بجفان تعتري نادينا ... وسديف حين هاج الصنبر (١)
وكتب الدماميني سنة (٧٩٥ هـ) ملغزًا إلى الحافظ ابن حجر:
أبا الفضل حقًّا أخصبَتْ روضةُ المنى ... بآدابك اللاتي تجودُ بها صَوْبَا
فما اسمٌ إذا صحَّفته وعكسته ... وجئت بمعناه تجدْهُ شرى ثوبَا
فأجابه الحافظ:
أمولاي بدرَ الدين ألغزتَ بلدةً ... لقد جُبت آفاق البلاد لها جَوبَا
وفي أذرعات باع فضلك طائلٌ ... وفي مصر حتّى ذاب حاسدكم ذَوْبَا (٢)
وكتب الحافظ إلى الدماميني أيضًا:
يا سيدي انظر في قريضِ فتًى ... حاز الفضل منكمُ والحَظْ
صحِّفْ فديتك ما يرادفه ... يا ذا العُلا متوهم أيقظْ
فأجابه الدماميني بقوله:
يا سيدي أنتَ الّذي ... بالسَّعدِ حظُّك صار يُلحَظْ
ونظير لغزِك في الأحاجي ... سار عامًّا فالحظُّ ألحظْ (٣)
وله غير ذلك من الألغاز والأحاجي (٤).
стр. 37
ومن جميل ما وقفت له من النثر: قوله في وصف غوطة دمشق، وقد دخلها في ثامن رمضان من سنة (٨٠٠ هـ)، قال: فتأملها المملوك، فإذا هي جنة ذات ربوة وقرار معين، وبلدةٌ تبعث محاسنُها الفكر على حسن الوصف وتُعين، وحسبك بالجامع الفارق بينها وبين سواها، والأنهار الّتي إذا ذكر قتل المحل فما أجراها، وإذا سُمع حديث الخصب فما أرواها، ما أقول إلا أن متنزهات مصر عارية من المحاسن، وهذه ذات الكسوة، ولا أن النيل احترق إلا من الأسف؛ حيث لم يُسْعِده الدهر بالصعود إلى تلك الربوة، ولا أظنُّه احمرَّ إلا خجلًا من صفاء أنهارها، ولا ناله الكسر إلا لتألمه بالانقطاع إلى سقي أزهارها، فلو رأى العاشق جبهتها، لسَلَا بمصر معشوقه، ونسي ظهور جواريه المتحببة بمقامات غصونها الممشوقة، ولو تطاولت المجنونة إلى المفاخرة، لتأخرت إلى خلفها متخبلة، وأحجمت عن الإقدام حين تحركت لها بدمشق السلسلة، وحق مصر أن لا تجري حديث المفاخرة في وهمها، وأن تتقي شر المنازعة قبل أن تصاب هذه البلدة بسهمها، فسقى الله منتزهاتها الّتي طرب المملوك برؤية حبكها، وطالما اهتزت له المعاطف على السماع، ورأى بها كلّ نهر ذاب عنه الجليد، فانعقد على حلاوة شكره الإجماع.
تروع حصاهُ حاليةَ العذارى ... فتلمسُ جانبَ العقدِ النظيمِ (١)
* * *
стр. 38
المبحث السادس ثَنَاء العُلَمَاء عَلَيهِ
١ - قال الحافظ ابن حجر فيه شعرًا:
هو قاضي البلاغة الّذي: [الطَّويل]
أقروا بحق جوهر الفضل عنده ... ولا عجب للبحر صونُ الجواهر
والجواد البليغ الّذي:
يقول لنا درًّا ويبدي سماحة ... فما البحر إلا بين كفٍّ وخاطرِ
وعالم المدينة الّذي:
على كلّ رأس طال كعب مبارك ... له وهو للطلاب أفضل مالكِ
وربُّ البديع الّذي:
قد استخدم الأنظار إذا أصبحت لهم ... مطالبة قد طوبقت بمهالكِ
وفارس العربيّة الّذي:
غدا قبلةً للناس صلَّوا وراءها ... وفاتهم سبقًا فليس تُجارى
стр. 39
والكاتب الّذي:
إذا أبصروا في الطِّرس أثر مِداده ... فذلك سبق قد أثار غبارا (١)
- وقال فيه الحافظ أيضًا:
فاق في النظم، والنثر، والخط، ومعرفة الشروط، وناب في الحكم أيضًا، وتقدم ومهر، واشتهر ذكره (٢).
وقال فيه: كان عارفًا بالوثائق، حسن الخط، رائق النظم والنثر (٣).
٢ - وقال فيه السخاوي:
كان أحد الكملة في فنون الأدب، أقرَّ له الأدباء بالتقدم فيه، وبإجادة القصائد والمقاطيع والنثر (٤).
٣ - وقال ابن تغري بردي:
الشّيخ، الإمام، الأديب، الشاعر، العلّامة (٥).
٤ - وقال البريهي:
هو من الأئمة البلغاء، والسادة الفضلاء، كان متبحرًا في علم الأدب (٦).
стр. 40
٥ - وقال ابن مخلوف:
العمدة، المتفنن في العلوم والمعارف، الفهامة، الأديب، النحوي، اللغوي، الإمام المفضال، العارف بالشروط، الرحَّال (١).
* * *
стр. 41
المبحث السابع وَفَاتهُ
توفي الإمام بدر الدين الدماميني - رحمه الله تعالى - بمدينة "كَلبرجَا" أو "كَلبركَا" في الهند في شهر شعبان عن نحو سبعين عامًا، وقد اختلف العلماء في سنة وفاته على ثلاثة أقوال:
الأوّل -وهو المعتمد-: سنة (٨٢٧ هـ): ذكره السخاوي، وتبعه السيوطي، والشوكاني، وعبد الحي الحسني، والزركلي (١).
الثّاني: سنة (٨٢٨ هـ): ذكره المقريزي، وتبعه الحافظ ابن حجر، وابن تغري بردي (٢).
стр. 42
الثّالث: سنة (٨٣٧ هـ)، أو (٨٣٨ هـ): ذكره السيوطيّ، وقال: قُتِل مسمومًا (١).
وقد ذكر السخاوي أنه سُمَّ في عِنَبٍ، ولم يلبث من سمّه بعْدُ إلا يسيرًا (٢).
* * *
١٥ - "الأعلام" للزركلي (٦/ ٥٧).
١٦ - "معجم المؤلِّفين" لكحالة (٩/ ١١٥).
* وانظر طرفًا صالحًا من أخباره وأشعاره في:
١٧ - "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي (ص: ١٤٤، ٧١٩، ٧٧٨، ٧٨١ - ٧٨٢، ٧٩٣ - ٧٩٦، ٨٣٩ - ٨٤١).
١٨ - "مطالع البدور في منازل السرور" للغزولي (١/ ٩٧، ١١٥، ١١٦، ١١٨، ١١٩،١٣٤، ٢/ ١٤، ٤٥، ٧٨، ٨١، ٨٤، ١٩٠، ٢٩٣).
١٩ - "أنوار الربيع في ألوان البديع" لابن معصوم المدني (٢/ ٥٦، ٣/ ٨٩، ٥/ ٧٨، ٧٩، ٢٣٦).
* * *
стр. 45
الفَصْلُ الثَّاني دِرَاسَةُ الكِتَابِ
стр. 46
المبحث الأَوَّل تَحقِيق اسمِ الكِتَاب
جاء على طُرَّة النسخة الخطية لمكتبة المدرسة الأحمدية بحلب المرموز لها بـ "م": كتاب مصابيح الجامع، وعلى المجلد الثّالث منها: الثّالث من كتاب مصابيح الجامع الصّحيح.
وكذا أثبت على طرة النسخة الخطية لمكتبة دار الكتب القومية بمصر، والمرموز لها بـ "ن"، وكذا على الورقة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة فاتح باشا بالسُّليمانية، والمرموز لها بـ "ع"، إلا أنه أثبت على طرة هذه الأخيرة بخط مغاير: "المجلد الأوّل من شرح البخاريّ للدماميني".
وقد سماه الحطاب المالكي في مواضع كثيرة من كتابه "مواهب الجليل" بـ: "حاشية البخاريّ" (١)، وكذا غير واحد من العلماء.
وبعضهم يطلق عليه: تعليق الدماميني، أو تعليقة الدماميني على البخاريّ. ولعلّه أُخذ ذلك عن الدماميني نفسِه؛ حيث ذكر في أكثر من موضع في كتابه قوله: "التعليق" (٢).
стр. 47
والقول الفصل في اسمه: ما كان ذكره الإمام الدماميني نفسه في مقدمة كتابه هذا؛ حيث قال: أما بعد: فهذه نكت ساطعة الأنوار، عالية المقدار ... إلى أن قال: سميتها بـ: "مصابيح الجامع" (١).
وإطلاق لفظ "الشرح"، و"الحاشية"، و"التعليق" كلها صحيحة تصدق على هذا التصنيف.
وما ذكره المؤلِّف ﵀ في مقدمة كتابه، هو الّذي أثبت على طرة طبعتنا هذه، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 48
المبحث الثَّاني إثْبَاتُ نسَبةِ الكِتَابِ إلَى المُؤَلِّفِ
تقدم ذكر ما أُثبت على طرة النسخ الخطية للمكتبة الأحمدية، وفاتح باشا، ودار الكتب القومية، والتصريح بذكر الإمام الدماميني عليها.
وكذا ما جاء في مقدمة كتابه من تأليفه هذا السّفر للسلطان أبي الفتح أحمد شاه في بلاد الهند، وهو الذي قد عرف بتآليفه الكثيرة له؛ كما ذكر المترجمون، وكذا صرَّح بنسبة تعليقه على البخاري كلُّ من ترجم له.
أضف إلى هذا كله: أسلوب الإمام الدماميني، وهو الأديب واللغوي الذي بثَّ الكثير من مسائل اللغة والنحو، والكثير من أشعاره في ثنايا كتابه هذا، والتي تناقلها عنه الكثيرون، وأودعوها تآليفهم.
إلى جانب تصريحه بالنقل عن بعض مشايخه؛ خصوصًا: الشيخ الإمام ابن عرفة، والإمام جلال الدين البلقيني، وغيرهما.
كما أحال في مواطن عدة على كتابه "شرح مغني اللبيب لابن هشام".
إلى غير ذلك من أمور مبثوثة، ومسائل منثورة، تدل مطالعها على مؤلفها الجليل، الإمامِ الدمامينيِّ - رحمه الله تعالى -.
* * *
стр. 49
المبحث الثَّالث مَنْهَجُ المؤلِّف في الكِتَابِ
أفصح المؤلف ﵀ في ديباجة كتابه هذا عن منهجه الذي قصد إليه، فقال: "أما بعد: فهذه نكت ساطعة الأنوار، عالية المقدار ... " إلى أن قال: "علقتها على أبواب منه -أي: صحيح البخاري- ومواضع، وفرَّقت كثيرًا منها في زواياه؛ ليستعين بها الناظر على استخراج خباياه، تحتوي على:
١ - غريب رأيته أهلًا لأن يأنس بتفسيره.
٢ - وإعراب تفتقر أعجاز الكلمات إلى صدوره.
٣ - وفائدة بيانية يشهد الذوق السليم بحلاوة مجانيها، ويدهش أهل البيان لبديع معانيها.
٤ - ودليل يحتمله متن الحديث.
٥ - وفرع غريب قلَّ من ذكره من قديم وحديث.
٦ - وحديث طالما كانت العيون عنه وَسِنة.
٧ - ونكت هي في وجه هذا التأليف حسنة.
٨ - إلى غير ذلك من مباحث تمرُّ حلوة الجنى، وفوائد يصبح مالكها في غنى عن العَنا" (١).
стр. 50
ثم قال:
"ولم أطلِ النفس في هذا الكتاب، ولا مددت في كثير من أماكنه أطناب الإطناب، بل اقتصرت فيه على ما هو أهم، وهتكت بأنواره ما دجا من المشكلات وادلهمّ" (١).
هذا ما أجمله المؤلف ﵀ في تبيين منهجه، ولا بد من التنبيه إلى أنه قصد التعليق المختصر على الأحاديث، كما ذكر، إلى جانب تأليفه له حالَ سفره وإقامته في بلاد اليمن (٢).
وفي ثنايا الكتاب يلحظ المطالع أن ما يقارب الثلاثة آلاف حديث قد تكلَّم الإمام الدمامينيُّ على مفردات ألفاظها، وضبطِ وتفسير مبهمات أعلامها، وبيان وجوه أبوابها وتراجمها، معتمدًا في روايات "صحيح البخاري" على رواية أبي ذر؛ كما ظهر في مواضعَ كثيرةٍ من الكتاب، مقتفيًا نهج الإمام الزركشيِّ في انتقائه للأحاديث المتكلَّم عليها، ولم يفارقه إلا في النَّزْرِ اليسير جدًّا، مُغِيرًا على أكثر مادة كتابه، تارةً بالتصريح، وتارة بالإبهام، منتقدًا له في غالب ما ينقله عنه، مصيبًا في أكثر تعقباته، مخطئًا في بعض استدراكاته، وغالبها في مسائل العربية، ولم يُخْلِ المؤلف ﵀ من نقده وتعقبه لعلماءآخرين غيرِ الإمام الزركشي ﵏ أجمعين -.
ولا بدَّ من الوقوف على أبرز تلك التعقبات التي ظهرت في كتاب الإمام الدماميني هنا، وإجمالها، وضرب المثل فيها؛ من خلال هذه الدراسة:
стр. 51
* بين الإمامين الدماميني والزركشي:
كان للإمام الزركشي ﵀ من خلال كتابه "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" فضلُ السَّبق فيما جمعه وأعدَّه على "الجامع الصحيح" من شرحٍ لغريبه، وتفسير لنكته في الترجمة أو التبويب، فضلًا عما تناوله من مشكلات الإعراب، والمسائل النحوية، والصور البيانية، والمعاني البلاغية.
وقد وقف الإمام الدماميني على كتاب الزركشي، وأفاد منه كثيرًا، إلا أنه كانت له تعقبات واستدراكات على مسائل وقضايا في النحو والإعراب والتصريف وغيرها، وكانت هذه التعقبات -أعني: النحوية وما يتبعها من الإعراب- أكثر عمقًا، وأدق مأخذًا؛ فقد عرض الزركشي لهذا الجانب، فوقع له في بعض المسائل سهو أو خطأ، وفي بعض تابع فيها قولًا مرجوحًا، وفي بعض أوجز القول فيها إيجازًا مخلًّا وفي بعض مما تناوله يحتمل النظر، ولا يُحكم على ما قرره فيه بسهو أو خطأ، وفي بعض كان الصواب فيما ذهب إليه من قول، وما قرره من حكم.
وقد تناول الإمام الدماميني كلَّ ذلك بنقد لاذع لا يقال في حق إمام راسخ في العلم، وإن زلَّ به قلمُه في شيء يعلمه أو لا يعلمه، فغفر الله لهما، وأجزل مثوبتَهما، وشكر صنيعَهما (١).
وهذا عرض لأهم نقاط الخلاف التي استأثرت باهتمام الإمام الدماميني ﵀، فكان له مع الإمام الزركشي وغيره من العلماء ما كان في هذا الكتاب:
стр. 52
١ - دفاع الإمام الدماميني عن الرواية والرواة:
لا شك أن الإمام الدماميني من أئمة النحو المتأخرين الذين اعتُمدت أقوالُهم، وانتشرت آراؤهم، وأنه ارتضى نهج مدرسة ابن مالك، وابن هشام في جواز الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة مطلقًا، وردُّ الإمامِ الدماميني على منع أبي حيان وغيره من ذلك مشهور مأثور، قد تناقله كثير من المصنفين (١)، فلا ريب -عندئذ- أن ينبريَ الإمام الدمامينيُّ في كتابه هذا لتفنيد أي زعم في تخطئة هذه الرواية أو تلك، وفي توهيم الرواة فيما نقلوه؛ خصوصًا في كتاب هو الأصح بعد كتاب الله "صحيح الإمام البخاري".
* فمن ذلك: قول الإمام الزركشي عند تفسير ابن عباس ﵄: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور ١]: بيناها.
قال الزركشي: كذا في النسخ، والصواب: "أنزلناها وفرضناها: بيناها، فبيناها تفسير فرضناها، لا أنزلناها.
قال الدماميني: يا عجبًا لهذا الرجل، وتقويله لابن عباس ما لم يقله، فالبخاري نقل عن ابن عباس تفسير ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: بيناها، وهو نقل صحيح، ذكره الحافظ مغلطاي من طريق ابن المنذر بسنده إلى ابن عباس، فما هذا الاعتراض البارد؟! (٢).
ومنه: قول الزركشي في رواية: "ويعيدانه بتلك المقالة": صوابه:
стр. 53
ويعيدان له تلك المقالة.
قال الدماميني: ضاق عَطَنُه عن توجيه اللفظ على الصحة، فجزم بخطئه. ثم ذكر توجيهه للرواية (١).
ومنه: قول الزركشي عن قول أنس ﵁: "إنها أربع"؛ أي: عُمَرُهُ ﷺ : فيه نظر ... إلى أن قال الزركشي: وقول البراء: "اعتمر عمرتين" أشبه.
قال الدماميني: هذه عبارة لا يليق أن تذكر في حق أنس ﵁، وحاصلها: اعتراضه عليه في أمر أخبر به عن النبي ﷺ بأن الأمر في الواقع على خلاف ما أخبر به، واستناده في ذلك على مجرد ما ذكره، غير منقدح إذا تأملت، وما أحسن الأدب مع آحاد العلماء، فضلًا عن كبراء الصحابة ﵃! حشرنا الله معهم بمنه وكرمه (٢).
ومنه: توهيم الزركشي قولَ جرير ﵁: كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية. وتصويب القول بـ: والتي بمكة الكعبة الشامية.
قال الدماميني: جرى على عادته في الجرأة على التوهيم من غير تثبت. ثم نقل عن السُّهيلي ما يرفع هذا الإشكال (٣).
ومنه: ما استشكله الزركشي في تفسير حذيفة ﵁ الباب في حديث الفتنة بعمر ﵁.
стр. 54
فردَّ عليه الدماميني، ثم قال: فينبغي تلقي قوله بالقبول، وإنما يحمل الاعتراض على مثل هؤلاء السادة الجلة، إعجابُ المعترِضِ برأيه، ورضاه عن نفسه، فظنه أنه تأهل للاعتراض حتى على الصحابة، وهو دون ذلك كله (١).
ومنه: ما قاله الزركشي عند قول أنس ﵁: "فلبث بمكة عشر سنين"، قال: هذا على قول أنس، والصحيح: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة.
قال الدماميني: الجرأة على تخطئة الصحابي صعب شديد، لا سيما ولكلامه محمل صحيح، ثم ذكر توجيه قول أنس ﵁، وبيانه (٢).
* وكذا وجَّه الإمام الدماميني ﵀ النقد ذاته إلى غير الإمام الزركشي من العلماء، فمن ذلك:
ما جاء عند قوله: "فإذا امرأة تتوضأ"، قال: ظن الخطابي أنه محمول على الوضوء الشرعي، فنسب الراوي إلى الوهم.
قال الدماميني: وهذا تحكم في الرواية بالرأي، ونسبة الصحيح منها إلى الغلط بمجرد خيال مبني على أمر غير لازم. ثم ذكر توجيهه للرواية (٣).
ومنه: قول الخطابي عند قول الراوي: "حتى سمعتُ نعَايا أبي رافع": هكذا روي، وإنما حق الكلام: نعاء أبي رافع؛ أي: انعوا أبا رافع،
стр. 55
يقال: نعاءِ فلانًا؛ أي: انعَهُ؛ كقولك: دراكِ؛ أي: أدرك.
قال الدماميني: وهذا أيضًا قدح في الرواية الصحيحة بوهم يقع في الخاطر، فالنعايا جمع نعيّ؛ كصفيّ وصفايا، والنعي: خبر الموت؛ أي: فما برحتُ حتى سمعتُ الأخبار مصرِّحة بموته (١).
ومنه: ما قاله القاضي عياض في رواية مسلم: "فلما نزل الوحي ... ": إنها وهمٌ بيِّن ... إلخ.
قال الدماميني: هذه الإطلاقات صعبة في الأحاديث الصحيحة، لا سيما ما اجتمع على تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم، ولا كيف هو؟!!. ثم راخ يوجِّه الرواية (٢).
ومنه: ما ذكره عن ابن بطال في حديث: "من أعمر أرضًا"، وما ذكره فيه من احتمال أن يكون: "من اعتمر أرضًا"، وسقطت التاء من الأصل.
قال الدماميني: هذا ردٌّ لاتفاق الرواة بمجرد احتمال يجوز أن يكون وأن لا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى لأحد أن يقع فيه (٣).
ومنه: ما نقله الدماميني عن بعضهم من أن الرواية تصحفت، فقال الدماميني: هذا داء عمَّ وطمَّ، فقلَّ من تراه يتحامى الطعن على الرواة، إذا لم يقدر على توجيه الرواية (٤).
стр. 56
ومنه: ما أشكل على بعضهم في قوله: "لا أحمدك اليوم" في حديث الأبرص والأعمى والأقرع، فقال بإسقاط الميم؛ لا أحدُّك؛ أي: لا أمنعك. قال الدماميني: فَسَاء فهمًا، وتكلَّف، وغيَّر الرواية. قال: وأنا أرى مثل هذا جرأة عظيمة، لا يقدم عليها من يتقي الله (١).
٢ - التعقب على الزركشي في مسائل العربية:
وقد حظي هذا الجانب باهتمام كبير عند الإمام الدماميني، وقد أسلفنا القول: إن الإمام الدماميني قد أصاب فيما تعقب به الزركشي في مواطن كثيرة، وفي بعضها كان الحق والصواب فيها للزركشي؛ وفي بعضها تابع القول فيها من قبله، وفي بعض أوجز فيها، فأوقع كلامه في الإيهام والخلل، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وإذا شاء المطالع أن يقلِّب صفحات هذا الكتاب، فأول ما يقع نظره على هذا، ويكتفى هنا بضرب مثالين عليه؛ أحدهما كان الكلام فيها للدماميني، والثاني للزركشي (٢).
* الأول: قول الزركشي في قوله: "وإن جاءت به أُحيمرَ"، قال: كذا وقع غير مصروف، والصواب صرفه، تصغير أحمر، وهو الأبيض.
قال الدماميني: عدم الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى هو أنه عين الصواب، هو عين الخطأ، وبالله التوفيق (٣).
قلت: قال المبرد في "المقتضب" (٤/ ١٨): هذا باب ما ينتقل
стр. 57
بتصغيره: تقول في رجل سميته بـ: "مساجد" إذا صغرته: "مسيجد"، فتصرفه؛ لأنه قد عاد إلى مثل تصغير "جعفر".
وكذلك رجل يسمى: "قناديل"، تقول: "هذا قُنيديلٌ"؛ لأن المانع قد زال عنه.
ولو سميته: "أجادل"، فصغَّرته، لقلت: "أُجيدلُ" قد جاء، لا تصرفه؛ لأنه تصغير "أَفعل"، فالمانع للصرف فيه.
فإن قال قائل: إنما منع "أفعل" من الصرف؛ لأنه على مثال الفعل؛ نحو "أذهب" و"أعلم"، فإذا قلت: "أُحيمر" و"أُحيمد"، فقد زال عنه شَبَهُ الفعل، فما بالك لا ترده إلى الصرف، كما تصرف "تتفلًا"؛ لأن زوائد الفعل المضارع لا تكون مضمومة، وكما تصرف "يربوعًا"؛ لأن زيادته لا تبلغ به مثال الأفعال.
قيل له: إنه قد صرف الفعل مصغرًا، فكما أشبه "أحمر" "أذهب"، أشبه "أحيمر" قولهم: إما أُميلحَ زيدًا! وما أُحيسنَه! "، والمانع قائم بعدُ معه.
فجملة هذا: أنه كلُّ ما صُغِّر، فخرج تصغيره من المانع، فهو مصروف، وما كانت العلة قائمة فيه، فتركُ الصرف له لازم، انتهى.
قلت: وبه يتبين وجهُ ردِّ الإمام الدماميني على الإمام الزركشي فيما قاله.
* الثاني: ما قاله الزركشي في قوله: "لم تُراعوا": إنَّ "لم" بمعنى "لا"، ومعناه: لا تفزعوا.
стр. 58
قال الدماميني: لا أعلم أحدًا من النحاة قال بأن "لم" ترد بمعنى "لا" الناهية (١).
قلت: مجيء "لم" بمعنى "لا" له أمثلة كثيرة في كتب العربية، فقد أنشد الأخفش لذلك قول الشاعر:
لولا فوارسُ من قيسٍ وأسرتُهم ... يوم الصُّليفاء لم يوفون بالجار
قال ابن جني في "الخصائص" (١/ ٣٨٨): فقد تُشبّه حروف النفي بعضها ببعض، وذلك لاشتراك الجميع في دلالته عليه، ثم ذكر شواهد ذلك.
وقال الخطابي في "غريب الحديث" (٢/ ٢٧٦): وتقع "لم" بمعنى، "لا"؛ كقولك: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ أي: ما لا يشاء لا يكون.
ووجَّه العينيُّ في "عمدة القاري" (٢٢/ ٦) قولَ النبيِّ ﷺ لامرأة رفاعة: "فإن كان ذلك، لم تحلي له، أو لم تصلحي له": بأن "لم" تأتي بمعنى "لا"، والمعنى أيضًا عليه؛ لأن "لا" للاستقبال، ثم أنشد ما نقلتُه عن الأخفش، وبالله التوفيق.
٣ - تشنيعه على الزركشي في عدم نسبة الأقوال إلى أصحابها:
يكاد شرَّاح الحديث المتأخرون متفقين على هذا -أعني: عدم نسبة الأقوال إلى أصحابها- في غالب نقولهم، وقد وقفنا من خلال تحقيقاتنا لكثير من كتبهم على طَرَفٍ صالح من ذلك، وكنَّا نردُّ الأمر في هذا إلى اتفاق المادة العلمية المراد بحثها عندهم؛ فلو رأيت القاضي عياضًا قد جاء
стр. 59
بشرح مادة لغوية من "صحاح الجوهري"، ثم نقلها عنه الزركشي، أيُذكر عندها القاضي عياض، أم الجوهري؟! وهكذا.
نعم، التوثيق من المصدر الأم هو الأساس، ويكاد يكون فيصلًا في قوة مادة هذا الشرح أو ذاك.
إلا أن الأمر لم يقف عند هذا، بل ذهبت كثرة كاثرة من شراح الحديث إلى السَّطو والإغارة على كتب بعينها، دون التصريح بالنقل عنها، وإن ذُكرت، فالمرة، أو المرات المعدودات، ولا ندري قصدهم ووجهة ما قاموا به، حتى إن الإمام الدماميني ﵀ الذي انتقد الزركشي في هذا، قد شَأَى شَأْوَهُ في الأمر عينه، كما سنبينه في المآخذ على الكتاب.
ونقف عند هذا؛ إذ إن الأمر يطول، ولعل الله ييسّر بسط ذلك وبيانه في محل آخر مناسب، ونعود إلى ضرب المثال فيما انتقده الدمامينيُّ على الزركشي، فمن ذلك:
قول الدماميني -بعد أن نقل كلامًا عن الزركشي-، قال: كذا في الزركشي، وهو مأخوذ من ابن المنيِّر، وجرى على عادته في عدم نسبة ما يستحسنه إلى قائله (١).
ومنه: قول الدماميني: ونقل الزركشي هذا الفصل بنصه -يعني: عن السفاقسي-، لم يزد عليه شيئًا؛ كعادته في الاعتماد على هذا الكتاب، والاستمداد منه، وما كأنه إلا مختصره (٢).
ومنه: قول الدماميني: وما اعترض به -يعني: الزركشي- على عدم
стр. 60
الصراحة بإبداء الاحتمال المذكور، ليس من قِبَل نفسه، بل ذكره الشيخ بهاء الدين السبكي في أول "شرح التلخيص" (١).
* وكذا شنَّع على شيخه الإمام ابن الملقن في الأمر ذاته، فقال الدماميني -بعد أن ساق كلامًا-: هذا الكلام برُمَّته في "شرح مغلطاي"، وتبعه ابن الملقن على عادته في الأخذ منه، والاعتماد على كلامه، من غير تسميته له (٢).
وقال في موضع آخر: وأخذ ابن الملقن هذا الجواب -أي: جواب مغلطاي- مغيرًا عليه، على عادته مع هذا الرجل وغيره، مصرحًا بأنه من كلام نفسه بقوله: قلت (٣).
وكما سلف، فإن الإمام الدماميني قد وقع في الأمر ذاته الذي شنع فيه على الإمام الزركشي، وابن الملقن، وغيرهما، ولو أنَّ مطال الكتاب قال: كتاب "المصابيح"، نتاج "التنقيح"، و"التوضيح"، و"حاشية ابن المنير على الجامع الصحيح"، لم يعدُ الحقيقةَ. والإنصافُ -كما يقول الإمام ابن القيم ﵀ أن تكتال لمنازعك بالصَّاع الذي تكتال به لنفسك، فإنَّ في كل شيء وفاءً وتطفيفًا (٤). وبالله التوفيق.
إلى غير ذلك من التعقبات المبثوثة في ثنايا الكتاب، والتي تناولت الإمامَ الزركشيَّ على وجه الخصوص، وغيرَه من الأئمة على وجه العموم.
стр. 61
وبالجملة: فإن أكثر هذه التعقبات كان الصواب فيها ما قاله الإمام الدماميني، وفي بعضها كان الوجه فيها ما نحا إليه الزركشي، وفي غيرها تبين أن الإمام الزركشي قد ذهب فيها إلى رأي مرجوح -كما تقدم-.
ولا بدَّ من لفت النظر إلى ما ذكره الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٥/ ١٣٤) من أن الإمام الزركشي شرع في "شرح البخاري"، فتركه مسودة، قال: وقفتُ على بعضها، ولخَّص منه "التنقيح" في مجلد، انتهى. فينظر في هذا النقل، وما قد يلتمس من خلاله للإمام الزركشي.
ثم ما كان الإمام الدماميني يذكره أحيانًا من عدم وثوقه من نسخة الزركشي، وعزو الغلط إلى النُّسَّاخ (١).
وأخيرًا: ما أسلفناه من تأليف الإمام الدماميني لهذا الكتاب حالَ السفر، وما قد يَعْرِضُ عليه من أهوال تكدِّر عليه صفو العيش؛ كما ذكر في شرحه هذا، وكما أورد عنه المترجمون، كلُّ ذلك قد يخفف من دهشة المطالع لهذا الكتاب، وما فيه من نَقَدات، وما من قائل إلا وعليه قائل، ومن طلب عيبًا وجده، فرحم الله امرًا قهر هواه، وآثر الإنصاف ورآه، وبالله التوفيق.
стр. 62
المبحث الرابع مَوَارِد المُؤَلِّف في الكِتَابِ
١ - " الإبهاج" للسبكي.
٢ - "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق.
٣ - "أساس البلاغة" للزمخشري.
٤ - "أسد الغابة" لابن الأثير.
٥ - "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي.
٦ - "الإفهام لما في البخاري من الإبهام" لجلال الدين البلقيني.
٧ - "الأمالي النحوية" لابن الحاجب.
٨ - "الانتصاف"، وهو حاشية ابن المنير على "الكشاف".
٩ - "الإيضاح في شرح المفصل" لابن الحاجب.
١٠ - "التسهيل" لابن مالك.
١١ - "تغليق التعليق" لابن حجر.
١٢ - "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" للزركشي.
١٣ - "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن.
١٤ - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي.
١٥ - "الجنى الداني في حروف المعاني" لابن القاسم المرادي.
٣٠ - "الفروق" للقرافي.
٣١ - "الفصيح" لثعلب.
٣٢ - "القبس" لابن العربي.
٣٣ - "العباب الزاخر" للصغاني.
٣٤ - "المبهمات" للخطيب.
٣٥ - "مجمل اللغة" لابن فارس.
٣٦ - "المحكم" لابن سيده.
٣٧ - "مرآة الزمان" لابن الجوزي.
٣٨ - "المعرب" للجواليقي.
٣٩ - "المغرب" للمطرزي.
٤٠ - "مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني.
٤١ - "المفهم" للقرطبي.
وغير ذلك من الكتب التي نقل عنها المؤلف ﵀، وهي في غالبها منقولة عن كتب أربعة هي:
١ - "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" للزركشي.
٢ - "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن.
٣ - "شرح البخاري" لابن المنيِّر.
٤ - "الإفهام لما وقع في البخاري من الإبهام" للبلقيني.
ولعلَّ السبب في قلة موارد المؤلف ﵀ هو تعليقه لهذا التأليف حالَ السفر، وقد قال ﵀ في كتابه هذا (٤/ ١٤٨) بعد كلام: لكن الشأن في الرواية، فينبغي السعي في تحريرها، وأنا أعتذر بقلة الكتب في
стр. 67
بلاد الغربة، وعدم من يتأهل من أهل القطر اليمني للمراجعة في ذلك، وإفراط العجلة المفضية للرحلة من هذا البلاء، ويسَّر الله ذلك، وأصحبنا لظنه الجميل ذهابًا وغيابًا في خير وسلامة، انتهى.
* * *
стр. 68
المبحث الخامس مَنزِلَة الكِتَاب العِلْمِيَّة
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: أهمية الكتاب ومزاياه:
١ - يعد هذا الكتاب من أهم مصادر شروح "صحيح البخاري"، التي عُنيت ببيان غريب الألفاظ، وحلّ مشكلات الإعراب، وتوضيح مبهمات الإسناد، وإيراد الفوائد اللغوية والنحوية والأصولية، وغيرها من النكات.
٢ - يبرز الإمام الدماميني ﵀ من بين شراح الحديث عمومًا، و"صحيح البخاري" خصوصًا، بإمامته في اللغة والنحو، وهو الأديب الشاعر، مما حدا بالكثير من الشراح بعده على النَّهل من كنوز علمه الرَّصين التي ظهرت في هذا الكتاب.
٣ - التعقبات والاستدراكات الكثيرة المتناثرة في هذا الكتاب، بتحقيقات باهرة، تثمر عند مطالعه حسن التعامل مع النصوص النبوية، خصوصًا منها: ما يتعلق بحال الرواية والرواة.
٤ - كثرة التحقيقات المفيدة القيمة، التي أتى بها المؤلف ﵀ ابتداء، أو في معرض تعقباته على غيره من العلماء.
وأخيرًا: لا يشك مطالع هذا الكتاب في قيمته ومكانته بين كتب
стр. 69
الشروح، وما أضفاه في جانب اللغة من قيمة، وسدَّ به ثغرات الشروح قبله وبعده، فلا غرو حينها أن يمتدح الإمام الدماميني ﵀ كتابه هذا بقوله: فدونكها مصابيح تحسدها الثريا، وتبدو لمجتلي محاسنها مشرقة المحيا (١).
وقال: وسيعرف قدره من تصفَّحه، وينظر المنصف بعين الاستحسان إذا لمحه (٢).
* المطلب الثاني: المآخذ على الكتاب:
١ - إغفال الشارح ﵀ المصادر التي ينقل عنها -في غالب الأحيان-؛ فقد نقل عن "التنقيح" للزركشي، و"التوضيح" لابن الملقن، و"حاشية ابن المنير على البخاري"، و "الإفهام لما وقع في البخاري من الإبهام"، وغيرها من الكتب كثير، ولم يصرح بذكرهم إلا في النادر القليل، حتى إن بعضًا من المواد اللغوية كان ينقلها عن الإمام الزركشي، وقد كنا نبهنا على ذلك في مواضع عدة من التعليق على هذا الكتاب.
٢ - الحط على المخالف بعبارات قاسية؛ خصوصًا الإمام الزركشي، وابن الملقن، والعجب يطول أمام هذا، فالأول قد قام الكتاب عليه، والثاني شيخه، ونهل من كتابه "التوضيح" الكثير، وإن لم يصرح بذلك.
٣ - اختصاره لكلام العلماء يوقع في الإيهام أحيانًا، وهذا من باب ما انتقده الإمام الدماميني على الإمام الزركشي، وذلك كقوله في "من وراءكم": بفتح "من" في البخاري، وبكسرها عند ابن أبي شيبة، انتهى.
стр. 70
قلت: فقد يظن الناظر أنه يريد به "مصنَّفه"، والواقع أن مسلمًا رواه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة كذلك، وقد رواه مسلم، وكذا البخاري من طريق ابن المثنى وغيره بفتح "من" والهمزة.
فلو قال: وبكسرها عند مسلم، على اعتبار أنه قال: البخاري من طريق ابن أبي شيبة، لكان أحسن وأسلم، ولتحقق المراد منه.
* * *
стр. 71
المبحث السادس وَصْفُ النُّسَخ الخَطِيَّة المُعْتَمَدَةُ في التَّحقِيق
تمَّ الاعتماد -في تحقيق هذا الكتاب- على أربع نسخ خطية، هي: النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب، ومكتبة دار الكتب القومية بالقاهرة، ومكتبة نور عثمانية بتركيا، ومكتبة فاتح باشا في السليمانية بتركيا، وهذا وصف لكل واحدة منها:
* النسخة الأولى:
وهي من محفوظات مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب، تحت رقم (١٦٣)، وتتألف من ثلاثة أجزاء في مجلدين، وهي نسخة تامة، فالمجلد الأول عدد أوراقه (٩٧٨) ورقة، في كل ورقة (١٩) سطرًا، وفي السطر (١٠) كلمات تقريبًا.
جاء على طرته أسماء الكتب الواردة في "صحيح البخاري"، والتي ذكرها المؤلف في كتابه، وعلى ورقتها الرابعة: وقف مدرسة الأحمدية بمدينة حلب المحمية.
أوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رب يسر وأعن وتمم بالخير يا كريم، قال العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي -لطف الله به-: الحمد لله الذي جعل السنة النبوية ...
стр. 72
وآخره: ولولا بنوها حولها لخطبتها. تم المجلد الثاني، ويتلوه المجلد الثالث من قوله: كتاب المناقب، من تجزئة ثلاثة، بعون الله تعالى وتوفيقه.
أما المجلد الثاني: وهو يحتوي على الجزء الثالث، فيقع في (٥٢٠) ورقة. وجاء على طرته: الثالث من كتاب "مصابيح الجامع الصحيح"، وعليه أثبتت عناوين الكتب أيضًا.
أوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه نستعين، كتاب: المناقب.
وآخره: ولقد أحسن البخاري ﵀ حيث افتتح كتابه بحديث: "إنما الأعمال بالنيات"؛ ... إلى أن يقول: وكان انتهاء هذا التأليف بزبيد من بلاد اليمن، قبل ظهر يوم الثلاثاء، العاشر من شهر ربيع الأول، سنة عشرين وثمان مئة ...
وجاء في آخرها تاريخ النسخ سنة (٨٧٤)، عن نسخة المؤلف، في بلدة "كهمايت" في الهند.
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "م".
* النسخة الثانية:
وهي النسخة المحفوظة في مكتبة نور عثمانية بتركيا، وهي نسخة تامة، عدد أوراقها (٣٦٨) ورقة، في الورقة وجهان، وفي الوجه (٣٣) سطرًا، وفي السطر (١٣) كلمة تقريبًا.
أولها: قال الفقير إلى الله تعالى محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي -لطف الله به-: الحمد لله الذي جعل في خدمة السنة النبوية ...
стр. 73
آخرها: ولقد أحسن البخاري ﵀ حيث افتتح كتابه بحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، إلى أن يقول: وكان انتهاء هذا التأليف بزبيد من بلاد اليمن، ...
ولم يظهر الكلام في آخر المخطوط؛ لأنه مطموس، ويظهر أن تاريخ نسخها سنة (١٠٢٢ هـ)، كما تكرر هذا الطمس في مواضع أخر من هذه النسخة.
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "ج".
* النسخة الثالثة:
وهي النسخة المحفوظة في مكتبة فاتح باشا بالسليمانية بتركيا، تحت رقم (٩٤٤)، وهي نسخة تامة تتألف من مجلدين:
المجلد الأول: وعدد أوراقه (١٤٩) ورقة، وفي الورقة وجهان، وفي الوجه (٣١) سطرًا. وفي السطر (١٣) كلمة تقريبًا.
أوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي -لطف الله تعالى به-: أما بعد: الحمد لله الذي جعل في خدمة السنة النبوية ...
وآخره: "عذبت امرأة في هرة حبستها" احتج به مالك على ورود.
وبعده: يتلو هذا المجلد قوله: في السببية "من حشاش الأرض"، في المجلد الثاني.
أما المجلد الثاني: فيتألف من (١٦٠) ورقة.
أوله: في السببية "من حشاش الأرض"، قال الزركشي: مثلث الحاء.
стр. 74
وآخره: ولقد أحسن البخاري ﵀ حيث افتتح كتابه بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" إلى أن يقول: تم "المصابيح على الجامع الصحيح"، والحمد لله على التمام، ونسأله حسن الخاتمة .... إلى يوم الدين، آمين.
وهذه النسخة سقيمة جدًّا، مليئة بالتصحيفات والتحريفات الكثيرة، جاء عليها عدة أختام، ولونت الكتب والأبواب والألفاظ المشروحة باللون الأحمر.
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "ع".
* النسخة الرابعة:
وهي النسخة المحفوظة في دار الكتب القومية بمصر، تحت رقم (٤٧٤)، وتحتوي على المجلد الأول فقط، وعدد أوراقها (٢٢٨) ورقة، وفيها جزآن، الأول منهما ينتهي عند الورقة (١٥١). وفي هذه النسخة وجهان، وفي الوجه (٢٢) سطرًا، وفي السطر (١٠) كلمات تقريبًا.
أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو حسبي ونعم الوكيل، الحمد لله الذي جعل في خدمة السنة النبوية ...
وآخرها: إن هذا لمن الأمر البعيد الذي لا تسكن إليه نفس عاقل، والمصنف لا يحتاج إلى جميع ما ذكرناه من الإيضاح والبيان، والله أعلم، وهو الموفق للصواب، انتهى كلامه ﵀. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يتلوه في الجزء الذي يليه: باب: فضل الحرم ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧] (١).
стр. 75
وهذه النسخة جيدة، قلَّت فيها التصحيفات والتحريفات عن سابقتيها، وجاء على هوامشها بعض التصويبات والتصحيحات، وكتبت على هوامشها عناوين لمواضيعها تحت اسم: (مطلب).
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز (ن).
* * *
* أما رسالة الإمام الدماميني ﵀ المسماة بـ: "الفتح الرباني في الرد على التبياني"، فهي من محفوظات دار الكتب القومية بمصر، تحت رقم (٦٢٢ - حديث)، وتتألف من (١٤) ورقة، وهي نسخة تامة، أثبت في آخرها تاريخ النسخ، وهو سنة (١١٨٠ هـ).
* * *