عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ".
(هل تُضَارُون في رؤية الشمس إذا كانتْ صحواً): تُضَارُونَ: بتخفيف الراء؛ من الضير، والضميرُ المستكنُّ في قوله: إذا كانت؛ عائدٌ على السماء؛ لفهمها من السياق.
(فإنكم لا تُضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تُضارون في رؤيتهما (١)): هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو من أفضل ضربيه، وذلك أنه استُثني من صفةِ ذمٍّ منفيةٍ عن الشيء صفةُ مدحٍ لذلك الشيءِ بتقدير دخولها فيها؛ أي: إلا كما تُضارون في رؤية الشمس في حال صحو السماء؛ أي: إن كان ذلك ضيراً، فأثبت شيئاً من العيب على تقدير كونِ رؤيةِ الشمس في [وقت الصَّحْو من العيب، وهذا التقديرُ المفروضُ محالٌ؛ لأنه من كمال التمكُّن من] (٢) الرؤية دونَ ضررٍ يلحق الرائي، فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال، فالتأكيدُ فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة (٣)؛ لأنه علق نقيضَ المدَّعى، وهو إثباتُ شيء من العيب بالمحال، والمعلَّق بالمحال محالٌ، فعدم العيب متحقق، ومن جهة (٤) أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال؛ أي: كونُ المستثنى منه بحيثُ يدخلُ فيه المستثنى على تقدير السكوتِ عنه، وذلك لما تقرر في موضعه من أن الاستثناء المنقطع مَجازٌ،
стр. 4482
وإذا كان الأصل في الاستثناء الاتصال (١)، فذكرُ أداتهِ قبلَ ذكرِ ما بعدها يوهمُ إخراجَ الشيءِ مما قبلَها، فإذا وليها صفةُ مدح، وتحوَّلَ الاستثناءُ من الاتصال إلى الانقطاع، جاء التأكيد لما فيه من المدح على المدح، والإشعار بأنه لم يجد صفةَ ذمٍّ يستثنيها، فاضطُرَّ إلى استثناءِ صفة مدح، وتحول الاستثناء إلى الانقطاع.
(وغُبَّراتٌ من أهل الكتاب): - بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة وتخفيف الراء -: بقايا من أهل الكتاب.
(كنا نعبد المسيحَ ابنَ الله، فيقال: كذبتُم، لم يكن لله صاحبةٌ ولا ولد): صرح أهلُ البيان بأن مورد الصدق والكذب هو النسبةُ التي تضمنها الخبر، فإذا قلت: زيدُ بنُ عمرٍو قائمٌ، فالصدقُ والكذبُ راجعانِ إلى القيام، لا إلى بُنُوَّةِ زيدٍ، وهذا الحديثُ يردُّ عليهم.
وحاول بعضُ المتأخرين الجوابَ بأن قال: إما أن يراد: كذبتم في عبادتكم لمسيحٍ موصوفٍ بهذه الصفة، أو فهم عنهم: أن قولهم: ابنُ الله بَدَلٌ.
(فيكشِفُ عن ساقِه): أي: عن شدةٍ يخلُقُها، أو يكشفُ عن أمر عظيم، يريد به: هولاً من أهوال يوم القيامة.
(ثم يؤتى بالجَسر): بفتح الجيم وكسرها (٢).
(مَدْحَضَةٌ مزلة): المَدْحَضَةُ: بفتح الميم والحاء، والدَّحض: ما يكون عنه الزَّلَقُ، والمَزِلَّةُ - بفتح الميم، وفتح الزاي وكسرها -: موضعُ تلكَ الأقدام.
مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - قَالَ قَتَادَةٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَأَخْرُجُ، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ"، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذه الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ .
(قال: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يُهِمُّوا بذلك): قال الزركشي: هذه الإشارة إلى المذكور بعده، وهو حديث الشفاعة (١).
قلت: هو تكلُّف لا داعي إليه، والظاهر أن الإشارة راجعةٌ إلى الحبس المدلول عليه بقوله: "يُحْبَسُ المؤمنونَ"؛ أي: حتى يهموا بذلك الحبس.
(لو (٢) استشفعنا إلى ربنا فيريحَنا): بنصب "يريح"؛ لوقوعه في جواب التمني المدلول عليه بـ "لو"؛ أي: ليت لنا (٣) استشفاعاً فإراحةً.
(لستُ هناكم): أي: لستُ في المحل الذي تطلبونه، وهو محل الشفاعة فيكم.
(فأستأذنُ على ربي في داره): أي: أستأذنُ على ربي في حال كوني في جنته، فأضاف الدار إليه؛ تشريفاً لها؛ كما في الكعبة بيت الله.
стр. 4486
(وقعتُ ساجداً): في "مسند أحمد": أن هذه السجدة مقدارُ جمعةٍ من جمع الدنيا (١).
* * *
٣٠٣٤ - (٧٤٤٣) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ".
(ليس بينه وبينه ترجمان): وهو بفتح التاء.
قال في "الصحاح": ولك أن تضم التاء بضمة الجيم (٢)، وقد سبق في أول الكتاب.
* * *
٣٠٣٥ - (٧٤٤٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ: اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا: أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِياتٌ: ذُو الْقَعَدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ:
يَا رَبِّ! مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ - يَعْنِي -: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَداً، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثاً، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ".
(وإنه ينشئ للنار مَنْ يشاء، فيُلْقَوْنَ فيها): قال بعض الحفاظ: هذا غلطٌ انقلبَ على بعض الرواة من الجنة إلى النار، فإن الرواة الأثبات إنما أخبروا بذلك عن الجنة.
قال القاضي: هذا الذي أُنْكِرَ ليس بمنْكَر، وأحد (١) التأويلات التي قدمناها في القَدَم: أنهم قوم تقدَّم في علم الله أنه (٢) يخلقهم لها (٣) مطابقٌ للإنشاء (٤).
ووقع في حديث أبي سعيد المتقدم: "فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتي، ثم قال: فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هؤلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ" (٥)، فتمسك بها بعضُهم على (٦) إخراج غير
стр. 4489
المؤمنين، ولا متمسَّكَ (١) فيها لوجهين:
أحدهما: أنها غيرُ متصلة كما قال عبدُ الحق في "الجمع بين الصحيحين".
والثاني: أنها على تقدير اتصالها محمولةٌ على ما سوى التوحيد؛ كما تُبينه الأحاديثُ الأخرُ (٢).
* * *
٣٠٣٧ - (٧٤٥٠) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيُصِيبَنَّ أَقْوَاماً سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ".
(ليصيبنَّ أقواماً سَفْعٌ من النار): أي: علامةٌ تُغير ألوانَهم، تقول: سَفَعْتُ الشيءَ: إذا جعلتُ عليه علامةً، يريد: أثراً من النار.
* * *
باب: مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهمَا مِنَ الْخَلَائِقِ
(باب: ما جاء في خلق السماوات والأرض وغيرهما): غرضُه من هذا الباب: أن يُعَرِّفَ أن السمواتِ والأرضَ وما بينهما كلُّ ذلك مخلوق؛
стр. 4490
لقيام دلائل الحدوث بها، ولقيام برهان العقل على أن لا خالقَ إلا الله، فيبطل قول من قال: إن الطبائعَ خالقةٌ للعالَم، وأن الأفلاكَ السبعة هي الفاعلةُ، وأن النور والظلمة خالقان، إلى غير ذلك من الآراء المضِلَّة، والأقوال الباطلة (١).
وانظر هل في كلامه ما يدلُّ على أن (٢) التكوين من صفات الذات، أو من صفات الفعل؟ وهي مسألةُ خلافٍ بين الحنفية والأشعري، مقررةٌ بأدلتها من الجانبين في محلها من علم الكلام، فلا نُطَوِّل بذكرها.
* * *
باب: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
٣٠٣٨ - (٧٤٥٤) - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ: وسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ
стр. 4491
النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".
(إن خلقَ أحدِكم): قال أبو البقاء: لا يجوز في "أن" إلا الفتح؛ لأن ما قبله "حدثنا" (١).
قلت: بل يجوز الأمران الفتحُ والكسر؛ أما الفتح، فلما قال.
وأما الكسر، فإن بَنَينا على مذهب الكوفيين في جواز الحكايةِ بما فيه معنى القول دونَ حروفه، فواضح، وإن بنينا على مذهب البصريين، وهو المنع، فلا مانع (٢) أن نقدر قولًا محذوفاً يكون ما بعده محكياً به، فتكسر همزة "إن" حينئذ بالإجماع، والتقديرُ حدثنا، فقال: "إن خلق أحدكم".
(فيكتب رِزقَه، وأجلَه، وعملَه، وشقيٌّ أم سعيدٌ): "أم" هذه هي المتصلة، فلا بد من تقدير الهمزة محذوفة؛ أي: أَشقيٌّ أم سعيد؟
فإن قلت: كيف يصحُّ تسليطُ فعل الكتابة على هذه الجملة الإنشائية التي هي من كلام المَلَك؟ فإنه يسأل - ربه (٣) -: الجنينُ (٤) أشقيٌّ هو (٥) أم سعيدٌ؟ فما أخبر الله به من شقاوته أو سعادته، [كتبه الملك، ومقتضى الظاهر أن يقال: وشقاوته، أو سعادته] (٦)، فما وجه ما وقع هنا؟
стр. 4492
قلت: ثَمَّ مضافٌ (١) محذوفٌ تقديرُه: وجواب: أشقيٌّ أم سعيدٌ، وجواب هذا اللفظ: هو شقيٌّ، أو هو سعيدٌ، فمضمونُ هذا الجواب: هو الذي يُكتب، وانتظم الكلامُ ولله الحمد، وهو نظير قولهم: علمتُ لزيدٌ قائم؛ أي: جوابَ هذا الكلام، ولولا ذلك، لم يستقم ظاهره؛ لمنافاةِ الاستفهامِ لحصولِ العلمِ وتحقُّقِه.
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠]
٣٠٣٩ - (٧٤٦١) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا ناَفِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ في أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذ الْقِطْعَةَ، مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ، لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ".
(ولن تعدوَ أمرَ الله فيك): بإثبات الواو مفتوحة على القاعدة؛ مثل: "أَن تغزَو (٢) "، وفي بعض النسخ: بحذف (٣) الواو، ويتخرج على الجزم بـ "لن"؛ مثل: "لن تُرَعْ" (٤).
* * *
стр. 4493
باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
(﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلى قوله: ﴿مَدَدًا﴾): وقع لبعضهم في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦]: أن قال: معنى الكلام (١): ويستعجلونك بالسيئة (٢) دون الحسنة؛ لأن السيئة لو حلَّت بهم، وهي عقوبةُ الكافرين، لم يبق للنعمة موقعٌ، ولا في الرحمة مطمَعٌ، فلا ينبغي أن يفهم من "قَبْلَ" هنا ما يُفهم منها في قولك: وَفِّ الأَجِيرَ أَجْرَه قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ، ولا في قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [الشورى: ٤٧]؛ فإن جفافَ العرق واقعٌ لا بد، وكذلك إتيانُ اليوم، وأما الحسنةُ في حق هؤلاء، فغيرُ واقعة أبداً، ونظير هذه الآية قولُ جرير:
فَيَا لَكَ يَوْماً خَيْرُهُ قَبْلَ شَرِّهِ ... تَغَيَّبَ وَاشِيهِ وَأَقْصَرَ عَاذِلُهْ
وذكر ابن رشيق في "العمدة": أن الأصمعي قرأ هذا البيت على خلف الأحمر كذلك، فقال له خَلَفٌ: أصلحْه: فيا لَكَ يوماً خيرُه دونَ شَرِّهِ، فإنه لا خيرَ بخيرٍ بعدَه شرٌّ، فقال له الأصمعي: هكذا حفظتهُ، فقال: صدقتَ،
стр. 4494
وهكذا قاله جرير، ولكن ما زالت الرواة قبلَنا يُصلحون للعرب أشعارهم، فقال الأصمعي: واللهِ (١)! لا رويتُه إلا هكذا (٢)؛ تصويباً لإصلاح خلف.
قال ابن المنير: والظاهرُ تصويبُ جرير، وتخطئةُ ابنِ رشيق، ومَنْ روى عنه، وإنما غَلَّطْتُ هؤلاء على أنهم أكابر؛ لما هو أكبرُ من الخلق أجمعين، وهو كتابُ الله تعالى، ومثل هذه الآية قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩].
فإن "قَبْلَ" في هذا وأمثاله بمعنى دون كذا؛ إذ لا يُتوقع نفادُ كلمات الله تعالى، ولا يقع أبداً، فالمراد إذاً: لنفد البحرُ، ولا (٣) تنفدُ كلمات الله (٤)، وكذلك في البيت: فيا لك يوماً خيرُه لا شرَّ بعده، بل هذا المعنى هو الأصل في "قبل"، وإنما كثر استعمالها فيما يوجد متأخراً؛ كقولك: جاءني زيدٌ قبلَ عمرٍو، وقد جاءا جميعاً، لكن أحدهما قبلَ صاحبه، فالحقيقة منها: أن الأول جاء، ولم يجيء الثاني، وكونه لم يجيء أعمُّ من كونه يجيء بعدَ ذلك، أو لا.
* * *
باب: فِي المَشِيئَةِ وَالإرادَةِ وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
стр. 4495
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبيهِ: نزَلَتْ في أَبِي طَالِبٍ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾): قال السهيلي: لا يتعلق الاستثناء بفاعل؛ إذ (١) لم يَنْه عن أن يفعل إلا أن يشاء الله بقوله ذلك، ولا بالنهي؛ لأنك إذا قلت: أنت مَنْهِيٌّ عن أن تقوم إلا أن يشاء الله، فلستَ بمنهيٍّ فقد سلطته على أن يقومَ ويقولَ: إن (٢) شاء الله ذلك، وتأويلُ ذلك: أن الأصل إلا قائلاً: إلا أن يشاء الله، وحذفُ القول كثير. فتضمن كلامه ﵀ حذفَ أداة الاستثناء والمستثنى جميعاً (٣).
وقال ابن الحاجب في "الأمالي": الوجه فيه أن يكون الاستثناء مفرغاً؛ كقولك: لا تَجِيءْ إلا بإذن زيد، ولا تخرجْ إلا بمشيئة فلانٍ، على أن يكون الأعمُّ المحذوفُ حالاً أو مصدراً، فتقديرُ الحالِ: لا تخرج على حالٍ إلا مستصحباً [ذلك، وتقدير المصدر: لا تخرج خروجاً إلا خروجاً مُستَصحباً] (٤)؛ كقولك: ما كتبتُ (٥) إلا بالقلم، ولا نَجَرْتُ إلا بالقَدُوم، وحذفت الباء من "أن يشاء الله"، والتقدير: إلا (٦) بأن يشاء الله إلا بذكر
стр. 4496
المشيئة، وقد علم أن ذكر المشيئة المستَصْحَبة في الإخبار عن الفعل المستقبَل هي المشيئةُ المذكورة بحرف الشرط، أو في معناه؛ كقولك: لأفعلنَّ إن شاء الله، أو لأفعلنَّ بمشيئة الله، أو (١) إلا أن يشاء الله، وما أشبه ذلك.
وما ذكر من أنه استثناء منقطع، أو متصل على غير ذلك، فبعيد.
أما الانقطاعُ، فلا يتجه؛ لأنه يؤدي إلى نهي كلِّ أحدٍ عن (٢) أن يقول: إني فاعل غداً كذا مطلقاً، قيدَه بشيء، أو لم يقيده، وهو خلاف (٣) الإجماع؛ فإنه لا يختلف في جواز قول القائل: لأفعلن غداً كذا إن شاء الله، وجعلُه منقطعاً يُدرجه في النهي.
وأما (٤) ما ذكر من أنه متصل باعتبار النهي، فيؤدي إلى أن يكون المعنى: نهيتكم إلا أن أشاء، والنهيُ لا يُقيد بالمشيئة؛ لأنه إن أُريد تحقيقُ الإخبار عن نهي محقق، فلا يصح تعليقه بالمشيئة، وإن أُريد نفسُ النهي الذي هو إنشاءٌ، فلا يُقبل تعليقه على المشيئة، وإن أريد دوامُه إلى أن يأتي نقيضُه، فذلك معلومٌ من كل أمر ونهي، وكل حكم، ثم يلزم أن يكون كلُّ أحدٍ منهياً عن أن يقول: إني فاعل غداً مطلقاً؛ لأن الاستثناء بالمشيئة لم يَتعرض له، وإنما تعرض (٥) لنفس النهي، أو دوام النهي كما تقدم.
وأما ما ذكر من أنه متصل بقوله: إني فاعل، ففاسد؛ إذ يصير
стр. 4497
المعنى: [إني فاعلٌ بكل حال إلا في حال المشيئة، فيصير منهياً عن ذلك، وهو خلاف الإجماع؛ إذ يصير المعنى] (١): النهي عن أن يقول: إني فاعل إن شاء الله، وإني فاعل إلا أن يشاء الله، وهذا لا يقوله أحد.
وأما ما ذكر أن بعض المتأخرين زعمَ أن "إلا" هنا ليست باستثناء، فإن أراد أنها ليست باستثناء (اتصال، فقد تقدم الكلام عليه، وإن أراد أنها ليست باستثناء) (٢) أصلاً، لا منقطعٍ ولا متصل، فلا يصدر ذلك إلا عن جهل وغباوة، والله أعلم بالصواب (٣).
* * *
٣٠٤٠ - (٧٤٦٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ، فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ, ولَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ".
(ولا يقولَنَّ أحدُكم: إن شئتَ، فأعطني): أي: لا يشترطِ المشيئةَ لعطائه؛ لأنه أمرٌ متيقَّن أنه لا يعطي إلا أن يشاء، فلا معنى لاشتراط المشيئة؛ لأنها إنما تُشترط فيما يصحُّ أن يُفعل بدونها من إكراه أو غيره، وقد أشار ﵇ في آخر الحديث بقوله: "فَإِنَّهُ لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ".
وأيضاً: ففي قوله: "إنْ شئتَ" نوعٌ من الاستغناء عن عطائه؛ كقول القائل: إن شئتَ أن تُعطيني كذا، فافعلْ، لا يستعمل هذا - غالباً - إلا في مقامٍ
стр. 4498
يُشعر بالغِنى، وأما مقامُ الاضطرار، فإنما فيه عزمُ المسألة، وبَتُّ الطلب.
* * *
٣٠٤١ - (٧٤٦٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالُ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ، يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ، اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ، صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ".
(مثلُ المؤمنِ كمثلِ خامَةِ الزرعِ): أي: هي الطاقة الغَضَّة الرطبة أولَ ما تنبتُ على ساقٍ واحدة (١)، ضربها مثلاً للمؤمن؛ لأنه يُسَرُّ مرةً، ويُبتلى مرة، وكذلك خامةُ الزرع، تعتدل مرة عند سكون الريح، وتضطرب أخرى عند هبوبها.
(تُكَفِّئُها): - بضم تاء المضارعة وتشديد الفاء -؛ أي: تُميلها وتَقلبها من جهة إلى أخرى.
(ومثلُ الكافرِ كمثلِ الأَرْزَةِ): - بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فزاي فهاء تأنيث -: شجر الصَّنَوْبَر، كذا قال أبو عبيدة.
وقال الداودي: الأَرزة من أعظم الشجر، لا تُميل الريحُ أكبرها، ولا تهتزُّ من أسفلها.
ورواها أصحاب الحديث بإسكان الراء.
стр. 4499
وروي: "كمثل الآرِزَة" على وزن فاعلة؛ يريد: كمثل الشجرة الثابتة. ورويت بتحريك الراء، ورويناه بإسكانها، كذا في السفاقسي (١).
* * *
٣٠٤٢ - (٧٤٧٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ: قَالَ الأَعْرابِيُّ: طَهُورٌ؟ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَنَعَمْ إِذاً".
(لا بأسَ عليكَ): فهم الأعرابي أن النبي ﷺ تَرَجَّى حياتَه، فلم يوافقْ على ذلك؛ لما وجده من المرض المؤذِنِ بموته.
(فقال: بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور): أي: ليس كما رجوتَ من تأخير الوفاة، بل الموتُ من هذا المرض واقعٌ ولا بد؛ لما أحسَّه من نفسه.
(فنعم إذاً): فيه دليل على أن قوله: "لا بأس عليك" إنما كان على طريق الترجي، لا على طريق الإخبار عن الغيب.
* * *
٣٠٤٣ - (٧٤٧٣) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁
السَّائِلُ - وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ - أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ، قَالَ: "اشْفَعُوا، فَلْتُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ".
(اشفعوا فَلْتُؤْجَروا): لم أتحرر الرواية في اللام، هل هي ساكنة، أو محركة؟ فإن كانت ساكنةً، تعينَ كونُها لامَ الطلب، وإن كانت مكسورة، احتمل كونها للطلب، وكونها حرف جر، وعلى الأول: ففيه دخولُ لام (١) الأمر على فعل (٢) الفاعل المخاطَب، وهو قليل، وعلى الثاني: فيحتمل كون الفاء زائدة، واللام متعلقة بالفعل المتقدم، ويحتمل كون الفاء غير (٣) زائدة، واللام متعلقة بفعل محذوف؛ أي: اشفعوا، فلأجل أن تؤجروا أمرتُكم (٤) بذلك (٥).
* * *
باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]: وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ ؟
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 4502
وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئاً، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوِبهِمْ، وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَناَدَوْا: "مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ".
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَناَ الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ".
(ويُذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبدِ الله بن أنيس، [قال]: سمعت النبي ﷺ يقول: يَحشر الله العبادَ، فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديان): ذكر هذا التعليق هنا بصيغة التمريض، وقد علقه بصيغة الجزم في كتاب: العلم، في باب: الرحلة.
قال القاضي: والمعنى: يَجعل مَلَكاً ينادي، أو يخلق صوتاً يسمَعُه الناس، وأما كلامُ الله، فليس بحرف ولا صوت (١).
وقال القرطبي: هذا الحديث والذي قبلَه غيرُ صحيحين (٢)، كلاهما معلَّقٌ مقطوعٌ، والأولُ موقوفٌ (٣)، فلا يعتمد عليها في كون الله متكلماً
стр. 4503
بصوت؛ فإن كلامه الذي هو صفتُه منزهٌ عن الحروف والأصوات كما قامت عليه الأدلة القاطعة (١).
قلت: فسواء ثبت هذان الحديثان، أو لم يثبتا، وسواء قُطعا، أو وُصِلا، لا يكونان مستَنَدَين للقول بأن الكلامَ القديمَ من قَبيل الأصوات والحروف، وإنما المعتمدُ عليه في الجواب، بتقدير ثبوت الحديث وصحته ورفعه، هو ما قرره القاضي من التأويل، والله أعلم بالصواب (٢).
* * *
٣٠٤٦ - (٧٤٨١) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفَوَانٍ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ -، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ".
قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهَذَا.
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ.
стр. 4504
قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَاناً رَوَى عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفعُهُ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾. قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو، فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا، أَمْ لَا؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَهْيَ قِرَاءَتُنَا.
(خُضعاناً): - بضم الخاء -: مصدر خَضَع (١)؛ كالكُفْران.
(عن أبي هريرة يرفعه: أنه قرأ فُرِّغَ): بضم الفاء وكسر الراء المشددة وبغين معجمة. ويحكى عن الحافظ أبي ذر: أن هذا هو الصواب هنا.
والقراءة المشهورة: "فُزِّعَ": بضم الفاء وبالزاي المكسورة المشددة وبالعين المهملة.
وقرأ ابن عامر من السبعة بفتح الفاء والزاي.
وقد روي عن الحسن بخلافٍ عنه: ["فُزِعَ": بضم الفاء وكسر الزاي مخففة وبالعين مهملة -.
وقرأ: - بفتح الفاء والزاي المشددة والغين المعجمة: الحسن بخلاف عنه] (٢)، وقتادة، وأبو المتوكل.
وقرأ "فَزُغَ" - مخففاً مع إعجام الغين وضم الزاي - الحسن، و (٣) قتادة بخلاف عنهما.
وقد روي عن الحسن (فُرِّغَ) كما حكينا أولاً عن أبي ذر (٤).
стр. 4505
٣٠٤٧ - (٧٤٨٢) - حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ". وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِ.
(ما أَذِنَ اللهُ لشيء): - بكسر الذال المعجمة المخففة -؛ أي: ما استمعَ (١) لشيءٍ كاستماعِه لنبيٍّ.
(يتغنى بالقرآن): أي: يتلوه يجهرُ به.
(وقال صاحب له: يريد: أَنْ (٢) يجهر): قال ابن نُباتة في كتاب "مطلع الفوائد ومجمع الفرائد": ووجدتُ في كتاب "الزاهر": يقال: تَغَنَّى الرجلُ: إذا جَهَرَ بصوته (٣) فقط، قال: وهذا نقل غريب لم أجده في أكثر الكتب في اللغة.
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]
٣٠٤٨ - (٧٤٩٠) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. قَالَ: أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ، سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ، فَسَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ،
стр. 4506
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ حَتَّى يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]: أَسْمِعْهُمْ، وَلَا تَجْهَرْ، حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقرْآنَ.
(أسمعْهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنكَ القرآن): قال أبو ذر: فيه تقديم وتأخير تقديره: أسمعهم حتى يأخذوا عنك القرآن، ولا تجهر به (١).
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] حَقٌّ، ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤]: بالَلَّعِبِ
٣٠٤٩ - (٧٥٠٣) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِي".
(أصبح من عبادي كافرٌ بي، ومؤمنٌ بي): قال القاضي أبو بكر بن العربي: أدخل الإمامُ مالكٌ هذا الحديث في أبواب الاستسقاء لوجهين:
أحدُهما: أن العرب كانت تنتظر السُّقيا في الأنواء، فقطع النبي ﷺ هذه العلاقةَ بينَ القلوبِ والكواكبِ.
الثاني: أن الناس أصابهم القحطُ في زمن عمرَ بنِ الخطاب، فقال للعباس: كم بقي لنوء الثريا؟ فقال له العباس: زعموا - يا أمير المؤمنين -
стр. 4507
أنها تعترض في الأفق سبحاً، فما مرَّت حتى نزل المطر، فانظُروا إلى عمرَ والعباسِ، وقد ذكرا الثريا ونوءها، وتوكّفا ذلك في وقتها، ثم قال: إن من انتظر (١) المطر من الأنواء على أنها فاعلةٌ له من دون الله فيها، فهو كافرٌ، ومن اعتقد أنها فاعلةٌ بما جعلَ الله فيها، فهو كافر - أيضاً -؛ لأنه لا يصحُّ الخلقُ والأمرُ إلا لله؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن انتظرها، وتوكَّفَ المطرَ منها على أنها عادةٌ أجراها الله تعالى، فلا شيء عليه؛ لأن الله تعالى قد أجرى الفوائدَ في السحاب والرياح والأمطار؛ لمعانٍ ترتبت في الخلقة، وجاءت على نسق في العادة.
* * *
٣٠٥٠ - (٧٥٠٧) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ عَبْداً أَصَابَ ذَنْبًا. - وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْباً - فَقَالَ: رَبِّ! أَذْنبتُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ - فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ. أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْباً - أَوْ: أَذْنَبَ ذَنْباً - فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ - أَوْ: أَصَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً - وَرُبَّمَا قَالَ: أصابَ ذَنْباً - قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ - أَوْ: أَذْنَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَن لَهُ رَبّاً يَغْفِرٌ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بهِ؟ غفَرْتُ
стр. 4508
لِعَبْدِي - ثَلَاثاً - فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
(إن عبداً أصابَ ذنباً): ذكر في هذا الحديث (١) مواقعةَ العبدِ للذنب واستغفارَه، ومغفرةَ الله له، ففيه دليلٌ على أن المصرَّ (٢) في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقادُه أن له رباً خالقاً له يعذبه ويغفر له، واستغفارُه إياه يدل على ذلك، ولا حسنةَ أعظمُ من التوحيدِ والإقرار بوجوده، والتضرعِ إليه في المغفرة، وليس مجردُ استغفاره توبةً يقدح في كونه مُصِرّاً؛ لأن الاستغفارَ ليس شيئاً غيرَ طلب المغفرة، وقد يَطْلُبُ الغفرانَ المصرُّ والتائبُ، ولا دليل في الحديث على أنه كان قد تابَ مما (٣) سألَ مغفرتَه (٤).
* * *
٣٠٥١ - (٧٥٠٨) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ ذَكرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ - أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم - قَالَ -كلِمَةً: يَعْنِي - أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَداً، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ، أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْراً، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ
стр. 4509
فَحْماً، فَاسْحَقُونِي، أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ، فَأَذْرُونِي فِيهَا، فَقَالَ نبِيُّ اللَّهِ ﷺ : فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي! فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللَّهُ : كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي! مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ: فَرَقٌ مِنْكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا". وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا". فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: "أَذْرُونِي في الْبَحْرِ". أَوْ كَمَا حَدَّثَ.
حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: "لَمْ يَبْتَئِرْ". وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ: "لَمْ يَبْتَئِزْ". فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ.
(لم يبتئر أو لم يبتئز عندَ الله خيراً): المعروف في اللغة: "يَبْتَئِر" - بالراء -؛ أي: لم يَدَّخِر ولم يقدِّم، وأما بالزاي، فغير معروف، وليس المرادُ نفيَ كلِّ خيرٍ على العموم، بل المراد: نفيُ ما عدا التوحيد، ولذلك غفر له، وإلا، فلو كان التوحيد منتفياً أيضاً؛ لتحتم عقابه سمعاً، ولم يغفر له (١).
(قال: مخافتُك، أو فَرَقٌ منك): بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الحاملُ (٢) لي على ذلك مخافتُك، أو فَرَقٌ منك.
فإن قلت: هلا جعلته فاعلاً بفعلٍ مقدَّر؛ أي: حملَني على ذلك مخافتُك أو فرقٌ منك.
قلت: لوجهين:
стр. 4510
أحدهما: أنه إذا دار (١) الأمر بين كونِ المحذوفِ فعلاً، والباقي فاعلاً، وكونِه مبتدأ، والباقي خبر، فالثاني أَوْلى؛ لأن المبتدأ عينُ (٢) الخبر، فالمحذوفُ عينُ الثابت، فيكون حذفاً كَلَا حذفٍ، وأما الفعل، فإنه غيرُ الفاعل.
الثاني: أن التشاكلَ بين جملتي السؤال والجواب مطلوبٌ، ولا خفاء بأن قوله: "ما حملك على أن فعلتَ ما فعلت؟ " جملة اسمية، فليكن جوابها كذلك؛ لمكان المناسبة، ولك على هذا أن تجعل "مخافتك" مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: حملتني.
(فما تلافاه أن رحمه): قد أسلفنا الكلام عليه، وخرجناه على رأي السهيلي في جواز حذف أداة الاستثناء، والمعنى: فما تلافاه إلا برحمته، ومما يؤيد هذا قوله:
(وقال مرة أخرى: فما تلافاه غيرها): قال السفاقسي: وعند المعتزلة: إنما غفرَ له من أجل توبته التي تابها؛ لأن قبولَ التوبة واجبٌ عقلًا، والأشعريُّ قطعَ بقبولها سمعاً، وغيره: جوازُ القبول؛ كسائر الطاعات (٣).
قال ابن المنير: قبولُ التوبة عند المعتزلة واجبٌ على الله عقلًا.
وعندنا: واجبٌ بحكم الوعد والتفضُّل والإحسان، لنا وجوه:
الأول (٤): أن الوجوبَ لا يتقرَّرُ معناه إلا إذا كان بحيثُ لو لم يفعلْه الفاعلُ استحقَّ الذمَّ، فلو وجبَ القبولُ على الله تعالى؛ لكان بحيثُ
стр. 4511
لو لم يقبل؛ لصار مستحقاً للذم، وهو محال؛ لأن من كان كذلك، فإنه يكون مستكملًا بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقصاً لذاته، وذلك في حق الله محال.
الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل من كان يتأذى بسماعه، وينفر عنه طبعُه، ويظهر له بسببه نُقصان حال، أما من كان متعالياً عن الشهوة والنفرة، والزيادة والنقصان، لم يعقل تحققُ الوجوبِ في حقه بهذا المعنى.
الثالث: أنه تعالى تمدَّحَ بقبول التوبة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، ولو كان ذلك واجباً، لما تمدَّح به؛ لأن أداء الواجب لا يفيدُ المدحَ والثناءَ والتعظيمَ.
قال (١) بعضُ المفسرين: قبولُ التوبةِ من الكفرِ يُقطع به على الله تعالى إجماعاً، وهذه نازلةُ هذه الآية، وأما المعاصي، فيُقطع أن الله تعالى يقبل التوبة منها من (٢) طائفة من الأمة، واختُلف هل (٣) يقبلُ توبةَ (٤) الجميع؟ وأما إذا عُيِّنَ إنسانٌ تائبٌ، فيرجى قبولُ توبته، ولا يُقطع به على الله تعالى.
وأما إذا فرضنا تائباً غيرَ معينٍ صحيحَ التوبة، فقيل: يُقطع على الله بقبول توبته، وعليه طائفةٌ، فيها الفقهاءُ والمحدِّثون؛ لأنه تعالى أخبرَ بذلك عن نفسه، و (٥) على هذا: يلزم أن يقبلَ توبةَ جميع التائبين.
стр. 4512
وذهب أبو المعالي وغيره إلى أن ذلك لا يُقطع به على الله تعالى، بل يقوى في الرجاء.
والقول الأول أرجحُ (١)، ولا فرقَ بين التوبة من الكفر، والتوبةِ من المعاصي؛ بدليل: "إِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ" (٢)، والتوبةُ تجبُّ ما قبلها.
* * *
باب: كلَامِ الرَّبِّ يومَ القِيَامَةِ مع الأَنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ
٣٠٥٢ - (٧٥٠٩) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ". فَقَالَ أَنسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(أبو بكر بن عياش): بمثناة تحتية وشين معجمة.
* * *
باب: قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
(باب: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]): هذا مما استُدل به
стр. 4513
أن تكليم الله تعالى لموسى ﵊ واقعٌ على سبيل الحقيقة، لا المجاز؛ من جِهة أن الفعلَ إذا أُكِّدَ بالمصدر، امتنعَ حملُه على المجاز، وممن نصَّ على ذلك ابن عصفور في "المقرب".
واعتُرض بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦].
وقول الشاعر:
بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ ... وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جِذامِ المَطَارِفُ
فإن ذلك كلَّه مجاز، مع وجود التأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتأكيدُ بالمصدر يدفعُ المجازَ في الأمرِ العامَّ؛ يريد: الغالب.
قلت: وكان الشيخُ بهاءُ الدين بنُ عَقيل ﵀ يقول: الجوابُ عن هذا البيت يريد تحقيقاً سمعناه من (١) شيخنا علاءِ الدينِ القونويِّ، فيقول (٢): لا تخلو الجملة التي أُكِّدَ الفعلُ فيها بالمصدر من أن تكونَ صالحةً بأن تُستعمل لكلٍّ من المعنيين - يريد: الحقيقةَ، والمجاز -، أو لا يصلح استعمالها إلا في المعنى المجازي فقط، فإن كان الأول (٣)، كان التأكيد بالمصدر يرفعُ المجاز، وإن كان الثاني، لم يكن (٤) التأكيد رافعاً له،
فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ في مَسْجدِ الْحَرَامِ.
(عن شَريك بنِ عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ مالكٍ): وساق حديثَ الإسراء على الوجه المذكور في المتن، وقد نسبَ الناسُ شريكاً في هذا الحديث إلى التخليط، وأنه ساقَ فيه ألفاظاً منكرةً، وقَدَّم (١) وأَخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم من السَّموات، وقد (٢) خالفه عامةُ الحفاظ (٣) عن أنس، وقد رواه قتادة (٤) عن أنس، وأتى به ملخصاً مرتباً على ما تقدم في حديث المعراج (٥)، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس على نحو رواية قتادة (٦)، فليتمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا يقول على رواية شريك.
قاله أبو العباس القرطبي.
وانتقد القاضي في رواية شريك أشياء:
منها: ذكرُه مجيءَ الملَكِ له، وشق بطنه، وغسله بماء زمزم، وهذا إنما كان وهو صبي، وقبل (٧) الوحي.
ومنها: قوله: "وذلكَ قبلَ أن يُوحى إليه"، وذكر قصة الإسراء،
стр. 4518
ولا (١) خلاف أنها كانت بعد الوحي (٢).
وقد قال غير (٣) واحد: إنها كانت قبل الهجرة بسنة، وقيل: قبل هذا.
وأجيب عن الثاني: بأن المراد: قبل أن يوحى إليه في بيان الصلاة، أو الإسراء، ونحو هذا.
وأجراه ابنُ أبي شامة على ظاهره ملتزماً أن الإسراء كان مرتين: قبل النبوة، وبعدها.
وانتقد ابنُ حزم فيه أيضاً قولَه: "ودَنَا الجبارُ"، وعائشة تروي عن رسول الله ﷺ : أن الذي دنا منه هو جبريل.
وأجاب ابن الجوزي: بأن هذا كان مناماً، وحكمُ المنام غيرُ حكمِ اليقظة.
ورده الزركشي بأن رؤيا الأنبياء وحي (٤)(٥).
* * *
باب: كلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
٣٠٥٤ - (٧٥١٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْماً يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُل مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ
стр. 4519
فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجبَالِ، فَيقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا بْنَ آدَمَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ"، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَجدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارِيّاً؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ، فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
(فيقول الله : دونك يا بن آدم؛ فإنه لا يُشبعك شيء): هذا هو الباعثُ على إدخالِ هذا الحديث في ترجمة كلام الله تعالى مع أهل الجنة.
فإن قيل: قولُه: "لا يُشبعك شيءٌ" معارَض بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨].
فالجواب: أن نفي الشبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة، وهي الكفاية، وأكلُ أهلِ الجنة لا عن جوعٍ أصلاً؛ لنفي الله له عنهم.
واختُلف في الشبع، والمختار: أن لا شِبَعَ (١)؛ لأنه لو كان فيها (٢)؛ لمنعَ طولُ الأكلِ المُسَتلذِّ منها مدةَ الشِّبَع، وإنما أراد بقوله (٣) لابن (٤) آدم: "لا يُشبعك شيءٌ": ذَمَّ تركِ القناعة مما كان فيه، وطلب (٥) الزيادة عليه (٦)، وروي: "لا يَسَعُكَ شَيْءٌ"؛ من الوُسْع.