← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٢٧١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ. .. إلَخْ فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا، وَإِطْلَاءِ السُّفُنِ بِقَوْلِهِ ﵇ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: " لَا. هُوَ حَرَامٌ " وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ. فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ قَالُوا لَهُ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ. فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ. .. إلَخْ قَصْدًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ تَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ": لَا. هُوَ حَرَامٌ " وَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " هُوَ " عَلَى الْبَيْعِ. كَأَنَّهُ أَعَادَ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ بَعْدَمَا بَيَّنَ لَهُ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً، إهْدَارًا لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ الَّتِي ذَكَرْتُ. وَقَوْلُهُ ﵇ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. .. إلَخْ تَنْبِيهٌ عَلَى تَعْلِيلِ تَحْرِيمِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَإِنَّ الْعِلَّةَ تَحْرِيمُهَا. فَإِنَّهُ وَجَّهَ اللُّوَّمَ عَلَى الْيَهُودِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّمَنِ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ الشُّحُومِ. اسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ بِهَذَا عَلَى تَحْرِيمِ الذَّرَائِعِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْيَهُودَ تُوَجِّهَ عَلَيْهِمْ اللَّوْمُ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّمَنِ، مِنْ جِهَةِ تَحْرِيمِ أَكْلِ الْأَصْلِ. وَأَكْلُ الثَّمَنِ لَيْسَ هُوَ أَكْلُ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ. لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَسَبُّبًا إلَى أَكْلِ الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْمَعْنَى اسْتَحَقُّوا اللَّوْمَ بِهِ. . [بَابُ السَّلَمِ] [حَدِيثٌ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ إلَى السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيمَا يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، إذَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحَلِّ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي الثَّمَرَةِ

стр. 457

٢٧٢ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ: فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَوَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: لَهُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْوَلَاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ. فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ ـــــــــــــــــــــــــــــ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَلَا مَحَالَةَ يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ إذَا حُمِلَتْ الثَّمَرَةُ عَلَى " الرُّطَبِ ". وَقَوْلُهُ ﵇ «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» أَيْ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَكِيلًا. وَقَوْلُهُ «وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ» أَيْ إذَا كَانَ مَوْزُونًا. وَالْوَاوُ هَهُنَا بِمَعْنَى " أَوْ " فَإِنَّا لَوْ أَخَذْنَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا - مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِ - لَزِمَ أَنْ يَجْمَعَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَيْلًا وَوَزْنًا. وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ. وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ التَّفْصِيلِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: السَّلَمُ بِالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَبِالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ " إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ مَنَعَ السَّلَمَ الْحَالَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا يُوَجِّهُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ " فَلْيُسْلِفْ " إلَى الْأَجَلِ وَالْعِلْمِ مَعًا. وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا الْحَالَّ وَجَّهُوا الْأَمْرَ إلَى الْعِلْمِ فَقَطْ. وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنْ أَسْلَمَ إلَى أَجَلٍ فَلْيُسْلِمْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ لَا إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 458

لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ] [حَدِيثٌ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ] قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَفْرَدُوا التَّصْنِيفَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَائِدِهِ: وَبَلَغُوا بِهَا عَدَدًا كَثِيرًا. وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ عُيُونًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا " كَاتَبْتُ " فَاعَلْتُ مِنْ الْكِتَابَةِ. وَهُوَ الْعَقْدُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ كِتَابَةِ الْخَطِّ، لِمَا أَنَّهُ يَصْحَبُ هَذَا الْعَقْدَ الْكِتَابَةُ لَهُ، فِيمَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] كَأَنَّ السَّيِّدَ أَلْزَمَ نَفْسَهُ عِتْقَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَالْعَبْدُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْأَدَاءَ لِلْمَالِ الَّذِي تَكَاتَبَا عَلَيْهِ. الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْمَنْعُ وَالْجَوَازُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ، فَيَجُوزُ، أَوْ لِلِاسْتِخْدَامِ فَلَا. فَأَمَّا مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ: فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُكَاتَبَةٌ. وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ: فَيَحْتَاجُ إلَى الْعُذْرِ عَنْهُ، فَمِنْ الْعُذْرِ عَنْهُ مَا قِيلَ. إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ، أَوْ الضَّعْفِ عَنْ الْكَسْبِ فَقَدْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ الِاعْتِذَارَاتِ: أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ اشْتَرَتْ الْكِتَابَةَ، لَا الرَّقَبَةَ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَكِ» فَإِنَّهُ يُشْعِرُ

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِأَنَّ الْمُشْتَرَى: هُوَ الْكِتَابَةُ لَا الرَّقَبَةَ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ شِرَائِهِ لِلْعِتْقِ وَغَيْرِهِ: فَلَا إشْكَالَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أُجِيزُ بَيْعَهُ لِلْعِتْقِ. وَالْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِمَا أَقُولُ [بَيْعُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ] ١ الثَّالِثُ: بَيْعُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهِبَهُ. وَهُوَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ. لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُمْنَعُ كَوْنُ عَائِشَةَ مُشْتَرِيَةً لِلرَّقَبَةِ. وَيُحْمَلُ عَلَى قَضَاءِ الْكِتَابَةِ عَنْ بَرِيرَةَ، أَوْ عَلَى شِرَاءِ الْكِتَابَةِ خَاصَّةً. وَالْأَوَّلُ: ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِلَّفْظِ الْوَارِدِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ " ابْتَاعِي " وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ مُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ بِمَنْعِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، مَعَ جَوَازِ بَيْعِ الْكِتَابَةِ. وَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ ذَاهِبٌ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ. وَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِنْ مَسْأَلَةِ إحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ. الرَّابِعُ: إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ، أَوْ يَفْسُدُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الشَّرْطَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ إلَّا اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ. وَالْعَقْدُ تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ: اشْتِرَاطَ الْعِتْقِ، وَاشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ. وَلَمْ يَقَعْ الْإِنْكَارُ إلَّا لِلثَّانِي. فَيَبْقَى الْأَوَّلُ مُقَرَّرًا عَلَيْهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ " اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " مِنْ ضَرُورَةِ اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ. فَيَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ اللَّفْظِ، لَا مِنْ مُجَرَّدِ التَّقْرِيرِ. وَمَعْنَى صِحَّةِ الشَّرْطِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ امْتَنَعَ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُجْبَرُ، أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ. [اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ] ١ الْخَامِسُ: اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ. لِلْبَائِعِ، هَلْ يُفْسِدُ الْعَقْدَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ لِمَا قَالَ فِيهِ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَلَا يَأْذَنُ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَقْدٍ بَاطِلٍ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ صَحِيحٌ. فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِ مُوَافِقٌ لِأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَسِيَاقِهِ، وَمُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ. وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي: أَنَّ الْأَثَرَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ السَّبَبُ. وَالْوَلَاءُ مِنْ آثَارِ الْعِتْقِ. فَيَخْتَصُّ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْعِتْقُ. وَهُوَ الْمُعْتِقُ. وَهَذَا التَّمَسُّكُ وَالتَّوْجِيهُ فِي حِصَّةِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ: يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَسَيَأْتِي.

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ السَّادِسُ: الْكَلَامُ عَلَى الْإِشْكَالِ الْعَظِيمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ يَأْذَنُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ؟ وَكَيْفَ يَأْذَنُ، حَتَّى يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَيَدْخُلَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْطِلُ اشْتِرَاطَهُ؟ . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ. فَمِنْهُمْ مَنْ صَعُبَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ. أَعْنِي قَوْلَهُ " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ " وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ. وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِنْهُ. وَأَنَّهُ قَالَ " اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ " رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَانْفَرَدَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاتِهِ: أَثْبَتُ مِنْ هِشَامٍ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إثْبَاتِ اللَّفْظَةِ، لِلثِّقَةِ بِرَاوِيهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّخْرِيجِ. وَذُكِرَ فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ " لَهُمْ " بِمَعْنَى عَلَيْهِمْ، وَاسْتَشْهَدُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] بِمَعْنَى " عَلَيْهِمْ " ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] بِمَعْنَى عَلَيْهَا " وَفِي هَذَا ضَعْفٌ. أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِهِ: يَنْفِيه. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ اللَّامَ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ. فَقَدْ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ. وَثَانِيهِمَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَلْخِيصُهُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاشْتِرَاطُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْمُخَالَفَةِ لِمَا شَرَطَهُ الْبَائِعُونَ، وَعَدَمِ إظْهَارِهِ النِّزَاعَ فِيمَا دَعُوا إلَيْهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ التَّخْلِيَةِ وَالتَّرْكِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِذْنِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّمْكِينِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَالتَّجْوِيزَ؟ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُفَسِّرُونَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ هَهُنَا: إبَاحَةَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ. وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ: أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ " الْإِذْنِ " مَجَازًا، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ. وَثَالِثُهُمَا: أَنَّ لَفْظَةَ " الِاشْتِرَاطِ " وَ " الشَّرْطِ " وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا تَدُلُّ عَلَى

стр. 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْإِعْلَامِ وَالْإِظْهَارِ. وَمِنْهُ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَالشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُ أُوَيْسِ بْنِ حَجَرٍ - بِفَتْحِ الْحَاء وَالْجِيم - فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ أَيْ أَعْلَمَهَا وَأَظْهَرَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ " اشْتَرِطِي " عَلَى مَعْنَى: أَظْهِرِي حُكْمَ الْوَلَاءِ وَبَيِّنِيهِ وَأَعْلِمِي: أَنَّهُ لِمَنْ أَعْتَقَ، عَلَى عَكْسِ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ وَفَهِمَهُ مِنْ الْحَدِيثِ. وَرَابِعُهَا: مَا قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَدْ كَانَ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» ثُمَّ أَقْدَمُوا عَلَى اشْتِرَاطِ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي عَلِمُوهُ، فَوَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّنْكِيلِ، لِمُخَالَفَتِهِمْ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ. وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: إخْرَاجُ لَفْظَةِ الْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهَا، وَقَدْ وَرَدَتْ خَارِجَةً عَنْ ظَاهِرِهَا فِي مَوَاضِعَ يَمْتَنِعُ إجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذُكِرَ: لَا يَبْقَى غُرُورٌ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ إبْطَالُ هَذَا الشَّرْطِ عُقُوبَةً، لِمُخَالَفَتِهِمْ حُكْمَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ إبْطَالَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي تَغْرِيمَ مَا قُوبِلَ بِهِ الشَّرْطُ مِنْ الْمَالِيَّةِ، الْمُسَامَحِ بِهَا لِأَجْلِ الشَّرْطِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ، كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ. وَسَادِسُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، لَا عَامًّا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ، وَيَكُونُ سَبَبُ التَّخْصِيصِ بِإِبْطَالِ هَذَا الشَّرْطِ: الْمُبَالَغَةَ فِي زَجْرِهِمْ عَنْ هَذَا الِاشْتِرَاطِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَة كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ، مُبَالَغَةً فِي إزَالَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا الْوَجْهُ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ: الْأَصَحَّ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ. الْوَجْهُ السَّابِعُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَصْرِ لَمَا لَزِمَ مِنْ إثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ نَفْيُهُ عَمَّنْ لَمْ

стр. 462

٢٧٣ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ فَأَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. فَلَحِقَنِي ـــــــــــــــــــــــــــــ يَعْتِقْ. لَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ لِبَيَانِ نَفْيِهِ عَمَّنْ لَمْ يَعْتِقْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهَا الْحَصْرُ [ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَنْ نَفْسِهِ] الْوَجْهُ الثَّامِنُ: لَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَنْ نَفْسِهِ، بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَعْتَقَ عَلَى أَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ. وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالسَّائِبَةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: بُطْلَانُ هَذَا الشَّرْطِ، وَثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ، وَالْحَدِيثُ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي ذَلِكَ. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَالُوا: يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الْعِتْقِ، كَالْكِتَابَةِ وَالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: يَقْتَضِي حَصْرَ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ، وَيَسْتَلْزِمُ حَصْرَ السَّبَبِيَّةِ فِي الْعِتْقِ. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ: أَنْ لَا وَلَاءَ بِالْحِلْفِ، وَلَا بِالْمُوَالَاةِ، وَلَا بِإِسْلَامِ الرَّجُلِ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، وَلَا بِالْتِقَاطِهِ لِلَّقِيطِ، وَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنْ لَا وَلَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلْحَدِيثِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْكِتَابَةِ، وَجَوَازِ كِتَابَةِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ. [تَنْجِيمِ الْكِتَابَةِ] ١ الثَّانِيَ عَشَرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْجِيمِ الْكِتَابَةِ، لِقَوْلِهَا «كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ» وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ، فَيُتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ ﵇ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِكِتَابِ اللَّهِ: حُكْمَ اللَّهِ، أَوْ يُرَادُ بِذَلِكَ: نَفْيُ كَوْنِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ كُلَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: إمَّا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَالْمَنْصُوصَاتِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وَقَوْلُهُ ﷺ " قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ " أَيْ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَ " شَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ " أَيْ بِاتِّبَاعِ حُدُودِهِ وَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّجْعِ الْغَيْرِ الْمُتَكَلِّفِ.

стр. 463

النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ. قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ. فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ. وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ: أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ. فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ فِي إثْرِي. فَقَالَ: أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لَآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ. فَهُوَ لَكَ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لَآخُذَ جَمَلَكَ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ] فِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَمُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَمَّا بَيْعُهُ وَاسْتِثْنَاءُ حِمْلَانَهُ إلَى الْمَدِينَةِ: فَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ مِثْلَهُ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: الْمَنْعُ وَقِيلَ: بِالْجَوَازِ، تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ تَكُونُ مُسْتَثْنَاةَ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: الْأَوَّلُ. وَاَلَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: أَنْ لَا يُجْعَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ تَبَرُّعِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْجَمَلِ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ الشَّرْطُ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ. وَالشُّرُوطُ الْمُفْسِدَةُ: مَا تَكُونُ مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ وَمَمْزُوجَةً بِهِ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مِمَّا يُمْنَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَطْلَبِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ صَرِيحٌ فِي الِاشْتِرَاطِ، وَبَعْضُهَا لَا. فَيَقُولُ: إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ، وَكَانَتْ الْحُجَّةُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ: تَوَقَّفَ الِاحْتِجَاجُ. فَنَقُولُ: هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ بِشَرْطِ تَكَافُؤِ الرِّوَايَاتِ، أَوْ تَقَارُبِهَا. أَمَّا إذَا كَانَ التَّرْجِيحُ وَاقِعًا لِبَعْضِهَا - إمَّا؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ، أَوْ أَحْفَظُ - فَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهَا. إذْ الْأَضْعَفُ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْعَمَلِ بِالْأَقْوَى، وَالْمَرْجُوحُ لَا يَدْفَعُ التَّمَسُّكَ بِالرَّاجِحِ. فَتَمَسَّك بِهَذَا الْأَصْلِ. فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ. مِنْهَا: أَنَّ الْمُحْدِثِينَ يُعَلِّلُونَ الْحَدِيثَ بِالِاضْطِرَابِ " وَيَجْمَعُونَ الرِّوَايَاتِ الْعَدِيدَةِ. فَيَقُومُ فِي الذِّهْنِ مِنْهَا صُورَةٌ تُوجِبُ التَّضْعِيفَ. وَالْوَاجِبُ: أَنْ يُنْظَرَ إلَى تِلْكَ الطُّرُقِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا

стр. 464

٢٧٤ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ. وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ. وَلَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ ضَعِيفًا أُسْقِطَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ. وَلَمْ يُجْعَلْ مَانِعًا مِنْ التَّمَسُّكِ بِالصَّحِيحِ الْقَوِيِّ. وَلِتَمَامِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - وَإِنْ قَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ - فَهُوَ يُخَصِّصُهُ بِاسْتِثْنَاءِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. وَرُبَّمَا قِيلَ: إنَّهُ وَرَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ: جَوَازُ بَيْعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِأَنْ يُجْعَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا. وَيُجْعَلُ بَيْعُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْمَعْنَى. فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ، إلَّا أَنَّ فِي كَوْنِ مِثْلِ هَذَا مَعْدُودًا فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ وَفَائِدَةٌ مِنْ فَوَائِدِهِ نَظَرًا. [حَدِيثٌ لَا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ] أَمَّا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَالنَّجْشِ، وَبَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ: فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْخِطْبَةِ: فَقَدْ تَصَرَّفَ فِي إطْلَاقِهِ الْفُقَهَاءُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِحَالَةِ التَّرَاكُنِ، وَالتَّوَافُقِ بَيْنَ الْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبِ إلَيْهِ، وَتَصَدَّى نَظَرُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا بِهِ يَحْصُلُ تَحْرِيمُ الْخِطْبَةِ. وَذَكَرُوا أُمُورًا لَا تُسْتَنْبَطُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْخِطْبَةُ قَبَلَ التَّرَاكُنِ: فَلَا تَمْتَنِعُ. نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حُرِّمَتْ الْخِطْبَةُ، وَهُوَ وُقُوعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَإِيحَاشِ النُّفُوسِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُتَقَارِبَيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ فَاسِقًا، وَالْآخَرُ صَالِحًا. فَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّهْيِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَخَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ: لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ، وَلَمْ يُفْسَخْ.

стр. 465

٢٧٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ لِأَنَّ النَّهْيَ مُجَانَبٌ لِأَجْلِ وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. وَذَلِكَ لَا يَعُودُ عَلَى أَرْكَانِ الْعَقْدِ وَشُرُوطِهِ بِالِاخْتِلَالِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْعَقْدِ. وَأَمَّا نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنْ سُؤَالِ طَلَاقِ أُخْتِهَا: فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ أَلْفَاظٌ مَجَازِيَّةٌ. فَجُعِلَ طَلَاقُ الْمَرْأَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ بِمَثَابَةِ تَفْرِيغِ الصَّحْفَةِ بَعْدَ امْتِلَائِهَا. وَفِيهِ مَعْنَى آخَرُ. وَهُوَ الْإِشَارَةُ إلَى الرِّزْقِ، لِمَا يُوجِبُهُ النِّكَاحُ مِنْ النَّفَقَةِ فَإِنَّ الصَّحْفَةَ وَمَلْأَهَا مِنْ بَابِ الْأَرْزَاقِ، وَكِفَاؤُهَا قَلْبُهَا. [بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ] [حَدِيث الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا] الْحَدِيثُ: يَدْخُلُ عَلَى وُجُوبِ الْحُلُولِ وَتَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، إلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَاللَّفْظَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقَابُضِ. وَهِيَ مَمْدُودَةٌ مَفْتُوحَةٌ. وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ: لَمَّا رَأَتْ فِي قَامَتِي انْحِنَاءَ … وَالْمَشْيَ بَعْدَ قَعَسٍ أَجْنَاءَ أَجْلَتْ وَكَانَ حُبُّهَا إجْلَاءَ … وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقِي مَاءَ تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ … ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ دَحْرَجَةً إنْ شِئْتَ أَوْ إلْقَاءَ … ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ دَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ شِفَاءً ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَالشَّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ الْحُلُولَ وَالتَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ. فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرَهُ. وَلَا يَضُرُّ عِنْدَهُ طُولُ الْمَجْلِسِ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ حَالًّا. وَشَدَّدَ مَالِكٌ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلَمْ يُسَامِحْ بِالطُّولِ فِي الْمَجْلِسِ. وَإِنْ وَقَعَ

стр. 466

٢٧٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» . وَفِي لَفْظٍ «إلَّا يَدًا بِيَدٍ» . وَفِي لَفْظٍ «إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْقَبْضُ فِيهِ. وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَدْخُلُ فِي الْمَجَازِ. وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يَخْتَصُّ بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، بَلْ إذَا جَمَعَ الْمَبِيعَيْنِ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ - كَالنَّقْدِيَّةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالطَّعْمِ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا قِيلَ بِهِ -: اقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ. وَقَدْ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا، حَيْثُ مَنَعَ ذَلِكَ بَيْنَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ، وَبَيْنَ الْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ. فَإِنَّ هَذَيْنِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَالْأَوَّلُ فِي جِنْسَيْنِ جَمَعَتْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. [حَدِيثٌ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ] فِي الْحَدِيثِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَنِصْفِهِ فِي الذَّهَبِ مِنْ قَوْلِهِ " إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ". الثَّانِي: تَحْرِيمُ النَّسَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» وَلَا بَقِيَّةَ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ مَا كَانَ مِنْهَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: أُخِذَ فِيهِ بِالنَّصِّ وَمَا لَا، قَاسَهُ الْقَائِسُونَ. وَقَوْلُهُ " إلَّا يَدًا بِيَدٍ " فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَقْتَضِي مَنْعَ النَّسَاءَ. وَقَوْلُهُ " وَزْنًا بِوَزْنٍ " يَقْتَضِي اعْتِبَارَ التَّسَاوِي، وَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّسَاوِي فِي هَذَا بِالْوَزْنِ لَا بِالْكَيْلِ، وَالْفُقَهَاءُ قَرَّرُوا أَنَّهُ يَجِبُ التَّمَاثُلُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ، فَمَا كَانَ مَوْزُونًا فَبِالْوَزْنِ، وَمَا كَانَ مَكِيلًا فَبِالْكَيْلِ.

стр. 467

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ «جَاءَ بِلَالٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ، بِصَاعٍ لِيَطْعَمَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ، أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ. وَلَكِنْ إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ. ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» . ٢٧٨ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ « ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ جَاءَ بِلَالٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ] هُوَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ فِي التَّمْرِ، وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُخَالِفُ رِبَا الْفَضْلِ، وَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، وَأَخَذَ قَوْمٌ مِنْ الْحَدِيثِ: تَجْوِيزَ الذَّرَائِعِ، مِنْ حَيْثُ قَوْلُهُ «بِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» فَإِنَّهُ أَجَازَ بَيْعَهُ، وَالشِّرَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ بَاعَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ التَّوَصُّلَ إلَى شِرَاءِ الْأَكْثَرِ أَوْ لَا: وَالْمَانِعُونَ مِنْ الذَّرَائِعِ: يُجِيبُونَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ لَا عَامٌّ، فَيُحْمَلُ عَلَى بَيْعِهِ مَعَ غَيْرِ الْبَائِعِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَمْنَعُونَهَا. فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُكْتَفَى فِي الْعَمَلِ بِهِ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ فِعْلًا، كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِالدُّخُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ، حَمْلًا عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ اللَّفْظُ مِنْ الْإِطْلَاقِ إلَى التَّقْيِيدِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّفَاضُلَ. فِي الصِّفَاتِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي تَجْوِيزِ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ " بِبَيْعٍ آخَرَ " يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ: بِمَبِيعٍ آخَرَ، وَيُرَادُ بِهِ: التَّمْرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ: بَيْعٌ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، عَلَى مَعْنَى زِيَادَةِ الْبَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْهُ بَيْعًا آخَرَ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ: قَوْلُهُ " ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ "

стр. 468

سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، عَنْ الصَّرْفِ؟ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي. وَكِلَاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا.» ٢٧٩ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا: أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، كَيْفَ شِئْنَا. وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا. قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ» . ٢٨٠ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا] فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى التَّوَاضُعِ، وَالِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِ الْأَكَابِرِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ رِبَا النَّسِيئَةِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ - وَهُوَ الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ - لَاجْتِمَاعِهِمَا فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ النَّقْدِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَاسُ الْأَرْبَعَةُ - أَعْنِي الْبُرَّ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ - بِاجْتِمَاعِهَا فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أُخْرَى، فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً، وَالْوَاجِبُ فِيمَا يُمْنَعُ فِيهِ النَّسَاءُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّنَاجُزُ فِي الْبَيْعِ، أَعْنِي أَلَّا يَكُونَ مُؤَجَّلًا. وَالثَّانِي: التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ ". [حَدِيثٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ] قَوْلُهُ «نَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، كَيْفَ شِئْنَا» يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّفَاضُلِ وَالتَّسَاوِي، لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ، حَيْثُ قِيلَ " فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ".

стр. 469

اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.» . ٢٨١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [بَابُ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ] [حَدِيث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ] اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَبْسِ وَالْإِقَامَةِ، رَهَنَ بِالْمَكَانِ: إذَا أَقَامَ بِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْفَسَادِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ فِي جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَخَّرِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حَيْثُ لَا يَتَأَتَّى الْإِقْبَاضُ فِي الْحَالِ غَالِبًا، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الثَّمَنِ فِي وَقْتِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. [حَدِيثٌ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَطْلِ بِالْحَقِّ. وَلَا خِلَافَ فِيهِ، مَعَ الْقُدْرَةِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: هَلْ يَجِبُ الْأَدَاءُ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ؟ وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الْوُجُوبُ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " الْمَطْلِ " تُشْعِرُ بِتَقْدِيمِ الطَّلَبِ. فَيَكُونُ مَأْخَذُ الْوُجُوبِ دَلِيلًا آخَرَ. وَقَوْلُهُ " الْغَنِيِّ " يُخْرِجُ الْعَاجِزَ عَنْ الْأَدَاءِ. " فَإِذَا أُتْبِعَ " مَضْمُومُ الْهَمْزَةِ سَاكِنُ التَّاءِ مَكْسُورُ الْبَاءِ. وَقَوْلُهُ " فَلْيَتْبَعْ " مَفْتُوحُ الْيَاءِ سَاكِنُ التَّاءِ، مَفْتُوحُ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِنَا: أَتْبَعْتُ فُلَانًا: جَعَلْتُهُ تَابِعَا لِلْغَيْرِ. وَالْمُرَادُ هَهُنَا تَبَعِيَّتُهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ بِالْحَوَالَةِ. وَقَدْ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ:

стр. 470

٢٨٢ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ - «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِوُجُوبِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيءِ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْمُحِيلِ بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ، مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ عَنْهُ، وَتَرْكِ تَكْلِيفِهِ التَّحْصِيلَ بِالطَّلَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيءِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمًا، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ: أَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ ظُلْمًا - وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ - فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرِ الْمَطْلِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَلِيءَ لَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ، بَلْ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ قَهْرًا وَيُوفِيهِ. فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ: تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةِ تَوَاءِ الْحَقِّ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَرْجَحُ. لِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِكَوْنِ الْمَطْلِ ظُلْمًا. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي تَكُونُ الْعِلَّةُ عَدَمَ تَوَاءِ الْحَقِّ لَا الظُّلْمُ. [حَدِيثٌ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ] فِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى رُجُوعُ الْبَائِعِ إلَى عَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الثَّمَنِ بِالْفَلَسِ، أَوْ الْمَوْتِ. فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، لَا فِي الْمَوْتِ وَلَا فِي الْفَلَسِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ. وَيَكُونُ فِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الْفَلَسِ، وَدَلَالَتُهُ قَوِيَّةٌ جِدًّا، حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ لَا تَأْوِيلَ لَهُ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِخِلَافِهِ نُقِضَ حُكْمُهُ.

стр. 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَرَأَيْتُ فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْمَالِيَّةِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالْفَلَسِ. الثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَدْ اُسْتُضْعِفَ بِقَوْلِهِ ﷺ " أَدْرَكَ مَالَهُ، أَوْ وَجَدَ مَتَاعَهُ " فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إمْكَانَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ السِّلْعَةِ مِنْ يَدِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّجُلَ الْمُدْرِكَ هَهُنَا: هُوَ الْبَائِعُ، وَأَنَّ الْحُكْمَ يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ. لَكِنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْبَائِعِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ مَا إذَا أَقْرَضَ رَجُلٌ مَالًا، وَأَفْلَسَ الْمُسْتَقْرِضُ، وَالْمَالُ بَاقٍ، فَإِنَّ الْمُقْرِضَ يَرْجِعُ فِيهِ. وَقَدْ عَلَّلَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَبِيعِ، بَعْدَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ. وَقِيلَ فِي الْقِيَاسِ: مَمْلُوكٌ بِبَدَلِ تَعَذُّرِ تَحْصِيلِهِ. فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ. وَإِدْرَاجُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ مُمْكِنٌ إذَا اعْتَبَرْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ. فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَاسِ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَا بُدَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ إضْمَارِ أُمُورٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَفْظًا. مِثْلُ: كَوْنِ الثَّمَنِ غَيْرَ مَقْبُوضٍ. وَمِثْلُ: كَوْنِ السِّلْعَةِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي دُونَ غَيْرِهِ. وَمِثْلُ: كَوْنِ الْمَالِ لَا يَفِي بِالدُّيُونِ، احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ مُسَاوِيًا، وَقُلْنَا: يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا أَجَرَ دَارًا أَوْ دَابَّةً. فَأَفْلَسَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ. فَلِلْمُؤَجِّرِ الْفَسْخُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَإِدْرَاجُهُ تَحْتَ لَفْظِ الْحَدِيثِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ: هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ " الْمَتَاعِ " أَوْ " الْمَالِ "؟ وَانْطِلَاقُ اسْمِ " الْمَالِ " عَلَيْهَا أَقْوَى وَقَدْ عُلِّلَ مَنْعُ الرُّجُوعِ: بِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ. إذْ لَيْسَ لَهَا وُجُودٌ مُسْتَقِرٌّ. فَإِذَا ثَبَتَ انْطِلَاقُ اسْمِ " الْمَالِ " أَوْ " الْمَتَاعِ " عَلَيْهَا فَقَدْ انْدَرَجَتْ تَحْتَ اللَّفْظِ وَإِنْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يُقَالَ: إنْ اقْتَضَى الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْعَيْنِ. وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ: الرُّجُوعُ فِي الْمَنَافِعِ. فَيَثْبُتُ بِطَرِيقِ اللَّازِمِ، لَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَنْ كَوْنِ اسْمِ " الْمَنَافِعِ " يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ " الْمَالِ " أَوْ " الْمَتَاعِ "؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي اللَّفْظِ مُعَلَّقٌ بِذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ

стр. 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَنَقُولُ أَيْضًا: الرُّجُوعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنَافِعِ. فَإِنَّهَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَالرُّجُوعُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ. وَالْعَيْنُ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا عَقْدُ الْإِجَارَةِ. [مَسْأَلَةٌ الْتَزَمَ نَقْلَ مَتَاعٍ ثُمَّ أَفْلَسَ وَالْأُجْرَةُ بِيَدِهِ قَائِمَةٌ] ١ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا الْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ نَقْلَ مَتَاعٍ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ. ثُمَّ أَفْلَسَ، وَالْأُجْرَةُ بِيَدِهِ قَائِمَةٌ: ثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْأُجْرَةِ. وَانْدِرَاجُهُ تَحْتَ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ، إنْ أَخَذْنَا بِاللَّفْظِ. وَلَمْ نَخْصُصْهُ بِالْبَائِعِ. فَإِنْ خُصَّ بِهِ فَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْقِيَاسِ، لَا بِالْحَدِيثِ. [مَسْأَلَةٌ الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ تَحِلُّ بِالْحَجْرِ] ١ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ تَحِلُّ بِالْحَجْرِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ كَوْنِهِ أَدْرَكَ مَالَهُ. فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ. وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ: أَنْ يَحِلَّ، إذْ لَا مُطَالَبَةَ بِالْمُؤَجَّلِ قَبْلَ الْحُلُولِ [مَسْأَلَةٌ الْغُرَمَاءَ إذَا قَدَّمُوا الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ إذَا قَدَّمُوا الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الرُّجُوعِ. لِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ اللَّفْظِ. وَالْفُقَهَاءُ عَلَّلُوهُ بِالْمِنَّةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قِيلَ: إنَّ هَذَا الْخِيَارَ فِي الرُّجُوعِ يَسْتَبِدُّ بِهِ الْبَائِعُ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ. وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْمَالِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَخْذِ: فَهُوَ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لَهُ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْحُكْمُ فِي الْحَدِيثِ مُعَلَّقٌ بِالْفَلَسِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ. وَمَنْ أَثْبَتَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الرُّجُوعَ بِامْتِنَاعِ الْمُشْتَرِي مِنْ التَّسْلِيمِ، مَعَ الْيَسَارِ، أَوْ هَرَبِهِ، أَوْ امْتِنَاعِ الْوَارِثِ مِنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَ مَوْتِهِ - فَإِنَّمَا يُثْبِتُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَلَسِ، وَمَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فِي مِثْلِ هَذَا: فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَ هَذَا الْحُكْمَ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: شَرْطُ رُجُوعِ الْبَائِعِ: بَقَاءُ الْعَيْنِ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ، فَلَوْ هَلَكَتْ لَمْ يَرْجِعْ، لِقَوْلِهِ ﵊ «فَوَجَدَ مَتَاعَهُ، أَوْ أَدْرَكَ مَالَهُ» فَشَرْطٌ فِي الْأَحَقِّيَّةِ: إدْرَاكُ الْمَالِ بِعَيْنِهِ، وَبَعْدَ الْهَلَاكِ: فَاتَ الشَّرْطُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْهَلَاكِ الْحِسِّيِّ. وَالْفُقَهَاءُ نَزَّلُوا التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةَ مَنْزِلَةَ الْهَلَاكِ الْحِسِّيِّ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْوَقْفِ، وَلَمْ يَنْقُضُوا هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ. بِخِلَافِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي فِي حَقِّ الشَّفِيعِ بِهَا. فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَالْهَالِكَةِ شَرْعًا: دَخَلَتْ تَحْتَ اللَّفْظِ. فَإِنَّ الْبَائِعَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِمَالِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ

стр. 473

[مَسْأَلَةٌ رُجُوعُ الْبَائِعِ إلَى عَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الثَّمَنِ بِالْفَلَسِ أَوْ الْمَوْتِ] ـــــــــــــــــــــــــــــ بِغَيْرِ عِوَضٍ. فَقِيلَ: يَرْجِعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ. وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ مُتَلَقَّى مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَخَلَّلَتْ حَالَةٌ لَوْ صَادَفَهَا الْإِفْلَاسُ وَالْحَجْرُ، لَمَا رَجَعَ، فَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُهَا. وَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ بِالتَّخْصِيصِ، بِسَبَبِ مَعْنَى مَفْهُومٍ مِنْهُ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْعَيْنِ، لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، أَوْ تَخْصِيصٌ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ سُلِّمَ بِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ بَاعَ عَبْدَيْنِ مَثَلًا فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَوَجَدَ الثَّانِيَ بِعَيْنِهِ] ١ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ - مَثَلًا - فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ الثَّانِيَ بِعَيْنِهِ. رَجَعَ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُضَارِبُ بِحِصَّةِ ثَمَنِ التَّلَفِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ فِي الْبَاقِي بِكُلِّ الثَّمَنِ. فَأَمَّا رُجُوعُهُ فِي الْبَاقِي فَقَدْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ " فَوَجَدَ مَتَاعَهُ، أَوْ مَالَهُ " فَإِنَّ الْبَاقِيَ مَتَاعُهُ أَوْ مَالُهُ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الرُّجُوعِ: فَلَا تَعَلُّقَ لِلَّفْظِ بِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إذَا تَعَذَّرَ الْمَبِيعُ فِي صِفَتِهِ، بِحُدُوثِ عَيْبٍ. فَأَثْبَتَ الشَّافِعِيُّ الرُّجُوعَ، إنْ شَاءَهُ الْبَائِعُ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ. وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَجَ تَحْتَ اللَّفْظِ. فَإِنَّهُ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، وَالتَّغَيُّرُ حَادِثٌ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الْعَيْنِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إطْلَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي: الرُّجُوعَ فِي الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قُدِّمَ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ إذَا قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ. لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فِي مَتَاعِهِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي غَيْرِ مَتَاعِهِ. فَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ فَإِنَّهَا تُحْدِثُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي، فَلَيْسَ بِمَتَاعٍ لِلْبَائِعِ. فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: لَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَ سَبَبُ لُزُومِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُفْلِسِ. وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي لَفْظِهِ تَرْتِيبُ الْأَحَقِّيَّةِ عَلَى الْمُفْلِسِ بِصِيغَةِ

стр. 474

٢٨٣ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ " جَعَلَ - وَفِي لَفْظٍ: «قَضَى - النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ: فَلَا شُفْعَةَ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ مَعَ الشَّرْطِ، أَوْ عَقِيبَهُ. وَمَنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ: تَقَدُّمُ سَبَبِ اللُّزُومِ عَلَى الْفَلَسِ. [حَدِيثٌ إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ] اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى سُقُوطِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَفْهُومُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ جَعَلَ الشُّفْعَةَ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " يَقْتَضِي: أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «إنَّمَا الشُّفْعَةُ» وَهُوَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ. لَا سِيَّمَا إذَا جَعَلْنَا " إنَّمَا " دَالَّةٌ عَلَى الْحَصْرِ بِالْوَضْعِ، دُونَ الْمَفْهُومِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ " وَهَذَا اللَّفْظُ الثَّانِي: يَقْتَضِي تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: وُقُوعُ الْحُدُودِ، وَصَرْفُ الطُّرُقِ. وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ. مِمَّنْ يُثْبِتُ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ: إنَّ الْمُرَتَّبَ عَلَى أَمْرَيْنِ لَا يَلْزَمُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَتَبْقَى دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ الْأَوَّلِ مُطْلَقَةً، وَهُوَ قَوْلُهُ " إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " فَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ: تَمَسَّكَ بِهَا، وَمَنْ خَالَفَهُ: يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارِ قَيْدٍ آخَرَ، يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَهُوَ صَرْفُ الطُّرُقِ مَثَلًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُسْتَدَلُّ بِهِ، وَيُجْعَلُ مَفْهُومُهُ مُخَالَفَةَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا: وُقُوعُ الْحُدُودِ، وَصَرْفُ الطُّرُقِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَسْأَلَةٍ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَهُوَ أَنَّ الشُّفْعَةَ هَلْ تَثْبُتُ فِيمَا لَمْ يَقْبَلْ الْقِسْمَةِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ

стр. 475

٢٨٤ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَدْ أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ: إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ. لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا: أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. وَفِي لَفْظٍ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الصِّيغَةَ فِي النَّفْيِ تُشْعِرُ بِالْقَبُولِ، فَيُقَالُ لِلْبَصِيرِ: لَمْ يُبْصِرْ كَذَا. وَيُقَالُ لِلْأَكْمَهِ: لَا يُبْصِرُ كَذَا، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فِي الْآخَرِ فَذَلِكَ لِلِاحْتِمَالِ. فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ فِي قَوْلِهِ " فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ. فَإِذَا دَخَلَتْ " إنَّمَا " الْمُعْطِيَةُ لِلْحَصْرِ: اقْتَضَتْ انْحِصَارَ الشُّفْعَةِ فِي الْقَابِلِ. وَقَدْ ذَهَبَ شُذَّاذٌ مِنْ النَّاسِ إلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَنْقُولَاتِ وَاسْتَدِلَّ بِصَدْرِ الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، إلَّا أَنَّ آخِرَهُ وَسِيَاقَهُ: يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَقَارُ، وَمَا فِيهِ الْحُدُودُ وَصَرْفُ الطُّرُقِ. [حَدِيثٌ أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ وَالْحَبْسِ عَلَى جِهَاتِ الْقُرُبَاتِ. وَهُوَ مَشْهُورٌ مُتَدَاوَلُ النَّقْلِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. أَعْنِي الْأَوْقَافَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ

стр. 476

٢٨٥ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، ـــــــــــــــــــــــــــــ عَلَى مَا كَانَ أَكَابِرُ السَّلَفِ وَالصَّالِحِينَ عَلَيْهِ، مِنْ إخْرَاجِ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى. وَانْظُرْ إلَى تَعْلِيلِ عُمَرَ ﵁ لِمَقْصُودِهِ، بِكَوْنِهِ " لَمْ يُصِبْ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدَهُ مِنْهُ ". وَقَوْلُهُ " تَصَدَّقْتَ بِهَا " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْأَصْلِ الْمُحْبَسِ. وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّحْبِيسِ، الَّتِي مِنْهَا " الصَّدَقَةُ " وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يُقْتَرَنُ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ، كَالتَّحْبِيسِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَقَوْلِنَا مُؤَبَّدَةً " مُحَرَّمَةً " أَوْ " لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَتَصَدَّقْتَ بِهَا " رَاجَعَا إلَى الثَّمَرَةِ، عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَيَبْقَى لَفْظُ " الصَّدَقَةِ " عَلَى إطْلَاقِهِ. وَقَوْلُهُ فَتَصَدَّقْ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ. .. إلَخْ مَحْمُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ - مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ لِلْوَقْفِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقْفٌ، وَيُحْتَمَلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إرْشَادًا إلَى شَرْطِ هَذَا الْأَمْرِ فِي هَذَا الْوَقْفِ. فَيَكُونَ ثُبُوتُهُ بِالشَّرْطِ، لَا بِالشَّرْعِ وَالْمَصَارِفُ الَّتِي ذَكَرهَا عُمَرُ ﵁: مَصَارِفُ خَيْرَاتٍ، وَهِيَ جِهَةُ الْأَوْقَافِ. فَلَا يُوقَفُ عَلَى مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ. وَالْقُرْبَى " يُرَادُ بِهَا هَهُنَا: قُرْبَى عُمَرَ ظَاهِرًا، وَالرِّقَابُ " قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مَعْلُومًا عِنْدَ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ، وَإِلَّا كَانَ الْمَصْرِفُ مَجْهُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا. و " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " الْجِهَادُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَمِنْهُمْ مِنْ عَدَّهُ إلَى الْحَجِّ. وَ " ابْنِ السَّبِيلِ " الْمُسَافِرُ، وَالْقَرِينَةُ تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ حَاجَتِهِ. " وَالضَّيْفُ " مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، وَالْمُرَادُ: قِرَاهُ، وَلَا تَقْتَضِي الْقَرِينَةُ تَخْصِيصَهُ بِالْفَقْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ، وَاتِّبَاعِهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي بَعْضِهَا، حَيْثُ عَلَّقَ الْأَكْلَ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ. وَقَوْلُهُ " غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ " أَيْ: مُتَّخِذٍ أَصْلَ مَالٍ، يُقَالُ: تَأَثَّلْتُ الْمَالَ: اتَّخَذْتُهُ أَصْلًا.

стр. 477

فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ. وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ] وَفِي لَفْظٍ «فَإِنَّ الَّذِي يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» هَذَا " الْحَمْلُ " تَمْلِيكٌ لِمَنْ أُعْطِيَ الْفَرَسَ، وَيَكُونُ مَعْنَى كَوْنِهِ " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ غَازِيًا. فَآلَ الْأَمْرُ بِتَمْلِيكِهِ: إلَى أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِتَمْلِيكِهِ: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا عَادَتُهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيهِ. وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ أَرَادَ بَيْعَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ: حَمْلَ تَحْبِيسٍ، لَمْ يَبِعْ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُشْعِرُ بِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَمْلُ تَحْبِيسٍ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ لِمَسْأَلَةِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمْلُ تَمْلِيكٍ: قَوْلُهُ ﵊ " وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ " وَقَوْلُهُ " فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ". وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ: عَلَى مَنْعِ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ، أَوْ كَرَاهَتِهِ. وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ رُبَّمَا سَامَحَ الْمُتَصَدِّقَ فِي الثَّمَنِ، بِسَبَبِ تَقَدُّمِ إحْسَانِهِ إلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ رَاجِعًا فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ، لِتَشْبِيهِهِ بِرُجُوعِ الْكَلْبِ فِي قَيْئِهِ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ التَّنْفِيرِ. وَالْحَنَفِيَّةُ اعْتَذَرُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ رُجُوعَ الْكَلْبِ فِي قَيْئِهِ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. فَالتَّشْبِيهُ وَقَعَ بِأَمْرٍ مَكْرُوهٍ فِي الطَّبِيعَةِ، لِتَثْبُتَ بِهِ الْكَرَاهَةَ فِي الشَّرِيعَةِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّشْدِيدُ فِي التَّشْبِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَشْبِيهُ الرَّاجِعِ بِالْكَلْبِ. وَالثَّانِي: تَشْبِيهُ الْمَرْجُوعِ فِيهِ بِالْقَيْءِ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ رُجُوعَ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْهِبَةِ.

стр. 478

٢٨٦ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ «تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ. فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. وَفِي لَفْظٍ فَلَا تُشْهِدْنِي إذًا. فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ وَفِي لَفْظٍ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَمَنَعَ مِنْ رُجُوعِ الْوَالِدِ فِي الْهِبَةِ لِوَلَدِهِ، عَكْسَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالْحَدِيثُ: يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ مُطْلَقًا. وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْوَالِدُ فِي الْهِبَةِ لِوَلَدِهِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ. [حَدِيثٌ اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ] الْحَدِيثُ: يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَاتِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ التَّفْضِيلَ يُؤَدِّي إلَى الْإِيحَاشِ وَالتَّبَاغُضِ، وَعَدَمِ الْبِرِّ مِنْ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ. أَعْنِي الْوَلَدَ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ التَّسْوِيَةِ: هَلْ تَجْرِي مَجْرَى الْمِيرَاثِ فِي تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، أَمْ لَا؟ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مُطْلَقًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّفْضِيلِ: هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، لِتَسْمِيَتِهِ ﷺ إيَّاهُ جَوْرًا " وَأَمْرِهِ بِالرُّجُوعِ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا أَخَذْنَا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ صَدَقَةً، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا. فَإِنَّ الرُّجُوعَ هَهُنَا يَقْتَضِي أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقِعِ الشَّرْعِيِّ، حَتَّى نُقِضَتْ بَعْدَ لُزُومِهَا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ: أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ مَكْرُوهٌ لَا غَيْرَ، وَرُبَّمَا اُسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي إبَاحَةَ إشْهَادِ الْغَيْرِ، وَلَا يُبَاحُ إشْهَادُ الْغَيْرِ إلَّا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ. وَيَكُونُ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ

стр. 479

٢٨٧ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ» . ٢٨٨ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا. وَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ، عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا بِالْوَرِقِ: فَلَمْ يَنْهَنَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ. وَلَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيِّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَهَا الْإِذْنُ - إلَّا أَنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِالتَّنْفِيرِ الشَّدِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَيْثُ امْتَنَعَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا جَوْرٌ. فَتَخْرُجُ الصِّيغَةُ عَنْ ظَاهِرِ الْإِذْنِ بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ. وَقَدْ اسْتَعْمَلُوا مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَقْصُودِ التَّنْفِيرِ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا: قَوْلُهُ " اتَّقُوا اللَّهَ " فَإِنَّهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ خِلَافَ التَّسْوِيَةِ لَيْسَ بِتَقْوَى، وَأَنَّ التَّسْوِيَةَ تَقْوَى. [حَدِيثٌ أَنَّ النَّبِيَّ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إلَى جَوَازِهَا عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُعَامَلَةَ كَانَتْ مُسَاقَاةً عَلَى النَّخِيلِ، وَالْبَيَاضُ الْمُتَخَلَّلُ بَيْنَ النَّخِيلِ كَانَ يَسِيرًا، فَتَقَعُ الْمُزَارَعَةُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّ صُورَةَ هَذِهِ: صُورَةُ الْمُعَامَلَةِ، وَلَيْسَتْ لَهَا حَقِيقَتُهَا، وَأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ قَدْ مُلِكَتْ بِالِاغْتِنَامِ. وَالْقَوْمُ صَارُوا عَبِيدًا فَالْأَمْوَالُ كُلُّهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَاَلَّذِي جُعِلَ لَهُمْ مِنْهَا بَعْضُ مَالِهِ، لِيَنْتَفِعُوا بِهِ، لَا عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةُ الْمُعَامَلَةِ. وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ اُسْتُرِقُّوا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُجَرِّدِ الِاسْتِيلَاءِ يَحْصُلُ الِاسْتِرْقَاقُ لِلْبَالِغِينَ.

стр. 480

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ «سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا. وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. الْمَاذِيَانَاتِ الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ وَالْجَدْوَلُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ» . ٢٩٠ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» . وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا. لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ مُطْلَقَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ كِرَائِهَا، وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ شَيْئًا غَيْرَ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ عِنْدَ الْعَقْدِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ مَنْعِ الْكِرَاءِ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ - إلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَهَالَةَ لَمْ تُغْتَفَرْ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ كِرَائِهَا بِطَعَامٍ مَضْمُونٍ، لِقَوْلِهِ " فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ " وَجَوَازُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ أَيْ الْإِجَارَةِ عَلَى طَعَامٍ مَعْلُومٍ مُسَمَّى فِي الذِّمَّةِ -: هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ: مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ " نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِكَذَا - إلَى قَوْلِهِ - أَوْ بِطَعَامٍ مُسَمَّى ".

стр. 481

وَقَالَ جَابِرٌ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا» . ٢٩١ - وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا: حَيًّا، وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ] " الْعُمْرَى " لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعُمْرِ وَهِيَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ أَوْ إبَاحَتُهَا مُدَّةَ الْعُمْرِ، وَهِيَ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهَا لِلْمُعَمَّرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَهَذِهِ هِبَةٌ مُحَقَّقَةٌ، يَأْخُذُهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُعْمِرَهَا، وَيَشْتَرِطَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعَمَّرِ وَفِي صِحَّةِ هَذِهِ الْعُمْرَى خِلَافٌ، لِمَا فِيهَا مِنْ تَغْيِيرِ وَضْعِ الْهِبَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْمِرَهَا مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَلَا يَشْتَرِطَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، وَلَا التَّأْبِيدَ، بَلْ يُطْلِقُ وَفِي صِحَّتِهَا: خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، وَأَوْلَى هَهُنَا بِأَنْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ شَرْطٍ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ بَعْدِ قَوْلِهِ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَى» يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صُورَةِ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ تَقْيِيدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَهُوَ مُبَيَّنٌ بِالْكَلَامِ بَعْدُ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ، إذَا قُلْنَا: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْ الرَّاوِي: تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ " يُرِيدُ: أَنَّهَا الَّتِي شَرَطَ فِيهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: صُورَةَ الْإِطْلَاقِ، وَيُؤْخَذُ كَوْنُهُ وَقَعَتْ فِيهِ

стр. 482

٢٩٢ - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ: أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» ٢٩٣ - الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ: طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَوَارِيثُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَابِرٌ: تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ صُورَةُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ. وَقَوْلُهُ " إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَيْ أَمْضَاهَا، وَجَعَلَهَا لِلْعَقِبِ لَا تَعُودُ وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ هَذِهِ الْعُمْرَى: أَنَّهَا تَرْجِعُ وَهُوَ تَأْوِيلٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ، أَعْنِي قَوْلَهُ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ» فَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا، فَلَا إشْكَالَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْوِيًّا، فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى تَأْوِيلِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي، فَهَلْ يَكُونُ مُقَدَّمًا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ تَقَعُ لَهُ قَرَائِنُ تُوَرِّثُهُ الْعِلْمَ بِالْمُرَادِ، وَلَا يَتَّفِقُ تَعْبِيرُهُ عَنْهَا؟ [حَدِيثٌ لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ] إذَا طَلَبَ الْجَارُ إعَارَةَ حَائِطِ جَارِهِ لِيَضَعَ عَلَيْهَا خَشَبَةً، فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الْإِجَابَةُ، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ - إذَا كَانَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ، إذَا كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَفِي قَوْلِهِ " مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ إلَى آخِرِهِ " مَا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ، لِقَوْلِهِ " وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ " وَهَذَا يَقْتَضِي التَّشْدِيدَ وَالْخَوْفَ وَالْكَرَاهَةَ لَهُمْ

стр. 483

٢٩٤ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ: فَأَدِّهَا إلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: مَا لَك وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ] فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ " وَالْقِيدُ " بِمَعْنَى الْقَدْرِ وَقَيَّدَهُ بِالشِّبْرِ: لِلْمُبَالَغَةِ، وَلِبَيَانِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى مِثْلِهِ أَوْلَى مِنْهُ وَ " طُوِّقَهُ " أَيْ جُعِلَ طَوْقًا لَهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ يَصِحُّ غَصْبُهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَرْضِ مُتَعَدِّدَةٍ بِسَبْعِ أَرْضِينَ، لِلَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ بِأَنَّ حَمْلَ " سَبْعِ أَرَضِينَ " عَلَى سَبْعَةِ الْأَقَالِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ اللُّقَطَةِ] [حَدِيثٌ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ] " اللُّقَطَةُ " هِيَ الْمَالُ الْمُلْتَقَطُ وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَثِيرًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَقِيَاسُ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لِمَنْ يَكْثُرُ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ، كَالْهُزَأَةِ وَالضُّحَكَةِ وَأَمْثَالِهِ " وَالْوِكَاءُ " مَا يُرْبَطُ بِهِ الشَّيْءُ وَ " الْعِفَاصُ " الْوِعَاءُ الَّذِي تُجْعَلُ فِيهِ النَّفَقَةُ ثُمَّ يُرْبَطُ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ: لِيَكُونَ وَسِيلَةً إلَى مَعْرِفَةِ الْمَالِ، تَذْكِرَةً لِمَا عَرَّفَهُ الْمُلْتَقِطُ وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّعْرِيفِ سَنَةً وَإِطْلَاقَةُ: يَدْخُلُ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْقَلِيلِ وَمُدَّةِ تَعْرِيفِهِ

стр. 484

٢٩٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ زَادَ مُسْلِمٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ " فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا " لَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِبَاحَةِ. وَقَوْلُهُ " وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ " يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ: بَعْدَ الِاسْتِنْفَاقِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ " فِيهِ مَجَازٌ فِي لَفْظِ " الْوَدِيعَةِ " فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْأَعْيَانِ وَإِذَا اسْتَنْفَقَ اللُّقَطَةَ لَمْ تَكُنْ عَيْنًا فَتُجَوَّزُ بِلَفْظِ " الْوَدِيعَةِ " عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُرَدُّ إذَا جَاءَ رَبُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " وَلْتَكُنْ " الْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى " أَوْ " فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْأَمَانَاتِ وَالْوَدَائِعِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَمَلَّكْهَا بَقِيَتْ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ، فَهِيَ كَالْوَدِيعَةِ. وَقَوْلُهُ " فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، إذَا بَيَّنَ كَوْنَهُ صَاحِبَهَا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: هَلْ يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَمْ يَكْتَفِي بِوَصْفِهِ بِأَمَارَاتِهَا الَّتِي عَرَّفَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ لَا؟ ١ - وَقَوْلُهُ " وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ إلَخْ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْتِقَاطِهَا وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ فِيهِ وَهِيَ اسْتِغْنَاؤُهَا عَنْ الْحَافِظِ وَالْمُتَفَقِّدِ وَ " الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ " هَهُنَا مَجَازَانِ كَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَغْنَتْ بِقُوتِهَا وَمَا رُكِّبَ فِي طَبْعِهَا مِنْ الْجَلَادَةِ عَنْ الْمَاءِ: كَأَنَّهَا أُعْطِيت الْحِذَاءَ وَالسِّقَاءَ ١ - وَقَوْلُهُ " وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ - إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ " يُرِيدُ الشَّاةَ الضَّالَّةَ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْتِقَاطِهَا وَقَدْ نَبَّهَ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ خَوْفُ الضَّيَاعِ عَلَيْهَا، إنْ لَمْ يَلْتَقِطْهَا أَحَدٌ وَفِي ذَلِكَ إتْلَافٌ لِمَالِيَّتِهَا عَلَى مَالِكِهَا وَالتَّسَاوِي بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ إذَا وَجَدَهَا، فَإِنَّ هَذَا التَّسَاوِيَ تَقْتَضِي الْأَلْفَاظُ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ: إمَّا لِهَذَا الْوَاجِدِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 485

مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي» ٢٩٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ «جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت: فَالثُّلُثُ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــ [بَابُ الْوَصَايَا] [حَدِيثٌ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ] " الْوَصِيَّةُ " عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْوَصِيَّةُ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَدَايُنِهِ وَرَدِّهِ مَعَ الْقُرْبِ: هَلْ تَجِبُ الْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى التَّضْيِيقِ وَالْفَوْرِ؟ وَكَأَنَّهُ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ الْمَشَقَّةُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْوَصِيَّةُ بِالتَّطَوُّعَاتِ فِي الْقُرُبَاتِ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ. وَالتَّرْخِيصُ فِي " اللَّيْلَتَيْنِ " أَوْ " الثَّلَاثِ " دَفْعٌ لِلْحَرَجِ وَالْعُسْرِ، وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْخَطِّ وَالْكِتَابَةِ، لِقَوْلِهِ " وَصِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ " وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ لَمَا كَانَ لِكِتَابَتِهِ فَائِدَةٌ وَالْمُخَالِفُونَ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ وَصِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ بِشُرُوطِهَا، وَيَأْخُذُونَ الشُّرُوطَ مِنْ خَارِجٍ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمُبَادَرَتِهِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ

стр. 486

فِي امْرَأَتِكَ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلَّا ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِيَادَةِ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ، وَدَلِيلٌ عَلَى ذِكْرِ شِدَّةِ الْمَرَضِ لَا فِي مَعْرِضِ الشَّكْوَى وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ لِذَوِي الْأَمْوَالِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُبَادَرَةِ الصَّحَابَةِ، وَشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ، لِطَلَبِ سَعْدٍ التَّصَدُّقَ بِالْأَكْثَرِ [تَخْصِيصِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ] ١ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الثُّلُثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَفِي بَعْضِهَا جُعِلَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَفِي بَعْضِهَا جُعِلَ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، فَإِذَا جُعِلَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» إلَّا أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ لَا يُعْتَبَرَ السِّيَاقُ الَّذِي يَقْتَضِي تَخْصِيصَ كَثْرَةِ الثُّلُثِ بِالْوَصِيَّةِ، بَلْ يُؤْخَذُ لَفْظًا عَامًّا وَالثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْكَثْرَةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، بِأَنْ يُقَالَ: الْكَثْرَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ فَالثُّلُثُ مُعْتَبَرٌ، وَمَتَى لَمْ تُلْمَحْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ: لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ. مِثَالٌ مِنْ ذَلِكَ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَى أَنَّهُ إذَا مَسَحَ ثُلُثَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ: أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ لِلْحَدِيثِ فَيُقَالُ لَهُ: لِمَ قُلْتَ إنَّ مُسَمَّى الْكَثْرَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَسْحِ؟ فَإِذَا أَثْبَتَهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ قُلْتَ إنَّ مُطْلَقَ الثُّلُثِ كَثِيرٌ، وَإِنَّ كُلَّ ثُلُثٍ فَهُوَ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ حُكْمٍ؟ وَعَلَى هَذَا فَقِسْ سَائِرَ الْمَسَائِلِ، فَيُطْلَبُ فِيهَا تَصْحِيحُ كُلِّ

стр. 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ [طَلَبَ الْغَنِيِّ لِلْوَرَثَةِ رَاجِحٌ عَلَى تَرْكِهِمْ فُقَرَاءَ] ١ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْغَنِيِّ لِلْوَرَثَةِ رَاجِحٌ عَلَى تَرْكِهِمْ فُقَرَاءَ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَمِنْ هَذَا: أَخَذَ بَعْضُهُمْ اسْتِحْبَابَ الْغَضِّ مِنْ الثُّلُثِ، وَقَالُوا أَيْضًا: يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ الْمَالِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ تَرْكِ الْوَرَثَةِ أَغْنِيَاءً [الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ: مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ فِي ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ وَهَذَا دَقِيقٌ عَسِرٌ، إذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَالشَّهْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ الْغَرَضَ مِنْ الثَّوَابِ، حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ. وَيَشُقُّ تَخْلِيصُ هَذَا الْمَقْصُودِ مِمَّا يَشُوبُهُ مِنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَالشَّهْوَةِ ١ - وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةَ إذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْدِ الْوَاجِبِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ: أُثِيبَ عَلَيْهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ " حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ " لَا تَخْصِيصَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ، وَلَفْظَةُ " حَتَّى " هَهُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُغَيَّا، كَمَا يُقَالُ: جَاءَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ، وَمَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: سَبَبُ هَذَا: مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي غَيْرَهُ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى تَحْصِيلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ، مِنْ أَنَّ إنْفَاقَ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَإِطْعَامَهُ إيَّاهَا، وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ: لَا يُعَارِضُ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ إذَا ابْتَغَى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ، لَمَّا أَرَادَتْ الْإِنْفَاقَ مِنْ عِنْدِهَا، وَقَالَتْ " لَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ " وَتَوَهَّمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ عَنْهَا، وَأُزِيلَ الْوَهْمُ نَعَمْ فِي مِثْلِ هَذَا يُحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، أَمْ تَكْفِي نِيَّةٌ عَامَّةٌ؟ وَقَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِأَصْلِ النِّيَّةِ وَعُمُومِهَا فِي بَابِ الْجِهَادِ، حَيْثُ قَالَ " لَوْ مَرَّ بِنَهْرٍ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ، فَشَرِبَتْ: كَانَ لَهُ أَجْرٌ " أَوْ كَمَا قَالَ: فَيُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّى هَذَا إلَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ فَيُكْتَفَى بِنِيَّةٍ مُجْمَلَةٍ أَوْ عَامَّةٍ وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ إلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ ﵇ " وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ إلَخْ " تَسْلِيَةٌ لِسَعْدٍ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لِلتَّخَلُّفِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَلَمُّحِ هَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ تَقَعُ

стр. 488

٢٩٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ٢٩٨ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَتْ: فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ـــــــــــــــــــــــــــــ بِالْإِنْسَانِ الْمَكَارِهُ، حَتَّى تَمْنَعَهُ مَقَاصِدَ لَهُ، وَيَرْجُو الْمَصْلَحَةَ فِيمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ ﵇ «اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ» لَعَلَّهُ يُرَادُ بِهِ: إتْمَامُ الْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَدْخُلُهُ نَقْضٌ، وَلَا نَقْضَ لِمَا اُبْتُدِئَ بِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الْهِجْرَةِ، وَأَنَّ تَرْكَ إتْمَامِهَا مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ " وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ " [حَدِيثٌ لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ] قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى سَبَبِهِ وَقَدْ اسْتَنْبَطَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ لَفْظِ " كَثِيرٌ " وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي أَقَرَّ ﷺ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ لَفْظُهُ إلَى الْأَمْرِ بِهِ - وَهُوَ الثُّلُثُ - يَقْتَضِي الْوَصِيَّةَ بِهِ. وَلَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ هَذَا بِقَوْلِهِ " لَوْ أَنَّ النَّاسَ " فَإِنَّهَا صِيغَةٌ فِيهَا ضَعْفٌ مَا بِالنِّسْبَةِ إلَى طَلَبِ الْغَضِّ إلَى مَا دُونَ الثُّلُثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْفَرَائِضِ] [حَدِيث أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا] " الْفَرَائِضُ " جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَهِيَ الْأَنْصِبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى:

стр. 489

٢٩٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟ ثُمَّ قَالَ: لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ـــــــــــــــــــــــــــــ النِّصْفُ، وَنِصْفُهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَنِصْفُ نِصْفُهُ وَهُوَ الثُّمْنُ وَالثُّلُثَانِ، وَنِصْفُهُمَا وَهُوَ الثُّلُثُ، وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا وَهُوَ السُّدُسُ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْفَرَائِضِ تَكُونُ بِالْبُدَاءَةِ بِأَهْلِ الْفَرْضِ وَبَعْدَ ذَلِكَ: مَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ. وَقَوْلُهُ " فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " أَوْ " عَصَبَةِ ذَكَرٍ " قَدْ يُورَدُ هَهُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ " الْأَخَوَاتِ " عَصَبَاتُ الْبَنَاتِ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الذُّكُورَةِ فِي " الْعَصَبَةِ " الْمُسْتَحَقِّ لِلْبَاقِي وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَأَقْصَى دَرَجَاتِهِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ عُمُومٌ فَيُخَصُّ بِالْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَأَعْنِي: أَنَّ " الْأَخَوَاتِ " عَصَبَاتُ الْبَنَاتِ [حَدِيثٌ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى انْقِطَاعِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَمِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ قَالَ: يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَالْكَافِرُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَكَأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالنِّكَاحِ حَيْثُ يَنْكِحُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَةَ الْكِتَابِيَّةَ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَوْلُهُ ﷺ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ " سَبَبُهُ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا مَاتَ: لَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ وَلَا جَعْفَرٌ وَوَرِثَهُ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا كَانَا مُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرِثَا أَبَا طَالِبٍ: وَقَدْ تُعُلِّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَسْأَلَةِ دُورِ مَكَّةَ وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهَا أَمْ لَا؟

стр. 490

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» ٣٠١ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «قَالَتْ كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ] " الْوَلَاءُ " حَقٌّ ثَبَتَ بِوَصْفٍ، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فَلَا يَقْبَلُ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِوَصْفٍ يَدُومُ بِدَوَامِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ قَامَ بِهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ وَقَدْ شَبَّهَ " الْوَلَاءَ " بِالنَّسَبِ قَالَ ﵇ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» فَكَمَا لَا يَقْبَلُ النَّسَبُ النَّقْلَ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ [حَدِيثٌ كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ] حَدِيثُ بَرِيرَةَ: قَدْ اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ وَجُمِعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَا تَصْنِيفٍ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا فِي مَوَاضِعَ فِيمَا مَضَى وَقَدْ صَرَّحَ هَهُنَا بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ هُوَ فِي حَالِهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ إذَا مَلَكَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ: لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ أَكْلُهُ، إذَا وُجِدَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْفَقِيرِ يُبِيحُهُ لَهُ

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَبَسُّطِ الْإِنْسَانِ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْزِلِهِ، وَمَا عَهِدَهُ فِيهِ، لِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَصْرِ " الْوَلَاءِ " لِلْمُعْتِقِ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى

стр. 492

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ النِّكَاحِ] [حَدِيث يَا معشر الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ] " الْبَاءَةُ " النِّكَاحُ، مُشْتَقٌّ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْإِقَامَةِ وَالنُّزُولِ، وَ " الْبَاءَةُ " الْمَنْزِلُ فَلَمَّا كَانَ الزَّوْجُ يَنْزِلُ بِزَوْجَتِهِ: سُمِّيَ النِّكَاحُ " بَاءَةً " لِمَجَازِ الْمُلَازَمَةِ وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ: الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤْنَةِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَالنِّكَاحُ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِ، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ. وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النِّكَاحَ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، أَعْنِي الْوُجُوبَ: وَالنَّدْبَ، وَالتَّحْرِيمَ، وَالْكَرَاهَةَ، وَالْإِبَاحَةَ وَجُعِلَ الْوُجُوبُ فِيمَا إذَا خَافَ الْعَنَتَ، وَقَدَرَ عَلَى النِّكَاحِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ وَاجِبًا، بَلْ إمَّا هُوَ، وَإِمَّا التَّسَرِّي فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّسَرِّي تَعَيَّنَ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ لِلْوُجُوبِ، لَا لِأَصْلِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ

стр. 493

٣٠٣ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ـــــــــــــــــــــــــــــ الْعِبَادَاتِ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَقَوْلُهُ ﵇ «فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ تَكُونَ " أَفْعَلُ " فِيهِ مِمَّا اُسْتُعْمِلَ لِغَيْرِ الْمُبَالَغَةِ وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا، فَإِنَّ التَّقْوَى سَبَبٌ لِغَضِّ الْبَصَرِ، وَتَحْصِينِ الْفَرْجِ وَفِي مُعَارَضَتِهَا: الشَّهْوَةُ، وَالدَّاعِي إلَى النِّكَاحِ وَبَعْدَ النِّكَاحِ: يَضْعُفُ هَذَا الْمُعَارِضُ فَيَكُونُ أَغَضَّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنَ لِلْفَرْجِ مِمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ وُقُوعَ الْفِعْلِ - مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي إلَى وُقُوعِهِ - أَنْدَرُ مِنْ وُقُوعِهِ مَعَ وُجُودِ الدَّاعِي. وَالْحَوَالَةُ عَلَى الصَّوْمِ لِمَا فِيهِ كَسْرُ الشَّهْوَةِ فَإِنَّ شَهْوَةَ النِّكَاحِ تَابِعَةٌ لِشَهْوَةِ الْأَكْلِ، تَقْوَى بِقُوَّتِهَا، وَتَضْعُفُ بِضَعْفِهَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ " فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ " بِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لِلْغَائِبِ، وَقَدْ مَنَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَ " الْوِجَاءُ " الْخِصَاءُ وَجُعِلَ وِجَاءً: نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى فَإِنَّ الْوِجَاءَ قَاطِعٌ لِلْفِعْلِ وَعَدَمُ الشَّهْوَةِ قَاطِعٌ لَهُ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُشَابَهَةِ. وَإِخْرَاجُ الْحَدِيثِ لِمُخَاطَبَةِ الشَّبَابِ: بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَى النِّكَاحِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، بِخِلَافِ الشُّيُوخِ، وَالْمَعْنَى مُعْتَبَرٌ إذَا وُجِدَ فِي الْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ أَيْضًا

стр. 494

٣٠٤ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «قَالَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيث أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ] يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُرَجِّحُ النِّكَاحَ عَلَى التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَصَدُوا هَذَا الْقَصْدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ خِلَافَهُ: رَغْبَةٌ عَنْ السُّنَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنَطُّعِ، وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ - مَثَلًا - يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَقْصُودِهِ، فَإِنَّ كَانَ مَنْ بَابِ الْغُلُوِّ وَالتَّنَطُّعِ، وَالدُّخُولِ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ: فَهُوَ مَمْنُوعٌ، مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمَحْمُودَةِ، كَمَنْ تَرَكَهُ تَوَرُّعًا لِقِيَامِ شُبْهَةٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي اللُّحُومِ، أَوْ عَجْزًا، أَوْ لِمَقْصُودٍ صَحِيحٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ النِّكَاحِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا شَكّ أَنَّ التَّرْجِيحَ يَتْبَعُ الْمَصَالِحَ، وَمَقَادِيرُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَعْلَمُ بِتِلْكَ الْمَقَادِيرِ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُكَلَّفُ حَقِيقَةَ تِلْكَ الْمَصَالِحِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ أَعْدَادَهَا: فَالْأَوْلَى اتِّبَاعُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الشَّرْعِ

стр. 495

٣٠٥ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂ «أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي قَالَتْ: إنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي إنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ وَثُوَيْبَةُ: مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ خِيبَةٍ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثٌ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ] " التَّبَتُّلُ " تَرْكُ النِّكَاحِ: وَمِنْهُ قِيلَ لِمَرْيَمَ ﵍ " الْبَتُولُ " وَحَدِيثُ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مِمَّنْ قَصَدَ التَّبَتُّلَ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ التَّنَطُّعِ وَالتَّشَبُّهِ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ: يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُسَمَّى " التَّبَتُّلِ " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ غَيْرَ الْمَرْدُودِ فِي الْحَدِيثِ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ: إشَارَةٌ إلَى مُلَازَمَةِ التَّعَبُّدِ أَوْ كَثْرَتِهِ، لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، مِنْ الْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ وَلَمْ يُقْصَدْ مَعَهَا تَرْكُ النِّكَاحِ وَلَا أَمْرٌ بِهِ بَلْ كَانَ النِّكَاحُ مَوْجُودًا مَعَ هَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ " التَّبَتُّلُ " الْمَرْدُودُ: مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ - مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَتَجَنُّبِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَدْخُلُ فِي بَابِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ بِالْإِجْحَافِ بِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: مَنْعُ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَشَبَهِهِ، مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَزَهِّدِينَ
следующие страницы →