← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٤١ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَاقِعَةً قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ خُطْبَتَاهَا، أَوْ بَعْضُهُمَا، وَاللَّفْظُ الثَّانِي هَذَا: يُبَيِّنُ أَنَّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ " وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ " لَا يَنْفِي أَصْلَ الظِّلِّ، بَلْ يَنْفِي ظِلًّا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ، وَلَمْ يُجْزَمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِالْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ دَائِمًا. وَإِنَّمَا كَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَا تُوُهِّمَ لَوْ كَانَ نَفَى أَصْلَ الظِّلِّ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحِسَابِ يَقُولُونَ: إنَّ عَرْضَ الْمَدِينَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، أَوْ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ. فَإِذًا غَايَةُ الِارْتِفَاعِ: تَكُونُ تِسْعَةً وَثَمَانِينَ. فَلَا تُسَامِتُ الشَّمْسُ الرُّءُوسَ. فَإِذَا لَمْ تُسَامِتْ الرُّءُوسَ لَمْ يَكُنْ ظِلُّ الْقَائِمِ تَحْتَهُ حَقِيقَةً، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظِلٍّ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: نَفْيَ أَصْلِ الظِّلِّ. وَالْمُرَادُ: ظِلٌّ يَكْفِي أَبْدَانَهُمْ لِلِاسْتِظْلَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ الصَّلَاةِ وَلَا شَيْءٍ مِنْ خُطْبَتَيْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَقَوْلُهُ " نُجَمِّعُ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ نُقِيمُ الْجُمُعَةَ. وَاسْمُ " الْفَيْءِ " قِيلَ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالظِّلِّ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مُطْلَقِ الظِّلِّ فَمَجَازٌ. لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ يَفِيءُ إذَا رَجَعَ، وَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ الزَّوَالِ. [حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّجْدَةَ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ. وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، خَشْيَةَ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. وَخَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْكَرَاهَةَ بِصَلَاةِ السِّرِّ. فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ دَائِمًا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى الْجُهَّالَ إلَى اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَمِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: حَسْمُ مَادَّةِ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ

стр. 282

١٤٢ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا، فَيَأْبَاهُ الْحَدِيثُ. وَإِذَا انْتَهَى الْحَالُ إلَى أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي فِعْلَ ذَلِكَ دَائِمًا اقْتِضَاءً قَوِيًّا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَقَدْ يُتْرَكُ الْمُسْتَحَبُّ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ. وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الْجُهَّالِ، وَمَنْ يُخَافُ مِنْهُ وُقُوعُ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ. [بَابُ الْعِيدَيْنِ] لَا خِلَافَ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ مِنْ الشَّعَائِرِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا. وَقَدْ تَوَاتُرَ بِهَا النَّقْلُ الَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ. وَيُغْنِي عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ آحَادِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا. وَقَدْ كَانَ لِلْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ مُعَدَّانِ لِلَّعِبِ. فَأَبْدَلَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ، يَظْهَرُ فِيهِمَا تَكْبِيرُ اللَّهِ وَتَحْمِيدُهُ، وَتَمْجِيدُهُ وَتَوْحِيدُهُ، ظُهُورًا شَائِعًا يَغِيظُ الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: إنَّهُمَا يَقَعَانِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا. فَعِيدُ الْفِطْرِ: شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى إتْمَامِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَعِيدُ الْأَضْحَى: شُكْرًا عَلَى الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْعَشْرِ. وَأَعْظَمُهَا: إقَامَةُ وَظِيفَةِ الْحَجِّ. وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا: أَنَّ الصَّلَاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْخُطْبَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَنِي أُمَيَّةَ غَيَّرُوا ذَلِكَ. وَجَمِيعُ مَا لَهُ خُطَبٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَالصَّلَاةُ مُقَدَّمَةٌ فِيهِ، إلَّا الْجُمُعَةَ وَخُطْبَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ

стр. 283

١٤٣ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي. فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَذَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَرْضُ عَيْنٍ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بَعْدَ انْتِشَارِهِمْ فِي أَشْغَالِهِمْ، وَتَصَرُّفَاتِهِمْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا: فَقُدِّمَتْ الْخُطْبَةُ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَلَاحَقَ النَّاسُ، وَلَا يَفُوتُهُمْ الْفَرْضُ. لَا سِيَّمَا فَرْضٌ لَا يُقْضَى عَلَى وَجْهِهِ. وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ. الثَّانِي: أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ حَقِيقَةً. وَإِنَّمَا قُصِرَتْ بِشَرَائِطَ، مِنْهَا الْخُطْبَتَانِ. وَالشَّرَائِطُ لَا تَتَأَخَّرُ، وَتَتَعَذَّرُ مُقَارَنَةُ هَذَا الشَّرْطِ لِلْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ، فَلَزِمَ تَقْدِيمُهُ. وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، إذْ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ بِشَرْطٍ، حَتَّى يَلْزَمَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ الشَّرْطِ. [حَدِيثُ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ] " الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، أَبُو عِمَارَةَ - وَيُقَالُ: أَبُو عُمَرَ - أَنْصَارِيٌّ. أَوْسِيٌّ. نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ.

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ اسْمُهُ هَانِئُ بْنُ نِيَارٍ، وَقِيلَ هَانِئُ بْنُ عَمْرٍو. وَقِيلَ: الْحَارِثُ بْنُ عُمَرَ. وَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مِنْ بَلِيٍّ. وَيَنْسُبُونَهُ: هَانِئُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نِيَارٍ. كَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَالْحَدِيثُ: دَلِيلٌ عَلَى الْخُطْبَةِ لِعِيدِ الْأَضْحَى. وَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. " وَالنُّسُكُ " هُنَا يُرَادُ بِهِ: الذَّبِيحَةُ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا كَثِيرًا. وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ، هُوَ الدِّمَاءُ الْمُرَاقَةُ فِي الْحَجِّ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْعِبَادَاتِ. وَمِنْهُ يُقَالُ: فُلَانٌ نَاسِكٌ، أَيْ مُتَعَبِّدٌ. وَقَوْلُهُ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا» أَيْ مِثْلَ صَلَاتِنَا، وَمِثْلَ نُسُكِنَا. وَقَوْلُهُ " فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ " مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَقَدْ أَصَابَ مَشْرُوعِيَّةَ النُّسُكِ، أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ " مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا نُسُكَ لَهُ " يَقْتَضِي أَنَّ مَا ذُبِحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا يَقَعُ مُجْزِيًا عَنْ الْأُضْحِيَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ اللَّفْظِ: أَنَّ الْمُرَادَ قَبْلَ فِعْلِ الصَّلَاةِ. فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ " الصَّلَاةِ " وَإِرَادَةَ وَقْتِهَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: اعْتِبَارُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ الْخُطْبَتَيْنِ. فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ دَخَلَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ. وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ: اعْتِبَارُ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ الظَّاهِرُ. [وَلَعَلَّ مَنْشَأَ النَّظَرِ فِي هَذَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هَلْ يُرَادُ بِهَا تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ؟ . فَإِذَا أُرِيدَ بِهَا تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ جَازَ مَا قَالَهُ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ. وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا تَعْرِيفُ الْعَهْدِ: انْصَرَفَ إلَى صَلَاةِ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّ مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ مِقْدَارِ وَقْتِهَا] . وَالْحَدِيثُ نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِاعْتِبَارِ الْخُطْبَتَيْنِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَتَانِ مَقْصُودَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ اعْتَبَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» دَلَالَةٌ عَلَى إبْطَالِ كَوْنِهَا نُسُكًا. وَفِيهِ

стр. 285

١٤٤ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ. ثُمَّ خَطَبَ. ثُمَّ ذَبَحَ وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ دَلِيلٌ أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ: لَمْ يُعْذَرْ فِيهَا بِالْجَهْلِ. وَقَدْ فَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَعَذَرُوا فِي الْمَنْهِيَّاتِ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ: إقَامَةُ مَصَالِحِهَا. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِفِعْلِهَا. وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا، امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالِانْكِفَافِ عَنْهَا. وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لِارْتِكَابِهَا، وَمَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ لَمْ يَقْصِدْ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ: فَعُذِرَ بِالْجَهْلِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ «وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» الَّذِي اُخْتِيرَ فِيهِ فَتْحُ التَّاءِ، بِمَعْنَى تَقْضِي يُقَالُ: جَزَى عَنِّي كَذَا: أَيْ قَضَى. وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَمْ يَقَعْ نُسُكًا، فَاَلَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَنْهُ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَائِهَا فِي هَذَا الْحُكْمِ عَمَّا سَبَقَ ذَبْحُهُ، فَامْتَنَعَ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. [حَدِيثُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ] " جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ بَجَلِيٌّ، مِنْ بَجِيلَةَ عَلَقِيٌّ. وَهُوَ حَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ، يُقَالُ فِيهِ: جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ، مُتَّفَقٌ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِهِ؛ يُقَالُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ: فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَدْخَلُ فِي الظُّهُورِ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْأَوَّلِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَوَّلَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِ " الصَّلَاةِ " (وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى

стр. 286

١٤٥ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ «قَالَ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ. فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لِأَنَّكُنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَعَيَّنُ وَقْتُهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا لَمْ يُعَلَّقْ فِيهِ الْحُكْمُ بِلَفْظٍ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، حَتَّى يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ الْبَحْثُ) إلَّا أَنَّهُ إنْ جَرَيْنَا عَلَى ظَاهِرِهِ: اقْتَضَى أَنَّهُ لَا تَجْزِي الْأُضْحِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَصْلًا. فَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الْخُرُوجُ عَنْ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيَبْقَى مَا عَدَاهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ الظَّاهِرِ فِي مَحِلِّ الْبَحْثِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ ﵇ " فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى " إحْدَى طَائِفَتَيْنِ: إمَّا مَنْ يَرَى الْأُضْحِيَّةَ وَاجِبَةً. وَإِمَّا مَنْ يَرَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ لَفْظٍ فِي التَّعْيِينِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُعَيَّنَ لِلْأُضْحِيَّةِ مِنْ صِيغَةِ النَّذْرِ أَوْ غَيْرِهَا: قَلِيلٌ نَادِرٌ، وَصِيغَةُ " مَنْ " فِي قَوْلِهِ «مَنْ ذَبَحَ» صِيغَةُ عُمُومٍ وَاسْتِغْرَاقٍ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ. فَقَدْ ذُكِرَتْ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ وَتَمْهِيدِ أَصْلٍ، وَتَنْزِيلُ صِيَغِ الْعُمُومِ الَّتِي تَرِدُ لِتَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ أَمْرٌ مُسْتَكْرَهٌ، عَلَى مَا قُرِّرَ مِنْ قَوَاعِدِ التَّأْوِيلِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَهُوَ اسْتِبْعَادُ حَمْلِهِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ - يَبْقَى التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَنْ سَبَقَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ بِغَيْرِ اللَّفْظِ، أَوْ حَمْلُهُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَعْيِينٍ.

стр. 287

تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ] أَمَّا الْبُدَاءَةُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا عَدَمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ سَبَبَهُ تَخْصِيصُ الْفَرَائِضِ بِالْأَذَانِ تَمْيِيزًا لَهَا بِذَلِكَ عَنْ النَّوَافِلِ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهَا. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهَا لَوَجَبَتْ الْإِجَابَةُ. وَذَلِكَ مُنَافٍ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا. فَهَذَا حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يَرَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ الَّتِي ذَكَرَهَا الرَّاوِي - مِنْ الْأَمْرِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَاعَتِهِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ -: هِيَ مَقَاصِدُ الْخُطْبَةِ. وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ الْوَاجِبَةِ: الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبَعْضُهُمْ: جَعَلَ الْوَاجِبَ: مَا يُسَمَّى خُطْبَةً عِنْدَ الْعَرَبِ. وَمَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ فِي الْخُطْبَةِ الْوَاجِبَةِ تَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّةُ فِي الْخُطْبَةِ الْمَسْنُونَةِ. وَقَوْلُهُ ﵇ «تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ الدَّوَافِعِ لِلْعَذَابِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْإِغْلَاظِ فِي النُّصْحِ بِمَا لَعَلَّهُ يَبْعَثُ عَلَى إزَالَةِ الْعَيْبِ، أَوْ الذَّنْبِ اللَّذَيْنِ يَتَّصِفُ بِهِمَا الْإِنْسَانُ. وَفِيهِ أَيْضًا: الْعِنَايَةُ بِذِكْرِ مَا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ. وَفِيهِ بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا. وَقَوْلُهُ «فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ» فِيهِ لَهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْأُدَبَاءِ مِنْ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: إنَّهُ تَغْيِيرٌ، أَيْ تَصْحِيفٌ مِنْ الرَّاوِي كَأَنَّ الْأَصْلَ: مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ، فَاخْتَلَطَتْ الْفَاءُ بِاللَّامِ. فَصَارَتْ طَاءً، وَيُؤَيِّدُ هَذَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالنَّسَائِيَّ «مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَيْرِ عَلِيَّةِ النِّسَاءِ» . الْوَجْهُ الثَّانِي: تَقْرِيرُ اللَّفْظِ عَلَى الصِّحَّةِ. وَهُوَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ أَصْلُهَا مِنْ

стр. 288

١٤٦ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ - قَالَتْ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ وَفِي لَفْظٍ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى تَخْرُجَ الْحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْوَسَطِ الَّذِي هُوَ الْخِيَارُ. وَبِهَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَلِيَّةِ النِّسَاءِ وَخِيَارِهِنَّ. وَعَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ «مِنْ وَاسِطَةِ النِّسَاءِ» وَقَوْلُهُ «سَعْفَاءُ الْخَدَّيْنِ» الْأَسْفَعُ وَالسَّعْفَاءُ: مَنْ أَصَابَ خَدَّهُ لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَهُ الْأَصْلِيَّ، مِنْ سَوَادٍ أَوْ خَضِرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَتَعْلِيلُهُ ﷺ بِالشَّكَاةِ وَكُفْرَانِ الْعَشِيرِ: دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ. لِأَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِدُخُولِ النَّارِ. وَهَذَا السَّبَبُ فِي الشِّكَايَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجِ وَجَحْدِ حَقِّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ مِنْ عَدَمِ شُكْرِهِ، وَالِاسْتِكَانَةِ لِقَضَائِهِ: وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ هَذَا ذَنْبُهُ. فَكَيْفَ بِمَنْ لَهُ مِنْهُنَّ ذُنُوبٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْقَذْفِ؟ وَأَخَذَ الصُّوفِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: الطَّلَبَ لِلْفُقَرَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ. وَهَذَا حَسَنٌ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَفِي مُبَادَرَةِ النِّسَاءِ لِذَلِكَ، وَالْبَذْلِ لِمَا لَعَلَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إلَيْهِ - مَعَ ضِيقِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ - مَا يَدُلُّ عَلَى رَفِيعِ مَقَامِهِنَّ فِي الدِّينِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ تَصَدُّقِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَمَنْ أَجَازَ التَّصَدُّقَ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى هَذَا يُقَرِّرُ بِهِ الْعُمُومَ فِي جَوَازِ الصَّدَقَةِ. وَكَذَا مَنْ خَصَّصَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ. [حَدِيثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ] " نُسَيْبَةُ " بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ آخَرَ الْحُرُوفِ،

стр. 289

١٤٧ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثُمَّ بَاءٌ ثَانِيَ الْحُرُوفِ. وَقِيلَ: نُبَيْشَةُ - بِنُونٍ وَبَاءٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهَا فَقِيلَ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ. وَقِيلَ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، قَالَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، يَعْنِي فِي كَوْنِ اسْمِهَا: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ وَ " الْعَوَاتِقُ " جَمْعُ عَاتِقٍ. قِيلَ: الْجَارِيَةُ حِينَ تُدْرِكُ. وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ: بَيَانُ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَإِظْهَارُ الشِّعَارِ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي حَيِّزِ الْقِلَّةِ فَاحْتِيجَ إلَى الْمُبَالَغَةِ بِإِخْرَاجِ الْعَوَاتِقِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبُرُوزَ إلَى الْمُصَلَّى هُوَ سُنَّةُ الْعِيدِ. وَاعْتِزَالُ الْحُيَّضِ لَيْسَ بِتَحْرِيمِ حُضُورِهِنَّ فِيهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا. بَلْ إمَّا مُبَالَغَةً فِي التَّنْزِيهِ لِمَحِلِّ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ، أَوْ لِكَرَاهَةِ جُلُوسِ مَنْ لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي حَالِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، كَمَا جَاءَ " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْت بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ ". وَقَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ " يُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ خُرُوجِهِنَّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَالْفُقَهَاءُ - أَوْ بَعْضُهُمْ - يَسْتَثْنِي خُرُوجَ الشَّابَّةِ الَّتِي يُخَافُ مِنْ خُرُوجِهَا الْفِتْنَةُ. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] [حَدِيثُ خَسَفَتْ الشَّمْس عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهَا " خَسَفَتْ الشَّمْسُ " يُقَالُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالسِّينِ. وَيُقَالُ:

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ خُسِفَتْ، عَلَى صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فَقِيلَ: الْخُسُوفُ لِلشَّمْسِ. وَالْكُسُوفُ لِلْقَمَرِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْخُسُوفَ عَلَى الْقَمَرِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَحَادِيثِ. فَأُطْلِقَ فِيهِمَا الْخُسُوفُ وَالْكُسُوفُ مَعًا فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ ذَهَابُ النُّورِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْخُسُوفُ: التَّغَيُّرُ، أَعْنِي تَغَيُّرَ اللَّوْنِ. الثَّانِي: صَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. أَعْنِي كُسُوفَ الشَّمْسِ. دَلِيلُهُ فِعْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهَا. وَجَمْعُهُ النَّاسَ، مُظْهِرًا لِذَلِكَ. وَهَذِهِ أَمَارَاتُ الِاعْتِنَاءِ وَالتَّأْكِيدِ. وَأَمَّا كُسُوفُ الْقَمَرِ: فَتَرَدَّدَ فِيهَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُلْحِقْهَا بِكُسُوفِ الشَّمْسِ فِي قَوْلٍ. الثَّالِثُ: لَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ اتِّفَاقًا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُنَادَى لَهَا " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " وَهِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ. الرَّابِعُ: سُنَّتُهَا الِاجْتِمَاعُ. لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي كَيْفِيَّتِهَا: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ. فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ، وَرُكُوعَانِ وَسُجُودَانِ. وَقَدْ صَحَّ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: إنَّ ذَلِكَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ. وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: بِأَنَّهَا رَكْعَتَانِ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ لِيَخْتَبِرَ حَالَ الشَّمْسِ. هَلْ انْجَلَتْ أَمْ لَا؟ فَلَمَّا لَمْ يَرَهَا انْجَلَتْ رَكَعَ. وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ ضَعْفٌ، إذَا قُلْنَا: إنَّ سُنَّتَهَا رَكْعَتَانِ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَإِنْ رَأَى الشَّمْسَ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْتَبِرُ أَمْرَ الشَّمْسِ. فَإِنْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ. وَيَزِيدُ الرُّكُوعَ هَكَذَا، مَا لَمْ تَنْجَلِ. فَإِذَا انْجَلَتْ سَجَدَ. وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْعِلْمَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، ثَلَاثٌ، وَأَرْبَعٌ، وَخَمْسٌ. وَهَذَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: أَقْرَبُ مِنْ

стр. 291

١٤٨ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَأْوِيلِ الْمُتَقَدِّمِينَ. لِأَنَّهُ يَجْعَلُ سُنَّةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْفِعْلُ مُبَيِّنًا لِسُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَوَّلِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُخَرِّجُوا فِعْلَ الرَّسُولِ ﷺ . فِي الْعِبَادَاتِ عَنْ الْمَشْرُوعِيَّةِ، مَعَ مُخَالِفَتِهِمْ لِلْقِيَاسِ فِي زِيَادَةِ مَا لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظُ " الرَّكَعَاتِ " عَلَى الرُّكُوعِ. . [حَدِيثُ الشَّمْس وَالْقَمَر آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ] فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى اعْتِقَادِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تُكْسَفَانِ لِمَوْتِ الْعُظَمَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ ﵇ «يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ» إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي الْخَوْفُ عِنْدَ وُقُوعِ التَّغَيُّرَاتِ الْعُلْوِيَّةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْحِسَابِ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَسْبَابًا عَادِيَّةً. وَرُبَّمَا يَعْتَقِدُ مُعْتَقِدٌ أَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ ﵇ " يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ " وَهَذَا الِاعْتِقَادُ فَاسِدٌ. لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْعَالًا عَلَى حَسَبِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ، وَأَفْعَالًا خَارِجَةً عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ. فَإِنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ وَمُسَبَّبٍ، فَيَقْطَعُ مَا شَاءَ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَصْحَابُ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِأَفْعَالِهِ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَبْصَارَ قُلُوبِهِمْ بِوَحْدَانِيِّتِهِ، وَعُمُومِ قُدْرَتِهِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَاقْتِطَاعِ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا إذَا وَقَعَ شَيْءٌ غَرِيبٌ. حَدَثَ عِنْدَهُمْ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ اعْتِقَادِهِمْ فِي فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا شَاءَ. وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ أَسْبَابٌ تَجْرِي عَلَيْهَا الْعَادَةُ إلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 292

١٤٩ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا ـــــــــــــــــــــــــــــ خَرْقَهَا. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ عِنْدَ اشْتِدَادِ هُبُوبِ الرِّيحِ " يَتَغَيَّرُ، وَيَدْخُلُ، وَيَخْرُجُ " خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ كَرِيحِ عَادٍ، وَإِنْ كَانَ هُبُوبُ الرِّيحِ مَوْجُودًا فِي الْعَادَةِ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْكَلَامِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحِسَابِ مِنْ سَبَبِ الْكُسُوفِ: لَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مَخُوفًا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْكَلَامَ، لِأَنَّ الْكُسُوفَ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ. فَقِيلَ: إنَّهَا إنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ. فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرُوا: أَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ تَنْجَلِ الشَّمْسُ: إنَّهَا لَا تُعَادُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ، لَا بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ. وَمُطْلَقُ الصَّلَاةِ سَائِغٌ إلَى حِينِ الِانْجِلَاءِ. الثَّانِي: لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الصَّلَاةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ: لَكَانَ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ هَذِهِ الْغَايَةَ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ - أَعْنِي الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ - وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمَا. غَايَةً لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ: أَنْ تَكُونَ غَايَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ. فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الِانْجِلَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونُ غَايَةً لِلْمَجْمُوعِ.

стр. 293

اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا. وَفِي لَفْظٍ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ] أَحَدُهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ " الْخُسُوفِ " بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّمْسِ، وَإِقَامَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. الثَّانِي: قَوْلُهَا " فَأَطَالَ الْقِيَامَ " لَمْ نَجِدْ فِيهِ حَدًّا. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِحَدِيثٍ آخَرَ وَرَدَ فِيهِ. وَقَوْلُهَا " فَأَطَالَ الرُّكُوعَ " لَمْ نَجِدْ فِيهِ حَدًّا. وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ آيَةٍ. وَاخْتَارَ غَيْرُهُمْ عَدَمَ التَّحْدِيدِ إلَّا بِمَا لَا يَضُرُّ بِمَنْ خَلْفَهُ. وَقَوْلُهَا " ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ " يَقْتَضِي أَنَّ سُنَّةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ: تَقْصِيرُ الْقِيَامِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ. وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ: أَنَّ النَّشَاطَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَرَ. فَيُنَاسِبُ التَّخْفِيفَ فِي الثَّانِيَةِ، حِذْرًا مِنْ الْمَلَالِ. وَالْفُقَهَاءُ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي هَذَا الْقِيَامِ الثَّانِي - أَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ - وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهِ، إلَّا بَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ. كَأَنَّهُ رَآهَا رَكْعَةً وَاحِدَةً، زِيدَ فِيهَا رُكُوعٌ. وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُثَنَّى الْفَاتِحَةُ فِيهَا. وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْحَدِيثِ، عَلَى مَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ " يَقْتَضِي طُولَ السُّجُودِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ السُّجُودَ فِيهَا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يُطِيلُ السُّجُودَ، كَمَا يُطِيلُ الرُّكُوعَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَلَا نُقِلَ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ. وَلَوْ كَانَ قَدْ أَطَالَ لَنُقِلَ، كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ. قُلْنَا: بَلْ نُقِلَ ذَلِكَ فِي أَخْبَارٍ: مِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ هَذَا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهَا: أَنَّهَا قَالَتْ " مَا سَجَدَ سُجُودًا أَطْوَلَ مِنْهُ " وَكَذَلِكَ نُقِلَ تَطْوِيلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. الرَّابِعُ قَوْلُهَا: " ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَمَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى " وَقَدْ حَكَتْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْقِيَامَ الثَّانِي دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ. وَأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِي دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. وَمُقْتَضَى هَذَا التَّشْبِيهِ: أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ الثَّانِي دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِي دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. وَلَكِنْ هَلْ يُرَادُ بِالْقِيَامِ الْأَوَّلِ: الْأَوَّلُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوْ الْأَوَّلُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؟ وَكَذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ إذَا قُلْنَا: دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، هَلْ يُرَادُ بِهِ: الْأَوَّلُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوْ الْأَوَّلُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؟ تَكَلَّمُوا فِيهِ. وَقَدْ رَجَحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ الْأَوَّلِ. الْأَوَّلُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ: الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِيَةِ أَيْضًا. فَيَكُونُ كُلُّ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ دُونَ الَّذِي يَلِيه. الْخَامِسُ: قَوْلُهَا " فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ " ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ خُطْبَةً. وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِ مَالِكٍ: وَلَا خُطْبَةَ، وَلَكِنْ يَسْتَقْبِلُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ. وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ الْحَدِيثِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِمَا تُبْتَدَأُ " بِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي ذُكِرَ مِنْ الْعُذْرِ عَنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الظَّاهِرِ: ضَعِيفٌ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا كَانَ الْإِخْبَارُ " أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ " لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَوْتِ إبْرَاهِيمَ. وَالْإِخْبَارِ بِمَا رَآهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَذَلِكَ يَخُصُّهُ. وَإِنَّمَا اسْتَضْعَفْنَاهُ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَنْحَصِرُ مَقَاصِدُهَا فِي شَيْءٍ

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُعَيَّنٍ، بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا، مِنْ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ. وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ دَاخِلًا فِي مَقَاصِدِهَا، مِثْلُ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَوْنِهِمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. بَلْ هُوَ كَذَلِكَ جَزْمًا. [وَقْت صَلَاةِ الْكُسُوفِ] ١ السَّادِسُ: قَوْلُهُ «فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ. قِيلَ: هُوَ مَا بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، أَوْ أَصْحَابِهِ. وَقِيلَ: إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَهُوَ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا. وَقِيلَ: جَمِيعُ النَّهَارِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ إذَا رَأَى ذَلِكَ. وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ، لِاسْتِدْفَاعِ الْبَلَاءِ الْمَحْذُورِ. . [الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ سِمَاتِ الْحَدِّ] ١ السَّابِعُ: قَوْلُهُ «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ سِمَاتِ الْحَدِّ وَمُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: إمَّا سَاكِتٌ عَنْ التَّأْوِيلِ، وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ، عَلَى أَنْ يُرَادَ شِدَّةُ الْمَنْعِ وَالْحِمَايَةِ مِنْ الشَّيْءِ. لِأَنَّ الْغَائِرَ عَلَى الشَّيْءِ مَانِعٌ لَهُ، وَحَامٍ مِنْهُ. فَالْمَنْعُ وَالْحِمَايَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ. فَأَطْلَقَ لَفْظَ " الْغَيْرَةِ " عَلَيْهِمَا مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ السَّائِغَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَالْأَمْرُ فِي التَّأْوِيلِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا: قَرِيبٌ عِنْدَ مَنْ يُسَلِّمُ التَّنْزِيهَ. فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَعْنِي الْجَوَازَ وَعَدَمَهُ. وَيُؤْخَذُ كَمَا تُؤْخَذُ سَائِرُ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - أَعْنِي الْمَنْعَ مِنْ التَّأْوِيلِ - ثُبُوتًا قَطْعِيًّا. فَخَصْمُهُ يُقَابِلُهُ حِينَئِذٍ بِالْمَنْعِ الصَّرِيحِ. وَقَدْ يَتَعَدَّى بَعْضُ خُصُومِهِ إلَى التَّكْذِيبِ الْقَبِيحِ. [التَّخْوِيف فِي الْمَوْعِظَةِ] الثَّامِنُ: قَوْلُهُ «وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ» إلَى آخِرِهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ مُقْتَضَى الْخَوْفِ، وَتَرْجِيحِ التَّخْوِيفِ فِي الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْإِشَاعَةِ بِالرُّخَصِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى تَسَامُحِ النُّفُوسِ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْلَادِ إلَى الشَّهَوَاتِ. وَذَلِكَ مَرَضٌ خَطَرٌ. وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ: يُقَابِلُ الْعِلَّةَ بِضِدِّهَا، لَا بِمَا يَزِيدُهَا. ١ - التَّاسِعُ: قَوْلُهُ فِي لَفْظٍ «فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» أَطْلَقَ " الرَّكَعَاتِ " عَلَى عَدَدِ الرُّكُوعِ. وَجَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ " فِي رَكْعَتَيْنِ " وَهَذَا الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ: أَنَّهُ مُتَمَسَّكُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الصَّلَاةِ " رَكْعَتَيْنِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 296

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَامَ فَزِعًا، وَيَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ : لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَزِعًا] اسْتَعْمَلَ " الْخُسُوفَ " فِي الشَّمْسِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ " فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ " فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ لِفِعْلِ اللَّهِ، وَتَجْرِيدِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَةِ عَنْ تَأْثِيرِهَا لِمُسَبِّبَاتِهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِخْبَارِ بِمَا يُوجِبُ الظَّنَّ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ، حَيْثُ قَالَ " فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ " مَعَ أَنَّ الْفَزَعَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، كَمَا خَشِيَ ﷺ مِنْ الرِّيحِ: أَنْ تَكُونَ رِيحَ قَوْمِ عَادٍ. وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ خَوْفِهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَنَى عَلَى شَاهِدِ الْحَالِ أَوْ قَرِينَةٍ دَلَّتْهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " كَأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ " دَلِيلٌ عَلَى تَطْوِيلِهِ السُّجُودَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنْ أَبَا مُوسَى رَوَاهُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْعُلَمَاءِ. وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالصَّحْرَاءِ. وَالصَّوَابُ الْمَشْهُورُ: الْأَوَّلُ. فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ تَنْتَهِي بِالِانْجِلَاءِ: وَذَلِكَ مُقْتَضٍ لَأَنْ يُعْتَنَى بِمَعْرِفَةِ وَمُرَاقَبَةِ حَالِ الشَّمْسِ فِي الِانْجِلَاءِ. فَلَوْلَا أَنَّ الْمَسْجِدَ رَاجِحٌ لَكَانَتْ الصَّحْرَاءُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى إدْرَاكِ حَالِ الشَّمْسِ فِي الِانْجِلَاءِ أَوْ عَدَمِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ تَأْخِيرِهَا فَوَاتُ إقَامَتِهَا بِأَنْ يَشْرَعَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَبُرُوزِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ ﵇، «لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا

стр. 297

١٥١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَفِي لَفْظٍ " إلَى الْمُصَلَّى ". ـــــــــــــــــــــــــــــ لِحَيَاتِهِ» وَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ " فَافْزَعُوا " إشَارَةٌ إلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى الِالْتِجَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَخَاوِفِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ. وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبٌ لِلْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ أَيْضًا، وَأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ سَبَبَانِ لِلْمَحْوِ، يُرْجَى بِهِمَا زَوَالُ الْمَخَاوِفِ. [بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ] [حَدِيثُ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَلَكِنْ يُدْعَى. وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ، فَوَافَقُوا الْجَمَاعَةَ. وَقَالُوا: تُصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَانِ بِجَمَاعَةٍ. وَاسْتُدِلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِاسْتِسْقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يُصَلِّ لِلِاسْتِسْقَاءِ. قَالُوا: لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا تَرَكَهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الِاسْتِسْقَاءِ: الْبُرُوزُ إلَى الْمُصَلَّى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: إنَّ سَبَبَ التَّحْوِيلِ: التَّفَاؤُلُ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ. وَقَالَ مَنْ احْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ: إنَّمَا قَلَبَ رِدَاءَهُ لِيَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ، أَوْ عَرَفَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ تَغَيُّرَ الْحَالِ عِنْدَ تَغْيِيرِ رِدَائِهِ. قُلْنَا: الْقَلْبُ مِنْ جِهَةٍ إلَى أُخْرَى، أَوْ مِنْ ظَهْرٍ إلَى بَطْنٍ: لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ عَلَى الْعَاتِقِ. بَلْ أَيُّ حَالَةٍ اقْتَضَتْ الثُّبُوتَ أَوْ عَدَمَهُ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ: فَهُوَ مَوْجُودٌ

стр. 298

١٥٢ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــ فِي الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرُبَ مِنْ السُّقُوطِ فِي تِلْكَ الْحَالِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُثَبِّتَهُ مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا ذُكِرَ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الرِّدَاءِ. وَالِاتِّبَاعُ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، مَعَ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ مِنْ مَحَبَّةِ التَّفَاؤُلِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ الْخُطْبَةِ. وَالْخُطْبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقْتَضِيهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ مُطْلَقًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَهْرِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَالتَّحْوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ يَكْتَفِي فِي تَحْصِيلِ مُسَمَّاهُ: بِمُجَرَّدِ الْقَلْبِ مِنْ الْيَمِينِ إلَى الْيَسَارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 299

هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ: لَا أَدْرِي.» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِيثُنَا] قَالَ ﵀ " الظِّرَابُ " الْجِبَالُ الصِّغَارُ هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ أَنَّهُ اُسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَاسْتِحْبَابِهَا لَا يُنَافِي أَنْ يَقَعَ مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الَّذِي جَرَى فِي الْجُمُعَةِ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ. وَهُوَ مَشْرُوعٌ حَيْثُمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ. وَلَا يُنَافِي شَرْعِيَّةَ الصَّلَاةِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى إذَا اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقِيبَهُ أَوْ مَعَهُ. وَأَرَادَ بِالْأَمْوَالِ: الْأَمْوَالَ الْحَيَوَانِيَّةَ. لِأَنَّهَا الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا انْقِطَاعُ الْمَطَرِ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الصَّامِتَةِ. وَ " السُّبُلُ " الطُّرُقُ وَانْقِطَاعُهَا: إمَّا بِعَدَمِ الْمِيَاهِ الَّتِي يَعْتَادُ الْمُسَافِرُ وُرُودَهَا. وَإِمَّا بِاشْتِغَالِ النَّاسِ وَشِدَّةِ الْقَحْطِ عَنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَدَّاهُ إلَى كُلِّ دُعَاءٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَدِّهِ، لِحَدِيثٍ عَنْ أَنَسٍ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ عَدَمَ عُمُومِ الرَّفْعِ لِمَا عَدَا الِاسْتِسْقَاءِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: اسْتِثْنَاءُ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: مِنْهَا الِاسْتِسْقَاءُ، وَرُؤْيَةُ الْبَيْتِ، وَقَدْ أُوِّلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: رَفْعًا تَامًّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. وَفِي غَيْرِهَا: دُونَهُ. بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَحَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عَنْهُ ﷺ فِي غَيْرِ تِلْكَ

стр. 300

١٥٣ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الْآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتْ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً، رَكْعَةً» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَوَاضِعِ. وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُنْذِرِيُّ ﵀ جُزْءًا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ. " وَالْقَزَعُ " سَحَابٌ مُتَفَرِّقٌ " وَالْقَزَعَةُ " وَاحِدَتُهُ. وَمِنْهُ أُخِذَ الْقَزَعُ فِي الرَّأْسِ وَهُوَ أَنْ يُحْلَقَ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكَ بَعْضُهُ. وَ " سَلْعٌ " جَبَلٌ عِنْدَ الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ " وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ " تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ " وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ " لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ السَّحَابَةَ طَلَعَتْ مِنْ وَرَاءِ سَلْعٍ. فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْقَزَعَةُ مَوْجُودَةً، لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ لَوْ كَانَتْ. وَقَوْلُهُ " مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا " أَيْ جُمُعَةً. وَقَدْ بُيِّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ " هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ " أَيْ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الدُّعَاءِ لِإِمْسَاكِ ضَرَرِ الْمَطَرِ. كَمَا اُسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِنُزُولِهِ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ. فَإِنَّ الْكُلَّ مُضِرٌّ. و " الْآكَامُ " جَمْعُ أُكُمٍ، كَأَعْنَاقٍ جَمْعُ عُنُقٍ. وَالْأُكُمُ جَمْعُ إكَامٍ مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتَابٍ. وَالْإِكَامُ جَمْعُ أَكَمٍ، مِثْلُ جِبَالٍ جَمْعُ جَبَلٍ. وَالْأُكُمُ، وَالْأَكَمَاتُ. جَمْعُ الْأَكَمَةِ، وَهِيَ التَّلُّ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ. " وَالظِّرَابُ " جَمْعُ ظَرِبٍ - بِفَتْحِ الظَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ - وَهِيَ صِغَارُ الْجِبَالِ. وَقَوْلُهُ " وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ " طَلَبٌ لِمَا يُحَصِّلُ الْمَنْفَعَةَ وَيَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ. وَقَوْلُهُ " وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ " عَلَمٌ آخَرُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي الِاسْتِصْحَاءِ كَمَا سَبَقَ مِثْلُهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] [حَدِيثُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ] جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: عَلَى بَقَاءِ حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي زَمَانِنَا كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي زَمَانِهِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافُهُ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِوُجُودِهِ فِيهِمْ. وَقَدْ يُؤَيِّدُ هَذَا بِأَنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ. وَفِيهَا أَفْعَالٌ مُنَافِيَةٌ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُسَامَحَةُ فِيهَا بِسَبَبِ فَضِيلَةِ إمَامَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وَالْجُمْهُورُ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ دَلِيلُ التَّأَسِّي بِالرَّسُولِ ﷺ . وَالْمُخَالَفَةُ الْمَذْكُورَةُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ. مَوْجُودَةٌ بَعْدَ الرَّسُولِ. كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي زَمَانِهِ، ثُمَّ الضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ أَدَائِهَا. وَذَلِكَ يَقْتَضِي إقَامَتَهَا عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا - أَعْنِي فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَعْدَهُ فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهَا بَعْدَ الرَّسُولِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ. فَقَدْ وَرَدَتْ عَنْهُ فِيهَا وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ. فَمِنْ النَّاسُ مَنْ أَجَازَ الْكُلَّ. وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ عَمِلَ بِالْكُلِّ وَذَلِكَ - إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا وَقَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ - قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ رَجَّحَ بَعْضَ الصِّفَاتِ الْمَنْقُولَةِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامِ. فَتَقْضِي، ثُمَّ تَذْهَبُ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ أَيْ مَوْضِعَ الْإِمَامِ، فَتَقْضِي ثُمَّ تَذْهَبُ. وَقَدْ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ. وَقِيلَ: إنَّهَا لَمْ تَرِدْ فِي حَدِيثٍ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ: لَوْ صَلَّى عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ إنَّهَا صَحِيحَةٌ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ، وَتَرْجِيحُ رِوَايَةِ صَالِحٍ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَاخْتَارَ مَالِكٌ تَرْجِيحَ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ فِي الْمُوَطَّإِ مَوْقُوفَةً. وَهِيَ تُخَالِفُ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ فِي سَلَامِ الْإِمَامِ. «فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ وَتَقْضِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ سَلَامِهِ» . وَالْفُقَهَاءُ لَمَّا رَجَّحَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَعْضٍ احْتَاجُوا إلَى ذِكْرِ سَبَبِ التَّرْجِيحِ. فَتَارَةً يُرَجِّحُونَ بِمُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَتَارَةً بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ: وَتَارَةً يَكُونُ بَعْضُهَا مَوْصُولًا وَبَعْضُهَا مَوْقُوفًا. وَتَارَةً بِالْمُوَافَقَةِ لِلْأُصُولِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. وَتَارَةً بِالْمَعَانِي. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو حَنِيفَةَ تُوَافِقُ الْأُصُولَ فِي أَنَّ قَضَاءَ طَائِفَتَيْنِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.

стр. 302

١٥٤ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلَاةَ الْخَوْفِ «أَنَّ طَائِفَةً صُفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ: فَفِيهِ قَضَاءُ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ. وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ: فَفِيهِ قَضَاءُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَقَطْ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ. [حَدِيثُ صَلَاة ذَاتِ الرِّقَاعِ] الرَّجُلُ الَّذِي صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هُوَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ قَائِمًا فِي الثَّانِيَةِ. وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ، أَوْ الثُّنَائِيَّةِ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ. فَأَمَّا الرَّبَاعِيَةُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُهَا قَائِمًا فِي الثَّالِثَةِ، أَوْ قَبْلَ قِيَامِهِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَإِذَا قِيلَ بِأَنَّهُ يَنْتَظِرُهَا قَبْلَ قِيَامِهِ، فَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى قَبْلَ تَشَهُّدِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ، أَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ عَلَى أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ. وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَيْضًا: أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تُتِمُّ لِأَنْفُسِهَا، مَعَ بَقَاءِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. لَكِنْ فِيهَا تَرْجِيحٌ مِنْ جِهَةِ

стр. 303

١٥٥ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ﵄ قَالَ «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ: ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَعْنَى. لِأَنَّهَا إذَا قَضَتْ وَتَوَجَّهَتْ إلَى نَحْوِ الْعَدُوِّ، تَوَجَّهَتْ فَارِغَةً مِنْ الشُّغْلِ بِالصَّلَاةِ. فَيَتَوَفَّرُ مَقْصُودُ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَهُوَ الْحِرَاسَةُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَوَجُّهِ الطَّائِفَةِ لِلْحِرَاسَةِ، مَعَ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَتَوَفَّرُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِرَاسَةِ. فَرُبَّمَا أَدَّى الْحَالُ إلَى أَنْ يَقَعَ فِي الصَّلَاةِ الضَّرْبُ وَالطَّعْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُنَافِيَاتِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَكَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَلَيْسَ بِمَحْذُورٍ. وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَيْضًا: أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تُتِمُّ لِأَنْفُسِهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَفِيهِ مَا فِي الْأَوَّلِ. وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا: أَنَّهُ يَثْبُتُ حَتَّى تُتِمَّ لِأَنْفُسِهَا وَتُسَلِّمَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ، وَتَقْضِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ سَلَامِهِ. وَرُبَّمَا ادَّعَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُهُمْ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] أَيْ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ الَّتِي بَقِيَتْ لِلْإِمَامِ. فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ بِهِمْ فَقَدْ صَلُّوا مَعَهُ الْبَقِيَّةَ وَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَهُمْ فَلَمْ يُصَلُّوا مَعَهُ الْبَقِيَّةَ. لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ الْبَقِيَّةِ. وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ الظُّهُورِ. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ الرَّاوِي مَنْ يَرَى أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَالَ " فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ " فَجَعَلَهُمْ مُصَلِّينَ مَعَهُ لِمَا يُسَمَّى رَكْعَةً. ثُمَّ أَتَى بِلَفْظَةٍ «ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» فَجَعَلَ مُسَمَّى " السَّلَامِ " مُتَرَاخِيًا عَنْ مُسَمَّى " الرَّكْعَةِ " إلَّا أَنَّهُ ظَاهِرٌ ضَعِيفٌ. وَأَقْوَى مِنْهُ فِي الدَّلَالَةِ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ مُتَعَيَّنٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 304

انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ - الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى - فَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ: أَنْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا، قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ» وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ، «وَأَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ] هَذِهِ كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ. فَإِنَّهُ تَتَأَتَّى الْحِرَاسَةُ مَعَ كَوْنِ الْكُلِّ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهَا التَّأْخِيرُ عَنْ الْإِمَامِ لِأَجْلِ الْعَدُوِّ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْحِرَاسَةَ فِي السُّجُودِ لَا فِي الرُّكُوعِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَحْرُسُ فِي الرُّكُوعِ أَيْضًا. وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إدْرَاكِ الْعَدُوِّ بِالْبَصَرِ. فَالْحِرَاسَةُ مُمْكِنَةٌ مَعَهُ، بِخِلَافِ السُّجُودِ. الثَّانِي: الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ الَّذِي سَجَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ: هُوَ السَّجْدَتَانِ جَمِيعًا. الثَّالِثُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّفَّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ يَسْجُدُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ

стр. 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْأُولَى، وَيَحْرُسُ الصَّفُّ الثَّانِي فِيهَا، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ يَحْرُسُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَعَلَّهُ سَهَا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ. وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَافَقُوا الصَّحِيحَ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ سِوَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. كَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا صَحَّ يُذْهَبُ إلَيْهِ، وَيُتْرَكُ قَوْلُهُ. وَأَمَّا الْخُرَاسَانِيُّونَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ تَبِعَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ، كَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى: أَنَّ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَةً كَذَلِكَ. وَرَجَّحَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ جُنَّةً لِمَنْ خَلْفَهُ. وَيَكُونُ سَاتِرًا لَهُ عَنْ أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ. وَبِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحِرَاسَةِ. وَهَؤُلَاءِ مُطَالَبُونَ بِإِبْرَازِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ. وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهَا. الرَّابِعُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِرَاسَةَ يَتَسَاوَى فِيهَا الطَّائِفَتَانِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَوْ حَرَسَتْ طَائِقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَعًا فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

стр. 306

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] [حَدِيثُ نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَعْضِ النَّعْيِ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّعْيِ لِغَيْرِ غَرَضٍ دِينِيٍّ، مِثْلِ إظْهَارِ التَّفَجُّعِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِعْظَامِ حَالِ مَوْتِهِ. وَيُحْمَلُ النَّعْيُ الْجَائِزُ عَلَى مَا فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، مِثْلُ طَلَبِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ، تَحْصِيلًا لِدُعَائِهِمْ، وَتَتْمِيمًا لِلْعَدَدِ الَّذِي وُعِدَ بِقَبُولِ شَفَاعَتِهِمْ فِي الْمَيِّتِ، كَالْمِائَةِ مَثَلًا. وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَاتَ بِأَرْضٍ لَمْ يُقَمْ فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ. فَيَتَعَيَّنَ الْإِعْلَامُ بِمَوْتِهِ لِيُقَامَ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَخَالَفَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَعْذَارٌ: مِنْهَا: مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ لَمْ يَسْقُطْ بِبِلَادِ الْحَبَشَةِ، حَيْثُ مَاتَ. فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ فَرْضِهَا. وَمِنْهَا: مَا قِيلَ: إنَّهُ رُفِعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرَآهُ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَيِّتٍ يَرَاهُ الْإِمَامُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ. وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ يُثْبِتُهُ. وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا

стр. 307

١٥٧ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ جَابِرِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ» . ١٥٨ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخُرُوجُ إلَى الْمُصَلَّى: فَلَعَلَّهُ لِغَيْرِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَعَلَّ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ يَتَمَسَّكُ بِهِ، إنْ كَانَ لَا يَخُصُّ الْكَرَاهَةَ بِكَوْنِ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ. وَيَكْرَهُهَا مُطْلَقًا، سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ فِي مَسْجِدٍ أَمْ لَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: التَّكْبِيرُ أَرْبَعًا. وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ الشِّيعَةُ. وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ خَمْسًا» . وَقِيلَ: إنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعًا مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّكْبِيرِ خَمْسًا. وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ " أَنَّهُ يُكَبِّرُ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا " وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ. [حَدِيثُ النَّبِيّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ] وَحَدِيثُ جَابِرٍ طَرَفٌ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ صَفَّهُمْ صُفُوفًا، طَلَبًا لِقَبُولِ الشَّفَاعَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ، وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ لَا تَضِيقُ عَنْ صَفٍّ وَاحِدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ النَّبِيّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ] فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَوْ الْوَالِي لَمْ يُصَلِّيَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْوَالِي، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ: بِأَنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ صَلَّى مَعَهُ،

стр. 308

١٥٩ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . ١٦٠ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ. فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ. وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا بِهِ - تَعْنِي إزَارَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ سَبْعًا، وَقَالَ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، إذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرٌ لِذَلِكَ. وَفِيهِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ: مَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ كُفِّنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ] فِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ بِمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ السَّاتِرِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَنَّهُ لَا يُضَايَقُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُتَّبَعُ رَأْيُ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَقَوْلُهَا " لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَلَا عِمَامَةٍ أَصْلًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْأَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . [حَدِيثُ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ] وَهَذِهِ الِابْنَةُ: هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَذَكَرَ بَعْضُ

стр. 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ " اغْسِلْنَهَا " عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْمَيِّتِ. وَبِقَوْلِهِ " ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا " عَلَى أَنَّ الْإِيتَارَ مَطْلُوبٌ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ. وَالِاسْتِدْلَالُ بِصِيغَةِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ عِنْدِي يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ أُصُولِيَّةٍ وَهِيَ: جَوَازُ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَهُ " ثَلَاثًا " غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ. فَتَكُونَ مَحْمُولَةً فِيهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَفِي أَصْلِ الْغُسْلِ: عَلَى الْوُجُوبِ. فَيُرَادُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِيتَارِ. وَقَوْلُهُ ﵇ «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» تَفْوِيضٌ إلَى رَأْيِهِنَّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ. لَا إلَى رَأْيِهِنَّ بِحَسَبِ التَّشَهِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا. فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْرَافِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ. وَإِذَا زِيدَ عَلَى ذَلِكَ فَالْإِيتَارُ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْهَاؤُهُ الزِّيَادَةَ إلَى سَبْعَةٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ " بِمَاءٍ وَسِدْرٍ " أُخِذَ مِنْهُ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالسِّدْرِ تَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي أَنَّ السِّدْرَ مَمْزُوجٌ بِالْمَاءِ، وَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مَزْجٍ لَهُ بِالسِّدْرِ؛ بَلْ يَكُونُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ مَجْمُوعَيْنِ فِي الْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ. غَيْرَ أَنْ يُمْزَجَا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ، وَخُصُوصًا الْكَافُورَ، وَقِيلَ: إنَّ فِي الْكَافُورِ خَاصِّيَّةَ الْحِفْظِ لِبَدَنِ الْمَيِّتِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي كَوْنِهِ فِي الْأَخِيرَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِهَا أَذْهَبَهُ الْغُسْلُ بَعْدَهَا، فَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنْ الْحِفْظِ لِبَدَنِ الْمَيِّتِ. وَ " الْحَقْوُ " بِفَتْحِ الْحَاءِ هُنَا: الْإِزَارُ. تَسْمِيَةٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَلْزَمُهُ. وَقَوْلُهُ " أَشْعِرْنَهَا " أَيْ: اجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا، وَالشِّعَارُ: مَا يَلِي الْجَسَدَ، وَالدِّثَارُ: مَا فَوْقَهُ. وَقَوْلُهُ " ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا " دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّيَمُّنِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَسْنُونٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الِاغْتِسَالِ أَيْضًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى الْبُدَاءَةِ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ. وَذَلِكَ تَشْرِيفٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ إذَا فُعِلَ فِي الْغُسْلِ: هَلْ يَكُونُ وُضُوءًا حَقِيقِيًّا، أَوْ جُزْءًا مِنْ الْغُسْلِ، خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ تَشْرِيفًا؟ وَ " الْقُرُونُ " هَهُنَا الضَّفَائِرُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَسْرِيحِ شَعْرِ الْمَيِّتِ

стр. 310

١٦١ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ. وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ. فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَضَفْرِهِ، بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ فِي أَنَّ الضَّفْرَ بَعْدَ التَّسْرِيحِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ لَا يُشْعِرُ بِهِ صَرِيحًا. وَهَذَا الضَّفْرُ ثَلَاثًا مَخْصُوصُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْمَرْأَةِ. وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ: أَنْ يَجْعَلَ الثَّلَاثَ خَلْفَ ظَهْرِهَا. وَرَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا أَثْبَتَ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ لِذَلِكَ. وَهُوَ غَرِيبٌ وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِ مَنْ غَسَّلَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ . [حَدِيثُ بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ] قَالَ ﵀ " الْوَقْصُ " كَسْرُ الْعُنُقِ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ يَبْقَى فِي حَقِّهِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ لِانْقِطَاعِ الْعِبَادَةِ بِزَوَالِ مَحَلِّ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْحَيَاةُ. لَكِنْ اتَّبَعَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ. وَغَايَةُ مَا اعْتَذَرَ بِهِ عَنْ الْحَدِيثِ مَا قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّلَ هَذَا الْحُكْمَ فِي هَذَا الْمُحْرِمِ بِعِلَّةٍ لَا يَعْلَمُ وُجُودَهَا غَيْرُهُ. وَهُوَ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمُحْرِمِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَعُمُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ. وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ، فَيَعُمُّ كُلَّ مُحْرِمٍ.

стр. 311

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» . ١٦٣ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إنْ تَكُ صَالِحَةً: فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا " وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا " فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ دَالَّةٌ عَلَى التَّأْكِيدِ. وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَا أُبِيحَ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ دَلِيلِ الْمَنْعِ. وَأَنَّ الرُّخْصَةَ: مَا أُبِيحَ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْمَنْعِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ اللُّغَوِيُّ مِنْ إشْعَارِ الْعَزْمِ بِالتَّأْكِيدِ. فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَقُومُ دَلِيلُ الْحَظْرِ عَلَيْهِ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي اتِّبَاعِ النِّسَاءِ أَوْ بَعْضِهِنَّ لِلْجَنَائِزِ، أَكْثَرُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ. كَالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي فَاطِمَةَ ﵂ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعُلُوِّ مَنْصِبِهَا. وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي عُمُومِ النِّسَاءِ أَوْ يَكُونُ الْحَدِيثَانِ مَحْمُولَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَاتِ النِّسَاءِ. وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ اتِّبَاعَهُنَّ لِلْجَنَائِزِ، وَكَرِهَهُ لِلشَّابَّةِ فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَنْكَرِ. وَخَالَفَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَرِهَهُ مُطْلَقًا، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.

стр. 312

إلَيْهِ. وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ: فَشَرٌّ: تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . ١٦٤ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ «صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ فِي وَسَطِهَا» . ١٦٥ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ] يُقَالُ: الْجِنَازَةُ وَالْجِنَازَةُ - بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ - بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَيُقَالُ: بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَيِّتُ. وَبِالْكَسْرِ: النَّعْشُ، الْأَعْلَى لِلْأَعْلَى، وَالْأَسْفَلُ لِلْأَسْفَلِ. فَعَلَى هَذَا: يَلِيقُ الْفَتْحُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «سَارِعُوا بِالْجِنَازَةِ» يَعْنِي بِالْمَيِّتِ. فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ بِأَنْ يُسْرَعَ بِهِ. وَالسُّنَّةُ الْإِسْرَاعُ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي الْإِسْرَاعُ إلَى شِدَّةٍ يَخَافُ مَعَهَا حُدُوثَ مَفْسَدَةٍ بِالْمَيِّتِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. وَقَدْ ظَهَرَتْ الْعِلَّةُ فِي الْإِسْرَاعِ مِنْ الْحَدِيثِ. وَهُوَ قَوْلُهُ " فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً " إلَى آخِرِهِ. [حَدِيثُ صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا] الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ. وَالْوَصْفُ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ - وَهُوَ كَوْنُهَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا - وَصْفٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَاقِعٍ. وَأَمَّا وَصْفُ كَوْنِهَا امْرَأَةً: فَهَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا؟ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَلْغَاهُ. وَقَالَ: يُقَامُ عِنْدَ وَسَطِ الْجِنَازَةِ، يَعْنِي مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ. وَقَالَ: يُقَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ. ذَكَرَهُ بَعْضُ مُصَنِّفِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ ذَلِكَ: أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَكُنْ يُسْتَرْنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِمَا يُسْتَرْنَ بِهِ الْيَوْمَ. فَقِيَامُ الْإِمَامِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا: يَكُونُ السُّتْرَةَ لَهَا مِمَّنْ خَلْفَهُ. .

стр. 313

١٦٦ - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: «لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ﷺ وَقَالَ: أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ] قَالَ ﵀ " الصَّالِقَةُ " الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. وَالْأَصْلُ " السَّالِقَةُ " بِالسِّينِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْعَوِيلِ وَالنَّدْبِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ: قَوْله تَعَالَى ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] وَالصَّادُ قَدْ تُبَدَّلُ مِنْ السِّينِ. وَ " الْحَالِقَةُ " حَالِقَةُ الشَّعْرِ. وَفِي مَعْنَاهُ: قَطْعُهُ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ. وَ " الشَّاقَّةُ " شَاقَّةُ الْجَيْبِ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الرِّضَى بِالْقَضَاءِ، وَالتَّسَخُّطِ لَهُ. فَامْتَنَعَتْ لِذَلِكَ. [حَدِيثُ لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْض نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّصْوِيرِ وَالصُّوَرِ. وَلَقَدْ أَبْعَدَ غَايَةَ الْبُعْدِ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِنَّ هَذَا التَّشْدِيدَ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، لِقُرْبِ عَهْدِ النَّاسِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَهَذَا الزَّمَانُ حَيْثُ انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ وَتَمَهَّدَتْ قَوَاعِدُهُ - لَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَلَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَا التَّشْدِيدِ - هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ - وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ قَطْعًا. لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ: الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ بِعَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ. وَأَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ " أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ " وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْمُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» وَهَذِهِ عِلَّةٌ عَامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ. لَا تَخُصُّ

стр. 314

١٦٧ - الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» . ١٦٨ - الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ـــــــــــــــــــــــــــــ زَمَانًا دُونَ زَمَانٍ. وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَصَرَّفَ فِي النُّصُوصِ الْمُتَظَاهِرَةِ الْمُتَضَافِرَةِ بِمَعْنًى خَيَالِيٍّ. يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ، مَعَ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ التَّعْلِيلَ بِغَيْرِهِ. وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ ﵇ «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» إشَارَةٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» . [حَدِيثُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ] هَذَا الْحَدِيثُ: يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ اتِّخَاذِ قَبْرِ الرَّسُولِ مَسْجِدًا وَمِنْهُ يُفْهَمُ امْتِنَاعُ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِهِ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ اسْتَدَلَّ بِعَدَمِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَبْرِهِ ﷺ لِعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ جُمْلَةً. وَأُجِيبُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَبْرَ الرَّسُولِ ﷺ مَخْصُوصٌ عَنْ هَذَا بِمَا فُهِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ مَسْجِدًا. وَبَعْضُ النَّاسِ: أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ الرَّسُولِ، كَجَوَازِهَا عَلَى قَبْرِ غَيْرِهِ عِنْدَهُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَطَابُقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِإِشْعَارِ الْحَدِيثِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 315

عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» . ١٦٩ - الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ وَلِمُسْلِمٍ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ] حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ، وَقَدْ اشْتَرَكَ - مَعَ مَا قَبْلَهُ فِي شَقِّ الْجُيُوبِ. وَانْفَرَدَ بِضَرْبِ الْخُدُودِ وَالتَّصْرِيحِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِ. وَهِيَ أَحَدُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ " الصَّالِقَةِ " فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَ " دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ " يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ فِي الْقِتَالِ مِنْ الدَّعْوَى. وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ - هُوَ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمَيِّتِ. كَقَوْلِهِمْ: وَاجَبَلَاه. وَاسَنَدَاه، وَاسَيِّدَاه، وَأَشْبَاهُهَا. [حَدِيثُ مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ شُهُودِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ الصَّلَاةِ. وَعِنْدَ الدَّفْنِ، وَأَنَّ الْأَجْرَ يَزْدَادُ بِشُهُودِ الدَّفْنِ، مُضَافًا إلَى شُهُودِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: اتِّبَاعُهَا مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا و " الْقِيرَاطُ " تَمْثِيلٌ لِجُزْءٍ مِنْ الْأَجْرِ، وَمِقْدَارٌ مِنْهُ. وَقَدْ مَثَّلَهُ فِي الْحَدِيثِ " بِأَنَّ أَصْغَرَهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ " وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، تَشْبِيهًا لِلْمَعْنَى الْعَظِيمِ بِالْجِسْمِ الْعَظِيمِ.

стр. 316

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ - إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِذَا جِئْتَهُمْ: فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الزَّكَاةِ] [حَدِيثُ إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ] " الزَّكَاةُ " فِي اللُّغَةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النَّمَاءُ. وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ. فَمِنْ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُمْ: زَكَاةُ الزَّرْعِ. وَمِنْ الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَسُمِّيَ هَذَا الْحَقُّ زَكَاةً بِالِاعْتِبَارَيْنِ. أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ: فَبِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا سَبَبًا لِلنَّمَاءِ فِي الْمَالِ. كَمَا صَحَّ «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ» وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ: أَنَّ

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ النُّقْصَانَ مَحْسُوسٌ بِإِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ. فَلَا يَكُونُ غَيْرَ نَاقِصٍ إلَّا بِزِيَادَةٍ تُبْلِغُهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا. أَعْنِي: الْمَعْنَوِيَّ وَالْحِسِّيَّ فِي الزِّيَادَةِ. أَوْ بِمَعْنَى: أَنَّ مُتَعَلَّقَهَا الْأَمْوَالُ ذَاتُ النَّمَاءِ. وَسُمِّيَتْ بِالنَّمَاءِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ أَوْ بِمَعْنَى تَضْعِيفِ أُجُورِهَا. كَمَا جَاءَ «إنَّ اللَّهَ يُرْبِي الصَّدَقَةَ حَتَّى تَكُونَ كَالْجَبَلِ.» وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي: فَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ، أَوْ لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مِنْ الذُّنُوبِ. وَهَذَا الْحَقُّ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ لِمَصْلَحَةِ الدَّافِعِ وَالْآخِذِ مَعًا. أَمَّا فِي حَقِّ الدَّافِعِ: فَتَطْهِيرُهُ وَتَضْعِيفُ أُجُورِهِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْآخِذِ: فَلِسَدِّ خَلَّتِهِ. وَحَدِيثُ مُعَاذٍ: يَدُلُّ عَلَى فَرِيضَةِ الزَّكَاةِ. هُوَ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ الشَّرِيعَةِ. وَمَنْ جَحَدَهُ كَفَرَ. وَقَوْلُهُ ﵇ «إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» لَعَلَّهُ لِلتَّوْطِئَةِ وَالتَّمْهِيدِ لِلْوَصِيَّةِ بِاسْتِجْمَاعِ هِمَّتِهِ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ. فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ أَهْلُ عِلْمٍ، وَمُخَاطَبَتُهُمْ لَا تَكُونُ كَمُخَاطَبَةِ جُهَّالِ الْمُشْرِكِينَ، وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي الْعِنَايَةِ بِهَا وَالْبُدَاءَةُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالشَّهَادَتَيْنِ: لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ فُرُوعِهِ إلَّا بِهِ. فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُوَحِّدٍ عَلَى التَّحْقِيقِ - كَالنَّصَارَى - فَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ عَيْنًا. وَمِنْ كَانَ مُوَحِّدًا - كَالْيَهُودِ - فَالْمُطَالَبَةُ لَهُ: بِالْجَمْعِ بَيْنَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ، وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالرِّسَالَةِ. وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ - الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ - عِنْدَهُمْ مَا يَقْتَضِي الْإِشْرَاكَ، وَلَوْ بِاللُّزُومِ يَكُونُ مُطَالَبَتُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ لِنَفْيِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَقَائِدِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا بِشَيْءٍ، مُؤْمِنًا بِغَيْرِهِ: لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا بِالْإِيمَانِ بِمَا كَفَرَ بِهِ. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ - فِي أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ - مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ أَوَّلًا بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِيمَانِ فَقَطْ. وَجَعَلَ الدُّعَاءَ إلَى الْفُرُوعِ بَعْدَ إجَابَتِهِمْ الْإِيمَانَ. وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّرْتِيبَ فِي الدُّعَاءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ فِي الْوُجُوبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ؟ وَقَدْ قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمُطَالَبَةِ عَلَى الزَّكَاةِ. وَأَخَّرَ الْإِخْبَارَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْ الطَّاعَةِ بِالصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَتَانِ فِي خِطَابِ الْوُجُوبِ.

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ ﵇ «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ» طَاعَتُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالتَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَأَمَّا طَاعَتُهُمْ فِي الصَّلَاةِ: فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إقْرَارُهُمْ بِوُجُوبِهَا وَفَرْضِيَّتِهَا عَلَيْهِمْ، وَالْتِزَامُهُمْ لَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الطَّاعَةُ بِالْفِعْلِ، وَأَدَاءُ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْفَرِيضَةِ. فَتَعُودُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهَا. وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ لَوْ أَخْبَرُوا بِالْوُجُوبِ. فَبَادَرُوا بِالِامْتِثَالِ بِالْفِعْلِ لَكَفَى. وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَلَفُّظُهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالْوُجُوبِ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الزَّكَاةِ: لَوْ امْتَثَلُوا بِأَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِالْإِقْرَارِ لَكَفَى. فَالشَّرْطُ عَدَمُ الْإِنْكَارِ، وَالْإِذْعَانُ لِلْوُجُوبِ، لَا التَّلَفُّظُ بِالْإِقْرَارِ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﵇ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَقْلِ الزَّكَاةِ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ. وَفِيهِ عِنْدِي ضَعِيفٌ. لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَنَّ الْمُرَادَ: يُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَكَذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا قَوِيًّا. وَيُقَوِّيهِ: أَنَّ أَعْيَانَ الْأَشْخَاصِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ لَا تُعْتَبَرُ. وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِخِطَابِهِمْ فِي الصَّلَاةِ. وَلَا يَخْتَصُّ بِهِمْ قَطْعًا - أَعْنِي الْحُكْمَ - وَإِنْ اخْتَصَّ بِهِمْ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ النِّصَابَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ غَنِيًّا. وَقَابَلَهُ بِالْفَقِيرِ. وَمَنْ مَلَكَ النِّصَابَ فَالزَّكَاةُ مِنْهُ، فَهُوَ غَنِيٌّ، وَالْغَنِيُّ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِي الْحَدِيثِ. وَلَيْسَ بِالشَّدِيدِ الْقُوَّةِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى إخْرَاجَ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ. لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ إلَّا الْفُقَرَاءَ. وَفِيهِ بَحْثٌ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْإِمَامِ. لِأَنَّهُ وَصَفَ الزَّكَاةَ بِكَوْنِهَا " مَأْخُوذَةً مِنْ الْأَغْنِيَاءِ " فَكُلُّ مَا اقْتَضَى خِلَافَ هَذِهِ الصِّفَةِ فَالْحَدِيثُ يَنْفِيهِ. وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ كَرَائِمَ الْأَمْوَالِ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الصَّدَقَةِ، كَالْأَكُولَةِ وَالرُّبَّى وَهِيَ الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا. وَالْمَاخِضُ، وَهِيَ الْحَامِلِ. وَفَحْلِ الْغَنَمِ، وَحَزَرَاتِ

стр. 319

١٧١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَالِ. وَهِيَ الَّتِي تُحْرَزُ بِالْعَيْنِ وَتُرْمَقُ، لِشَرَفِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ مِنْ مَالِ الْأَغْنِيَاءِ. وَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْإِجْحَافُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ. فَسَامَحَ الشَّرْعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ بِمَا يَضَنُّونَ بِهِ. وَنَهَى الْمُصَدِّقِينَ عَنْ أَخْذِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ أَمْرِ الظُّلْمِ، وَاسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنْ أَخْذِ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ. لِأَنَّ أَخْذَهَا ظُلْمٌ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ. [حَدِيثُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ] يُقَالُ " أَوَاقِيٌّ " بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَتُحْذَفُ الْيَاءُ. وَيُقَالُ: أُوقِيَّةٌ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - وَوُقِيَّةٌ. وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ " وَالْأُوقِيَّةُ " أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَالنِّصَابُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمُ: يَنْطَلِقُ عَلَى الْخَالِصِ حَقِيقَةً. فَإِنْ كَانَ مَغْشُوشًا لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ الْخَالِصِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَ " الذَّوْدُ " قِيلَ: إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاحِدِ. وَقِيلَ: إنَّهَا كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الزَّكَاةِ فِيمَا دُونَ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي زَكَاةِ الْحَرْثِ. وَيُعَلِّقُ الزَّكَاةَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْهُ. وَيُسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﵇ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وَهَذَا عَامٌّ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَدِيثِ بَيَانُ قَدْرِ الْمُخْرَجِ، لَا بَيَانُ الْمُخْرَجِ مِنْهُ. وَهَذَا فِيهِ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ. وَهُوَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَامَّةَ بِوَضْعِ اللُّغَةِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ. أَحَدُهَا: مَا ظَهَرَ فِيهِ عَدَمُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ، وَمُثِّلَ بِهَذَا الْحَدِيثُ.

стр. 320

١٧٢ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ. وَفِي لَفْظٍ إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالثَّانِيَةُ: مَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِأَنْ أُورِدَ مُبْتَدَأً لَا عَلَى سَبَبٍ، لِقَصْدِ تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ. وَالثَّالِثَةُ: مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَرِينَةٌ زَائِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ. وَلَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْمِيمِ. وَقَدْ وَقَعَ تَنَازُعٌ مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ عَدَمُ التَّعْمِيمِ. فَطَالَبَ بَعْضُهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا الطَّرِيقُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَدَلَالَةُ السِّيَاقِ لَا يُقَامُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَذَلِكَ لَوْ فُهِمَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ، وَطُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ لِعُسْرٍ. فَالنَّاظِرُ يَرْجِعُ إلَى ذَوْقِهِ، وَالْمَنَاظِرُ يَرْجِعُ إلَى دِينِهِ وَإِنْصَافِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ النُّقْصَانَ الْيَسِيرَ فِي الْوَزْنِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَمَالِكٌ يُسَامِحُ بِالنَّقْصِ الْيَسِيرِ جِدًّا، الَّذِي تَرُوجُ مَعَهُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ رَوَاجَ الْكَامِلِ. وَأَمَّا " الْأَوْسُقُ " فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْمِقْدَارَ فِيهَا تَقْرِيبٌ أَوْ تَحْدِيدٌ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ تَقْرِيبٌ يُسَامِحُ بِالْيَسِيرِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: يَقْتَضِي أَنَّ النُّقْصَانَ لَا يُؤَثِّرُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ النُّقْصَانَ الْيَسِيرَ جِدًّا الَّذِي لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ الِاسْمِ فِي الْعُرْفِ، وَلَا يَعْبَأُ بِهِ أَهْلُ الْعَرَبِ: أَنَّهُ يُغْتَفَرُ. [حَدِيثُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ] الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِ الْخَيْلِ. وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا " فِي عَيْنِ الْخَيْلِ " عَنْ وُجُوبِهَا فِي قِيمَتِهَا إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ. وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخَيْلِ الزَّكَاةَ. وَحَاصِلُ مَذْهَبِهِ: أَنَّهُ إنْ اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ انْفَرَدَتْ الذُّكُورُ أَوْ الْإِنَاثُ: فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّمَاءَ بِالنَّسْلِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ. وَإِذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ
следующие страницы →