Полный текст (659 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
١٢٠ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَفِي لَفْظٍ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - وَذَكَرَهُ - وَفِيهِ: فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - وَفِيهِ - فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَفِيهِ زِيَادَةُ " الْكُرَّاثِ " وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ. إذْ الْعِلَّةُ تَشْمَلُهُ. وَقَدْ تَوَسَّعَ الْقَائِسُونَ فِي هَذَا، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مَنْ بِهِ بَخَرٌ، أَوْ جُرْحٌ مِنْهُ رِيحٌ يُجْرَى هَذَا الْمَجْرَى، كَمَا أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا، وَأَجْرَوْا حُكْمَ الْمَجَامِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَاجِدَ - كَمُصَلَّى الْعِيدِ، وَمَجْمَعِ الْوَلَائِمِ - مَجْرَى الْمَسَاجِدِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي تَأَذِّي النَّاسِ بِهَا. وَقَوْلُهُ ﵇ " فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى " إشَارَةٌ إلَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ " يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ: التَّعْلِيلَ بِتَأَذِّي بَنِي آدَمَ. وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
[بَابُ التَّشَهُّدِ]
[حَدِيثُ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ]
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ التَّشَهُّدِ. فَقِيلَ: إنَّ الْأَخِيرَ وَاجِبٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَاسْتَدَلَّ لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ " فَلْيَقُلْ " وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ مَجْمُوعَ مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ لَيْسَ
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِوَاجِبٍ بَلْ الْوَاجِبُ بَعْضُهُ. وَهُوَ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " مِنْ غَيْرِ إيجَابِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ " الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ " وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يُوجِبُ كُلَّ مَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْأَمْرُ بَلْ الْوَاجِبُ بَعْضُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَعُلِّلَ هَذَا الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ الْمُتَكَرِّرُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ فَيَجِبُ قَبُولُهَا إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ إلَيْهَا. .
[الْمُخْتَار مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ] ١
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ. فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: بِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا. وَقِيلَ: إنَّهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي التَّشَهُّدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ. وَرَجَّحَ مَنْ اخْتَارَ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - بَعْدَ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا. وَإِذَا أُسْقِطَتْ وَاوُ الْعَطْفِ: كَانَ مَا عَدَا اللَّفْظِ الْأَوَّلِ صِفَةً لَهُ. فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ. وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ. فَكَانَ أَوْلَى. وَزَادَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا بِأَنْ قَالَ: لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ، وَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ " لَكَانَتْ أَيْمَانًا مُتَعَدِّدَةً تَتَعَدَّدُ بِهَا الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ قَالَ " وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لَكَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً. فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ.
وَرَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ رَجَّحَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - فِي اخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ: وَاوُ الْعَطْفِ. قَدْ تَسْقُطُ. وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ:
كَيْفَ أَصْبَحْتُ كَيْفَ أَمْسَيْتُ مِمَّا
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كَيْفَ أَصْبَحْتُ وَكَيْفَ أَمْسَيْتُ. وَهَذَا أَوَّلًا إسْقَاطٌ لِلْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ. وَمَسْأَلَتُنَا فِي إسْقَاطِهَا فِي عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ إسْقَاطِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ ضَعِيفٍ لَمْ يَمْتَنِعْ التَّرْجِيحُ بِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِمَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الثَّنَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِيهِ.
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَرْجِيحٌ آخَرُ لِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَهُوَ أَنَّ " السَّلَامَ " مُعَرَّفٌ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مُنَكَّرٌ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالتَّعْرِيفُ أَعَمُّ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَرَجَّحَهُ أَصْحَابُهُ بِشُهْرَةِ هَذَا التَّعْلِيمِ، وَوُقُوعِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَّحَابَةِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ. وَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنْ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مُصَرَّحٌ بِهِ. وَرَفَعَ تَشَهُّدَ عُمَرَ بِطَرِيقٍ اسْتِدْلَالِيٍّ. وَقَدْ رُجِّحَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ لِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْعِنَايَةِ بِتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ " كَانَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ " وَهَذَا تَرْجِيحٌ مُشْتَرَكٌ. لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا وَرَدَ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ. وَرُجِّحَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً " الْمُبَارَكَات " وَبِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] . " وَالتَّحِيَّاتُ " جَمْعُ التَّحِيَّةِ. وَهِيَ الْمُلْكُ. وَقِيلَ: السَّلَامُ. وَقِيلَ: الْعَظَمَةُ. وَقِيلَ: الْبَقَاءُ. فَإِذَا حُمِلَ عَلَى " السَّلَامِ " فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: التَّحِيَّاتُ الَّتِي تُعَظَّمُ بِهَا الْمُلُوكُ - مَثَلًا - مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى " الْبَقَاءِ " فَلَا شَكَّ فِي اخْتِصَاصِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى " الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ " فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ التَّامَّ لِلَّهِ. وَالْعَظَمَةَ الْكَامِلَةَ لِلَّهِ. لِأَنَّ مَا سِوَى مُلْكِهِ وَعَظَمَتِهِ تَعَالَى فَهُوَ نَاقِصٌ. " وَالصَّلَوَاتُ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْمَعْهُودَةُ. وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ إخْلَاصِنَا الصَّلَوَاتِ لَهُ، أَيْ إنَّ صَلَوَاتِنَا مُخْلَصَةٌ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالصَّلَوَاتِ: الرَّحْمَةُ. وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ " لِلَّهِ " أَيْ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا وَالْمُعْطِي: هُوَ اللَّهُ. لِأَنَّ الرَّحْمَةَ التَّامَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا لِغَيْرِهِ. وَقَرَّرَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا فَصْلًا. بِأَنْ قَالَ مَا مَعْنَاهُ إنَّ كُلَّ مَنْ رَحِمَ أَحَدًا فَرَحْمَتُهُ لَهُ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّقَّةِ.
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَهُوَ بِرَحْمَتِهِ دَافِعٌ لِأَلَمِ الرِّقَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهَا لِمُجَرَّدِ إيصَالِ النَّفْعِ إلَى الْعَبْدِ. وَأَمَّا " الطَّيِّبَاتُ " فَقَدْ فُسِّرَتْ بِالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَاتِ. وَلَعَلَّ تَفْسِيرَهَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ أَوْلَى. أَعْنِي: الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَالْأَقْوَالِ، وَالْأَوْصَافِ. وَطَيِّبُ الْأَوْصَافِ: بِكَوْنِهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَخُلُوصِهَا عَنْ شَوَائِبِ النَّقْصِ. وَقَوْلُهُ " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ " قِيلَ: مَعْنَاهُ التَّعَوُّذُ بِاسْمِ اللَّهِ، الَّذِي هُوَ " السَّلَامُ " كَمَا تَقُولُ: اللَّهُ مَعَكَ، أَيْ اللَّهُ مُتَوَلِّيكَ، وَكَفِيلٌ بِكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السَّلَامُ وَالنَّجَاةُ لَكُمْ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وَقِيل الِانْقِيَادِ لَكَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَلَيْسَ يَخْلُو بَعْضُ هَذَا مِنْ ضَعْفٍ. لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى " السَّلَامُ " بِبَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِكَلِمَةِ " عَلَى ". وَقَوْلُهُ " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ " لَفْظُ عُمُومٍ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ " فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ: أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ " السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ " حَتَّى عُلِّمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ قِبَلِهِ ﵇، وَفِي قَوْلِهِ ﵇ " فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ: أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً.
وَأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْعُمُومِ. كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَتَصَرُّفَاتِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَنَا. وَمَنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَجَدَهُ. وَاسْتِدْلَالُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادٍ لَا يُحْصِي الْجَمْعُ لِأَمْثَالِهَا، لَا لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا خُصَّ " الْعِبَادُ الصَّالِحُونَ " لِأَنَّهُ كَلَامُ ثَنَاءٍ وَتَعْظِيمٍ. وَقَوْلُهُ ﵇ " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ " دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كُلِّ سُؤَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: اسْتَثْنَى بَعْضَ صُوَرٍ مِنْ الدُّعَاءِ تَقْبُحُ، مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي امْرَأَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا. وَأَخَذَ يَذْكُرُ أَوْصَافَ أَعْضَائِهَا. وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الصَّلَاةِ عَلَى
стр. 250
١٢١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّبِيِّ ﷺ رُكْنًا فِي التَّشَهُّدِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ قَدْ عَلَّمَ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَ عَقِيبَةَ: أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ. وَلَمْ يُعَلِّمْ ذَلِكَ. وَمَوْضِعُ التَّعْلِيمِ لَا يُؤَخَّرُ وَقْتُ بَيَانِ الْوَاجِبِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: " كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ " مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ قُضَاعَةَ. شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ فِيمَا قِيلَ. رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ.
الثَّانِي: صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ " قُولُوا " ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ. وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: تَجِبُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ. وَتَابَعَهُ إِسْحَاقُ. وَقِيلَ: تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ. وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ. وَقَدْ كَثُرَ الِاسْتِدْلَال عَلَى وُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الْمُتَفَقِّهَةِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. فَتَعَيَّنَ أَنْ تَجِبَ فِي الصَّلَاةِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ " إنْ أَرَادَ بِهِ: لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَيْنًا، فَهُوَ صَحِيحٌ. لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ: أَنْ تَجِبَ فِي الصَّلَاةِ عَيْنًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مُطْلَقَ الصَّلَاةِ. فَلَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُعَيَّنَيْنِ - أَعْنِي خَارِجَ الصَّلَاةِ وَدَاخِلَ الصَّلَاةِ وَإِنْ أَرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْوُجُوبُ الْمُطْلَقُ فَمَمْنُوعٌ.
[الصَّلَاة عَلَى الْآلِ] ١
الثَّالِثُ: فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَجْهَانِ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ.
الرَّابِعُ: اخْتَلَفُوا فِي " الْآلِ " فَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَهْلُ دِينِهِ ﵇. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]
الْخَامِسُ: اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ سُؤَالٌ. وَهُوَ: أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ. فَكَيْفَ يَطْلُبُ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَشَبُّهًا بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ؟ وَاَلَّذِي يُقَالُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ، لَا الْقَدْرِ بِالْقَدْرِ. وَهَذَا كَمَا اخْتَارُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أَنَّ الْمُرَادَ: أَصْلُ الصِّيَامِ، لَا عَيْنُهُ وَوَقْتُهُ. وَلَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيِّ.
الثَّانِي. أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، لَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّ قَوْلَهُ " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ " مَقْطُوعًا عَنْ التَّشْبِيهِ. وَقَوْلُهُ " وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ " مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ " كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ " وَفِي هَذَا مِنْ السُّؤَالِ: أَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَاوِيهِمْ. فَكَيْفَ يُطْلَبُ وُقُوعُ مَا لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ؟ وَهَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُرَدَّ مَا يُرَدَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشَبَّهَ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، أَيْ الْمَجْمُوعُ بِالْمَجْمُوعِ. وَمُعْظَمُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ هُمْ آلُ إبْرَاهِيمَ فَإِذَا تَقَابَلَتْ الْجُمْلَةُ بِالْجُمْلَةِ، وَتَعَذَّرَ أَنْ يَكُونَ لِآلِ الرَّسُولِ ﵇ مِثْلُ
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَا لِآلِ إبْرَاهِيمَ - الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ - كَانَ مَا تَوَفَّرَ مِنْ ذَلِكَ حَاصِلًا لِلرَّسُولِ ﷺ فَيَكُونُ زَائِدًا عَلَى الْحَاصِلِ لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ . وَاَلَّذِي يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ. فَمَنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ كَانَ أَفْضَلَ.
الرَّابِعُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ الْأَمْرُ بِهَا لِلتَّكْرَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ صَلَاةٍ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ. فَإِذَا اقْتَضَتْ فِي كُلِّ مُصَلٍّ حُصُولَ صَلَاةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ كَانَ الْحَاصِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ الصَّلَاةِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، لَا يَنْتَهِي إلَيْهَا الْعَدُّ وَالْإِحْصَاءُ. فَإِنْ قُلْتَ: التَّشْبِيهُ حَاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَالْفَرْدُ مِنْهَا. فَالْإِشْكَالُ وَارِدٌ. قُلْتُ: مَتَى يَرِدُ الْإِشْكَالُ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ.
وَالثَّانِي: مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ هَذَا الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِذَا كَانَ لِلتَّكْرَارِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْمَجْمُوعِ: حُصُولُ مِقْدَارٍ لَا يُحْصَى مِنْ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِقْدَارِ الْحَاصِلِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇.
الْخَامِسُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ السُّؤَالِ لِصَلَاةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ الْمُسَاوَاةُ، أَوْ عَدَمُ الرُّجْحَانِ عِنْدَ السُّؤَالِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ لِلرَّسُولِ ﷺ صَلَاةً مُسَاوِيَةً لِصَلَاةِ إبْرَاهِيمَ، أَوْ زَائِدَةً عَلَيْهَا. أَمَّا إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَسْئُولُ مِنْ الصَّلَاةِ إذَا انْضَمَّ إلَى الثَّابِتِ الْمُتَكَرِّرِ لِلرَّسُولِ ﷺ ، كَانَ الْمَجْمُوعُ زَائِدًا فِي الْمِقْدَارِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَسْئُولِ. وَصَارَ هَذَا فِي الْمِثَالِ كَمَا إذَا مَلَكَ إنْسَانٌ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمَلَكَ آخَرُ أَلْفَيْنِ. فَسَأَلْنَا أَنْ نُعْطِيَ صَاحِبَ الْأَرْبَعَةِ آلَافِ مِثْلَ مَا لِذَلِكَ الْآخَرِ، وَهُوَ الْأَلْفَانِ. فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ انْضَمَّتْ الْأَلْفَانِ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ. فَالْمَجْمُوعُ سِتَّةُ آلَافٍ. وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الْمَسْئُولِ الَّذِي هُوَ أَلْفَانِ.
السَّادِسُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ: قَوْلُهُ " إنَّكَ حَمِيدٌ " بِمَعْنَى مَحْمُودٍ، وَرَدَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ مُسْتَحِقٌّ لِأَنْوَاعِ الْمَحَامِدِ. وَ " مَجِيدٌ " مُبَالَغَةٌ مِنْ مَاجِدٍ وَالْمَجْدُ الشَّرَفُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّعْلِيلِ لِاسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " حَمِيدٌ " مُبَالَغَةً مِنْ حَامِدٍ. وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّعْلِيلِ لِلصَّلَاةِ الْمَطْلُوبَةِ. فَإِنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ مُتَقَارِبَانِ فَحَمِيدٌ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى شَكُورٍ. وَذَلِكَ
стр. 253
١٢٢ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُنَاسِبٌ لِزِيَادَةِ الْأَفْضَالِ وَالْإِعْطَاءِ لِمَا يُرَادُ مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ. وَذَلِكَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ مُنَاسَبَتُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرَةٌ. وَ " الْبَرَكَةُ " الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ مِنْ الْخَيْرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ]
- ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ " فِي الْحَدِيثِ إثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهُوَ مُتَكَرِّرٌ مُسْتَفِيضٌ فِي الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ. وَ " فِتْنَةِ الْمَحْيَا " مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الْإِنْسَانُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، وَأَشَدُّهَا وَأَعْظَمُهَا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى: أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَ " فِتْنَةِ الْمَمَاتِ " يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ. أُضِيفَتْ إلَى الْمَوْتِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَتَكُونُ فِتْنَةُ الْمَحْيَا - عَلَى هَذَا - مَا يَقَعُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَتَصَرُّفِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَا قَارَبَ شَيْئًا يُعْطَى حُكْمَهُ. فَحَالَةُ الْمَوْتِ تَشَبُّهٌ بِالْمَوْتِ، وَلَا تُعَدُّ مِنْ الدُّنْيَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ: فِتْنَةَ الْقَبْرِ، كَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ " كَمِثْلِ - أَوْ أَعْظَمِ - مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ " وَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ " مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ " لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفِتْنَةِ: وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمَقْصُودَ زَوَالُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ نَفْسَهَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ شَدِيدٌ يُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مُسْلِمٍ فِيهِ زِيَادَةُ كَوْنِ الدَّعَوَاتِ مَأْمُورًا بِهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ الْعِنَايَةُ بِالدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، حَيْثُ أُمِرْنَا بِهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ.
стр. 254
١٢٣ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃: «أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا. وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ. وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَهِيَ حَقِيقَةٌ بِذَلِكَ، لِعِظَمِ الْأَمْرِ فِيهَا، وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ فِي وُقُوعِهَا، وَلِأَنَّ أَكْثَرَهَا - أَوْ كُلَّهَا - أُمُورٌ إيمَانِيَّةٌ غَيْبِيَّةٌ. فَتَكَرُّرُهَا عَلَى الْأَنْفُسِ يَجْعَلُهَا مَلَكَةً لَهَا. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى.
١ -
وَهِيَ: تَعْلِيمُ الِاسْتِعَاذَةِ، وَصِيغَتِهَا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِغَيْرِهِ لَحَصَّلَ الْمَقْصُودَ وَامْتَثَلَ الْأَمْرَ. وَلَكِنْ الْأَوْلَى قَوْلُ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وَقَدْ ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى وُجُوبِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ " إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ " عَامٌّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ مَعًا: وَقَدْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ اسْتِحْبَابُ التَّخْفِيفِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَعَدَمُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَهُ، حَتَّى تَسَامَحَ بَعْضُهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِيهِ. (وَمَنْ يَكُونُ إذَا وَرَدَ تَخْصِيصُهُ بِالْأَخِيرِ مُتَمَسِّكًا لَهُمْ، مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، أَوْ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ. وَفِيهِ بَحْثٌ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ) وَالْعُمُومُ الَّذِي ذَكَرْنَا يَقْتَضِي الطَّلَبَ بِهَذَا الدُّعَاءِ. فَمَنْ خَصَّهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ. وَإِنْ كَانَ نَصًّا فَلَا بُدَّ مِنْ صِحَّتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا الْحَدِيثُ يَقْضِي الْأَمْرَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمَحِلِّهِ. وَلَوْ فَعَلَ فِيهَا - حَيْثُ لَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِي أَيِّ الْأَمَاكِنِ كَانَ - لَجَازَ. وَلَعَلَّ الْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ مَوْطِنَيْنِ: إمَّا السُّجُودِ، وَإِمَّا بَعْدَ التَّشَهُّدِ. فَإِنَّهُمَا الْمَوْضِعَانِ اللَّذَانِ
стр. 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أُمِرْنَا فِيهِمَا بِالدُّعَاءِ. قَالَ ﵊ " وَأَمَّا السُّجُودُ: فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ " وَقَالَ فِي التَّشَهُّدِ " وَلْيَتَخَيَّرْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ " وَلَعَلَّهُ يَتَرَجَّحُ كَوْنُهُ فِيمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ: لِظُهُورِ الْعِنَايَةِ بِتَعْلِيمِ دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فِي هَذَا الْمَحِلِّ. وَقَوْلُهُ " إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرَى مِنْ ذَنْبٍ وَتَقْصِيرٍ، كَمَا قَالَ ﵊ " اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا " وَفِي الْحَدِيثِ " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ. وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " وَرُبَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ بِهَذَا الْقَوْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَتَخْصِيصٍ بِحَالَةٍ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ حَالَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا ظُلْمٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، لَمَا كَانَ هَذَا الْإِخْبَارُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ. فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ " وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ " إقْرَارٌ بِوَحْدَانِيَّةِ الْبَارِي تَعَالَى، وَاسْتِجْلَابٌ لِمَغْفِرَتِهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى «عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ» وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ امْتِثَالٌ لِمَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .
وَقَوْلُهُ ﷺ " وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. " كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَقَوْلُهُ «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى التَّوْحِيدِ الْمَذْكُورِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا أَنْتَ، فَافْعَلْهُ أَنْتَ. وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَحْسَنُ: أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى طَلَبِ مَغْفِرَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَقْتَضِيهَا سَبَبٌ مِنْ الْعَبْدِ، مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ وَلَا غَيْرِهِ. فَهِيَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا سَبَبٌ وَهَذَا تَبَرُّؤٌ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالْإِدْلَالِ بِالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادِ فِي كَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ وُجُوبًا عَقْلِيًّا. وَ " الْمَغْفِرَةُ " السَّتْرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ. وَ " الرَّحْمَةُ " مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمُنَزِّهِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ التَّشْبِيهِ - إمَّا نَفْسُ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُوصِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ إلَى الْعَبْدِ. وَإِمَّا إرَادَةُ إيصَالِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ إلَى الْعَبْدِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ. وَعَلَى الثَّانِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ. وَقَوْلُهُ " إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " صِفَتَانِ ذُكِرَتَا خَتْمًا لِلْكَلَامِ عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ لِمَا قَبْلَهُ. فَالْغَفُورُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ " اغْفِرْ لِي " وَالرَّحِيمُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ
стр. 256
١٢٤ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]- إلَّا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَفِي لَفْظٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ارْحَمْنِي " وَقَدْ وَقَعَتْ الْمُقَابَلَةُ هَهُنَا لِلْأَوَّلِ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي بِالثَّانِي. وَقَدْ يَقَعُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، بِأَنْ يُرَاعَى الْقُرْبُ، فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ لِلْأَخِيرِ. وَذَلِكَ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، وَطَلَبِ التَّفَنُّنِ فِي الْكَلَامِ. وَمِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ: مُنَاسَبَةُ مَقَاطِعِ الْآيِ لِمَا قَبْلَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ قَوْلُ رَسُول اللَّهِ فِي " إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " فِي الصَّلَاة]
حَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ مُبَادَرَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلَى امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَمُلَازَمَتِهِ لِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ يُسَبِّحَ بِنَفْسِ الْحَمْدِ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ الْحَمْدُ مِنْ مَعْنَى التَّسْبِيحِ، الَّذِي هُوَ التَّنْزِيهُ، لِاقْتِضَاءِ الْحَمْدِ نِسْبَةَ الْأَفْعَالِ الْمَحْمُودِ عَلَيْهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ. وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ الشَّرِكَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: فَسَبِّحْ مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ. فَتَكُونُ الْبَاءُ دَالَّةً عَلَى الْحَالِ. وَهَذَا يَتَرَجَّحُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ قَدْ سَبَّحَ وَحَمَدَ بِقَوْلِهِ " سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ " وَعَلَى مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يُكْتَفَى بِالْحَمْدِ فَقَطْ. وَكَأَنَّ تَسْبِيحَ الرَّسُولِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَعْنَى الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ " وَبِحَمْدِكَ " قِيلَ مَعْنَاهُ: وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُ. وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ، أَيْ بِسَبَبِ حَمْدِ اللَّهِ سَبَّحْتُ. وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هَهُنَا: التَّوْفِيقَ وَالْإِعَانَةَ عَلَى التَّسْبِيحِ، وَاعْتِقَادَ مَعْنَاهُ. وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِحَمْدِ اللَّهِ لَا بِحَمْدِكَ " أَيْ وَقَعَ هَذَا بِسَبَبِ حَمْدِ اللَّهِ، أَيْ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَطَائِهِ. فَإِنَّ الْفَضْلَ وَالْإِحْسَانَ سَبَبٌ لِلْحَمْدِ، فَيُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْحَمْدِ. وَقَوْلُهُ. " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " امْتِثَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] بَعْدَ امْتِثَالِ قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] وَأَمَّا اللَّفْظُ الْآخَرُ: فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ وَإِبَاحَتَهُ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﵇ " أَمَّا الرُّكُوعُ: فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ: فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ " فَإِنَّهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَوَازُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْأَوْلَوِيَّةُ بِتَخْصِيصِ الرُّكُوعِ بِالتَّعْظِيمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ قَدْ أُمِرَ فِيهِ بِتَكْثِيرِ الدُّعَاءِ لِإِشَارَةِ قَوْلِهِ (فَاجْتَهِدُوا) وَاحْتِمَالِهَا لِلْكَثْرَةِ. وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الرُّكُوعِ مِنْ قَوْلِهِ " اغْفِرْ لِي " لَيْسَ كَثِيرًا. فَلَيْسَ فِيهِ مُعَارِضَةُ مَا أَمَرَ بِهِ فِي السُّجُودِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ: سُؤَالٌ. وَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ " إذَا " تَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ وَعَدَمَ حُصُولِ الشَّرْطِ حِينَئِذٍ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ " مَا صَلَّى صَلَاةً. بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] يَقْتَضِي تَعْجِيلَ هَذَا الْقَوْلِ، لِقُرْبِ الصَّلَاةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ عَقِيبَ نُزُولِ الْآيَةِ مِنْ النُّزُولِ. وَ " الْفَتْحُ " أَيْ فَتْحُ مَكَّةَ. وَ " دُخُولُ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا " يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ أَوْسَعَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالصَّلَاةُ الْأُولَى بَعْدَهُ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ " قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا حَاصِلًا عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. فَكَيْفَ يُقَالُ فِيهَا " إذَا جَاءَ " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا، فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَوْلُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْأَمْرِ بِهِ؟ وَجَوَابُهُ: أَنْ نَخْتَارَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ. وَيَكُونُ ﷺ قَدْ بَادَرَ إلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِ الزَّمَنِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ فِيهِ. إذْ ذَلِكَ عِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ. فَإِذَا وَقَعَ الشَّرْطُ كَانَ الْوَاقِعُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ - بَعْدَ وُقُوعِهِ - وَاقِعًا عَلَى حَسَبِ الِامْتِثَالِ، وَقَبْلَ وُقُوعِ الشَّرْطِ، وَاقِعًا عَلَى حَسَبِ التَّبَرُّعِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ " مَا يَقْتَضِي - وَلَا بُدَّ - أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ
стр. 258
١٢٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ - مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى، مَثْنَى. فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً. فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى. وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلِهِ ﷺ وَاقِعًا عَلَى جِهَةِ الِامْتِثَالِ لِلْمَأْمُورِ، حَتَّى يَكُونَ دَالًّا عَلَى وُقُوعِ الشَّرْطِ، بَلْ مُقْتَضَاهُ: أَنْ يَفْعَلَ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فَقَطْ. وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ هَذَا الْقَوْلِ فِعْلًا لِطَاعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَبَعْضُهُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوِتْرِ]
[حَدِيثُ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ]
" الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى " أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ ﵀ فِي أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ " صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى " وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ حَصْرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِيمَا هُوَ مَثْنَى. وَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ، إذْ هُوَ يُنَافِي الزِّيَادَةَ. فَلَوْ جَازَتْ الزِّيَادَةُ لَمَا انْحَصَرَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فِي الْمَثْنَى. وَهَذَا يُعَارِضُهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَجَازَ الزِّيَادَةَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فِي الْعَدَدِ، وَذَكَرَ بَعْضُ مُصَنِّفِي أَصْحَابِهِ شَرْطَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَحَاصِلُ قَوْلِهِ: أَنَّهُ مَتَى تَنَفَّلَ بِأَزْيَدَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، شَفْعًا أَوْ وِتْرًا، فَلَا يَزِيدُ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ.
[كَانَ الْمُتَنَفَّلُ بِهِ شَفْعًا] ١
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُتَنَفَّلُ بِهِ شَفْعًا، فَلَا يَزِيدُ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ وِتْرًا، فَلَا يَزِيدُ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ عَلَى رَكْعَةٍ. فَعَلَى هَذَا: إذَا تَنَفَّلَ بِعَشْرٍ، جَلَسَ
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَعْدَ الثَّامِنَةِ. وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَ السَّابِعَةِ، وَلَا بَعْدَ مَا قَبْلَهَا مِنْ الرَّكَعَاتِ. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ. فَإِذَا تَنَفَّلَ بِخَمْسٍ - مَثَلًا - جَلَسَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَبَعْدَ الْخَامِسَةِ إنْ شَاءَ، أَوْ بِسَبْعٍ. فَبَعْدَ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ. وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى جُلُوسٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ جَازَ. وَإِنَّمَا أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ: تَشْبِيهُ النَّوَافِلِ بِالْفَرَائِضِ. وَالْفَرِيضَةُ الْوِتْرُ: هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ. وَلَيْسَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَةٍ. وَالْفَرَائِضُ الشَّفْعُ: لَيْسَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. وَلَمْ يَتَّفِقْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ عَدَمَ الزِّيَادَةِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ النُّقْصَانِ مِنْهُمَا.
[التَّنَفُّل بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ] ١
، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي التَّنَفُّلِ بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ. وَالْمَذْكُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: جَوَازُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْعُهُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ اسْتِدْلَالِ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ الْفَرْدَةُ صَلَاةً لَمَا امْتَنَعَ قَصْرُ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ. فَإِنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا. .
[تَقْدِيم الشَّفْعِ عَلَى الْوِتْرِ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَقْتَضِي الْحَدِيثُ تَقْدِيمَ الشَّفْعِ عَلَى الْوِتْرِ مِنْ قَوْلِهِ " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى " وَقَوْلُهُ " تُوتِرُ لَهُ مَا صَلَّى " فَلَوْ أَوْتَرَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ شَفْعٍ: لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُوتَرُ بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ هَكَذَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. .
[وَقْت الْوِتْرِ] ١
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يُفْهَمُ مِنْهُ انْتِهَاءُ وَقْتِ الْوِتْرِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ قَوْلِهِ " فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ " وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَنْتَهِي بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَالثَّانِي: يَنْتَهِي بِصَلَاةِ الصُّبْحِ.
[وُجُوبِ الْوِتْرِ] ١
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَدْ يَسْتَدِلُّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْوِتْرِ. فَإِنْ كَانَ يَرَى بِوُجُوبِ كَوْنِهِ آخَرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ: فَاسْتِدْلَالٌ قَرِيبٌ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَحْمِلَ الصِّيغَةَ عَلَى النَّدْبِ. وَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى وُجُوبِ أَصْلِ الْوِتْرِ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَإِلَّا كَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهِيَ صِيغَةُ الْأَمْرِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: يَقْتَضِي الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ. فَلَوْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ التَّنَفُّلَ، فَهَلْ يَشْفَعُ وِتْرَهُ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى ثُمَّ يُصَلِّي؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ
стр. 260
١٢٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ. وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَمْ يَشْفَعْهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ تَنَفَّلَ، فَهَلْ يُعِيدُ الْوِتْرَ أَخِيرًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْمَالِكِيَّةِ. فَيُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ بَعْدَ تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا. أَمَّا مَنْ قَالَ، إنَّهُ يَشْفَعُ وِتْرَهُ فَيَقُولُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آخِرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا. وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَبْلَهُ وِتْرٌ، لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " لَا وِتْرَانِ فِي اللَّيْلَةِ " فَلَزِمَ عَنْ ذَلِكَ: أَنْ يَشْفَعَ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ. فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَشْفَعْهُ وَأَعَادَ الْوِتْرَ، لَزِمَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْوِتْرَ، لَمْ يَكُنْ آخِرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَشْفَعُ وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ: فَلِأَنَّهُ مَنَعَ أَنْ يَنْعَطِفَ حُكْمُ صَلَاةٍ عَلَى أُخْرَى بَعْدَ السَّلَامِ وَالْحَدِيثِ، وَطُولِ الْفَصْلِ، إنْ وَقَعَ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُمَا وِتْرَانِ، وَلَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ، فَامْتَنَعَ الشَّفْعُ. وَامْتَنَعَ إعَادَةُ الْوِتْرِ أَخِيرًا، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُخَالِفَةُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇ " اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا " وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِأَصْلِ الْوِتْرِ كَذَلِكَ، وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ أَوْلَى مِنْ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْإِعَادَةِ: فَهُوَ أَيْضًا مَانِعٌ مِنْ شَفْعِ الْوِتْرِ لِلْأَوَّلِ مُحَافَظَةً عَلَى قَوْلِهِ ﵇ " اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا " وَيَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ قَوْلِهِ " لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ ". وَاعْلَمْ أَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى. وَهُوَ أَنَّ التَّنَفُّلَ بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ: هَلْ يُشْرَعُ؟ فَعَلَيْكَ بِتَأَمُّلِهِ.
[حَدِيثُ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ]
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الْوِتْرِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى
стр. 261
١٢٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْجَوَازِ فِي الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ وَالْآخِرِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ وَطُرُوِّ الْحَاجَاتِ. وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَرْجُو أَنْ يَقُومَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ مَنْ يَخَافُ أَنْ لَا يَقُومَ، وَالْأَوَّلُ: تَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيمُهُ أَفْضَلُ، وَلَا شَكَّ أَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ أَوَّلِهِ، لَكِنْ إذَا عَارَضَ ذَلِكَ احْتِمَالُ تَفْوِيتِ الْأَصْلِ قَدَّمْنَاهُ عَلَى فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ قَدْ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ، وَمِنْ جُمْلَةِ صُوَرِهَا: مَا إذَا كَانَ عَادِمُ الْمَاءِ يَرْجُو وُجُودَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. فَهَلْ يُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ إحْرَازًا لِلْفَضِيلَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَمْ يُؤَخِّرُهُ إحْرَازًا لِلْوُضُوءِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالْمُخْتَارُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ. فَعَلَيْكَ بِالنَّظَرِ فِي التَّنْظِيرِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً]
هَذَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ - يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي النَّوَافِلِ. وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِتَأْوِيلٍ لَا يُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ. وَهُوَ أَنْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فِي مَحِلِّ الْقِيَامِ لَمْ يَكُنْ إلَّا فِي آخِرِ رَكْعَةٍ، كَأَنَّ الْأَرْبَعَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا قِيَامًا، وَالْأَخِيرَةُ كَانَتْ جُلُوسًا فِي مَحِلِّ الْقِيَامِ، وَرُبَّمَا دَلَّ لَفْظُهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَحَادِيثَ قَدَّمَهَا - هَذَا مِنْهَا - بِأَنَّ السَّلَامَ وَقَعَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا مُخَالَفَةٌ لِلَّفْظِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ السَّلَامُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إلَّا بَعْدَ الْجُلُوسِ، وَذَلِكَ يُنَافِيهِ قَوْلُهَا " لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا " وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَطَّ النَّظَرِ. هُوَ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ الظَّاهِرِ. مِنْ قَوْلِهِ ﵇ " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى " فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْحَصْرِ. وَبَيْنَ دَلَالَةِ هَذَا الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْفِعْلُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْخُصُوصُ، إلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. فَتَبْقَى دَلَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ مُعَارَضَةً بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْحَصْرِ، وَدَلَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَنَا أَقْوَى. نَعَمْ يَبْقَى نَظَرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ أَعْدَادٍ مَخْصُوصَةٍ. فَإِذَا جَمَعْنَاهَا وَنَظَرْنَا أَكْثَرَهَا، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ كَانَ قَوْلًا
стр. 262
١٢٨ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ وَفِي لَفْظٍ مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْجَوَازِ مَعَ اقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ مَنْعَهُ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةِ الْفِعْلِ لَهُ. فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُعْمَلُ بِدَلِيلِ الْمَنْعِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ مِنْ الْفِعْلِ، إلَّا أَنْ يَصُدَّ عَنْ ذَلِكَ إجْمَاعٌ، أَوْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْدَادَ الْمَخْصُوصَةَ مُلْغَاةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ. وَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ. فَهُنَا يُمْكِنُ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ نَقُولَ مَقَادِيرُ الْعِبَادَاتِ يَغْلِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ، فَلَا يُجْزَمُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْمَانِعُ: الْمُخِلُّ: هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَدْ أُلْغِيَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَلَا يَقْوَى كَثِيرًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الذِّكْرِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ]
[حَدِيثُ رَفْع الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَالتَّكْبِيرُ بِخُصُوصِهِ مِنْ جُمْلَةِ الذِّكْرِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ الْإِبَانَةُ عَنْ صِحَّةِ فِعْلِ مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمَرَاءِ، يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَيُكَبِّرُ مَنْ خَلْفَهُ. قَالَ غَيْرُهُ وَلَمْ أَجِدْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ هَذَا إلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّكْبِيرَ فِي الْعَسَاكِرِ وَالْبُعُوثِ إثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ تَكْبِيرًا عَالِيًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَهُوَ قَدِيمٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُحْدَثٌ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَوْقِفِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَا كُنَّا نَعْرِفُ
стр. 263
١٢٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْ كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ. وَفِي لَفْظٍ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ " فَلَوْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَعَلِمَ انْقِضَاءَ الصَّلَاةِ بِسَمَاعِ التَّسْلِيمِ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسْمِعٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ يُبَلِّغُ التَّسْلِيمَ بِجَهَارَةِ صَوْتِهِ.
[حَدِيثُ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَعَانِي التَّوْحِيدِ، وَنِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ، وَتَمَامِ الْقُدْرَةِ. وَالثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْأَذْكَارِ: يَرِدُ كَثِيرًا مَعَ خِفَّةِ الْأَذْكَارِ عَلَى اللِّسَانِ وَقِلَّتِهَا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولَاتِهَا، وَأَنَّ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَشْيَاءِ، " وَالْجَدُّ " الْحَظُّ. وَمَعْنَى " لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ حَظُّهُ. وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَ " الْجَدُّ " هَهُنَا - وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَظِّ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ " مِنْكَ " مُتَعَلِّقٌ بِيَنْفَعُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ " يَنْفَعُ " مُتَضَمِّنًا مَعْنَى
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَمْنَعُ " أَوْ مَا يُقَارِبُهُ وَلَا يَعُودُ " مِنْكَ " إلَى الْجَدِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: حَظِّي مِنْكَ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، بِمَعْنَى عِنَايَتُكَ بِي، أَوْ رِعَايَتُكَ لِي. فَإِنَّ ذَلِكَ نَافِعٌ. وَفِي أَمْرِ مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ. الْمُبَادَرَةُ إلَى امْتِثَالِ السُّنَنِ وَإِشَاعَتِهَا، وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ بِالْمُكَاتَبَةِ بِالْأَحَادِيثِ، وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْمَسْمُوعِ، وَالْعَمَلِ بِالْخَطِّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا أُمِنَ تَغْيِيرُهُ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادٍ لَا تُحْصَى، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ " عَنْ قِيلَ وَقَالَ " الْأَشْهَرُ فِيهِ: بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ. وَهَذَا النَّهْيُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْكَثْرَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ مَعَهَا وُقُوعُ الْخَطَلِ وَالْخَطَأِ، وَالتَّسَبُّبُ إلَى وُقُوعِ الْمَفَاسِدِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَالْإِخْبَارُ بِالْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا: أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ " وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَكُونُ إمَامًا مَنْ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
[إضَاعَةُ الْمَالِ] ١
وَأَمَّا " إضَاعَةُ الْمَالِ " فَحَقِيقَتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ. وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْأَمْوَالَ قِيَامًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ. وَفِي تَبْذِيرِهَا تَفْوِيتٌ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، إمَّا فِي حَقِّ مُضَيِّعِهَا، أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَأَمَّا بَذْلُهُ وَكَثْرَةُ إنْفَاقِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْأُخْرَى فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقَدْ قَالُوا: لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ. وَأَمَّا إنْفَاقُهُ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَمَلَاذِّ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ، وَقَدْرِ مَالِهِ: فَفِي كَوْنِهِ سَفَهًا خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ سَفَهٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ بِسَفَهٍ. لِأَنَّهُ يُقَوِّمُ بِهِ مَصَالِحَ الْبَدَنِ وَمَلَاذِّهِ، وَهُوَ غَرَضٌ صَحِيحٌ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَالْأَشْهَرُ فِي مِثْلِ هَذَا: أَنَّهُ مُبَاحٌ، أَعْنِي إذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. وَقَدْ نُوزِعَ فِيهِ. .
[كَثْرَةُ السُّؤَالِ] ١
وَأَمَّا " كَثْرَةُ السُّؤَالِ " فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ. وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ تَكَلُّفَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا عِنْدَ اللَّهِ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ " وَفِي حَدِيثِ اللِّعَانِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَهْيٌ عَنْ الْأُغْلُوطَاتِ " وَهِيَ شِدَادُ الْمَسَائِلِ وَصِعَابُهَا. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا: لِمَا يَتَضَمَّنُ كَثِيرٌ مِنْهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي الدِّينِ وَالتَّنَطُّعِ. وَالرَّجْمِ بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ، مَعَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْعِثَارِ، وَخَطَأِ الظَّنِّ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ مِنْ الْحُكْمِ بِالظَّنِّ، إلَّا حَيْثُ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى سُؤَالِ الْمَالِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي تَعْظِيمِ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ سُؤَالِ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ مَمْنُوعٌ. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْإِعْطَاءُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَيَكُونُ الْبَاطِنُ خِلَافَهُ، أَوْ يَكُونُ السَّائِلُ مُخْبِرًا عَنْ أَمْرٍ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ: قَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْحَالِ فِي هَذَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ " أَنَّهُ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَيَّتَانِ " وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا فُقَرَاءَ مُجَرَّدِينَ، يَأْخُذُونَ وَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، بِنَاءً عَلَى الْفَقْرِ وَالْعَدَمِ. وَظَهَرَ أَنَّ مَعَهُ هَذَيْنِ الدِّينَارَيْنِ، عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ حَالِهِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: جَوَازُ السُّؤَالِ. فَإِذَا قِيلَ بِذَلِكَ: فَيَنْبَغِي النَّظَرُ فِي تَخْصِيصِ الْمَنْعِ بِالْكَثْرَةِ. فَإِنَّهُ إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ تَقْتَضِي الْمَنْعَ. فَالسُّؤَالُ مَمْنُوعٌ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ. وَإِنْ لَمْ تَقْتَضِ الْمَنْعَ فَيَنْبَغِي حَمْلُ هَذَا النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِلْكَثِيرِ مِنْ السُّؤَالِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو السُّؤَالُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ عَنْ كَرَاهَةٍ. فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ فِي الْكَثْرَةِ أَشَدَّ. وَتَكُونُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِالنَّهْيِ. وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا: أَنَّ مَنْ يَكْرَهُ السُّؤَالَ مُطْلَقًا - حَيْثُ لَا يُحَرَّمُ - يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْمِلَ قَوْلَهُ " كَثْرَةُ السُّؤَالِ " عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَسَائِلِ الدِّينِيَّةِ، أَوْ يَجْعَلُ النَّهْيَ دَالًّا عَلَى الْمَرْتَبَةِ الْأَشَدِّيَّةِ مِنْ الْكَرَاهَةِ.
[تَخْصِيصُ الْعُقُوقِ بِالْأُمَّهَاتِ]
وَتَخْصِيصُ الْعُقُوقِ بِالْأُمَّهَاتِ، مَعَ امْتِنَاعِهِ فِي الْآبَاءِ أَيْضًا، لِأَجْلِ شِدَّةِ حُقُوقِهِنَّ، وَرُجْحَانِ الْأَمْرِ بِبِرِّهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآبَاءِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لِإِظْهَارِ عِظَمِهِ فِي الْمَنْعِ، إنْ كَانَ مَمْنُوعًا، وَشَرَفِهِ إنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ. وَقَدْ يُرَاعَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ التَّنْبِيهُ بِذِكْرِ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. فَيُخَصُّ الْأَدْنَى بِالذِّكْرِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ.
[وَأْد الْبَنَاتِ] ١
стр. 266
١٣٠ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ. وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَ " وَأْدِ الْبَنَاتِ " عِبَارَةٌ عَنْ دَفْنِهِنَّ مَعَ الْحَيَاةِ. وَهَذَا التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الْوَاقِعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالْبَنَاتِ.
١ -
" وَمَنْعٍ وَهَاتِ " رَاجِعٌ إلَى السُّؤَالِ مَعَ ضَمِيمَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالْإِعْطَاءِ، وَعَنْ السُّؤَالِ حَيْثُ يُمْنَعُ مِنْهُ. فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مَخْصُوصًا بِصُورَةٍ غَيْرِ صُورَةِ الْآخَرِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَجْتَمِعَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا. فَيَكُونُ وَظِيفَةُ الطَّالِبِ: أَنْ لَا يَسْأَلَ، وَوَظِيفَةُ الْمُعْطِي: أَنْ لَا يَمْنَعَ إنْ وَقَعَ السُّؤَالُ. وَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مُحَرَّمًا عَلَى الطَّالِبِ. فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُعْطِي إعْطَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُعِينًا عَلَى الْإِثْمِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى الْكَثْرَةِ مِنْ السُّؤَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[حَدِيثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ]
قَالَ: سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَقَالَ: وَهِمْتَ، إنَّمَا قَالَ لَكَ: تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ".
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالتَّفْضِيلِ بَيْنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ وَالْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِيهَا الْخِلَافُ. وَالْفُقَرَاءُ ذَكَرُوا لِلرَّسُولِ ﷺ مَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْأَغْنِيَاءِ بِسَبَبِ الْقُرُبَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ. وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَلَكِنْ عَلَّمَهُمْ مَا يَقُومُ مَقَامَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ. فَلَمَّا قَالَهَا الْأَغْنِيَاءُ سَاوُوهُمْ فِيهَا. وَبَقِيَ مَعَهُمْ رُجْحَانُ قُرُبَاتِ الْأَمْوَالِ. فَقَالَ ﵇ " وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " فَظَاهِرُهُ الْقَرِيبُ مِنْ النَّصِّ: أَنَّهُ فَضَّلَ الْأَغْنِيَاءَ بِزِيَادَةِ الْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ " وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ " بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ، وَيُخْرِجُهُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الظَّاهِرِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَنَّهُمَا إنْ تُسَاوَيَا وَحَصَلَ الرُّجْحَانُ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ أَفْضَلَ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ.
١ -
وَإِنَّمَا النَّظَرُ إذَا تَسَاوَيَا فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَقَطْ. وَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَصْلَحَةِ مَا هُوَ فِيهِ وَإِذَا كَانَتْ الْمَصَالِحُ مُتَقَابِلَةً فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْأَفْضَلِ. فَإِنْ فُسِّرَ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرَةِ. وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ بِمَعْنَى الْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صِفَاتِ النَّفْسِ، فَاَلَّذِي يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنْ التَّطْهِيرِ لِلْأَخْلَاقِ، وَالرِّيَاضَةِ لِسُوءِ الطِّبَاعِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ: أَشْرَفُ. فَيَتَرَجَّحُ الْفُقَرَاءُ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصُّوفِيَّةِ إلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، لِأَنَّ مَدَارَ
стр. 268
١٣١ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الطَّرِيقِ عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا. وَذَلِكَ مَعَ الْفَقْرِ أَكْثَرُ مِنْهُ مَعَ الْغِنَى، فَكَانَ أَفْضَلَ بِمَعْنَى الْأَشْرَفِ وَقَوْلُهُ " ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ " الدُّثُرُ: هُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ " تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السَّبْقُ الْمَعْنَوِيُّ. وَهُوَ السَّبْقُ فِي الْفَضِيلَةِ. وَقَوْلُهُ " مَنْ بَعْدَكُمْ " أَيْ مَنْ بَعْدَكُمْ فِي الْفَضِيلَةِ مِمَّنْ لَا يَعْمَلُ هَذَا الْعَمَلَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْقَبْلِيَّةُ الزَّمَانِيَّةُ، وَالْبَعْدِيَّةُ الزَّمَانِيَّةُ. وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى السِّيَاقِ. فَإِنَّ سُؤَالَهُمْ كَانَ عَنْ أَمْرِ الْفَضِيلَةِ، وَتَقَدُّمِ الْأَغْنِيَاءِ فِيهَا. وَقَوْلُهُ " لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمَالِ، وَعَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ لِلْأَغْنِيَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ لَا يَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْفُقَرَاءُ. وَفِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ. وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فُرَادَى - أَيْ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى حِدَةٍ - وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ، وَحَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ. وَلَكِنْ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَكُونُ مَجْمُوعًا، وَيَكُونُ الْعَدَدُ لِلْجُمْلَةِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْصُلُ فِي كُلِّ فَرْدٍ هَذَا الْعَدَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ]
" الْخَمِيصَةُ " كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ أَعْلَامٌ وَ " الْأَنْبِجَانِيَّة " كِسَاءٌ غَلِيظٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ لِبَاسِ الثَّوْبِ ذِي الْعَلَمِ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اشْتِغَالَ الْفِكْرِ يَسِيرًا غَيْرُ قَادِحٍ فِي الصَّلَاةِ.
стр. 269
١٣٢ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَنَفْيِ مَا يَقْتَضِي شَغْلَ الْخَاطِرِ بِغَيْرِهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُبَادَرَةِ الرَّسُولِ ﷺ إلَى مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، وَنَفْيِ مَا يَخْدِشُ فِيهَا، حَيْثُ أَخْرَجَ الْخَمِيصَةَ، وَاسْتَبْدَلَ بِهَا غَيْرَهَا مِمَّا لَا يُشْغِلُ. فَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ " فَنَظَرَ إلَيْهَا نَظْرَةً ". وَبَعْثُهُ إلَى أَبِي جَهْمٍ بِالْخَمِيصَةِ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي الصَّلَاةِ، كَمَا جَاءَ فِي " حُلَّةِ عُطَارِدٍ " وَقَوْلُهُ ﵇ لِعُمَرَ " إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا ". وَقَدْ اسْتَنْبَطَ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا: كَرَاهَةَ كُلِّ مَا يُشْغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ مِنْ الْأَصْبَاغِ وَالنُّقُوشِ، وَالصَّنَائِعِ الْمُسْتَطْرَفَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَالْعِلَّةُ: الِاشْتِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ. وَزَادَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا: كَرَاهَةَ غَرْسِ الْأَشْجَارِ فِي الْمَسَاجِدِ. وَ " الْأَنْبِجَانِيَّة " يُقَالُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْبَاءِ، وَكَذَلِكَ الْيَاءُ تُخَفَّفُ وَتُشَدَّدُ. وَقِيلَ: إنَّهَا الْكِسَاءُ مِنْ غَيْرِ عَلَمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ عَلَمٌ فَهُوَ خَمِيصَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَالْإِرْسَالِ إلَيْهِمْ وَالطَّلَبِ لَهَا مِمَّنْ يَظُنُّ بِهِ السُّرُورَ بِذَلِكَ أَوْ الْمُسَامَحَةَ.
[بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ]
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ]
هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ. وَإِنَّمَا هُوَ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ لَفْظٍ بِعَيْنِهِ: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُخَصِّصُهُ بِالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَتَكُونُ الْعِلَّةُ فِيهِ: النُّسُكَ، لَا السَّفَرَ. وَلِهَذَا يُقَالُ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عِنْدَهُ بِعُذْرِ السَّفَرِ، وَأَهْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ: يُؤَوِّلُونَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ بِالْجَمْعِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا،
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْجَمْعَ إلَى جَمْعِ مُقَارَنَةٍ وَجَمْعِ مُوَاصَلَةٍ. وَأَرَادَ بِجَمْعِ الْمُقَارَنَةِ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْئَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، كَالْأَكْلِ وَالْقِيَامِ مَثَلًا، فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَأَرَادَ بِجَمْعِ الْمُوَاصَلَةِ: أَنْ يَقَعَ أَحَدُهُمَا عَقِيبَ الْآخَرِ، وَقَصَدَ إبْطَالَ تَأْوِيلِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ جَمْعَ الْمُقَارَنَةِ لَا يُمْكِنُ فِي الصَّلَاتَيْنِ، إذْ لَا يَقَعَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَبْطَلَ جَمْعَ الْمُوَاصَلَةِ أَيْضًا. وَقَصَدَ بِذَلِكَ إبْطَالَ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ إذْ لَمْ يَتَنَزَّلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ. وَعِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَنَزَّلَ عَلَى الثَّانِي، إذَا وَقَعَ التَّحَرِّي فِي الْوَقْتِ. أَوْ وَقَعَتْ الْمُسَامَحَةُ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إذَا وَقَعَ فَاصِلًا. لَكِنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ فِي الْأَحَادِيثِ لَا يَحْتَمِلُ لَفْظُهَا هَذَا التَّأْوِيلَ، إلَّا عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ، أَوْ لَا يَحْتَمِلُ أَصْلًا. فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ، فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فِي سَنَدِهِ، فَيَقْطَعُ الْعُذْرَ. وَأَمَّا مَا يَبْعُدُ تَأْوِيلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ لَهُ أَقْوَى مِنْ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْكِتَابِ لَيْسَ يَبْعُدُ تَأْوِيلُهُ كُلَّ الْبَعْدِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ التَّأْوِيلِ. وَأَمَّا ظَاهِرُهُ: فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَةً لَا يَتَنَاوَلُ صُورَةَ التَّأْوِيلِ، فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ، حَتَّى يَكُونَ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ لَهُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ.
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ. وَلَوْلَا وُرُودُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالْجَمْعِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَكَانَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْجَمْعِ فِي غَيْرِهَا. لِأَنَّ الْأَصْلَ: عَدَمُ جَوَازِ الْجَمْعِ، وَوُجُوبُ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا، وَجَوَازُ الْجَمْعِ بِهَذَا الْحَدِيثِ: قَدْ عُلِّقَ بِصِفَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِلِاعْتِبَارِ. فَلَمْ يَكُنْ لِيَجُوزَ إلْغَاؤُهَا. لَكِنْ إذَا صَحَّ الْجَمْعُ فِي حَالَةِ النُّزُولِ فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى، لِقِيَامِ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى الْجَوَازِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، أَعْنِي السَّيْرَ، وَقِيَامُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ يَدُلُّ عَلَى إلْغَاءِ اعْتِبَارِ هَذَا الْوَصْفِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ بِالْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
стр. 271
١٣٣ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِأَنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْجَوَازِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بِخُصُوصِهَا أَرْجَحُ. وَقَوْلُهُ " وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ " يُرِيدُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ، وَظَاهِرُهُ: اعْتِبَارُ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِمَا: وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجَمْعَ مُمْتَنِعٌ بَيْنَ الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، كَمَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ. وَمَنْ هَهُنَا يَنْشَأُ نَظَرُ الْقَائِسِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ. فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقِيسُونَ الْجَمْعَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى الْجَمْعِ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا وَيَحْتَاجُونَ إلَى إلْغَاءِ الْوَصْفِ الْفَارِقِ بَيْنَ مَحِلِّ النِّزَاعِ وَمَحِلِّ الْإِجْمَاعِ. وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ. وَغَيْرُهُمْ يَقِيسُ الْجَوَازَ فِي مَحِلِّ النِّزَاعِ عَلَى الْجَوَازِ فِي مَحِلِّ الْإِجْمَاعِ. وَيَحْتَاجُ إلَى إلْغَاءِ الْوَصْفِ الْفَارِقِ، وَهُوَ إقَامَةُ النُّسُكِ.
[بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ]
[حَدِيثُ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ]
هَذَا هُوَ لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَدِيثِ. وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ وَأَزْيَدُ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْقَصْرِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجْحَانِ ذَلِكَ. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَدْ أَوْجَبَ الْقَصْرَ. وَالْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنَّ الْمُتَحَقِّقَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: الرُّجْحَانُ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ. وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيُتْرَكُ. وَقَدْ خُرِّجَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الصِّيَامَ أَفْضَلُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِمُوَاظَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِقِيَامِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالصَّوْمِ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ مِنْ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
стр. 272
١٣٤ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي وَفِي لَفْظٍ صَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا. ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ لَا يَرَى التَّنَفُّلَ فِي السَّفَرِ. وَقَالَ " لَوْ كُنْتُ مُتَنَفِّلًا لَأَتْمَمْتُ ". فَقَوْلُهُ " لَا يَزِيدُ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: لَا يَزِيدُ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَا يَزِيدُ نَفْلًا. وَحَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى. لِأَنَّهُ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي سِيَاقُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ الْعُمُومُ. فَيَدْخُلُ فِيهِ هَذَا أَعْنِي النَّافِلَةَ فِي السَّفَرِ تَبَعًا لَا قَصْدًا. وَذِكْرُهُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ لِيُبَيِّنَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ لِتَقْوِيَتِهِ بِالْعَمَلِ.
[بَابُ الْجُمُعَةِ]
[حَدِيثُ إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي]
" أَبُو الْعَبَّاسِ " سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. وَبَنُو سَاعِدَةَ مِنْ الْأَنْصَارِ. مُتَّفَقٌ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ. مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى أَرْفَعِ مِمَّا عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ.
стр. 273
١٣٥ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ. فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ: فَقَدْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ. وَزَادَ أَصْحَابُ مَالِكٍ - أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ - فَقَالُوا: إنْ قَصَدَ التَّكَبُّرَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيزَ هَذَا الِارْتِفَاعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعْلِيمِ: فَاللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُهُ. وَالْقِيَاسُ لَا يَسْتَقِيمُ لِانْفِرَادِ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ مُعْتَبَرٍ تَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةُ اعْتِبَارَهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ عَلَى مَنْ حَدَّدَ الْكَثِيرَ مِنْ الْعَمَلِ بِثَلَاثِ خُطُوَاتٍ. فَإِنَّ مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ. وَالصَّلَاةُ كَانَتْ عَلَى الْعُلْيَا. وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ: أَنْ يَقَعَ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى الْأَرْضِ، بَعْدَ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ فَأَكْثَرَ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ خُطُوَاتٍ وَاَلَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ هَذَا: أَنْ يُدَّعَى عَدَمُ التَّوَالِي بَيْنَ الْخُطُوَاتِ. فَإِنَّ التَّوَالِيَ شَرْطٌ فِي الْإِبْطَالِ، أَوْ يُنَازَعُ فِي كَوْنِ قِيَامِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَوْقَ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ لِغَرَضِ التَّعْلِيمِ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ. وَالرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ: قَدْ تُوهِمُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي الرُّكُوعِ. وَرُبَّمَا يَقْوَى هَذَا بِاقْتِضَاءِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ ظَاهِرًا، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى تُبَيِّنُ أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ. وَالْمَصِيرُ إلَى الْأُولَى أَوْجَبُ. لِأَنَّهَا نَصٌّ. وَدَلَالَةُ الْفَاءِ عَلَى التَّعْقِيبِ ظَاهِرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ]
الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ. وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِالْوُجُوبِ، بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ. وَخَالَفَ الْأَكْثَرُونَ، فَقَالُوا بِالِاسْتِحْبَابِ. وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الظَّاهِرِ. فَأَوَّلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ، وَصِيغَةَ الْوُجُوبِ عَلَى
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّأْكِيدِ، كَمَا يُقَالُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ. وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمُعَارِضُ رَاجِحًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ. وَأَقْوَى مَا عَارَضُوا بِهِ حَدِيثُ " مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ. وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ " وَلَا يُقَاوِمُ سَنَدُهُ سَنَدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ سَنَدِهِ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَرُبَّمَا احْتَمَلَ أَيْضًا تَأْوِيلًا مُسْتَكْرَهًا بَعِيدًا، كَبُعْدِ تَأْوِيلِ لَفْظِ " الْوُجُوبِ " عَلَى التَّأْكِيدِ. وَأَمَّا غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمُعَارَضَاتِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْوُجُوبِ: فَلَا تَقْوَى دَلَالَتُهُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لِقُوَّةِ دَلَائِلِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى الْوُجُوبِ. فَحَمَلَهُ الْمُخَالِفُونَ - مِمَّنْ لَمْ يُمَارِسْ مَذْهَبَهُ - عَلَى ظَاهِرِهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَرْوِي الْوُجُوبَ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ بِالْمَجِيءِ إلَى الْجُمُعَةِ. وَالْمُرَادُ إرَادَةُ الْمَجِيءِ، وَقَصْدُ الشُّرُوعِ فِيهِ. وَقَالَ مَالِكٌ بِهِ. وَاشْتَرَطَ الِاتِّصَالَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالرَّوَاحِ، وَغَيْرُهُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ. وَلَقَدْ أَبْعَدَ الظَّاهِرِيُّ إبْعَادًا يَكَادُ يَكُونُ مَجْزُومًا بِبُطْلَانِهِ، حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ تَقَدُّمَ الْغُسْلِ عَلَى إقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، حَتَّى اغْتَسَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ كَفَى عِنْدَهُ، تَعَلُّقًا بِإِضَافَةِ الْغُسْلِ إلَى الْيَوْمِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ الْغُسْلَ لِإِزَالَةِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ. وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ. وَكَذَلِكَ أَقُولُ: لَوْ قَدَّمَهُ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. وَالْمَعْنَى إذَا كَانَ مَعْلُومًا كَالنَّصِّ قَطْعًا، أَوْ ظَنًّا مُقَارِبًا لِلْقَطْعِ: فَاتِّبَاعُهُ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ. وَقَدْ كُنَّا قَرَّرْنَا فِي مِثْلِ هَذَا قَاعِدَةً، وَهِيَ انْقِسَامُ الْأَحْكَامِ إلَى أَقْسَامٍ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا، وَتَفْصِيلُهُ يَحْتَمِلُ التَّعَبُّدَ. فَإِذَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فَهُوَ مَحِلُّ نَظَرٍ. وَمِمَّا يُبْطِلُ مَذْهَبَ الظَّاهِرِيِّ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي عُلِّقَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْإِتْيَانِ أَوْ الْمَجِيءِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْيَوْمِ لَا يَتَنَاوَلُ تَعْلِيقَهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ. فَهُوَ إذَا تَمَسَّكَ بِتِلْكَ أَبْطَلَ دَلَالَةَ هَذِهِ
стр. 275
١٣٦ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْأَحَادِيثَ عَلَى تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ. وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا بِتَعْلِيقِهِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَقَدْ عَمِلْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ.
[حَدِيثُ صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: هَلْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ حِينَئِذٍ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُ يَرْكَعُ، لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا هُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلِيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ". وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يَرْكَعُهُمَا، لِوُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِمَاعِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» قَالُوا: فَإِذَا مُنِعَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ - مَعَ كَوْنِهَا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ - فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ - مَعَ كَوْنِهِمَا مَسْنُونَتَيْنِ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ - أَوْلَى. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ اعْتِذَارَاتٍ، فِي بَعْضِهَا ضَعْفٌ. وَمِنْ مَشْهُورِهَا: أَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِهَذَا الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ - عَلَى مَا وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. وَإِنَّمَا خُصَّ بِذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارُوا إلَيْهِ - لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا. فَأُرِيدَ قِيَامُهُ لِتَسْتَشْرِفَهُ الْعُيُونُ وَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. وَرُبَّمَا يَتَأَيَّدُ هَذَا بِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِأَنْ يَقُومَ لِلرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ جُلُوسِهِ. وَقَدْ قَالُوا: إنَّ رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ التَّخْصِيصَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ: ثُمَّ يَبْعُدُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ مَعَ صِيغَةِ الْعُمُومِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا
стр. 276
١٣٧ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» .
١٣٨ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» فَهَذَا تَعْمِيمٌ يُزِيلَ تَوَهُّمَ الْخُصُوصِ بِهَذَا الرَّجُلِ. وَقَدْ تَأَوَّلُوا هَذَا الْعُمُومَ أَيْضًا بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ. وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الْعُذْرِ مَا وَرَدَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَكَتَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ " فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَانِعُ مِنْ عَدَمِ الرُّكُوعِ مُنْتَفِيًا. فَثَبَتَ الرُّكُوعُ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا تُرَدُّ الصِّيغَةُ الَّتِي فِيهَا الْعُمُومُ.
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ]
الْخُطْبَتَانِ وَاجِبَتَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ. فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِفِعْلِ الرَّسُولِ لَهُمَا مَعَ قَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ إقَامَةُ الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِلًا تَحْتَ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ. فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ اسْتِدْلَالُهُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَقَدْ قِيلَ بِرُكْنِيَّتِهِ. وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَمَنْ أَرَادَ تَصْحِيحَهُ فَعَلَيْهِ إبْرَازُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 277
١٣٩ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ]
يُقَالُ: لَغَا، يَلْغُو، وَلَغِيَ يَلْغَى، وَاللَّغْوُ وَاللَّغْيِ قِيلَ: هُوَ رَدِيءُ الْكَلَامِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَيْبَةِ أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى وُجُوبَهُ فِي حَقِّ الْأَرْبَعِينَ. وَفِيمَنْ عَدَاهُمْ قَوْلَانِ. هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَنَا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي إنْصَاتِ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إنْصَاتِهِ لِكَوْنِهِ عَلَّقَهُ. بِكَوْنِ الْإِمَامِ يَخْطُبُ. وَهَذَا عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَمَاعِهِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا قَدَّمْنَا - عَلَى عَدَمِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْصَاتِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَأَصْلُهُ الْوُجُوبُ. فَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ - مَعَ قِلَّةِ زَمَانِهِ، وَقِلَّةِ إشْغَالِهِ - فَلَأَنْ يَمْنَعَ الرَّكْعَتَيْنِ - مَعَ كَوْنِهِمَا سُنَّةٌ، وَطُولُ الِاشْتِغَالِ، وَطُولُ الزَّمَانِ بِهِمَا أَوْلَى. وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّبْكِيرُ إلَى الْجُمُعَةِ أَوْ التَّهْجِيرُ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ التَّبْكِيرَ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ التَّهْجِيرَ وَاسْتَدَلَّ لِلتَّبْكِيرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ،
стр. 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَحَمْلُ السَّاعَاتِ فِيهِ عَلَى الْأَجْزَاءِ الزَّمَانِيَّةِ، الَّتِي يَنْقَسِمُ النَّهَارُ فِيهَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا. وَاَلَّذِينَ اخْتَارُوا التَّهْجِيرَ يَحْتَاجُونَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُ. وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَدْ يُنَازَعُ فِي أَنَّ السَّاعَةَ حَقِيقَةٌ فِي هَذِهِ الْأَجْزَاءِ فِي وَضْعِ الْعَرَبِ، وَاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحِسَابٍ وَمُرَاجَعَةِ آلَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْعَرَبِ بِذَلِكَ، وَلَا أَحَالَ الشَّرْعُ عَلَى اعْتِبَارِ مِثْلِهِ حَوَالَةً لَا شَكَّ فِيهَا. وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ تَجَوَّزُوا فِي لَفْظِ " السَّاعَةِ " وَحَمَلُوهَا عَلَى الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا الْمَرَاتِبُ. وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ دَلِيلٍ مُؤَيِّدٍ لِلتَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ شَيْئًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اغْتَسَلَ، ثُمَّ رَاحَ» وَالرَّوَاحُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ. فَحَافَظُوا عَلَى حَقِيقَةِ " رَاحَ " وَتَجَوَّزُوا فِي لَفْظِ " السَّاعَةِ " إنْ ثَبَتَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْجُزْءِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا بِأَنَّ لَفْظَةَ " رَاحَ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مُجَرَّدُ السَّيْرِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، كَمَا أَوَّلَ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] عَلَى مُجَرَّدِ السَّيْرِ، لَا عَلَى الشَّدِّ وَالسُّرْعَةِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ. وَلَيْسَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِبَعِيدٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَالْمُهَجِّرُ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً» وَالتَّهْجِيرُ: إنَّمَا يَكُونُ فِي الْهَاجِرَةِ. وَمَنْ خَرَجَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا، أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَا يُقَالُ لَهُ مُهَجِّرٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُهَجِّرُ مَنْ هَجَرَ الْمَنْزِلَ وَتَرَكَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ وَهَذَا بَعِيدٌ
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَقْتَضِي الْحَدِيثُ: أَنَّهُ بَعْدَ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَتَطْوِي الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ لِاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ. وَخُرُوجُ الْإِمَامِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّادِسَةِ. وَهَذَا الْإِشْكَالُ إنَّمَا يَنْشَأُ إذَا جَعَلْنَا السَّاعَةَ هِيَ الزَّمَانِيَّةُ. أَمَّا إذَا جَعَلْنَا ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ تَرْتِيبِ مَنَازِلِ السَّابِقِينَ فَلَا يَلْزَمُ هَذَا الْإِشْكَالُ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: يَقْتَضِي أَنْ تَتَسَاوَى مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ. فَكُلُّ مَنْ أَتَى فِي الْأُولَى كَانَ كَالْمُقَرِّبِ بَدَنَةً. وَكُلُّ مَنْ أَتَى فِي الثَّانِيَةِ كَانَ كَمَنْ قَرَّبَ بَقَرَةً، مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ السَّابِقَ لَا يُسَاوِيهِ اللَّاحِقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ» وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّ التَّفَاوُتَ يَرْجِعُ إلَى الصِّفَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ: أَنَّا إذَا خَرَجْنَا عَلَى السَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ لَمْ يَبْقَ لَنَا مَرَدٌّ يَنْقَسِمُ فِيهِ الْحَالُ إلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ بَلْ يَقْتَضِي أَنْ يَتَفَاوَتَ الْفَضْلُ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ السَّبْقِ فِي الْإِتْيَانِ إلَى الْجُمُعَةِ. وَذَلِكَ يَتَأَتَّى مِنْهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. فَإِنْ تَبَيَّنَ بِدَلِيلِ أَنْ يَكُونَ لَنَا مَرَدٌّ لَا يَكُونُ فِيهِ هَذَا التَّفَاوُتُ الشَّدِيدُ وَالْكَثْرَةُ فِي الْعَدَدِ، فَقَدْ انْدَفَعَ هَذَا الْإِشْكَالُ. فَإِنْ قُلْتَ: الْمُرَادُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَقْتَ مِنْ التَّهْجِيرِ مُقَسَّمًا عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ. وَيَكُونُ ذَلِكَ مُرَادًا. قُلْتُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْسِيمِ السَّاعَاتِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَوْلَى، إذَا كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ الْحَوَالَةِ عَلَى أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْجُمْهُورِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَمْ تُعْرَفْ لِأَصْحَابِ هَذَا الْعِلْمِ، وَلَا اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى مَا اسْتَعْمَلَهُ الْجُمْهُورُ. وَإِنَّمَا يَنْدَفِعُ بِهَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ الَّذِي مَضَى، مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ لَيْسَ عَقِيبَ الْخَامِسَةِ، وَلَا حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ لِاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّهْجِيرَ أَفْضَلُ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْقِسْمَةِ. فَإِنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ، قَائِلٌ يَقُولُ: بِتَرْتِيبِ مَنَازِلِ السَّابِقِينَ عَلَى غَيْرِ تَقْسِيمِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ الْخَمْسَةِ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: تَنْقَسِمُ الْأَجْزَاءُ سِتَّةً إلَى الزَّوَالِ. فَالْقَوْلُ بِتَقْسِيمِ هَذَا الْوَقْتِ إلَى خَمْسَةٍ إلَى الزَّوَالِ: يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْكُلِّ. وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ فَلْيُكْتَفَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْضَةَ تُقَرَّبُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، وَكَالْمُهْدِي بَقَرَةً» - إلَى آخِرِهِ فَيَدُلُّ أَنَّ هَذَا التَّقْرِيبَ هُوَ الْهَدْيُ، وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا: أَنَّ اسْمَ " الْهَدْيِ " هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَى مِثْلِ هَذَا؟
стр. 280
١٤٠ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ﵁ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ. وَفِي لَفْظٍ كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ هَدْيًا هَلْ يَكْفِيهِ مِثْلُ هَذَا، أَمْ لَا؟ وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ لَفْظِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ لَفْظُ " الْهَدْيِ " مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهَذَا، وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ ذَكَرْنَاهُ هَهُنَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَفْظُ " الْبَدَنَةِ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرُهَا أَنَّهَا مُنْطَلِقَةٌ عَلَى الْإِبِلِ مَخْصُوصَةٌ بِهَا، لِأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِالْبَقَرِ وَبِالْكَبْشِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقِسْمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قَسِيمًا وَمُقَابِلًا لَهُ. وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ " الْبَدَنَةِ " يَنْطَلِقُ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَكِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْإِبِلِ أَغْلَبُ. نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا: مَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْإِبِلِ لَفْظًا وَلَا نِيَّةً، وَكَانَتْ الْإِبِلُ مَوْجُودَةً فَهَلْ تَتَعَيَّنُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ:
أَحَدُهُمَا: التَّعَيُّنُ لِأَنَّ لَفْظَ " الْبَدَنَةِ " مَخْصُوصَةٌ بِالْإِبِلِ، أَوْ غَالِبَةٌ فِيهِ. فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهَا بَقَرَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ، حَمْلًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ الشَّرْعِ مِنْ إقَامَتِهَا مَقَامَهَا. وَالْأَوَّلُ: أَقْرَبُ. وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْإِبِلُ، فَقِيلَ: يَصْبِرُ إلَى أَنْ تُوجَدَ، وَقِيلَ: يَقُومُ مَقَامَهَا الْبَقَرَةُ.
[حَدِيثُ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ]
وَقْتُ الْجُمُعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: جَوَازُهَا قَبْلَهُ، وَرُبَّمَا يُتَمَسَّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الزَّوَالِ الْخُطْبَتَانِ وَالصَّلَاةُ، مَعَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ» وَذَلِكَ يَقْتَضِي زَمَانًا يَمْتَدُّ فِيهِ الظِّلُّ، فَحَيْثُ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ مِنْهَا. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ يُسْتَظَلُّ بِهِ، فَرُبَّمَا اقْتَضَى ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ
стр. 281
١٤١ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاقِعَةً قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ خُطْبَتَاهَا، أَوْ بَعْضُهُمَا، وَاللَّفْظُ الثَّانِي هَذَا: يُبَيِّنُ أَنَّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ " وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ " لَا يَنْفِي أَصْلَ الظِّلِّ، بَلْ يَنْفِي ظِلًّا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ، وَلَمْ يُجْزَمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِالْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ دَائِمًا. وَإِنَّمَا كَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَا تُوُهِّمَ لَوْ كَانَ نَفَى أَصْلَ الظِّلِّ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحِسَابِ يَقُولُونَ: إنَّ عَرْضَ الْمَدِينَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، أَوْ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ. فَإِذًا غَايَةُ الِارْتِفَاعِ: تَكُونُ تِسْعَةً وَثَمَانِينَ. فَلَا تُسَامِتُ الشَّمْسُ الرُّءُوسَ. فَإِذَا لَمْ تُسَامِتْ الرُّءُوسَ لَمْ يَكُنْ ظِلُّ الْقَائِمِ تَحْتَهُ حَقِيقَةً، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظِلٍّ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: نَفْيَ أَصْلِ الظِّلِّ. وَالْمُرَادُ: ظِلٌّ يَكْفِي أَبْدَانَهُمْ لِلِاسْتِظْلَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ الصَّلَاةِ وَلَا شَيْءٍ مِنْ خُطْبَتَيْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَقَوْلُهُ " نُجَمِّعُ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ نُقِيمُ الْجُمُعَةَ. وَاسْمُ " الْفَيْءِ " قِيلَ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالظِّلِّ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مُطْلَقِ الظِّلِّ فَمَجَازٌ. لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ يَفِيءُ إذَا رَجَعَ، وَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
[حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّجْدَةَ]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، خَشْيَةَ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَخَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْكَرَاهَةَ بِصَلَاةِ السِّرِّ. فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ دَائِمًا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى الْجُهَّالَ إلَى اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: حَسْمُ مَادَّةِ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ
стр. 282
١٤٢ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا، فَيَأْبَاهُ الْحَدِيثُ. وَإِذَا انْتَهَى الْحَالُ إلَى أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي فِعْلَ ذَلِكَ دَائِمًا اقْتِضَاءً قَوِيًّا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَقَدْ يُتْرَكُ الْمُسْتَحَبُّ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ. وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الْجُهَّالِ، وَمَنْ يُخَافُ مِنْهُ وُقُوعُ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ.
[بَابُ الْعِيدَيْنِ]
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ مِنْ الشَّعَائِرِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا. وَقَدْ تَوَاتُرَ بِهَا النَّقْلُ الَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ. وَيُغْنِي عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ آحَادِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا. وَقَدْ كَانَ لِلْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ مُعَدَّانِ لِلَّعِبِ. فَأَبْدَلَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ، يَظْهَرُ فِيهِمَا تَكْبِيرُ اللَّهِ وَتَحْمِيدُهُ، وَتَمْجِيدُهُ وَتَوْحِيدُهُ، ظُهُورًا شَائِعًا يَغِيظُ الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: إنَّهُمَا يَقَعَانِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا. فَعِيدُ الْفِطْرِ: شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى إتْمَامِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَعِيدُ الْأَضْحَى: شُكْرًا عَلَى الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْعَشْرِ. وَأَعْظَمُهَا: إقَامَةُ وَظِيفَةِ الْحَجِّ. وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا: أَنَّ الصَّلَاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْخُطْبَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَنِي أُمَيَّةَ غَيَّرُوا ذَلِكَ. وَجَمِيعُ مَا لَهُ خُطَبٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَالصَّلَاةُ مُقَدَّمَةٌ فِيهِ، إلَّا الْجُمُعَةَ وَخُطْبَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ
стр. 283
١٤٣ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي. فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَذَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَرْضُ عَيْنٍ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بَعْدَ انْتِشَارِهِمْ فِي أَشْغَالِهِمْ، وَتَصَرُّفَاتِهِمْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا: فَقُدِّمَتْ الْخُطْبَةُ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَلَاحَقَ النَّاسُ، وَلَا يَفُوتُهُمْ الْفَرْضُ. لَا سِيَّمَا فَرْضٌ لَا يُقْضَى عَلَى وَجْهِهِ. وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ.
الثَّانِي: أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ حَقِيقَةً. وَإِنَّمَا قُصِرَتْ بِشَرَائِطَ، مِنْهَا الْخُطْبَتَانِ. وَالشَّرَائِطُ لَا تَتَأَخَّرُ، وَتَتَعَذَّرُ مُقَارَنَةُ هَذَا الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ، فَلَزِمَ تَقْدِيمُهُ. وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، إذْ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ بِشَرْطٍ، حَتَّى يَلْزَمَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ الشَّرْطِ.
[حَدِيثُ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ]
" الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، أَبُو عِمَارَةَ - وَيُقَالُ: أَبُو عُمَرَ - أَنْصَارِيٌّ. أَوْسِيٌّ. نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ.
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ اسْمُهُ هَانِئُ بْنُ نِيَارٍ، وَقِيلَ هَانِئُ بْنُ عَمْرٍو. وَقِيلَ: الْحَارِثُ بْنُ عُمَرَ. وَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مِنْ بَلِيٍّ. وَيَنْسُبُونَهُ: هَانِئُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نِيَارٍ. كَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.
وَالْحَدِيثُ: دَلِيلٌ عَلَى الْخُطْبَةِ لِعِيدِ الْأَضْحَى. وَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. " وَالنُّسُكُ " هُنَا يُرَادُ بِهِ: الذَّبِيحَةُ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا كَثِيرًا. وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ، هُوَ الدِّمَاءُ الْمُرَاقَةُ فِي الْحَجِّ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْعِبَادَاتِ. وَمِنْهُ يُقَالُ: فُلَانٌ نَاسِكٌ، أَيْ مُتَعَبِّدٌ. وَقَوْلُهُ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا» أَيْ مِثْلَ صَلَاتِنَا، وَمِثْلَ نُسُكِنَا. وَقَوْلُهُ " فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ " مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَقَدْ أَصَابَ مَشْرُوعِيَّةَ النُّسُكِ، أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ " مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ " يَقْتَضِي أَنَّ مَا ذُبِحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا يَقَعُ مُجْزِيًا عَنْ الْأُضْحِيَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ اللَّفْظِ: أَنَّ الْمُرَادَ قَبْلَ فِعْلِ الصَّلَاةِ. فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ " الصَّلَاةِ " وَإِرَادَةَ وَقْتِهَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: اعْتِبَارُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ الْخُطْبَتَيْنِ. فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ دَخَلَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ. وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ: اعْتِبَارُ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ الظَّاهِرُ. [وَلَعَلَّ مَنْشَأَ النَّظَرِ فِي هَذَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هَلْ يُرَادُ بِهَا تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ؟ . فَإِذَا أُرِيدَ بِهَا تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ جَازَ مَا قَالَهُ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ. وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا تَعْرِيفُ الْعَهْدِ: انْصَرَفَ إلَى صَلَاةِ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّ مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ مِقْدَارِ وَقْتِهَا] .
وَالْحَدِيثُ نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِاعْتِبَارِ الْخُطْبَتَيْنِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَتَانِ مَقْصُودَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ اعْتَبَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» دَلَالَةٌ عَلَى إبْطَالِ كَوْنِهَا نُسُكًا. وَفِيهِ
стр. 285
١٤٤ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ. ثُمَّ خَطَبَ. ثُمَّ ذَبَحَ وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
دَلِيلٌ أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ: لَمْ يُعْذَرْ فِيهَا بِالْجَهْلِ. وَقَدْ فَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَعَذَرُوا فِي الْمَنْهِيَّاتِ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ: إقَامَةُ مَصَالِحِهَا. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِفِعْلِهَا. وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا، امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالِانْكِفَافِ عَنْهَا. وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لِارْتِكَابِهَا، وَمَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ لَمْ يَقْصِدْ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ: فَعُذِرَ بِالْجَهْلِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ «وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» الَّذِي اُخْتِيرَ فِيهِ فَتْحُ التَّاءِ، بِمَعْنَى تَقْضِي يُقَالُ: جَزَى عَنِّي كَذَا: أَيْ قَضَى. وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَمْ يَقَعْ نُسُكًا، فَاَلَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَنْهُ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَائِهَا فِي هَذَا الْحُكْمِ عَمَّا سَبَقَ ذَبْحُهُ، فَامْتَنَعَ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
[حَدِيثُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ]
" جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ بَجَلِيٌّ، مِنْ بَجِيلَةَ عَلَقِيٌّ. وَهُوَ حَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ، يُقَالُ فِيهِ: جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ، مُتَّفَقٌ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ؛ يُقَالُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ: فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَدْخَلُ فِي الظُّهُورِ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْأَوَّلِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَوَّلَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِ " الصَّلَاةِ "
(وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى
следующие страницы →