَ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مِقْدَارَ الصَّلَاةِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ.
[سُجُود السَّهْوِ] ١
التَّاسِعُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ.
الْعَاشِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَجْدَتَانِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا كَذَلِكَ وَقِيلَ: فِي حِكْمَتِهِ: إنَّهُ أُخِّرَ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ سَهْوٍ آخَرَ. فَيَكُونُ جَابِرًا لِلْكُلِّ.
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَفَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا: أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ آخِرَ الصَّلَاةِ، لَزِمَهُ إعَادَتُهُ فِي آخِرِهَا. وَصَوَّرُوا ذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي السُّجُودِ الْأَخِيرِ، فَيَلْزَمَهُ إتْمَامُ الظُّهْرِ، وَيُعِيدَ السُّجُودَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا فَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، وَتَصِلَ بِهِ السَّفِينَةُ إلَى الْوَطَنِ، أَوْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ، فَيُتِمُّ وَيُعِيدُ السُّجُودَ.
الثَّانِي عَشَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَتَدَاخَلُ، وَلَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : سَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ، وَمَشَى. وَهَذِهِ مُوجِبَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ. وَاكْتَفَى فِيهَا بِسَجْدَتَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَعَدَّدُ السُّجُودُ بِتَعَدُّدِ السَّهْوِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَتَّحِدَ الْجِنْسُ أَوْ يَتَعَدَّدَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَذْهَبِ. فَإِنَّهُ قَدْ تَعَدَّدَ الْجِنْسُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَلَمْ يَتَعَدَّدْ السُّجُودُ.
[مَحِلّ السُّجُودِ]
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ فِي هَذَا السَّهْوِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَحِلِّ السُّجُودِ، فَقِيلَ: كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ: كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَمَحِلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَمَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَمَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ، وَقَبْلَهُ فِي النَّقْصِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ. فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى الْجَمْعِ، بِأَنْ اسْتَعْمَلَ كُلَّ حَدِيثٍ قَبْلَ السَّلَامِ فِي النَّقْصِ، وَبَعْدَهُ فِي الزِّيَادَةِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْكُلَّ قَبْلَ السَّلَامِ، اعْتَذَرُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ السَّلَامِ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: دَعْوَى النَّسْخِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ " إنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ : السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ: مُتَأَخِّرُو الْإِسْلَامِ، وَأَصَاغِرُ الصَّحَابَةِ. وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْأَوَّلِ: أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُسْنَدَةً فَشَرْطُ النَّسْخِ: التَّعَارُضُ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَخِيرُ: هُوَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، لَكِنْ فِي مَحِلِّ النَّقْصِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ الْمُحْوِجُ إلَى النَّسْجِ لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَحِلَّ وَاحِدٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ.
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الثَّانِي: أَنَّ تَقَدُّمَ الْإِسْلَامِ وَالْكِبَرِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَقَدُّمُ الرِّوَايَةِ حَالَةَ التَّحَمُّلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ بِالسُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ: التَّأْوِيلُ؛ إمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّلَامِ: هُوَ السَّلَامُ الَّذِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَأَخُّرِهِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ، وَهُمَا بَعِيدَانِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ: السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ " السَّلَامِ " فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الصَّلَاةِ هُوَ الَّذِي بِهِ التَّحَلُّلُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّهْوِ وَتَطَرُّقُهُ إلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ غَيْرُ سَائِغٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِعَكْسِهِ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَتَقَدُّمُهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الِاعْتِذَارِ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ: وَهَذَا - إنْ صَحَّ - فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ: أَنَّ طَرِيقَةَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ. فَإِنَّهُ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ. وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَحِلِّ التَّعَارُضِ وَاتِّحَادِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَحِلَّ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ اعْتَذَرُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الْمُخَالِفَةِ لِذَلِكَ التَّأْوِيلِ: إمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " قَبْلَ السَّلَامِ " السَّلَامَ الثَّانِي، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ " سُجُودَ الصَّلَاةِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ احْتِمَالِ السَّهْوِ: عَائِدٌ هَهُنَا. وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ. وَالْأَوَّلُ يُبْطِلُهُ: أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ اتِّفَاقًا. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، غَيْرِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ. وَهُوَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ كُلُّ حَدِيثٍ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ. وَمَا لَمْ يَرِدْ. فِيهِ حَدِيثٌ فَمَحِلُّ السُّجُودِ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَكَأَنَّ هَذَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَابِرِ: أَنْ يَقَعَ فِي الْمَجْبُورِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إلَّا فِي مَوْرِدِ النَّصِّ. وَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَعَ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُتَّفِقَانِ فِي طَلَبِ الْجَمْعِ، وَعَدَمِ سُلُوكِ طَرِيقِ التَّرْجِيحِ، لَكِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ. وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَالِكٍ بِأَنَّ تَذَكُّرَ الْمُنَاسَبَةِ فِي كَوْنِ سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ النَّقْصِ. وَبَعْدَهُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ. وَإِذَا ظَهَرَتْ الْمُنَاسَبَةُ - وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا - كَانَتْ عِلَّةً، وَإِذْ كَانَتْ عِلَّةً: عَمَّ الْحُكْمُ. فَلَا يُتَخَصَّصُ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ النَّصِّ.
[سَهْو الْإِمَام بِالْمَأْمُومِينَ] ١
стр. 222
١٠٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ: كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إذَا سَهَا الْإِمَامُ: تَعَلَّقَ حُكْمُ سَهْوِهِ بِالْمَأْمُومِينَ، وَسَجَدُوا مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْهُوا. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَهَا وَسَجَدَ الْقَوْمُ مَعَهُ لَمَّا سَجَدَ، وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَمْشِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، إنْ كَانَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْبِيرِ لِسُجُودِ السَّهْوِ. كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: الْقَائِلُ " فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ " هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ الصَّوَابُ لِلْمُصَنِّفِ: أَنْ يَذْكُرَهُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ إلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَائِلَ " فَنُبِّئْتُ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى السَّلَامِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: لَمْ يَذْكُرْ التَّشَهُّدَ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ. وَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَ السَّلَامِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِتَرْكِهِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِهِ فِي الْحُكْمِ، كَمَا فَعَلُوا فِي مِثْلِهِ كَثِيرًا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ كَانَ لَذُكِرَ ظَاهِرًا.
[حَدِيثُ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ.
الْأَوَّلُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ النَّقْصِ. فَإِنَّهُ نَقَّصَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ: الْجُلُوسَ الْأَوْسَطَ وَتَشَهُّدَهُ.
стр. 223
١٠٧ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً؟» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ غَيْرُ وَاجِبٍ - أَعْنِي الْأَوَّلَ - مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُبِرَ بِالسُّجُودِ، وَلَا يُجْبَرُ الْوَاجِبُ إلَّا بِتَدَارُكِهِ وَفِعْلِهِ. وَكَذَلِكَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
[تَكْرَار السُّجُودِ عِنْدَ تَكْرَارِ السَّهْوِ] ١
الثَّالِثُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَكْرَارِ السُّجُودِ عِنْدَ تَكْرَارِ السَّهْوِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ وَالتَّشَهُّدَ مَعًا. وَاكْتَفَى لَهُمَا بِسَجْدَتَيْنِ. هَذَا إذَا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِمُفْرَدِهِ مُوجِبٌ.
الرَّابِعُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْقِيَامِ عَنْ هَذَا الْجُلُوسِ. وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ، فَإِنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ، وَمُتَابَعَةُ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ.
الْخَامِسُ: إنْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِمُفْرَدِهِ مُوجِبٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ فِيهِ. فَفِيهِ نَظَرٌ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُتَيَقَّنَ السُّجُودُ عِنْدَ هَذَا الْقِيَامِ عَنْ الْجُلُوسِ. وَجَاءَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ: تَرْكُ التَّشَهُّدِ فِيهِ، فَلَا يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ. وَجَاءَ هَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
стр. 224
١٠٨ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ. فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[بَابُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي] [حَدِيثُ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ]
" أَبُو جُهَيْمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُهَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ. سَمَّاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ، وَالثَّوْرِيُّ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا كَانَ دُونَ سُتْرَةٍ، أَوْ كَانَتْ لَهُ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيثِ " بِالْإِثْمِ ". وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ. الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَلِّي لِذَلِكَ، فَيُخَصُّ الْمَارُّ بِالْإِثْمِ، إنْ مَرَّ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مُقَابِلَتُهَا. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي تَعَرَّضَ لِلْمُرُورِ، وَالْمَارُّ لَيْسَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْمُرُورِ، فَيَخْتَصُّ الْمُصَلِّي بِالْإِثْمِ دُونَ الْمَارِّ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَعَرَّضَ الْمُصَلِّي لِلْمُرُورِ، وَيَكُونُ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ، فَيَأْثَمَانِ أَمَّا الْمُصَلِّي: فَلِتَعَرُّضِهِ. وَأَمَّا الْمَارُّ: فَلِمُرُورِهِ، مَعَ إمْكَانِ أَنْ لَا يَفْعَلَ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ الْمُصَلِّي، وَلَا يَكُونُ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ، فَلَا يَأْثَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
[حَدِيثُ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ]
" أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ خُدْرِيٌّ. . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ يَتَعَرَّضُ لِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
стр. 225
١٠٩ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ لِمَصْلَحَتِهَا. وَلَفْظَةُ " الْمُقَاتَلَةِ " مَحْمُولَةٌ عَلَى قُوَّةِ الْمَنْعِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى الْأَعْمَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمُصَنَّفِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَ بِالْقِتَالِ. وَقَالَ " فَلْيُقَاتِلْهُ " عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَشْيُ مِنْ مَقَامِهِ إلَى رَدِّهِ، وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ. لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ، وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ شَيْئًا أَوْ تَبَاعَدَ عَنْ السُّتْرَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ وَرَاءَ مَوْضِعِ السُّجُودِ: لَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ: كُرِهَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُقَاتِلَهُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِتَقْصِيرِهِ، حَيْثُ لَمْ يَقْرُبْ مِنْ السُّتْرَةِ، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ. وَلَوْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ " إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ " جَوَازُ التَّسَتُّرِ بِالْأَشْيَاءِ عُمُومًا: لَكَانَ فِيهِ ضَعْفٌ. لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعُمُومِ جَوَازُ الْمُقَاتَلَةِ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ سَاتِرٍ، لَا جَوَازُ السِّتْرِ بِكُلِّ شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ السِّتْرُ عَلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ، لَا الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَرِهَ التَّسَتُّرَ بِآدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي صُورَةِ الْمُصَلَّى إلَيْهِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ " الشَّيْطَانِ " فِي مِثْلِ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 226
بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ. وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ الْمُرُور بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ]
قَوْلُهُ " حِمَارٍ أَتَانٍ " فِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ " الْحِمَارِ " فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، كَلَفْظِ " الشَّاةِ " وَلَفْظِ " الْإِنْسَانِ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «عَلَى أَتَانٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ " حِمَارٍ ". وَقَوْلُهُ: " نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ " أَيْ قَارَبْتُهُ. وَهُوَ يُؤْنِسُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقَارِبُ الْبُلُوغَ. وَلَعَلَّ قَوْلَهُ " قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ " هَهُنَا تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْحُكْمِ. وَهُوَ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِمُرُورِ الْحِمَارِ. لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ. وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ هَذَا السِّنِّ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي سِنِّ الصِّغَرِ وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ - مَثَلًا - لَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مُؤَاخَذَتِهِ بِسَبَبِ صِغَرِ سِنِّهِ وَعَدَمِ تَمْيِيزِهِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِعَدَمِ اسْتِئْنَافِهِمْ لِلصَّلَاةِ.
لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً. فَإِنَّهُ إذَا دَلَّ عَدَمُ إنْكَارِهِمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ فَاعِلِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ إفْسَادِ الصَّلَاةِ، إذْ لَوْ أَفْسَدَهَا لَامْتَنَعَ إفْسَادُ صَلَاةِ النَّاسِ عَلَى الْمَارِّ. وَلَا يَنْعَكِسُ هَذَا. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: وَلَوْ لَمْ يُفْسِدْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمَارِّ، لِجَوَازِ أَنْ لَا تَفْسُدَ الصَّلَاةُ وَيَمْتَنِعَ الْمُرُورُ، كَمَا تَقُولُ فِي مُرُورِ الرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، حَيْثُ يَكُونُ لَهُ مَنْدُوحَةٌ: إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ الْمُرُورُ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُصَلِّي. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ عَدَمَ الْإِنْكَارِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ. وَالْجَوَازُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْإِفْسَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَكِسُ. فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ أَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ اسْتِئْنَافِهِمْ الصَّلَاةَ. وَيُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ. وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ " بِغَيْرِ جِدَارٍ " وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجِدَارِ عَدَمُ السُّتْرَةِ.
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ سُتْرَةٌ غَيْرُ الْجِدَارِ فَالِاسْتِدْلَالُ ظَاهِرٌ. وَإِنْ كَانَ: وَقْفُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرُورُ وَقَعَ دُونَ السُّتْرَةِ - أَعْنِي بَيْنَ السُّتْرَةِ وَالْإِمَامِ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِدْلَال وَقَعَ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ، لَكِنْ قَدْ قَالُوا: إنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ. فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا بِتَحْقِيقِ إحْدَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ، الَّتِي مِنْهَا: أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ لَيْسَتْ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا. وَعَلَى الْجُمْلَةِ: فَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي. وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُعَارِضَةٌ لِذَلِكَ فَمِنْهَا: مَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ الصَّلَاةِ بِمُرُورِ الْكَلْبِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ.
وَمِنْهَا: مَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِهَا بِمُرُورِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ. وَهَذَانِ صَحِيحَانِ.
وَمِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِهَا بِمُرُورِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْخِنْزِيرِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ.
فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّ مُرُورَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ يَقْطَعُهَا. وَلَمْ نَجْدِ لِذَلِكَ مُعَارِضًا. قَالَ: وَفِي قَلْبِي مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ شَيْءٌ. وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ تَرَكَ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ بِمَرَّةٍ. وَنَظَرَ إلَى الصَّحِيحِ. فَحَمَلَ مُطْلَقَ " الْكَلْبِ " فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْأَسْوَدِ، فِي بَعْضِهَا. وَلَمْ يَجِدْ لِذَلِكَ مُعَارِضًا، فَقَالَ بِهِ. وَنَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ. فَوَجَدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ - الْآتِي - يُعَارِضُ أَمْرَ الْمَرْأَةِ. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ - هَذَا - يُعَارِضُ أَمْرَ الْحِمَارِ. فَتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ - الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْهُ - أَجْوَدُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَثْرَمِ مِنْ جَزْمِ الْقَوْلِ. عَنْ أَحْمَدَ بِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْمَرْأَةَ وَالْحِمَارَ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ: لِأَنَّ جَزْمَ الْقَوْلِ بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ تَأَخُّرُ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْفَسَادِ عَلَى الْمُقْتَضِي لِلْفَسَادِ. وَفِي ذَلِكَ عُسْرٌ عِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّحْقِيقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ مُسَاوٍ لِمَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا وَهِيَ رَاقِدَةٌ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَنَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا ﵂ ذَكَرَتْ أَنَّ الْبُيُوتَ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ فَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الْحُكْمِ: عَدَمُ الْمُشَاهَدَةِ لَهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَائِلًا قَالَ: إنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ وَمَشْيَهَا لَا يُسَاوِيهِ فِي
стр. 228
١١٠ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ - فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّي اعْتِرَاضُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَا يُسَاوِيهِ فِي الْحُكْمِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالْمُمْتَنِعِ. وَلَيْسَ يَبْعُدُ مِنْ تَصَرُّفِ الظَّاهِرِيَّةِ مِثْلُ هَذَا. وَقَوْلُهُ. فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ " أَيْ تَرْعَى.
[عَدَم الْإِنْكَارِ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ] ١
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِنْكَارِ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ. وَذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَنْتَفِيَ الْمَوَانِعُ مِنْ الْإِنْكَارِ. وَيُعْلَمُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْفِعْلِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ " وَلَمْ يَقُلْ: وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ذَلِكَ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ مُمْتَدًّا. فَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ. لِفَقْدِ شَرْطِ الِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَوَازِ. وَهُوَ الِاطِّلَاعُ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ. أَمَّا عَدَمُ الْإِنْكَارِ مِمَّنْ رَأَى هَذَا الْفِعْلَ: فَهُوَ مُتَيَقَّنٌ، فَتَرَكَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَخَذَ الْمُتَيَقَّنَ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ إنْكَارِ الرَّائِينَ لِلْوَاقِعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ " يَشْمَلُ النَّبِيَّ ﷺ وَغَيْرَهُ، لِعُمُومِ لَفْظَةِ " أَحَدٍ " إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ إنْكَارِ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِحَضْرَتِهِ، وَعَدَمِ إنْكَارِهِ إلَّا عَلَى بُعْدٍ.
[حَدِيثُ كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ]
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - هَذَا - اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَدَمِ إفْسَادِ مُرُورِ الْمَرْأَةِ صَلَاةَ الْمُصَلِّي. وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ وَمَا يُعَارِضُهُ.
стр. 229
١١١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ " رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ - إمَّا بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ - لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ. أَعْنِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ. وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ لَا يَنْقُضُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهَا ذَكَرَتْ " أَنَّ الْبُيُوتَ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ " وَرُبَّمَا زَالَ السَّاتِرُ. فَيَكُونُ وَضْعُ الْيَدِ - مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْحَائِلِ - تَعْرِيضًا لِلصَّلَاةِ لِلْبُطْلَانِ. وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ لِيُعَرِّضَهَا لِذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ. وَقَوْلُهَا " وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ " إمَّا لِتَأْكِيدِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَإِمَّا لِإِقَامَةِ الْعُذْرِ لِنَفْسِهَا حَيْثُ أَحْوَجَتْهُ إلَى أَنْ يَغْمِزَ رِجْلَهَا. إذْ لَوْ كَانَ ثَمَّةَ مَصَابِيحُ لَعَلِمَتْ بِوَقْتِ سُجُودِهِ بِالرُّؤْيَةِ فَلَمْ تَكُنْ لِتَحَوُّجِهِ إلَى الْغَمْزِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي عِنْدَ مَالِكٍ، وَكَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ آدَمِيًّا أَوْ حَيَوَانًا عِنْدَ بَعْضِ مُصَنِّفِي الشَّافِعِيَّةِ، مَعَ تَجْوِيزِهِ لِلصَّلَاةِ إلَى الْمُضْطَجِعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ جَامِعٌ]
[حَدِيثُ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: فِي حُكْمِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لَهُمَا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا. فَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُمَا
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ النَّوَافِلِ. وَقِيلَ: إنَّهُمَا مِنْ السُّنَنِ. وَهَذَا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ تَمَسُّكًا بِالنَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى - الَّتِي وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ - يَكُونُ التَّمَسُّكُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ. وَظَاهِرَ النَّهْيِ: التَّحْرِيمُ وَمَنْ أَزَالَهُمَا عَنْ الظَّاهِرِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الدَّلِيلِ. وَلَعَلَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا مَا فَعَلُوا فِي مَسْأَلَةِ الْوِتْرِ، حَيْثُ اسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ» وَقَوْلُ السَّائِلِ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» فَحَمَلُوا لِذَلِكَ صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ، لِدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِ الْخَمْسِ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ بِإِيجَابِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، تَمَسُّكًا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ.
[دُخُول الْمَسْجِد فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ] ١
الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَهَلْ يَرْكَعُ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَرْكَعُ. لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ. وَلَا يُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مِنْ النَّوَافِلِ إلَّا مَا لَا سَبَبَ لَهُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَطَرِيقَةٌ أُخْرَى: أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إذَا قَصَدَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَجْلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا. أَمَّا غَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ: فَلَا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ صَلَاتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ، إذَا هِيَ عِنْدَهُ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ. وَإِنَّمَا يُمْنَعُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَا لَا سَبَبَ لَهُ، وَيُقْصَدُ ابْتِدَاءً، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا» انْتَهَى كَلَامُهُ. هَذَا لَا نَعْرِفُهُ مِنْ نَقْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ: مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُشْكِلَةٍ، وَهُوَ مَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ.
стр. 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَلَسْتُ أَعْنِي بِالنَّصَّيْنِ هَهُنَا مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَوَّلًا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ. فَنَقُولُ: مَدْلُولُ أَحَدِ النَّصَّيْنِ: إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَدْلُولَ الْآخَرِ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، كَلَفْظَةِ " الْمُشْرِكِينَ " وَ " الْمُؤْمِنِينَ " مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُ أَحَدِهِمَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَدْلُولِ الْآخَرِ. فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، كَلَفْظَةِ " الْإِنْسَانِ " وَ " الْبَشَرِ " مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُ أَحَدِهِمَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَدْلُولِ الْآخَرِ، وَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ. فَالْمُتَنَاوِلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: عَامٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ، وَالْآخَرُ خَاصٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهُمَا يَجْتَمِعُ فِي صُورَةٍ، وَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَقَوْلُهُ ﷺ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ " إلَخْ مَعَ قَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَإِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ. وَهُوَ مَا إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الصُّبْحِ، أَوْ الْعَصْرِ وَيَنْفَرِدَانِ أَيْضًا، بِأَنْ تُوجَدَ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَإِذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فَالْإِشْكَالُ قَائِمٌ، لِأَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ لَوْ قَالَ: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ - وَهُوَ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ - فَأَخُصُّ قَوْلَهُ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» بِقَوْلِهِ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ " فَلِخَصْمِهِ أَنْ يَقُولَ قَوْلُهُ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ " عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوْقَاتِ. فَالْحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ " خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ - أَعْنِي الصَّلَاةَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ - عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. وَقَوْلُهُ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَوَاتِ. فَوَقَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ هَهُنَا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي هَذَا إلَى الْوَقْفِ، حَتَّى يَأْتِيَ تَرْجِيحٌ خَارِجٌ بِقَرِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. فَمَنْ ادَّعَى أَحَدَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ أَعْنِي الْجَوَازَ أَوْ الْمَنْعَ - فَعَلَيْهِ إبْدَاءُ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْحَدِيثِ. .
[دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ] ١
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ، فَهَلْ يَرْكَعُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ؟ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ. يَقْتَضِي الرُّكُوعَ. وَقِيلَ: إنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا مِنْ جِهَةٍ مُعَارَضَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَوْهُ مِنْ
стр. 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلِهِ ﵇ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَهَذَا أَضْعَفُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى إثْبَاتِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى يَقَعَ التَّعَارُضُ فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى صَحِيحَانِ، وَبَعْدَ التَّجَاوُزِ عَنْ هَذِهِ الْمُطَالَبَةِ وَتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ: يَعُودُ الْأَمْرُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَارُضِ أَمْرَيْنِ، يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
[إذَا دَخَلَ مُجْتَازًا فَهَلْ يُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ]
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إذَا دَخَلَ مُجْتَازًا، فَهَلْ يُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ؟ خَفَّفَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَعِنْدِي: أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. فَإِنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى صِيغَةِ النَّهْيِ، فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ جُلُوسًا قَبْلَ الرُّكُوعِ. فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْجُلُوسُ أَصْلًا لَمْ يُفْعَلْ الْمَنْهِيُّ. وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ، فَالْأَمْرُ تَوَجَّهَ بِرُكُوعٍ قَبْلَ الْجُلُوسِ. فَإِذَا انْتَفَيَا مَعًا: لَمْ يُخَالِفْ الْأَمْرَ.
[افْتِتَاحُ الدُّخُولِ فِي مَحِلِّ الْعِبَادَةِ بِعِبَادَةٍ] ١
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: لَفْظَةُ " الْمَسْجِدِ " تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَسْجِدٍ، وَقَدْ أَخْرَجُوا عَنْهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَجَعَلُوا تَحِيَّتَهُ الطَّوَافَ. فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، فَلِمُخَالِفِهِمْ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ: فَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى. وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ: افْتِتَاحُ الدُّخُولِ فِي مَحِلِّ الْعِبَادَةِ بِعِبَادَةٍ، وَعِبَادَةُ الطَّوَافِ. تُحَصِّلُ هَذَا الْمَقْصُودَ، مِنْ أَنَّ غَيْرَ هَذَا الْمَسْجِدِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا. فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ تَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ. وَأَيْضًا فَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجَّتِهِ، حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَذَلِكَ أَخُصُّ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ. وَأَيْضًا فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ طَافَ وَمَشَى عَلَى السُّنَّةِ فِي تَعْقِيبِ الطَّوَافِ بِرَكْعَتَيْهِ، وَجَرَيْنَا عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي الْحَدِيثِ، فَقَدْ وَفَيْنَا بِمُقْتَضَاهُ.
[صَلَّى الْعِيدَ فِي الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُصَلِّي التَّحِيَّةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ] ١
الْوَجْهُ السَّادِسُ: إذَا صَلَّى الْعِيدَ فِي الْمَسْجِدِ. فَهَلْ يُصَلِّي التَّحِيَّةَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَالظَّاهِرُ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يُصَلِّي. لَكِنْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» أَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَا نُقِلَ ذَلِكَ. فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ، وَيَفْهَمَ فَاهِمٌ: أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا مِنْ سُنَّةِ صَلَاةِ الْعِيدِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَلَيْسَ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الصَّحْرَاءِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ. فَحِينَئِذٍ يَقَعُ
стр. 233
١١٢ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّعَارُضُ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ، وَقَرَائِنَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَالِاتِّبَاعُ أَوْلَى اسْتِحْبَابًا. أَعْنِي فِي تَرْكِ الرُّكُوعِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسْجِدِ، لَا لِلْعِيدِ.
[كَثُرَ تَرَدُّدُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَتَكَرَّرَ]
الْوَجْهُ السَّابِعُ: مَنْ كَثُرَ تَرَدُّدُهُ إلَى الْمَسْجِدِ، وَتَكَرَّرَ: هَلْ يَتَكَرَّرُ لَهُ الرُّكُوعُ مَأْمُورًا بِهِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا. وَقَاسَهُ عَلَى الْحَطَّابِينَ وَالْفَكَّاهِينَ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَى مَكَّةَ فِي سُقُوطِ الْإِحْرَامِ عَنْهُمْ إذَا تَكَرَّرَ تَرَدُّدُهُمْ. وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الرُّكُوعِ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ. وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ. وَهُوَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ، وَلِلْأُصُولِيَّيْنِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
[حَدِيثُ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: هَذَا اللَّفْظُ أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. وَهُوَ ذِكْرُ الرَّاوِي لِتَقَدُّمِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ. وَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ التَّارِيخِ. فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرُوا فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا. لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالنَّسْخِ عَنْ طَرِيقٍ اجْتِهَادِيٍّ مِنْهُ.
[الْمُرَاد بِالْقُنُوتِ] ١
الثَّانِي " الْقُنُوتُ " يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الطَّاعَةِ، وَفِي مَعْنَى الْإِقْرَارِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالْخُضُوعِ وَالدُّعَاءِ، وَطُولِ الْقِيَامِ وَالسُّكُوتِ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمُشْتَرَكِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقِيلَ: أَصْلُهُ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُهُ، فَمُدِيمُ الطَّاعَةِ قَانِتٌ، وَكَذَلِكَ الدَّاعِي وَالْقَائِمُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُخْلِصُ فِيهَا، وَالسَّاكِتُ فِيهَا كُلُّهُمْ فَاعِلُونَ لِلْقُنُوتِ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى مُشْتَرَكٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ وَمَا قَارَبَهُ، يَقْصِدُونَ ب " هَا دَفْعَ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ عَنْ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ.
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَلَا بَأْسَ بِهَا إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنًى مُعَيَّنٍ أَوْ مَعَانٍ. وَيُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: لَفْظُ الرَّاوِي يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ فِي الْآيَةِ: السُّكُوتُ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ " حَتَّى " الَّتِي لِلْغَايَةِ. وَالْفَاءُ الَّتِي تُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ مَا سَبَقَ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ " الْقُنُوتَ " فِي الْآيَةِ الطَّاعَةُ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: مَا يُشْعِرُ بِحَمْلِهِ عَلَى الدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ، حَتَّى جُعِلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْحُ، مِنْ حَيْثُ قِرَانُهَا بِالْقُنُوتِ. وَالْأَرْجَحُ فِي هَذَا كُلِّهِ: حَمْلُهُ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الرَّاوِي. فَإِنَّ الْمُشَاهَدِينَ لِلْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ يَعْلَمُونَ، بِسَبَبِ النُّزُولِ وَالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِهِ: مَا يُرْشِدُهُمْ إلَى تَعْيِينِ الْمُحْتَمَلَاتِ، وَبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ. فَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالنَّاقِلِينَ لِلَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ وَالتَّسْبِيبِ. .
[قَوْل الصَّحَابِيِّ فِي الْآيَةِ نَزَلَتْ فِي كَذَا] ١
وَقَدْ قَالُوا: إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِي الْآيَةِ " نَزَلَتْ فِي كَذَا " يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمُسْنَدِ.
[النَّفْخ وَالتَّنَحْنُح بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَالْبُكَاء هَلْ تُبْطِلُ الصَّلَاةُ]
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ " يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا يُسَمَّى كَلَامًا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا فَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ قَاصِرَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَشْيَاءَ: هَلْ تُبْطِلُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ كَالنَّفْخِ، وَالتَّنَحْنُحِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَحَاجَةٍ، وَالْبُكَاءِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ: أَنَّ مَا سُمِّيَ كَلَامًا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّفْظِ. وَمَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا، فَمَنْ أَرَادَ إلْحَاقَهُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَلْيُرَاعِ شَرْطَهُ فِي مُسَاوَاةِ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ، أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ظُهُورَ حَرْفَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُفْهِمَيْنِ. فَإِنَّ أَقَلَّ الْكَلَامِ حَرْفَانِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَرْفَيْنِ يَتَأَلَّفُ مِنْهُمَا الْكَلَامُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَرْفَيْنِ كَلَامًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا فَالْإِبْطَالُ بِهِ لَا يَكُونُ بِالنَّصِّ، بَلْ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلْيُرَاعِ شَرْطَهُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْكَلَامِ كُلَّ مُرَكَّبٍ، مُفْهِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُفْهِمٍ. فَحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ تَحْتَ اللَّفْظِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ بَحْثًا. وَالْأَقْرَبُ: أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، حَيْثُ لَا يُسَمَّى الْمَلْفُوظُ بِهِ كَلَامًا. فَمَا أُجْمِعَ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالْكَلَامِ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ، وَمَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ - مَعَ كَوْنِهِ لَا يُسَمَّى كَلَامًا - فَيَقْوَى فِيهِ عَدَمُ الْإِبْطَالِ. وَمَنْ هَذَا اُسْتُبْعِدَ الْقَوْلُ بِإِلْحَاقِ النَّفْخِ بِالْكَلَامِ. وَمِنْ ضَعِيفِ التَّعْلِيلِ فِيهِ: قَوْلُ مَنْ عَلَّلَ الْبُطْلَانَ بِهِ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلَامَ. وَهَذَا
стр. 235
١١٣ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَكِيكٌ. مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَخَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي سُجُودِهِ» وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ.
[حَدِيثُ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا " الْإِبْرَادُ " أَنْ تُؤَخَّرَ. الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مِقْدَارَ مَا يَظْهَرُ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْمَشْيِ فِي الشَّمْسِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُصَنِّفِي الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُؤَخَّرُ الظُّهْرُ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْفَيْءُ أَكْثَرَ مِنْ ذِرَاعٍ.
الثَّانِي: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ: هَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَوْ رُخْصَةٌ؛ وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: هَلْ الْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ، أَوْ الْإِبْرَادُ؟ وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ، أَوْ مَشَى فِي كِنٍّ إلَى الْمَسْجِدِ: هَلْ يُسَنُّ لَهُ الْإِبْرَادُ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ رُخْصَةٌ لَمْ يُسَنَّ، إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي التَّعْجِيلِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ سُنَّةٌ أَبْرَدَ. وَالْأَقْرَبُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ الْعِلَّةِ. وَهُوَ أَنَّ " شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ " وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضِيلَةِ التَّعْجِيلِ عَامَّةٌ أَوْ مُطْلَقَةٌ. وَهَذَا خَاصٌّ. وَلَا مُبَالَاةَ - مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ وَمُنَاسَبَةِ الْعِلَّةِ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَشَقَّةً. فَإِنَّ مَرَاتِبَ الثَّوَابِ إنَّمَا يُرْجَعُ فِيهَا إلَى النُّصُوصِ. وَقَدْ يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الْعِبَادَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى مَا هُوَ أَشَقُّ مِنْهَا بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا.
[حَدِيثُ الْإِبْرَاد بِالْجُمُعَةِ] ١
الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ، عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ الْإِبْرَادُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَفْظَةُ " الصَّلَاةِ " فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ. وَالثَّانِي: التَّعْلِيلُ. فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فِيهَا. وَقَدْ وُجِّهَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا
стр. 236
١١٤ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . وَلِمُسْلِمٍ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا. فَكَفَّارَتُهَا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُبَرَّدُ بِهَا. لِأَنَّ التَّبْكِيرَ سُنَّةٌ فِيهَا. وَجَوَابُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ التَّأَذِّي بِحَرِّ الْمَسْجِدِ عِنْدَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ. .
[حَدِيثُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا فَاتَتْ بِالنَّوْمِ أَوْ النِّسْيَانِ. وَهُوَ مَنْطُوقُهُ. وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
الثَّانِي: اللَّفْظُ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ الْأَمْرِ بِقَضَائِهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا. لِأَنَّهُ جَعَلَ الذِّكْرَ ظَرْفًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ. فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ فِيهِ. وَقَدْ قَسَّمَ الْأَمْرَ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَا تَرَكَ عَمْدًا. فَيَجِبُ الْقَضَاءُ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ. وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُ مُصَنِّفِي الشَّافِعِيَّةِ، وَبَيْنَ مَا تَرَكَ بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ. فَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَلَا يَجِبُ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ «بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا اسْتَيْقَظَ - بَعْدَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ بِالنَّوْمِ - أَخَّرَ قَضَاءَهَا. وَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الْوَادِي» . وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ. وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ مِنْ الْمُبَادَرَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَانِعَ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ طَالِعَةً. فَأَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ فِي هَذَا الْوَقْتِ. وَرُدَّ بِذَلِكَ (بِأَنَّهَا كَانَتْ صُبْحَ الْيَوْمِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَ) بِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " فَمَا أَيْقَظَهُمْ إلَّا حَرُّ الشَّمْسِ " وَذَلِكَ يَكُونُ بِالِارْتِفَاعِ. وَقَدْ يُعْتَقَدُ مَانِعٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، مِنْ أَنَّ الْوَادِيَ بِهِ شَيْطَانٌ، وَأَخَّرَ ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ لِلتَّأْخِيرِ وَالْخُرُوجِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَكُونَ الْوَاجِبُ الْمُبَادَرَةَ؟ فِي هَذَا نَظَرٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ. .
[ذَكَرَ صَلَاةً مَنْسِيَّةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ] ١
الثَّالِثُ: قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً مَنْسِيَّةً - وَهُوَ فِي صَلَاةٍ - أَنْ يَقْطَعَهَا إذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ التَّرْتِيبِ مَعَ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا. وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ مُطْلَقًا. بَلْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَذْهَبِيٌّ بَيْنَ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ بَعْدَ رَكْعَةٍ أَوْ لَا. فَلَا يَسْتَمِرُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ مُطْلَقًا. وَحَيْثُ يُقَالُ بِالْقَطْعِ، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ: أَنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْقَضَاءِ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ: قَطْعُ مَا هُوَ فِيهِ، وَمَنْ أَرَادَ إخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ مَانِعًا مِنْ إعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يُخْرِجُهَا، وَلَا يَخْلُو هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ نَوْعِ جَدَلٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﵇ «لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: نَفْيُ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ، كَمَا وَقَعَ فِي أُمُورٍ أُخَرَ. فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي فِيهَا إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: أَنَّهُ لَا بَدَلَ لِقَضَائِهَا، كَمَا تَقَعُ الْأَبْدَالُ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا. .
[وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَامِدِ بِالتَّرْكِ فِي الصَّلَاة] ١
الْخَامِسُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَامِدِ بِالتَّرْكِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ تَقَعْ الْمُسَامَحَةُ - مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ - فَلَأَنْ لَا تَقَعُ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَوْلَى. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: أَنَّ قَضَاءَ الْعَامِدِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ " فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا " لِأَنَّهُ بِغَفْلَتِهِ عَنْهَا وَعَمْدِهِ كَالنَّاسِي. وَمَتَى ذَكَرَ تَرْكَهُ لَهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا. وَهَذَا ضَعِيفٌ. لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا " كَلَامٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا " وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ
стр. 238
١١٥ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِشَاءَ الْآخِرَةِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا " عَائِدٌ إلَى الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ، أَوْ الَّتِي يَقَعُ النَّوْمُ عَنْهَا. فَكَيْفَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى ضِدِّ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالْيَقَظَةُ؟ نَعَمْ لَوْ كَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً: مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا. لَكَانَ مَا قِيلَ مُحْتَمَلًا، عَلَى تَمَحُّلِ مَجَازٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ " كَالنَّاسِي " إنْ أَرَادَ بِهِ: أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ دَعْوَى، وَلَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ الْقِيَاسِ، أَوْ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِنَادِ إلَى قَوْلِهِ " لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ " وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الذَّنْبِ، وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِي لَا ذَنْبَ لَهُمَا. وَإِنَّمَا الذَّنْبُ لِلْعَامِدِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ مَسُوقٌ عَلَى قَوْلِهِ " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا " وَالضَّمَائِرُ عَائِدَةٌ إلَيْهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْإِرَادَةِ. وَلَا أَنْ يُحَمِّلَ اللَّفْظَ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ. وَتَأْوِيلُ لَفْظِ " الْكَفَّارَةِ " هُنَا أَقْرَبُ وَأَيْسَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْكَلَامَ الدَّالَّ عَلَى الشَّيْءِ مَدْلُولٌ بِهِ عَلَى ضِدِّهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَلَيْسَ ظُهُورُ لَفْظِ " الْكَفَّارَةِ " فِي الْإِشْعَارِ بِالذَّنْبِ بِالظُّهُورِ الْقَوِيِّ الَّذِي يُصَادَمُ بِهِ النَّصُّ الْجَلِيُّ، فِي أَنَّ الْمُرَادَ: الصَّلَاةُ الْمَنْسِيَّةُ، أَوْ الَّتِي وَقَعَ النَّوْمُ عَنْهَا، وَقَدْ وَرَدَتْ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ خَطَأً مَعَ عَدَمِ الذَّنْبِ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مَعَ اسْتِحْبَابِ الْحِنْثِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَجَوَازُ الْيَمِينِ ابْتِدَاءً وَلَا ذَنْبَ.
[حَدِيثُ مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِشَاءَ الْآخِرَةِ]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى مَذَاهِبَ. أَوْسَعُهَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا. فَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَكْسُهُ، وَالْقَاضِي بِالْمُؤَدِّي وَعَكْسُهُ، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ الصَّلَاتَانِ أَمْ لَا، إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي: مُقَابِلُهُ، وَهُوَ أَضْيَقُهَا. وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اخْتِلَافُ النِّيَّاتِ، حَتَّى لَا يُصَلِّي الْمُتَنَفِّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ وَالثَّالِثُ: أَوْسَطُهَا، أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، لَا عَكْسُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ. وَمَنْ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مِثْلَ الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ مُعَاذٍ: اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. وَحَاصِلُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْإِنْكَارِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَشَرْطُهُ: عِلْمُهُ بِالْوَاقِعَةِ. وَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ بِهَا، وَأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ لَأَنْكَرَ. وَأُجِيبُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ - أَوْ يَمْتَنِعُ - فِي الْعَادَةِ: أَنْ لَا يَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ مِنْ عَادَةِ مُعَاذٍ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ - أَعْنِي الْمَانِعِينَ - بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يُقَالُ لَهُ: سُلَيْمٌ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا. فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي، فَنُصَلِّي، فَيَأْتِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ. فَنَأْتِيهِ، فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا مُعَاذُ، لَا تَكُنْ أَوْ لَا تَكُونَنَّ - فَتَّانًا، إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ» قَالَ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ يَفْعَلُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، إمَّا الصَّلَاةُ مَعَهُ، أَوْ بِقَوْمِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْمَعُهُمَا. لِأَنَّهُ قَالَ: " إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي " أَيْ وَلَا تُصَلِّ بِقَوْمِكَ " وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ " أَيْ وَلَا تُصَلِّ مَعِي.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الِاعْتِذَارِ: أَنَّ النِّيَّةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْإِخْبَارِ مِنْ النَّاوِي. فَجَازَ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْفَرْضَ. وَجَازَ أَنْ تَكُونَ النَّفَلَ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ مُعَاذٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ.
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهَا " فَهِيَ لَهُمْ فَرِيضَةٌ، وَلَهُ تَطَوُّعٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ فَضِيلَةَ فَرْضِهِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَأْتِي بِهَا مَعَ قَوْمِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» فَكَيْفَ يُظَنُّ بِمُعَاذٍ - بَعْدَ سَمَاعِ هَذَا - أَنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ مِنْ قِيَامِ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُسَاوِي أَنْ يُذْكَرَ، لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ - أَعْنِي قَوْلَهُ " فَهِيَ لَهُمْ فَرِيضَةٌ وَلَهُ تَطَوُّعٌ " - لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ أَوْ اجْتِهَادٍ، وَلَا يُجْزَمُ بِهِ. وَذَكَرَ مَعْنَى هَذَا أَيْضًا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ شِرْبٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهَا. هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ قَوْلِ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ قَوْلِ جَابِرٍ. وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي: فَفِيهِ نَوْعُ تَرْجِيحٍ، وَلَعَلَّ خُصُومَهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ: إنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اعْتِقَادِهِ الْجَوَازَ لِذَلِكَ. فَلِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُهُ؟ وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّالِثُ: فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إنَّ الْمَفْهُومَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ نَافِلَةً غَيْرَ الصَّلَاةِ الَّتِي تُقَامُ، لِأَنَّ الْمَحْذُورَ: وُقُوعُ الْخِلَافِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا الْمَحْذُورُ مُنْتَفٍ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الصَّلَاةِ الْمُقَامَةِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا: الِاتِّفَاقُ مِنْ الْجُمْهُورِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ، وَلَوْ تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النَّفْيِ: لَمَا جَازَ جَوَازًا مُطْلَقًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِذَارِ: ادِّعَاءُ النَّسْخِ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتْ الْفَرَائِضُ تُقَامُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى نُهِيَ عَنْهُ. وَهَذَا الْوَجْهُ مَنْقُولُ الْمَعْنَى عَنْ الطَّحَاوِيِّ. وَعَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ كَانَ وَاقِعًا - أَعْنِي صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلٍ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ. مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، دُونَ تَقْرِيرٍ حَسَنٍ لَهُ. وَوَجْهُ تَقْرِيرِهِ: أَنَّ إسْلَامَ مُعَاذٍ مُتَقَدِّمٌ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ سَنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ صَلَاةَ الْخَوْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى وَجْهٍ وَقَعَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْخَوْفِ. فَيُقَالُ: لَوْ جَازَ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَأَمْكَنَ إيقَاعُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ الْمُنَافَاةُ وَالْمُفْسِدَاتُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَحَيْثُ صَلَّيْتُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الْمُفْسِدَاتِ - عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ - دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَبَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ: يَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّارِيخِ وَقَدْ أُشِيرَ بِتَقَدُّمِ إسْلَامِ مُعَاذٍ إلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، مِنْ أَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ، لِقِلَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غِنًى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يَكُنْ لِمُعَاذٍ غِنًى عَنْ صَلَاتِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَائِلُهُ مَعْنَى النَّسْخِ، فَيَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: أَنَّهُ مِمَّا أُبِيحَ بِحَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ بِزَوَالِهَا، وَلَا يَكُونُ نَسْخًا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَهُوَ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَيُّنِ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ عِلَّةً لِهَذَا الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. لَيْسَ حَفَظَتُهُ بِقَلِيلٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْقِرَاءَةِ: فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِارْتِكَابِ مَمْنُوعٍ شَرْعًا، كَمَا يَقُولُهُ هَذَا الْمَانِعُ. فَهَذَا مُجَامِعٌ مَا حَضَرَ مِنْ كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ، مَعَ تَقْرِيرٍ لِبَعْضِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا
стр. 242
١١٦ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ: بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَدِيثِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحَادِيثَ أُخَرَ، وَالنَّظَرِ فِي الْأَقْيِسَةِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ.
[حَدِيثُ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ الْحَرِّ، وَيُعَارِضُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَمْرِ الْإِبْرَادِ عَلَى مَا قِيلَ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ فَلَا إشْكَالَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ التَّقْدِيمَ حِينَئِذٍ يَكُونُ سُنَّةً. وَالْإِبْرَادُ جَائِزٌ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ، فَقَدْ رَدَّدَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ فِي أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا. أَعْنِي التَّقْدِيمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، أَوْ يَكُونَ عَلَى الرُّخْصَةِ. وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي: أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّةَ تَعَارُضٌ. لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَا الْإِبْرَادَ إلَى حَيْثُ يَبْقَى ظِلٌّ يُمْشَى فِيهِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ إلَى مَا زَادَ عَلَى الذِّرَاعِ. فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ حَرٌّ يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى بَسْطِ الثَّوْبِ. فَلَا تَعَارُضَ.
[اسْتِعْمَالِ الثِّيَابِ فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْأَرْضِ] ١
الثَّانِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْأَرْضِ لِاتِّقَائِهِ بِذَلِكَ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا.
الثَّالِثُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ مَا بَاشَرَ الْأَرْضَ بِالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ هُوَ الْأَصْلُ. فَإِنَّهُ عَلَّقَ بَسْطَ الثَّوْبِ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ. وَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ وَالْمُعْتَادَ عَدَمُ بَسْطِهِ.
الرَّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ أَجَازَ السُّجُودَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُصَلِّي. وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ لَفْظَةُ " ثَوْبِهِ " دَالَّةٌ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ، إمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ، أَوْ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ (وَنَعْنِي بِالْأَمْرِ الْخَارِجِ قِلَّةَ الثِّيَابِ
стр. 243
١١٧ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
١١٨ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عِنْدَهُمْ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ: قَوْلُهُ " بَسَطَ ثَوْبَهُ. فَسَجَدَ عَلَيْهِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْطَ مُعَقَّبٌ بِالسُّجُودِ، لِدَلَالَةِ الْفَاءِ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرًا) .
وَالثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَنَاوُلِهِ لِمَحِلِّ النِّزَاعِ. إذْ مَنْ مَنَعَ السُّجُودَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّصِلِ بِهِ: يَشْتَرِطُ فِي الْمَنْعِ أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا بِحَرَكَةِ الْمُصَلِّي. وَهَذَا الْأَمْرُ الثَّانِي سَهْلُ الْإِثْبَاتِ. لِأَنَّ طُولَ ثِيَابِهِمْ إلَى حَيْثُ لَا تَتَحَرَّكُ بِالْحَرَكَةِ بَعِيدٌ.
[حَدِيثُ لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ]
هَذَا النَّهْيُ مُعَلَّلٌ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي ذَلِكَ تَعَرِّي أَعَالِي الْبَدَنِ، وَمُخَالَفَةُ الزِّينَةِ الْمَسْنُونَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَشْغَلَ يَدَهُ بِإِمْسَاكِ الثَّوْبِ أَوْ لَا. فَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ خِيفَ سُقُوطُ الثَّوْبِ، وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ. وَإِنْ شُغِلَ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَتَانِ. إحْدَاهُمَا. أَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إذَا شَغَلَ يَدَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُؤْمَنُ مِنْ سُقُوطِ الثَّوْبِ، وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِي السَّرَاوِيلِ وَالْإِزَارِ وَحْدَهُ. لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ. وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: خِلَافُ هَذَا الْمَذْهَبِ. وَجَوَازُ الصَّلَاةِ بِمَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ. وَعَارَضُوا هَذَا بِقَوْلِهِ ﷺ لِجَابِرٍ فِي الثَّوْبِ " وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا: فَاتَّزِرْ بِهِ " وَيُحْمَلُ هَذَا النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 244
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا. فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا. وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ. فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِي. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: كُلْ. فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ بِسَبَبِ أَكْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَاللَّازِمُ عَنْ ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُبَاحًا، وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ، أَوْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ، وَيَمْتَنِعُ أَكْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا آذَتْ، إنْ حَمَلْنَا النَّهْيَ عَنْ الْقُرْبَانِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ: عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِهَا. لِقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ» وَلِأَنَّهُ عَلَّلَ بِشَيْءٍ يَخْتَصُّ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ لَا تَكُونَ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنْ يُقَالَ: أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ جَائِزٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْ لَوَازِمِهِ: تَرْكُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ آكِلِهَا لِلْحَدِيثِ. وَلَازِمُ الْجَائِزِ جَائِزٌ. فَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ آكِلِهَا جَائِزٌ. وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ عَلَيْهِ وَنُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ - أَوْ بَعْضِهِمْ - تَحْرِيمُ أَكْلِ الثُّومِ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَتَقْرِيرُ هَذَا، أَنْ يُقَالَ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِتَرْكِ
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَكْلِ الثُّومِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. فَتَرْكُ أَكْلِ الثُّومِ وَاجِبٌ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " مَسْجِدَنَا " تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَسْجِدِ الرَّسُولِ. وَرُبَّمَا يَتَأَكَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ مَهْبِطَ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ. وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَامٌّ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. " مَسَاجِدَنَا " وَيَكُونُ " مَسْجِدَنَا " لِلْجِنْسِ، أَوْ لِضَرْبِ الْمِثَالِ. فَإِنَّ هَذَا النَّهْيَ مُعَلَّلٌ: إمَّا بِتَأَذِّي الْآدَمِيِّينَ، أَوْ بِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ الْحَاضِرِينَ. وَذَلِكَ يُوجَدُ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ " قِيلَ إنَّ لَفْظَةَ " الْقِدْرِ " تَصْحِيفٌ. وَأَنَّ الصَّوَابَ " بِبَدْرٍ " بِالْبَاءِ. وَالْبَدْرُ الطَّبَقُ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمِمَّا اُسْتُبْعِدَ بِهِ لَفْظَةُ " الْقِدْرِ " أَنَّهَا تُشْعِرُ بِالطَّبْخِ، وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِأَكْلِهَا مَطْبُوخَةً. وَأَمَّا " الْبَدْرُ " الَّذِي هُوَ الطَّبَقُ: فَلَا يُشْعِرُ كَوْنَهَا فِيهِ بِالطَّبْخِ. فَجَازَ أَنْ تَكُونَ نِيئَةً. فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الْإِذْنَ فِي أَكْلِهَا مَطْبُوخَةً. بَلْ رُبَّمَا يُدَّعَى. أَنَّ ظَاهِرَ كَوْنِهَا فِي الطَّبَقِ: أَنْ تَكُونَ نِيئَةً.
الرَّابِعُ قَوْلُهُ " قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ " يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إبَاحَةِ أَكْلِهَا وَتَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ. الْخَامِسُ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَكْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ عَنْهَا، فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَى أَكْلِهَا ضَرُورَةٌ، وَيُبْعِدُ هَذَا مِنْ وَجْهٍ تَقْرِيبُهُ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الزَّجْرَ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَخِيرُ وَهُوَ: ١١٩ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا. فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسَانُ» .
١ -
وَفِي رِوَايَةٍ " بَنُو آدَمَ "
стр. 246
١٢٠ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَفِي لَفْظٍ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - وَذَكَرَهُ - وَفِيهِ: فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - وَفِيهِ - فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَفِيهِ زِيَادَةُ " الْكُرَّاثِ " وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ. إذْ الْعِلَّةُ تَشْمَلُهُ. وَقَدْ تَوَسَّعَ الْقَائِسُونَ فِي هَذَا، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مَنْ بِهِ بَخَرٌ، أَوْ جُرْحٌ مِنْهُ رِيحٌ يُجْرَى هَذَا الْمَجْرَى، كَمَا أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا، وَأَجْرَوْا حُكْمَ الْمَجَامِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَاجِدَ - كَمُصَلَّى الْعِيدِ، وَمَجْمَعِ الْوَلَائِمِ - مَجْرَى الْمَسَاجِدِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي تَأَذِّي النَّاسِ بِهَا. وَقَوْلُهُ ﵇ " فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى " إشَارَةٌ إلَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ " يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ: التَّعْلِيلَ بِتَأَذِّي بَنِي آدَمَ. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
[بَابُ التَّشَهُّدِ]
[حَدِيثُ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ]
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ التَّشَهُّدِ. فَقِيلَ: إنَّ الْأَخِيرَ وَاجِبٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَاسْتَدَلَّ لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ " فَلْيَقُلْ " وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ مَجْمُوعَ مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ لَيْسَ
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِوَاجِبٍ بَلْ الْوَاجِبُ بَعْضُهُ. وَهُوَ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " مِنْ غَيْرِ إيجَابِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ " الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ " وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يُوجِبُ كُلَّ مَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْأَمْرُ بَلْ الْوَاجِبُ بَعْضُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَعُلِّلَ هَذَا الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ الْمُتَكَرِّرُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ فَيَجِبُ قَبُولُهَا إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ إلَيْهَا. .
[الْمُخْتَار مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ] ١
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ. فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: بِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا. وَقِيلَ: إنَّهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي التَّشَهُّدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ. وَرَجَّحَ مَنْ اخْتَارَ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - بَعْدَ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا. وَإِذَا أُسْقِطَتْ وَاوُ الْعَطْفِ: كَانَ مَا عَدَا اللَّفْظِ الْأَوَّلِ صِفَةً لَهُ. فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ. وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ. فَكَانَ أَوْلَى. وَزَادَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا بِأَنْ قَالَ: لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ، وَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ " لَكَانَتْ أَيْمَانًا مُتَعَدِّدَةً تَتَعَدَّدُ بِهَا الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ قَالَ " وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لَكَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً. فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ.
وَرَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ رَجَّحَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - فِي اخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ: وَاوُ الْعَطْفِ. قَدْ تَسْقُطُ. وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ:
كَيْفَ أَصْبَحْتُ كَيْفَ أَمْسَيْتُ مِمَّا
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كَيْفَ أَصْبَحْتُ وَكَيْفَ أَمْسَيْتُ. وَهَذَا أَوَّلًا إسْقَاطٌ لِلْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ. وَمَسْأَلَتُنَا فِي إسْقَاطِهَا فِي عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ إسْقَاطِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ ضَعِيفٍ لَمْ يَمْتَنِعْ التَّرْجِيحُ بِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِمَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الثَّنَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِيهِ.
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَرْجِيحٌ آخَرُ لِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَهُوَ أَنَّ " السَّلَامَ " مُعَرَّفٌ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مُنَكَّرٌ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالتَّعْرِيفُ أَعَمُّ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَرَجَّحَهُ أَصْحَابُهُ بِشُهْرَةِ هَذَا التَّعْلِيمِ، وَوُقُوعِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَّحَابَةِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ. وَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنْ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مُصَرَّحٌ بِهِ. وَرَفَعَ تَشَهُّدَ عُمَرَ بِطَرِيقٍ اسْتِدْلَالِيٍّ. وَقَدْ رُجِّحَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ لِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْعِنَايَةِ بِتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ " كَانَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ " وَهَذَا تَرْجِيحٌ مُشْتَرَكٌ. لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا وَرَدَ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ. وَرُجِّحَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً " الْمُبَارَكَات " وَبِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] . " وَالتَّحِيَّاتُ " جَمْعُ التَّحِيَّةِ. وَهِيَ الْمُلْكُ. وَقِيلَ: السَّلَامُ. وَقِيلَ: الْعَظَمَةُ. وَقِيلَ: الْبَقَاءُ. فَإِذَا حُمِلَ عَلَى " السَّلَامِ " فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: التَّحِيَّاتُ الَّتِي تُعَظَّمُ بِهَا الْمُلُوكُ - مَثَلًا - مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى " الْبَقَاءِ " فَلَا شَكَّ فِي اخْتِصَاصِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى " الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ " فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ التَّامَّ لِلَّهِ. وَالْعَظَمَةَ الْكَامِلَةَ لِلَّهِ. لِأَنَّ مَا سِوَى مُلْكِهِ وَعَظَمَتِهِ تَعَالَى فَهُوَ نَاقِصٌ. " وَالصَّلَوَاتُ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْمَعْهُودَةُ. وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ إخْلَاصِنَا الصَّلَوَاتِ لَهُ، أَيْ إنَّ صَلَوَاتِنَا مُخْلَصَةٌ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالصَّلَوَاتِ: الرَّحْمَةُ. وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ " لِلَّهِ " أَيْ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا وَالْمُعْطِي: هُوَ اللَّهُ. لِأَنَّ الرَّحْمَةَ التَّامَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا لِغَيْرِهِ. وَقَرَّرَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا فَصْلًا. بِأَنْ قَالَ مَا مَعْنَاهُ إنَّ كُلَّ مَنْ رَحِمَ أَحَدًا فَرَحْمَتُهُ لَهُ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّقَّةِ.
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَهُوَ بِرَحْمَتِهِ دَافِعٌ لِأَلَمِ الرِّقَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهَا لِمُجَرَّدِ إيصَالِ النَّفْعِ إلَى الْعَبْدِ. وَأَمَّا " الطَّيِّبَاتُ " فَقَدْ فُسِّرَتْ بِالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَاتِ. وَلَعَلَّ تَفْسِيرَهَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ أَوْلَى. أَعْنِي: الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَالْأَقْوَالِ، وَالْأَوْصَافِ. وَطَيِّبُ الْأَوْصَافِ: بِكَوْنِهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَخُلُوصِهَا عَنْ شَوَائِبِ النَّقْصِ. وَقَوْلُهُ " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ " قِيلَ: مَعْنَاهُ التَّعَوُّذُ بِاسْمِ اللَّهِ، الَّذِي هُوَ " السَّلَامُ " كَمَا تَقُولُ: اللَّهُ مَعَكَ، أَيْ اللَّهُ مُتَوَلِّيكَ، وَكَفِيلٌ بِكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السَّلَامُ وَالنَّجَاةُ لَكُمْ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وَقِيل الِانْقِيَادِ لَكَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَلَيْسَ يَخْلُو بَعْضُ هَذَا مِنْ ضَعْفٍ. لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى " السَّلَامُ " بِبَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِكَلِمَةِ " عَلَى ". وَقَوْلُهُ " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ " لَفْظُ عُمُومٍ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ " فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ: أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ " السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ " حَتَّى عُلِّمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ قِبَلِهِ ﵇، وَفِي قَوْلِهِ ﵇ " فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ: أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً.
وَأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْعُمُومِ. كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَتَصَرُّفَاتِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَنَا. وَمَنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَجَدَهُ. وَاسْتِدْلَالُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادٍ لَا يُحْصِي الْجَمْعُ لِأَمْثَالِهَا، لَا لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا خُصَّ " الْعِبَادُ الصَّالِحُونَ " لِأَنَّهُ كَلَامُ ثَنَاءٍ وَتَعْظِيمٍ. وَقَوْلُهُ ﵇ " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ " دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كُلِّ سُؤَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: اسْتَثْنَى بَعْضَ صُوَرٍ مِنْ الدُّعَاءِ تَقْبُحُ، مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي امْرَأَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا. وَأَخَذَ يَذْكُرُ أَوْصَافَ أَعْضَائِهَا. وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الصَّلَاةِ عَلَى
стр. 250
١٢١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّبِيِّ ﷺ رُكْنًا فِي التَّشَهُّدِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ قَدْ عَلَّمَ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَ عَقِيبَةَ: أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ. وَلَمْ يُعَلِّمْ ذَلِكَ. وَمَوْضِعُ التَّعْلِيمِ لَا يُؤَخَّرُ وَقْتُ بَيَانِ الْوَاجِبِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: " كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ " مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ قُضَاعَةَ. شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ فِيمَا قِيلَ. رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ.
الثَّانِي: صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ " قُولُوا " ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ. وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: تَجِبُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ. وَتَابَعَهُ إِسْحَاقُ. وَقِيلَ: تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ. وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ
следующие страницы →