← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 4516–4546 · переход к 4521.

стр. 4516

فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: "عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ". قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ: "يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَنَّا؛ فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا"، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ! لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنىَ مِنْ هَذَا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَاداً وَقُلُوباً، وَأَبْدَاناً وَأَبْصَاراً وَأَسْمَاعاً، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ فَقَالَ: "يَا رَبِّ! إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ، أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، فَخَفِّفْ عَنَّا"، فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ". قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ في أُمِّ الْكِتَابِ، قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهْيَ خَمْسُونَ في أُمِّ الْكِتَابِ، وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: "خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا". قَالَ مُوسَى: قَدْ - وَاللَّهِ - رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى ربِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضاً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مُوسَى! قَدْ - وَاللَّهِ - اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ". قَالَ:

стр. 4517

فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ في مَسْجدِ الْحَرَامِ. (عن شَريك بنِ عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ مالكٍ): وساق حديثَ الإسراء على الوجه المذكور في المتن، وقد نسبَ الناسُ شريكاً في هذا الحديث إلى التخليط، وأنه ساقَ فيه ألفاظاً منكرةً، وقَدَّم (١) وأَخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم من السَّموات، وقد (٢) خالفه عامةُ الحفاظ (٣) عن أنس، وقد رواه قتادة (٤) عن أنس، وأتى به ملخصاً مرتباً على ما تقدم في حديث المعراج (٥)، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس على نحو رواية قتادة (٦)، فليتمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا يقول على رواية شريك. قاله أبو العباس القرطبي. وانتقد القاضي في رواية شريك أشياء: منها: ذكرُه مجيءَ الملَكِ له، وشق بطنه، وغسله بماء زمزم، وهذا إنما كان وهو صبي، وقبل (٧) الوحي. ومنها: قوله: "وذلكَ قبلَ أن يُوحى إليه"، وذكر قصة الإسراء،

стр. 4518

ولا (١) خلاف أنها كانت بعد الوحي (٢). وقد قال غير (٣) واحد: إنها كانت قبل الهجرة بسنة، وقيل: قبل هذا. وأجيب عن الثاني: بأن المراد: قبل أن يوحى إليه في بيان الصلاة، أو الإسراء، ونحو هذا. وأجراه ابنُ أبي شامة على ظاهره ملتزماً أن الإسراء كان مرتين: قبل النبوة، وبعدها. وانتقد ابنُ حزم فيه أيضاً قولَه: "ودَنَا الجبارُ"، وعائشة تروي عن رسول الله ﷺ : أن الذي دنا منه هو جبريل. وأجاب ابن الجوزي: بأن هذا كان مناماً، وحكمُ المنام غيرُ حكمِ اليقظة. ورده الزركشي بأن رؤيا الأنبياء وحي (٤) (٥). * * * باب: كلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ٣٠٥٤ - (٧٥١٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْماً يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُل مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ

стр. 4519

فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجبَالِ، فَيقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا بْنَ آدَمَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ"، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَجدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارِيّاً؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ، فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (فيقول الله : دونك يا بن آدم؛ فإنه لا يُشبعك شيء): هذا هو الباعثُ على إدخالِ هذا الحديث في ترجمة كلام الله تعالى مع أهل الجنة. فإن قيل: قولُه: "لا يُشبعك شيءٌ" معارَض بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]. فالجواب: أن نفي الشبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة، وهي الكفاية، وأكلُ أهلِ الجنة لا عن جوعٍ أصلاً؛ لنفي الله له عنهم. واختُلف في الشبع، والمختار: أن لا شِبَعَ (١)؛ لأنه لو كان فيها (٢)؛ لمنعَ طولُ الأكلِ المُسَتلذِّ منها مدةَ الشِّبَع، وإنما أراد بقوله (٣) لابن (٤) آدم: "لا يُشبعك شيءٌ": ذَمَّ تركِ القناعة مما كان فيه، وطلب (٥) الزيادة عليه (٦)، وروي: "لا يَسَعُكَ شَيْءٌ"؛ من الوُسْع.

стр. 4520

باب: ذِكْرِ اللَّهِ بِالأَمْرِ، وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإبْلاغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١، ٧٢]. غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يُقَالُ: افْرُقِ اقْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]: إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ، فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ. ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]: الْقُرْآنُ. ﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]: حَقّاً في الدُّنْيَا، وَعَمَلٌ بِهِ. (فاذكروني أذكركم): قال السفاقسي: قال ابن عباس: ما مِنْ عبدٍ يذكرُ الله تعالى، إلا ذكره تعالى، لا يذكرُهُ مؤمنٌ، إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر، إلا ذكره بعذابه (١). وقيل: المراد: ذكره (٢) باللسان، وذكره بالقلب عندما يهم (٣) العبدُ

стр. 4521

بالسيئة، فيذكرُ مقامَ ربه. وقال قوم: إن هذا الذكر أفضلُ، وليس كذلك، بل ذكره بلسانه، وقوله: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه أعظمُ من ذكره (١) بالقلب دون (٢) اللسان. قلت: وسمعت شيخَنا قاضيَ القضاة وليَّ الدين بنَ خلدون (٣) ﵀ يَحكي أنه كان حاضراً بمجلس شيخِه القاضي ابنِ عبدِ السلام شارحِ "ابنِ الحاجبِ" الفقهي (٤)، وكان به الشريفُ التَّلمساني في أُخريات الناس، فتكلم ابنُ عبدِ السلام على آية وقعَ فيها الأمرُ بذكر الله تعالى، ورجَّحَ أن يكون المرادُ بالذكر فيها: الذكرَ (٥) اللسانيَّ لا القلبيَّ. فقال له الشريف: يا سيدي! رضي الله عنكم، قد عُلم أن الذكرَ ضدُّ النسيان، وتقرر في محله أن الضدَّ إذا تعلق بمحلٍّ، وجبَ تعلُّقُ (٦) ذلك [الضدِّ الآخرَ بعينِ ذلك] (٧) المحل، ولا نزاعَ في أن النسيان محلُّه القلبُ، فليكنِ الذكرُ بذلك عملًا بهذه القاعدة. فقال له ابن عبد السلام على الفور: يمكن أن يعارض هذا بمثله،

стр. 4522

فيقال: قد عُلم أن الذكر ضدُّ الصمتِ، ومحلُّ الصمتِ اللسانُ، فليكنِ الذكرُ كذلك (١)؛ عملًا بهذه القاعدة. * * * باب: قولهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] ٣٠٥٥ - (٧٥٢١) - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوِبهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. (اجتمع عند البيت ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ، أو قُرشيانِ وثقفيٌّ): ذكر الثعلبي والبغوي في "تفسيريهما (٢) ": أن الثقفي اسمه عبدُ يا ليل بنُ عمرِو بنِ عُمير، وختناه القرشيان (٣) ربيعةُ، وصفوانُ بنُ أمية (٤)، وقال ابن بشكوال:

стр. 4523

القرشيُّ: الأسودُ بنُ عبد يغوث، و (١) الثقفيُّ الأَخْنسُ بنُ شَريقٍ (٢). قلت: بقي عليه تفسيرُ الثالث. وفي "تفسير ابن الجوزي": نزلت في صفوانَ بنِ أميةَ، وربيعةَ، وخُبيبِ ابنِ عمرٍو الثقفيينِ (٣). (كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلة فقهُ قلوبهم): ظن الزركشي أن هذا من باب اكتسابِ المذكرِ المضافِ التأنيثَ من المضاف إليه، فأنَّثَ الشحمَ؛ لإضافته إلى البُطون، وأَنَّثَ الفقهَ؛ لإضافته إلى القلوب (٤). قلت: وهذا غلط؛ لأن المسألة مشروطةٌ بصلاحية المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلامُ هندٍ ذهبتْ. ومن ثَمَّ ردَّ ابنُ مالكٍ في "التوضيح" (٥) قولَ أبي الفتح في توجيه قراءةِ أبي العالية: ﴿يوم لا تنفع نفساً (٦) إيمانها﴾ [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل (٧) أنه

стр. 4524

من باب: قطعتْ بعضُ أصابعه؛ لأن المضافَ لو سقط هنا (١)، لقيل: نفساً (٢) لا ينفع - بتقديم (٣) المفعول -؛ ليرجع إليه الضميرُ المستترُ المرفوع الذي نابَ عن الإيمان في الفاعلية، ويلزم من ذلك تعدِّي فعلِ المضمَرِ المتصلِ إلى ظاهره، نحوَ قولك: زيداً ظلمَ؛ تريد: أنه ظلمَ نفسَه وذلك لا يجوز، وإنما الوجه في الحديث: أن يكون أفرد الشحم والفقه، والمراد: الشحوم والفهوم (٤)، لأَمْنِ (٥) اللَّبس؛ ضرورة أن البطون لا تشترك في شحم واحد، بل لكل بطنٍ (٦) منها شحمٌ يخصه، وكذا الفقهُ بالنسبة إلى القلوب (٧). * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وَ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] . وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 4525

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ". (باب: قول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]): قال المهلَّب وغيرُه: غرضُ البخاري بهذا الباب الفرقُ بين وصفِ (١) كلامِ الله بأنه مخلوق، وبينَ وصفِه بأنه مُحْدَث، وهذا قولٌ لبعض المعتزلة، وبعضِ أهل الظاهر، وهو خطأ من القول؛ لأن الذكرَ الموصوفَ بالإحداث في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] [ليس هو نفس كلام الله تعالى] (٢)؛ لقيام الدَّليل على أن المحدَثَ والمخلوقَ والمنشَأَ والمخترَعَ ألفاظٌ مترادفةٌ على معنى واحد، فإذا لم يجز وصف كلامه القائم بذاته بأنه مخلوقٌ، لم يجز وصفُه بأنه محدَث، وإذا كان كذلك، كان الذكرُ الموصوف في الآية بأنه محدَث يرجع إلى الرسول ﷺ ؛ لأنه قد سُمِّي: ذكرٌ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١] فسماه: ذِكْراً، فيكون المعنى: ما يأتيهم من ذكرٍ من ربهم؛ أي: ما يأتيهم من رسولٍ من (٣) ربهم، ويحتمل أن يكون المراد بالذكر في الآية: هو (٤) وعظُ الرسول ﷺ وتحذيرُه إياهم عن معاصي الله، فسمَّى وعظَه ذِكْراً، وأضافه إليه تعالى؛ لأنه فاعلُه في الحقيقة (٥).

стр. 4526

باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤] ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ [طه: ١٠٣]، و [القلم: ٢٣]: يَتَسَارُّونَ. (باب: قول الله : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] إلى آخره): قال ابن بطال: معنى تبويبه بهذه الآية إثباتُ العلمِ صفةً ذاتيةً لله (١) تعالى؛ لاستواء علمِه بالسر (٢) والجهر، وقد بينه تعالى في آية أخرى في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] (٣). قال الزركشي: ورُدَّ: بأنه لو كان كذلك؛ لكان أجنبياً من هذه التراجم، وإنما قصدَ الإشارةَ إلى النكتة التي كانت بسبب محنته؛ حيث قيل عنه: إنه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاواتِ الخلق تتصف بالسرِّ والجهر، وذلك يستدعي كونَها مخلوقةً. قال الزركشي: وهذا، وإن كان بحسب الحقيقة العقلية، لكنه لا (٤) يسوغ شرعاً إطلاقُه لفظاً (٥). قال ابن المنير: وكان محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ يقول: من قالَ: إن لفظي

стр. 4527

مخلوقٌ، فهو مبتدعٌ يُزْجَرُ ويُهْجَر، و (١) من قال: إن القرآن مخلوقٌ، فهو كافر يُقتل ولا يُنظر. وقال: والذي صح عن البخاري ﵀ أنه سئل عن اللفظ، وضايقه السائل، فقال: أفعالُ العباد كلُّها مخلوقة، وكان يقول مع ذلك (٢): القرآنُ كلامُ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ. وذُكر أن مسلمَ بنَ الحجاج ﵀ ثبتَ معه في المحنة، وقال يوماً الذهليُّ ومسلمٌ في مجلسه: من كان يختلفُ إلى هذا الرجل، فلا يختلفْ إلينا، فعلم مسلمٌ أنه المراد، فأخذ طيلسانَه، وقام على رؤوس الأشهاد، وبعث إلى الذهليِّ بجميع الأجزاء التي كان أخذَها عنه. ومن تمامِ رسوخِ البخاري في الورع: أنه كان يحلفُ بعدَ هذه المحنة أن الحامدَ عنده والذامَّ من الناس (٣) سواء، يريد: أنه لا يكره ذامه طبعاً، ويجوز أن يكرهه شرعاً، فيقوم بالحق لا بالحظ، ويحقق ذلك من حاله أنه لم يمحُ اسمَ الذهليِّ من "جامعه"، بل أثبتَ روايتَه عنه، غيرَ أنه لم يوجد في كتابه إلا على أحد وجهين: إما أن يقول: حدثنا محمدٌ، ويقتصر. وإما أن يقول: حدثنا محمدُ بنُ خالد، فينسبه إلى جد أبيه. ثم سئل عن وجه إجماله واتقاء ذكره بنسبه المشهور؟

стр. 4528

وأجاب بأن قال: لعله لما اقتضى التحقيقُ عنده أن يُبقي روايته عنه خشيةَ أن يكتم علماً رزقه الله إياه على يديه، وعذره في قدحه بالتأويل، خشيَ على الناس أن يقعوا فيه بأنه قد عدَّلَ من جَرَحه، وذلك يوهم أنه صَدَّقه على نفسه، فيجر ذلك إلى البخاري وهناً، فأخفى اسمه، وغَطَّى رَسْمه، وما كتم علمَه، واللهُ أعلمُ بمراده من ذلك. ولو فتحنا باباً في تعديد (١) مناقبه الجميلة، ومآثره الجليلة؛ لخرجنا عن غرض الكتاب، لكن ألمعنا بهذه البارقة قبلَ الفراغ من هذا التأليف؛ لئلا نُخليه من الثناء عليه، جزاه الله عن هذا الدين الشريف وأهله أفضلَ الجزاء بمنِّه وكرمه. * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ. وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]. وَقَالَ ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢ أو ٦٨]. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِيءٍ، فَقُلِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى

стр. 4529

اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ. وَقَالَ مَعْمَر: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] هَذَا الْقُرْآنُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]: بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠]: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ. ﴿لَا رَيْبَ﴾ [البقرة: ٢]: لَا شَكَّ. ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [لقمان: ٢]: يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ، وَمِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]: يَعْنِي بِكُمْ. وَقَالَ أَنَسٌ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالَهُ حَرَاماً إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ. (﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]): وجهُ التغاير بين الشرط والجزاء: أن الجزاء مما أُقيم فيه السببُ مقامَ المسبب؛ إذ عَدَمُ التبليغ سببٌ لتوجُّه (١) العَتْب، وهذا المسبب في الحقيقة هو الجزاء، فالتغايرُ حاصلٌ، لكن نكتة العدول عنه إلى ذكر السبب إجلالُ النبي ﷺ ، وترفيع محلِّه عن أن يواجَهَ بعَتْبٍ، أو شيءٍ مما يتأثَّرُ منه، ولو على سبيل الفرض، فتأمله. (وقالت عائشة: إذا أعجبك حسنُ عملِ امريءٍ، فقل: اعملوا، فسيرى الله عملَكم ورسولهُ والمؤمنون، ولا يستَخِفَّنَّكَ أحدٌ): أي: لا يستخفنك بعمله، فتسارعَ إلى مدحِه وظَنَّ الخيرية (٢)، لكن تَثبَّتْ حتى تراه عاملًا على ما يرضاه الله ورسوله والمؤمنون. (قال معمر: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]: هو القرآن): يعني: أن الإشارة

стр. 4530

إلى الكتاب المرادُ به القرآنُ، وليس ببعيد، فكان مقتضى الظاهر أن يشار إليه بهذا، لكن أتى بـ "ذلك" التي يُشار بها إلى البعيد؛ لأن القصدَ فيه إلى تعظيمِ المشار إليه، وبُعْدِ درجته. وفي كلام الزركشي هنا خبط (١). * * * ٣٠٥٦ - (٧٥٣٠) - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرِّقِّيُّ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِي، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ حَيَّةَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: أَخْبَرَنَا نبَيُّنَا ﷺ ، عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: "أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا، صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ". (ثنا عبد الله بنُ جعفر الرقيُّ، ثنا المعتمرُ بنُ سليمان): قيل: هذا وهم؛ لأن عبد الله بنَ جعفر لا يروي عن المعتمرِ بنِ سليمان، وصوابه: "المُعَمَّر"، بتشديد الميم الثانية (٢) وفتحها وضم الميم الأولى (٣). * * * باب: قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] أي: ضجوراً ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ٣٠٥٧ - (٧٥٣٥) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ

стр. 4531

الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَالٌ، فَأَعْطَى قَوْماً، وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا، فَقَالَ: "إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي أَقْوَاماً لِمَا في قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ". فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. (وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغِنى والخير): قال (١) ابن بطال: فيه أن المنع قد لا (٢) يكون مذموماً، ويكون أفضلَ [للممنوع؛ لقوله: "وأكل أقواماً" الحديث، وهذه المنزلة التي شهد لهم بها ﷺ أفضلُ] (٣) من العطاء الذي هو عَرَضُ الدنيا، ألا ترى أن عمرو بن تغلبَ اغتبط بذلك بعد (٤) جزعه منه؟ وفي استئلاف مَنْ يُخشى منه، والاعتذارِ إلى من ظَنَّ ظناً، والأمرُ بخلافِ ما ظنه (٥). (عمرو بن تغلب): بمثناة فوقية فغين معجمة، لا ينصرفُ للعلمية، ووزنِ الفعل. * * *

стр. 4532

باب: ذِكْرِ النبي ﷺ ورِوَايَتِهِ عنْ رَبِّهِ ٣٠٥٨ - (٧٥٣٧) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ، رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ، ﷺ ، قَالَ: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً"، أَوْ "بُوعاً". وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي: سَمِعْتُ أَنَساً، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ . (باعاً أو بوعاً): كلاهما بمعنى واحد. قال القاضي: والبوع: طولُ ذِراعَي الإنسانِ وعَضُدَيه وعَرْضِ صدره، وذلك أربعةُ أَذْرُع، قاله الباجي (١). * * * ٣٠٥٩ - (٧٥٣٩) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"، وَنسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. (عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه، قال: لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خيرٌ من يونُسَ بْنِ مَتَّى): قال الزركشي: هذه الرواية تجعلُه من الأحاديث

стр. 4533

الإلهية، وتردُّ قولَ مَنْ جعلَ الضمير في رواية: "أنا" يرجع إلى النبي ﷺ (١). * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢]: قَالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ. ﴿يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]: يَخُطُّونَ. ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]: جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَأَصْلِهِ. ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ [ق: ١٨]: مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦]: يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ: يتأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تأوِيله. ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦]: تِلَاوَتِهِمْ. ﴿وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ، ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُهَا. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: هَذَا الْقُرْآنُ، فَهْوَ لَهُ نَذِيرٌ. (وليس أحدٌ يزيلُ لفظَ كتابٍ من كُتُبِ الله، ولكنهم يحرِّفونه يتأوَّلُونه على غير تأويله): الصحيحُ أنهم بَدَّلوا ألفاظاً كثيرة، وأتوا بغيرها من قِبَلِ أنفسِهم، وحَرَّفوا أيضاً كثيراً من المعاني بتأويلها على غيرِ الوجه، فالاشتغالُ بالتوراةِ والإنجيلِ وكتابتُهما ونظرُهما لا يجوز بالإجماع، على ما (٢) نقله بعضُهم. وقد أجاز الشافعيةُ الاستنجاءَ بأوراقِها، ومقتضاه يحقق تبديلَ اللفظِ بغيره، وفيه نظر.

стр. 4534

وقد غضب النبيُّ ﷺ حين رأى مع عمرَ صحيفةً من التوراة، وقال: "لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً، لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتَّبَاعِي" (١). * * * باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: "أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلًا. قَالَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ". وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهَا، دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، وَالشَّهَادَةِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا.

стр. 4535

(﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]: استُدل به على أن أفعالَ العباد مخلوقةٌ لله تعالى. وأخذ الزمخشري يحاول (١) تنزيل الآية على معتقده الفاسد، فقال (٢): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ أي: وما تعملون من الأصنام؛ كقوله: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، ويكون الشيء الواحد مخلوقاً لله، معمولًا لهم؛ كقولكَ: عملَ النجارُ البابَ؛ أي: عملَ شكلَه، لا جوهَرَه، ولا يصح أن تكون "ما" مصدرية؛ لأدلة العقل، ولأن الله تعالى احتجَّ عليهم بكونه خالقاً للعابِد والمعبود، فكيف يكون مخلوق (٣) خالقاً (٤)، فلو قال: وخلقَ عملَكم، لم يكن للكلام طباق، ولأن "ما" في قوله: ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] موصولة، فالفرق بينها وبين الثانية تعسُّف، ولا يصحُّ أن تكون موصولة بمعنى: وما تعملون من أعمالكم، فتوافق الأولى في كونها موصولة؛ لبقاء الإلزامين في عنقك، لا يفُكُّهما إلا إِذْعانُك للحق، فإنها، وإن كانت موصولة، فقد أردت بها المصدر الذي هو العمل، وأردتَ بالأولى عين المنحوت وفيه فَكُّ النظمِ كما لو جعلْتَها مصدرية (٥). قال صاحب "الانتصاف": يتعين حملُها على المصدرية؛ إذ لم يعبدوا

стр. 4536

الأصنامَ من حيث هي حجارةٌ عاريةٌ عن الصورة، ولولا ذلك، لما خَصُّوا حَجَراً دون غيره، بل عبدوها باعتبار أشكالها، وهي أثرُ عملِهم، فعلى الحقيقة إنما عبدوا عملَهم، فوضحت الحجة في أنهم وعملَهم مخلوقان لله، فكيف يعبدُ مخلوقٌ مخلوقاً؟ وقوله: هي موصولة، فالمراد: عملُ أشكالها، مخالفةٌ للظاهر، واحتياجٌ إلى حذف مضاف؛ أي: وما تعملونَ شكلَه وصورته، وهو موضعُ لَبْس، وإذا جعل المعبود نفسَ الجوهر، فكيف يُطابق توبيخَهم ببيان (١) أن المعبودَ من صنعةِ العابد، وهم يوافقون على أن (٢) جواهر الأصنام ليست من خَلْقهم، فيكون على هذا ما هو من عملهم ليس معبوداً لهم، وما هو معبود، وهو الجوهر، ليس عملاً لهم. وقوله: المطابقةُ تنفكُّ على رأي أهل السنة؛ فإنا نحمل الأولى على المصدر، وهم في الحقيقة عبدوا نحتَهم؛ لأنها قبلَ النحت لم تُعبد، والمطابقةُ والإلزام على هذا أبلغُ، ولو كان كما قال؛ لقامت الحجة لهم، ولكافحوا، وقالوا: ما خلقَ الله ما نعمل؛ لأنا عملْنا التشكيلَ والصورة، ولله الحجة البالغة، ولهم الأكاذيب الفارغة (٣). ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]: جعله ابنُ الحاجب مثالاً لما يجبُ فيه النصبُ في باب: الاشتغال؛ حذراً من لبس المفسر بالصفة، فيوقع ذلك في خلاف المقصود.

стр. 4537

ونازعه الرضيُّ في ذلك، وقال: المعنى في الآية لا يتفاوت بجعل الفعل خبراً، أو صفةً، وذلك لأن مراد الله تعالى بكل شيء: كلُّ مخلوق، نصبتَ كُلاًّ، أو (١) رفعته، سواءٌ جعلتَ "خلقناه" صفتُه كائناً مع الرفع، أو خبراً عنه، وذلك أن قوله: (خلقنا كلَّ شيء بقدر) (٢) لا يريد به: خلقنا كلَّ ما يقع عليه اسمُ شيء، فكلُّ شيء في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]؛ لأن معناه: أنه قادر على كل ممكن غير متناهٍ، فإذا تقرر هذا، قلنا: إن معنى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]: على أن "خلقناه" هو الخبر: كلُّ مخلوقٍ مخلوقٌ بقَدَر، وعلى أن "خلقناه" صفة: كلُّ شيء مخلوق كائن بقدر، والمعنيان واحد (٣). * * * ٣٠٦٠ - (٧٥٥٥) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِم التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جُرْم وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئاً، فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ: لا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نستَحْمِلُهُ، قَالَ: "وَاللَّهِ! لَا أَحْمِلُكُمْ،

стр. 4538

وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ". فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: "أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟ "، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَا، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا، وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ! لَا نُفْلِحُ أَبَداً، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: "لَسْتُ أَناَ أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي - وَاللَّهِ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَتَحَلَّلْتُهَا". (وعنده رجلٌ من بني تَيْم الله، كأنه من الموالي): وقع في "السنن الكبير" للبيهقي: أن أخرج بإسنادٍ إلى محمدِ بنِ إسحاقَ الصنعانيِّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ المبارك، قال: ثنا الصَّعِقُ بنُ حَزْنٍ، قال: ثنا مطرٌ الوراقُ، عن زهدم الجرميِّ: قال: دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ لحمَ دجاج، قال: ادْنُ فَكُلْ، فقلت: إني حلفتُ لا آكله، فقال: ادنُ فكل، وسأخبرك عن يمينِك هذه، قال: فدنوتُ فأكلتُ، وساقَ حديثَ سؤالِ الحملان، ثم أخرجه من طريق أخرى إلى شيبانَ بنِ فروخ، قال: ثنا الصعقُ ابنُ حزن، فذكره، وقال: رواه مسلمٌ في "الصحيح" (١). وحديثُ شيبانَ عن الصعقِ بنِ حزنٍ في "مسلم" كما ذكره، لكن لم يذكر التصريح بأن الممتنعَ من الأكل هو زهدمٌ، بل ساقه محالًا على حديث أبي قلابةَ، والقاسمِ، عن زهدم الذي فيه: "فدخل رجلٌ من بني تيم الله أحمرُ شبيهٌ بالموالي، فقال له: هَلُمَّ، فتلكَّأَ، فقال له: هَلُمَّ؛ فإني رأيتُ النبي ﷺ

стр. 4539

يأكل منه، فقال الرجل: إني رأيتُه يأكل شيئاً فقذرته" الحديث، فذكر ثلاثة طرق محالة عليها ثم قال: ثنا شيبانُ بنُ فروخ، قال: ثنا الصعقُ - يعني: ابنَ حَزْنٍ -، قال: حدثنا مطرٌ الوراقُ، قال: ثنا زهدمٌ الجرميُّ، قال: دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ لحمَ دجاج، وساق الحديث بنحو حديثهم (١)، والظاهر أنهما معاً امتنعا زهدمٌ، والرجلُ التيميُّ. وقال الدارقطني: الصعقُ ومطرٌ ليسا بالقويين، ومع ذلك فمطرٌ لم يسمعه من زهدم، وإنما رواه عن القاسم بنِ عاصمٍ، عنه (٢). وقد أخرج الترمذي قصة زهدم مختصرة عن زيدِ بنِ أخزم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن أبي العوام، عن قتادة، عن زهدم، قال: دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ دجاجاً، فقال: ادْنُ فكُلْ؛ فإني رأيتُ رسول الله ﷺ يأكله (٣). وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن أبي، قال: عن زهدم الجرمي، قال: قُرِّبَ إلى أبي موسى لحمُ دجاج، فقال: ادنُ فكُلْ، فقلتُ: إني لا أُريد، إني حلفتُ أن لا آكلَها، إني رأيتها تأكلُ قَذَراً، فقال أبو موسى: أتينا رسول الله ﷺ نَسْتحمله، الحديث (٤). انتهى من "الإفهام". (فقال: والله! لا أحملكم، وما عندي ما أحملُكُم): الظاهر أنه ﷺ

стр. 4540

لم يحلفْ على عدم حملانهم مطلقاً؛ لأن مكارم أخلاقه ورأفتَه بالمؤمنين ورحمتَه بهم تأبى ذلك، والذي يظهر لي أن قوله: "وما عندي ما أحمِلُكُم" جملة حالية من فاعل الفعل المنفي بـ "لا"، أو مفعوله؛ أي: لا أحملكم في حالة عدمِ وجداني لشيءٍ أحملُكم عليه؛ أي: إنه لا يتكلَّفُ حملَهم بقرضٍ أو غيره؛ لِمَا رآه من المصلحة المقتضيةِ لذلك، وهذا في الحقيقة توجيهٌ لكلام ابن المنيرِ السابقِ، وتنزيلٌ له على ما تقتضيه قواعدُ العربية، وحينئذٍ فحملُه لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضياً لحنثه، فيكون قوله: إني - والله - لا أَحْلِفُ على يمينٍ فأَرى غيرَها خَيْراً مِنْها، إلا أَتَيْتُ الذي هو خيرٌ، وتحللتها" تأسيس قاعدة في الأيمان، لا أنه ذكر ذلكَ لبيان أنه حنثَ في يمينه، وأنه يُكَفِّرُها، وقد سبق الكلام في ذلك مسبقاً. * * * باب: قِرَاءَةِ الفاجرِ والمُنَافِقِ وأَصْواتِهم وَتلاوتِهم لا تجاوز حَنَاجِرَهُم ٣٠٦١ - (٧٥٦١) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْر، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُناَسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقّاً؟ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ كقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أكثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ".

стр. 4541

(فيُقَرْقِرُها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة): أي: يضعُها في أذنه بصوتٍ شبيهٍ بقرقرةِ الدجاجة. قال الأصمعي: قَرْقَرَ البعير: إذا صفر ورَجَّع. قال الحافظ مغلطاي: وقد روي: "كقَزْقَزَةِ الدَّجَاجَةِ"، وكلتا الروايتين صواب، يدل على صحة الرواية بالزاي روايةُ من روى، كما تقرقر القارورةُ؛ لأن القزقزةَ قد تكونُ من القارورة عند وضعِ الأشياء فيها كما تقرقرُ الدجاجة أيضاً (١). (أكثر من مئة كَذْبَة): بفتح الكاف وكسرها مع إسكان الذال المعجمة. * * * ٣٠٦٢ - (٧٥٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَخْرُجُ ناَسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ". قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: "سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ". (التَّسْبِيد): - بمثناه فوقية مفتوحة فسين مهملة ساكنة فباء موحدة مكسورة فمثناه تحتية فدال مهملة -: حلقُ الشعرِ واستئصالُه من الرأس، وقيل: هو تركُ غسلِ الرأس وتركُ دَهْنِه (٢).

стр. 4542

باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُسْطَاسُ: الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ، وَهْوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ، فَهْوَ الْجَائِرُ. (وأن أعمال بني آدم وقولَهم يوزنُ): يشير بذلك إلى الردِّ على المعتزلة في إنكارهم الميزانَ، ومذهبُ أهل السنة الإيمانُ به، وأنه حق؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]؛ أي: وزنُ الأعمال يومئذ الحق، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦، ٧]، إلى غير ذلك من الآيات، والأخبار الدالة عليه، وقد عرفه بعضهم بقوله: ما تُعرف به مقاديرُ الأعمال؛ لأن الأعمالَ أعراضٌ يستحيلُ بقاؤها، فلا توصف بالخفةِ والثقل، لكن لما وردَ الدليلُ على ثبوته، وجبَ أن نعتقده، ونَكِلَ علمَ ذلك إلى الله تعالى، ولا نشتغل بكيفيته، بل نقول: إن الله تعالى قادر على أن يعرف عباده مقاديرَ أعمالهم يوم القيامة بأي طريق شاء، ويكون ذلك ميزاناً لأعمال العبادة، على أن الموازين لا يجب أن تكون متماثلة، بل تختلف باختلاف الموزونات، ألا ترى أن الموازين غير متماثلة، بل تختلف باختلاف الموزونات؟ ألا ترى أن ميزان الحنطة والشعير ليس كميزان الذهب والفضة، وميزان أهل النحو ليس ميزان غيرهم؟ وما قالوا: من أن الله تعالى يخلق من كلِّ حسنةٍ نوراً، ومن كلِّ سيئةٍ ظُلْمَةً، فتوزن تلك الأنوارُ والظُّلَم، غيرُ سديد؛ لأن الموزون حينئذ غيرُ الأعمال، هكذا قرره بعضهم.

стр. 4543

وصرَّحَ غيرُ واحدٍ بإجماع أهل السنة على أن الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة. قال: وإن الميزان له لِسان وكِفَّتان، وإن الأعمال تمثل وتوزن. وحكى الزركشي عن بعضهم: أن رجحانَ الوزن في الآخرةِ بصعودِ الراجح، عكس الوزن في الدنيا، وهو غريب (١). ويقال: القِسْط مصدرٌ للمُقْسِط؛ يريد: بحذف الزائد، وإلا، فالمصدرُ الجاري عليه من غير حذف هو الإسقاط، لا القِسْط. * * * ٣٠٦٣ - (٧٥٦٣) - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيم". (كلمتان): خبرٌ مقدَّم. (وخفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن): صفة، والمبتدأ هو قوله: "سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، سبحانَ اللهِ العظيمِ". فإن قلت: المبتدأ مرفوع، وسبحانَ اللهِ في المحلين مرفوعٌ، أو معرب منصوبٌ، فكيف وقع مبتدأ مع ذلك؟

стр. 4544

قلت: المرادُ لفظُهما محكيٌّ. فإن قلت: كلمتان مثنى، والمخبَرُ عنه غيرُ متعدد؛ ضرورةَ أنه ليس ثَمَّ حرفُ عطفٍ يجمعهما، ألا ترى أنه لا يصحُّ قولك: زيدٌ عمرٌو قائمان. قلت: هو على حذف العاطف؛ أي: "سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، كلمتان خفيفتان على اللسان"، إلى آخره. وحُذِفَ ناصبُ "سبحانَ الله" على الوجوب؛ لأنَّه من المصادر التي وقع تبيين مفعولها بالإضافة. قال الرضي: وإنما حُذف؛ إبانةً لقصدِ الدوام واللزوم بحذفِ ما هو موضوعٌ للحدوث والتجدُّد (١). قلت: وقع له في باب الميزان من شرح الحاجبية ما ناقض هذا، وذلك أنه قال: الأصل في السلام عليكم: سلَّمَكَ الله سلاماً، ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال، فبقي المصدرُ منصوباً، وكان النصبُ يدل على الفعل، والفعلُ يدل على الحدوث، فلما قصدوا دوامَ نزولِ سلام الله عليه واستمراره، أزالوا النصبَ الدال على الحدوث، فرفعوا سلام (٢). وهذا الذي قاله هنا هو الحق، والأولُ غير مَرْضِيٍّ. وقد نص أهلُ المعاني على أنه من جملة الأسباب المقتضية لتقديم المسند تشويقَ السامع إلى المبتدأ، بأن يكون في المسنَد المقدَّمِ طولُ تشويق النفس إلى ذكر المسند إليه، فيكون أوقعَ في النفس، وأدخلَ في

стр. 4545

القول؛ لأن الحاصلَ بعدَ الطلب أعزُّ من المنساقِ بلا تعب، ولا يخفى أن ما ذكره القوم متحقق في هذا الحديث، بل هو أحسنُ من المثال الذي أورده بكثير، وهو قول الشاعر: ثَلاثةٌ (١) تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالقَمَرُ وفيه السجعُ، والمطابقة. ولقد أحسنَ البخاريُّ ﵀ حيثُ افتتحَ كتابَه بحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"؛ إشعاراً لنفِسه بالإخلاص في جمعِ هذا الكتاب، وخَتَمَه بما يقتضي أن أعمالَ العبدِ وأقوالَه توزَنُ؛ رجاءَ أن يكون تأليفُه هذا من الحسنات التي توضَعُ في ميزانه، حَقَّقَ اللهُ رجاءَهُ، ونفعَنا بما فيه، ورزقَنا عِلْمَه والعملَ به على أحسنِ الوجوه وأكملِها، والحمدُ لله وحدَه، وسبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيم، وليكنْ هذا آخرَ تعليقِ المصابيح، ومنتهى ما رَوَّحْنا به القلوبَ من فوائدِ هذا الكتاب، فحَبَّذَا هو من جامع، وحَبَّذا هي من تراويح على أَنَّا انتهينا إلى هذا الموضع، وفؤادُ المصابيح بالتلهُّب على بَسْطِ العبارة محدود، ولسانُها يتلو في جوابه هذا الجامع سورة النور، ويدُ الإسراع تدفع في صدر التأني، وتمنعُ أقدامَ الآمالِ أن تسلكَ ما تشاء من خلق التمني، والآلام قد ألمَّت بالجسد من كل مكان، وأَجْلَبَتْ فيه بَخْيلِها ورَجِلِها بحسب الإمكان، والله المسؤول أن يطوي شُقَّةَ البَيْن، ويُرينا بعدَ أهوال البحر ما تَقَرُّ به العينُ، بمنِّه وكرمِه.

стр. 4546

وكان انتهاء هذا التأليف بِزَبيد من بلاد اليمن قبلَ ظهر يوم الثلاثاء العاشرِ من شهر ربيعٍ الأولِ سنةَ عشرين وثمانِ مئة، على يد مؤلفه العبدِ الفقيرِ إلى الله تعالى محمدِ بنِ أبي بكرِ بنِ عمرَ بنِ أبي بكرٍ المخزوميِّ الدمامينيِّ المالكيِّ، حامداً لله ربَّ العالمين، ومصلِّياً على رسوله محمدٍ خاتمِ النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومسلماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكان فراغ من نساخة هذا التأليف المبارك في الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثماني مئة، أحسن الله عاقبتها ببلدة كهمايت من نسخة على نسخة نصه. * * *