← История

История · id 166

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

شافع بن علي

Полный текст (185 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عن خلق ويأتي مثله (١)، ولا يأمر بشيء (٢) وينسى (٣) فعله، وقنغرطاي (٤) الروم (٥) (الآن) (٦)، وهي بلاد في أيديكم، وخراجها يجيء إليكم. فقد (٧) سفك فيها وفتك (٨)، وسبى وهتك. وباع الأحرار، وأبى إلاّ التمادي على ذلك (٩) والإصرار. ومن المشافهة أنه إن (١٠) حصل التصميم على أن (١١) لا تبطل هذه الإغارات (١٢)، ولا يفتر عن هذه الإثارات. فيعيّن (١٣) مكانا يكون فيه اللقاء، ويعطي الله النصر (١٤) لمن يشاء. فالجواب عن ذلك أنّ الأماكن التي اتّفق فيها ملتقى الجمعين (١٥) مرّة ومرّة ومرّة قد عاف مواردها من سلم من ذلك (١٦) القوم، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم. ووقت (١٧) اللقاء علمه عند الله لا (١٨) يقدّر، وما النصر إلاّ من عند الله لمن أقدر لا لمن قدّر. وما (١٩) نحن ممّن ينتظر فلته، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفته. وما أمر ساعة النصر (٢٠) إلاّ كالساعة لا

стр. 107

يأتي (١) إلاّ بغته. / ٧٨ ب / والله الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمّة، والقادر على إتمام كلّ خير ونعمه (٢). إن شاء الله تعالى». وكتب في مستهلّ رمضان المعظّم سنة أحد (٣) وثمانين وستماية انقضى مضمون جوابهم، ومفهوم خطابهم، وفحوى العرض الذي خطى (٤) بهم. وتقدّم أمر مولانا السلطان فأفيضت عليهم ملابس نعمه، وأجزلت لديهم مواهب كرمه، وخصّ كلاّ منهم بما يناسب قدره، ويشرح صدره، ويحسن له إلى وطنه الكرّه. ثم جيزوا بجوابهم المشروح، فحين وصلوا إلى مرسلهم بالجواب، وأعادوا عليه ماهالهم، وأخبروه أنّ قلم هذا الجواب كان في الكتاب، ورجل سلطانه في الركاب. علما منه بعادة التتار في الركوب خلف كتابهم، والوثوب عند انفصال خطابهم، وقالوا وقالوا، وحدّثوا ولا حرج عن عزّ سلطان جالت أفكارهم عندما (٥) / ٧٩ أ / بممالكه المعظّمة جالوا. إلاّ أنّ الملك أحمد لم يرتكب عادة التتار، في العتوّ والنّفار، ولا ركب رغبة في الصّلح الذي فيه عمارة الدار والجار. بل أقبل على قضيّة الصلح أيّما إقبال، وابتهج به رغبة في سلامة العقبى والمآل. ورأى أنه خير وأبقى، وأبقى وأتقى (٦). وأخذ في تجهيز شيخه والهادي له إلى الإسلام كما زعم، والدّالّ له على طريق سلامة الصّلح إن انتظم، وجهّزه وصحبته موكب من الأمراء والخدم، والبرك (٧) والحشم. ورفع على رأسه الجتر (٨) وهو قبّة من أدم، وحكمه في البلاد فأحكم إذ

стр. 108

حكم. وتقدّم إليه بالتّوجّه لباب مولانا السلطان، ومصافحته بالصلح يوفي ماله من الضمان. هذا، والأخبار عند مولانا السلطان من مكاتبيه بحركة هذا الشيخ وسكونه منزلة بمنزله، وأنباؤه مرحلة بمرحله. وعدّة من في صحبته وصورة هيئته وهيبته (١). فلمّا قرب من البلاد. / ٧٩ ب / ودنا المراد من المراد، برزت مراسم مولانا السلطان بالكتابة إلى الأمير جمال الدين أقوش الفارسيّ أحد الأمراء الكبار القديمي الهجرة، المعروفين بالشجاعة في كلّ أمر وإمره، بأن يركب لتلقّيه من البيرة، وأنه إذا عدّى يمنعه من الركوب بالجتر ويقول له: قد صرت في بلاد مولانا السلطان، ولا يركب فيها أحد بالجتر غيره. فحين عدّى ما تعدّى، وحطّ مرفوعه عن راسه، وعرف منذ حلّ أرض مولانا السلطان قدر نفسه (٢). ولمّا وصل إلى حلب المحروسة وجد ما كان قد رسم به لنائبها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري من إخلاء القاعات لنزوله، وبهيئة ما يليق به قبل وصوله. فحين وصل وجد ما ينبغي لمثله. وأنزل من رحاب مولانا السلطان منزلا مباركا لا ينكر فرط إفضاله وفضله، وأقيم له من يقوم بمصالح خيله، وأن لا يمكّن أحد ممّن معه أن يخرج من المنزل الذي نزله، إحترازا من تحيّل، وإن لم يكن في خيله (٣). / ٨٠ أ / وسيّرت مطالعة من النائب المذكور بحلب بعدّة من معه، ومن أعجب ما رأيت فيها أربع (٤) فقراء برسم الزمزمة والسماع. هذا ما كان من الشيخ المذكور. [دخول السلطان قلاوون دمشق] وأمّا ما كان من مولانا السلطان (فإنّ) (٥) مشوره انعقد مع عقلاء أمرائه وشيوخ آرائه على أن يكون الاجتماع بهذا الرسول بدمشق، ليعلم أن بلاده لم تخل

стр. 109

منه، (ولم يستغن في دفع خيله ركوب عزّ وبعد رسول عنه) (١) فاستخار الله ، وعزم والنصر يرفرف عليه، والتأييد ينظر بعين العناية إليه. وقد راق منظره، وحقّق خبره وخبره. والمنازل تهاداه، والألطاف الإلهية (٢) متكفّلة بحسن معاده ومبداه. فلمّا حلّ مولانا السلطان بدمشق وقد تبرّجت له بزهر أزهارها، وفرشت لوطيء جواده فرش أنهارها. والأغصان قد تمايلت بسماع إدانة الأرض (له) (٣) طربا، والطيور قد عادت باسمه الشريف من جملة / ٨٠ ب / الخطبا (٤). والأكمام قد رفعت عن يانع ثمرها، لضيافة قدومه كمامها. والسماء قد امتدّت لوقاية قمر وجهه أن تدركه الشمس غمامها فحلّ قلعتها حلول الزهرة في شرفها، والدّرّة في صدفها، وأهل الجنان في غرفها، والآيات البيّنات في صحفها. فحين استجمّ - خلّد الله سلطانه - تقدّم أمره العالي بحضور الشيخ المذكور مع من معه من حلب، وطلبه فنجح بشرعة امتثاله ذلك الطلب. وأمهل إلى أن استراح ثلاثة أيام. ثمّ استدعي وقد جلس مولانا السلطان على كرسيّ سلطانه في صورة لا شكّ أنّها (أحسن) (٥) الصّور، وهيئة تدهش ذوي النظر. وقد تجمّلت خواصّ مماليكه بأحسن مدّخرها من الملابس، وبرزت في هيئة إبريز لا شكّ أنها نار قابس. ودخل هذا الشيخ في هيئة الفقراء معمّما بفوطة مرخاة، لها عذبة بدلق، طوى كمّيه وجمجم. وفي خدمته أتابك، وشمس الدين ابن التّيتي. وكان هذا الشيخ يميل إلى الشقرة، فلما شاهد وجه / ٨١ أ / مولانا (السلطان) (٦) أعظم خلق الله بتنزيهه وتقديسه، وتمتّع من كلّ من مولانا السلطان وملبسه بنفيسه. فرأى مولانا السلطان لح (. . . . . .) (٧) وأمر بإجلاسه، تنويها من

стр. 110

قدره، وأحضر هذا الشيخ (. . .) (١) المذكور صندوقا لطيفا مقفلا، فلم يشكّ مولانا السلطان أنه جوهر مثمن. وفتحه حين وضعه بين يديه، فإذا فيه دواة من فولاذ (مجوهر) (٢) مرب [عة] (٣) (. . .) (٤) [يكو] (٥) ن طول شبر وفتر، يدور بها طران من ذهب. وداخل (. . . .) (٦) فضّة مسكوبّة مطليّة بذهب، وحليتها فضّة مطليّة. قيل إنّها صنعة هذا الشيخ. فحين اطّلعها (٧) مولانا السلطان استحقر همّتهم، واستنقص هديّتهم، وأنعم بها في الوقت الحاضر بحضرة الشيخ على صاحب ديوانه الصّاحب (فتح الدين) (٨) المذكور. [موت أحمد بن هولاكو] ثمّ سمع مشافهته التي حملها، وأحاط علما بتفصيلها وجملتها، وأعاده إلى منزله ليجهّز، فلم يكن أسرع من أن جاء الخبر بموت أحمد (٩) مرسله، وأنّ الحمام / ٨١ ب / وافاه معجّله. فسيّر مولانا (السلطان) (١٠) إليه وأطلعه على ذلك فأسقط في يديه، وأغمي عند سماع هذا الخبر عليه. ولم يقم الشيخ المذكور إلاّ أياما بعد

стр. 111

هذا الخبر ثم قضى نحبه، بعد أن عالج من هذا الخبر صعبه. وبرز أمر مولانا السلطان فأحسنت مواراته، وشكرت. بلحاق تلميذه في الإسلام مؤلّفاته. ثمّ ألحق بأتابك فتوافيا في دار الفناء، واستراحا في مقاساة العود من الغناء. ونقل شمس الدين بن التيتي إلى الاعتقال بقلعة الجبل، ومكّن رعاع من جاء معه من العود، ولم يكن بأحمد، إذ غصصوا بما فاتهم من ملكهم أحمد. [ترتيبات السلطان قلاوون وهو بدمشق] ثم أخذ مولانا السلطان في إرسال القصّاد، ومكاتبة المكاتبين، والنصحاء المجاهدين، باستطلاع ما استقرّ بعد وفاة الملك أحمد، ومن استقرّ، ومن خلفه في الملك ومن ثبت بعد وفاته ومن فرّ. وأقام مولانا السلطان بدمشق المحروسة حفظا لبلاده، وصيانة لعباده، ممّن يقوم، ومن يغروه لقصدهم بسوم. / ٨٢ أ / وبرزت المراسم الشريفة للنواب بالأطراف بالاحتراز من الغيّارة، وحفظ مغرّر الرعيّة أن يلتقطه بعض السّيّارة (١). وأن يحترز على المخائض أيّما احتراز، وأن لا يفرّط في جانب حقيقة الحزم بما لكاذب الأخبار من مجاز. وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بأن يحفظ ما عذق به منها، وأن لا يغفل ولا دقيقة عنها. وعاد مولانا السلطان إلى مقرّ ملكه كما بدا، وقد تحقّق شغل القوم بأنفسهم عن الاعتدا، ووردت كتب النصحاء بذلك، وأن المستقرّ في الملك بعد وفاة أحمد (٢). [هو أرغون بن أبغابن هلاوون] (٣). [عودة السلطان إلى مصر] واستقبل مولانا السلطان مصر مقرّ ملكه، وقد طفح بنيلها، وبرد بالريّ غليلها. وصبّح من مهاب نسيمها عليلها، وراقت بسط ربيعها الممتدّة، وتهيّأت

стр. 112

خيراتها التي هي لقدومه معتدّة. فتمتّع بها وتمتّعت، وسجدت أغصانها برؤوس (١) أكمام الثمار لله شكرا / ٨٢ ب / حين به كما يسّر (اجتمعت) (٢). وأنشد لسان حالها: إياب كما آب الحسام إلى الغمد ... وعود كما عاد الندى شجر الورد هذه صورة الحال في أمر رسول التتار أوّلا وثانيا. ذكر حزم مولانا السلطان عند سفره من كرسي ملكه لمثل ذلك وغيره كان مولانا السلطان عندما يبرز دهليزه المنصور بظاهر القاهرة، ويعزم منصوره (وما زال) (٣) الله ناصره، يتقدم أمره العالي إلى والي القاهرة ومصر المحروستين بالاحتراز التّامّ على الرعيّة ظاهرا وباطنا. وأن يخفرهم الولاة بأنفسهم سكنا وساكنا. وأن يواصلوا بأوراق الصباح، وتعريف سعر الغلاّت وأوراق زيادة النيل مع كل بريد. وأن لا يخلوا (٤) علمه الشريف من متجدّد كلّ يوم جديد. ويتقدّم إلى ولده ووليّ عهده السلطان الملك الصالح بأن يلاحظ هذه الأمور، وأن يحسن الخلافة على من استرعاه من الجمهور / ٨٣ أ / ويؤكّد على أخيه السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل في أن لا يناهب أخاه نهيا ولا أمرا، وأن يلزم معه الأدب سرّا وجهرا. فإذا لم يبق إلاّ الركوب من قلعته تقدّم أمره بكتابة تذكرة بتفصيل ما أجمله من وصيّته، ويشملها بخطّه الشريف، ويتقدّم إليه بأن يجعلها نصب عينيه، وأن يراجعها في كل أمر يعزم عليه. ذكر نصّ بعض ما كتب له من التذاكر فمن ذلك ما هو بخطّ الصاحب محيي الدين بن عبد الظاهر وهو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذه تذكرة مباركة نافعة بما يتأمّله المقام العالي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، أعزّ الله نصره، ملاحظا، ويكون راجعا إليه، ومسندا عنه، ومتمسّكا به، ومراقبا له، ومستكثرا منه. / ٨٣ ب / وبالله تعالى التوفيق.

стр. 113

«قد علم الولد - نصره الله - ما أعطانا الله تعالى من هذا الملك العظيم، والنعمة التامّة، والسلطان المتمكّن، وما نحن عليه من خوف من الله، وخضوع لعظمة الله، واتكال في أمورنا على الله، واستناد إلى قوّة الله، واعتقاد أنّ النصر إنما هو من عند الله، فيكون هذا اعتماد الولد في أموره كلّها، وأحواله جميعا. والله حسبنا ونعم الوكيل». فصل [بضبط قوانين المملكة] «وللمملكة الشريفة قواعد وضوابط وقوانين لا يجب الإغفال (عن) (١) مهمّ منها». فمن ذلك ما يعتمد في غيبتنا أحسن الله عاقبتها، وجعلها مقرنة بالنصر والتأييد، والظّفر على ما عوّد برحمته وفضله. أنّه يتقدّم بملازمة المجرّدين بالقلعة المحروسة، وتفقّدهم وأخذهم بالملازمة، وأن أحدا منهم لا يخلّ بنوبته على العادة في مراكز القلعة، / ٨٤ أ / وأبوابها وأسوارها ظاهرا وباطنا، وعلى الاعتقالات والحبوس في الليل والنهار والصباح والمساء، وفي أوقات ركوب الولد ونزوله. وتكون أبواب القلعة محفوظة بالأمراء والمقدّمين والبحريّة على العادة، ولا يفسح لغريب ولا لمتنكّر ولا لمحمول في طلوع القلعة. ويعتمد العادة في تجريد جماعة من الجند حول القلعة في جهة الجبل، ومن جهة القرافة، وعند دار العدل يحضرون في كلّ عشيّة، ويثبتون بخيولهم وغلمانهم طائفين بالقلعة، وحافظين لجهة الثغر. ويتقدّم بتجريد جماعة عند والي مصر وجماعة بالقرافة يطوفون، ويتقدّم بتجريد جماعة بالقاهرة يفرّقهم في المدينة وفي الحسينية، وفي الأحكار وفي الشارع، ويطوفون بالنوبة، ومعهم جماعة من جهة ولاية القاهرة، ويحترزون على الأبواب. ونوصي المجلس السامي الأمير علم الدين (٢) والي القاهرة على الاعتقالات وحفظها وحفظ من بها من المعتقلين / ٨٤ ب / والأسارى، ويؤكّد عليه في حفظهم وضبط أمرهم، والاحتراز على الحبوس وعلى الدّروب والأبواب، ويؤكّد عليه في منع ذوي العدوان وذوي الذّعارة من الاجتماع في مظانّ الفساد، وأماكن العيث.

стр. 114

والإنكار على من يمشي في الليل بغير حاجة، أو يخرج لا لضرورة، ويوقع الإنكار على ذوي الفساد، وشراب المنكرات، وإقامة حدود الله فيمن يوجد سكرانا أو على حالة منكرة، ويعفي آثار المنكرات كلّها، وإزالة ما تركنا الله الحمل الكثيرة من ضمانه لأن يعطل ويبطل. ولا يظهر الولد في هذه الحسنة على جميع الولاة، ويشدّد ويغلّظ وينكر ويحذّر. ويشهّر من يتجرّا أو يخالف أمر الله تعالى والمراسم المطاعة، ويعتمد السياسة التامّة في ذلك (١). ويعتمد الولد أمر الله في كلّ سارق وقاتل وجارح، ويحمل الأمر في ذلك على موجب الشرع الشريف، فالشرع يجمع كلّ شيء، ومن قتل يقتل، ومن / ٨٥ أ / سرق يقطع. كلّ ذلك بالحقّ والشرع الشريف. وكذلك في جميع البلاد يأمر بذلك. ويتقدّم الولد إلى ولاة الأعمال بحراستها وحفظها من المفسدين، ويكتب الحجج على مشايخ البلاد وخفرائها بحفظها في الليل والنهار، والمساء والصباح، والغدوّ والرواح، وإخراج بيوت شعر ينزل بها الخفراء من القرية إلى القرية، لتأنيس الطرقات وحفظها، وإجابة المستصرخ، ولحاق المتعرّي، وإدراك الهارب، وإمساك المفسد. وتتقدّم إلى الولاة بالمناداة بأنّ السّفّارة لا يسافرون إلاّ بالنهار، وأنهم لا يغرّرون بنفوسهم ولا بأموالهم. ومن غرّر كان إثمه في عنقه. ولا تجعل الولاة ذلك حجّة للخفرا، بل يلزمهم بكلّ ما يعدم. وكلّما يؤخذ، وكلّمن (٢) تعدّي عليه، ويعرّفهم أنّ منع الفساد في الليل والنهار إنّما هو من طريق الاحتراز، وإلاّ كلّما يؤخذ لهم يلزمون به. فصل [في تدريج الحمام الرسايلي] يؤكّد الولد - نصره الله - في تدريج الحمام الرسايلي لأجل البطايق / ٨٥ ب / وألاّ يسيّر إلاّ الطيور الجيّدة، وأنها تكون مدرّجة إلى غزّة المحروسة، حتى أنّ الخبر يصل إن شاء الله تعالى في يومه من غزّة، لا بل من الشام، وكذلك حمام بطايق الثغور وغيرها. فصل [بالاحتراز على الجند] يتقدّم الولد بالاحتراز على الجند والمتأخّرين المجرّدين عن العسكر

стр. 115

المنصور، وأيّ من حضر منهم ممّن كان متأخّرا بسبب مرض أو عاقة، أو كان في إقطاعه، يعرض في ديوان الجيوش المنصورة، ويكتب له ورقة طريق تحليته وحلّية غلمانه، ويعلّم الولد عليها، ويؤمر بسرعة لحاقه للعسكر المنصور، وأن لا يتاجر بالجملة الكافية. ويجدّ في سيره. فصل [بوالي الشرقيّة والعربان] يؤكّد الولد على الوالي بالشرقيّة وعلى والي العرب (وعلى العربان) (١) في ترتيب خيل البريد بعد توجّه العسكر المنصور، وأن لا يحضر إلاّ خيل (٢) جيّدة، ولا يحضرون فرسا عجفاء ولا عاجزة. ويأمر بأن لا يفارق صاحب النوبة مكان نوبته / ٨٦ أ / حتى يحضر صاحب النوبة الأخرى ويتسلّمها. ومن ترك نوبته شاغرة ينكر عليه ويؤدّب ويغرّم. ويتقدّم الولد - نصره الله - بأنّ فرس بريد لا يتعدّى بها أحد (مكانا دون) (٣) مكانها، ولا منزلة إلى أخرى. فصل [في حفظ المياه] ويؤكّد على والي الشرقيّة، وعلى والي الغرب في حفظ المحارض والمياه من جهة البرّيّة، الكرك وغزّة من تلك الجهة. ويوصي مقدّمي العائد وغيرهم على حفظ نوبتهم، بحيث لا يفوتهم الطائر إذا طار إلى تلك الجهات بالجملة الكافية، ويحفظ جهة السويس، وماء العنبج، والطريق البدريّة، ومن وجد على غير الطريق الجادّة رائحا أو واصلا أمسك، ويطالع به. ويوصي والي الشرقية في إنفاذ الحمام إلى برج السويس صحبة من جرت العادة بتجريدهم فيه، ويزيد عدّتهم في هذا الوقت به. ويؤكّد عليهم في الحفظ التامّ والاحتراز. ويؤكّد على والي الشرقيّة، وعلى والي الخيريّة في إقامة الخفراء في الأماكن / ٨٦ ب / المعروفة بهم خلف قلعة الجبل المحروسة، وخلف الجبل إلى (جهة) (٤) السويس، وإلى جهة إطفيح (٥)، ومن جهة شرونة (٦) من الأعمال البهنسائيّة، (٧) بحيث أنّ هذه الجهات لا يسكنها

стр. 116

أحد، وتكون محفوظة محروسة، محترزا عليها، محفوفة بالخفراء. ويدرك مقدّموها أمرها حتّى إنّه إن حصل خلل - والعياذ بالله - كان دركها لازما لهم، وكانت أرواحهم قبالة ذلك. فصل [في استطلاع أخبار الثغور] يستطلع الولد - أعزّه الله تعالى - الأخبار من جهة الثغور، وما يتجدّد بها من جهة البحر من أمور. ويكون الولد عينه إلى ما يتجدّد من خبرهم من جهة الروم. أو جهة العرب، أو بلاد الفرنج، ويعرّفنا بالمهمّ من ذلك في وقته وساعته. ويعمل بحسب ما يتجدّد من الاهتمام بالمداركة، وانتهاز الفرصة، وتلافي الأمور من غير إهمال ولا إغفال، حسبما يقتضيه الحزم التامّ. ويؤكّد الولد على والي الإسكندرية في أخذ الرجال من الجند الذين بها، والقبائل، وأهل الثغر بما جرت عادتهم به / ٨٧ أ / من لبس عددهم، والعرض بها، والمرابطة على العادة. ويؤكّد عليه في حفظ فنادق الفرنج، وحفظ مفاتيحها في الليل، وفي وقت صلاة الجمعة، وفي حفظ الأمكنة المجاورة لها، وفي حفظ المواني من جهة المير ومن كلّ جهة. وأنه يكون مستظهرا في أموره كلّها. ويتقدّم الولد إلى والي دمياط ووالي الغربيّة، وإلى نستروه (١)، وإلى رشيد (٢) بحفظ السواحل والبرور، وكلّ من جرت له عادة من العربان بحفظ مكان يرتّب فيه ويلزم بحفظه. وكذلك جهة الطّينة (٣)، وتنّيس (٤). ويؤكّد على والي دمياط، ووالي قطيا (٥) في حفظها والاحتراز عليها وضبطها وحفظ من يدخل منها أو من يخرج. ويؤكّد في ذلك. ويوصي ولاة الثغرين في إطابة قلوب التجّار واستمالة خواطرهم

стр. 117

ومعاملتهم بالعدل والإحسان والرفق والإنصاف ليتوجّهوا شاكرين حامدين، مستجلبين خواطر من يحضر بعدهم من التّجار، مع اعتماد مصلحة الديوان المعمور. / ٨٧ ب / وتتقدّم إلى والي البحيرة بحفظ الطرقات وحفظ المنازل من جهة برقا (١)، وتلك الجهات، وضبطها من متسلّك، أو متسحّب، أو نازح. ويؤكّد الولد على والي البحيرة في مباشرة خليج الإسكندريّة، وإزالة ما هو في طريق الماء من بلعات (٢). وكذلك تتقدّم إلى والي الإسكندرية بحفر ما يلزمه من ذلك. ويؤكّد على والي البحيرة في ملازمة البحر المنصوري المعروف بالطّيريّة، والمطالعة بما يتجدّد فيه من منفعة وبركة ونموّ. ويؤكّد الولد - نصره الله تعالى - على والي البهنساية (٣)، وعلى والي الفيّوم في حفظ جهة ألواح من الجند المتسللين، أو الأكراد، أو الشهرزورية، ويحذر من اجتماعهم في مكان واحد. ويؤكّد الولد على والي الجيزيّة في أنّه لا يخلّي أحد ممّن ينكر مثل شهرزورية وأكراد بطّالين، أو من يكون من هذه النسبة أنّهم يعدّون بيوتهم وأولادهم مجتمعين، ويوصيه بالاحتراز من هذا الأمر. وأنّه / ٨٨ أ / يتيقّظ لهذه المصلحة ويلاحظها، ويكون على تحفّظ من هذا الأمر. وكذلك يتقدّم بالوصيّة على جهة ألواح من جهة ولاية سيوط (٤). ويتقدّم إلى ولاة البلاد بأن (لا) (٥) يفسحوا للعربان في حمل شيء من السيوف والرماح، وتؤخذ منهم وتسيّر إلى خزائن السلاح المنصورة على العادة. فصل [في مهمّات الأمراء والجند] وقد علم مهمّات الأمراء والجند، وأنّهم في بيكار (٦)، ويحتاجون إلى الملاحظة في غيبتهم، وحسن العناية بنوّابهم. والشّدّ منهم في خلاص حقوقهم من

стр. 118

جهاتهم، ومن إقطاعاتهم، وإكرام مخلفيهم. مع المكاتبات إلى ولاة الأعمال بقضاء أشغالهم، وتقوية أيدي نوّابهم ومراعاة أسبابهم، والإعانة لهم في التقدّم بتلافي أمورهم جميعا لتكون أحوالهم ماشية في غيبتهم أكثر من حضورهم، والاعتناء بهم أوفى، والملاحظة أكثر، وتقوية اليد أتمّ. فصل [بزيادة النيل] / ٨٨ ب / وإذا أتمّ الله نعمته، وأسبغ رحمته بزيادة النيل المبارك وعموم رحمته، وشمول بركته، ويلاحظ الولد أمور الجسور والتّراع (١)، ويكتب إلى الولاة بحفظها وضبطها ومبيت الرجال عليها وتحصيل الأصناف بحيث لا يختلّ جسر إلاّ وتكون الأصناف والآلات التي تدعوا (٢) الحاجة إليها حاصلة لإعاقة لها، خصوصا جسور الخيريّة (٣) فإنّ أمرها مهمّ لا ينبغي الغفلة عنه طرفة عين. ويرتّب الحمام الرسايليّ عند مباشرتها لاحتمال أن يتجدّد فيها خلل، فيستدرك سريعا بأمير كبير يسيّره للوقوف على ذلك وتلافيه وتداركه. ويجعل هذا الأمر نصب عينيه. ويتقدّم بأن لا يفتح جسر، ولا ينفّس عنه، ولا تفتح قنطرة، ولا تكسر ترعة، إلاّ عند استحقاقها وفي وقتها على حكم مصلحة الوقت ومقدار النيل وكثرته من غيرها. والشهادة على الخولة (٤) والمهندسين بذلك. ويحذّر الولاة والنوّاب من أنّ أحدا من نائب أمير أو غيره / ٨٩ أ / يكسر جسرا بيده لمصلحة إقطاع مخدومه، وتشريق ما عداها. ولا يكسر جسر إلاّ بأمر الوالي في تلك الجهة، واتفاق منه بحضور أكابر البلاد ومشايخها وخولتها، والإشهاد عليهم. فصل [في ريّ البلاد] يتقدّم الولد إلى الولاة بالاجتهاد في ريّ البلاد، ويحذّرهم من أن يبور منها قعر قصبة، أو أن تهمل أمور قوانين الريّ ونظمها، وإنفاذها. ويحذّر الولاة من أن يحضر أحد شاكيا منهم بسبب تشريق إقطاع مخدومه لإهمال أو تفريط، أو محاباة

стр. 119

جهة دون جهة، أو تغلّب قويّ على ضعيف، أو أمير على جنديّ. وتكون المساواة شاملة، والمعونة تامّة. فصل [بإخراج التقاوي للزراعة] وإذا عمّت بركات الله تعالى، وشملت رحمته بتغليق الأراضي بالريّ، يصرف الولد - نصره الله تعالى - عنايته ويوالي / ٨٩ ب / مراسمه، مؤكّدا فيها على الولاة بإخراج التّقاوي المرصدة لتخضير البلاد وتغليقها بالزراعة، بحيث لا يبور منها الشبر الواحد بغير زراعة. ويدبّر أحوال البلاد بكلّ ممكن، ولا يحتجّ بحجّة، ولا بحضور وكيل مقطع، ولا غيبته. ويتوعّد الولاة، ويغلظ الإنكار عليهم بهذا السبب، ويفهمهم أنّه إن بار شيء كانوا موآخذين به. وأنّ ذلك لازمهم، وتكون أرواحهم وأموالهم قبالة ذلك. ويؤكّد في المكاتبات إليهم بذلك في جميع الأوقات، ويأمرهم بردّ الفلاّحين إلى أماكنهم (١) ليحصر آثارهم (٢). هذه جمل وراها (٣) جمل، وفصول وراها (٤) فصول، وأصول وراها (٥) أصول. وفي الولد - أعزّ الله (سلطانه) (٦) - من الألمعيّة ما يفرّع أصولها، ويوصل فروعها، وينتزع من مطاوي مفهومها، ما يحسن إلى المصلحة نزوعها. فيتأمّل ما تضمّنته، وينسج على منواله، وينتج منه / ٩٠ أ / مقدّماته ما يناسب معنى تفصيله وإجماله. والله تعالى يمتع ببقائه، ويؤكّد أسباب عزّ سلطانه واستعلائه، بمنّه وكرمه». * * * ومن ذلك تذكرة أخرى في سفرة أخرى من إنشاء صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين. [تذكرة شريفة ملوكيّة من إنشاء فتح الدين ابن عبد الظاهر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «تذكرة شريفة ملوكيّة ينتهى إلى فصولها، ويستوعب جميع محصولها، المقام العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، لا برحت له الذكرى

стр. 120

نافعة والخلائق سامعة، والملوك والممالك طائعة، والأمور إلى أوامره الكريمة ونواهيه راجعة، ويطالعها مطالعة من إذا تلحّظها تحفظها، وإذا نقلها تعقّلها. وإذا غاب عنه فهم أذكرته، وإذا خفي عليه حكم من أحكام الأمور بيّنته له وأظهرته. وقد جعلناها بين يديه نورا يسعى. وحكما يرعى. / ٩٠ ب / فصل [في أن العدل أساس الملك] الولد يعلم أنّ العدل رأس مال الملوك المربح، وفعلهم المنجح، فبالعدل دامت الدّول، وبالعدل العمريّ (١) تعمّر الأقاليم، وبالعدل أمنت البلاد والعباد. فليعدل في الرعيّة الأقربين والأبعدين، الحاضرين والغائبين. ويكشف ظلاماتهم، ويسمع شكاياتهم. وينصب إلى إنهاآتهم. ولا يحكم للشاكي على المشتكي إلاّ بحضور المتشاكين، فإن كانت القضيّة شرعيّة ردّها إلى القضاة والحكّام الذين نصبناهم للفصل بين الحلال والحرام، وإن كانت شناينه تقتضي التأديب. فهو ذو الفكر الصائب والعقل الأريب. فيفعل (في) (٢) ذلك مبلغ حكم ملكه فعل من أقام الحقّ في مكانه، وأمر بالمعروف في زمانه وأهل زمانه. فصل [في الإنصاف] وإذا تعيّن حكم على ذي جاه من ذوي الإمرة لضعيف قدره، أو (٣) / ١٩ أ / قدرته. فلينصف منه أتمّ إنصاف. فما جعل السلطان إلاّ لينصر الضعيف على ظالمه. ويقوّي يد المسكين الذي لا قدرة له على تخاصمه. فينصف - أعزّ الله سلطانه - الضعيف من القويّ، ويفصل بحكمه بين السقيم والبريء. فصل [في ملازمة دار العدل] ودار العدل يتقدّم إلى نوّابها بملازمتها في الأيام المعلومات، ويحضرها من كانت عادته بالحضور فيها مدّة الغيبة في البيكار، ليفصلوا بين شكايات العالم، ويحسموا مادّة الشكاوى، ويقطعوا المظالم.

стр. 121

فصل [في أمور الأموال ومصالح البلاد والدواوين] وأمور الأموال ومصالح البلاد والدواوين، وترتيب ما بها من الأموال والقوانين هي أصل في التدبير، وباب كبير إلى نيله يسير. والولد - أعزّه الله تعالى ونصره - يستطلعه من المجلس العالي، الأميري، الأجلّي، الكبيري، العلمي، سنجر المنصوريّ / ٩١ ب / مدبّر الممالك الشريفة وهو يراجعه فيه. ويتحدّث معه فيما يوفّر الخير ويوفّيه. فليساعد اهتمامه بمراسمه النافذة، وينهض عزمه بأوامره، حتى إنّه يقوّي يده، ويشدّ عضده، ويحصّل ما هو مهيّمن عليه، ومفوّض أمره إليه. ويكون حديثه معه في المصالح، وحديثه مع الناظرين (١) والديوان، ومفاوضته له، ومفاوضته لهم في كلّ مهمّ. فصل [حول الأمراء المنصورية والمماليك السلطانية] الأمراء المنصوريّة وغير المنصورّية، والمماليك السلطانية، والبحريّة، والمجرّدون بالقلعة وغير القلعة، يلاحظ أمورهم، ويضاعف حسن السياسة والإقبال عليهم، صغيرهم وكبيرهم، ويعاملهم بما يستميل به قلوبهم، ويوفّر من الملاحظة نصيبهم، ومن له خدمة ووظيفة يلازم خدمته ووظيفته ولا يفارقها إلى انقضاء نوبته. ومن بنوبته إن كان ممّن يردّ بالقول / ٩٢ أ / فبالقول، أو بالفعل فبالفعل. وأيّام العبور إلى الخدمة يدخل من جرت عادته بالدخول إلى الخدمة، ويقف كلّ منهم بمكان وقوفه على عادته. وإذا انقضى السّماط ووقت الخدمة يخرج الجميع. ولا يتأخّر أحد ممّن ليست له عادة بملازمة وظائف الخدمة، وكذلك أوقات الجلوس العام، والجلوس الخاص، لا يدخل أحد في غير وقت دخوله المعتاد، ولا سيما من لا له عادة في خدمة بدخول ولا خروج. ولا يقدّم أحد له قصّة من يده. ولا يتحجّب من ليس له عادة بالحجوبيّة. ولا يتحدّث أحد فيما لا يعنيه. ولا يقف أحد في غير مكانه، ولا الذي لم تكن له عادة بالوقوف إلى جانبه. ولكلّ أحد ممّن هو في الخدمة منزلة ومكان يخدم فيه بحسبه، ولتكن عينه لذلك مراقبه، وفكره في هذه المهمّات صائبه.

стр. 122

فصل [في الباب الجوّاني بقلعة القاهرة] / ٩٢ ب / الباب الجوّاني، باب الرحبة، تلازمه صبيان قاعة الأعمدة بالنّوبة، وباب القلعة الجوّاني مثل باب القلعة البرّاني يلازمه أيضا منهم جماعة بالنوبة على العادة في الليل والنهار. وباب القلعة البرّاني تلازمه المقدّمون ومضافوهم من المماليك السلطانية بالنّوبة (١). ولا يخلّ أحد بنوبته. فصل [في إغلاق أبواب القلعة] أبواب القلعة تغلق وقت العادة، وتفتح وقت العادة. ووالي القلعة يحضر المفاتيح إلى والي القلّة (٢)، ووالي القلّة يدخل بالمفاتيح التي للقلعة والقلّة، وتسلّم لمن كانت تسلّم له على العادة، وأبواب السّرّ لا تفتح أبدا إلاّ لمهمّ كبير يقتضي ذلك». هذا ملخّص فصول هذه التذكرة، وهي كثيرة طويلة، / ٩٣ أ / وفيما ذكرناه مقنع. ومنها تذكرة أخرى من إنشاء جامع هذه السيرة وهي تذكرة شريفة، أماير اليمن بها مطيفة. تقدّمت المراسم الشريفة، العالية، المولوية، السلطانية، الملكيّة، المنصوريّة، السّيفية، خلّد الله سلطانها، وأظهر برهانها. بترصيع فصولها، وتفريع أصولها، وتنميق سطورها، وتوفيق صدورها على أعجازها، وأعجازها على صدورها. وإيداعها ما ينطق بالصواب لسان قلمه، وينبي عن فصل الخطاب بتنوّع حكمه. يقف عليها المقام الشريف، العالي، الولدي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، وليّ عهده، عند حدّها المحدود، ويراجع فصولها القاضي بها حسن إرشاد الولد للمولود. ويهتدي بأنوار هديها فيما يأتي ويذر، ويطالع صورها البادية لعلمه في أحسن الصّور، ويجعلها / ٩٣ ب / نصب عينيه نهى وأمر. ولا

стр. 123

يخرج عنها في دقيق ولا جليل مدّة الغيّبة، ومن وصّى بما اقتضته حنوّ الأبوّة كمن حضر. على أنه - أعزّ الله سلطانه - سديد الآراء، بصير بعواقب الأمور، غنيّ بألمعيّته، وإنّما هي وإن بهرت أنوار سؤدده نور على نور. فصل [بالاحتراز على المعتقلين بقلعة الجبل] إذا استقلّ ركابنا الشريف من قلعة الجبل المحروسة بنيّة هذه الغزاة التي أخلصنا فيها النّيّة، وطوينا عليها ما جبلنا عليه من (إصلاح) (١) الطّويّه. وعاد الولد بعد وداعه إليها، وأقبل بوجه حسن الخلف عليها، وجلس بكرسيّ ملكها؛ وانتظم واسطة بجوهرة سلكها، يكون مهمّة المقدّم على كلّ مهمّ، واحتفاله بما من المحذورات يلمّ. التقدّم بالاحتراز على من اعتقل بالقلعة المحروسة من الأمراء ذوي الفتن، والمودعين بسجونها من ذوي الإحن. والتوكيد على مباشرتهم في الليل والنهار، واقتفاء ما / ٩٤ أ / لهم وللمتردّد إليهم من آثار. والتضييق عليهم إلاّ فيما هو مرتّب لهم من مأكول ومشروب، ومستدعى ومطلوب. وتفقّد مريضهم المتحقّق مرضه بحكماء الخدمة، ومعالجتهم بتعجيل النسخ على ما تقتضيه الحكمة. ولا يؤخّر عنهم طعام عن وقتهم الجاري به العادة ولا كسوة، بل تفاض عليهم في أوانها على ما قرّرناه، وإذا لم يكن زيادة على ما ذكرناه. ويتفقّد الولد أحوالهم، وتبسط بالوعد المؤثّر له في نفوسهم المحبّة آمالهم. فصل [ملازمة المجرّدين بباب القلعة] يتقدّم الولد - أعزّه الله تعالى - إلى من جرّدناه من مماليكنا بباب الرحبة، وباب القلعة بالملازمة لهذه الوظيفة، والمواظبة لهذه المصلحة التي هي به مطيفة. وأن يكونوا على بصيرة من أمرهم، واحتراز من ذوي المكر، ولا يحيق بمشيئة الله تعالى بهم إلاّ سوء مكرهم. وباب القلعة الذي إلى جهة القرافة / ٩٤ ب / لا يفتح مدّة غيبتنا، ولا يزال مغلقا في وجه ذوي التصرّف إلى حين أوبتنا، ولوازم القلعة المذكورة محروسة من

стр. 124

الولاة والجان داريّة (١) والكنانيّة (٢)، والبرتداريّة (٣) والبوّابين، والطّرادين. يتقدّم أمر الولد - أعزّه الله تعالى - بأن لا يخلّوا بما هو معذوق بهم، ومنوط بسببهم. فصل [بحراسة الأكناف] يتقدّم أمره العالي إلى كلّ من والي مصر والقاهرة بحراسة الأكناف، وصيانة الأطراف من الأطراف، والاحتراز على المعتقلين من ذوي الجرائم والذنوب العظام، والانتصاب على أبواب أدرهما لإغاثة الملهوف من قريب وبعيد. (وأن) (٤) يكونا (٥) لداعي التظلّم أسرع مجيب. وأن يكفّا يد من حولهما عن قطع المصانعات، والإرجاف في المدينتين بما يذهل المرضعات. ويؤكّد عليهما أن لا يناما هما ومن هو مضاف إليهما من ظواهر المدينتين، / ٩٥ أ / كالقرافتين والسواحل والبرك عمّن يقصدها من المتحرّمة، ويجوس خلالها في الليالي المقمرة فكيف المظلمة. وليكن لهما في كلّ ناحية نائب يسرع إليهما من نائبة تنوب، وليحترز في احتراز من عنهما ينوب. ولا يخلاّ بالركوب في الليل ومراعاة جانب الرعيّة، بحيث تكون أحوالهم بالتطواف عليهم مرعيّة. ويحذّر من الإهمال، ويؤكّد عليهما في تعفية رسوم المنكرات، وتأديب بنات الخطا وأهون بهم من بنات. وأن تغلق قاعات العلاج، وتحسم مادّة ما يتمّ بها ممّا يقتضيه القوّة من الهياج. وبالحسينية قاعات تسمّى «قاعات الفتوّة» يأوي إليها القطيعون من أبنائها ومن يظنّ من نفسه القوّة. فيتقدّم أمره بالمبادرة إلى غلقها، وسدّ مستوعر طرقها، واستنزال بدورها من أفقها. ومن ظفر به منهم فليمثّل به غاية التمثيل، وليشعف به مالهم من قبيل.

стр. 125

والمنجّمون فلا يمكّن أحد منهم من الجلوس، وليؤخذ عريشهم وسرماطيهم ومقرقلهم / ٩٥ ب / ومكشّبهم (١) بالردع الذي تطيب به النفوس، وينادى في البلدين وظواهرهما بأمر الولد - أيّده الله تعالى - أن لا يعتمد أحد ذلك، ولا يسلك شيئا من هذه المسالك. وليهذّبهم بالصّلب والضرب وما أشبه ذلك. فصل [بانتصاب القضاة للأحكام] تتقدّم إلى قضاة قضاة المسلمين بالانتصاب للأحكام، والتبتّل للنقض والإبرام. وأن لا يتّخذوا حجّابا ولا بوّابين يمنعون الطارق، وأن يجلسوا بأواوين المدارس طرفي كلّ نهار حتى أيّام الجمع لفصل القضايا الشرعيّة بالعزم الصادق. وأن يلازموا دار العدل، ولا يتأخّر أحد منهم عنها إلاّ لعذر شرعيّ يمنع منها. وأن يتركوا ما بينهم من التنافس، وأن يكونوا يدا واحدة كما يقتضيه حسن التجالس. فصل [بالتشديد على الولاة بالعدل والإحسان] لا تزال كتب الولد متردّدة إلى الأعمال شرقيّها وغربيّها / ٩٦ أ / وقبليّها وبحريّها بالتشديد على الولاة في العدل والإحسان، واعتماد ما يقتضي للبلاد بالعمران، وللرعيّة بحسن الاستيطان، والرفق بالفلاّحين، وتفقّد أحوالهم في كلّ حين. وأن لا يمكّن منهم عسوف ظالم، ليتظافروا (٢) على عمارة البلاد إذ هم لهم كالمعالم لا بل المعالم. وتفقّد الجسور والتراع، والعدل في زيّ البلاد، بحيث تنحسم مادّة النزاع والاجتهاد في تحصيل الأموال الدّيوانية عند استحقاقها من غير حيف، وحملها إلى بيت المال المعمور الشتويّة في الشتاء والصّيفيّة في الصّيف. ووكلاء المقطعين من الأمراء والجند تقوّى يدهم على تخليص الحقوق، وأن لا يهمل جانب العناية بهم فإنّ ذلك ممّا لموكّليهم عن القيام بالخدمة يعوق. فصل [بالمبادرة للإطلاع على البريد] متى وصل البريد من جهتنا إلى الولد يبادر إلى الإطّلاع على مضمونه والإحاطة على مكنونه. والتفهّم لمعانيه، والوقوف عند أوامره / ٩٦ ب / ونواهيه،

стр. 126

والمجاوبة عنه في وقته وساعته، وتجهيز برد النوبة به إلى دهليزنا الشريف بنهاية الاحتفال وغايته. بحيث لا يحصل الخلل في الجواب بإهمال فصل، ولا إغفال فرع ولا أصل. فصل [باستعداد العسكر] العسكر المقيم عنده من الأمراء والجند واستداريّة من هو صحبة ركابنا ومن عنده، وممّن لعلّه متأخّر من مماليكهم ومماليكه ومماليكنا، تتقدّم إليهم بأن يكونوا على أهبة واستعداد مزاحين (١) من كلّ ما يلزم الأمراء والأجناد، ومن بالبلاد من العرب وولاة الإقطاعات ونوّاب الأمراء، بحيث إن دعت الحاجة - والعياذ بالله - إلى طلبهم أسرعوا في الحضور، وبادروا إلى ما دعوا إليه من غير فتور. فصل يتقدّم في كلّ وقت إلى مباشري الوزارة والمستوفين والنّظّار / ٩٧ أ / بتحصيل الأموال، والاستكثار من الغلال، من غير إجحاف ولا طلب ما لا يستحقّه بيت المال، فالظلّم إن لم يتدارك بالتلافي كان مضنّة التلاف. فصل [بتحصيل المباشرين للأموال] الولد، أعزّه الله تعالى، لا يكثر من الركوب، وليحترز - صانه الله - ممّا لذوي القدر من الوثوب، ولا يقرّب منه إلاّ من هو واثق بولائه، ولا يعلي إلى رتبة التقرّب منه إلاّ من هو حقيق باستعلائه. وليكن موكبه محفوفا بالسّكينة والوقار، مشحونا ممّا ألفناه منه من القوّة والاستظهار. ولا يزيد على ركوب العادة، ولا يوغل في التسيير بسلوك غير الجادة. وإذا رفعت إليه قصص في ركوبه فليأخذ بيد رافعها بالعدل والإنصاف، وليكشف ظلامته بنفسه، ولا يكله على ذوي التسويف، وهو أمر عن علمه غير خاف. فصل [العناية بخيل البريد] خيل البريد هي المقرّبة ما بين المسافتين، والطّاوية لما طال / ٩٧ ب / من الشّقّتين. والمحضرة غائب أخباره، والمبينة عن كنه أسرار الملك وأسراره.

стр. 127

فليتقدّم أمره العالي بأن لا (١) يخل المراكز منها ولا طرفة عين، وأن تكون من الخيول المقصر سيرها بطول خطوته خطى البين. فصل [العناية بثغري الإسكندرية ودمياط] الثغران: ثغر الإسكندرية وثغر دمياط هما المعتبران (٢) إن اعتني بأمرهما من طارق يطرقهما إلا بخير، الباسمان إن روعيت مصلحتهما في دفع كلّ ضرر وضير. والمخشيّ عليهما منه إنّما هو الفرنج وكرساليّتهم المتلصّصة، وحراميّتهم المفترسة المفترصة. فليكن الولد - خلّد الله سلطانه - منهما رائيا (٣) ومسمع، وليوكّد على ولايتهما فيما أكّدنا عليهما فيه من المراقبة بالقعود لهما في كلّ مرقب حتى لا يكون ولا لرياحهم إن هبّت مطمع. وأنه متى لاحت لهم بارقة، أو طرقهم - والعياذ بالله - طارقة، بطّقوا في الساعة الراهنة. والحذر كلّ الحذر أن يكون لما يظهر من سفن كامنه. وليحترز عليهم حتى من سرقة الماء، / ٩٨ أ / والتّحيّل على أسار من لعلّه يغرّر معرضا على التعوّذ بما لله تعالى من أسماء. وعلى هذين الثغرين وظيفة موظّفة، ولوازم كلّ منهما بها مكلّفة، من أموال وأقمشة برسم الخزانة الشريفة، فلا يهمل الولد أمرها في أوانها، وبروز مراسمه بطلبها في أحيانها. من غير إزعاج الرعيّة، ولا مصادرة بطلب ما لا يجب وحسبنا ما فيه من المعيّة. وليتقدّم أمره العالي إلى واليي هذين الحصنين بكفّ الكفّ، ومجانبة ما ثقل وإتيان ما خفّ. ومعاملة التجّار الواردين من المعدلة بما يشيع خبره، ويحمد أثره. وتتلى على روس (٤) الأشهاد سوره، فالعدل أجلب للبركات، وأجلب لثدي المرضعات، وبه عمارة البلاد، وتثمير الأموال التي هي مادّة الأجناد، واستجلاب أدعية العبادة، بالنصرة على أهل العناد. فصل [بدار الطراز] دار الطّراز هي مادّة الرياش، ومؤثرة ما يقضي حسن مرآه / ٩٨ ب /

стр. 128

بالانتعاش، وهي المفاضة خلعة المحلّى للأعطاف موشعها، المجملة الخزائن تعابيها (١)، المضيّقة صدورها بما يشرح الصدور من مشرفها وكابيها. ولها مال يحمل من جهات معيّنة، وحواصل هي في جرائد الاستقرار مبيّنة، ومتى أخلّ بها أخلّت الخزائن من تحفها النفيسة، وقبضت الأيدي عن إفاضة ملابسها التي بها بذار زهرة ربيعها مغروسة. فليتقدّم الولد - عزّ سلطانه - في كلّ وقت بتفقّد أحوالها، والمواصلة بالأموال التي هي أحوى لها. والرفق بها إلى أن تضع حملها، وتؤدّي فرضها (٢) ونفلها، وتواصل من حللها بما هو المعلم، وتسطّر بأقلام أخلتها، من ألقابنا الشريفة كلّ محكم. فصل [بخزائن السلاح] وخزائن السلاح هي الناب والظّفر لمن لا ظفر له ولا ناب. وكم استنابها فأغنت فيما دهم وناب. فليكن الولد ملاحظا لمجدّداتها، غير واقف عند حدّ في الاستكثار من (مرهفاتها) (٣)، بحيث / ٩٩ أ / خزائنها شاكية السّلاح، دامية الجراح، دارية الاقتداح. وإنّما ملاكها توفير الأموال، ومجانبة الإقلال، ولها حمل في كلّ وقت فلتطلب عند حلوله، ليحث مباشروها على معقوله ومنقوله. فصل [بدار الضرب] دار الضّرب هي أحد ما للملك من علوّ الرّتبة، وتسامي الهضبة، وهل شكّ في أنه عبارة عن السّكة والخطبة. فليتقدّم أمره العالي بأن لا يعطّل قلم درهمها ودينارها، ولا يغب فيها باسمنا الشريف الذي هو مادّة أنوارها، وعنوان إيسارها، وأن تتجنّب فيها إتيان الزائف، وأن يكون دينارها موصوفا (بعدل أيّامه) (٤) بأنّه الحايف. فصل [بالحذر من التجّار] إذا ورد عليه تاجر من تجّار المماليك فليحذّر التّجار من بيع ما يصلح

стр. 129

للخاصّ الشريف لأحد من الأمراء كائنا من كان، وليبذل في / ٩٩ ب / التحذير من ذلك غاية الجهد والإمكان. وإذا صلح منهم شيء من الجنس الجيّد فليتقدّم بالمعاقدة عليه وإنضاض ثمن من غير مطل فإنّ ذلك أجلب للتجّار، وأدعى ببلوغ الأوطار. وليكتب للتاجر توقيع بالمسامحة ممّا يتبضّع به من ثمن بيعه لسفرة واحدة، ويشرف من الخزانة بما جرت به عادة أمثاله ليكون ذلك أدعى لرجوعه، وإذا ورد عليه تاجر بمرسومنا بثمن ما اشتريناه منه هنالك، فليسلك معه في الوفا أحسن المسالك. ولا يؤخّر عنه حقّه ساعة واحدة، بل يوصل إليه مهيّنا ميسّرا فما خابت ذمّة ناقده. وثمّ أمور غير ما ذكرناه، وفصول غير ما أردناه، يتفرّع عنها، ويتولّد منها. وكم أنتج القليل من كثير، واليسير من جمّ غفير. وإذا أنعم الولد النظر فيما نصصناه، وتدبّرنا ما أصّلناه، نشأ له عن ذلك أحوال فأحوال، وتفصيل وإجمال. ونحن واثقون منه بأنه سيكون عنده ما توسّمناه، وأنه غنيّ عن ما رسّمناه حين رسمناه. / ١٠٠ أ / وإنّما الله ، يقول، وهو أصدق القائلين: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ذكر ما آل إليه أمر الملك خضر بن الملك الظاهر وصورة نزوله من الكرك كان مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - قد استقرّ بالملك خضر ابن الملك الظاهر، وأخيه سلامش بالكرك، بعد موت أخيهما الملك السعيد، وأمكنهما من ذخائرها وخزائنها، حفظا لعهد أبيهما وأخيهما، فلم يقف الملك خضر عند حدّه، ولا أحسن المجاورة يتعدّى من لم يغن عنه غنا (٢) من جنده. ووالوا أسباب التعدّي حتى يقطع الطريق، ومدّ اليد إلى أموال الفريق فالفريق (٣) فالفريق. ومولانا السلطان يكتب إليه، ويهوّل ولا يهوّن عليه، ويشير عليه إشارة (٤) الوالد للولد، ويأمره بكفّ كلّ يد، والحال لا ينتهي، والتصميم كلّما أنهي عاد إلى ما عنه نهي. / ١٠٠ ب / فجرّد مولانا السلطان من أخذ عليه الأنفاس، وأذاقه بقطع المادّة

стр. 130

عنه وإن كثر حاصله من الذّهب مرارة الإفلاس. فاقتضت له هذه الشدّة قصر المدّة، بتطاول منع هذه المادّة، أن (سيّر) (١) مستجيرا (بحنوّ) (٢) مولانا السلطان، باذلا في التنصّل غاية الإمكان. وتكرّرت رسله سائلا الصّلح وإن لم يبق له موضعا، مستعطفا خاطر مولانا السلطان متضرّعا. فرجع مولانا السلطان إلى طبعه الشريف، وخلقه اللطيف، ووافق على الصّفح والإغضاء، وما أحقّ أوامره بالإمضاء. وحلف على ما اقترحوه، وأعرض جانبا عمّا اجترحوه. ووادعه وأنامه بالرضى منه في الأمن والدّعه، وتحرّرت هذه الموادعة، بخطّي ومولانا السلطان خلّد الله ملكه بدمشق المحروسة، ومضمونها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «أقرّ مولانا السلطان، الملك، المنصور، السيّد، الأجلّ، العالم، العادل، المؤيّد، المظفّر، سيف الدنيا والدين، أبو الفتح قلاون / ١٠١ أ / الصّالحي - خلّد الله ملكه - المقرّ العالي المسعوديّ خضر ولد السلطان السعيد الشهيد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصّالحي، رحمه الله تعالى (على ما كان بيد أخيه الملك السعيد ناصر الدين بركة، رحمه الله تعالى) (٣) من الكرك، وما هو متعلّق بها ومضاف إليها، إقرارا منه به في سربها، وأعذب له موارد شربها، وأمكنه من صهوتها، ووطنه عالي ذروتها وصرّفه فيها، وخصّه من الدّعة بوافيها، حفظا لعهد أبيه، ومراعاة لنسابة أخيه. على أنه يلزم أدبه وما أولاه بلزومه، ويقف عند حدّ بنوّته التي بلغته من حنوّ الأبوّة غاية مرومه. وعلى أنه لا يتعدّى (حدّه) (٤)، ولا يسمح ولا يسامح من فيه ممّن حوله حدّه. وعلى أنّه متى عنّ للإسلام ما يقتضي إنفاذ من عنده من الجند، بادر إلى إنفاذه، وأمره بالملازمة إلى حين فراغ الشغل من العدوّ باستنقاذه. وعلى أنه متى حضر أحد إليه مقفّزا (٥) من مماليكنا أو عسكرنا أو مماليك أمراء دولتنا أعاده بشفاعة منه إن كان ذنبه ممّا يشفع (في) (٦)

стр. 131

مثله، ومتى وصل إلينا أحد من جهته (أعدناه إليه) (١) على هذا الحكم». واستقرّ الحال على ذلك. واتّفق أمر عجيب / ١٠١ ب / بعد هذا الاستقرار في أمر الإمير علاء الدين الحرّاني نائبه. ذكر ما اتّفق في أمر المذكور . كان هذا علاء الدّين ينوب عن الملك خضر، وكان شرة إلبا على مجاوري الكرك والمارّين ما بينها وبين غزّة، والمقوّى بجأشه وجيشه، والموافق على قلقه وطيشه. وكان أمرنا مولانا السلطان فكتبنا إليه عدّة ملطّفات عن مولانا السلطان حاوية من الملاطفة ما لا عنه مزيد، مستجلبة له بالوعود التي هي بما يريد وفوق ما يريد. وما من ملطّف إلاّ ويعطف على ملطّف أمان، وملطّف منشور بإمرة الماية، وهو لا يزاد إلاّ غلظة، ولا يقف عند وعظ وتخويف وترهيب وتهديد ولا يسمع وعظه، وكلّما سيّر له قاصدا (٢) أحضره بملطّفاته وفاء منه بزعمه. فلمّا كان بعد استقرار هذه الموادعة، ولزوم حنوّ هذه المطاوعة، وحضور مولانا السلطان إلى ديار مصر، وردت بطاقة من الشوبك تتضمّن أنه / ١٠٢ أ / لمّا كان بتاريخ كذا وكذا وصل الأمير علاء الدين الحرّاني مقفّزا قاصدا الأبواب العالية، ومعه مملوك واحد، والفقيه زكيّ الدين صاحب (٣) ديوان المكاتبات: بطّق (٤) إلى نائب الشوبك وحذّره من أن تكون هذه حيلة على أخذ قلعة الشوبك بدخوله إليها، وأكّد عليه أن لا يمكّنه من الدخول إليها، ويعجّل بتجهيزه. فللوقت سرّح الطائر بهذا الرأي السعيد، وهذه الفكرة التي ما على صحّتها مزيد. فلم يك بأسرع من أن بطّق بوصول المذكور إلى غزّة، فزال التّوهّم، وحضر المذكور. فأقبل مولانا السلطان عليه وشرّفه وأمّره، وجعله من جملة سلاح داريّته. فلم يكن بأسرع من أن ورد كتاب الملك خضر بطلبه بمقتضى شرح الموادعة

стр. 132

المشروحة. فحين قرئ عليه، لم يلتفت إليه. وقال لصاحب ديوان مكاتباته المذكور: اكتب واعتذر إليه كما تعرف، واقطع حجّته بخبرتك. / ١٠٢ ب / فقال له: يا خوند ماذا أقول؟ ومتى لم يسيّر المذكور انتقض (١) الشرط. فقال مولانا السلطان: ما أعرف، وهذا ما أسيّره، ومتى حصل عن المذكور خروج عن الشرط كنت أنت السبب. فخرج وهو حاير في فكره، لا يعرف له مخرجا من أمره. وحكى لي ولوالده الصورة وما قاله مولانا السلطان. ورأيت عنده تألّما. فعاودت قراءة كتاب الملك خضر الوارد بطلب المذكور. فإذا حجّة مولانا السلطان به قائمة، وأعذاره في عدم تسييره لازمة، لا بل حازمة، لا بل جازمة. والصورة التي ظفرت بها من كتابه هي: «إنّ الأمير علاء الدين أيدغدي الحرّاني طلب من المملوك دستورا (٢) ليخرج إلى بعض أغراضه، فخرج وقصد أبواب مولانا السلطان، والمملوك يسأل إنفاذه بمقتضى شرط كتابه». هذه صورة كتابه. وللوقت كتبت جوابه بما مثاله: «إنّا أحضرنا الأمير علاء الدّين الحرّاني، وسألناه عن الغرض / ١٠٣ أ / الذي طلب منه الدستور بسببه. فقال: الغرض الذي طلبت لأجله الدّستور هو الحضور إلى أبواب مولانا السلطان». ونقلت نسخة كتابه بنصّه وسيّر إليه. فحين وقف عليه أسقط في يديه، وسكت عنه، ووجد له بدّا منه. وحقيقة الأمر أنّ طلبه الدّستور كان (في الظاهر) (٣) بسبب مطلب كان أنهي للملك خضر أنه خارج الكرك وطال العمل فيه، والغرامة عليه. وشمّ علاء الدين

стр. 133

ممّن حول الملك خضر تغيّر نفس. فجعل طلب الدستور لأن يخرج ويستنهض عمّال هذا المطلب وسيلة إلى الحضور والخلاص. وما أمكن الملك خضر أن يذكر ذلك، بل وقف عند قوله لغرض. هذه صورة أمره. ولم يزل مولانا السلطان وافيا لهم بشرطه، واقفا عند قبض الكفّ الكفّ عنه (إلى أن قضى عدوانهم) (١) ببسطه، وأمتدّت أطماعهم، وتجاسرت أتباعهم، ونقضوا عهودهم، واستحقّوا موعودهم. وبلغ مولانا السلطان سوء حالهم، ونفاذ مالهم، وسوء مآلهم، وأنّهم أصبحوا على الأرض / ١٠٣ ب / إلاّ أنها السودا، ووقعوا من الفاقة (على) (٢) ما دونه (معضل) (٣) الأدوا. جرّد (٤) مولانا السلطان نائبه المقرّ الحسامي طرنطاي (٥) في شرذمة إلى الكرك بكتاب منه، مضمونه: أنه قد بلغنا ما أنتم فيه من ضائقة وضرورة هي على كلّ فاقة فائقة، وأنه لم يبق عندكم درهم ولا دينار، وأنّ حالكم قد آلت إلى ما لا يطاق معه القرار. وقد سيّرنا نائبنا، فتحضر أنت وأخوك ومن حولك معه، فقد جعلنا لكم من ضيق ما أنتم فيه من صدرنا ونعمتنا أعظم سعه، ولكم الأمان والوفاء بالأيمان على ما يقتضيه صدق الإيمان. فحين وصل الأمير حسام الدين إلى الكرك سلّموها، ونزلوا إليه، فحين حضروا ركب مولانا السلطان لتلقّيهم، وعاملهم من التعظيم والتبجيل بما يجب لرعاية حقّ أبيهم. وأنزلهم بقلعة الجبل، وعاملهم بما الله عليه طبعه الجميل جبل (٦).

стр. 134

هذه صورة أمرهم (١). / ١٠٤ أ / ذكر أمور الفرنج بالمرقب وطرابلس ومهادنتها أمّا المرقب (٢) فهو للاسبتار (٣)، وحكمها راجع إلى مقدّمهم بعكا وهو افرير (٤) كليام (جوان دمونفرت) (٥). وكان الملك الظاهر - رحمه الله تعالى - قد هادنهم لمدّة عشر سنين (٦)، ومات، وقد انقضت. وبقيت من سنة ستّ وسبعين وإلى سنة ثمانين غير مهادنة، وحصل منهم الطمع في البلاد والتّمادي على الفساد. وكان نائب السلطنة عن مولانا السلطان بحصن الأكراد مملوكه الأمير الإسفهسلاّر سيف الدين بلبان الطبّاخي (٧)، فاقتضى له عدوانهم أن ركب هو ومن

стр. 135

عنده من البحرّية، وقصدها بجهل، فخرج إليه الفرنج، وأكمنوا لهم، وأخذوا جماعة من البحرية الصالحية في الأسر، وسلم هو وبعض من كانوا معه (١). فلّما بلغ مولانا السلطان سوء هذا الاعتماد من نائبه، أمر، فكتبت بصيغة ما تلفّظ به. وهو: / ١٠٤ ب / «يا متخلّف، متى سمعت أنّ أحدا طلب في ميمنة وميسرة، وحمل على قلعة حجر»، وأنكر عليه غاية الإنكار. وبقيت في نفس مولانا السلطان وهو مشغول بمعالجة ما هو أهمّ منها، منهمك (- غير غافل -) (٢) على مداواة الأخطر عنها. [مهادنة عكا] ولما رحل مولانا السلطان عن الرّوحاء ونزل بعيون الأساور في نوبة كوندك (٣)، على ما تقدّم شرحه، وحضرت رسل الفرنج من عكّا لاستدراك الفارط، وملاقاة فعلهم السّاقط، كان من جملتهم رسول الإخوة الاسبتار، المسمّى سير (٤) كليام حضر يسأل المهادنة على المرقب، فوافق مولانا السلطان، ورسم بمهادنتهم، فكتبتها بالمنزلة المذكورة (٥). والنّيّة الشريفة خلافها. وقيّدت بشروط متى أخلّ بشرط منها كان فيه تلافها. وما وسع في ذلك الوقت وخاطر مولانا السلطان مشغول بحديث كوندك وعصبته، وفكره منصبّ إلى اتساع الحيلة في قضيّته. وقضى مولانا السلطان في تلك السّفرة، وانتهز فرصة تلك النصرة، وعاد إلى مقرّ ملكه / ١٠٥ أ / وهو مترقّب أمر المرقب، وما يعتمد ممّن به من أمور تقضي بفسخ الهدنة وهو إلى ذلك منصبّ، فاتّفق أن زلّت بهم القدم، واعتمدوا ما أوجب منهم خفض الذّمم. [فتح حصن المرقب] ولمّا كان في سنة أربع وثمانين قصدها مولانا السلطان فأقصدها، ووافاها،

стр. 136

فنجز لها من وعد الهلاك ما به توعّدها. وأخذ منهم الثأر، ورماهم بقوارص الدّمار، وأراهم الذّلّ بغزوه إيّاهم في عقر الدار (١). [وصف المرقب] وللصاحب فتح الدّين بن عبد الظاهر فصل من كتاب يصف منعتها، وهو: «وهذه القلعة لها بالنجم مناط، وبالسّحاب ارتباط، وعلى (٢) الدّهر اشتراط، ولبروجها ببروج السماء اختلاء واختلاط، تكاد تسهو (٣) إليها السّهى، ولولا المغالاة - وأستغفر الله - لقيل: (٤) تكاد تستظلّ بسدرة المنتهى، كأنّما الرياح لجيدها محنقة، (والغيوم لخصرها منطقه) (٥). تجاور البحر، وقد (٦) كمّل الله بها القلاع العشر (٧)، فأمست لنحر الأعداء عيدا، فما هو (٨) إلاّ عيد النحر، مصونة السّرح، وكأنّه (٩) ما تمنّاه فرعون على هامان من صرح. وقد (١٠) أحسن الله بها للأمّة المحمّديّة الإدراك، / ١٠٥ ب / وجعل الموهبة بها لمساعدة (١١) الملائكة حسنة الاشتراك. وما كانت الممالك لتفتخر فإنّ (١٢) لها حصن أكراد إلاّ فتزاد (١٣) من هذه حصن أتراك. وقد أمن بأخذها من أهل حصون الدّعوة (١٤) النازح

стр. 137

والمقيم، وما كان ليكون كهف إلاّ ولها من هذه رقيم (١). كم عاند أهل هذا (٢) الكهف بها (٣) شيطان رجيم مريد، وكم شاهدوا منه (٤) كلبا باسطا ذراعيه بالوصيد. كم سمح إخوة بيت الاسبتار في عمارتها من الذّهب (٥) والفضّة. بما يوزن بالقنطار بعد القنطار. وكم كانوا إخوة فما تحاسبوا في الإنفاق عليها حساب التّجّار. وما سمّي «المرقب» (٦) إلاّ لأنّ الأهلّة منه ترقب (٧). وما ثقب (٨) إلاّ لأنّه جوهرة قد (٩) قذفها البحر إلى ذلك الساحل، والجوهرة ما (١٠) يضمّها السّلك حتى تثقب» (١١). [وصف المؤلّف للمرقب] وللمملوك جامع هذه السيرة فصل في معناها، وهو: «وهي قلعة لا يدرك الطّرف منتهاها على حدّة تحديقه، ولا الطّير أعلاها على توغّل تحليقه. وقد أمن متسنّمها مرامات من رمى، ومداناة / ١٠٦ أ / من نمّ نمى (١٢). وإنّا وهي كالشجرة الطّيّبة وإن خبثت ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (١٣). تحجب الشمس في توسّطها، وتقبض أنفاس الرياح تبسطها، يرجع الطّرف عنها وهو كليل، ويظلّ المرسل إليها فلا نجد إلى أداء ما حمّله (من) (١٤) سبيل، قد أمن صمّ جندلها عويل المعاول، ومتدبّر أعلاها ما يسوء من الخصم المقاوم المقاول، لا فرق في منعتها بين من أقام أو رحل، أو منع أو نحل. ثمّ

стр. 138

والمشافهة لها (بألسنة السهام) (١) كأنّما يخاطب زحل. أقرب من السماء إلى الأرض، وإلى الطّول من العرض، وإلى النجوم من التخوم، وإلى التخوم من النجوم. قد تناسبت طرفاها في المنعة فهي لا تؤتى من المصاعد ولا من القواعد، ولا ينال الغرض منها من الأقارب ولا من الأباعد. يتلقّى هبوب الرياح حجارة المجانيق المرسلة إليها بصدره، ويحجب عنها سهم المرسل فتكفيه عاقبة مكره، وتكاد أن تناضل عنها رجوم النجوم بحقّ الجوار، وترعى لها الدّخول تحت أذيال السحاب أفقها فعل من أجار. قد اكتنف بها التحصين من كلّ / ١٠٦ ب / الجهات، واكتنفها التمتين فلا سبيل إلى ما يؤلم من الملمّات يصادمها الشهم من السهم فيرجع من فوق بلا فوق، والحجر الصّلد فيعود وقد وجد من جلادتها ما يعوق، (من مسامته العيّوق) (٢). وقد حمت منعتها عرض عرضها من أن يثلم. وطول طولها على متديّرها بحفظ الإيواء أن تتحكّم في بنائها المحكم. إلاّ أنّا أيّدنا من السماء فأسقطنا بداء المحاصرة الدّفين قوّتها، وألنّا نيوب السهام السّود نبوتها إلى أن جعلناها ﴿حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٣). وأسكتن حسّ هبوب الرياح المارّة بمنافسها فلم نبق لها من حسّ. وأخذناها وواخذناها، ونبذناها ونابذناها، وزاولناها فأزلناها، وقابلناها. وعلى سوء الأدب في عدم تقبيل الأرض عند مشاهدتنا فقابلناها. وسيّبنا وسبينا، وسرّينا وسرينا. وكتابنا هذا وقد أذعن جامحها، وكان سانحها وبارحها. وخرس من الكفرة نابحها، ودنى (٤) إلى القبضة نازحها. وأطاع عاصيها، وأخذت - ولله الحمد - من صياصيها. / ١٠٧ أ / واستقرّ قرارها، وتوطن نفارها. وصارت - والحمد لله - دار إسلام، ومحلّ تحيّة وسلام. ومقرّ ملك سيستولي - بمشيئة الله تعالى - حتى على مدينة السّلام والسّلام. انقضى أمرها وهي الآن بيد الإسلام، يعلن فيها بعد الناقوس بالأذان». ذكر مهادنة طرابلس الشام كان هذا الحصن أيضا مهادن مع الملك الظاهر (٥)، رحمه الله تعالى، وانقضت هدنته، وتصرّمت مدّته، واستحالت مودّته.

стр. 139

فلّما توجّه مولانا السلطان إلى دمشق المحروسة سنة ثمانين وستماية على ما تقدّم حضر رسل طرابلس من جهة صاحبها الإبرنس (١) بيمند ابن بيمند (٢). [دخول الظاهر بيبرس طرابلس متنكّرا] واتّفق في تلقيبه بالإبرنس حكاية غريبة، وهي: أنّ الملك الظاهر كان قد نازلها (٣)، وتردّدت الرسل بينه وبين / ١٠٧ ب / صاحبها في طلب الصّلح. فلمّا حصل الاتفاق توجّه الأمير فارس الدين أقطاي الأتابك (٤)، وصحبته الصّدر محيي الدّين بن عبد الظاهر إلى طرابلس لإبرام الهدنة على ما تقرّر. واقتضى تغرير الملك الظاهر أن يتنكّر، ودخل خلف الأتابك في صورة سلاح دار ليرى الحصن المذكور ويكشفه، ويعلم كيف يؤكل كتفه (٥). فلمّا حضروا مجلس الإبرنس، وتقرّر الحال، وشرع الصّدر محيي الدّين يكتب، فكتب ما مثاله: «استقرّت الهدنة بين السلطان الملك الظاهر وبين حضرة المقدّم، فلمّا رآها الإبرنس قال: من هو المقدّم. قال: أنت. قال: أنا إبرنس. قال: لا، الإبرنس هو الملك الظاهر، لأن الإبرنس عبارة عن صاحب

стр. 140

القدس واسكندرونة وأنطاكية، وهؤلاء لمولانا السلطان الملك الظاهر. فامتعط (١) لهذا الأمر وصعب عليه، وظهر عليه الغضب إلى أن كاد. وعدّها الملك الظاهر ممّا للكتاب من إنكاد، / ١٠٨ أ / ولكزه لكزة خفيّه، إلاّ أنّها بالغرض وفيّه. فالتفت الأتابك وقال: يا محيي الدين صدقت، وهذا الاسم هو لمولانا السلطان، وقد وهبه لهذا كما وهبه حصنه وبلاده ورعيّته. وأنا أضمن هذا الأمر له، فحينئذ كتب له وبيّن الإبرنس. ولمّا انفصلوا، ووصل الملك الظاهر إلى مقرّ دهليزه حكاها لأمراء دولته، وتضاحكوا منها. وقال له: يا ابن عبد الظاهر: هذا كان وقته، لعن الله الإبرنس». كذا حكا (٢) لي رحمه الله تعالى. ونعود إلى أمر طرابلس ومهادنتها مع مولانا السلطان. [محاججة رسول بوهموند صاحب طرابلس] ولمّا حضرت رسل الإبرنس بين يدي مولانا السلطان، وحضر الصاحب فتح الدّين وأنا معه، أخذ السلطان يسأل الرسل فيم (٣) جاءوا، بالتّركي، فنهض الوزير غراب، وكان محجاجا داهية متمحّلا، فكان جوابه عن سؤال مولانا السلطان بما صورته: إنّ محبّ دولته والمتوالي في عزّ سلطانه بيمند يسأل عزّ سلطانه في استمرار المودّة التي كانت بينه وبين الملك الظاهر / ١٠٨ ب / والنّسج على منوال هدنته. فكان جواب مولانا السلطان: أين المال الذي جئتم (٤) به، وأيّ شيء تعطونني من البلاد؟ فأحسن هذا غراب السّفارة إلى أن ليّن عريكة مولانا السلطان بحسن مداراته، ولطيف عباراته. ولم يزل يذلّ إلى أن أتى بما أطاب به النفس، وأقرّ به العين،

стр. 141

وحقّق بائتلاف القلوب أنّه غراب جمع لا غراب بين. وأجلس، وأخرج هدنة الملك الظاهر المشمولة بخطّه، وأحضرنا نحن نسختها المدّخرة عندنا، وشوهد منها ما يسمح به الملك الظاهر و (ما) (١) فيه شحّ، وقوبل بها حرفا حرفا، وأوجبت موافقتها أن يقال: قوبل فصحّ. إلاّ أنّا لمّا وصلنا إلى مدينة عرقا (٢)، وهي من أجلّ بلادهم وأعظمها نفعا قال له الصاحب فتح الدين صاحب الدّيوان: يا وزير، إلاّ أن هذه عرقا (٢) لا ينسحب عليها حكم الهدنة. ذكر السبب فيها كان الملك الظاهر قد هادنهم (٣) على شرط أن يقوموا بآلاف من الذّهب / ١٠٩ أ / وآلاف من الأسرى المسلمين، وتوجّه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار لقبض الذهب وتسليم الأسرى، فأقام عندهم ستّة أشهر وهم يخاتلونه ويراوغونه ويدافعونه انتظارا للغرضيّات، وهي عادتهم - لعنهم الله تعالى. . فتحيّل الأمير سيف الدّين إلى أن حضر إلى الملك الظاهر هاربا، فأوقع الملك الظاهر الحوطة على هذه عرقا من أوّل الهدنة وإلى أن مات (٤). فلمّا قيل للوزير غراب: إنّ هذه عرقا لا تدخل في الهدنة، فهم الصورة، وأخذ في المحاججة عنها، وأنّ التأخير إنّما كان ليحصل المال وتحضر الأسرى من البلاد. فقال له صاحب الدّيوان: كنتم سيّرتموهم في السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة! فلمّا لم يجد له مخرجا من أمره ولا موضعا لمكره وافق على أن يؤدّوا المال والأسرى، وقال: نريد مرسومكم بأن نحاسب على ما قبضه الملك الظاهر من هذه عرقا في مدّة عشر سنين، علما منه بأنه يفضل لهم لا عليهم.

стр. 142

فانزعج عليه صاحب الديوان / ١٠٩ ب / المذكور. واستفهم مولانا السلطان الصورة، فجذب عليه النّمشاه (١) وكاد أن يأخذ رأسه. فقلت - وكان أكبر أمراء المشور وهو الأمير علاء الدين طيبرس (٢) الوزيري يسمعني -: نحن في مجلس تحاكم وتناصف وتشارع، لا مجلس حرج. ولما قاله جواب. فقال لي: وما جوابه؟ فقلت: إذا رسم مولانا السلطان جاوبته وحاججته. فرسم لي. فقلت له: يا غراب، إنّما احتاط الملك الظاهر على هذه عرقا نكاية لكم، لا أن يرفق بكم، ويأخذ المال مقسّطا. ثمّ إن العوامل بهذه البلدة والتقاوى (٣) والفلاّحين منه لا منكم، وبنوّابه لا بنوّابكم، وأرضها مملوكة له بالسيف، لا بل والكلّ، لأنّ الهدنة قد فسدت بإخلافكم بالشرط، وإنّما هو أبقى عليكم بأخذ البعض، وقابلت (٤) فاسده بالصّالح، وإن كان مقابلة الفاسد (بالفاسد) (٥) من وجوه النظر. واندفعت عليه اندفاع السّيل فبهت الذي كفر. فوافق، وما نافق. واستقرّت الهدنة على هذا الشرط (٦). وأمر مولانا السلطان الأ (مير) (٧) سيف الدين بلبان الرومي الدوادار أن يتوجّه لتحليف الإبرنس وقبض المال، وأن أتوجّه معه / ١١٠ أ / فتنصّلت لأمرين: أحدهما: متابعة أمر قريبي صاحب الدّيوان في أن لا أفارقه. والآخر: الفكرة في العقبى والمآل (٨).

стр. 143

[فتح طرابلس الشام] واتّفقت وفاة هذا بيمند بن بيمند (١) إلى لعنة الله تعالى، وفسد نظامها، وتعدّت أقوامها، وساء مستقرّها ومقامها، وتعدّى ضررها، وتطاير شررها، وكثر غررها، وطمع غررها، فلم يسع مولانا السلطان إلاّ معاجلتها ومفاجأتها (٢)، فخرج إليها بعساكره، فما لبث أن ملكها (٣)، ولا ونى أن استهلكها (٤). [التهنئة بفتح طرابلس الشام من إنشاء ابن الأثير] وفي فتحها ما كتب الصّدر، الفاضل، البليغ، البارع، تاج الدّين أحمد بن سعيد المعروف بابن الأثير، الكاتب الحلبي، وهو الكاتب الذي لا يبارى قلمه،

стр. 144

ولا يضاهى كلمه، ولا يكمل كاتب لإلاقة دواته، ولا لمعارضة أدواته. كتب مهنّيا بفتحها للملك المظفّر شمس الدين صاحب اليمن (١) كتابا، وهو: «أعزّ الله أنصار المقام العالي، المولوي، السلطاني (٢)، المظفّري، الشمسي، ولا زالت أولياه في نصرة الإسلام (٣) مشمّرة الذّيل، ملحقة الخيل (٤) / ١١٠ ب / بالخيل، مقبلة على الجهاد إقبال السّيل، مايلة إلى جهة النصر كلّ الميل، عاقدة (٥) سنابك جيادها سماء (٦) نجومها الأسنّة وعجاجها الليل. تنشد الإسلام ضوالة الشوارد (٧)، وتخلي من أعدائه المعاقل، وتحلّ منهم المعاقد (٨)، إلى أن تبلغ أقاصي المراد، وتملك نواصي العباد، وتفترع صياصي البلاد، ويطيع من [في] (٩) الأرض عواصي البلاد (١٠) والوهاد. (التّهاني) (١١) من عادتها (١٢) أن تستدعي سرور القلوب، وتستخرج من الحمد خبايا (١٣) الألسنة إذا استخرج سواها خبايا الجيوب. وتسري في النفوس مسرى (١٤) الأرواح في الأجسام، وتقبل على الآمال (١٥) إقبال الأنوار على الظلام. لا سيما بتهنية دلّت على إدالة الحقّ (على الباطل) (١٦) وإعادة الحلى (١٧) إلى العاطل، وتقاضت الدّيون المنسيّة، وأذكرت الإسلام وقائعه الأمسيّة، وأخذت ثاره

стр. 145

ممّن أخفر له الذّمم، واستعادت من خدّه صعر أو في أنفه شمم (١)، وإذا كانت بهذا الوصف كانت في المرج أمرع، وإلى القلوب أسرع، ولمرعى القبول (٢) أمرع. ترتاح إليها الأسماع والأبصار، وتودّ كلّ جارحة لو كانت فيها من المهاجرين والأنصار. ومن حقّها أن ترفع (٣) لها الحجب، وترقل (٤) بها المحامل أرقال (٥) النجب. لتستدعي من (٦) لطف الله بدينه الذي ارتضاه، وتحمده على الإعانة لسيفه (٧) الذي جرّده وانتضاه. وهذه الخدمة تقصّ من أنباء البشرى كلّما يسري ويسرّ، ويمري أخلاف (٨) النصر ويمرّ. وتظهر منه عناية الله بهذه الأمّة التي خصّها (منه) (٩) بالمقة (١٠)، وخصّ عدوّها بالمقت. وأنّ حقوقها لا تضاع وإن اغتصبت في وقت. وهو الهنا بما تسنّى من فتح طرابلس الشام، وانتقالها من بعد الكفر إلى الإسلام (١١). وهو فتح طال عهد الأسلام بمثله، وفتح فتّ عضد (١٢) الشرك وأهله. لم يجل أمره في خلد ولا فكر، ولا ترقّت إليه نعمة عوان (من النوب) (١٣) ولا بكر. طريدة فكر ساقتها (١٤) العزائم، وضالّة أمل (١٥) ما نشدتها الأماني إلاّ عادت عنها وقد جرّت (١٦) ذيول الهزايم، ومرّت عليها
следующие страницы →