Полный текст (659 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٢٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّلَاةِ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَةِ، فَلِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ بَدَنَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالنَّجَاسَةِ، وَهَذَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ حَالَةُ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ، فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبَدَنِ ثَبَتَ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، أَوْ يَقُولُ: الْبَدَنُ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ: مِنْ مَوَاضِعِ النِّزَاعِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَجَسٍ، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ - مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ حَمْلُهُ عَلَى نَجَاسَةِ الْعَيْنِ - يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَدْ يُدْعَى أَنَّ قَوْلَنَا " الشَّيْءُ نَجِسٌ " حَقِيقَةً فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، فَيَبْقَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ دَالًا عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْمُؤْمِنِ لَا تَنْجُسُ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ حَالَةُ النَّجَسِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ.
الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهَا " كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ عَنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا " اغْتَسَلَ " بِمَعْنَى شَرَعَ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فَعَلَ إذَا شَرَعَ، وَفَعَلَ إذَا فَرَغَ، فَإِذَا حَمَلْنَا
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اغْتَسَلَ " عَلَى " شَرَعَ " صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ وَقْتًا لِلْبَدَاءَةِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقْتًا لِلِاسْتِعَاذَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَالُ " كَانَ يَفْعَلُ كَذَا " بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَكَانَ عَادَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ، وَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ» وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ " كَانَ " لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ؛ وَوُقُوعِ الْفِعْلِ، دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالْأَوَّلُ: أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ ".
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَدْ تُطْلَقُ " الْجَنَابَةُ " عَلَى الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، أَوْ الْإِنْزَالِ، وَقَوْلُهَا " مِنْ الْجَنَابَةِ " فِي " مِنْ " مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ، مَجَازًا عَنْ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ مَصْدَرٌ لِلْمُسَبَّبِ وَمُنْشَأٌ لَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهَا " غَسَلَ يَدَيْهِ " هَذَا الْغَسْلُ قَبْلَ إدْخَالِ الْيَدَيْنِ الْإِنَاءَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ،
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهَا " وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ الْغَسْلِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ، يَقَعُ الْبَحْثُ فِي أَنَّ هَذَا الْغَسْلَ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ: هَلْ هُوَ وُضُوءٌ حَقِيقَةً؟ فَيُكْتَفَى بِهِ عَنْ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِلْجَنَابَةِ، فَإِنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاحِدٌ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ غَسْلَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْجَسَدِ تَكْرِيمًا لَهَا وَتَشْرِيفًا، وَيَسْقُطُ غَسْلُهَا عَنْ الْوُضُوءِ بِانْدِرَاجِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى تَحْتَ الْكُبْرَى.
فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: قَوْلُهَا " وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ، تَقْدِيرُهُ: وُضُوءًا مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ الْمَغْسُولَةُ مَغْسُولَةً عَنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً عَنْ الْوُضُوءِ حَقِيقَةً لَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ عَنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ؛؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا مَغْسُولَةً لِلْجَنَابَةِ صَحَّ التَّغَايُرَ، وَكَانَ التَّشْبِيهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَجَوَابُهُ - بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُشَبَّهًا بِهِ - مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ الْوُضُوءُ الْوَاقِعُ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ غُسْلِ
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْجَنَابَةِ، وَالْوُضُوءُ - بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ - مُغَايِرٌ لِلْوُضُوءِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَيَحْصُلُ التَّغَايُرُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّشْبِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ كَوْنِهِ وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً.
الثَّانِي: لَمَّا كَانَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ لَهُ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ، شُبِّهَ هَذَا الْفَرْدُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْخَارِجِ بِذَلِكَ الْمَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: أَوْقَعَ فِي الْخَارِجِ مَا يُطَابِقُ الصُّورَةَ الذِّهْنِيَّةَ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ " التَّخْلِيلُ هَهُنَا: إدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّعْرِ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّخْلِيلَ هَلْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْمَاءِ، أَوْ بِإِدْخَالِ الْأَصَابِعِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ؟ وَأَشَارَ بِهِ إلَى تَرْجِيحِ نَقْلِ الْمَاءِ، لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ» فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: نَقْلُ الْمَاءِ لِتَخْلِيلِ الشَّعْرِ: هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: يُخَلِّلُ بِأَصَابِعِهِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ، قَالَ: وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا، فَقَالَ " بَابُ تَخْلِيلِ الْجُنُبِ رَأْسَهُ " وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ فِيهِ، «فَقَالَتْ فِيهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُشْرِبُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا» قَالَ: فَهَذَا بَيِّنٌ فِي التَّخْلِيلِ بِالْمَاءِ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " التَّخْلِيلَ " يَكُونُ بِمَجْمُوعِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ لَا بِالْخَمْسِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهَا " حَتَّى إذَا ظَنَّ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ " الظَّنُّ " هَهُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، مِنْ رُجْحَانِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ الْآخَرِ، وَلَوْلَا قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ " أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " لَتَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُكْتَفَى بِهِ، أَيْ بِرَيِّ الْبَشَرَةِ، وَإِذَا كَانَ مُكْتَفَى بِهِ فِي الْغُسْلِ تَرَجَّحَ الْيَقِينُ، لَتَيَسُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْوَاجِبِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهَا " أَرْوَى " مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّيِّ، الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْعَطَشِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي ابْتِلَالِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ، يُقَالُ: رَوَيْتُ مِنْ الْمَاءِ - بِالْكَسْرِ - أَرْوَى رِيًّا وَرَيًّا، وَرُوِيَ،
стр. 74
٣٠ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، أَوْ الْحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأُرْوِيتُهُ أَنَا فَرُوِيَ، وَقَوْلُهَا " بَشَرَتَهُ " الْبَشَرَةُ: ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُرَادُ بِإِرْوَاءِ الْبَشَرَةِ: إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الْجِلْدِ، وَلَا يَصِلُ إلَى جَمِيعِ جِلْدِهِ إلَّا وَقَدْ ابْتَلَتْ أُصُولُ الشَّعْرِ، أَوْ كُلِّهِ، وَقَوْلُهَا " أَفَاضَ الْمَاءَ " إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ: إفْرَاغُهُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: فَاضَ الْمَاءُ: إذَا جَرَى، وَفَاضَ الدَّمْعُ: إذَا سَالَ، وَقَوْلُهَا " عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ " أَيْ بَقِيَّتِهِ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ الرَّأْسَ أَوَّلًا، وَالْأَصْل فِي " سَائِرِ " أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ، وَقَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّؤْرِ، قَالَ الشَّنْفَرَى:
إذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي رَأْسٍ أَكْثَرِي … وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِي
أَيْ بَقِيَّتِي، وَقَدْ أُنْكِرَ فِي أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ: جَعْلُهَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَفِي كِتَابِ الصِّحَاحِ: مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَهُ.
[اغْتِسَال الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ] ١
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُمَا إذَا اعْتَقَبَا اغْتِرَافَ الْمَاءِ: كَانَ اغْتِرَافُ الرَّجُلِ فِي بَعْضِ الِاغْتِرَافَاتِ مُتَأَخِّرًا عَنْ اغْتِرَافِ الْمَرْأَةِ، فَيَكُونُ تَطَهُّرًا بِفَضْلِهَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهَا " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي وَقْتِ الِاغْتِرَافِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا اللَّفْظُ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ - أَعْنِي " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " عَلَى مَا إذَا تَعَاقَبَا الِاغْتِرَافَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى اغْتِرَافِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: أَحْمِلُهُ عَلَى شُرُوعِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ، فَإِذَا قُلْتَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ أَكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 75
وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» ..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ وَضَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ]
الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَدْ تَقَدَّمَ لَنَا: أَنَّ " الْوَضُوءَ " بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ، أَوْ لِلْمَاءِ مُضَافًا إلَى الْوُضُوءِ؟ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ: أَنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إلَى الْوُضُوءِ بَلْ إلَى الْجَنَابَةِ.
الثَّانِي: قَوْلُهَا " فَأَكْفَأَ " أَيْ قَلَبَ، يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ: إذَا قَلَبْتُهُ - ثُلَاثِيًّا - وَأَكْفَأْتُهُ أَيْضًا رُبَاعِيًّا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى " قَلَبَ " وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي " قَلَبْتُ ": " كَفَأْتُ " ثُلَاثِيًّا، وَأَمَّا " أَكْفَأْتُ " فَبِمَعْنَى: أَمَلْتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيّ الثَّالِثُ: الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْفَرْجِ، لِإِزَالَةِ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْ أَذَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ فِي الِابْتِدَاءِ عَنْ الْجَنَابَةِ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى غَسْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ لِلْوُضُوءِ، فَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِهَا، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلِلْغَسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ يَكْتَفِي بِذَلِكَ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلَتَيْنِ: مَرَّةً لِلنَّجَاسَةِ، وَمَرَّةً لِلطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ إلَّا مُطْلَقُ الْغَسْلِ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَكْرَارٍ، فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ: الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَسْلِهِ ثَانِيًا، وَضَرْبُهُ ﷺ بِالْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ: لِإِزَالَةِ مَا لَعَلَّهُ عَلِقَ بِالْيَدِ مِنْ الرَّائِحَةِ، زِيَادَةً فِي التَّنْظِيفِ.
الرَّابِعُ: إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ، بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْإِزَالَةِ: لَمْ يَضُرَّ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: خِلَافٌ، وَقَدْ يُؤْخَذُ الْعَفْوُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُهُ: أَنْ ضَرْبَهُ ﷺ بِالْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ: لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ الْعَيْنِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا
стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَانَتْ الْيَدُ نَجِسَةً بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فِيهَا، فَعِنْدَ انْفِصَالِهَا يَنْجُسُ الْمَحَلُّ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلطَّعْمِ؛؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِإِزَالَةِ اللَّوْنِ؛؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ بِالْإِنْزَالِ أَوْ بِالْمُجَامَعَةِ لَا تَقْتَضِي لَوْنًا يُلْصَقُ بِالْيَدِ، وَإِنْ اتَّفَقَ، فَنَادِرٌ جِدًّا، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِزَالَةِ رَائِحَةٍ تَجِبُ إزَالَتُهَا؛؛ لِأَنَّ الْيَدَ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ الْمَحِلِّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَوْ بَقِيَ مَا تَتَعَيَّنُ إزَالَتُهُ مِنْ الرَّائِحَةِ لَمْ يَكُنْ الْمَحِلُّ طَاهِرًا؛؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ تَكُونُ الْيَدُ نَجِسَةً، وَقَدْ لَابَسَتْ الْمَحِلَّ مُبْتَلًّا، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرَّائِحَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَلَى الْأَرْضِ لِطَلَبِ الْأَكْمَلِ فِيمَا لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالُ: فَصْلُ الْيَدِ عَنْ الْمَحِلِّ، بِنَاءً عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ بِزَوَالِ رَائِحَتِهِ، وَالضَّرْبُ عَلَى الْأَرْضِ لِإِزَالَةِ احْتِمَالٍ فِي بَقَاءِ الرَّائِحَةِ، مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ فِي زَوَالِهَا، وَاَلَّذِي يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ: مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، مِنْ كَوْنِهِ ﷺ " دَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا " وَالدَّلْكُ الشَّدِيدُ لَا يُنَاسِبُهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ الضَّعِيفُ.
[حُكْم الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ] ١
الْخَامِسُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ " دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فِي الْغُسْلِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ: فَأَوْجَبَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَنَفَى الْوُجُوبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُطْلَقَ أَفْعَالِهِ ﷺ لِلْوُجُوبِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، إلَّا إذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ، وَالْأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ مِنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلَاتِ.
السَّادِسُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ " ظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ ﷺ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِتَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ هَذَا: هَلْ يَمْسَحُ الرَّأْسَ أَمْ لَا؟ .
[تَأْخِير غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ] ١
السَّابِعُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ " يَقْتَضِي تَأْخِيرَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُهُمْ اخْتَارَ إكْمَالَ الْوُضُوءِ، عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ
стр. 77
٣١ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَكُونَ الْمَوْضِعُ وَسِخًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ وَسِخَا: أَخَّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، لِيَكُونَ غُسْلُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَقَعُ إسْرَافٌ فِي الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيفًا: قُدِّمَ، وَهُوَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لَهُ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ.
الثَّامِنُ: إذَا قُلْنَا: إنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ وُضُوءٌ حَقِيقَةً، فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: جَوَازُ التَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ فِي الطَّهَارَةِ.
[تَنْشِيفُ الْأَعْضَاءِ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ]
التَّاسِعُ: أُخِذَ مِنْ رَدِّهِ ﷺ الْخِرْقَةَ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَنْشِيفُ الْأَعْضَاءِ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُكْرَهُ؟ وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا التَّنْشِيفَ اسْتَدَلُّوا بِكَوْنِهِ ﷺ جَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ، فَلَوْ كُرِهَ التَّنْشِيفُ لَكُرِهَ النَّفْضُ، فَإِنَّهُ إزَالَةٌ، وَأَمَّا رَدُّ الْمِنْدِيلِ: فَوَاقِعَةُ حَالٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا لِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[نَفْض الْمَاءِ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوء] ١
الْعَاشِرُ: ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: أَنْ لَا يَنْفُضَ أَعْضَاءَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَفْضِ الْمَاءِ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءُ مِثْلُهُ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ النَّفْضِ - وَهُوَ مَا وَرَدَ " لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ " - حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لَا يُقَاوِمُ هَذَا الصَّحِيحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ]
وُضُوءُ الْجُنُبِ قَبْلَ النَّوْمِ: مَأْمُورٌ بِهِ، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَقَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ» لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ
стр. 78
٣٢ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» ..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ " وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - مُتَمَسِّكٌ لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ وَقَفَ إبَاحَةَ الرُّقَادِ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ ﵊ " فَلْيَرْقُدْ " لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا لِلِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ النَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَوْمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا اسْتِحْبَابٌ، فَإِذَا هُوَ لِلْإِبَاحَةِ، فَتَتَوَقَّفُ الْإِبَاحَةُ هَهُنَا عَلَى الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْأَمْرَ هَهُنَا عَلَى الْوُجُوبِ، اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، فَقِيلَ: عِلَّتُهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، خَشْيَةَ الْمَوْتِ فِي الْمَنَامِ، وَقِيلَ: عِلَّتُهُ أَنْ يَنْشَطَ إلَى الْغُسْلِ إذَا نَالَ الْمَاءُ أَعْضَاءَهُ، وَبَنَوْا عَلَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ: أَنَّ الْحَائِضَ إذَا أَرَادَتْ النَّوْمَ، هَلْ تُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ؟ فَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِالْمَبِيتِ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ: أَنْ تَتَوَضَّأَ الْحَائِضُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهَا وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِحُصُولِ النَّشَاطِ: أَنْ لَا تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ؛؛ لِأَنَّهَا لَوْ نَشِطَتْ لَمْ يُمْكِنْهَا رَفْعُ حَدَثِهَا بِالْغُسْلِ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَائِضِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاعَى هَذِهِ الْعِلَّةَ، فَنَفَى الْحُكْمَ لِانْتِفَائِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُرَاعِهَا، وَنَفَى الْحُكْمَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ أَمْرَ الْجُنُبِ بِهِ تَعَبُّدٌ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، أَوْ رَأَى عِلَّةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ]
الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهَا " إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ " هَذَا تَمْهِيدٌ لِبَسْطِ عُذْرِهَا فِي ذِكْرِهَا مَا يَسْتَحْيِي النِّسَاءُ مِنْ ذِكْرِهِ وَهُوَ أَصْلٌ فِيمَا يَصْنَعُهُ الْكُتَّابُ وَالْأُدَبَاءُ فِي ابْتِدَاءِ مُكَاتَبَاتِهِمْ وَمُخَاطَبَاتِهِمْ مِنْ التَّمْهِيدَاتِ لِمَا يَأْتُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُحَسِّنُهُ فِي مِثْلِ هَذَا: أَنَّ الَّذِي يُعْتَذَرُ بِهِ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُعْتَذَرِ مِنْهُ: أَدْرَكَتْهُ النَّفْسُ صَافِيَةً مِنْ الْعَتَبِ، وَإِذَا تَأَخَّرَ الْعُذْرُ اسْتَثْقَلَتْ النَّفْسُ الْمُعْتَذَرَ مِنْهُ، فَتَأَثَّرَتْ بِقُبْحِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْعُذْرُ رَافِعًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَأْتِي دَافِعًا.
الثَّانِي: تَكَلَّمُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهَا إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ الْحَيَاءِ، إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُثْبَتًا، كَمَا جَاءَ «إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ» وَأَمَّا فِي النَّفْيِ: فَالْمُسْتَحِيلَاتُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تُنْفَى، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ مُمْكِنًا، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ النَّفْيُ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مُطْلَقًا، بَلْ وَرَدَ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْحَقِّ، فَبِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ: يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ، فَيَعُودُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ إلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ.
، الثَّالِثُ: قِيلَ فِي مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ، وَلَا يُبِيحُهُ، أَوْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِهِ وَأَصْلُ " الْحَيَاءِ " الِامْتِنَاعُ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ مَعْنَى الِانْقِبَاضِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ أَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، وَأَقُولُ: أَمَّا تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ ذِكْرِهِ فَقَرِيبٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحْيِيَ مُمْتَنِعٌ مِنْ فِعْلِ مَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ، فَالِامْتِنَاعُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاءِ، فَيُطْلَقُ الْحَيَاءُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " أَيْ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ وَلَا يُبِيحُهُ " فَيُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِهِ، أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ التَّعْبِيرُ بِالْحَيَاءِ عَنْ الْأَمْرِ بِالْحَيَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَيَاءِ، فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْحَيَاءِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ، عَلَى سَبِيلِ إطْلَاقِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَإِذَا صَحَّ إطْلَاقُ الْحَيَاءِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْحَيَاءِ، فَيَصِحُّ إطْلَاقُ عَدَمِ الْحَيَاءِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ تُذْكَرُ لِبَيَانِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْمَعَانِي، لِيَخْرُجَ ظَاهِرُهُ عَنْ النُّصُوصِيَّةِ، لَا عَلَى أَنَّهُ يَجْزِمُ بِإِرَادَةِ مُتَعَيِّنٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " مَعْنَاهُ إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ "، فَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيرٌ بَالِغٌ، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يُسْنِدَ فِعْلَ الِاسْتِحْيَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا، وَيَجْعَلُهُ فِعْلًا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَإِنْ أُسْنِدَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالسُّؤَالُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: أَنَّهُ زَادَ قَوْلُهُ " سُنَّةَ اللَّهِ وَشَرْعَهُ " وَهَذَا لَا يَخْلُصُ مِنْ السُّؤَالِ، وَإِنْ بَنَوْا الْفِعْلَ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَكَيْفَ يُفَسِّرُ فِعْلًا بُنِيَ لِلْفَاعِلِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَبَايِنَانِ، وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ؟ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْأَقْرَبُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ، وَ " الْحَقُّ " هَهُنَا خِلَافُ الْبَاطِلِ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ: أَنْ يُقْتَدَى بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَبِذِكْرِ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ احْتِلَامِ الْمَرْأَةِ.
[الِاحْتِلَامُ] ١
الْوَجْهُ الْخَامِسُ " الِاحْتِلَامُ " فِي الْوَضْعِ: افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ - وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ، يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ - بِفَتْحِ اللَّامِ - وَاحْتَلَمَ، وَاحْتَلَمْتُ بِهِ، وَاحْتَلَمْتُهُ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ: فَإِنَّهُ قَدْ خُصَّ هَذَا الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ بِبَعْضِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَهُوَ مَا يَصْحَبُهُ إنْزَالُ الْمَاءِ، فَلَوْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ " احْتَلَمَ " وَضْعًا، وَلَمْ يَصِحَّ عُرْفًا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهَا " هِيَ " تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ، وَلَوْ أُسْقِطَتْ مِنْ الْكَلَامِ لَتَمَّ أَصْلُ الْمَعْنَى.
[الْغُسْلِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ الْمَاءَ] ١
السَّابِعُ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِنْزَالِ الْمَرْأَةِ الْمَاءَ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الرَّجُلِ قَوْلُهُ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ ﷺ " إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ " وَسَأَلَتْ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ، وَلَكِنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ، لِقِيَامِ مَانِعٍ فِيهَا يُوهِمُ خُرُوجَهَا عَنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، وَهِيَ نُدْرَةُ نُزُولِ الْمَاءِ مِنْهَا.
[إنْزَال الْمَاءِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ]
الثَّامِنُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إنْزَالَ الْمَاءِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، كَإِنْزَالِهِ فِي حَالَةِ الْيَقِظَةِ.
التَّاسِعُ: قَوْلُهُ ﷺ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " قَدْ يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا
стр. 81
٣٣ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَبْرُزُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا، بِقَوْلِهِ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ ".،
[وُجُوب الْغُسْلِ بِالْإِنْزَالِ إذَا عَرَفَتْهُ بِالشَّهْوَةِ] ١
الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ ﷺ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَاعَاةً لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فِي قَوْلِهَا " احْتَلَمَتْ " فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ " الِاحْتِلَامَ " رُؤْيَةُ الْمَنَامِ كَيْفَ كَانَ وَضْعًا، فَلَمَّا سَأَلَتْ " هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ " وَكَانَتْ لَفْظَةُ " احْتَلَمَتْ " عَامَّةٌ: خَصَّصَ الْحُكْمَ بِمَا إذَا رَأَتْ الْمَاءَ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَا لَفْظَةَ " احْتَلَمَتْ " عَلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ: كَانَ قَوْلُهُ ﷺ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " كَالتَّأْكِيدِ وَالتَّحْقِيقِ لِمَا سَبَقَ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْزَالُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاحْتِلَامُ عُرْفًا عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً يُوجَدُ مَعَهُ الْبُرُوزُ إلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً لَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﷺ " إذَا رَأَتْ الْمَاءَ " مُخَصِّصًا لِلْحُكْمِ بِحَالَةِ الْبُرُوزِ إلَى الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ فَائِدَةً زَائِدَةً، لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مَنْ أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ: يَقْتَضِي وُجُوبَ الْغُسْلِ بِالْإِنْزَالِ إذَا عَرَفَتْهُ بِالشَّهْوَةِ، وَلَا يُوقِفُهُ عَلَى الْبُرُوزِ إلَى الظَّاهِرِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ " الرُّؤْيَةُ " بِمَعْنَى الْعِلْمِ هُنَا، أَيْ إذَا عَلِمَتْ نُزُولَ الْمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَأُمُّ سَلَمَةَ " الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ اسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، الْمَعْرُوفُ بِزَادِ الرَّاكِبِ، وَ " أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ - يُقَالُ لَهَا: الْغُمَيْصَاءُ، وَالرُّمَيْصَاءُ أَيْضًا، اسْمُهَا سَهْلَةُ، وَقِيلَ: رُمَيْلَةُ، أَوْ رَمْلَةُ، وَقِيلَ: رُمَيْثَةُ، وَقِيلَ: مُلَيْكَةُ
[حَدِيثُ كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ]
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ وَنَجَاسَتِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بِطَهَارَتِهِ،
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِنَجَاسَتِهِ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِنَجَاسَتِهِ: اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ إزَالَتِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُغْسَلُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ رَطْبُهُ، وَيُفْرَكُ يَابِسُهُ، أَمَّا مَالِكٌ: فَعَمَلَ بِالْقِيَاسِ فِي الْحُكْمَيْنِ، أَعْنِي نَجَاسَتَهُ وَإِزَالَتَهُ بِالْمَاءِ، أَمَّا نَجَاسَتُهُ: فَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ إلَى الِاسْتِقْذَارِ فِي مَقَرٍّ تَجْتَمِعُ فِيهِ: نَجِسَةٌ وَالْمَنِيُّ مِنْهَا، فَلِيَكُنْ نَجِسًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْأَحْدَاثَ الْمُوجِبَةَ لِلطَّهَارَةِ نَجِسَةٌ، وَالْمَنِيُّ مِنْهَا، أَيْ مِنْ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلطَّهَارَةِ.
، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَجْرِي فِي مَجْرَى الْبَوْلِ، فَيَنْجُسُ.
، وَأَمَّا فِي كَيْفِيَّةِ إزَالَتِهِ: فَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ، إلَّا مَا عُفِيَ عَنْهُ مِنْ آثَارِ بَعْضِهَا، وَالْفَرْدُ مُلْحَقٌ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ اتَّبَعَ الْحَدِيثَ فِي فَرْكِ الْيَابِسِ، وَالْقِيَاسُ فِي غَسْلِ الرَّطْبِ وَلَمْ يَرَ الِاكْتِفَاءَ بِالْفَرْكِ دَلِيلًا عَلَى الطَّهَارَةِ، وَشَبَّهَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ دَلْكِ النَّعْلِ مِنْ الْأَذَى، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفِّهِ أَوْ بِنَعْلِهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالدَّلْكِ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الْأَذَى، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَاتَّبَعَ الْحَدِيثَ فِي فَرْكِ الْيَابِسِ، وَرَآهُ دَلِيلًا عَلَى الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا اكْتَفَى فِيهِ إلَّا بِالْغَسْلِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَلَوْ اكْتَفَى بِالْفَرْكِ - مَعَ كَوْنِهِ نَجِسًا - لَزِمَ خِلَافُ الْقِيَاسِ، وَالْأَصْلُ: عَدَمُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَدْ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنْ حُمِلَ عَلَى الْفَرْكِ بِالْمَاءِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفْرِي» وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِيُبْسِهِ، وَأَيْضًا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ كَانَ يَابِسًا، وَأَغْسِلُهُ أَوْ أَمْسَحُهُ إذَا كَانَ رَطْبًا» شَكَّ الرَّاوِي.
وَهَذَا التَّقَابُلُ بَيْنَ الْفَرْكِ وَالْغَسْلِ: يَقْتَضِي
стр. 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اخْتِلَافَهُمَا، وَاَلَّذِي قَرَّبَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ - عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ - مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِضَيْفِهَا الَّذِي غَسَلَ الثَّوْبَ «إنَّمَا كَانَ يَجْزِيَكَ - إنْ رَأَيْتَهُ - أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ نَضَحْتَ حَوْلَهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ » فَحَصَرَتْ الْإِجْزَاءَ فِي الْغُسْلِ لِمَا رَآهُ، وَحَكَمَتْ بِالنَّضْحِ لِمَا لَمْ يَرَهُ، وَهَذَا حُكْمُ النَّجَاسَاتِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَرْكُ الْمَذْكُورُ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ: نَاقَضَ آخِرُ الْحَدِيثِ أَوَّلَهُ، الَّذِي يَقْتَضِي حَصْرَ الْإِجْزَاءِ فِي الْغَسْلِ، وَيَقْتَضِي إجْرَاءَ حُكْمِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ فِي النَّضْحِ، إلَّا أَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهَا " لَأَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي " أَصْرَحُ وَأَنُصُّ عَلَى عَدَمِ الْمَاءِ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْقَرَائِنِ، مِنْ كَوْنِهِ مَفْرُوكًا بِالْمَاءِ، وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ، اخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ، وَأَعْنِي بِالْقَرَائِنِ: النَّضْحَ لِمَا لَمْ يَرَهُ، وَقَوْلُهَا: " إنَّمَا كَانَ يُجْزِيَكَ "، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةً أُخْرَى فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي اُقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى ذِكْرِ الْفَرْكِ، قَالَ: هَذَا لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الْفَرْكِ مِنْ الثَّوْبِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ الثَّوْبُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى ثَوْبِ النَّوْمِ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - وَهُوَ قَوْلُهَا " فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ " - عَلَى ثَوْبِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُقَالُ: إذَا حَمَلْتُمْ الْفَرْكَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبِ الصَّلَاةِ، فَأَيِّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فَائِدَتُهُ بَيَانُ جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ تَتَمَشَّى لَوْ لَمْ تَأْتِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ بِقَوْلِهَا " ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ " وَفِي بَعْضِهَا " فَيُصَلِّي فِيهِ " وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ كَوْنِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ: أَنَّهُ يُعْقِبُ الصَّلَاةَ بِالْفَرْكِ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ عَدَمَ الْغَسْلِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ بِالْوَاوِ، وَبِثُمَّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ وَاحِدًا فَالْأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً، وَالْمَقُولُ مِنْهَا وَاحِدٌ، فَتَقِفْ الدَّلَالَةُ بِالْفَاءِ إلَّا لِمُرَجِّحٍ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالْفَاءِ حَدِيثًا مُفْرَدًا، فَيَتَّجِهُ مَا قَالَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ احْتِمَالَ غَسْلِهِ بَعْدَ الْفَرْكِ وَاقِعٌ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَيَتَعَارَضُ
стр. 84
٣٤ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ، وَفِي لَفْظٍ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّظَرُ بَيْنَ اتِّبَاعِ هَذَا الْأَصْلِ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَمُخَالَفَةِ هَذَا الْأَصْلِ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهُمَا عُمِلَ بِهِ، لَا سِيَّمَا إنْ انْضَمَّتْ قَرَائِنُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ تَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ، فَإِذْ ذَاكَ يَتَقَوَّى الْعَمَلُ بِهِ، وَيُنْظَرُ إلَى الرَّاجِحِ بَعْدَ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، أَوْ مِنْ الْقِيَاسِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظَ " الْجَنَابَةِ " بِإِزَاءِ " الْمَنِيِّ " وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِإِزَاءِ الْمَنْعِ، وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُرَتَّبِ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ]
" الشُّعَبُ " جَمْعُ شُعْبَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالشُّعَبِ الْأَرْبَعِ، فَقِيلَ: يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا، أَوْ رِجْلَاهَا وَفَخْذَاهَا، أَوْ فَخْذَاهَا وَأَسْكَتَاهَا أَوْ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعِ، وَفَسَّرَ " الشُّعَبَ " بِالنَّوَاحِي، وَكَأَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى طَلَبِ الْحَقِيقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ، وَيَكُونُ الْجِمَاعُ مَكْنِيًّا عَنْهُ بِذَلِكَ، وَيُكْتَفَى بِمَا ذُكِرَ عَنْ التَّصْرِيحِ، وَإِنَّمَا رَجَحْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ، إذْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى نَوَاحِي الْفَرْجِ: فَلَا جُلُوسَ بَيْنَهَا حَقِيقَةً، وَقَدْ يُكْتَفَى بِالْكِنَايَةِ عَنْ التَّصْرِيحِ، لَا سِيَّمَا فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ " الْجَهْدُ " مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ " جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ " كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ،
стр. 85
٣٥ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ «أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؟ فَقَالَ: صَاعٌ يَكْفِيكَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْك شَعْرًا، وَخَيْرًا مِنْكَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ» ، وَفِي لَفْظٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " ثُمَّ جَهَدَهَا " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ: أَيْ بَلَغَ مَشَقَّتَهَا، يُقَالُ مِنْهُ: جَهَدَهُ، وَأَجْهَدَهُ، أَيْ بَلَغَ مَشَقَّتَهُ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُرَادُ حَقِيقَتُهُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ: وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا كِنَايَاتٌ، يُكْتَفَى بِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْهَا عَنْ التَّصْرِيحِ، وَقَوْلُهُ " بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ " كِنَايَةٌ عَنْ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، اكْتِفَاءً بِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْ السِّيَاقِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] وَالْحُكْمُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ، عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُد وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَوَافَقَ الْجَمَاعَةُ.
، وَمُسْتَنَدُ الظَّاهِرِيَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ " إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ " وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " إنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ " ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ،
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا]
قَالَ ﵁: الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ " مَا يَكْفِينِي " هُوَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَبُوهُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، الْوَاجِبُ فِي الْغُسْلِ: مَا يُسَمَّى غُسْلًا، وَذَلِكَ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ
стр. 86
٣٦ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَسَيَلَانِهِ عَلَيْهِ، فَمَتَى حَصَلَ ذَلِكَ تَأَدَّى الْوَاجِبُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، فَلَا يُقَدَّرُ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، أَوْ يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَبِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي، وَيُخْرَقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي، وَاسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْغُسْلِ مِنْ صَاعٍ، وَلَا فِي الْوُضُوءِ مِنْ مُدٍّ.
، وَهَذَا الْحَدِيثُ: أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِالصَّاعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، وَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ الْحَالَاتِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، مِنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ، " وَالصَّاعُ " أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ. ﷺ وَالْمُدُّ رَطْلٌ وَثُلُث بِالْبَغْدَادِيِّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَمَّا جَاءَ صَاحِبُهُ أَبُو يُوسُفَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَتَنَاظَرَ مَعَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ بِصِيعَانِ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَخَذُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ، فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
[حَدِيثُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ]
" عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدٍ خُزَاعِيٌّ أَبُو نُجَيْدٍ، - بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ، بَعْدَهَا يَاءٌ - مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، صَحَّ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: كَانَ يَرَاهُمْ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا " الْمُعْتَزِلُ " الْمُنْفَرِدُ عَنْ الْقَوْمِ، الْمُتَنَحِّي عَنْهُمْ، يُقَالُ: اعْتَزَلَ، وَانْعَزَلَ، وَتَعَزَّلَ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَاعْتِزَالُهُ عَنْ الْقَوْمِ: اسْتِعْمَالٌ لِلْأَدَبِ، وَالسُّنَّةُ فِي
стр. 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَرْكِ جُلُوسِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْمُصَلِّينَ إذَا لَمْ يُصَلِّ مَعَهُمْ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : لِمَنْ رَآهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ وَقَدْ رُوِيَ: مَعَ النَّاسِ - أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ ، " وَهَذَا إنْكَارٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ " وَقَدْ رُوِيَ " مَعَ الْقَوْمِ " وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ أَصْلُ اللَّفْظَيْنِ، فَإِنَّ " فِي " لِلظَّرْفِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ اجْتِمَاعَ الْقَوْمِ ظَرْفًا خَرَجَ مِنْهُ هَذَا الرَّجُلُ، وَ " مَعَ " لِلْمُصَاحَبَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَصْحَبَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ؟ ،.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ " يُحْتَمَلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا أَرْجَحُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ: كَانَتْ سَابِقَةً عَلَى زَمَنِ إسْلَامِ عِمْرَانَ، رَاوِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّيَمُّمِ: كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَالظَّاهِرَةُ: عِلْمُ الرَّجُلِ بِهَا لِشُهْرَتِهَا، فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى كَوْنِ الرَّجُلِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ - كَمَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلُ؛ وَمَنْ شَكَّ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ: حَمَلُوا الْمُلَامَسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ - أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]- عَلَى غَيْرِ الْجِمَاعِ؛؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ حَمَلُوهَا عَلَيْهِ لَكَانَ تَيَمُّمُ الْجُنُبِ مَأْخُوذًا مِنْ الْآيَةِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُمْ شَكٌّ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ، وَهَذَا الظُّهُورُ الَّذِي اُدُّعِيَ: إنْ لَمْ يَكُنْ إسْلَامُ هَذَا الرَّجُلِ وَاقِعًا عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي مُدَّةٍ تَقْتَضِي الْعَادَةُ بُلُوغَهَا إلَى عِلْمِهِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " وَلَا مَاءَ " أَيْ مَوْجُودٌ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَجِدُهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي حَذْفِهِ بَسْطٌ لِعُذْرِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ النَّفْي، كَأَنَّهُ نَفَى وُجُودَ الْمَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ لَوْ وُجِدَ بِسَبَبٍ أَوْ سَعْيٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: لَحَصَّلَهُ، فَإِذَا نَفَى وُجُودَهُ مُطْلَقًا: كَانَ أَبْلَغَ فِي النَّفْي، وَأَعْذَرَ لَهُ.
، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى النُّحَاةِ تَقْدِيرَهُمْ فِي قَوْلِنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا إلَه لَنَا، أَوْ فِي الْوُجُودِ وَقَالَ: إنَّ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقَةً: أَعَمُّ مِنْ نَفِيهَا مُقَيَّدَةً، فَإِنَّهَا
стр. 88
٣٧ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا - ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذَا نُفِيَتْ مُقَيَّدَةً: دَلَّتْ عَلَى سَلْبِ الْمَاهِيَّةِ مَعَ الْقَيْدِ، وَإِذَا نُفِيَتْ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ كَانَ نَفْيًا لِلْحَقِيقَةِ، وَإِذَا انْتَفَتْ الْحَقِيقَةُ انْتَفَتْ مَعَ كُلِّ قَيْدٍ. أَمَّا إذَا نُفِيَتْ مُقَيَّدَةً بِقَيْدٍ مَخْصُوصٍ: لَمْ يَلْزَمْ نَفْيُهَا مَعَ قَيْدٍ آخَرَ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ.
الْخَامِسُ: الْحَدِيثُ دَلَّ بِصَرِيحِهِ عَلَى أَنَّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا مَنَعَا تَيَمُّمَ الْجُنُبِ، وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَ التَّابِعِينَ وَافَقَهُمَا، وَقِيلَ: رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ.
وَكَأَنَّ سَبَبَ التَّرَدُّدِ: مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ: مِنْ حَمْلِ الْمُلَامَسَةِ عَلَى غَيْرِ الْجِمَاعِ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ عِنْدَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا]
" عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ أَبُو الْيَقْظَانَ الْعَنْسِيُّ - بِنُونٍ بَعْدَ الْمُهْمَلَةِ - أَحَدُ السَّابِقِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. وَمِمَّنْ عُذِّبَ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قُتِلَ - بِلَا خِلَافٍ - بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ﵄، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
стр. 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهَا: يُقَالُ " أَجْنَبَ " الرَّجُلُ، وَجَنُبَ بِالضَّمِّ، وَجَنَبَ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ مَرَّ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ " كَأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِقِيَاسٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْوُضُوءَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَكَانَ بَدَلَهُ - وَهُوَ التَّيَمُّمُ - خَاصًّا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ الْغُسْلِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ عَامًّا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إبْطَالُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا قَدَّرَ أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ، إذْ هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمُهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْقِيَاسِ الْخَاصِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْخَاصِّ بُطْلَانِ الْعَامِّ. وَالْقَائِسُونَ لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ كُلِّ قِيَاسٍ، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِيَاسِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ - الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ - قَدْ أُلْغِيَ فِيهِ مُسَاوَاةُ الْبَدَلِ لَهُ. فَإِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَصَارَ مُسَاوَاةَ الْبَدَلِ لِلْأَصْلِ مُلْغًى فِي مَحَلِّ النَّصِّ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الْفَرْعِ. بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ " إنَّمَا كَانَ يَكْفِي كَذَا وَكَذَا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَفَاهُ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ مُصِيبًا، وَلَوْ كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ قَائِسًا لِلتَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ عَلَى التَّيَمُّمِ لِلْوُضُوءِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ " اللَّمْسُ " الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عَمَّارٍ هُوَ الْجِمَاعُ: لَكَانَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ مُبَيَّنًا فِي الْآيَةِ. فَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَمَرَّغَ، فَإِذَنْ، فِعْلُهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ لَيْسَ عَامِلًا بِالنَّصِّ، بَلْ بِالْقِيَاسِ. وَحُكْمُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ كَانَ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، مَعَ مَا بَيَّنَّا مِنْ كَوْنِهِ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُ، لَا بِالنَّصِّ.
الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ " أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا " اسْتِعْمَالُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ الْقَوْلَ فِي كُلِّ فِعْلٍ.
стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ ضَرَبَ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً " دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ دَلِيلٌ عَلَى إجْزَاءِ الْفِعْلِ إذَا وَقَعَ ظَاهِرًا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ " التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ " إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصِّحَّةِ، وَلَا يُعَارَضُ مِثْلُهُ بِمِثْلِهِ.
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالُ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرُ كَفَّيْهِ وَوَجْهِهِ " قَدَّمَ فِي اللَّفْظِ " مَسْحَ الْيَدَيْنِ " عَلَى " مَسْحِ الْوَجْهِ " لَكِنْ بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي غَيْرِهَا " ثُمَّ مَسْحَ بِوَجْهِهِ " بِلَفْظَةِ " ثُمَّ " وَهِيَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ، ثَبَتَ فِي الْوُضُوءِ، إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
السَّادِسُ: قَوْلُهُ " وَظَاهِرُ الْكَفَّيْنِ " يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِمَسْحِ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّيَمُّمَ إلَى الْمُرْفَقَيْنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَيَمَّمَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ.» فَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ " الْيَدِ " هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْكَفَّيْنِ، أَوْ عَلَى الذِّرَاعَيْنِ، أَوْ عَلَى جُمْلَةِ الْعُضْوِ إلَى الْإِبْطِ؟ فَادَّعَى قَوْمٌ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى " الْكَفَّيْنِ " عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ " أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ " وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ " وَيَدَيْهِ ".
стр. 91
٣٨ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي]
" جَابِرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٍ - الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ - بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ - مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى وَتِسْعِينَ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ " أُعْطِيتُ خَمْسًا " تَعْدِيدٌ لِلْفَضَائِلِ الَّتِي خُصَّ بِهَا، دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ نُوحًا ﵇ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْفُلْكِ - كَانَ مَبْعُوثًا إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ، وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ فِي الرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الْبَعْثَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ الْحَادِثِ الَّذِي حَدَثَ، وَهُوَ انْحِصَارُ النَّاسِ فِي الْمَوْجُودِينَ لِهَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا ﷺ : فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ فِي أَصْلِ بَعَثْتِهِ، وَأَيْضًا فَعُمُومُ الرِّسَالَةِ: يُوجِبُ قَبُولَهَا عُمُومًا فِي الْأَصْلِ وَالْفُرُوعِ، وَأَمَّا التَّوْحِيدُ، وَتَمْحِيصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُ فُرُوعِ شَرْعِهِ لَيْسَ عَامًّا فَإِنَّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ﵈ مَنْ قَاتَلَ غَيْرَ قَوْمِهِ عَلَى الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ التَّوْحِيدُ لَازِمًا لَهُمْ بِشَرْعِهِ، أَوْ شَرْعِ غَيْرِهِ: لَمْ يُقَاتَلُوا، وَلَمْ يُقْتَلُوا، إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ
стр. 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ عَامَّةً، لَكِنْ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِهِ لِسَائِرِ الْخَلْقِ، وَإِنْ لَمْ تَعُمَّ الدَّعْوَةُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَبِيٍّ وَاحِدٍ.
١ -
الثَّانِي: قَوْلُهُ ﵌ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ الرُّعْبُ: هُوَ الْوَجَلُ وَالْخَوْفُ لِتَوَقُّعِ نُزُولِ مَحْظُورٍ، وَالْخُصُوصِيَّةُ الَّتِي يَقْتَضِيهَا لَفْظُ الْحَدِيثِ: مُقَيَّدَةٌ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الزَّمَانِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَنْفِي وُجُودَ الرُّعْبِ مِنْ غَيْرِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْفَضَائِلِ وَالْخَصَائِصِ، وَيُنَاسِبُهُ: أَنْ تُذْكَرَ الْغَايَةُ فِيهِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لِغَيْرِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ لَحَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الرُّعْبِ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الْخُصُوصِيَّةَ بِهَا.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ " جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا " الْمَسْجِدُ: مَوْضِعُ السُّجُودِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يُطْلِقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ الَّتِي السُّجُودُ مِنْهَا، وَعَلَى هَذَا: فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ " الْمَسْجِدُ " هَهُنَا عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، أَيْ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، أَعْنِي مَوْضِعَ السُّجُودِ، أَيْ لَا يَخْتَصُّ السُّجُودُ مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ الصَّلَاةُ جَمِيعُهَا كَانَتْ كَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ اسْمِهِ عَلَيْهَا مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ وَاَلَّذِي يُقَرِّبُ هَذَا التَّأْوِيلَ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدُ: أَنَّهَا مَوَاضِعُ لِلصَّلَاةِ بِجُمْلَتِهَا، وَلَا لِلسُّجُودِ فَقَطْ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ: أَنَّ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ كَانَتْ تَخُصُّ السُّجُودَ وَحْدَهُ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ.
[التَّيَمُّم بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ] ١
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ " طَهُورًا " اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهَّرُ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: أَنَّهُ ذَكَرَ خُصُوصِيَّتَهُ بِكَوْنِهَا طَهُورًا، أَيْ مُطَهَّرًا، وَلَوْ كَانَ " الطَّهُورُ " هُوَ الطَّاهِرُ: لَمْ تَثْبُتْ الْخُصُوصِيَّةُ،
стр. 93
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ الْأُمَمِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ " جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " وَاَلَّذِينَ خَصُّوا التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ: اسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا " وَهَذَا خَاصُّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْعَامُّ وَتَخْتَصُّ الطَّهُورِيَّةُ بِالتُّرَابِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِوُجُوهٍ: مِنْهَا: مَنْعُ كَوْنِ التُّرْبَةِ مُرَادِفَةً لِلتُّرَابِ، وَادُّعِيَ أَنَّ تُرْبَةَ كُلِّ مَكَان: مَا فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، أَعْنِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ، وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ: ضَعِيفٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْأُصُولِ، وَقَالُوا: لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ قَرِينَةً زَائِدَةً عَنْ مُجَرَّدِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ، وَهُوَ الِافْتِرَاقُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ جَعْلِهَا مَسْجِدًا، وَجَعْلِ تُرْبَتِهَا طَهُورًا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الِافْتِرَاقُ فِي هَذَا السِّيَاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاقِ فِي الْحُكْمِ، وَإِلَّا لَعُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ نَسَقًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الَّذِي خُصَّتْ فِيهِ " التُّرْبَةُ " بِالطَّهُورِيَّةِ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَفْهُومَهُ مَعْمُولٌ بِهِ، لَكَانَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهُورِيَّةِ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، أَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ " مَسْجِدًا وَطَهُورًا " فَإِذَا تَعَارَضَ فِي غَيْرِ التُّرَابِ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ طَهُورِيَّتِهِ، وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ الَّذِي يَقْتَضِي طُهُورِيَّتَهُ، فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ، فَتَمْتَنِعُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةُ، إذَا سَلِمَ الْمَفْهُومُ هَهُنَا، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، أَعْنِي تَخْصِيصَ الْعُمُومِ
стр. 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْمَفْهُومِ، ثُمَّ عَلَيْكَ - بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ - بِالنَّظَرِ فِي مَعْنَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ حَاجَةِ التَّخْصِيصِ إلَى التَّعَارُضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمُومِ فِي مَحَلِّهِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ لَفْظَةَ طَهُورٌ تُسْتَعْمَلُ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدَثِ، وَلَا الْخَبَثِ. وَقَالَ: إنَّ " الصَّعِيدَ " قَدْ يُسَمَّى طَهُورًا، وَلَيْسَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَا عَنْ خَبَثٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ، وَجُعِلَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ، إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ: أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» فَقَالُوا " طَهُورٌ " يُسْتَعْمَلُ إمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ خَبَثٍ، فَمَنَعَ هَذَا الْمُجِيبُ الْمَالِكِيُّ الْحَصْرَ. وَقَالَ: إنَّ لَفْظَةَ " طَهُورٍ " تُسْتَعْمَلُ فِي إبَاحَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي التُّرَابِ، إذْ لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ كَمَا قُلْنَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ " مُسْتَعْمَلًا فِي إبَاحَةِ اسْتِعْمَالِهِ، أَعْنِي الْإِنَاءَ، كَمَا فِي التَّيَمُّمِ، وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ - وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ - لَكِنَّهُ عَنْ حَدَثٍ، أَيْ الْمُوجِبِ لِفِعْلِهِ حَدَثٌ. وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا " إنَّهُ عَنْ حَدَثٍ " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " إنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ " وَرُبَّمَا تَقَدَّمَ هَذَا أَوْ بَعْضُهُ.
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ ﷺ " فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكْتُهُ الصَّلَاةُ فَلِيُصَلِّ " مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عُمُومِ التَّيَمُّمِ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ " أَيُّمَا رَجُلٍ " صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَنْ لَمْ يَجِدْ تُرَابًا، وَوَجَدَ غَيْرَهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ. وَمَنْ خَصَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ يَحْتَاجُ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا يَخُصُّ بِهِ هَذَا الْعُمُومَ، أَوْ يَقُولُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي، وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا: صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. فَأَقُولُ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ " وَالْحَدِيثُ إذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السَّادِسُ: قَوْلُهُ ﷺ " وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: جَوَازُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَقْسِمَهَا كَمَا أَرَادَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا شَيْءٌ لِغَيْرِهِ وَأُمَّتِهِ. وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يُشْعِرُ ظَاهِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْغَنَائِمِ بَعْضُهَا، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ " وَأُحِلَّ لَنَا الْخَمْسُ " أَوْ كَمَا قَالَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ فِي صَحِيحِهِ.
[شَفَاعَة النَّبِيّ ﷺ الْعُظْمَى] ١
السَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ " وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ " قَدْ تَرِدُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وَتَرِدُ لِلْعُمُومِ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» وَتَرِدُ لِتَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ، كَقَوْلِهِمْ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسُ خَيْرٌ مِنْ الْحِمَارِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْأَقْرَبُ أَنَّهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ " وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ " لِلْعَهْدِ، وَهُوَ مَا بَيَّنَهُ ﷺ مِنْ شَفَاعَتِهِ الْعُظْمَى، وَهِيَ شَفَاعَتُهُ فِي إرَاحَةِ النَّاسِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ بِتَعْجِيلِ حِسَابِهِمْ، وَهِيَ شَفَاعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ وَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلَا يُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ. وَالشَّفَاعَاتُ الْأُخْرَوِيَّةُ خَمْسٌ: إحْدَاهَا: هَذِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِصَاصَ الرَّسُولِ بِهَا، وَعَدَمَ الْخِلَافِ فِيهَا، وَثَانِيَتُهَا: الشَّفَاعَةُ فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ مِنْ دُونِ حِسَابٍ، وَهَذِهِ قَدْ وَرَدَتْ أَيْضًا لِنَبِيِّنَا ﷺ وَلَا أَعْلَمُ الِاخْتِصَاصَ فِيهَا، وَلَا عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ. وَثَالِثَتُهَا: قَوْمٌ قَدْ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ، فَيُشْفَعُ فِي عَدَمِ دُخُولِهِمْ لَهَا. وَهَذِهِ أَيْضًا قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ. وَرَابِعَتُهَا: قَوْمٌ دَخَلُوا النَّارَ، فَيُشْفَعُ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهَا، وَهَذِهِ قَدْ ثَبَتَ فِيهَا عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ، لِمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ شَفَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا " الْإِخْوَانُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَشْفَعُونَ ". وَخَامِسَتُهَا: الشَّفَاعَةُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِأَهْلِهَا. وَهَذِهِ أَيْضًا لَا تُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ.
فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا: أَنَّ مِنْ الشَّفَاعَةِ مِنْهَا مَا عُلِمَ الِاخْتِصَاصُ بِهِ، وَمِنْهَا: مَا عُلِمَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِهِ. وَمِنْهَا: مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا تَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ، فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ إعْلَامُ الصَّحَابَةِ بِالشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى الْمُخْتَصُّ بِهَا هُوَ، الَّتِي صَدَّرْنَا بِهَا الْأَقْسَامَ الْخَمْسَةَ، فَلْتَكُنْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ
стр. 96
٣٩ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ: سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» ، وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي "..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَلْتُجْعَلْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَتَنْزِلْ عَلَى تِلْكَ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُطْلِقِ حِينَئِذٍ، فَيَكْفِي تَنْزِيلُهُ عَلَى فَرْدٍ.
وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، إذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا قَوْلُهُ " وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ " وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا: قَدْ أُعْطِيَهَا ﷺ فَلِيُحْمَلْ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْخَصْلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْخَمْسِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا ﷺ فَلَفْظُهَا - وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا - إلَّا أَنَّ مَا سَبَقَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ: يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي "، وَأَمَّا قَوْلُهُ " وَكَانَ النَّبِيُّ يَبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ " فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
[حَدِيثُ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا]
الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: يُقَالُ: حَاضَتْ الْمَرْأَةُ، وَتَحَيَّضَتْ، تَحِيضُ حَيْضًا، وَمُحَاضًّا وَمَحِيضًا - إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْهَا فِي نَوْبَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ مِنْ غَيْرِ نَوْبَةٍ قِيلَ:
стр. 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اُسْتُحِيضَتْ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَنَقَلَ الْهَرَوِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْمَحِيضُ، وَالْحَيْضُ: اجْتِمَاعُ الدَّمِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَوْضُ حَوْضًا، لِاجْتِمَاعِ الْمَاءِ فِيهِ. قَالَ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِهِ - بَعْدَ مَا نَقَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ - وَهَذَا زَلَلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَوْضَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاو، يُقَالُ: حِضْتُ أَحُوضُ، أَيْ اتَّخَذْت حَوْضًا، وَاسْتَحْوَضَ الْمَاءُ: إذَا اجْتَمَعَ وَسُمِّيَتْ الْحَائِضُ حَائِضًا عِنْدَ سَيْلَانِ الدَّمِ مِنْهَا، لَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي رَحِمِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ تُسَمَّى بِذَلِكَ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ السَّيْلَانِ بِهَا، فَإِذًا أَخْذُ الْحَيْضِ مِنْ الْحَوْضِ خَطَأٌ، لَفْظًا وَمَعْنَى، فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ؟ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: فَلَيْسَ بِالْقَاطِعِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الِاجْتِمَاعِ، لَا سِيَّمَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
، الثَّانِي " أَبُو حُبَيْشٍ " بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ ثَانِيَةُ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةً، ثُمَّ يَاءٌ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَهُوَ أَبُو حُبَيْشٍ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَذَلِكَ غَلَطٌ عِنْدَهُمْ وَالصَّوَابُ " الْمَطْلَبُ " كَمَا ذَكَرْنَا.
الثَّالِثُ: قَوْلُهَا " أُسْتَحَاضُ " قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاسْتِحَاضَةِ فَيُقَالُ مِنْهُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَلَمْ يُبْنَ هَذَا الْفِعْلُ لِلْفَاعِلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ " نُفِسَتْ الْمَرْأَةُ " وَ " نُتِجَتْ النَّاقَةُ " وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ: مِنْ الْحَيْضِ، وَالزَّوَائِدُ الَّتِي لَحِقَتْهَا لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُقَالُ: قَرَّ فِي الْمَكَانِ، ثُمَّ يُزَادُ لِلْمُبَالَغَةِ، فَيُقَالُ: اسْتَقَرَّ وَيُقَالُ: أَعْشَبَ الْمَكَانُ، ثُمَّ يُبَالَغُ فِيهِ، فَيُقَالُ: اعْشَوْشَبَ. وَكَثِيرًا مَا تَجِيءُ الزَّوَائِدُ لِهَذَا الْمَعْنَى.
[حُكْمِ الْحَيْضِ فِي حَالَةِ دَوَامِ الدَّمِ وَإِزَالَته] ١
الرَّابِعُ: " الطَّهَارَةُ " تُطْلَقُ بِإِزَاءِ النَّظَافَةِ، وَهُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ، وَتُطْلَقُ بِإِزَاءِ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهَّرِ، فَيُقَالُ: الْوُضُوءُ طَهَارَةٌ صُغْرَى، وَالْغُسْلُ طَهَارَةٌ كُبْرَى. وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُرَتَّبُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمُطَهَّرِ. فَيُقَالُ لِمَنْ ارْتَفَعَ عَنْهُ مَانِعُ الْحَدَثِ: هُوَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَلِمَنْ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْهُ الْمَانِعُ: هُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ،
стр. 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: قَوْلُهَا " فَلَا أَطْهُرُ " يُحْمَلُ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَكَنَتْ بِاللَّفْظَةِ عَنْ عَدَمِ النَّظَافَةِ الدَّمَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَكُنَّ يَسْتَعْمِلْنَ الْمُطَهِّرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا هِيَ أَيْضًا عَالِمَةٌ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهَا جَاءَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، ثُمَّ حَقِيقَتُهُ: اسْتِمْرَارُ الدَّمِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَمَجَازُ كَلَامِ الْعَرَبِ، لِكَثْرَةِ تَوَالِيهِ، وَقُرْبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ.
الْخَامِسُ: قَوْلُهَا " أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ " سُؤَالٌ عَنْ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الْحَيْضِ فِي حَالَةِ دَوَامِ الدَّمِ وَإِزَالَتِهِ، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ: أَنَّ الْحَائِضَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ.
[غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ انْبِثَاقِ عِرْقٍ] ١
السَّادِسُ: قَوْلُهُ ﷺ " لَا، إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَتْرُكُهَا مَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ، أَوْ انْبِثَاقِ عِرْقٍ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ حَيْثُ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، وَقَوْلُهُ ﷺ " إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ " ظَاهِرُهُ: انْبِثَاقُ الدَّمِ مِنْ عِرْقٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " عِرْقٌ انْفَجَرَ " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، إنْ كَانَ سَبَبُ الِاسْتِحَاضَةِ كَثْرَةُ مَادَّةِ الدَّمِ وَخُرُوجُهُ مِنْ مَجَارِي الْحَيْضِ الْمُعْتَادَةِ.
[الْحَائِض تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ]
السَّابِعُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ فِي تَرْكِهَا، وَعَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ إلَّا الْخَوَارِجُ. نَعَمْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ لِلْحَائِضِ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ: أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ. وَتَذْكُرُ اللَّهَ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
[دَمُ الْحَيْضِ] ١
الثَّامِنُ: قَوْلُهُ ﷺ " قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا " رَدٌّ إلَى أَيَّامِ الْعَادَةِ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ: إمَّا مُبْتَدَأَةٌ، أَوْ مُعْتَادَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا: إمَّا مُمَيَّزَةٌ، أَوْ غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَالْحَدِيثُ قَدْ دَلَّ بِلَفْظِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مُعْتَادَةً. لِقَوْلِهِ ﷺ " دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا " وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ تَحِيضُ فِيهَا. وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُمَيَّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى التَّمْيِيزِ - لَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ - فَذَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ يَرَى الرَّدَّ إلَى أَيَّامِ
стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيَّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وَهِيَ مَا يُقَالُ " إنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي قَضَايَا الْأَحْوَالِ، مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْمَقَالِ " وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رُوِيَ لِفَيْرُوزَ - وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ - " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْت " وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ: هَلْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا مُرَتَّبًا، أَوْ مُتَقَارِنًا؟ وَكَذَا نَقُولُ هَهُنَا: لَمَّا سَأَلَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ عَنْ حُكْمِهَا فِي الِاسْتِحَاضَةِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهَا رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَوْنِهَا مُمَيَّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ: كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي الْمُمَيَّزَةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالُوا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الَّذِي اُعْتُرِضَ بِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ هَهُنَا أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا حَالَ الْوَاقِعَةِ كَيْفَ وَقَعَتْ، فَأَجَابَ عَلَى مَا عَلِمَ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ حَالَ الْوَاقِعَةِ فِي التَّمْيِيزِ أَوْ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ «وَلَيْسَ بِالْحِيضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» اخْتَارَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ " وَلَيْسَ بِالْحِضَّةِ " كَسِرِّ الْحَاءِ، أَيْ الْحَالَةِ الْمَأْلُوفَةِ الْمُعْتَادَةِ. وَالْحَيْضَةُ - بِالْفَتْحِ - الْمَرَّةُ مِنْ الْحَيْضِ.
، وَقَوْلُهُ " فَإِذَا أَقْبَلَتْ " تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَهَا بِعَلَامَةٍ تَعْرِفُهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُمَيَّزَةً وَرُدَّتْ إلَى التَّمْيِيزِ، فَإِقْبَالُهَا: بَدْءُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَإِدْبَارُهَا: إدْبَارُ مَا هُوَ بِصِفَةِ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، وَرُدَّتْ إلَى الْعَادَةِ، فَإِقْبَالُهَا: وُجُودُ الدَّمِ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْعَادَةِ. وَإِدْبَارُهَا: انْقِضَاءُ أَيَّامِ الْعَادَةِ.
، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ - هَذِهِ - مَا يَقْتَضِي الرَّدَّ إلَى التَّمْيِيزِ، وَقَالُوا: إنَّ حَدِيثَهَا فِي الْمُمَيَّزَةِ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ " فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ " عَلَى الْحَيْضَةِ الْمَأْلُوفَةِ الَّتِي هِيَ بِصِفَةِ الدَّمِ الْمُعْتَادِ، وَأَقْوَى الرِّوَايَاتِ فِي الرَّدِّ إلَى التَّمْيِيزِ: الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا " دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ
стр. 100
٤٠ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّلَاةِ " وَأَمَّا الرَّدُّ إلَى الْعَادَةِ: فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ يُشِيرُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ ﷺ " فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا " فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَدْرَ أَيَّامِهَا.
وَصَحَّفَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ " فَإِذَا ذَهَبَ قَذَرُهَا " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ، أَيْ قَدْرُ وَقْتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا بُدَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ مِنْ الْغُسْلِ] ١
وَقَوْلُهُ " فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " مُشْكِلٌ فِي ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْغُسْلَ وَلَا بُدَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ مِنْ الْغُسْلِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْإِشْكَالَ عَلَى أَنْ جَعَلَ الْإِدْبَارَ: انْقِضَاءُ أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَالِاغْتِسَالِ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ " فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ " مَحْمُولًا عَلَى دَمٍ يَأْتِي بَعْدَ الْغُسْلِ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ - وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْغُسْلَ - فَقَدْ ذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ، فَقَالَ فِيهَا " وَاغْتَسِلِي ".
، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الْحَيْضِ.
[حَدِيثُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ]
" أُمُّ حَبِيبَةَ " هَذِهِ: ابْنَةُ جَحْشِ بْنِ رِآبٍ الْأَسَدِيِّ، أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَيُقَالُ فِيهَا: أُمُّ حَبِيبٍ، وَأَهْلُ السِّيَرِ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ حَمْنَةُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: أَنَّهُمَا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ جَمِيعًا، وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ " فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا أَحَدِهِمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحِ " فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ عَنْ اللَّيْثِ " لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ
стр. 101
٤١ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ. وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَيَّ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ كُلَّ صَلَاةٍ. وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ ". وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ. الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، خَارِجَ الصَّحِيحِ وَاَلَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مُسْتَحَاضَةٍ نَاسِيَةٍ لِلْوَقْتِ وَالْعَدَدِ، يَجُوزُ فِي مِثْلِهَا أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لِمَ لَا يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَأْمُرُ بِتَكْرَارِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ وَجَبَ لَأَمَرَ بِهِ.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ وَحْدَهُ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: مَا ذَكَرَهُ.
الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّ اغْتِسَالَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ. وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ.
الثَّانِي: جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الْإِزَارِ، لِقَوْلِهَا " فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي " وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِمَنْعٍ وَلَا جَوَازٍ. وَإِنَّمَا فِيهِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
[اسْتِخْدَام الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِيمَا خَفَّ مِنْ الشُّغْلِ وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ] ١
الثَّالِثُ: فِيهِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِيمَا خَفَّ مِنْ الشُّغْلِ، وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ.
الرَّابِعُ: فِيهِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْ الطَّاهِرِ. فَإِنَّ بَدَنَهَا
стр. 102
٤٢ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ» .
٤٣ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
غَيْرُ نَجَسٍ إذَا لَمْ يُلَاقِ نَجَاسَةً.
[الْمُعْتَكِف إذَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ] ١
الْخَامِسُ: فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ. وَقَدْ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، إذَا لَمْ يُخْرِجْ جَمِيعَ بَدَنِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ: أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَيْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَخَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ. لَمْ يَحْنَثْ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ الْبَدَنِ لَا يَكُونُ كَخُرُوجِ كُلِّهِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَوْنُ فِي الْمَكَانِ الْمُعِينِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُ بَعْضِهِ كَخُرُوجِ كُلِّهِ: لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ. فَإِنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِهِ. وَحَقِيقَتُهُ فِي الْكُلِّ. أَعْنِي كُلَّ الْبَدَنِ.
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ]
فِيهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَهَارَةِ بَدَنِ الْحَائِضِ، وَمَا يُلَابِسُهَا مِمَّا لَمْ تَلْحَقْهُ نَجَاسَةٌ، وَجَوَازُ مُلَابَسَتِهَا أَيْضًا، كَمَا قُلْنَاهُ.
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ. لِأَنَّ قَوْلَهَا " فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ " إنَّمَا يَحْسُنُ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ ثَمَّةَ مَا يُوهَمُ مَنْعَهُ. وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ جَائِزَةٌ لَكَانَ هَذَا الْوَهْمُ مُنْتَفِيًا. أَعْنِي تَوَهُّمَ امْتِنَاعِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي حِجْرِ الْحَائِضِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الصَّحِيحُ: امْتِنَاعُ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ الْقُرْآنَ. وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: جَوَازُهُ.
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ]
مُعَاذَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ امْرَأَةُ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ، بَصْرِيَّةٌ. أَخْرَجَ لَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
و" الْحَرُورِيُّ " مَنْ يُنْسَبُ إلَى حَرُورَاءَ. وَهُوَ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ أَوَائِلُ الْخَوَارِجِ. ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ خَارِجِيٍّ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ لِمُعَاذَةَ " أُحْرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " أَيْ أَخَارِجِيَّةٌ. وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ: لِأَنَّ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّلَاةَ. وَإِنَّمَا ذَكَرْت ذَلِكَ أَيْضًا: لِأَنَّ مُعَاذَةَ أَوْرَدَتْ السُّؤَالَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السُّؤَالِ الْمُجَرَّدِ، بَلْ صِيغَتُهَا قَدْ تُشْعِرُ بِتَعَجُّبٍ أَوْ إنْكَارٍ. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ " أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " فَأَجَابَتْهَا بِأَنْ قَالَتْ: " لَا، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ " أَيْ أَسْأَلُ سُؤَالًا مُجَرَّدًا عَنْ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، بَلْ لِطَلَبِ مُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ. فَأَجَابَتْهَا عَائِشَةُ بِالنَّصِّ. وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الرَّدْعِ عَنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَأَقْطَعُ لِمَنْ يُعَارِضُ، بِخِلَافِ الْمَعَانِي الْمُنَاسِبَةِ. فَإِنَّهَا عُرْضَةٌ لِلْمُعَارَضَةِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ. فَإِيجَابُ قَضَائِهَا مُفْضٍ إلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ. فَعُفِيَ عَنْهُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ. فَلَا يُفْضِي قَضَاؤُهُ إلَى حَرَجٍ. وَقَدْ اكْتَفَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْ إسْقَاطَ الْقَضَاءِ مِنْ سُقُوطِ الْأَدَاءِ. وَيَكُونُ مُجَرَّدُ سُقُوطِ الْأَدَاءِ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ مُعَارِضٌ. وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الصَّوْمِ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْأَقْرَبُ - أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى بَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ. فَإِنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ. فَلَوْ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِيهِ لَوَجَبَ بَيَانُهُ، وَحَيْثُ لَمْ يُبَيَّنْ: دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَرِينَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الْأَمْرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ لِمَا يَقُولُهُ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ " كُنَّا نُؤْمَرُ وَنُنْهَى " فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَإِلَّا لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ بِهِ.
стр. 104
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخٍ هُذَلِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. شَهِدَ بَدْرًا. يُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَكَانَ لَهُ يَوْمَ مَاتَ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ.
قَوْلُهُ " حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ، وَتَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ إذَا كَانَتْ مُعِينَةً لِلْمُشَارِ إلَيْهِ، مُمَيَّزَةً عَنْ غَيْرِهِ. وَسُؤَالُهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ: طَلَبًا لِمَعْرِفَةِ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنْهَا، وَحِرْصًا
стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى عِلْمِ الْأَصْلِ، لِيَتَأَكَّدَ الْقَصْدُ إلَيْهِ، وَتَشْتَدُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ.
وَ " الْأَعْمَالُ " هَاهُنَا لَعَلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ. وَاحْتَرَزُوا بِذَلِكَ عَنْ عِبَادَةِ الْمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا كَلَامٌ فِي الْعَمَلِ: هَلْ يَتَنَاوَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ، أَمْ لَا؟ فَإِذَا جَعَلْنَاهُ مَخْصُوصًا بِأَعْمَالِ الْبَدَنِ، تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ. فَإِنَّ مِنْ عَمَلِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ، كَالْإِيمَانِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ذِكْرُهُ مُصَرَّحًا بِهِ أَعْنِي الْإِيمَانَ - فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ: أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَعْمَالِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ، وَأُرِيدَ بِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَا يَخْتَصُّ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ. وَقَوْلُهُ " الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا " لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ. وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ: الِاحْتِرَازُ عَمَّا إذَا وَقَعَتْ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءً. وَأَنَّهَا لَا تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " وَهُوَ أَقْرَبُ لَأَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَاَلَّذِي قِيلَ فِي هَذَا: إنَّهَا أَجْوِبَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِسَائِلٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ. أَوْ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُرْشِدُ الْقَرَائِنُ إلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟» وَفَسَّرَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى - عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي صِفَاتِهِمْ. وَلَوْ خُوطِبَ بِذَلِكَ الشُّجَاعُ الْبَاسِلُ الْمُتَأَهِّلُ لِلنَّفْعِ الْأَكْبَرِ فِي الْقِتَالِ لَقِيلَ لَهُ " الْجِهَادُ " وَلَوْ خُوطِبَ بِهِ مَنْ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْقِتَالِ وَلَا يَتَمَحَّضُ حَالُهُ لِصَلَاحِيَّةِ التَّبَتُّلِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ غَنِيًّا يَنْتَفِعُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ لَقِيلَ لَهُ " الصَّدَقَةُ " وَهَكَذَا فِي بَقِيَّةِ أَحْوَالِ النَّاسِ، قَدْ يَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ هَذَا مُخَالِفًا لِلْأَفْضَلِ فِي حَقِّ ذَاكَ، بِحَسَبِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ.
[بِرُّ الْوَالِدَيْنِ] ١
وَأَمَّا " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " فَقَدْ قُدِّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْجِهَادِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى
стр. 106
٤٥ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَعْظِيمِهِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَذَاهُمَا بِغَيْرِ مَا يَجِبُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْ الْبِرِّ فِي غَيْرِ هَذَا: فَفِي ضَبْطِهِ إشْكَالٌ كَبِيرٌ.
[الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى] ١
وَأَمَّا " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى " فَمَرْتَبَتُهُ فِي الدِّينِ عَظِيمَةٌ. وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلٌ. فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ. مِنْهَا مَا هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى غَيْرِهِ.
وَفَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ. فَحَيْثُ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ تُعَظَّمُ فَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسِيلَةً إلَى إعْلَانِ الْإِيمَانِ وَنَشْرِهِ، وَإِخْمَالِ الْكُفْرِ وَدَحْضِهِ كَانَتْ فَضِيلَةُ الْجِهَادِ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ]
" الْمُرُوطُ " أَكْسِيَةٌ مُعْلَمَةٌ، تَكُونُ مِنْ خَزٍّ. وَتَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَ " مُتَلَفِّعَاتٍ " مُلْتَحِفَاتٍ، و " الْغَلَسُ " اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى التَّغْلِيسَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَقْدِيمَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لَا سِيَّمَا مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ طُولِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَهَذَا. مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَرَأَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهُودِ النِّسَاءِ الْجَمَاعَةَ بِالْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِنَّ عُجُزًا أَوْ شَوَابَّ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الْخُرُوجَ لِلشَّوَابِّ.
وَقَوْلُهَا " مُتَلَفِّعَاتٍ " بِالْعَيْنِ، وَيُرْوَى " مُتَلَفِّفَاتٍ " بِالْفَاءِ. وَالْمَعْنَى
стр. 107
٤٦ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُتَقَارِبٌ: إلَّا أَنَّ " التَّلَفُّعَ " يُسْتَعْمَلُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَكُونُ الِالْتِفَاعُ إلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ:
كَيْفَ تَرْجُونَ سُقُوطِي بَعْدَمَا … لَفَعَ الرَّأْسَ بَيَاضٌ وَصَلَعٌ
؟ وَاللِّفَاعُ: مَا اُلْتُفِعَ بِهِ. وَاللِّحَافُ: مَا اُلْتُحِفَ بِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ " الْمُرُوطَ " بِكَوْنِهَا أَكْسِيَةً مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَتِهَا: أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ سَدَاهَا مِنْ شَعْرٍ. وَقِيلَ: إنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا. وَقَالُوا: إنَّ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَجَّلِ
قَالُوا " الْمِرْطُ " هَاهُنَا مِنْ خَزٍّ. وَفَسَّرَ " الْغَلَسَ " بِأَنَّهُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَ " الْغَلَسُ " وَالْغَبَشُ مُتَقَارِبَانِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْغَلَسَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. وَقَدْ يَكُونُ الْغَبَشُ فِي آخِرِهِ وَأَوَّلِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ " الْغَبْسُ " بَالِغَيْنِ وَالْبَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - فَغَلَطٌ عِنْدَهُمْ.
[حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ]
الْهَاجِرَةُ: هِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ بَعْدَ الزَّوَالِ. الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ فِي أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. فَأَمَّا الظُّهْرُ: فَقَوْلُهُ " يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ " يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ: إنَّهُمَا شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتُهُ. وَيُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا» وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ اسْمَ
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْهَاجِرَةِ " عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ فِيهِ الْهَاجِرَةُ فِي وَقْتٍ، فَيُطْلَقُ عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَقَدْ يُقَرَّبُ بِمَا نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ: أَنَّ الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ نِصْفُ النَّهَارِ. فَإِذَا أُخِذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ: كَانَ مُطْلَقًا عَلَى الْوَقْتِ.
[الْإِبْرَاد رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ] ١
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ أَوْ سُنَّةٌ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ رُخْصَةٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﷺ " أَبْرِدُوا " أَمْرُ إبَاحَةٍ، وَيَكُونُ تَعْجِيلُهُ لَهَا فِي الْهَاجِرَةِ أَخْذًا بِالْأَشَقِّ وَالْأَوْلَى. أَوْ يَقُولُ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ: إنَّ التَّهْجِيرَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَفِي هَذَا بُعْدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " كَانَ " يُشْعِرُ بِالْكَثْرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ عُرْفًا.
[وَقْت الْعَصْر] ١
وَقَوْلُهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْجِيلِهَا أَيْضًا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَا بَعْدَ الْقَامَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ " وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ أَيْ الشَّمْسُ ". الْوُجُوبُ: السُّقُوطُ. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُقُوطَ قُرْصِهَا يَدْخُلُ بِهِ الْوَقْتُ. وَالْأَمَاكِنُ تَخْتَلِفُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا فِيهِ حَائِلٌ بَيْنَ الرَّائِي وَبَيْنَ قُرْصِ الشَّمْسِ، لَمْ يَكْتَفِ بِغَيْبُوبَةِ الْقُرْصِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى غُرُوبِهَا بِطُلُوعِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ. قَالَ: ﷺ «إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، وَطَلَعَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا. فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» أَوْ كَمَا قَالَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَائِلٌ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ الْوَقْتَ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَإِشْعَاعِهَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا. وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَقِيبَ الْغُرُوبِ. وَأُخِذَ مِنْهُ: أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الْوَقْتَ مُسْتَمِرٌّ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ.
[تَقْدِيم الْعِشَاء وتأخيرها]
وَأَمَّا الْعِشَاءُ: فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا. فَقَالَ قَوْمٌ: تَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، لِأَحَادِيثَ سَتَرِدُ فِي الْكِتَابِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ اجْتَمَعَتْ الْجَمَاعَةُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ. وَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَمُسْتَنِدُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ. فَفِي الشِّتَاءِ وَفِي رَمَضَانَ: تُؤَخَّرُ. وَفِي غَيْرِهِمَا: تُقَدَّمُ. وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ فِي الشِّتَاءِ لِطُولِ اللَّيْلِ، وَكَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا. .
[صَلَاة الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ بِالْعَكْسِ] ١
стр. 109
٤٧ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ تَكَلَّفُوا فِيهَا. وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ بِالْعَكْسِ؟ حَتَّى إنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي حَقِّ شَخْصٍ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا، أَوْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنَّ التَّأْخِيرَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ " وَإِذَا أَبْطَئُوا أَخَّرَ " فَأَخَّرَ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّقْدِيمِ؛ وَلِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّرْغِيبَ فِي فِعْلِهَا: مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَفَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَرَدَتْ عَلَى جِهَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَأَمَّا جَانِبُ التَّشْدِيدِ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَلَمْ يَرِدْ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الرُّجْحَانِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. نَعَمْ إذَا صَحَّ لَفْظٌ يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَانَ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَرَى عَلَى خِلَافِ هَذَا الْمَذْهَبِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " عَلَى وَقْتِهَا " لَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةُ الظُّهُورِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. .
[التَّغْلِيس بِالصُّبْحِ] ١
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ " الْغَلَسِ " وَأَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِالصُّبْحِ أَفْضَلُ. وَالْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ. فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» - قِيلَ فِيهِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ: تَبَيُّنُ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوُضُوحِهِ لِلرَّائِي يَقِينًا. وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ. فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَالتَّيَقُّنِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ. فَلَا أَجْرَ فِيهَا. وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي بِلَفْظَةِ " أَفْعَلَ " فِيهِ: أَنَّ ثَمَّ أَجْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْمَلُ مِنْ الْآخَرِ. فَإِنَّ صِيغَةَ " أَفْعَلَ " تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأَصْلِ، مَعَ الرُّجْحَانِ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً. وَقَدْ تَرِدُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي الْأَصْلِ قَلِيلًا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرَجَّحُ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلًا بِالْعَمَلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ. .
стр. 110
الْأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حَدِيثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ]
" أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ " اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ. وَالْأَشْهَرُ الْأَصَحُّ: نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَوْ نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَيُقَالُ: نَضْلَةُ بْنُ عَائِذٍ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَ وِلَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ، قَبْلَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ، سَنَةَ سِتِّينَ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَةَ " كَانَ " تُشْعِرُ عُرْفًا بِالدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُكْرِمُ الضُّيُوفَ. وَكَانَ فُلَانٌ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ، إذَا كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " الْمَكْتُوبَةِ " لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَلِهَذَا أَجَابَ بِذِكْرِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ الْعُمُومَ. وَقَوْلُهُ " كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ " فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْهَجِيرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا قَبْلَ أَنَّ " الْهَجِيرَ وَالْهَاجِرَةَ " شِدَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّتِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ " الْأُولَى "؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇. وَقَوْلُهُ " حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ. وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: زَوَالُهَا. وَاللَّفْظَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا. وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَ صَلَاتِهِ ﷺ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ. وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا تَحْصُلُ بِأَنْ يَقَعَ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ تَكُونُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ. وَتَكُونُ الصَّلَاةُ وَاقِعَةً فِي أَوَّلِهِ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ هَذَا
следующие страницы →