Полный текст (659 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ» .
٢٥٠ - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: وَعَنْهُ - أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - قَالَ «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى]
أُخِذَ مِنْهُ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: حُكْمُ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ: وَهَذَا مِنْ حَيْثُ قَوْلُهُ " أَذِنَ لِلْعَبَّاسِ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِذْنَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَأَنَّ غَيْرَهَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْإِذْنُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَبِيتُ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ. وَمَدْلُولُ الْحَدِيثِ: تَعْلِيقُ هَذَا الْحُكْمِ بِوَصْفِ السِّقَايَةِ، وَبِاسْمِ الْعَبَّاسِ: فَتَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. فَأَمَّا غَيْرُ الْعَبَّاسِ: فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْحُكْمُ اتِّفَاقًا، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِآلِ الْعَبَّاسِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّهُ فِي بَنِي هَاشِمٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّ، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ احْتَاجَ إلَى الْمَبِيتِ لِلسِّقَايَةِ فَلَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ بِسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ: فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَهُ بِهَا، حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سِقَايَةٌ أُخْرَى لَمْ يُرَخَّصْ فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِهَا. وَالْأَقْرَبُ: اتِّبَاعُ الْمَعْنَى، وَأَنَّ الْعِلَّةَ: الْحَاجَةُ إلَى إعْدَادِ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ
[حَدِيثُ جَمَعَ النَّبِيُّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَمْعِ التَّأْخِيرِ بِمُزْدَلِفَةَ. وَهِيَ " جَمْعٌ " لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ وَقْتَ الْغُرُوبِ بِعَرَفَةَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ إلَّا وَقَدْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ. وَهَذَا الْجَمْعُ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ بِعُذْرِ النُّسُكِ، أَوْ بِعُذْرِ السَّفَرِ؟ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ سَفَرًا يَجْمَعُ فِيهِ، هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَمْ
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَا؟ وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْجَمْعَ بِعُذْرِ النُّسُكِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ بِعُذْرِ السَّفَرِ. وَلِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ بِعُذْرِ السَّفَرِ. وَلِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ بِعُذْرِ النُّسُكِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي طُولِ سَفَرِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْمَعْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَقْوَى أَنْ يَكُونَ لِلنُّسُكِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَجَدِّدَ عَنْ تَجَدُّدِ أَمْرٍ يَقْتَضِي إضَافَةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ إلَّا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَمَعَ: إمَّا بِأَنْ يَرِدَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ خَاصٌّ، أَوْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» فَقَدْ تَعَارَضَ فِي هَذَا الْجَمْعِ سَبَبَانِ: السَّفَرُ، وَالنُّسُكُ. فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي تَرْجِيحِ الْإِضَافَةِ إلَى أَحَدِهِمَا، عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ نَظَرًا. مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّيْرَ لَمْ يَكُنْ مُجِدًّا فِي ابْتِدَاءِ هَذِهِ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ نَازِلًا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَأَنْشَأَ الْحَرَكَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْجِدُّ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَرَكَةِ. أَمَّا فِي الِابْتِدَاءِ: فَلَا، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تُقَامَ الْمَغْرِبُ بِعَرَفَةَ. وَلَا يَحْصُلُ جِدُّ السَّيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ: مَا إذَا كَانَ الْجِدُّ وَالسَّيْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَهَذَا أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ.
١ -
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا: فِيمَا لَوْ أَرَادَ الْجَمْعَ بِغَيْرِ جَمْعٍ، كَمَا لَوْ جَمَعَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِعَرَفَةَ عَلَى التَّقْدِيمِ، هَلْ يَجْمَعُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِينَ عَلَّلُوا الْجَمْعَ بِالسَّفَرِ: يُجِيزُونَ الْجَمْعَ مُطْلَقًا. وَاَلَّذِينَ يُعَلِّلُونَهُ بِالنُّسُكِ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ إلَّا بِالْمَكَانِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ، إقَامَةً لِوَظِيفَةِ النُّسُكِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ .
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ: الْكَلَامُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِصَلَاتَيْ الْجَمْعِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ: أَنَّهُ جَمَعَ بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ. وَلَمْ يُذْكَرْ الْأَذَانُ.
وَحَاصِلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّ الْجَمْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ
стр. 423
٢٥١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا. فَخَرَجُوا مَعَهُ. فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ. فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّقْدِيمِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّأْخِيرِ. فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيمِ: أَذَّنَ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَهَا وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِلثَّانِيَةِ، إلَّا عَلَى وَجْهٍ غَرِيبٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّأْخِيرِ - كَمَا فِي هَذَا الْجَمْعِ - صَلَّاهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ، كَمَا فِي ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَجْرَوْا فِي الْأَذَانِ لِلْأُولَى الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ. وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْأَذَانِ دَلَالَةُ سُكُوتٍ، أَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
١ -
وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا: عَدَمُ التَّنَفُّلِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ لِقَوْلِهِ " وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا " وَ " السُّبْحَةُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمَسْأَلَةُ مُعَبَّرٌ عَنْهَا: بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِلَ. أَعْنِي لِلْجَامِعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ شَرْطٌ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَفِيهَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ. فَجَازَ تَأْخِيرُهَا. وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فَلَا يَقْطَعُهَا قَدْرَ الْإِقَامَةِ، وَلَا قَدْرَ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَيَمَّمُ، وَلَا قَدْرَ الْأَذَانِ لِمَنْ يَقُولُ بِالْأَذَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ وَقَدْ حَكَيْنَاهُ وَجْهًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ؟ فَلِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ: هُوَ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ضَمِيمَةِ أَمْرٍ آخَرَ إلَيْهِ. وَمِمَّا يُؤَكِّدُهُ - أَعْنِي كَلَامَ الْمُخَالِفِ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَعْدَهُمَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ. فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّ تَرْكَ التَّنَفُّلِ لَمْ يَكُنْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ. وَقَدْ وَرَدَ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ " أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِحَطِّ الرِّحَالِ " وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى مَسَافَةٍ فِي الْوَقْتِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْ الْمُصَنِّفِ إيرَادُ أَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا تُنَاسِبُ تَرْجَمَتَهُ.
стр. 424
فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إلَّا أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ. فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ. فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا. فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا. ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ " قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقُلْت: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فَأَكَلَ مِنْهَا ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[بَابُ الْمُحْرِمِ يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ] [حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ]
تَكَلَّمُوا فِي كَوْنِ أَبِي قَتَادَةَ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، مَعَ كَوْنِهِمْ خَرَجُوا لِلْحَجِّ، وَمَرُّوا بِالْمِيقَاتِ. وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَأُجِيبَ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا: مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثِ، مِنْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لِكَشْفِهَا. وَكَانَ الِالْتِقَاءُ بَعْدَ مُضِيِّ مَكَانِ الْمِيقَاتِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَبْلَ تَوْقِيتِ الْمَوَاقِيتِ. وَ " الْأَتَانُ " الْأُنْثَى مِنْ الْحُمُرِ. وَقَوْلُهُمْ " نَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ " وَرُجُوعُهُمْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ: دَلِيلٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُمْ أَكَلُوهُ بِاجْتِهَادٍ وَالثَّانِي: وُجُوبُ الرُّجُوعِ إلَى النُّصُوصِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ وَالِاحْتِمَالَاتِ.
«وَقَوْلُهُ ﷺ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ سَبَبًا لِلْمَنْعِ.
وَقَوْلُهُ ﵇ " فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا " دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ دَلَالَةٌ وَلَا إشَارَةٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، صِيدَ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا. وَهَذَا مَذْكُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَدَلِيلُهُ: حَدِيثُ الصَّعْبِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ إنْ صَادَهُ أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ
стр. 425
٢٥٢ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّهُ «أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " رِجْلَ حِمَارٍ " وَفِي لَفْظٍ " شِقَّ حِمَارٍ " وَفِي لَفْظٍ " عَجُزَ حِمَارٍ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِاصْطِيَادِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِدَلَالَتِهِ حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ: لَمْ يَحْرُمْ.
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ - هَذَا - يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِ الْأَوَّلِ. وَيَدُلُّ ظَاهِرُهُ: عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُشِرْ الْمُحْرِمُ إلَيْهِ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ: يَجُوزُ أَكْلُهُ. فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوَانِعَ الْمَانِعَةَ مِنْ أَكْلِهِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُهَا مَانِعًا لَذُكِرَ. وَإِنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِدَلَالَتِهِ وَإِذْنِهِ: بِأُمُورٍ أُخْرَى. مِنْهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» .
وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: مِنْ قَوْلِهِ ﵇ " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " فِيهِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَبَسُّطُ الْإِنْسَانِ إلَى صَاحِبِهِ فِي طَلَبِ مِثْلِ هَذَا.
وَالثَّانِي: زِيَادَةُ تَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ فِي مُوَافَقَتِهِمْ فِي الْأَكْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا قَوْلُهُ ﵇ «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» وَالْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لِطَلَبِ مُوَافَقَتِهِمْ فِي الْحَلْقِ فَإِنَّهُ كَانَ أَطْيَبَ لِقُلُوبِهِمْ.
[حَدِيثُ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ حِمَارًا وَحْشِيًّا]
وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ وَالْمُحْرِمُ لَا يَأْكُلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ " الصَّعْبُ " بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَ " جَثَّامَةَ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ.
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَوْلُهُ " أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " الْأَصْلُ: أَنْ يَتَعَدَّى " أَهْدَى " بِإِلَى، وَقَدْ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى " أَجْلِ " وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُهُ حِمَارًا وَحْشِيًّا " ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ أَهْدَاهُ بِجُمْلَتِهِ وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَيًّا. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ ﵀ وَقِيلَ: إنَّهُ تَأْوِيلُ مَالِكٍ ﵀ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ: يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ وَضْعِ الْمُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى الصَّيْدِ بِطَرِيقِ التَّمَلُّكِ بِالْهَدِيَّةِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا: مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، إلَّا أَنَّهُ رُدَّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَنْ مُسْلِمٍ، مِنْ قَوْلِهِ " عَجُزَ حِمَارٍ، أَوْ شِقَّ حِمَارٍ، أَوْ رِجْلَ حِمَارٍ " فَإِنَّهَا قَوِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْمُهْدَى بَعْضًا وَغَيْرَ حَيٍّ. فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ " حِمَارًا وَحْشِيًّا " الْمَجَازَ. وَتَسْمِيَةَ الْبَعْضِ بِاسْمِ الْكُلِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، وَلَا تَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ بِالْهِبَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ " إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ ". " إنَّا " الْأُولَى مَكْسُورَةُ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهَا ابْتِدَائِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ؛ لِأَنَّهَا حُذِفَ مِنْهَا اللَّامُ الَّتِي لِلتَّعْلِيلِ. وَأَصْلُهُ: إلَّا لِأَنَّا.
وَقَوْلُهُ " لَمْ نَرُدَّهُ " الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: فِيهِ فَتْحُ الدَّالِ. وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وَهُمْ ضَمُّ الدَّالِ. وَذَلِكَ فِي كُلِّ مُضَاعَفٍ مَجْزُومٍ، أَوْ مَوْقُوفٍ، اتَّصَلَ بِهِ هَاءُ ضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ. وَذَلِكَ مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الْهَاءَ حَرْفٌ خَفِيٌّ، فَكَأَنَّ الْوَاوَ تَالِيَةٌ لِلدَّالِ، لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْهَاءِ، وَمَا قَبْلَ الْوَاوِ: يُضَمُّ. وَعَبَّرُوا عَنْ ضَمَّتِهَا بِالِاتِّبَاعِ لِمَا بَعْدَهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ إذَا اتَّصَلَ بِالْمُضَاعَفِ الْمُشَدَّدِ. فَإِنَّهُ يُفْتَحُ بِاتِّفَاقٍ. وَحُكِيَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَوَّلِ الْمَوْقُوفِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ. إحْدَاهُمَا: الْفَتْحُ، كَمَا يَقُولُ الْمُحَدِّثُونَ. وَالثَّانِيَةُ: الْكَسْرُ. وَأُنْشِدَ فِيهِ:
قَالَ أَبُو لَيْلَى لِحُبْلَى مُدِّهِ … حَتَّى إذَا مَدَدْتِهِ فَشُدِّهْ
إنَّ أَبَا لَيْلَى نَسِيجُ وَحْدِهِ
١ -
. وَقَوْلُهُ ﵇ " إلَّا أَنَّا حُرُمٌ " يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي مَنْعِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ. وَاَلَّذِينَ أَبَاحُوا أَكْلَهُ: لَا يَكُونُ مُجَرَّدُ
стр. 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْأَحْرَامِ عِنْدَهُمْ عِلَّةً وَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ لِأَجْلِهِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَ " الْحُرُمُ " جَمْعُ حَرَامٍ.
وَ " الْأَبْوَاءُ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ. وَ " وَدَّانُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، آخِرُهُ نُونٌ: مَوْضِعَانِ مَعْرُوفَانِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
وَلِمَسْأَلَةِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ، تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَهَلْ الْمُرَادُ بِالصَّيْدِ: نَفْسُ الِاصْطِيَادِ، أَوْ الْمَصِيدِ؟ وَلِلِاسْتِقْصَاءِ فِيهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا. وَلَكِنَّ تَعْلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُمْ حُرُمٌ قَدْ يَكُونُ إشَارَةً إلَيْهِ.
وَفِي اعْتِذَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّعْبِ: تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ، لِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي رَدِّ هَدِيَّتِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: اسْتِحْبَابُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الِاعْتِذَارِ.
وَقَوْلُهُ " فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي " يُرِيدُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِسَبَبِ الرَّدِّ.
стр. 428
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .
وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَهُوَ:
٢٥٤ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
الْحَدِيثُ: يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ إثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَنَفَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَوَافَقَ
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ابْنُ حَبِيبٍ - مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَنْ أَثْبَتَهُ، وَاَلَّذِينَ نَفَوْهُ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْعُذْرِ عَنْهُ. وَاَلَّذِي يَحْضُرُنَا الْآنَ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ خَالَفَهُ رَاوِيهِ. وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ: لَمْ يُعْمَلْ بِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا خَالَفَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِ بِالصِّحَّةِ، فَيَكُونُ فَاسِقًا، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَا مَعَ عِلْمِهِ بِالصِّحَّةِ. فَهُوَ أَعْلَمُ بِعِلَلِ مَا رَوَى. فَيُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْعُ الْمُقَدَّمَةِ.
الثَّانِيَةِ: وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا خَالَفَ لَمْ يُعْمَلْ بِرِوَايَتِهِ. وَقَوْلُهُ " إذَا كَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِالصِّحَّةِ كَانَ فَاسِقًا " مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ بِالصِّحَّةِ، وَيُخَالِفُ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ عِنْدَهُ. وَلَا يَلْزَمُ تَقْلِيدُهُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ " إنْ كَانَ لَا مَعَ عِلْمِهِ بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِرِوَايَتِهِ، فَيُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ " مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِعَدَالَةِ اللَّهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ ظَاهِرًا. فَلَا يُتْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ وَالِاحْتِمَالِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَال بِهِ مِنْ جِهَةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ، لَمْ يُتَعَذَّرْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّفَرُّدِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْمَأْخَذِ - أَعْنِي أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لِرِوَايَتِهِ تَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِهَا - فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يُتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ مَأْخَذٍ مُعَيَّنٍ بُطْلَانُ مَأْخَذِ الْحُكْمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الِاعْتِذَارَاتِ: أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى غَيْرُ مَقْبُولٍ. فَهَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْبِيَاعَاتِ مِمَّا تَتَكَرَّرُ مَرَّاتٍ لَا تُحْصَى. وَمِثْلُ هَذَا تَعُمُّ الْبَلْوَى بِمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي أَنَّ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى يَكُونُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْكَافَّةِ. فَانْفِرَادُ الْوَاحِدِ بِهِ: عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، فَيُرَدُّ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِمَنْعِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ مَعًا. أَمَّا الْأُولَى - وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ بِمَا تَعُمُّ بِهِ
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْبَلْوَى - فَالْبَيْعُ كَذَلِكَ. وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى إثْبَاتِ خِيَارِ الْفَسْخِ. وَلَيْسَ الْفَسْخُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي الْبِيَاعَاتِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْبَيْعِ: الرَّغْبَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيمَا صَارَ إلَيْهِ. فَالْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْفَسْخِ لَا تَكُونُ عَامَّةً.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ الْمُعْتَمِدَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى عَدَالَةِ الرَّاوِي وَجَزْمِهِ بِالرِّوَايَةِ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ. وَعَدَمُ نَقْلِ غَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا، لِجَوَازِ عَدَمِ سَمَاعِهِ لِلْحُكْمِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يُبَلِّغُ الْأَحْكَامَ لِلْآحَادِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ تَبْلِيغُ كُلِّ حُكْمٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ. وَعَلَى تَقْدِيرِ السَّمَاعِ: فَجَائِزٌ أَنْ يَعْرِضَ مَانِعٌ مِنْ النَّقْلِ، أَعْنِي نَقْلَ غَيْرِ هَذَا الرَّاوِي. فَإِنَّمَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ إذَا اقْتَضَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُخْفِيَ الشَّيْءَ عَنْ أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَلَيْسَتْ الْأَحْكَامُ الْجُزْئِيَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِذَارَاتِ: هَذَا حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْأُصُولِ الْقِيَاسِيَّةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُعْمَلُ بِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَعْنِي بِمُخَالِفِ الْأُصُولِ الْقِيَاسِيَّةِ: مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي أَصْلِهِ قَطْعًا. وَثَبَتَ كَوْنُ الْفَرْعِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، لَمْ يُخَالَفْ إلَّا فِيمَا يُعْلَمُ عَرْوُهُ عَنْ مَصْلَحَةٍ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً بِشَرْعِ الْحُكْمِ. وَهَهُنَا كَذَلِكَ. فَإِنَّ مَنْعَ الْغَيْرِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ: ثَابِتٌ بَعْدَ التَّفَرُّقِ قَطْعًا. وَمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي مَعْنَاهُ، لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا فِيمَا يُقْطَعُ بَتَعَرِّيهِ عَنْ الْمَصْلَحَةِ وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَظْنُونِ لَا مَحَالَةَ. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِمَنْعِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ مَعًا.
أَمَّا الْأُولَى: فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ افْتِرَاقِ الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ إلَّا فِيمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْمَصَالِحِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَرَوٍّ. وَقَدْ يَحْصُلُ النَّدَمُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ. فَيُنَاسِبُ إثْبَاتَ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، دَفْعًا لِضَرَرِ النَّدَمِ، فِيمَا لَعَلَّهُ يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ. وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهُ مُطْلَقًا فِيمَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَقَبْلَهُ. فَإِنَّهُ رُفِعَ لِحِكْمَةِ الْعَقْدِ وَالْوُثُوقِ بِالتَّصَرُّفِ، فَجُعِلَ مَجْلِسُ الْعَقْدِ حَرِيمًا لِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَهَذَا مَعْنًى مُعْتَبَرٌ. لَا يَسْتَوِي فِيهِ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ مَعَ مَا بَعْدَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُخَالِفَ لِلْأُصُولِ يُرَدُّ. فَإِنَّ الْأَصْلَ يَثْبُتُ بِالنُّصُوصِ. وَالنُّصُوصُ ثَابِتَةٌ فِي الْفُرُوعِ الْمُعَيَّنَةِ. وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: أَنْ يَكُونَ
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْعُ أَخْرَجَ بَعْضَ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ الْكُلِّيَّاتِ لِمَصْلَحَةٍ تَخُصُّهَا، أَوْ تَعَبُّدًا فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
١ -
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مِنْ الِاعْتِذَارَاتِ: هَذَا حَدِيثٌ مُعَارِضٌ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلِهِمْ. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ. فَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ عَقِيبَ رِوَايَتِهِ " وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْلُومٌ. وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ " وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِمَا اُخْتُصَّ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ سُكْنَاهُمْ فِي مَهْبِطِ الْوَحْيِ وَوَفَاةِ الرَّسُولِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَمُخَالَفَتُهُمْ لِبَعْضِ الْأَخْبَارِ تَقْتَضِي عِلْمَهُمْ بِمَا أَوْجَبَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ نَاسِخٍ أَوْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ، وَلَا تُهْمَةَ تَلْحَقُهُمْ فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهُمْ. وَكَانَ ذَلِكَ أَرْجَحُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُخَالِفِ لِعَمَلِهِمْ.
وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى. وَهُوَ كَوْنُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَبَيَانُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا: أَنَّا تَأَمَّلْنَا لَفْظَ مَالِكٍ فَلَمْ نَجِدْهُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي أَلْفَاظِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ إجْمَاعٌ سَابِقٌ أَوْ لَاحِقٌ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأْسُ الْمُفْتِينَ فِي الْمَدِينَةِ فِي وَقْتِهِ. وَقَدْ كَانَ يَرَى إثْبَاتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ. فَإِنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ - مِنْ أَقْرَانِ مَالِكٍ وَمُعَاصِرِيهِ - وَقَدْ أَغْلَظَ عَلَى مَالِكٍ لَمَّا بَلَغَهُ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ.
وَثَانِيهِمَا: مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ. وَهُوَ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلَهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا. فَإِنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ عَمَلَهُمْ وَإِجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَالنَّظَرُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْعَاصِمَ لِلْأُمَّةِ مِنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يَتَنَاوَلُ بَعْضَهُمْ. وَلَا مُسْتَنَدَ لِلْعِصْمَةِ سِوَاهُ. وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُقْبَلُ خِلَافُهُ مَا دَامَ مُقِيمًا بِهَا فَإِذَا خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ؟ فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ. فَإِنَّ قَبُولَ خِلَافِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِ حَيْثُ حَلَّ.
فَتُفْرَضُ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ بَعْضِ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا مِنْ الصَّحَابَةِ، بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْوَحْي وَمَوْتِ الرَّسُولِ ﷺ . فَكُلُّ مَا قِيلَ مِنْ تَرْجِيحٍ لِأَقْوَالِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا اجْتَمَعَ لَهُمْ مِنْ الْأَوْصَافِ قَدْ كَانَ حَاصِلًا لِهَذَا الصَّحَابِيِّ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ بِخُرُوجِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي ذَلِكَ
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَقْتِ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَقَالَ أَقْوَالًا بِالْعِرَاقِ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ إهْدَارُهَا إذَا خَالَفَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ؟ وَهُوَ كَانَ رَأْسَهُمْ. وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَمَحِلُّهُ مِنْ الْعِلْمِ مَعْلُومٌ. وَغَيْرُهُمَا قَدْ خَرَجُوا، وَقَالُوا أَقْوَالًا. عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: إنَّ الْمَسَائِلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا خَارِجَ الْمَدِينَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ وَادُّعِيَ الْعُمُومُ فِي ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِلْحَدِيثِ «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» فَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ لَمَا احْتَاجَ إلَى الِاسْتِقَالَةِ، وَلَا طَلَبَ الْفِرَارَ مِنْ الِاسْتِقَالَةِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقَالَةِ: فَسْخُ الْبَيْعِ بِحُكْمِ الْخِيَارِ. وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ فِي لَفْظِ الِاسْتِقَالَةِ " لَكِنْ جَازَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. وَقَدْ دَلَّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى التَّفَرُّقِ. فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ، صَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَرْتَفِعُ بِالتَّفَرُّقِ. وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِقَالَةِ. فَالِاسْتِقَالَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّفَرُّقِ. وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِالْمَجْلِسِ.
الثَّانِي: أَنَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ، فَالتَّفَرُّقُ مُبْطِلٌ لَهُ قَهْرًا. فَيُنَاسِبُ الْمَنْعَ مِنْ التَّفَرُّقِ الْمُبْطِلِ لِلْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ. أَمَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَوْفَ الِاسْتِقَالَةِ. وَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا النَّظَرُ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ التَّحْرِيمِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ بِحَمْلِ الْمُتَبَايِعَيْنِ " عَلَى " الْمُتَسَاوِمَيْنِ " لِمَصِيرِ حَالِهِمَا إلَى الْبَيْعِ، وَحَمْلِ " الْخِيَارِ " عَلَى " خِيَارِ الْقَبُولِ ".
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْمُتَسَاوِمَيْنِ مُتَبَايِعَيْنِ مَجَازٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ: بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُمَا " مُتَبَايِعَيْنِ " بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْبَيْعِ مَجَازٌ أَيْضًا. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَجَازِ أَوْلَى؟ فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ إذَا صَدَرَ الْبَيْعُ فَقَدْ وُجِدَتْ الْحَقِيقَةُ. فَهَذَا الْمَجَازُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ مَجَازٍ لَمْ تُوجَدْ حَقِيقَتُهُ أَصْلًا عِنْدَ إطْلَاقِهِ. وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الْمُتَسَاوِمَيْنِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: حَمْلُ " التَّفَرُّقِ " عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ. وَقَدْ عُهِدَ ذَلِكَ
стр. 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شَرْعًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠] أَيْ عَنْ النِّكَاحِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. فَإِنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ: التَّفَرُّقُ عَنْ الْمَكَانِ. وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا» وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ. وَرُبَّمَا اُعْتُرِضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّفَرُّقِ: لَا تَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ. بَلْ هِيَ عَائِدَةٌ إلَى مَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ وَإِذَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ فِي الْأَقْوَالِ: كَانَ التَّفَرُّقُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا: كَانَ التَّفَرُّقُ عَنْهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَكَانِ بِقَرِينَةٍ: يَكُونُ مَجَازًا.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ. فَالْحَالُ لَا تَخْلُو: إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الِاخْتِيَارِ، أَوْ يَخْتَلِفَا. فَإِنْ اتَّفَقَا لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ خِيَارٌ. وَإِنْ اخْتَلَفَا - بِأَنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِمْضَاءَ، فَقَدْ اسْتَحَالَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ. إذْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ مُسْتَحِيلٌ. فَيَلْزَمُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ. وَلَا نَحْتَاجُ إلَيْهِ. وَيَكْفِينَا صَدُّكُمْ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنْ قِيلَ: لَمْ يُثْبِتْ ﷺ مُطْلَقَ الْخِيَارِ، بَلْ أَثْبَتَ الْخِيَارَ، وَسَكَتَ عَمَّا فِيهِ الْخِيَارُ. فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ. فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ أَبَى صَاحِبُهُ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ ادِّعَاءُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ: إمَّا لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ. وَإِمَّا لِحَدِيثِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْحَاجَةَ إلَى الْيَمِينَيْنِ. وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ لُزُومَ الْعَقْدِ. فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لَكَانَ كَافِيًا فِي رَفْعِ الْعَقْدِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
أَمَّا النَّسْخُ لِأَجْلِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ. وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَمُجَرَّدُ الْمُخَالَفَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّسْخِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ
стр. 434
٢٥٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِدَلِيلٍ آخَرَ رَاجِحٍ فِي ظَنِّهِمْ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ " اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ " فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ أَوْ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَنِ التَّفَرُّقِ وَزَمَنِ الْمَجْلِسِ. فَيُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَلَا حَاجَةَ إلَى النَّسْخِ. وَالنَّسْخُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: حَمْلُ " الْخِيَارِ " عَلَى خِيَارِ الشِّرَاءِ، أَوْ خِيَارِ إلْحَاقِ الزِّيَادَةِ بِالثَّمَنِ، أَوْ الْمُثَمَّنِ. وَإِذَا تَرَدَّدَ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَفْظَةَ " الْخِيَارِ " قَدْ عُهِدَ اسْتِعْمَالُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خِيَارِ الْفَسْخِ، كَمَا فِي حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ «وَلَكَ الْخِيَارُ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ خِيَارُ الْفَسْخِ. وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ «فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا» وَالْمُرَادُ خِيَارُ الْفَسْخِ. فَيُحْمَلُ الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ هَهُنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْهُودًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْإِرَادَةِ.
الثَّانِي: قِيَامُ الْمَانِعِ مِنْ إرَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخِيَارَيْنِ. أَمَّا خِيَارُ الشِّرَاءِ: فَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اسْمِ " الْمُتَبَايِعَيْنِ " الْمُتَعَاقِدَانِ. وَالْمُتَعَاقِدَانِ: مَنْ صَدَرَ مِنْهُمَا الْعَقْدُ وَبَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ لَهُمَا خِيَارُ الشِّرَاءِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ذَلِكَ إلَى أَوَانِ التَّفَرُّقِ.
وَأَمَّا خِيَارُ إلْحَاقِ الزِّيَادَةِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْمُثَمَّنِ: فَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ثُبُوتَهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَدَمَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِيَارَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا. فَلَا يَكُونُ لَهُمَا إلَى أَوَانِ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ كَانَ: فَيَبْقَى بَعْدَ التَّفَرُّقِ عَنْ الْمَجْلِسِ فَكَيْفَمَا كَانَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْخِيَارُ لَهُمَا ثَابِتًا، مُغَيًّا إلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ. وَالْخِيَارُ الْمُثْبَتُ بِالنَّصِّ هَهُنَا: هُوَ خِيَارٌ مُغَيًّا إلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ. ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْخِيَارِ هَذَا وَمِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ، مَا ذُكِرَ: أَنَّ مَالِكًا نُسِبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ. وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا حُمِلَ الْخِيَارُ " وَ " الْمُتَبَايِعَانِ " وَ " الِافْتِرَاقُ " عَلَى مَا ذُكِرَ. هَكَذَا قَالَ بَعْضُ النُّظَّارِ، إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ. فَإِنَّ نِسْبَةَ مَالِكٍ إلَى ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْ كُلِّ الْأُمَّةِ وَلَا أَكْثَرِهِمْ.
стр. 435
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى. عَنْ الْمُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ - وَنَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ. وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ وَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ.»
٢٥٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[بَابُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ] [حَدِيثُ نَهَى رَسُول اللَّهِ عَنْ الْمُنَابَذَةِ]
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مَنْعِ هَذَيْنِ. الْبَيْعَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ " الْمُلَامَسَةِ " فَقِيلَ: هِيَ أَنْ يُجْعَلَ اللَّمْسُ بَيْعًا، بِأَنْ يَقُولَ: إذَا لَمَسْتُ ثَوْبِي فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْكَ بِكَذَا وَكَذَا. وَهَذَا بَاطِلٌ لِلتَّعْلِيقِ فِي الصِّيغَةِ، وَعُدُولِهِ عَنْ الصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْبَيْعِ شَرْعًا وَقَدْ قِيلَ: هَذَا مِنْ صُوَرِ الْمُعَاطَاةِ. وَقِيلَ: تَفْسِيرُهَا أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمَسَ الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ. وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَفَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀: بِأَنْ يَأْتِيَ بِثَوْبٍ مَطْوِيٍّ أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، فَيَلْمِسَهُ الرَّاغِبُ، وَيَقُولَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: بِعْتُكَ هَذَا، بِشَرْطِ أَنْ يَقُومَ لِمَسْكِ مَقَامَ النَّظَرِ. وَهَذَا فَاسِدٌ إنْ أَبْطَلْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ. وَكَذَا إنْ صَحَّحْنَاهُ، لِإِقَامَةِ اللَّمْسِ مَقَامَ النَّظَرِ. وَقِيلَ يَتَخَرَّجُ عَلَى نَفْيِ شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ: عَدَمُ النَّظَرِ وَالتَّقْلِيبِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَمْنَعُ بَيْعَ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ، عَمَلًا بِالْعِلَّةِ. وَمَنْ يَشْتَرِطُ الْوَصْفَ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هَهُنَا لَمْ يَذْكُرْ وَصْفًا.
١ -
وَأَمَّا " الْمُنَابَذَةُ " فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ " أَنَّهَا طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ " وَالْكَلَامُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَاطَاةِ وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. فَإِذَا عُلِّلَ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ الْمَشْرُوطَةِ: فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. وَإِذَا فُسِّرَ بِأَمْرٍ لَا يَعُودُ إلَى ذَلِكَ: اُحْتِيجَ حِينَئِذٍ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُعَاطَاةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا.
стр. 436
تَنَاجَشُوا. وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ. وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. وَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ. وَفِي لَفْظٍ هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ]
" تَلَقِّي الرُّكْبَانِ " مِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ. وَهُوَ أَنْ يَتَلَقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا، فَيَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمُوا الْبَلَدَ، فَيَعْرِفُوا الْأَسْعَارَ. وَالْكَلَامُ فِيهِ: فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: التَّحْرِيمُ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ قَاصِدًا لِلتَّلَقِّي: فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ خَرَجَ لِشُغْلٍ آخَرَ، فَرَآهُمْ مُقْبِلِينَ، فَاشْتَرَى: فَفِي إثْمِهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ. أَظْهَرُهُمَا: التَّأْثِيمُ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: صِحَّةُ الْبَيْعِ أَوْ فَسَادُهُ. وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: صَحِيحٌ. وَإِنْ كَانَ آثِمًا. وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: يَبْطُلُ. وَمُسْتَنَدُهُ: أَنَّ النَّهْيَ لِلْفَسَادِ. وَمُسْتَنَدُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ. وَلَا يُخِلُّ هَذَا الْفِعْلُ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ. وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: إثْبَاتُ الْخِيَارِ. فَحَيْثُ لَا غُرُورَ لِلرُّكْبَانِ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِالسِّعْرِ فَلَا خِيَارَ. وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَإِنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْخَصَ مِنْ السِّعْرِ فَلَهُمْ الْخِيَارُ. وَمَا فِي لَفْظِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ " أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ بِالسِّعْرِ كَاذِبًا " لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ. وَإِنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ بِمِثْلِ سِعْرِ الْبَلَدِ أَوْ أَكْثَرَ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ. مِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إلَى انْتِفَاءِ الْمَعْنَى. وَهُوَ الْغَرَرُ وَالضَّرَرُ. فَلَمْ يُثْبِتْ الْخِيَارَ. وَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إلَى لَفْظِ حَدِيثٍ وَرَدَ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُمْ فَجَرَى عَلَى ظَاهِرِهِ. وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْمَعْنَى. وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ: فَهَلْ
стр. 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ يَمْتَدُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالْأَظْهَرُ: الْأَوَّلُ.
[مَسْأَلَةٌ البع عَلَى الْبَيْع] ١
وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» فَقَدْ فُسِّرَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فَيَدْعُوهُ غَيْرُهُ إلَى الْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ خَيْرًا مِنْهُ بِأَرْخَصَ. وَفِي مَعْنَاهُ: الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ. وَهُوَ أَنْ يَدْعُوَا الْبَائِعَ إلَى الْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ إنَّمَا تُتَصَوَّرَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ فِي حَالَةِ الْجَوَازِ، وَقَبْلَ اللُّزُومِ. وَتَصَرَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا النَّهْيِ. وَخَصَّصَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصُّورَةِ غَبْنٌ فَاحِشٌ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا فَيَدْعُو إلَى الْفَسْخِ. وَيَشْتَرِيهِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ فَسَّرَ الْبَيْعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالسَّوْمِ عَلَى السَّوْم. وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ فَيَقُولَ لَهُ إنْسَانٌ رُدَّهُ، لِأَبِيعَ مِنْكَ خَيْرًا مِنْهُ وَأَرْخَصَ، أَوْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ: اسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْك بِأَكْثَرَ. وَلِلتَّحْرِيمِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: اسْتِقْرَارُ الثَّمَنِ. فَأَمَّا مَا يُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ: فَلِلطَّالِبِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الطَّالِبِ. وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ التَّرَاضِيَ بَيْنَ الْمُتَسَاوِمَيْنِ صَرِيحًا. فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ: فَوَجْهَانِ. وَلَيْسَ السُّكُوتُ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ دَلَائِلِ الرِّضَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ.
[التَّنَاجُش] ١
وَأَمَّا قَوْلُهُ " وَلَا تَنَاجَشُوا " فَهُوَ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ. وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي سِلْعَةٍ تُبَاعُ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ. وَهُوَ رَاغِبٌ فِيهَا. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِ اللَّفْظَةِ. فَقِيلَ: إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَعْنَى الْإِثَارَةِ. كَأَنَّ النَّاجِشَ يُثِيرُ هِمَّةَ مَنْ يَسْمَعُهُ لِلزِّيَادَةِ. وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إثَارَةِ الْوَحْشِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان. وَقِيلَ: أَصْلُ اللَّفْظَةِ: مَدْحُ الشَّيْءِ وَإِطْرَاؤُهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَرَامٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَدِيعَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ. وَأَمَّا إثْبَاتُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي. الَّذِي غُرَّ
стр. 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالنَّجْشِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّجْشُ عَنْ مُوَاطَأَةٍ مِنْ الْبَائِعِ. فَلَا خِيَارَ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي]
وَأَمَّا بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي " فَمِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِأَجْلِ الضَّرَرِ أَيْضًا. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَحْمِلَ الْبَدْوِيُّ أَوْ الْقَرَوِيُّ مَتَاعَهُ إلَى الْبَلَدِ لِيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ وَيَرْجِعَ فَيَأْتِيهِ الْبَلَدِيُّ فَيَقُولُ: ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِزِيَادَةِ سِعْرٍ. وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِأَهْلِ الْبَلَدِ، وَحَرَامٌ إنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ. وَتَصَرَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ. فَقَالُوا: شَرْطُهُ أَنْ يَظْهَرَ لِذَلِكَ الْمَتَاعِ الْمَجْلُوبِ سِعْرٌ فِي الْبَلَدِ. فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ - لِكَثْرَتِهِ فِي الْبَلَدِ، أَوْ لِقِلَّةِ الطَّعَامِ الْمَجْلُوبِ: فَفِي التَّحْرِيمِ وَجْهَانِ. يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا: إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَفِي الْآخَرِ: إلَى الْمَعْنَى وَعَدَمِ الْإِضْرَارِ، وَتَفْوِيتِ الرِّبْحِ، أَوْ الرِّزْقِ عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ. وَقَالُوا أَيْضًا: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، دُونَ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا نَادِرًا. وَأَنْ يَدْعُوَ الْبَلَدِيُّ الْبَدْوِيَّ إلَى ذَلِكَ. فَإِنْ الْتَمَسَهُ الْبَدْوِيُّ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ وَلَوْ اسْتَشَارَهُ الْبَدْوِيُّ، فَهَلْ يُرْشِدُهُ إلَى الِادِّخَارِ وَالْبَيْعِ عَلَى التَّدْرِيجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: قَدْ تَدُورُ بَيْنَ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَاتِّبَاعِ اللَّفْظِ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي الْمَعْنَى إلَى الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ. فَحَيْثُ يَظْهَرُ ظُهُورًا كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَخْصِيصِ النَّصِّ بِهِ، أَوْ تَعْمِيمِهِ عَلَى قَوَاعِدِ الْقَيَّاسِينَ. وَحَيْثُ يَخْفَى، وَلَا يَظْهَرُ ظُهُورًا قَوِيًّا. فَاتِّبَاعُ اللَّفْظِ أَوْلَى. فَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَلَدِيُّ ذَلِكَ: فَلَا يَقْوَى لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِيهِ. فَإِنَّ الضَّرَرَ الْمَذْكُورَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النَّهْيُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ سُؤَالِ الْبَدْوِيِّ وَعَدَمِهِ ظَاهِرًا. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ: فَمُتَوَسِّطٌ فِي الظُّهُورِ وَعَدَمِهِ. لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَاعَى مُجَرَّدُ رِبْحِ النَّاسِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ التَّعْلِيلُ، مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَظْهَرَ لِذَلِكَ الْمَتَاعِ الْمَجْلُوبِ سِعْرٌ فِي الْبَلَدِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، أَيْ أَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ فِي الظُّهُورِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ
стр. 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهَا مَا يَقُومُ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهِ، كَشَرْطِنَا الْعِلْمَ بِالنَّهْيِ. وَلَا إشْكَالَ فِيهِ. وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ بِاسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى، فَيُخَرَّجُ عَلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ. وَهِيَ أَنَّ النَّصَّ إذَا اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالتَّخْصِيصِ. هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ وَيَظْهَرُ لَكَ هَذَا بِاعْتِبَارِ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ.
[قَوْلُهُ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ] ١
وَقَوْلُهُ «وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ» فِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: الصَّحِيحُ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ: ضَمُّ التَّاءِ وَفَتْحُ الصَّادِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ عَلَى وَزْنِ " تُزَكُّوا " مَأْخُوذٌ مِنْ صَرَّى يُصَرِّي. وَمَعْنَى اللَّفْظَةُ: يَرْجِعُ إلَى الْجَمْعِ. تَقُولُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، وَصَرَيْته - بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ إذَا جَمَعْتَهُ، وَ " الْغَنَمَ " مَنْصُوبَةُ الْمِيمِ عَلَى هَذَا. وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ " لَا تَصُرُّوا " بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ - مِنْ صَرَّ يَصُرُّ: إذَا رَبَطَ. " وَالْمُصَرَّاةُ " هِيَ الَّتِي تُرْبَطُ أَخْلَافُهَا لِيَجْتَمِعَ اللَّبَنُ وَ " الْغَنَمَ " عَلَى هَذَا: مَنْصُوبَةُ الْمِيمِ أَيْضًا وَأَمَّا مَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ - مِنْ ضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ مِيمِ الْغَنَمِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ - فَهَذَا لَا يَصِحُّ مَعَ اتِّصَالِ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَعَ إفْرَادِ الْفِعْلِ. وَلَا نَعْلَمُ رِوَايَةً حُذِفَ فِيهَا هَذَا الضَّمِيرُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَا خِلَافَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ حَرَامٌ. لِأَجْلِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ الَّتِي فِيهَا لِلْمُشْتَرِي. وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، مَعَ عِلْمِ تَحْرِيمِ الْخَدِيعَةِ قَطْعًا مِنْ الشَّرْعِ.
[مَسْأَلَةٌ تَحَفَّلَتْ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا أَوْ نَسِيَهَا الْمَالِكُ بَعْدَ أَنْ صَرَّاهَا لَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ] ١
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: النَّهْيُ وَرَدَ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ مَا يَصْدُرُ بِاخْتِيَارِهِ وَتَعَمُّدِهِ فَرُتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ. فَلَوْ تَحَفَّلَتْ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا، أَوْ نَسِيَهَا الْمَالِكُ بَعْدَ أَنْ صَرَّاهَا، لَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ، فَهَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى أَثْبَتَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَدْلِيسُ الْبَائِعِ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ خَصَّهُ بِمَوْرِدِهِ. وَهُوَ حَالَةُ الْعَمْدِ. فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ الْعَمْدِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ " لَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ " وَفِي الصَّحِيحِ " الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ " وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ التَّصْرِيَةِ. وَالْفُقَهَاءُ تَصَرَّفُوا، وَتَكَلَّمُوا فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ الْحَيَوَانِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ. فَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ إلَى النَّعَمِ خَاصَّةً وَمِنْهُمْ مِنْ عَدَّاهُ إلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ. وَهَذَا نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى. فَإِنَّ الْمَأْكُولَ اللَّحْمَ يُقْصَدُ لَبَنُهُ فَتَفْوِيتُ الْمَقْصُودِ الَّذِي ظَنَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْخَدِيعَةِ مُوجِبٌ لِلْخِيَارِ.
فَلَوْ حَفَّلَ أَتَانًا، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَجْهَانِ لَهُمْ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِشُرْبِ الْآدَمِيِّ، إلَّا أَنَّهُ مَقْصُودٌ لِتَرْبِيَةِ الْجَحْشِ. وَإِذَا اُعْتُبِرَ الْمَعْنَى. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ هَذَا الْوَجْهُ. لِأَنَّ إثْبَاتَ الْخِيَارِ يَعْتَمِدُ فَوَاتَ أَمْرٍ مَقْصُودٍ. وَلَا يَتَخَصَّصُ ذَلِكَ بِأَمْرِ مُعَيَّنٍ. أَعْنِي الشُّرْبَ مَثَلًا. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْجَارِيَةِ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ لَوْ حَفَّلَهَا. وَإِذَا أُثْبِتَ الْخِيَارُ فِي الْأَتَانِ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَرُدُّ لِأَجْلِ لَبَنِهَا شَيْئًا.
وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ: أَنَّ الْأَتَانَ لَا يُقَاسُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، أَعْنِي الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ: اتِّحَادُ الْحُكْمِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهَا مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى. وَفِي رَدِّ شَيْءٍ لِأَجْلِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ خِلَافٌ أَيْضًا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ ﵇ " بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا " مُطْلَقٌ فِي الْحَلَبَاتِ، لَكِنْ قَدْ تَقَيَّدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إثْبَاتُ الْخِيَارِ " بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَبَهَا ثَانِيَةً، وَأَرَادَ الرَّدَّ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا إذَا حَلَبَهَا الثَّالِثَةَ، هَلْ يَكُونُ رَضِيَ بِمَنْعِ الرَّدِّ. وَرَجَّحُوا أَنْ لَا يُمْنَعَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْحَدِيثُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّصْرِيَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِثَلَاثِ حَلَبَاتٍ. فَإِنَّ الْحَلْبَةَ الثَّانِيَةَ إذَا نَقَصَتْ مِنْ الْأُولَى: جَوَّزَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَرْعَى، أَوْ لِأَمْرٍ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ. فَإِذَا حَلَبَهَا الثَّالِثَةَ تَحَقَّقَ التَّصْرِيَةُ. وَإِذَا كَانَتْ لَفْظَةُ " حَلَبَهَا " مُطْلَقَةً. فَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الْحَلْبَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. وَإِنَّمَا يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِيَارِ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ] ١
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ «وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا» يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَلْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ يَمْتَدُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ فَقِيلَ يَمْتَدُّ، لِلْحَدِيثِ. وَقِيلَ: يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، طَرْدًا لِقِيَاسِ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَيُتَأَوَّلُ الْحَدِيثُ. وَالصَّوَابُ: اتِّبَاعُ النَّصِّ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَقْدِيمُ
стр. 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّصِّ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خُولِفَ الْقِيَاسُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ، لِأَجْلِ النَّصِّ فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ، وَيُتَّبَعُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: يَقْتَضِي الْحَدِيثُ رَدَّ شَيْءٍ مَعَهَا عِنْدَمَا يَخْتَارُ رَدَّهَا وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ " وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْغَلَّةَ لِمَنْ اسْتَوْفَاهَا بِعَقْدٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، تَكُونُ لَهُ بِضَمَانِهِ. فَاللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ إذَا فَاتَ غَلَّةٌ. فَلْتَكُنْ لِلْمُشْتَرِي. وَلَا يَرُدُّ لَهَا بَدَلًا. وَالصَّوَابُ: الرَّدُّ، لِلْحَدِيثِ عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي رَدَّ الصَّاعِ مَعَ الشَّاةِ بِصَرِيحِهِ. وَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ رَدِّ اللَّبَنِ. وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إنْ كَانَ اللَّبَنَ بَاقِيًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؟ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ. لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ.
وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ طَرَاوَتَهُ ذَهَبَتْ. فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ. وَاتِّبَاعُ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَوْلَى فِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الرَّدُّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ زَادُوا عَلَى هَذَا. وَقَالُوا: لَوْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا قَوْلَانِ. وَوَجَّهُوا الْمَنْعَ: بِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ الصَّاعُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ. فَبَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِاللَّبَنِ. وَوَجَّهُوا الْجَوَازَ: بِأَنَّهُ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِمْ فِي اتِّبَاعِ الْمَعَانِي، دُونَ اعْتِبَارِ الْأَلْفَاظِ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي تَعْيِينَ الْمَرْدُودِ فِي التَّمْرِ. فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ. وَهُوَ الصَّوَابُ وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ إلَى سَائِرِ الْأَقْوَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ غَالِبَ قُوتِ الْبَلَدِ. وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ» وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ عَدَّاهُ إلَى سَائِرِ الْأَقْوَاتِ. وَإِنْ كَانَتْ السَّمْرَاءُ غَالِبَ قُوتِ الْبَلَدِ - أَعْنِي الْمَدِينَةَ - فَهُوَ رَدٌّ عَلَى قَائِلِهِ أَيْضًا.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ فِي الصَّاعِ مُطْلَقًا. وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: ذَلِكَ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ الصَّاعُ، قَلَّ اللَّبَنُ أَوْ كَثُرَ، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَتَقَدَّرُ اللَّبَنُ، اتِّبَاعًا لِقِيَاسِ الْغَرَامَاتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِيَارِ بَعْدَ حَلْبِ المصراة] ١
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ ﵇ «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا» قَدْ يُقَالُ هَهُنَا سُؤَالٌ.
وَهُوَ أَنَّ. الْحَدِيثَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ بَعْدَ الْحَلْبِ. وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحَلْبِ إذَا عُلِمَتْ التَّصْرِيَةُ.
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، أَعْنِي الْإِمْسَاكَ وَالرَّدَّ مَعَ الصَّاعِ. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَلْبِ، لِتَوَقُّفِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْحَلْبِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ عِوَضٌ عَنْ اللَّبَنِ. وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ: الْحَلْبُ.
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ المصراة]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ أَيْضًا بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهِ. وَاَلَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ: أَنَّهُ قِيلَ حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ - فَمِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ الْأُصُولِ: أَنَّ ضَمَانَ الْمِثْلِيَّاتِ بِالْمِثْلِ. وَضَمَانَ الْمُتَقَوِّمَاتِ بِالْقِيمَةِ مِنْ النَّقْدَيْنِ. وَهَهُنَا إنْ كَانَ اللَّبَنُ مِثْلِيًّا كَانَ يَنْبَغِي ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ لَبَنًا. وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا ضُمِنَ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّقْدَيْنِ. وَقَدْ وَقَعَ هَهُنَا مَضْمُونًا بِالتَّمْرِ. فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْأَصْلَيْنِ جَمِيعًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ مُقَدَّرَ الضَّمَانِ بِقَدْرِ التَّالِفِ. وَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، فَقَدْرُ الضَّمَانِ مُخْتَلِفٌ لَكِنَّهُ قُدِّرَ هَهُنَا بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ الصَّاعُ مُطْلَقًا. فَخَرَجَ مِنْ الْقِيَاسِ الْكُلِّيِّ فِي اخْتِلَافِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ بِاخْتِلَافِ قَدْرِهَا وَصِفَتِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّبَنَ التَّالِفَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ، كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ بَعْضُ أَعْضَاءِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ. فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ. وَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّبَنُ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي. فَلَا يَضْمَنُهُ. وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا فَمَا كَانَ مِنْهُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ الرَّدِّ. وَمَا كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ.
الرَّابِعُ: إثْبَاتُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ: مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ. فَإِنَّ الْخِيَارَاتِ الثَّابِتَةَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ: لَا تَتَقَدَّرُ بِالثَّلَاثَةِ، كَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهُ، وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ.
الْخَامِسُ: يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَ الصَّاعِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ ثَمَنِهَا.
стр. 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السَّادِسُ: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الرِّبَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَاةً بِصَاعٍ. فَإِنْ اسْتَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَقَدْ اسْتَرْجَعَ الصَّاعَ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ. فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ صَاعًا وَشَاةً بِصَاعٍ وَذَلِكَ خِلَافُ قَاعِدَةِ الرِّبَا عِنْدَكُمْ. فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ.
السَّابِعُ: إذَا كَانَ اللَّبَنُ بَاقِيًا لَمْ يُكَلَّفْ رَدَّهُ عِنْدَكُمْ فَإِذَا أَمْسَكَهُ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ تَلِفَ فَيَرُدُّ الصَّاعَ. وَفِي ذَلِكَ ضَمَانٌ بِالْأَعْيَانِ مَعَ بَقَائِهَا. وَالْأَعْيَانُ لَا تُضْمَنُ بِالْبَدَلِ إلَّا مَعَ فَوَاتِهَا، كَالْمَغْصُوبِ وَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ.
الثَّامِنُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ أَثْبَتَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ اللَّبَنِ لَوْ كَانَ عَيْبًا لَثَبَتَ بِهِ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيَةٍ. وَلَا يَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الشَّرْعِ إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ شَرْطٍ وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ: لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ - فَلِأَنَّ الْأُصُولَ الْمَعْلُومَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا مِنْ الشَّرْعِ. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ. وَالْمَظْنُونُ لَا يُعَارِضُ الْمَعْلُومَ. أَجَابَ الْقَائِلُونَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ: بِالطَّعْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ جَمِيعًا. أَعْنِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَأَنَّهُ إذَا خَالَفَ الْأُصُولَ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ. أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ - فَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مُخَالَفَةِ الْأُصُولِ، وَمُخَالَفَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ. وَخُصَّ الرَّدُّ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْمُخَالَقَةِ لِلْأُصُولِ، لَا بِمُخَالَفَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ. وَهَذَا الْخَبَرُ إنَّمَا يُخَالِفُ قِيَاسَ الْأُصُولِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَسَلَكَ آخَرُونَ تَجْرِيحَ. جَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ. وَالْجَوَابَ عَنْهَا
стр. 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَمِيعَ الْأُصُولِ تَقْتَضِي الضَّمَانَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ. فَإِنَّ الْحُرَّ يُضْمَنُ بِالْإِبِلِ. وَلَيْسَتْ بِمِثْلٍ لَهُ وَلَا قِيمَةٍ. وَالْجَنِينُ يُضْمَنُ بِالْغُرَّةِ، وَلَيْسَتْ بِمِثْلٍ لَهُ وَلَا قِيمَةٍ. وَأَيْضًا فَقَدْ يُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِالْقِيمَةِ إذَا تَعَذَّرَتْ الْمُمَاثَلَةُ. وَهَهُنَا تَعَذَّرَتْ. أَمَّا الْأُولَى: فَمَنْ أَتْلَفَ شَاةً لَبُونًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا مَعَ اللَّبَنِ. وَلَا يُجْعَلُ بِإِزَاءِ لَبَنِهَا لَبَنٌ آخَرُ، لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَذَّرَتْ الْمُمَاثَلَةُ هَهُنَا -؛ فَلِأَنَّ مَا يَرُدُّهُ مِنْ اللَّبَنِ عِوَضًا عَنْ اللَّبَنِ التَّالِفِ لَا تَتَحَقَّقُ مُمَاثَلَتُهُ لَهُ فِي الْمِقْدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ اللَّبَنِ الْمَوْجُودِ حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ أَقَلَّ. وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: فَقِيلَ فِي جَوَابِهِ: إنَّ بَعْضَ الْأُصُولِ لَا يَتَقَدَّرُ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ، كَالْمُوضِحَةِ، فَإِنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ، مَعَ اخْتِلَافِهَا بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ. وَالْجَنِينُ مُقَدَّرٌ أَرْشُهُ. وَلَا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ. وَالْحُرُّ دِيَتُهُ مُقَدَّرَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّنَازُعُ وَالتَّشَاجُرُ يُقْصَدُ قَطْعُ النِّزَاعِ فِيهِ بِتَقْدِيرِهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ. وَتُقَدَّمُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: فَجَوَابُهُ، أَنْ يُقَالَ: مَتَى يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِالنَّقْصِ: إذَا كَانَ النَّقْصُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي: مُسَلَّمٌ. وَهَذَا النَّقْصُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ. فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ: فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ مُمَاثِلًا لَهُ وَخُولِفَ فِي حُكْمِهِ. وَهَهُنَا هَذِهِ الصُّورَةُ انْفَرَدَتْ عَنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ: أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي يُتَبَيَّنُ بِهَا لَبَنُ الْخِلْقَةِ الْمُجْتَمِعُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَاللَّبَنُ الْمُجْتَمِعُ بِالتَّدْلِيسِ فَهِيَ مُدَّةٌ يَتَوَقَّفُ عِلْمُ الْعَيْبِ عَلَيْهَا غَالِبًا. بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمُدَّةِ فِيهِمَا. وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ لَيْسَ لِاسْتِعْلَامِ عَيْبٍ وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ: فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ الْخَبَرَ وَارِدٌ عَلَى الْعَادَةِ. وَالْعَادَةُ: أَنْ لَا تُبَاعَ شَاةٌ بِصَاعٍ. وَفِي هَذَا ضَعْفٌ. وَقِيلَ: إنَّ صَاعَ التَّمْرِ بَدَلٌ عَنْ اللَّبَنِ لَا عَنْ الشَّاةِ. فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ: فَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إنَّ الرِّبَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي
стр. 445
٢٥٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعُقُودِ لَا فِي الْفُسُوخِ. بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَوْ تَقَايَلَا فِي هَذَا الْعَقْدِ. جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ: فَجَوَابُهُ فِيمَا قِيلَ: إنَّ اللَّبَنَ الَّذِي كَانَ فِي الضَّرِعِ حَالَ الْعَقْدِ يَتَعَذَّرُ رَدُّهُ، لِاخْتِلَاطِهِ بِاللَّبَنِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَحَدُهُمَا لِلْبَائِعِ، وَالْآخَرُ لِلْمُشْتَرِي. وَتَعَذَّرَ الرَّدِّ لَا يَمْنَعُ مِنْ الضَّمَانِ، مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ: فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِالتَّدْلِيسِ، كَمَا لَوْ بَاعَ رَحًا دَائِرَةً بِمَاءٍ قَدْ جَمَعَهُ لَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي - وَهُوَ النِّزَاعُ فِي تَقْدِيمِ قِيَاسِ الْأُصُولِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ - فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، يَجِبُ اعْتِبَارُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الْأُصُولِ: نَصَّ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا. وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ. فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ، بِاعْتِبَارِ الْقَطْعِ وَكَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَظْنُونًا: فَتَنَاوُلُ الْأَصْلِ لِمَحِلِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، لِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ مَحَلِّ الْخَبَرِ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ. وَعِنْدِي: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَقْوَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِالِاعْتِذَارَاتِ عَنْ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةً أُخْرَى فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ وَهِيَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِالْمَالِ جَائِزَةً. وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ إثْبَاتُ نَسْخٍ بِالِاحْتِمَالِ وَالتَّقْدِيرِ. وَهُوَ غَيْرُ سَائِغٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَى شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا تَحْلُبُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ مَثَلًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَاسِدٌ. فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إسْقَاطِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا بَطَلَ وَأَمَّا رَدُّ الصَّاعِ: فَلِأَنَّهُ كَانَ قِيمَةَ اللَّبَنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالتَّصْرِيَةِ، وَمَا ذُكِرَ يَقْتَضِي تَعْلِيقَهُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، سَوَاءٌ أَحْدَثَ التَّصْرِيَةَ أَمْ لَا.
стр. 446
الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ. ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ - وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ - بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ» .
٢٥٨ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُولَ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ]
فِي تَفْسِيرِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ " وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَ إلَى أَنْ تَحْمِلَ النَّاقَةُ وَتَضَعَ، ثُمَّ يَحْمِلَ هَذَا الْبَطْنُ الثَّانِي. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَعْدُومٍ. وَهَذَا الْبَيْعُ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَبَايَعُهُ فَأَبْطَلَهُ الشَّارِعُ لِلْمَفْسَدَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ. وَهُوَ مَا بَيَّنَاهُ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَكَأَنَّ السِّرَّ فِيهِ: أَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، أَوْ إلَى التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ الْمُنَافِي لِلْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ.
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُول اللَّه عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا]
أَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنْ هَذَا النَّهْيَ: نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَالْفُقَهَاءُ أَخْرَجُوا مِنْ هَذَا الْعُمُومِ: بَيْعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا إبْقَاءٍ وَلِمَنْ يَمْنَعُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ عُمُومِهِ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ يَدْخُلُ بَاقِي صُوَرَ الْبَيْعِ تَحْتَ النَّهْيِ. وَمِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْبَيْعِ: بَيْعُ الْإِطْلَاقِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْمَنْعِ فِيهِ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَوْلُهُ " نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ " تَأْكِيدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ أَنَّ الْبَيْعَ - وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَكِبْ النَّهْيَ فِيهِ، قَائِلًا: أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ اعْتِبَارِ
стр. 447
٢٥٩ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ .»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَصْلَحَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي؟ فَإِنَّ الثِّمَارَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُعَرَّضَةٌ لِلْعَاهَاتِ. فَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهَا حَصَلَ الْإِجْحَافُ بِالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَمَعَ هَذَا: فَقَدْ مَنَعَهُ الشَّرْعُ. وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ كَمَا نَهَى الْبَائِعَ، وَكَأَنَّهُ قَطَعَ النِّزَاعَ وَالتَّخَاصُمَ. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمَعْنَى: حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ.
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُول اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ]
وَ " الْإِزْهَاءُ " تَغَيُّرُ لَوْنِ الثَّمَرَةِ فِي حَالَةِ الطِّيبِ. وَالْعِلَّةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهَا لِلْجَوَائِحِ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِمُسَمَّى الْإِزْهَاءِ وَابْتِدَائِهِ، مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ تَكَامُلِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مُسَمَّى الْإِزْهَاءِ غَايَةً لِلنَّهْيِ، وَبِأَوْلِهِ يَحْصُلُ الْمُسَمَّى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ - أَعْنِي مَا لَمْ يَزْهُ مِنْ الْحَائِطِ - إذَا دَخَلَ تَحْتَ اسْمِ الثَّمَرَةِ. فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ، فَإِنْ قَالَ بِهَذَا أَحَدٌ فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَهْوَ بَعْضِ الثَّمَرَةِ كَافٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا أَزْهَتْ بِإِزْهَاءِ بَعْضِهَا مَعَ حُصُولِ الْمَعْنَى، وَهُوَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ غَالِبًا. وَلَوْلَا وُجُودُ الْمَعْنَى كَانَ تَسْمِيَتُهَا " مُزْهِيَةً " بِإِزْهَاءِ بَعْضِهَا: قَدْ لَا يُكْتَفَى بِهِ لِكَوْنِهِ مَجَازًا. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ ﵇ «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» عَلَى وَضْعِ الْحَوَائِجِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ
стр. 448
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ: فَقُلْتُ لَابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ
٢٦١ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلًا: بِتَمْرٍ كَيْلًا. وَإِنْ كَانَ كَرْمًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.»
٢٦٢ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَأَنْ لَا تُبَاعَ إلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ]
فِي النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَتَفْسِيرُهُمَا. وَاَلَّذِي زَادَ هَذَا الْحَدِيثُ: تَفْسِيرَ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَفُسِّرَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ سِمْسَارًا.
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ]
الْمُزَابَنَةُ " مَأْخُوذَةٌ مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ. وَحَقِيقَتُهَا: بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ لَهَا أَمْثِلَةٌ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. وَمِنْ بَيْعِ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ. وَمِنْ بَيْعِ الزَّرْعِ بِكَيْلِ الطَّعَامِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُزَابَنَةً " مِنْ مَعْنَى الزَّبْنِ، لِمَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَمَّا يَرُومُهُ مِنْهُ.
стр. 449
الْعَرَايَا.»
٢٦٣ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.»
٢٦٤ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ «أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ]
" الْمُحَاقَلَةُ " بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ.
[حَدِيثٌ نَهَى رَسُول اللَّه عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ]
اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، فَمَنْ يَرَى نَجَاسَةَ الْكَلْبِ - وَهُوَ الشَّافِعِيُّ - يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ قَائِمَةٌ فِي الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ يَرَى بِطَهَارَتِهِ: اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْمُعَلَّمِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ غَيْرُ عَامَّةٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَيْعِ الْمُعَلَّمِ مِنْهُ حَدِيثٌ فِي ثُبُوتِهِ بَحْثٌ، يُحَالُ عَلَى عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا " مَهْرُ الْبَغِيِّ " فَهُوَ مَا تُعْطَاهُ عَلَى الزِّنَا. وَسُمِّيَ مَهْرًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. أَوْ اسْتِعْمَالًا لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ " فِي الْوَضْعِ: مَا يُقَابَلُ بِهِ النِّكَاحُ. " وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ " هُوَ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كِهَانَتِهِ. وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَذْلِ الْأَعْوَاضِ فِيمَا لَا يَجُوزُ مُقَابَلَتُهُ بِالْعِوَضِ. أَمَّا الزِّنَا: فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْكِهَانَةُ: فَبُطْلَانُهَا وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا: مِنْ بَابِ أَكَلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ مِنْ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ.
стр. 450
الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»
٢٦٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ: أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا وَلِمُسْلِمٍ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ]
إطْلَاقُ " الْخَبِيثِ " عَلَى ثَمَنِ الْكَلْبِ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ فِي كُلِّ كَلْبٍ. فَإِنْ ثَبَتَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِلَّا وَجَبَ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَالْخَبِيثُ مِنْ حَيْثُ هُوَ: لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ صَرِيحًا. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ " أَنَّهُ خَبِيثٌ " وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّحْرِيمِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ. وَهُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ " فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَةَ " الْخَبِيثِ " ظَاهِرَةٌ فِي الْحَرَامِ، فَخُرُوجُهَا عَنْ ذَلِكَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ بِدَلِيلٍ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ خُرُوجُهَا فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَأَمَّا " الْكَلْبُ " فَإِذَا قِيلَ بِثُبُوتِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ: كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَتِهِ. وَلَيْسَ يَدُلُّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهِ عَلَى نَجَاسَتِهِ
؛ لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ الْبَيْعِ: مُتَعَدِّدَةٌ لَا تَنْحَصِرُ فِي النَّجَاسَةِ
[بَابُ الْعَرَايَا وَغَيْرُ ذَلِكَ]
[حَدِيثٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَخَّصَ لِصَاحِبِ العرية أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا]
اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ " الْعَرِيَّةِ " الْمُرَخَّصِ فِيهَا. فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: هُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِقَدْرِ كَيْلِهِ مِنْ التَّمْرِ خَرْصًا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. وَعِنْدَ مَالِكٍ صُورَتُهُ: أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ - أَيْ يَهَبَ - ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ، ثُمَّ يَتَضَرَّرَ بِمُدَاخَلَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِخَرْصِهَا تَمْرًا. وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ رَبِّ الْبُسْتَانِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ: أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَرِيَّةَ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أَهْلِ
стр. 451
٢٦٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَدِينَةِ، مُتَدَاوَلَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَقَدْ نَقَلَهَا مَالِكٌ هَكَذَا.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ " لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ " فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ. وَهِيَ الْهِبَةُ الْوَاقِعَةُ. وَأَنْشَدُوا فِي تَفْسِيرِ الْعَرَايَا بِالْهِبَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلَا رَجَبِيَّةٍ … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " بِخَرْصِهَا " فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَقَيُّدٌ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِمَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِالرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ خَرْصًا فِيهِمَا، وَبِالرُّطَبِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَيْلًا. وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ لِلْحَاجَةِ إلَى تَحْصِيلِ الرُّطَبِ، وَهَذِهِ الْحَاجَةُ لَا تُوجَدُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الرُّطَبِ. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ ذَلِكَ النَّوْعُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَاعَ رُطَبًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِرُطَبٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ: لَمْ يَجُزْ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمَعَانِي فِي الرُّخْصَةِ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ عَلَى التَّدْرِيجِ طَرِيًّا، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ فِيمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ مَنْ لَا يَرَى اخْتِصَاصَ جَوَازِ بَيْعِ الْعَرَايَا لِمَحَاوِيجِ النَّاسِ. وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِمْ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِيهِ " أَنَّهُ سَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ. ﷺ وَلَا نَقْدَ فِي أَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا وَيَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولُ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ. فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ".
стр. 452
اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.» .
٢٦٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.» وَلِمُسْلِمٍ «وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ أَنَّ رَسُول اللَّهِ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ]
أَمَّا تَجْوِيزُ بَيْعِ الْعَرَايَا: فَقَدْ تَقَدَّمَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيَانَ مِقْدَارِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الرُّخْصَةُ. وَهُوَ مَا دُونَ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيمَا دُونَهَا. وَفِي خَمْسَةِ الْأَوْسُقِ قَوْلَانِ. وَالْقَدْرُ الْجَائِزُ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالصَّفْقَةِ، إنْ كَانَتْ وَاحِدَةً: اعْتَبَرْنَا مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فَمَنَعْنَا. وَمَا دُونَهَا فَأَجَزْنَا. أَمَّا لَوْ كَانَتْ صَفَقَاتٍ مُتَعَدِّدَةً: فَلَا مَنْعَ. وَلَوْ بَاعَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ رَجُلَيْنِ مَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَدْرُ الْجَائِزُ: جَازَ. وَلَوْ بَاعَ رَجُلَانِ مِنْ وَاحِدٍ: فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، أَظْهَرُ مِنْ تَعَدُّدِهَا بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ. أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، نَظَرًا إلَى مُشْتَرِي الرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ قِيَاسِ الرِّبَوِيَّاتِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُجَوَّزِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَعَدُّدِ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ، جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ. .
стр. 453
٢٦٨ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ]
يُقَالُ: أَبَرْتُ النَّخْلَةَ آبُرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ بِالتَّشْدِيدِ، وَ " التَّأْبِيرُ " هُوَ التَّلْقِيحُ. وَهُوَ أَنْ يُشَقِّقَ أَكِمَّةَ إنَاثِ النَّخْلِ، وَيَذُرَّ طَلْعَ الذَّكَرِ فِيهَا. وَلَا يُلَقَّحُ جَمِيعُ النَّخِيلِ، بَلْ يُؤَبَّرُ الْبَعْضُ وَيُشَقَّقُ الْبَاقِي. بِانْبِثَاثِ رِيحِ الْفُحُولِ إلَيْهِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ تَشَقُّقُ الطَّلْعِ. وَإِذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ. وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهُمْ خَالَفَ فِي هَذَا، وَقَالَ تَبْقَى الثِّمَارُ لِلْبَائِعِ، أُبِّرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَطَاهَا لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي: فَالشَّرْطُ مُتَّبَعٌ. وَقَوْلُهُ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ» حَقِيقَتُهُ: اعْتِبَارُ التَّأْبِيرِ فِي الْمَبِيعِ حَقِيقَةً بِنَفْسِهِ. وَقَدْ أَجْرَى تَأْبِيرَ الْبَعْضِ مَجْرَى تَأْبِيرِ الْجَمِيعِ إذَا كَانَ فِي بُسْتَانٍ وَاحِدٍ، وَاتَّحَدَ النَّوْعُ، وَبَاعَهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَجَعَلَ ذَلِكَ كَالنَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْكُلَّ يَبْقَى لِلْبَائِعِ، كَمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ، دَفْعًا لِضَرَرِ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ إذَا بَاعَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مُفْرَدًا بِالْعَقْدِ بَعْدَ تَأْبِيرِ غَيْرِهِ فِي الْبُسْتَانِ: أَنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَبِيعِ شَيْءٌ مُؤَبَّرٌ فَيَقْتَضِي مَفْهُومُ الْحَدِيثِ: أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْبَائِعِ. وَهَذَا أَصَحُّ وَجْهَيْ الشَّافِعِيَّةِ. كَأَنَّهُ إنَّمَا يَعْتَبِرُ عَدَمَ التَّأْبِيرِ إذَا بِيعَ مَعَ الْمُؤَبَّرِ. فَيُجْعَلُ تَبَعًا. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ. لَيْسَ هَهُنَا فِي الْمَبِيعِ شَيْءٌ مُؤَبَّرٌ. فَيُجْعَلُ غَيْرُهُ تَبَعًا. لَهُ.
وَأُدْخِلَ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْحَدِيثِ: مَا إذَا كَانَ التَّأْبِيرُ وَعَدَمُهُ فِي بُسْتَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَالْأَصَحُّ هَهُنَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِحُكْمِهِ. أَمَّا أَوَّلًا: فَلِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ لِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ تَأْثِيرًا فِي التَّأْبِيرِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ ضَرَرُ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَقَوْلِهِ «مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» يَسْتَدِلُّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ؛ لِإِضَافَةِ الْمَالِ إلَيْهِ بِاللَّامِ. وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ.
стр. 454
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَفِي لَفْظٍ «حَتَّى يَقْبِضَهُ» .
٢٦٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ.
٢٧٠ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ]
هَذَا نَصٌّ فِي مَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. وَمَالِكٌ خَصَّصَ الْحُكْمَ بِهِ إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالطَّعَامِ، بَلْ جَمِيعُ الْمَبِيعَاتِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا عِنْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ بَيْعَ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْمَنْعِ فِيمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ مَمْلُوكًا بِجِهَةِ الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَمْنُوعُ هُوَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ مَا إذَا كَانَ مَمْلُوكًا بِجِهَةِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ مَثَلًا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِعُقُودِ غَيْرِ الْبَيْعِ. مِنْهَا: الْعِتْقُ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْفُذُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ، بِأَنْ أَدَّى الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا. فَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، فَقِيلَ: هُوَ كَعِتْقِ الرَّاهِنِ. وَقِيلَ: لَا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ. وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: الْمَنْعُ. وَكَذَلِكَ فِي التَّزْوِيجِ خِلَافٌ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: خِلَافُهُ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ. وَأَجَازَهُمَا مَالِكٌ مَعَ الْإِقَالَةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْلِيَةَ بَيْعٌ. فَيَدْخُلَانِ تَحْتَ الْحَدِيثِ. وَفِي كَوْنِ الْإِقَالَةِ بَيْعًا: خِلَافٌ فَمَنْ لَا يَرَاهَا بَيْعًا لَا يُدْرِجُهَا تَحْتَ الْحَدِيثِ.
وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى ذَلِكَ مَالِكٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ فِيهَا حَدِيثًا يَقْتَضِي الرُّخْصَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 455
الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ. وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لَا. هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا. جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» . قَالَ " جَمَلُوهُ " أَذَابُوهُ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثٌ إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ]
أُخِذَ مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ: نَجَاسَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِمَا لَمْ يُعْدَمْ. فَإِنَّهُ قَدْ يُنْتَفَعُ بِالْخَمْرِ فِي أُمُورٍ، وَيُنْتَفَعُ بِالْمَيْتَةِ فِي إطْعَامِ الْجَوَارِحِ. وَأَمَّا بَيْعُ الْأَصْنَامِ: فَلِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى صُورَتِهَا، وَعَدَمُ الِانْتِفَاعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْعُ بَيْعِهَا مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا.
стр. 456
٢٧١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ. .. إلَخْ فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا، وَإِطْلَاءِ السُّفُنِ بِقَوْلِهِ ﵇ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: " لَا. هُوَ حَرَامٌ " وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ. فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ قَالُوا لَهُ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ. فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ. .. إلَخْ قَصْدًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ تَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ": لَا. هُوَ حَرَامٌ " وَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " هُوَ " عَلَى الْبَيْعِ. كَأَنَّهُ أَعَادَ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ بَعْدَمَا بَيَّنَ لَهُ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً، إهْدَارًا لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ الَّتِي ذَكَرْتُ. وَقَوْلُهُ ﵇ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. .. إلَخْ تَنْبِيهٌ عَلَى تَعْلِيلِ تَحْرِيمِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَإِنَّ الْعِلَّةَ تَحْرِيمُهَا. فَإِنَّهُ وَجَّهَ اللُّوَّمَ عَلَى الْيَهُودِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّمَنِ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ الشُّحُومِ. اسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ بِهَذَا عَلَى تَحْرِيمِ الذَّرَائِعِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْيَهُودَ تُوَجِّهَ عَلَيْهِمْ اللَّوْمُ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّمَنِ، مِنْ جِهَةِ تَحْرِيمِ أَكْلِ الْأَصْلِ. وَأَكْلُ الثَّمَنِ لَيْسَ هُوَ أَكْلُ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ. لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَسَبُّبًا إلَى أَكْلِ الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْمَعْنَى اسْتَحَقُّوا اللَّوْمَ بِهِ. .
[بَابُ السَّلَمِ]
[حَدِيثٌ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ إلَى السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيمَا يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، إذَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحَلِّ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي الثَّمَرَةِ
стр. 457
٢٧٢ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ: فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَوَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: لَهُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْوَلَاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ. فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَلَا مَحَالَةَ يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ إذَا حُمِلَتْ الثَّمَرَةُ عَلَى " الرُّطَبِ ". وَقَوْلُهُ ﵇ «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» أَيْ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَكِيلًا. وَقَوْلُهُ «وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ» أَيْ إذَا كَانَ مَوْزُونًا. وَالْوَاوُ هَهُنَا بِمَعْنَى " أَوْ " فَإِنَّا لَوْ أَخَذْنَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا - مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِ - لَزِمَ أَنْ يَجْمَعَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَيْلًا وَوَزْنًا. وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ. وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ التَّفْصِيلِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: السَّلَمُ بِالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَبِالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ " إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ مَنَعَ السَّلَمَ الْحَالَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا يُوَجِّهُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ " فَلْيُسْلِفْ " إلَى الْأَجَلِ وَالْعِلْمِ مَعًا. وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا الْحَالَّ وَجَّهُوا الْأَمْرَ إلَى الْعِلْمِ فَقَطْ. وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنْ أَسْلَمَ إلَى أَجَلٍ فَلْيُسْلِمْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ لَا إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
стр. 458
لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ] [حَدِيثٌ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ]
قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَفْرَدُوا التَّصْنِيفَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَائِدِهِ: وَبَلَغُوا بِهَا عَدَدًا كَثِيرًا. وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ عُيُونًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا " كَاتَبْتُ " فَاعَلْتُ مِنْ الْكِتَابَةِ. وَهُوَ الْعَقْدُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ كِتَابَةِ الْخَطِّ، لِمَا أَنَّهُ يَصْحَبُ هَذَا الْعَقْدَ الْكِتَابَةُ لَهُ، فِيمَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] كَأَنَّ السَّيِّدَ أَلْزَمَ نَفْسَهُ عِتْقَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَالْعَبْدُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْأَدَاءَ لِلْمَالِ الَّذِي تَكَاتَبَا عَلَيْهِ.
الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْمَنْعُ وَالْجَوَازُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ، فَيَجُوزُ، أَوْ لِلِاسْتِخْدَامِ فَلَا. فَأَمَّا مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ: فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُكَاتَبَةٌ. وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ: فَيَحْتَاجُ إلَى الْعُذْرِ عَنْهُ، فَمِنْ الْعُذْرِ عَنْهُ مَا قِيلَ. إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ، أَوْ الضَّعْفِ عَنْ الْكَسْبِ فَقَدْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ الِاعْتِذَارَاتِ: أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ اشْتَرَتْ الْكِتَابَةَ، لَا الرَّقَبَةَ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَكِ» فَإِنَّهُ يُشْعِرُ
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِأَنَّ الْمُشْتَرَى: هُوَ الْكِتَابَةُ لَا الرَّقَبَةَ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ شِرَائِهِ لِلْعِتْقِ وَغَيْرِهِ: فَلَا إشْكَالَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أُجِيزُ بَيْعَهُ لِلْعِتْقِ. وَالْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِمَا أَقُولُ
[بَيْعُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ] ١
الثَّالِثُ: بَيْعُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهِبَهُ. وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ. لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُمْنَعُ كَوْنُ عَائِشَةَ مُشْتَرِيَةً لِلرَّقَبَةِ. وَيُحْمَلُ عَلَى قَضَاءِ الْكِتَابَةِ عَنْ بَرِيرَةَ، أَوْ عَلَى شِرَاءِ الْكِتَابَةِ خَاصَّةً.
وَالْأَوَّلُ: ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِلَّفْظِ الْوَارِدِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ " ابْتَاعِي " وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ مُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ بِمَنْعِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، مَعَ جَوَازِ بَيْعِ الْكِتَابَةِ. وَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ ذَاهِبٌ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ. وَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِنْ مَسْأَلَةِ إحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ.
الرَّابِعُ: إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ، أَوْ يَفْسُدُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الشَّرْطَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ إلَّا اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ. وَالْعَقْدُ تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ: اشْتِرَاطَ الْعِتْقِ، وَاشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ. وَلَمْ يَقَعْ الْإِنْكَارُ إلَّا لِلثَّانِي. فَيَبْقَى الْأَوَّلُ مُقَرَّرًا عَلَيْهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ " اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " مِنْ ضَرُورَةِ اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ. فَيَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ اللَّفْظِ، لَا مِنْ مُجَرَّدِ التَّقْرِيرِ. وَمَعْنَى صِحَّةِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ امْتَنَعَ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُجْبَرُ، أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ.
[اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ] ١
الْخَامِسُ: اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ. لِلْبَائِعِ، هَلْ يُفْسِدُ الْعَقْدَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ لِمَا قَالَ فِيهِ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَلَا يَأْذَنُ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَقْدٍ بَاطِلٍ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ صَحِيحٌ. فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِ مُوَافِقٌ لِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَسِيَاقِهِ، وَمُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ. وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي: أَنَّ الْأَثَرَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ السَّبَبُ. وَالْوَلَاءُ مِنْ آثَارِ الْعِتْقِ. فَيَخْتَصُّ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْعِتْقُ. وَهُوَ الْمُعْتِقُ. وَهَذَا التَّمَسُّكُ وَالتَّوْجِيهُ فِي حِصَّةِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ: يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَسَيَأْتِي.
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السَّادِسُ: الْكَلَامُ عَلَى الْإِشْكَالِ الْعَظِيمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ يَأْذَنُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ؟ وَكَيْفَ يَأْذَنُ، حَتَّى يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَيَدْخُلَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْطِلُ اشْتِرَاطَهُ؟ . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ. فَمِنْهُمْ مَنْ صَعُبَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ. أَعْنِي قَوْلَهُ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ. وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِنْهُ. وَأَنَّهُ قَالَ " اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ " رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَانْفَرَدَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاتِهِ: أَثْبَتُ مِنْ هِشَامٍ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إثْبَاتِ اللَّفْظَةِ، لِلثِّقَةِ بِرَاوِيهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّخْرِيجِ. وَذُكِرَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ " لَهُمْ " بِمَعْنَى عَلَيْهِمْ، وَاسْتَشْهَدُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] بِمَعْنَى " عَلَيْهِمْ " ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] بِمَعْنَى عَلَيْهَا " وَفِي هَذَا ضَعْفٌ. أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِهِ: يَنْفِيه. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ اللَّامَ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ. فَقَدْ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ.
وَثَانِيهِمَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَلْخِيصُهُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاشْتِرَاطُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْمُخَالَفَةِ لِمَا شَرَطَهُ الْبَائِعُونَ، وَعَدَمِ إظْهَارِهِ النِّزَاعَ فِيمَا دَعُوا إلَيْهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ التَّخْلِيَةِ وَالتَّرْكِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِذْنِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّمْكِينِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَالتَّجْوِيزَ؟ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُفَسِّرُونَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ هَهُنَا: إبَاحَةَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ. وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ: أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ " الْإِذْنِ " مَجَازًا، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ.
وَثَالِثُهُمَا: أَنَّ لَفْظَةَ " الِاشْتِرَاطِ " وَ " الشَّرْطِ " وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا تَدُلُّ عَلَى
следующие страницы →