← История

История · id 166

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

شافع بن علي

Полный текст (185 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وحقّق بائتلاف القلوب أنّه غراب جمع لا غراب بين. وأجلس، وأخرج هدنة الملك الظاهر المشمولة بخطّه، وأحضرنا نحن نسختها المدّخرة عندنا، وشوهد منها ما يسمح به الملك الظاهر و (ما) (١) فيه شحّ، وقوبل بها حرفا حرفا، وأوجبت موافقتها أن يقال: قوبل فصحّ. إلاّ أنّا لمّا وصلنا إلى مدينة عرقا (٢)، وهي من أجلّ بلادهم وأعظمها نفعا قال له الصاحب فتح الدين صاحب الدّيوان: يا وزير، إلاّ أن هذه عرقا (٢) لا ينسحب عليها حكم الهدنة. ذكر السبب فيها كان الملك الظاهر قد هادنهم (٣) على شرط أن يقوموا بآلاف من الذّهب / ١٠٩ أ / وآلاف من الأسرى المسلمين، وتوجّه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار لقبض الذهب وتسليم الأسرى، فأقام عندهم ستّة أشهر وهم يخاتلونه ويراوغونه ويدافعونه انتظارا للغرضيّات، وهي عادتهم - لعنهم الله تعالى. . فتحيّل الأمير سيف الدّين إلى أن حضر إلى الملك الظاهر هاربا، فأوقع الملك الظاهر الحوطة على هذه عرقا من أوّل الهدنة وإلى أن مات (٤). فلمّا قيل للوزير غراب: إنّ هذه عرقا لا تدخل في الهدنة، فهم الصورة، وأخذ في المحاججة عنها، وأنّ التأخير إنّما كان ليحصل المال وتحضر الأسرى من البلاد. فقال له صاحب الدّيوان: كنتم سيّرتموهم في السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة! فلمّا لم يجد له مخرجا من أمره ولا موضعا لمكره وافق على أن يؤدّوا المال والأسرى، وقال: نريد مرسومكم بأن نحاسب على ما قبضه الملك الظاهر من هذه عرقا في مدّة عشر سنين، علما منه بأنه يفضل لهم لا عليهم.

стр. 142

فانزعج عليه صاحب الديوان / ١٠٩ ب / المذكور. واستفهم مولانا السلطان الصورة، فجذب عليه النّمشاه (١) وكاد أن يأخذ رأسه. فقلت - وكان أكبر أمراء المشور وهو الأمير علاء الدين طيبرس (٢) الوزيري يسمعني -: نحن في مجلس تحاكم وتناصف وتشارع، لا مجلس حرج. ولما قاله جواب. فقال لي: وما جوابه؟ فقلت: إذا رسم مولانا السلطان جاوبته وحاججته. فرسم لي. فقلت له: يا غراب، إنّما احتاط الملك الظاهر على هذه عرقا نكاية لكم، لا أن يرفق بكم، ويأخذ المال مقسّطا. ثمّ إن العوامل بهذه البلدة والتقاوى (٣) والفلاّحين منه لا منكم، وبنوّابه لا بنوّابكم، وأرضها مملوكة له بالسيف، لا بل والكلّ، لأنّ الهدنة قد فسدت بإخلافكم بالشرط، وإنّما هو أبقى عليكم بأخذ البعض، وقابلت (٤) فاسده بالصّالح، وإن كان مقابلة الفاسد (بالفاسد) (٥) من وجوه النظر. واندفعت عليه اندفاع السّيل فبهت الذي كفر. فوافق، وما نافق. واستقرّت الهدنة على هذا الشرط (٦). وأمر مولانا السلطان الأ (مير) (٧) سيف الدين بلبان الرومي الدوادار أن يتوجّه لتحليف الإبرنس وقبض المال، وأن أتوجّه معه / ١١٠ أ / فتنصّلت لأمرين: أحدهما: متابعة أمر قريبي صاحب الدّيوان في أن لا أفارقه. والآخر: الفكرة في العقبى والمآل (٨).

стр. 143

[فتح طرابلس الشام] واتّفقت وفاة هذا بيمند بن بيمند (١) إلى لعنة الله تعالى، وفسد نظامها، وتعدّت أقوامها، وساء مستقرّها ومقامها، وتعدّى ضررها، وتطاير شررها، وكثر غررها، وطمع غررها، فلم يسع مولانا السلطان إلاّ معاجلتها ومفاجأتها (٢)، فخرج إليها بعساكره، فما لبث أن ملكها (٣)، ولا ونى أن استهلكها (٤). [التهنئة بفتح طرابلس الشام من إنشاء ابن الأثير] وفي فتحها ما كتب الصّدر، الفاضل، البليغ، البارع، تاج الدّين أحمد بن سعيد المعروف بابن الأثير، الكاتب الحلبي، وهو الكاتب الذي لا يبارى قلمه،

стр. 144

ولا يضاهى كلمه، ولا يكمل كاتب لإلاقة دواته، ولا لمعارضة أدواته. كتب مهنّيا بفتحها للملك المظفّر شمس الدين صاحب اليمن (١) كتابا، وهو: «أعزّ الله أنصار المقام العالي، المولوي، السلطاني (٢)، المظفّري، الشمسي، ولا زالت أولياه في نصرة الإسلام (٣) مشمّرة الذّيل، ملحقة الخيل (٤) / ١١٠ ب / بالخيل، مقبلة على الجهاد إقبال السّيل، مايلة إلى جهة النصر كلّ الميل، عاقدة (٥) سنابك جيادها سماء (٦) نجومها الأسنّة وعجاجها الليل. تنشد الإسلام ضوالة الشوارد (٧)، وتخلي من أعدائه المعاقل، وتحلّ منهم المعاقد (٨)، إلى أن تبلغ أقاصي المراد، وتملك نواصي العباد، وتفترع صياصي البلاد، ويطيع من [في] (٩) الأرض عواصي البلاد (١٠) والوهاد. (التّهاني) (١١) من عادتها (١٢) أن تستدعي سرور القلوب، وتستخرج من الحمد خبايا (١٣) الألسنة إذا استخرج سواها خبايا الجيوب. وتسري في النفوس مسرى (١٤) الأرواح في الأجسام، وتقبل على الآمال (١٥) إقبال الأنوار على الظلام. لا سيما بتهنية دلّت على إدالة الحقّ (على الباطل) (١٦) وإعادة الحلى (١٧) إلى العاطل، وتقاضت الدّيون المنسيّة، وأذكرت الإسلام وقائعه الأمسيّة، وأخذت ثاره

стр. 145

ممّن أخفر له الذّمم، واستعادت من خدّه صعر أو في أنفه شمم (١)، وإذا كانت بهذا الوصف كانت في المرج أمرع، وإلى القلوب أسرع، ولمرعى القبول (٢) أمرع. ترتاح إليها الأسماع والأبصار، وتودّ كلّ جارحة لو كانت فيها من المهاجرين والأنصار. ومن حقّها أن ترفع (٣) لها الحجب، وترقل (٤) بها المحامل أرقال (٥) النجب. لتستدعي من (٦) لطف الله بدينه الذي ارتضاه، وتحمده على الإعانة لسيفه (٧) الذي جرّده وانتضاه. وهذه الخدمة تقصّ من أنباء البشرى كلّما يسري ويسرّ، ويمري أخلاف (٨) النصر ويمرّ. وتظهر منه عناية الله بهذه الأمّة التي خصّها (منه) (٩) بالمقة (١٠)، وخصّ عدوّها بالمقت. وأنّ حقوقها لا تضاع وإن اغتصبت في وقت. وهو الهنا بما تسنّى من فتح طرابلس الشام، وانتقالها من بعد الكفر إلى الإسلام (١١). وهو فتح طال عهد الأسلام بمثله، وفتح فتّ عضد (١٢) الشرك وأهله. لم يجل أمره في خلد ولا فكر، ولا ترقّت إليه نعمة عوان (من النوب) (١٣) ولا بكر. طريدة فكر ساقتها (١٤) العزائم، وضالّة أمل (١٥) ما نشدتها الأماني إلاّ عادت عنها وقد جرّت (١٦) ذيول الهزايم، ومرّت عليها

стр. 146

الأيام والليالي، وعجز عنها من كان (١) في العصور الخوالي. ولم تزل الملوك تتحاماها، / ١١١ ب / وإذا أخطرتها (٢) الظنون في بال تخشى أن تحلّ حماها. وكنّا لمّا أفضى الله تعالى إلينا بأمر الملك (٣)، وأنقذ (٤) بنا من الهلك، عاهدناه على أن نغزو أعداءه برّا وبحرا، ونوسع (به) (٥) من كفر به قتلا وأسرى (٦). ونجعل شعائر (٧) الجهاد منصوبة، ونسترجع حقوق الإسلام المغصوبة (٨). ونورد المشركين موارد الحرب المفضية بهم إلى الحرب (٩)، ونجليهم عن البلاد (كما أمر رسول الله ﷺ (١٠) بإجلاء (١١) طوائف المشركين عن جزيرة العرب. فلمّا أمكنت الفرصة (١٢)، وأخذنا في أمرهم بالعزيمة دون الرخصة، جئناهم بمثل السّيل إذا طمى، والسّحاب إذا همى (١٣)، والبحر وأمواجه، والبرّ وفجاجه، والليل ونجومه (١٤)، واللّيث وهجومه (١٥)، فزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم، وأذقناهم بأسنا مرّة ومرّة، وعرّفناهم أنّ ما كلّ بيضاء شحمه، ولا كلّ سوداء فحمه، ولا كلّ حمراء جمرة (١٦)، وبرزنا إليهم (بشقائهم) (١٧) لشقاقهم (١٨) وسددنا

стр. 147

عليهم آفاق (١) نفاقهم. (وأنهضنا إليهم همّة الهمّ، وجعلنا عليهم ظلّة من غيم الغمّ) (٢) وقصدناهم في وقت / ١١٢ أ / تجمّعت (٣) فيه أشتات الشّتى (٤)، ولبّت فيه ندا الأندى (٥). في طرق خفيّة المدارج، أبيّة المعارج (٦)، ملتبسة المسالك، ممتنعة على السّالك. صيفها شتى (٧)، وصباحها مسا، شايبة المفارق بالثلوج، (منهلّة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج) (٨)، مزرّرة الجيوب على أكمام الغيوم (التي ما لملابسها) (٩) من فروج. ولم تزل أقران الزّحف في غدران الزعف (١٠) ترميهم بالقوارص، وتأتيهم من الباس بما ترعد منه (١١) الفرائص. وقلب لهم ظهر المجنّ، فتطرق أقبيتهم من الحرب بكلّ فنّ. وتقرّب الأسوا (١٢) من الأسوار. وتمزج لهم الأدواء في الأدوار. وتبعث إليهم السهام برسل المنايا، وتحذّرهم أن يغترّوا بما يسمعونه من حنين المنايا (١٣)، وتجمع لهم من جفوة الجفاتي، ورزيات (١٤) الزّيارات، وترميهم (١٥) من قساوة القسيّ بما يشغلهم عن مداراة نوب النوب المدارات، وتسلك بهم من المضايقة (١٦) كلّ مسلك. وتجلو عليهم صورة (١٧) المنازلة فتخرجهم من (مطلب) (١٨) وتدخلهم في مهلك (١٩). إلى

стр. 148

أن وهى سلكها (١) / ١١٢ ب / ودنى (٢) هلكها. ورخص منها ما غلا، وسفل منها ما على (٣)، ففتحناها وأبحناها، وخلّيناها، وقد أخليناها مقفرة المغاني، خالية الألفاظ من المعاني، خاوية على عروشها، موحشة من أنيسها (٤) أنسة بوحوشها. قد أمست كالّذي ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٥) وأضحت (٦) ﴿حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.﴾ (٧) وأمّا من بقي من العدوّ بالسّاحل فقد تركناهم مسلوبين المزايا، مشغولين بالرزايا (٨). أذلّهم عدم النّصير، وأصارهم الخوف شرّ مصير (٩)، وتبدّلوا بليل (١٠) الهمّ الطويل عن يوم اللهو القصير. وهذه المدينة لها ذكر في البلاد، ومنعة كانت قد ضربت دون العزم بالأساد (١١)، فتحت في صدر الإسلام في زمن معاوية بن أبي سفيان، ﵀ (١٢)، وتنقّلت في أيدي الملوك (١٣) وعظمت في زمن بني عمار (١٤)، وبنوا بها «دار العلم» (١٥) المشهورة في التواريخ.

стр. 149

ولمّا كان في آخر الماية الخامسة وظهرت طوائف الفرنج بالشام، واستولوا على البلاد. وامتنعت هذه المدينة عليهم، ثمّ ملكوها في سنة ثلاث وخمس ماية (١). واستمرّت / ١١٣ أ / في أيديهم إلى الآن (٢). وكان الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما منهم إلاّ مشغول بنفسه، مكبّ (٣) على مجلس أنسه، يصطبح في لهوه ويغتبق، ويجري في مضمار لعبه ويستبق (٤). قد بلغ أمله من الرتبة، ومنع من ملكه كما يقال بالسّكّة والخطبة. يرى السلامة غنيمة، وإذا عنّ له وصف الحرب يوما لم يسأل منها إلاّ عن طرق الهزيمة. أموال تنهب، ونفوس (٥) تذهب. وقد تجاوزت حدّ إسرافها، وبلاد تأتيها (٦) الأعداء فتنقصها من أطرافها. لا يبالون بما سلبوا، فهم كما قيل فيهم وفي أمثالهم: إن قاتلوا قتلوا ... أو طاردوا طردوا أو حاربوا حربوا ... أو غالبوا غلبوا إلى أن أوجد الله من أوجده لنصر (٧) دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها، وردّ ضالّة العزّ (٨) بعد فوتها. ورجوا (٩) بقدرة الله ولطفه أن تفترع ممالكهم ذروة ذروة، ونأتي / ١١٣ ب / إلى عقد قوانينهم (١٠) فنحلّها عروة عروة (١١). ونخلي ديارهم من ناسهم (١٢)، وتطهّر الأرض من أدناسهم (١٣). ونجدّد

стр. 150

للأمّة قوّة سلطانها، ونعيد كلمة الإسلام (١) إلى أوطانها. إلى أن نلقى الله تعالى بيض الوجوه، ونجد في مجازاته ما نرجوه. والله تعالى يثبت في صحائف المولى أجر (هذا) (٢) السرور بهذه المتجدّدات، التي بها يعظم (٣) أجر الحامد والشاكر. ونجعل له أوفى نصيب من ثواب (هذه) (٤) الغزوات التي أنجد فيها (٥) بهمّته العالية والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر» (٦). إنتهى كلامه. [كتاب تهنئة للمؤلّف بفتح طرابلس الشام] وللمملوك جامع هذه السّيرة في المعنى: «أعزّ الله أنصار المقام العالي ولا زال يسرّه ما يجدّده الله تعالى للإسلام من فتوح، وييسّره من نصرة ما زال طرف الأمل لها الطّرف الطموح. ويردّه عليه من ضالّة طال إنشادها ولا بارقة كما شاء الله لردّها تلوح. الملوك تخدم خدمة يتأرّج شذاها / ١١٤ أ / العطر الأنفاس، ويهدي إليه من ثنائه ما لا ينضبط بقياس. ومن دعائه ما لم يزل كفّه به مبسوطا، ومن ابتهاله ما غدا (٧) بسبب الإخلاص منوطا. وينهي أنّنا لما نتحقّقه من ولائه الأكيد، وخلوص وداده الذي جمع بين القلوب من قريب بمواصلة إتحافاته ومن بعيد. لا تتجدّد لنا نصرة إلاّ ونتحفه بأنبائها، ونشافهه بما يتهيّأ من أوائلها وأواخرها وأثنائها. ونحضره بكتبنا المبسوطة وإن كان غائبا، ونشهده بنصّ قلمها الذي ما يزال خاطبا للودّ وبه مخاطبا. سنن

стр. 151

جرت عليه عادة ذوي الموالاة، ومألف ألفه أهل المغالاة في المصافاة. وقد علم الله أنّا نميّزه على غيره، وإن سار في الترامي إلى موالاتنا كسيره، ونوثر جانبه، ونيسّر مطالبه، كلّ ذلك أوجبه حسن تأتّيه، واقتضاه جميل تأنّيه. وحكم به ما بين القلوب من الأسلاف، والخواطر الواردة من المصافاة كلّ صاف. وعلى أثر ذلك فإنّه قد علم أنّا منذ أفضت نوبة الملك إلينا، / ١١٤ ب / ونصّ بها أمير المؤمنين علينا، عاهدنا الله أن لا نفتر عن الجهاد في سبيله طرفة عين، وأن (نزال ندأب أو (نستخلص من) (١) مغتصب الممالك كلّ دين. فما مرّ وقت إلاّ عن نصر مجدّد، وظفر عن بيض سيوفنا وحمرة نجيعها يتولّد. وعاص يطيع بأول بارقة، ومشاقق مال إلى السّلم بما دهمه من الأنباء الصادقة. وعدوّ غزوناه في عقر داره، واستسلّيناه بزمام الظّفر من بين أنصاره. وحصن أخذناه من مأمنه، ومسكن منيف أخليناه من سكنه. وكانت طرابلس الشام ضالّة في يد الفرنج منذ زمان، ومغتصبة لم ينهض باسترجاعها قوّة (ذي) (٢) سلطان، ومرّت عليها دهور فدهور. واستمرّت في يد الكفر إلى أن أخرجها الله تعالى بعزائمنا من الظلمات إلى النور. على أنّ هذا الحصن كان منيعا وهو في يد بني عمّار إلى الغاية والنهاية، وحاصره الفرنج مدّة سنتين. واقتضى طول المحاصرة أن بنى الفرنج أمامه حصنا (٣) أروا به من شدّة المنازلة الآية فالآية. واقتضى طول / ١١٥ أ / سنيّ هذه المنازعة، أن خرج ابن عمّار صاحبها منها مستنصرا بملوك الإسلام (٤)، من طول سوء المقام بذلك المقام.

стр. 152

واستناب بها أخاه (١)، وكان ممرورا (٢) فصعد إلى أعاليها ونادى العدوّ، وقد أضجره، لتسليمها، فبادر وتسلّمها، وللوقت تسنّمها. واستمرّت بيد الكفر إلى أن أتاحنا الله لارتجاعها، وأتى بنا فأثابنا باستنقاذها من يد الكفر وانتزاعها، فرحلنا إليها من كرسيّ مملكتنا بعساكرنا التي محت بياض النهار بكثرة سوادها، (وسواد الليل بنهار بيض سيوفها الهاجرة دون بلوغ العرض موطن أغمادها) (٣). وكاثرت الرمل في العدد. والشتاء قد زرّر جيوب الغيوم دون الشمس والقمر، وحجبها عن العيان بتكاثفها فلا عين لها ولا أثر. والثلوج قد أظلمت لبياضها المسالك، وقطعت الطرق دون السالك. والأمطار منسكبة كأفواه القرب، والجمال بثقل أحمالها بمرسل القطار قد حزّها القتب. والسّيول متوافية من جبال تلك الأودية، متراسلة من تلك الأندية. منصبّة / ١١٥ ب / على الخيام التي لم تكن في دفعها مجدية. والرعود ترعد منها الفرائص، والبروق تأتي في خطف الأبصار بالقوارص فالقوارص. لا الشمس تظهر فتصطلى جمرتها، ولا النار تشبّ فترى مع ما تكنّسه من بياض الثلوج حمرتها. وكلّ يد مضمومة، إلى جناحها مكفوفة. لا تستطيع أن تروض عنان الفرس فتردّها عن جماحها. وجنودنا غير ضجرة من طول هذه الشقّة، متلذّذة بتضاعف الأجر كيف والأجر على قدر المشقّة. لا يستوقفهم عن ذلك أمر مهول، ولا يثني عنانهم دون بلوغ السّول. ولا يتثبّتون في اقتحام مخاضه، ومن اعتاد خوض المنايا فأهون ما تمرّ به الوحول. ونحن في ساقتهم على عادتنا في اصطلاء حرّ (٤) الغزوات وبردها، لا نتحصّص عنهم في تجشّم صابها ولا بلذيذ شهدها. نتلقّا (٥) الواردات السمائية والأرضيّة

стр. 153

بالرضى والتسليم، ويتساوى في عزمنا الصّبح البهيّ والليل البهيم. لا يهولنا البتّار، / ١١٦ أ / فكيف القطار، ولا العساكر، فكيف الليل العاكر. ولا العدوّ الطروق، فكيف لمعان البروق. ولا ترادف النصول، فكيف تهادي السّيول. ولا تصويب الرماح. فكيف هبوب الرياح. وهل ذاك عندنا إلاّ أهون ما يكون، وهل السّكون إلاّ ضدّ في (موطن الحركة) (١)، ولا شبهة في أنّ الحركة ضدّ السكون. ولم نزل نقدّ أديم الأرض سيرا حتى حللنا بساحتها ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٢). ونزلنا فقطعنا منهم الوتين. وحين خفقت أعلام نصرنا خفقت قلوبهم رعبا، وعلموا أنّا لا نثبت دون أن نأخذهم وثبا. وسقط في أيديهم (وخرس) (٣) من الرعب لسان معيدهم ومبديهم. وأغلقوا دون أرواحهم من الأسوار أبوابا، وهالهم ما شاهدوه وقال: ﴿الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٤). وخارت قواهم، وعلموا أنّ نار اقتداح زند سيوف النصر مأواهم. وللوقت أحطنا بهم البلا، وأسأنا لهم الابتلا. وصببنا عليهم عذاب حجارة المجانيق صبّا، (وراسلناهم بالسّهام مراسلة من غدى (٥) بصبّ دمائهم صبّا) (٦). وأريناهم / ١١٦ ب / بشدّة عزائمنا كيف يكون اقتلاع القلاع. وبتدقيق حيلتنا كيف التوصّل إلى نزع الأرواح من الأجساد من غير نزاع. وتنوّعنا في الفتك بهم، وبلغنا في تهيئة (٧) أسباب هلكهم دون مطلبهم. فمن نقوب مترادفة، وجفاتي (٨) تتبع الرادفة منها الرادفة، وصيحات منها قلوبهم يومئذ واجفة، وأمطرنا عليهم من المجانيق مطر السّوء، وأثرنا عليهم منها أقبح نوال (من النوء) (٩). وأصرنا عاليها سافلها، وبازغها آفلها، وطولها عرضها، وسماها أرضها،

стр. 154

وأخذنا (ها) (١) أخذ عزيز مقتدر، وملكناها ملك حازم مبتدر. وتسلّمناها عن يد وهم صاغرون، واستعدناها بعد الكفر إلى الإيمان وهم راغمون. وكان يومها و (هو) (٢) يوم [الثلاثاء] (٣) (. . .) (٤) من سنة ٤ ربيع ٢ (. . .) (٥) يوما مشهودا، ووقتا من أجلّ أوقات النصر معدودا. ولو شاهد الملك حسن صنعنا في استئصالها، وقوّة بأسنا في نضالها. وكيف قبّلت أبراجها بين يدينا الثّرى، وكيف مسحنا / ١١٧ أ / من بها بالسيف حتى غدوا ولا أذن تسمع ولا عين ترى. وكيف علت صفر بيارقنا (٦) فوق أسوارها خلوقا بخلوّها من بني الأصفر (٧)، وكيف أعلن بكلمة الأذان عوض الناقوس بقول «الله أكبر». وسرّه أنّ في أوليائه من يجاهد عن دين الله بالمال والنفيس، ومن يعيد إلى دين الإسلام في اليوم ما كان في الكفر بالأمس. ولا مدّهم بذخائره التي لا تغني عنه إن لم يمدّ بها أنصار الله شيّا، ولا يستظلّ بسيوف الله المجرّدة لكبت أعدائه فيّا. على أنّا رمينا عنه إذ حضرنا وغاب سهاما فسهاما. وذكرناه في مواقفنا التي بلغت مراما (٨) من أعداء الله فمراما. وكتابنا هذا، وقد نظمت هذه القلعة في سلك فتوحنا المتعدّد، وضمّت إلى مسترجعاتنا من يد الكفر التي بها نتنسّك ونتعبّد. وقد ملئت الدنيا ببشائر محلّق (٩) أعلامنا، واستبشرت الأمّة بقوّة اعترامنا. وسنعقّب هذه الخدمة بأختها في النصر والظّفر، ونتلوها / ١١٧ ب / بسور النصر البادية له في أحسن الصّور. والله تعالى يعيننا على مبهجات نتقرّب بها إلى الله تعالى وإليه، ونقصّ بها أحسن القصص عليه. بمنّه وكرمه» (١٠)

стр. 155

ذكر أمر مهادنة عكّا كانت هدنة عكّا المذكورة أيضا قد انقضت، وعهود موادعتها قد انتقضت. وسنيّها قد تولّت، وأيدي مجاوريها لكفّ عدوان أهلها قد تولّت. فحصروا من غير حصار، وسلّم الله من غير مهاجرين إليها بأنصار. ولمّا استحكم أمر مولانا السلطان واستفحل، وروّى بماء سيفه ما كان من المهابة السلطانية قد أمحل. وتحقّق الفرنج بعكّا أنّهم لا قرار لهم إلاّ بالمهادنة السلطانية، وأنه لا هدوء إلاّ بالموادعة التي تقارن معها العمل النّيّة. فبادر المقدّمون بها، وهم «افرير كليام ديباجوك» (١) مقدّم / ١١٨ أ / الدّيويّة (٢)، وافرير كليام جوان (٣) دمونفرت (٤) مقدّم بيت الإسبتار، وافرير كليام الرن (٥) (مقدّم بيت اسبتار الأمن) (٦)، والكوند روجير (٧) نائب المملكة بها (٨)، إلى إنفاذ رسلهم إلى أبواب مولانا السلطان بالتّقادم النفيسة، على هممهم الخسيسة، وبذلوا من التضرّع والسؤآل، ونفيس الأموال، ما لا عنه مزيد، وتضرّعوا لسلطانه تضرّع العبيد. ورأى مولانا السلطان أنّ مهادنتهم أولى، وأخذ رأي أمراء مشوره، فرأوا أنّ

стр. 156

المصلحة في (ذلك، وقال) (١): لأنّ هذه عكّا فندق. تتردّد إليه تجّارنا، وتحضر منه ما يتّسع معه إيثارنا. هذا مع ما أورده من وجوه النفع في الصّلح معهم (مصلحة أم لا) (٢). فرأوا المصلحة فيما رآه. وأخمدوا وارد تضرّعهم بتبليغ أملهم عاقبة يسراه. وحرّرت الهدنة معهم على نسق الهدنة الظاهرية، بعد مجاذبة منّا لهم، وموافقة أيسوا مع السّلامة بما منانا (٣) لهم، واستقرّ أمرها، وعادت إليهم رسلهم ورسلنا لتحليف مقدّميهم المذكورين / ١١٨ ب / على ما استقرّ، فبادروا إلى الطاعة، وأظهر كلّ منهم الوفا، وأظنّ أنه أسرّ (٤). هذه صورة الحال فيها. ذكر سلطنة مولانا السلطان ولده الملك الصالح علاء الدين ولمّا فرغ مولانا السلطان ممّا ذكرناه من المهمّ المقدّم، وأمن غائلة ما كان من الهمّ قد أظلم، وصفي (٥) له الوقت، وحلّ بمن تطاول إلى ما لا يستحقّه المقّت، ولم يبق قدّامه عدوّ منافس، ولا خصم يكون به وجه أمله المتبسّم عابس، رأى أن يشدّ عضده بعضده، وأن يورده في كفالة المسلمين على مورده، وأن يتكثّر بإعانته، وإذا كان المرء كبير (٦) بأخيه فأجدر أن يكون كبيرا بولده. وهو المقرّ العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، خلّد الله دولته ودولة أبيه خلود (٧) / ١١٩ أ / الأيام، وعضدهما على المعاضدة في مصلحة الإسلام.

стр. 157

ولمّا قوي ذلك في عزم مولانا السلطان، ورأى أنّه من تمام الإحسان، عهد إليه بما عهد إليه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد (١) من السلطنة المنيفة، والمملكة التي بها أماير السعادة مطيفة. وفوّض له كلّما هو مفوّض إليه من حلّ وعقد، ومؤجّل ونقد، وأوامر ونواهي، وحكم وإحكام، ونقض وإبرام، وتولية وعزل، وجدّ ولا هزل، فاقول (٢) وهزل. وجعل له أن يكتب الكتائب، وينجح المطالب، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويشرّف المراسيم بقلمه، ويشنّف الأسماع بممتع كلمه. كلّ ذلك حسبما فوّضه إليه أمير المؤمنين. وجعل له تفويضه، وفرضه له علما منه أنه نعم المولى في أداء كلّ سنّة وفريضة. وقرن اسمه باسمه واسم أمير المؤمنين على رؤوس المنابر، ونوّه من قدره إذ جعله له أعظم موازر. وجلس مولانا السلطان / ١١٩ ب / بالإيوان الكبير المجاور لجامع القلعة للتحليف لولده، وجلست بين يديه للتحليف، فلم يبق من لا حلف (٣). وظنّ مولانا السلطان أنّ ولده هذا يكون له خلفا فكان هو لولده الخلف. ذكر اخترام الأيام بمولانا السلطان الملك الصالح هذا ولمّا استقرّ أمر سلطنته، ودانت أيام مملكته، وكان لوالده مولانا السلطان

стр. 158

نعم العون، وأصبح وأمسى في حفدة حفظته في غاية الصّون، ورأى فيه من الكفاية ما أقرّ عينه، وقضى من الأمل دينه. فلم يكن بأسرع من أن جاءته منيّته، وخابت فيه أمنيّته، فمرض حتى لا يرجونه، وأخذ من مأمنه وغوائل الأيام لم تكن بالمأمونه. وحصل لمولانا السلطان عليه من القلق ما أعدم النوم وأوجد الأرق، وكانت مرضته دوزنطاريّة كبديّة، واقتضى الطبّ أن يعالج بشراب الياقوت الأحمر. / ١٢٠ أ / فمن حذر مولانا السلطان عليه نزع من يده خاتما، وأمرهم بأخذ فصّه، وهو ياقوت بهرمان مسح المعدن. قيل إنّ قيمته عشرة آلاف دينار عينا، فصخن (١) للوقت، ولا والله ما أغنى. وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع ولم يزل مولانا السلطان يفديه، بالمعوّذات يرقيه، ويبدي عليه من الهلع ما لا يستنكف أن يعيده ويبديه. فلمّا فرط فيه ما فرط، وكان له ﵀ نعم الفرط. سكن إلى الصبر والجلد، واحتسب في جنب الله تعالى ما رزئه في هذا الولد. وما أحقّه بما قيل: إنّما أجزع ممّا أبقى ... فإذا حلّ فما لي والجزع وخرج مولانا السلطان من عنده مودّعا، وغدى (٢) لذخيرته عند الله مودعا. ولم يلمّ حتى ولا بذكره جهرا، ولا بفكره إلاّ بالدّعاء له والترحّم سرّا. / ١٢٠ ب / والحزن للخود ليس الحزن للرجل ولم يصل إلى قبره، ولا شبهة في أنّ الله بالصّبر عنه جعل له مخرجا من أمره. ودفن بخطّ مشهد السّيّدة نفيسة. واحتفلت نوّاب مولانا السلطان بإقامة عزائه، وحصّته من البرّ بوافر أجزائه (٣).

стр. 159

وقلت فيه مرثيا: حقّا أقول فلن يردّ مقالي ... ممّا دهى واخيبة الآمال وأجود بالدّمع المصون فيغتدي ... بتواتر الهملان كالسلسال وأخمّش الخدّين لطما مؤلما ... بيمين ندب مسمع وشمال وأنوح بالإعلان وهو محرّم ... إلاّ على فقد العزيز الغالي وأشقّ ممّا شقّ أثوابي وإن ... ألفى بغير حلى التفجّع حالي أوما علاء الدّين أضحى مودعا ... لحدا رهين جنادل ورمال مستوطنا دار الفناء برغمنا ... متفرّدا عن صحبه والآل يا قبره أصبحت سامي رتبة ... أو ما أقام بك المقام العالي / ١٢١ أ / وحويت منه فلذة الكبد الّذي ... ربّي بدست تعزّز ودلال أعليّ قد غادرتنا في مطلق ... لمّا سكنت بموطن الأوحال ما كان يخطر فقدك الموهي القوى ... في خاطر منّا ولا في بال كلاّ، ولا أن يغتدي بك عامرا ... بطن الضرّيح ودست ملكك خال ومنابر أضحى بها اسمك باسم ... والدك المفدّى بالنفائس تالي وصواهل كانت إذا وافيتها ... أرخت أعنّتها من الإجلال ودوابل كانت تقيك وحسبها ... بعد الظّلال تطاعن الضلال وسيوف نصركم تجرّد نصلها ... لدفاعه عنكم بيوم نضال وقسيّ نبل كم رمت أعداكم ... أبدا (١) الزمان بصائبات نبال أعزر علينا أن تكون مرثيا ... بعد المديح بصادق الأقوال أو أن نفوه بذكر موتك إنّه ... ليسوء في التفصيل والإجمال صبغت حدادا فيك أقلام غدت ... تبكي بدمع مدادها الهطّال وبغمّ وسوّدت الدويّ كآبة ... أسفا لفوت العزّ والإقبال / ١٢١ ب / لو تفتدى لفدتك حتى بالّذي ... ما أن يجود به ذوو الإجلال ولكانت الأموال فيك حقيرة ... هيهات ما الأرواح كالأموال لو كان يدفع عنك جيش أسرعت ... لعلاء قدرك شامخات عوال

стр. 160

أبدى عليك تجلّدا ملك الورى ... ولتلك عادة جلّة الأبطال وغدا وقد وافاه نعيك ثابتا ... ولكم بدا ثبتا على الأهوال ملك الزمان ومن له شرف بما ... أوتيه من نصر على الإقبال المالك المنصور والملك الذي ... وافا (١) فحلاّ (٢) عاطل الأحوال وعلا بسؤدده على من كان قد ... حاز الممالك في الزمان الخالي قد مهّد الملك العقيم بهيبة ... راعت وما راعت ذوي الإهمال سارت مناقبه مسير الشمس أو ... عادت بشهرتها من الأمثال يعطي على الفور المؤمّل رفده ... حاشاه حاشاه من الإمهال ويجود بالبدر النفيسة منعما ... لم يرض في الإعطاء بالإقلال من دون ما أبداه عند مصابه ... في ثبت قعدده أبو الأشبال / ١٢٢ أ / غفرا لقد يعلو ويغلو قيمة ... عن أن يقاس ماسه بمثال ولسوف يثمر أصله والأصل إن ... يبقى أفاد الثمر منه توالي لازال عالي الملك مرفوع اللّوى (٣) ... ما اشتاق نبت للحيا الهطّال ذكر ما أثّره مولانا السلطان من المدرسة والبيمارستان بالقاهرة المحروسة ولمّا حاز الله لمولانا السلطان ممالك البلاد، واستقرّ خاطره من جهة مناوأة كلّ حاضر وباد. وأيّده بنصره، وقاد إليه الأعداء بأزمّة قهره. أبرز إلى الوجود ما كان له من خير قد نوى، وأقبل بوجهه على ما كان في خاطره وما نكب عنه ولا لوى. وهو أنّه كان قد نذر على نفسه بناء بيمارستان (٤) بالقاهرة المحروسة، وأن

стр. 161

يبرزه في صورة من الحسن تضرب بها الأمثال، / ١٢٢ ب / وتقلّ لها الأمثال. فتقدّم إلى مملوكه ومدبّر دولته الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، وكان ذا عزم قويّ، وحزم هو بكلّ مأمول مليّ، وهيبة رائعة، ومخافة بين أرباب الدواوين ذائعة شائعة. فعمد إلى دار تجري في أملاك بيت المال المعمور، تعرف بمسكن دار القطبيّة، وقد خلت بموت من كان بها من ذرّيّة الملوك. وهي دار كبيرة وسيعة، من حقوق القصر البحري الذي اختطّه القائد جوهر (١) للمعزّ أبي تميم معدّ (٢).

стр. 162

فأنشأه بيمارستانا حسن البناء، طيّب الثّواء، بهج المنظر، جميل المخبر، ذا أواوين متّسعة، وأفانين زخرفات متنوّعة، ومياه متدفّقة، وعماير متأنّقة. ورتّب له من الأوقاف الجلّ بمصر والشام، ما لا يسامى ولا يسام. تقدير ألف ألف درهم في السنة (١). ولمّا فرغ نزل مولانا السلطان بنفسه إليه، وجلس بصدر إيوانه القبليّ في أمراء دولته، وحماة مملكته، وأحضر إليه من شرابه / ١٢٣ أ / قدح فأمسكه بيده، وقال - والقضاة الأربع (٢) حاضرون عند شربه -: اشهدوا عليّ أنّني وقفت هذا البيمارستان على من هو مثلي إلى من دوني (٣). وأفاض ملابس الخلع على مباشريه، ونهض إلى المدرسة التي تليه. ذكر أمر هذه المدرسة وما أنفق في بنائها هذه المدرسة من زيادات الأمير علم الدين الشّجاعي لم يكن مولانا السلطان أمر بها، ولا أراد غير بيمارستان، واكتساب مثوبته والتعلّق بسببها. ولمّا خرج مولانا السلطان من البيمارستان كاد أن لا يدخلها إعراضا عنها وفراغا منها، ثم دخلها بعد أن وأن، وما كلّ سرّ يحسن به العلن. وجلس بمحرابها، وجلس مدرّسها قاضي القضاة شهاب الدين ابن الخويّ (٤)، (وشرعوا في البحث) (٥).

стр. 163

واتّفقت قضيّة غريبة، وهي أنّ الآية التي / ١٢٣ ب / اتّفق بحثهم في تفسيرها قوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١). فقال قاضي القضاة: اختلف العلماء في الوقف في هذه الآية. فقال قوم: الوقف على «الله». وقال قوم: لا يجوز الوقف على «الله» (٢). فقام مولانا السلطان وقال: ليش (٣) ما يجوز الوقف على «الله»؟ كيف تخرجونا بلا أجر؟ واعتقد بتركيّته وغتميّته أنّ البحث في معنى ما وقفه بهذه البقعة. فخرج إلى القبّة التي أعدّها لمواراته. وشحنها بمحكم آياته (٤). ولسان الحال ينشد: فهنّيتها دارا ... وبطن ضريحها خال وفي إيوانها لك مجلس، وهي قبّة قد علا رواقها، وتلألأ إشراقها. وحسن رخامها، وكثر من القرّاء والذّاكرين الله زحامها. وتوفّر رزقها، وتعيّن حقّها. وتألّق بالمثوبات أفقها. والذي نفق في هذه / ١٢٤ أ / العمارة ألوف من الدنانير ما لا تحصره الأقلام، ولا تكاد تتخطّى إليه الأوهام. والي أنفق في عمارتها من السّعادة السلطانية أنّ الدار التي عمّرت مدرسة هي من جملة أدر القصر المذكور. وكان يسكنها أمير يقال له قراسنقر المعزّي، وحمله الطّمع على أن تزوّج جارية من جوار (٥) شجر الدّرّ (٦) سريّة الملك الصالح نجم الدين أيّوب (٧)، ولد السلطان الملك الكامل، تغمّدهما الله برحمته. وشكر عن سالفنا وأنفنا صدقة كلّ منهما وعوّضهما خير جنّته. وكانت هذه الجارية خزان دارة شجر الدّرّ. ولمّا قتلت ورميت من سور

стр. 164

القلعة انفصلت هذه الجارية بجملة من مالها، وجابت جيّدا (١) من توفّر حالها، فحاولها المعزّيّ هذا فيما طمع فيه بزواجها، فأنكرته وأبدت العجب العجيب من احتجاجها. فلمّا خافت أن يهاجمها فيأخذ مالها، ولا يحسن مآلها، دفنت ما معها وماتت، ومات / ١٢٤ ب / وانقضت دون ذلك سنوات فسنوات. فلمّا شرع في هدم هذه الدّار لبنائها مدرسة ظفر أحد الفعلة بحقّ أشنان مرصّص، فخبّأه في عبّه، وأخفاه عن صحبه. ثم أخذوا في الحفر، فطلع لهم قمقم كبير مملوء من الذّهب الإبريز، فلم يمكن إخفاؤه لكبره. وسار الأمر إلى الأمير علم الدين الشجاعي، فأحضره وفكّ ختمه وختم الحقّ الأشنان (٢). فأمّا القمقم فهو مملوء ذهبا. وأمّا الحقّ الأشنان فإنّه مملوء جواهر. وللوقت أحضر الأمير علم الدين الجوهريّة وقوّم. فأخبرني من لفظه أن قيمة ما وجد مقدار ما غرم على هذه العمارة من البيمارستان والقبّة المقدّسة والمدرسة مرّتين. وهذا إنّما هو بسعادة مولانا السلطان، وحسن العوض الذي هو لعوض الآخرة عنوان وأيّ عنوان. ذكر مظلمة عظيمة أزالها مولانا السلطان / ١٢٥ أ / كان الناس في شدّة شديدة من أمر ما لم يفرضه الله تعالى من زكاة يقال لها زكاة الدّولبة (٣)، أفقرت التجّار، وعفت وما عفت الآثار، وخرّبت الديار. وهي زكاة مقرّرة تؤخذ في كلّ سنة من غير وجوب، ولا متجر به التاجر يؤب (٤). وبطل جماعة التجارة من جورها، وهي منهم تجبى، والحريم بهروب أزواجهم تسبى. فلما ملك مولانا السلطان أبطل رسمها، ومحى إسمها، وأزال وسمها،

стр. 165

وكتب توقيعا بمسامحتها قرئ على المنابر، ومزّق ما احتوته من دفاتر. وادّخر مولانا السلطان أجرها لليوم الآخر. ذكر ما سامح به أيضا كانت الأموال في تلك الفترة السّعيديّة قد انساقت بواقي، وبلاد تحصيلها بعسف فلاّحيها قد عادت شراقي، فسامح بجملتها وعمّر البلاد، وأمّن العباد برفع ثقلتها، وسيرت التواقيع / ١٢٥ ب / بما به من ذلك قد سمح، وترنّم بها لسان الخطباء على أعواد المنابر وصدح. ذكر عفّة مولانا السلطان عن سفك الدّماء كان مولانا السلطان لا يسفك دما، ولا ينقل فيه إلى التجرّي على الله قدما. ولا يأمر فيه إلاّ بما أمرت به الشريعة المحمّديّة. وإذا عرض من ذلك شيء أحضر العلماء باختلاف المذاهب واستفتاهم في تلك القضيّة. ذكر شيء من قعدد مولانا السلطان وثبته ورياسته ما زالت الملوك في أسفارهم إذا خرج الطلب من المنزلة ساقوا تحت الصّناجق مقدارا يسيرا، وخرجوا من تحتها في شرذمة يسيرة من خواصّهم للصيد والقنص (وأفلتوا من طلبهم كما يفلت الطائر من القفص) (١)، إلا مولانا السلطان فإنّه لم يرض بهذه الخفّة، ولا طار في هذه الجفّة. / ١٢٦ أ / بل كان لا يفارق أعلامه من المنزلة إلى المنزلة، ولا يرى أن تكون خلوا من أيّ جماله المنزلة. وأقام في الملك ما أقام ولم يقصد الحمّامات، ولا وصل إلى السكندريّة، ولا توغّل بالدّرك في تلك البرّية. وردّه عن ذلك ما له من التجربة وحنكتها، والدّربة وملكتها. ولا سافر إلى الشام عبثا، ولا خرج إلاّ لمهمّ عدوّ، ولا شكي مصاحب لسفره معه وعفا، خلّد الله سلطانه ما أهناه، وأكمل لفظه بمعناه، وأحسن سمته، وأهون عليه. وإن عزّ ما رمته منه وسمته. وأثبت جأشه، وأحسن رياشه. وليس لله بمستنكر إيداعه في خلقه وخلقه.

стр. 166

ذكر ما أثّره مولانا السلطان ممّا عمّ نفعه كانت بأعمال البحيرة بلاد لا يبلغها النيل، ولا يصل إليها على عموم ماله من مسيل، وتمادى تشريقها وإلى أيّامه. / ١٢٦ ب / واستمرّ عدم ريّها انتظارا لسائع لا بل سائغ إنعامه. وفاتت يحدّ بها خزائن أموال، وشون تشرح الصّدور إذا ضاقت صدورها بالغلال. فلمّا اطّلع مولانا السلطان على تفويت مصلحتها وإهمال الملوك لتدبير ريّها لعدم رؤيتها. وإعمال الفكرة وما يتيحه صواب رؤيتها. وما هو إلاّ أن حبا الله لمولانا السلطان بحسنتها، وادّخرها لأن يستسنّ سنّتها. وللوقت تقدّم أمر مولانا السلطان بالكتابة إلى والي الأعمال بأن يجمع الخولة وأرباب الخبرة من المهندسين، وأن يركب بنفسه ويكشف من أين يسترق الماء لريّ هذه الأراضي من أسافل العمل وأعاليه. وأن يدقّق النظر (فيه) (١) ليأخذ الماء من مجاريه. وللوقت بادر هذا المتولّي إلى امتثال المراسم، وخرج بمن عيّن ليتتبّع ما هناك من المقاسم. ووردت مطالعته متضمّنة وقوع الاختيار على أن يحتفر فم (٢) من جهة يقال لها الطيريّة، وقرينه إشهاد على أرباب (الخبرة) (٣) / ١٢٧ أ / بذلك. فبادر مولانا السلطان بنفسه وجيشه، وأمراء دولته وخاصّكيّة خدمته. وتوجّه إلى الأعمال وقد شحن البرّ والبحر بعساكره لانتهاز هذه الفرصة، وإساغة هذه الغصّة. وكنت في خدمته كاتب درج (٤)، فرأيته منتصبا بنفسه من الشمس إلى الظّلّ، وأمراء دولته، وخاصكيّة مملكته، يعملون بالقفّة في الطّين والتّراب، مشوّهين تلك الصّور النهرية بالطّين، وإن كانوا مخلوقين منه، فتبارك الله المبدي من حسن مخلوقاته العجب العجاب. وحين رأيت تلك الأجسام

стр. 167

الخالصة قد سيّبت بتتريبها، ولاح نقاء بياضها من خلال مشيبها لا مشيبها. وقلت: ما ترب المحبوب جسما بدا ... من فضّة لمّا عرى من ثياب إلاّ لتملّ العين من حسنه ... وليس يملى (١) العين إلاّ التراب ولم يزل مولانا السلطان إلى أن روّى وما تروّى (٢) / ١٢٧ ب / وواسا (٣) إلى أن سوّى، وأجرى الماء حتى في العود، وجاء إلى سعد أخبية الماء فأظفر منه بسعد بلغ ما له من سعد السّعود. وعاد إلى كرسي مملكته، وقد أثر ما يبقى له ذكره على توالي الأيام، ويتعيّن شكر ماله من الإنعام حتى على الأنعام. ذكر ما اتفق في أمر عكا بعد المهادنة واستمرّت الفرنج الملعونون تحت ظلّ هذه الموادعة، إلى أن قضت خيانتهم بتقليصه. واستقرّوا في هناء العيش إلى أن ختم سوء اعتمادهم بتنغيصه، ولم يشعر مولانا السلطان إلاّ وقد بلغه أنّ الفرنج بعكّا استطالوا على جماعة من المسلمين بها من التّجار وغيرهم فقتلوهم (٤)، وبالنسبة إلى كثرتهم استقلّوهم. وللوقت رسم مولانا السلطان فكتب إليهم، وأنكر عليهم، وأعلموا أنّ هذا ناقض للعهد، مناف للودّ. فورد كتاب / ١٢٨ أ / مقدّميهم أنّه إنّما حصل بسبب أنّ الفرنج والمسلمين اجتمعوا في مشربة، وحملهم السّكر على العربدة، وأنّنا أمسكنا جماعة من الفرنج ممّن كان في المشربة، وشنقناهم، فأعيد إليهم الجواب بما صورته: «صدقتم في أنكم شنقتم، ولكن المسلمين. ونحن واصلون بمشيئة الله تعالى إليكم، فجهّزوا الضيافة».

стр. 168

ثمّ إنّ مولانا السلطان استحضر أمراء مشوره، وأجرى الحديث معهم في غزو القوم بسبب هذه الفتنة، وقصدهم بما كانوا يتستّرون به من المهادنة من المحنة، فاعترض الأمراء بحديث الهدنة وأنّها ألزمت بأيمان، وتنزّلت منزلة الأمان، وتضمّنت عهدا وحفظ العهد من الإيمان. فأشار مولانا السلطان إلى صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين بأن يتتبّع الهدنة، لعلّ أنّ نظفر منها بمستند في قصد القوم، وأن يتلمّح منها ومن هذه القضيّة الواقعة / ١٢٨ ب / ما يبلغ منهم المروم بالحدّ لا تمليس الأشمام بالتهديد، وليس الأشمام كالرّوم. وكنت كتبت هدنتهم، وعندي نسختها، فاجتمعنا أنا ووالده الصدر محيي الدين، وهو، وقرئت الهدنة من أوّلها إلى آخرها مرارا، فصمّم الصدر محيي الدين أن لا فسحة فيها، ولا موجب فسخ من باديها ولا خافيها. فالتفت إليّ وقال: ما تقول أنت؟ فقلت: نحن مع غرض مولانا السلطان إن كان في فسخها ففيها فسحة تقتضي فسخه. وإن لم يكن له غرض في فسخها ففي محكمها ما لم يقتض نسخه. فقال: مولانا السلطان متحمّل عليهم، يودّ لو أعير جناحي طائر ليطير إليهم. فقلت: يتأمّل مولانا هذا الفصل من الهدنة. وهو على أن تكون التجّار والسّفّار والمترددين، آمنين مخفرين من الجهتين في حال سفرهم وإقامتهم، وصدورهم وورودهم. هذا نصّ الفصل الذي تضمّنته الهدنة. فقلت له: وهؤلاء الذين اعتمد فيهم ما / ١٢٩ أ / اعتمد تجّار. وقد خولف شرط الهدنة في إهمال أمرهم إلاّ أن تقوم بيّنة ممّن هو مرصد من نوّاب المسلمين الضّابطين للدعاوى. فقال: قد وردت كتب النّوّاب بأنّ الأمر لم يكن كما أنهوه، وأنّ المسلمين الذين شنقوا. فقلت: لقد انفسخت الهدنة بهذا الحكم. فلمّا أفتي مولانا السلطان بفتحها عزم، إلاّ أنّ الأجل ردّه من الطّريق. وموافاة المنيّة قد حملت كلّ قلب من مكانه ما لا يطيق.

стр. 169

[وفاة السلطان قلاوون] وبرز مولانا السلطان لظاهر القاهرة المحروسة، وخيّم بمسجد التّبن (١) في عساكره التي ملأت الفجاج، فزادت على عدد ما للبحار من أمواج. فحصل له بهذه المنزلة مرض رمي الدّم، فأقام أيّاما وقضى بمخيّمه، ووافاه المنون بمحتّمه (٢). وشقّت عليه الجلود لا الجيوب، وكادت الجبال تذوب لا القلوب، وانحنت السيوف لا الظهور، واندقّت الرماح لا الصّدور. وساء الورود ذلك الصّدور. / ١٢٩ ب / وقدّرت حمامه بتلك المنزلة فحلّ بها حين حلّها، ومنيتّه بتلك البقعة في تلك المدّة وما كان أكثر همومها واقلّها. ومن كتبت منيّته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها وجعل في تابوت، وطلع به إلى قلعته، وقد ساءها سوء رجعته. ولم يزل بها إلى أن اشتدّ أمر ولده السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وتمّ سلطانه ولزم، وختم بأمر ملكه وحزم. ثم نقل إلى قبّته المقدّسة بالقاهرة المحروسة ليلا، وقد أوسع الناس ويلا. فرحم الله تلك الروح الزكيّة، وأنالها رتبة الرفيق الأعلا (٣)، فإنّها آخر ما كان يؤمّله من الرتب العليّة.

стр. 170

[رثاء المؤلّف للسلطان قلاوون] وقلت فيه مرثيا: هي المنيّة لا بالحيل والحيل ... تردّ سطوتها عن حائن الأجل كم جال ما جلّ منها بين ذي أمل ... وبين ما كان يرجوه من الأمل / ١٣٠ أ / كم أثكلت أهل مفقود وكم تركت ... دمعا مصونا بمنهلّ ومنهمل لم تبق من أحد حتى تجرّعه ... كاساتها بين أهل العل والنّهل يمسي المؤمّل للدنيا وسرعتها ... إلى التّزوّد للأخرى على مهل والموت يحتفل بالمرء يأخذه ... وهو المغفّل غرّ غير محتفل لم يغض عن ملك يوما لعزّته ... ولو فدي بغرر الخيل والخول ولا حمته جنودكم حمت ملكا ... من غيره بحسام سابق العذل تبيت من عزمه تخشى غوائله ... ويتّقى حذرا منه على وجل لا فرق في أخذه الأرواح بين فتىّ ... عالي المكانة محميّ ومستفل أين الأولى (١) ... شيّدوا الأملاك وافتتحوا مغالق المدن من سهل ومن جبل أين الّذين بنوا الأهرام واحتفلوا ... بصونها من دواهي الزّيغ والزّلل / ١٣٠ ب / أين الّذين رأينا في الوجود لهم ... عجائبا (٢) من ذوي الأديان والملل أين المليك الذي بالأمس مصرعه ... حدّث بما شئت عن أوصافه وقل قلاون سيف دين الله من شهدت ... له المواقف في الأبكار والأصل كم شاهد الناس منه في مواكبه ... ملى (٣) المسامع والأفواه والمقل معظّم الملك عاليه ولا عجب ... أعلى الممالك ما يبنى على الأسل كان العليم بأدواء الزّمان له ... فضيلة العلم والإفضال بالعمل يمشي إلى الحرب في الهيجاء منجملا ... من لذّة النصر مشي الشارب الثّمل تكفيه وقعة حمص والثبات بها ... وقد ترغرغت الدنيا من الفشل يكفيه فتح قلاع كم مضى ملك ... لفتحها يده للعجز لم تطل سقيا لدولته ما كان أحسنها ... كأنّها غرّة في جبهة الدّول

стр. 171

كانت ولا مثل والأقدار تخدمها ... حتى سرى ذكرها في الناس كالمثل / ١٣١ أ / أغرر عليّ بأن أحيا إلى زمن ... أراه فيه عن الدنيا بمنتقل أبكي وأنكي لمن كانت مقالته ... ونحن أغلظ أكبادا من الإبل لهفي عليه لقد غمّت مصيبته ... وعمّت الناس من حاف ومنتعل وصيّرت كلّ قلب بعد فرغته ... من الشواغل بالأحزان في شغل وأضرمت في الحشا نارا تأجّج في ... فيض المدامع مثل العارض الهطل إن زال عن ملكه بالموت إنّ له ... عند الإله لملكا عنه لم يزل في جنّة الخلد في أعلا (١) ... القصور على أعلا (١) الأسرّة يحبى أشرف الحلل فهو السّعيد إذا دنيا وآخرة ... عن عهده السّعد في الدّارين لم يحل مضى وخلّف فينا من لسنّته ... أحيى (٢) ويسّر ما للخير من سبل وسدّ من بعده إذ حلّ سدّته ... بأهبة (٣) الملك ما للدهر من خلل «الأشرف» الملك المغني بصولته ... عن القواضب والعسالة الذّبل / ١٣١ ب / نصّ الشهيد عليه نصّ مختبر ... من حاله الحال بالتفصيل والجمل فالله يبقي عليه ملكه أبدا ... لا يبتغي عنه طول الدّهر من حول [فتح عكّا] ولمّا قضى الله في مولانا السلطان بما قضى، وقابل ولده الملك الأشرف (مصابه) (٤) بالتسليم والرضى (٥)، اقتضى برّه أن لا يضيّع سعي والده، وإن كان الله قد كتب أجره ووفى برّه. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٦). ثمّ عزم مولانا السلطان الملك الأشرف وقصدها بجيوش والده الذين كانوا أعدّوا لاستئصالها، وتأهّبوا لنضالها، فقصدها على ما رتّبه والده من التّهيئة (٧) لحصارها، فوجد الأمور عند توجّهه وقد جهّزت، والمجانيق وقد تأهّبت، فغزاها صورة ووالده ﵀ معنى، وعنى بوصيّة والده فيها فنفّذها / ١٣٢ ب / وما

стр. 172

زال ببرّه أعنى. فما وقفت بين يدي مجانيقه، ولا ثبتت إلاّ ريثما دهمها بطروقه. واستأصل شأفتها، وفرّق ألفتها، وأزال عن البلاد الإسلامية كلفتها. وهدمها إلى الأرض، وقضى في سنّة غزوتها له ولوالده (١) السّنّة والفرض. وجعلها ﴿حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٢)، وغادر معاهدها صرعى كالّذي ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٣). وأباح خزائها للبوم، وجعلها عبرة للمارّ عليها من أعداء الله الفرنج، الذين أخر دمارهم تدبّرهم الروم (٤). [تهنئة الأشرف خليل بفتح عكا من إنشاد محيي الدين بن عبد الظاهر] وفي هذه الغزوة يقول الصّدر الفاضل محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر مهنّئا للسلطان الملك الأشرف: بعث النصر للبلاد بريدا ... يتخطّى تهايما ونجودا بفتوح كنّا نراه قريبا ... ويراه دين الصليب بعيدا قال: بشراكم سيوف الأعادي ... تحدوها سلاسلا وقيودا / ١٣٢ ب / إنّ هذا خليلا الملك الأشرف ... سلطانكم أغاث الوجودا جاء عكّا محاصرا فتداعت ... ولأهل الإلحاد صارت لحودا كيف تبقى أسوارها مع نقوب ... صبّحت أوجه المعاول سودا كم إلى الكافرين والى وعيدا ... منه أنساهم صياما وعيدا ولكم قد أصاب كبدا وريدا ... بسهام لم تخط منهم وريدا

стр. 173

حبسهم في خزانة لبنود ... قال: خافوا إذا رأيتم بنودا إن تسموا بآخرة فلقد ... صار مناهم بأن يسموا عبيدا أيّها السّامعون فتح صلاح ... الدّين هذا فتوحه قد أعيدا أهل صور كذلك صيدا ... قد تهيأت صيدا لهم موجودا إن غدوا كلّهم يكيدون كيدا ... ليس يرضى لسيفه أن يكيدا قد رعى في فتوحها لأبيه ... ولكلّ من الأنام عهودا / ١٣٣ أ / أنجدته ملائك وملوك ... كثّرت عسكرا له وجنودا، فبجوّ السماء منها حشود ... ملأته والأرض ملأى (١) حشودا غزوة كم لها على الأرض حقّ ... عمّ بالأمن حاجرا (٢) وزرودا (٣) شكرت مكّة لعكّة فيه ... حسن إنجازها لفتح وعودا يا لها غزوة لها الحور قالت: ... حبّذا من يموت فيك شهيدا كتب الله ذكرها في التّواريخ ... وأبقى لها هناك خلودا عزّ منها الهدى وذلّ أهل ... عكّا وتمنّوا لو يصبحون يهودا ويودّون جزية ويصيرون ... أسارى أو يمسخون قرودا كم كنيس قالت إليّ فإنّي ... لست أرضى إلههم (٤) معبودا يا أجلّ الملوك يا أشرف الخلق ... ومن جوده أغاث الوجودا شكر الله غزوة لك في الكفر ... أرتنا مقامك المحمودا كحنين (٥) ... فيها الملائك جاءت مردفات تستصحب التأييدا يجعل الكفر في النقوب دفينا ... ويعيد الإيمان خلقا جديدا / ١٣٣ ب / كم بها منهم غلاظ شداد ... تجعل الناس والحجار وقودا ومجانيق لا تميل صدورا ... ونقوب ما إن تملّ ورودا

стр. 174

كم لهم أرسلت وقالت فلينوا ... أو فكونوا حجارة أو حديدا كم مريد منها أصاب مريدا ... أو كنود منها أجاب كنودا تتجافى عن المضاجع لله ... قياما كما ترى وقعودا لو يكن للصليب نطق لنادى: ... أنت يا منجنيق أصلب عودا أنت أولى بأخذ ثاري ممّن ... قال عنّي كذبا وزاد جحودا كم أرتهم من الرجال طريحا ... وأرتنا من الزّحام طرودا ولكم بالعقود أوفت ووافت ... هادمات من البروج عقودا كم مروج لها تعادي بروجا ... وحقول منهنّ تبدي حقودا كم بأسوارها أقامت شرورا ... ولأحجارها أدامت شرودا من آيته يقول: هذي هي (١) ... الموت فلا يستطيع عنه محيدا من رآها يقول كوّنت السّحب ... حجارا تبدي الهفيف رعودا / ١٣٤ أ / هاتمات الثغور من شرفات ... مشرفات على الثغور صعودا نبتت أغصنا عظاما فجاءت ... ليس تحكي، كما يقال، القدودا كلّ سهم منها إذا أوقفوه ... فلق الصّبح قد أقام عمودا لو يكن يأمن الحمام من التغريد ... وافا (٢) فأحسن التغريدا كم بكفاتها يكفّ عدوّ ... ويصدّ الأعداء صدودا يا لها من حوامل مقاربات ... وهي في وقتها تصير ولودا كم بتلّ الفضول تلت سدودا ... وبباب الثورين شلّت أسودا تقشعرّ الجلود منها إذا ما ... أبصروها وهنّ تكسى جلودا كلّ هذا بسعد أشرف ملك ... زاده الله بسطة وسعودا ملك فرغ الخزائن جودا ... وملى (٣) الأرض عدّة وعديدا (كم (كنيس) (٤) ... أخلى وكيّس وكلّ منهما أصبح الفقير الفقيدا ويل عكّا وويل إخوة عكّا ... بدّد الله شملهم تبديدا

стр. 175

حتّم الله قتلهم حتى أمسى ... كلّ نقب في سورهم أخدودا / ١٣٤ ب / خرّبوا مسجد الصّالح فيها ... فأتاهم ما كان أردى ثمودا (١) وبه عاد هلك عاد إليهم ... إذ له المؤمنون أمسوا شهودا (٢) عجبا يا خليل نارك برد (٣) ... وهي تشوي من الفرنج الكنودا (٤) أنجز الله وعده لك بالنصر ... وللمؤمنين أنسى قصودا فاشكر الله واغتنم للنصر ... فاجئ صورا وصيدا مبيدا أنت يا ابن المنصور منصور ... جاءت لك بشرى أخرى تحتّ البريدا دمت للناس ملجأ وعلى ... الخلق سياجا وللوجود وصيدا وقلت مهنّئا أيضا بهذه الغزوة وكتبت بها إليه حكمت برفع لوائك الأقدار ... فإليك بالنصر العزيز يشار فعلت مهابتك التي أعطيتها ... بالرعب ما لا تفعل الأنصار كما نزلت على الفرنج (٥) ... مطلّبا دهشوا لما قد شاهدوه وحاروا سقطت قواهم إذا أتيت بعسكر ... ملأ الفيافي والقفار فخاروا / ١٣٥ أ / أقبلت والأتراك حولك أنجم ... وتمام وجهك بدرها السّيّار وعليك (أبّهة) (٦) ... تلوح وهيبة وجلالة وسكينة ووقار راموا الفرار وقد رأوا ما هالهم ... أنّا (٧) يكون مع الهلاك فرار سجدت لديك تقبّل الأرض التي ... شرفت وانطوت حولك الأسوار صبّحتهم وديارهم معمورة ... فغدت خرابا لها آثار وقراهم لمّا نزلت عليهم ... أرواحهم جادت بها الأعمار

стр. 176

غنّت سيوفك في الرقاب فأرقصت ... أجسادهم فلها الرؤوس (١) نثار أجريت من دمهم سيولا فجرت ... في كلّ ناحية بها أنهار ومحت ليالي الكفر بيض قد بدا ... منها لعين الناظرين نهار أضحت منازلهم خرابا كلّها ... قفرا ألم يوجد بها ديّار سألوا ملوكهم إعادة نجدة ... أرأيت روحا للتّلاف تعار؟ فأتتهم من كلّ جيش عصبة ... ملئت برور منهم وبحار / ١٣٥ ب / وردوا بسيفك منهلا مستوبلا ... لم يلف عنه لوارد إصدار وغدوا وكاسات المنون عليهم ... بالمشرفيّ الأشرفيّ تدار لو سلّموا سلموا ولكن كابروا ... فأتت أمور لا تطاق كبار هل أبصروا حصنا منيعا قبلها ... خلاّه لم يهتك حماه حصار؟ لكن إذا نزل القضاء بساحة ... عميت عن رشدها الأبصار أمسى عظيم القدر من كبرائهم ... شلوا حقيرا ماله مقدار وعلت ملوكهم وقد حصروا بها ... من بعد (عزّ) (٢) ذلّة وصغار خانوا العهود ومن يخن فجزاؤه ... ويل وبيل أمره ودمار نقضوا المهادنة التي كانوا (بها) (٣) ... في راحة ما شانها إضرار كان الشهيد نوى المصير إليهم ... فقضى عليه الواحد القهّار فخلفته ولنعم أنت خليفة ... في مجده تتحيّر الأفكار خبئت لفتحك فافتضضت بكارة ... منها ولكم (لك) (٤) خبّئت أبكار أيّام حصرهم لديك قصيرة ... لم لا وأيّام السرور قصار / ١٣٦ أ / دارت جيوشك حولها فكأنّما ... هي معصم وهم عليه سوار وإذا تكلّمها المجانيق اغتدت ... من سورها تتجاوب الأحجار قد دوّنت هذي الغزاة وسطرت ... وتحدّثت بحديثها السّمّار لا عهد في ماضي السنين بمثلها ... ولها بطول بقائه أقطار بشراك هذا مبدأ النّصر الذي ... تعلوا (٥) به للمسلمين منار

стр. 177

هذا فتوح ما سمعنا بمثله ... كلاّ، ولا جاءت به الأخبار ما مثل عكّا في الحصون لأنّها ... أمّ القرى يأتمّها الكفّار كانت لهم كرسيّ مملكة إلى ... تحصينها في المعضلات يصار كم قد مضى ملك بغصّة فتحها ... وبقلبه منها تأجّج نار ماتوا بغيظهم وكم من دونها ... عرضت موانع كلّها أعذار حتى أتاها الأشرف الملك الذي ... خافت فرنج بأسه وتتار فشفى صدور المؤمنين بفتحها ... وليفتحنّ بغزوه الأمصار وليرفعنّ بسيفه وسنانه ... للمسلمين معاهد وديار / ١٣٦ ب / وليملكنّ الأرض طرّا عاجلا ... شرقا وغربا جيشه المغوار ملك عطاياه الجسام لمن يروم ... على الدّوام بفيضها مدرار سحب العطايا من سماء يمينه ... للمعتفين إذا تسحّ غزار أغنى بأنعمه الفقير فبيته ... بيت الغنى يهدى له ويزار ولكم غدا بيمينه للمعد (. . . ... . . . . . .) (١) وهموه يسار يعطي الألوف وفقيره بينهم ... يبدوا (٢) عليه بمنحها استبشار ماذا أقول ووصفه ومديحه ... ما لا يحيط ببعضه الأشعار فالله يبقي ملكه ما صفّقت ... أيدي الغصون وغنّت الأطيار الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم (٣)

стр. 178

[مطالعات الكتاب] نظر في هادي (١) الكتاب المبارك الحاج إبراهيم بن الحاجّ أحمد بن الحاج إبراهيم، غفر الله لمن قرأه ودعا له ولوالديه والمسلمين بالمغفرة أجمعين. وصلّى الله على مولانا وسيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين. ورضي الله تعالى عن ساداتنا أصحاب رسول الله أجمعين. بتاريخ ثاني عشر شهر القعدة من شهور سنة اثنا (٢) عشر وتسعماية. والخير يكون له بالله تعالى. * * * نضر (٣) فيه في هد (٤) الكتاب المبارك بد [ر] (٥) الدين ابن أحمد ابن الشيخ شراره المنبي رحمة الله عليه وغفر له ولمن قراه ودعا له ولوالديه وللمسلمين أجمعين بالمغفرة أجمعين. وصلّى الله على محمد وآله وصحبه [وسلّم] (٦) تسليما كثيرا إلى يوم الدين. من تاريخ سنة تسع وعش [رين وتسع] (٧) ماية. * * * / ١٣٧ أ / الخطّ يبقا زمان (٨) ... بعد كاتبه وكاتب الخطّ تحت الأ (رض) (٩) مدفون يا ربّ اغفر لعبد كان كاتبه ... يا قاريء الخطّ قل بالله: آمين

стр. 179

كاتب؛ هاد (١) الخط) (٢) الفقير عطا الله ابن الحاج حسن المشهور بابن الشيخ، غفر الله له ولمن قراه ودعا له ولوالديه (والمسلمين) (٣) بلمغفرة (٤) يوم الثلاثة (٥) المبارك في نصف شهر شوال سنة اطنعشر (٦) بعد ألف. * * * طالع فيه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد ابن مهنّا الدوادار طالع فيه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد ابن مهنّا الدوادار (٧) يوم الأحد المبارك (. . .) (٨) خامس عشر رجب الفرد سنة تسع وتسعين وسبعماية. * * * طالع فيه العبد الفقير إبراهيم ابن الشيخ بن الشيخ ابن الشيخ. * * * / ١٣٧ ب / ملك هادا (٩) الكتاب الفقير الحقير عطاء الله ابن الحاج حسن المشهور بابن الشيخ سنة اطنعشر (١٠) بعد ألف ١٠١٢.

стр. 180

فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في تحقيق الكتاب حرف آ آثار الأوّل في ترتيب الدول - للعباسي حرف الألف إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميّين الخلفا - للمقريزي أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ - للقرماني أخبار مصر - للمسبّحي الإشارة إلى وفيات الأعيان - للذهبي الإعلام بوفيات الأعلام - للذهبي إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء - للطبّاخ أعيان العصر وأعوان النصر - للصفدي (مخطوط) الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في واقعة الإسكندرية - للنويري السكندري (مخطوط) أمراء دمشق في الإسلام - للصفدي إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون - للبغدادي حرف الباء بدائع الزهور في وقائع الدهور - لابن إياس البداية والنهاية في التاريخ - لابن كثير البيان المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب - لابن عذاري حرف التاء تاريخ ابن خلدون (العبر في ديوان المبتدا والخبر)
следующие страницы →