← История

История · id 166

الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور

شافع بن علي

Полный текст (185 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

/ ٥٢ ب / الفارّين بين يدي الميسرة المنحازة ريثما كرّت، فكانت لها الكرّة وعادت فحمدت عاقبة العود بما نال (عين) (١) أعيانها من القرّة. فأكّد مولانا السلطان على الصدر فتح الدين في سرعة تجهيز طير البطائق ولا أسرع من الطير، وحثّ على أن يحثّ البريد تحتها السير. فأسرع الصدر فتح الدين إلى أن صار يسرّح الطير والبطائق مخلّقة بالزعفران من غير كتابه، ويضمّخ الطير فيأتي بأدلّ دلائل النصر عند داعي طايره المقابل بالإجابة. وكنت قد أنشأت قبل الركوب للمصافّ ما يكتب به في هذه البشرى تفاؤلا بيمنها، وتبرّكا بحسن طنّها. وهي: ما يكتب به بعد الألقاب «نوضح لعلمه أنّا لمّا ركبنا على إسم الله بنيّة الغزو والجهاد، وفارقنا الأهل والوطن (لا نلوي) (٢) على العود، وتوقا لحسن الجزاء يوم المعاد. / ٥٣ أ / ولم نزل نطوي المراحل (مستنجزين) (٢) ليوم النصر الموعود مجدّين لشهادة وقته المشهود. ونحن واثقون من الله بالنصر والظفر. متحقّقون أن سيبلغ أدنى الرعيّة وأقصاها من نصرنا خير خبر. وما من منزلة إلاّ ونجد مع ترادف أخبار القوم وقوّتها في نفوسها انبعاثا وانشراحا، ولا أدلجنا في مهمه إلاّ ورأينا مساءه بانبساط خاطرنا صباحا، وعندما حللنا بحمص أخذنا في الأهبة بالحزم، وحدّدنا ما لم يرثّ من العزم. وأدّنّا في الناس بالجهاد فأتوا من كلّ فجّ عميق، وأعلنّا بكلمة التوحيد فتتابعت خيل الله يقفو منهم الفريق الفريق. وجاء نصر الله والفتح، واقتدح زناد سيوف الله فأنار الوجود بذلك الاقتداح، بما لمشهور ما في الأعداء من قدح. وبلغنا عن القوم وبلغهم عنّا، وأقبلوا علينا صورة إلاّ أنّا أقبلنا عليهم (صورة) (٢) ومعنى. ولما كان / ٥٣ ب / يوم الخميس أقبل القوم وأقبلنا، إلاّ أنهم استدبروا من أمرهم ما استقبلنا، وشاهدوا من تنوّع قتالنا ما لم يكن لهم به يدان، ودانوا ودنّا إلاّ أنّا نصرنا بأشرف من به يدان، ورأينا جمعهم الملفّق فكانوا كالمثل المضروب بالذباب. الكثرة والتتان. ولم نلبث أن صدقناهم الحملة، فأتى كلّ مفرد من

стр. 72

جيوشنا على الجملة منهم فالجملة. فأخذوا في المخاتلة، ونحن نجدّ في المقاتلة. وعمدوا إلى المخادعة، ونحن لا نفتر في المقارعة، وجروا على عادتهم في تولّيهم الإدبار، أي أنهم انكسروا، وظنّوا أنه تجلب لهم ريح خديعة خسروا. وكانت عدّة القوم ماية ألف أو يزيدون، وجاءوا في أجناس محبّشة من تتار وفرنج وأرمن وأعجام وكرج من كل حدب ينسلون. وحمي الوطيس، وتنوّع فيهم القتل ما بين / ٥٤ أ / جريح وكسير وفطيس. وجدّ النضال، وقرعت النصال النصال، وطلبت الأوتار الأوتار. وغنّت السيوف الإسلامية بعرس النصر ولا غيّر رؤس أعداء الله التتار (النثار) (١). ولم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب، أو جلسة خطيب ومن ألسن الخرصان (٢) على منابر العوامل أخطب. حتى محيت آثارهم، وهتكت عن أرواحهم من الأجساد أستارهم. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وظلموا أنفسهم بالتجاسر على بلاد الله (ولسان) (٣) النصر يتلو (٤) ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٥). ولم يبق العزم الإسلامي منهم فاتك (٦)، ولا من يقول لهمّتنا المؤيّدة: فاتك. وكانوا قد حملوا على الميسرة بجملتهم فما حمدوا عاقبة حملتهم، فكرّت عليهم أيّما كرّه، وأخذتهم وقد وثقوا بانحياز المسلمين عنهم على غرّه. وكتابنا هذا وقد أيّد الله الإسلام ونصره، وأظفره بأعدائه وأقدره، وجنود الله قد شفوا صدور السيوف من ظهور الملحدين، وعونه / ٥٤ ب / قد أيّدهم فأصبحوا على عدوّهم ظاهرين. فليأخذ حظّه من هذه البشرى بهذه النوبة التي ما سطر مثلها من النوب. وهذه النصرة التي وهبها الله فله الحمد فيما منها وهب. وليتقدّم بضرب البشائر، والتحدّث بنعمتها في كل مقيم وسائر. والله تعالى الموفّق بكرمه». [عودة السلطان المنصور إلى القاهرة] وعاد مولانا السلطان إلى دمشق وقد زخرفت بالأمتعة الثمينة، وزيّنت فكان

стр. 73

يوم دخوله إليها في الحقيقة يوم الزينة. وأقام بها ريثما استجمّ، ورحل قاصدا كرسيّ مملكته القاهرة وقد قدّر فقهّر، وقهر (١) فقدّر. ودخلها وقد هيّئت (٢) بدخوله، وزيّنت أتمّ زينة سرورا بحلوله. وقد حلّيت أخطاطها من ثمين الجواهر بأشرف الحلى، وملي من نفائس الأقمشة والأمتعة الملا. وحين حلّ بقلعة الجبل أفاض ملابس الخلع على من كان في خدمته من الأمراء والكتّاب، وأثاب كلاّ / ٥٥ أ / أحسن ما يثاب (٣). [ظهور أمر التتار اعتبارا من سنة ٦١٥ هـ] وانقضت هذه الغزوة على أحسن الصّور، وتكفّل الله تعالى أعانها بألطافه في الورد والصدر. وهي غزوة ما اتّفق مثلها في الإسلام، ولا جرت حتى ولا في الأوهام. فإنّ هذا العدوّ كان ظهور أمره في سنة خمس عشرة وستماية، وقصد العراق والعجم فأبادهم، وخرّب ديارهم، وعفّى آثارهم. وقصد بغداد وفيه جيش لا يردّ يد لامس بقتال، ولا يعرف ما للحرب من أوجال انقضاء الآجال. وهو اسم بلا جسم، وداء بلا حسم. وجمع بلا كثرة، وكثرة بلا جمع، وقوم لا يعرفون لأوامر الجهاد طاعة ولا سمع (٤). وممّا يسطع به عليهم أنه قيل لأحدهم: لم لا حملت على خصمك؟ فقال: القنطارية بيدي اليمنى، والطارقة بيدي اليسرى، واللكازات في رجلي كيف أعمل به أكضمه (٥)؟ ولما قصدوا حلب ودمشق كان الملك الناصر بن العزيز (٦) مشغولا بملاذّه

стр. 74

عن الفكرة / ٥٥ ب / في طارقهم، منهمكا على مأكله ومشربه ومتنزّهاته، مشغولا بمجلس خواصّه في الحسن ومطابقهم. على أنّ هولاكو كتب إليه مهوّلا عليه فيما حكى لي الصدر تاج الدين أحمد بن سعيد المشهور بابن الأثير كاتب درجه، وكان رفيقي بديوان الإنشاء بمصر، أنّ هولاكو كتب إليه: «وقد حضرنا إليك في جيوش لو نزلت على الجبال لنسفتها، أو وردت البحار لنزفتها، وهذه القرينتان فيهما من بلاغة الإبلاغ (وإبلاغ) (١) البلاغة ما لا عليه مزيد». ثمّ، والوقعة التي كانت على عين جالوت (٢) مع الملك المظفّر قطز مملوك الملك المعزّ مع أبغا نوين، كانوا تمانا واحدا. والتمان عشرة آلاف فارس. [مقتل المظفّر قطز] وكان الملك المظفّر قد خرج بالعسكر المصري والشام والجافل إليه، والشهارزة، والأكراد، وسائر العربان والعشير. وياليته عندما بها نجح (٣)، وعندما وازن نفسه معجبا بها جاء الحقّ لكنه نقص وما رجح، فإنه قتل / ٥٦ أ / بمنزله قصير الصالحية سنة سبع (٤) وخمسين وستماية، عند عوده.

стр. 75

[سلطنة الظاهر بيبرس] وفيها (١) تسلطن الملك الظاهر وتلقّب بالملك القاهر، ثم رجع عنها إلى الملك الظاهر (٢). [وقائع الظاهر بيبرس] ووقعة الملك الظاهر على كينوك (٣)، وهي وقعة أبلستين (٤)، كانوا خمسة

стр. 76

آلاف فارس، وهي نوبة الروم (١)، ودخول الملك الظاهر إليها، وتغرّره بالتجاسر عليها. ولم يقدم أحد من الأمراء ولا الملك الظاهر على خوض الفرات إلى التتار إلاّ مولانا السلطان وتابعه الناس أول (٢) فأوّل، وكان عليه في الاقتداء بالتجاسر المعوّل. هذه وقعات التتار مع المسلمين، وأين وأين، ولا أثر بعد عين. وأين العشرات من المئين (٣) والألوف، وأين مواطن الأمن من الموطن المخوف. وأين الذّرّة من القنطار، وأين ارتكاب الحذر من ارتكاب ذوي الأخطار، لم يسمع بمثل هذا الجيش الذي عالجه مولانا السلطان وعاجله، وناجزه وما أجّله. / ٥٦ ب / وكاثره وما كابره، وساوره وما شاوره. [التهنئة بنصرة السلطان] وفي هذه النصرة يقول الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر مادحا لمولانا السلطان ومهنّئا له بهذه النصرة: الله أعطاك لا زيد ولا عمرو ... هذا العطاء وهذا الفتح والنصر هذا المقام الذي لو لم تحلّ به ... لم يبق - والله - لا شام ولا مصر من ذا الذي كان يلقى العدوّ كذا ... أو يدّرع لأمة ما لامها الصبر يا أيها الملك المنصور قد كسرت ... جنودك المغل كسرا ما له جبر واستأصلوا شأفة الأعداء وانتصروا ... لمّا ثبتّ وزال الخوف والذّعر

стр. 77

يا عزمة ما رأى الراؤن مشبهها ... ووقعة سار في الدنيا لها ذكر لمّا بغى جيش «أبغا» في تجاسره ... ولم يمدّك إلاّ القنا جسر وأجمع المغل والتكفور واتفقوا ... مع الفرنج ومن أردى به (الكفر) (١) جاءت ثمانون ألفا من بعوثهم ... لأرض حمص فكان البعث والنشر وافا (٢) الخميسان في يوم الخميس ضحى ... وامتدّت الحرب حتّى أذّن العصر / ٥٧ أ / والسيف يركع والأعلام رافعة ... والرؤس تسجد لا عجب ولا كبر والخيل لا تغتدي إلاّ على جثث ... والسهل من أرؤس القتلى به وعر والبيض تغمد في الأجفان من مهج ... والسمر ناهيك يا ما تفعل السمر فجاء في رجب عيدان من عجب ... للسيف والرمح هذا الفطر والنحر فكان أسلمهم من أسلموه لأن ... يقوده القيد أو يسري به الأسر وراح فارسهم في إثر راجلهم ... تنتابه الوحش أو ينبو به القفر فما رعى منهم راع رعيّته ... إلاّ ارعوى لهم من روعة فكر وكان يوم الخميس النصف من رجب ... عام الثمانين هذا الفتح والنصر وعاد سلطاننا المنصور منتصرا ... والحمد لله تمّ الحمد والشكر وقلت مادحا له ومهنّئا بهذه النصرة إلاّ أنها صدرت عن قلب جريح بألم جسمي الجريح: نجحت مساعي سيفك البتّار ... بالحدّ في دم أرمن وتتار / ٥٧ ب / وخطا إلى الخطاء (٣) الذين تجاسروا ... فأصارهم في ذلّة وصغار رام الأعاجم ردّه بتناصر ... فبدا بقتل النجدة الأنصار عفّيت إذ عفّيت عن آمالهم ... بالعزم ما لهم من الآثار وردوا فأوردهم حسامك ... منهل الإضرام والإضراء والإضرار وقصدتهم بعوامل من شأنها ... بالقصف قصف مؤجّل الأعمار وأسلت بحرا من حديد سلا ... حك المردي العداة بقوّة التيّار

стр. 78

ومن العجائب قدح نار زناده ... أسمعتم ما يكون بنار جاءوا لأخذ الثأر يا ملك الورى ... فتلوت ثارا جاولوه بثار هم يمّموك بقضّهم وقضيضهم ... كيما ينالوا غاية الأوطار فحبيتهم آثار من أفقدته ... فاستبدلوا الأوطار بالأوتار قد جرّ أبغا للتلاف جيوشه ... إذ قاسها بالعسكر الجرّار ما شكّ في إهلاكهم بتجارب ... لكنّما الإضرار بالإصرار ولكم إليه أعذرت عزماته ... وإزالة الإعذار بالأعذار / ٥٨ أ / وافوا ذمارك ضلّة من رأيهم ... فقرنت طيف غرورهم بدمار وأتوا لحمص مقبلين بهمّة ... إقبالها في غاية الإدبار ما هال إكثار لديك وقد أتوا ... في صورة الإكبار والإكثار أرشفتهم كأس المنون فأمعنوا ... جهلا ولم يلووا على الإسار خادعتهم بتحيّز فتراسلوا ... واستأنسوا من بعد طول نفار وحملت فيهم (حملة) (١) علويّة ... لم تبق في الآثار من ديّار «أبغا» تأدّب لا تلمّ بمثلها ... وحذار ممّا قد جنيت حذار واقنع ولا تطمع فلست بطامع ... في زور ملك في بديل معار يا هل ترى نجّى الفرار مخبّرا ... وأتى إليك بأسوأ الأخبار وأظنّه لم ينج إذ عمّ البلا ... جمعا جمعتهم من الأمصار أبقيت يا مخذول للمنصور ما ... قد صار جلّ مآثر السّمّار أمّت جيوشك والهلاك يقول: ... يا أطلاب «هولاكو» بدار بدار أو ما قلاون المبيد جموعهم ... بتواتر الإيراد والإصدار / ٥٨ ب / من سالف أبدى الزمان وآنف ... بتعاضد من عزمه الكرار كم وقعة بالرأي منه وحرمة ... دارت دوائرها على الكفّار عزّت مناقبك التي أوتيتها ... عن أن توفيها ذوو الأشعار وتضاءلت لعظيم قدر مديحها ... نظّامه يا عالي المقدار تعس امروء وافى يحاول ... عزمك الخطار بالخطار للأخطار

стр. 79

لم يجر في طرس كما أثرته ... قلم ولم يمرو على أفكار كلاّ ولا سير الملوك تضمّنت ... مثلا لها في سالف الأعصار ما جاء قبلك قطّ جيش مثله ... ولقد سمى (١) بالكثر عن أنظار فليهننا الأمن المنيم بمحقهم ... عن آخر بحسامك الجزّار لا زلت منصور اللّواء مظفّرا ... في قوّة أبدا وفي استظهار انقضى خبر هذه الوقعة مفصّلا ومفرّعا ومؤصّلا. وقد أفردت لها جزءا مستقلاّ برسم الخزانة العالية المولويّة السلطانية، عمّرها الله تعالى بدوام ملكه. / ٥٩ أ / ذكر ما انفصل عليه أمر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بعد انفصاله من وقعة حمص المذكورة ولمّا قويت أخبار التتار وتأكّدت، وتجمّعت وتألّبت، طمعا فيما بلغهم من أمر الأمير شمس الدين سنقر المذكور. وبلغ مولانا السلطان أنّ حضورهم إنما كان باستدعائه، وقصدهم البلاد كان استنصارا لهم لكشف بلائه. ورسم فكتبنا إليه ننكر عليه سوء هذه الخاتمة، ونوبّخه بهذه الفعلة التي بلغت بما يجب لملتّها من اللائمة. التي هي لمن يدّعي الإسلام غير ملائمة. وقلنا وقلنا وواجهنا بالمراسيم الشريفة وما استقبلنا، فجاء كتابه وهو يحلف بالله إنّ هذا لم يتمّ منه، ولا صدر عنه، ومعاذ الله أن يبيع آخرته بدنياه، وأن يمدّ لغير مبايعة الإسلام يمناه. وحين قرئ على مولانا السلطان كتابه، أمر فكتب جوابه. إنه إن كان الأمر كما زعم فليقدّم / ٥٩ ب / خيرة الله ويحضر لتنتظم في سلك الحامدين، ويتّحد جيش الموحّدين. وتبعد الظنّ عمّا قيل إن حقّا وإن كذب، وتخيّب آمال الملحدين بما يتعيّن من اتفاق الكلمة ويجب. وجهّز إليه فعاد جوابه بتلبية مناديه، وأنه سيستدرك الأمر من مباديه. وكان قد نفّر إليه الأمير سيف الدين أيتمش (٢) السّعدي الناصري. ذكر سبب تقصير الأمير سيف الدين أيتمش المذكور كان سيف الدين كوندك نائب السلطنة عن الملك السعيد قد التجى (٣) لمولانا

стр. 80

السلطان عندما أراد من حول الملك السعيد قتّله، وهرب إلى مولانا السلطان كما تقدّم شرحه. قد أحسن إليه مولانا السلطان وقرّ به. وعظّم منزلته في أيام ملكه وأدناه منه وما تجنّبه. وأبت نفسه أن لا تخرج من الدنيا حتى تسيء لمن أحسن إليها، وأن تجزى الحسنة بالسّيئة ومن أساء فعليها. واتّفق / ٦٠ أ / أنّ مولانا السلطان لمّا خرج إلى الشام في السنة المذكورة صار يبلغه عن هذا المذكور ما يصمّ الآذان خبره، ويكاد أن يسري ضرره، ومولانا السلطان يغضي، ويقيّد حظّ نفسه ولا يمضي. ولم يزل كذلك إلى أن خيّم بالروحاء قريب عكا، وهي منزلة لم تزل الفرنج تهرج إلى مساكن مصر عند نزولها، وتضرّع له بالخضوع والخشوع عند حلولها، وتنوّع في هداياها، وتفنّن في تحاياها خشية أن يمرّ بواديها، أو يلمّ بناديها. فأقام مولانا السلطان بهذه المنزلة خمسة عشر يوما ولا حسّ ولا خبر، ولا عين ولا أثر، ولا زائرا برز من عكا (حتى) (١) ولا في أقبح الصّور. فحصل تعجّب مولانا السلطان من هذا الفتور، وعلم أنّ هذا الأمر سيكشف لطف الله منه المستور. وكان بعكا مكاتب يقال له «جوان خندق»، فعندما وجد السبيل طالع بالسبب، وأزال ما كان مولانا السلطان فيه من عجب. وحضر قاصده وعلى يده كتابه الشريف، فإذا مضمونه: / ٦٠ ب / «يا سلطان الإسلام سيّر كوندك إلى المقدّمين بعكا كتابا مضمونه أنكم لا تسمعوا ولا تطيعوا لقلاون فإنّا عازمون على قطعه وقتله، فتكونوا معنا ونحن نردّ لكم كلّ القلاع التي فتحت حتى بيت المقدس، وتردّ لكم صليب الصلبوت والقمامة، فاحفظوا ما معكم وانتظروا نجح القصد». فحين عرّب هذا الكتاب رسّم الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب الديوان على التراجمة، وهم: السّابق، والاسبتاريّ كاتب الإنبرطور، بحيث لم ينفّس لهم في الاجتماع بأحد من خلق الله تعالى، خيفة أن يشيع هذا الخبر. وقرأه على مولانا السلطان، واستقرّ ذلك في نفسه، واستدرك في يومه فائت أمسه. ولما كان بعد ليال من ورود هذا الكتاب ركب كوندك وطلع إلى كوم عال

стр. 81

بالمنزلة المذكورة ليلا ومعه جماعة من السلاح داريّة الظاهرية ملبسين مثقلين، ولأنواع الفتن مستقبلين. / ٦١ أ / ولمّا بلغ مولانا السلطان ذلك ثبت له أيّما ثبوت، ولم يظهر عليه من الهلع شيء وانتظر وقت الظفر الموقوت. وطلب في الوقت الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري وسيّره إليه، مستفسرا عن الأمر الذي عزم عليه. فقال: بلغني أنّ مولانا السلطان متغيّر الخاطر عليّ، مادّ طرف الغضب إليّ، من غير ذنب ولا سبب. وعاد الأمير بدر الدين المذكور بهذا القول. فللوقت رسّم مولانا السلطان، فكتبت له الأمان، متضمّنا ما فيه خلاصه من الأيمان. وقرنه بالخاتم والمنديل الشريف، فحين دخل على مولانا نهض له واقفا وأمر فأفيضت عليه ملابس التشريف. وأخذ مولانا السلطان في تسكين هلعه، وتوطين جزعه. وخرج من بين يديه، فعاد إلى ما نهي عنه من تسنّم ذلك الكوم، وسام ما كان قد اشتطّ فيه من سوم. فأعاد مولانا السلطان إليه الأمير بدر الدين المذكور قائلا له: ما هذا الاعتماد؟ / ٦١ ب / فقال: كأنّ هؤلاء رفقتي يشكون من الأمير علم الدين الشجاعي مدبّر المملكة بمصر، ومدّه إلى أرزاقهم يد عدوانه، واحتجب عن شكاوى وكلائهم بالسفهاء من أعوانه. فحين عاد الأمير بدر الدين بهذه الشكاية أمر مولانا السلطان فكتبت إلى مولانا السلطان الملك الصالح ونائب السلطنة الأمير زين الدين كتبغا بعزله وكفّ يده، وأن لا تكون له قطيعة غير القعود بباب القلّه. وأن يستبدّ الصاحب برهان الدين السّنجاري بالوزارة، والأمير زين الدين الصوابي بشدّ الدواوين. واستقرّ الحال، وتمّت المكيدة على الرجال، ولم يبق من هذه المنزلة إلاّ الرحال. وقوّض الدّهليز المنصور. ورحل مولانا السلطان إلى المنزلة المعروفة بعيون الأساور، ووجّه دهليزه إلى عكا إذ هي أقرب. فحين رأى الفرنج ذلك وأبطأ عليهم الخبر، ولم يجدوا لصحّته من أثر، بادروا بتسيير الرسل بالهدايا معتذرين، وبمصرع من خالف منهم / ٦٢ أ / وحالف معتبرين. فأهينت رسلهم، وضيّقت سبلهم. ثم استعطف مولانا السلطان عليهم فعطف، ولوطف فلطف. وقبل هديّتهم المحضرة، وأمهلهم وما أهملهم وقوفا عند الهدنة المقرّرة. وسار مولانا السلطان على اسم الله تعالى والنصر مكتنف بأطلابه، ضامنا نجح طلاّبه. كلّ هذا وأيتمش السّعدي عاقد رأيه وراياته، والمشير بنفيه وإثباته. والحامل على فتنته بجهله، والماكر بسيء هذا الاعتماد ولا يحيق المكر السّيء إلاّ بأهله.

стр. 82

ثم إنّ مولانا السلطان أعمل السّير إلى أن نزل بحمراء بيسان، واستدعى الأمراء فحضروا إلاّ أيتمش فإنّه لم يحضر استشعارا من نفسه بما حملها عليه من الغرر، وجلبه لها من صور الخيانة في أقبح الصّور. وأخذ مولانا السلطان في الحديث مع الأمرا فيما بلغه من ذلك. ثم التفت فأمر الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري بإمساك كوندك، فبادر إلى سيفه فأخذه، ثم ذهب به فقيّده، وأمر فأمسكت أعوانه، وهم خمسة وعشرون أميرا (١). / ٦٢ ب / وأقرّ بعض المماليك الصغار الظاهرية على جمع كبير منهم فأحضروا وأمسكوا، وخابت آمالهم ممّن كانوا به قد تمسّكوا. ورحل مولانا السلطان فنزل خربة اللصوص، ومنها هرب أيتمش السّعدي إلى صهيون، وتوجّه مولانا السلطان قاصدا دمشق بعد أن أمّر على أخباز المذكورين بالمنزلة المعروفة بقرن الحرّا، ودخلها وقد تبرّجت له بزينتها من البنّات، وقبّلت الأرض بين يديه باستنابة تساقط يانع الثمرات. وأسالت واديها وأرته حميد العواقب من مباديها. فحلّ قلعتها، واستجلى طلعتها. وحلّ ذراها، وحلّ إذ حلّ عراها. وآنس ما كان من الوحشة قد عراها، ومنها سار للقاء العدوّ. وحين كتبنا إلى سنقر الأشقر من حمص كتبنا إلى أيتمش السّعدي نؤمّنه على نفسه، وأن يحضر ولا يخشى ممّا كان منه، ولا ممّا بلغنا عنه. ويغتنم فرصة الجهاد، وأن لا يخشى حقدا فالشدائد تذهب الأحقاد. وورد جوابه بالسمع والطاعة لله تعالى ولرسوله ولمولانا السلطان، والتنصّل ممّا نسب إليه / ٦٣ أ / ممّا زعم أنه زور وبهتان، وقال ما نصّه: «ومن هو كوندك القطعة التركمانيّ حتى أكون أنا معه؟ والله يا خوند ما أبيع نشّابة من تركاشك بألف كوندك». وأخذ يمتّ بمناصرة مولانا السلطان ومتابعته، ومبايعته. وأنه أول من أطاع وما اعترف بأنه أول من عصى، ولا أنه الحامل على شقّ العصا. وكانت الحوطة بالديار المصرية قد وقعت على موجوده من خيل وإبل وأسلحة وأثاث وذخائر من فضّيّات لها قيمة، حسب المراسيم السلطانية. فضمّن

стр. 83

كتابه العتب بسبب هذه الحوطة، وقال من جملة ما قال: «وهذه عطايا من قبلك من الملوك»، فاستحيى مولانا السلطان من قوله، وأمر أن يكتب إليه بما يقيم العذر في ذلك، وأمرت فكتبت إليه بما مثاله: «إنّا لم نعتمد ذلك إلاّ لمصلحتك، وحفظا لمالك، فإنّ المجلس يعلم أنّ ولده صغير السّنّ، وليس له وصيّ ولا وليّ يحفظ ماله، إلى أن / ٦٣ ب / يحسن الله ماله. فخشينا أن تمتدّ إليه الأيدي، فكتبنا إلى ولدنا السلطان الملك الصالح عزّ نصره بأن يتقدّم إلى قاضي القضاة وإلى وكيل بيت المال بحفظ ماله بالاعتبار بحضور استاد داره وكبار مماليكه وولده وإن صغر سنا، وأن يجعل المال والأثاث والذخائر في صناديق بمفردها ويختم عليها باسمه، وأن يعتمد في الدّوابّ ما ينبغي من الحزم من بيع ما يتعيّن بيعه واقتناء ما يتعيّن اقتناؤه إشفاقا وحسن نظر منّا. وجهّز له هذا الجواب، فكتبنا بهذه الصورة، وللوقت جهّز البريد إلى مصر بأن يعتمد في ماله ما ذكرناه فاعتمد ما ذكرناه.». ولما وقف أيتمش السّعدي على العذر الشريف عاد جوابه بالدعاء وتصويب الرأي فيه. وحضر صحبة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى حمص بنيّة الغزاة والجهاد. وأبلى في هذه الوقعة بلاء حسنا، وتوغّل فيها توغّلا استحق فيه حسن الثناء وكان شهما، مقداما ليثا هماما. ولمّا انقضت هذه النوبة / ٧٤ أ / عاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون (١). [وفاة أيتمش السّعدي] وحضر أيتمش السعدي إلى الديار المصرية، وبها مات معتقلا، لإحداث ذنب اقتضاه (سوء) (٢) طبع استحال أن يكون عنه منتقلا (٣). [نصّ كتاب استقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون] وأمّا شمس الدين سنقر الأشقر فإنه استقرّ بصهيون على ما أقرّه به

стр. 84

مولانا السلطان بإقطاعه إيّاها، وإقطاع جهات متعدّدة بمنشور كتبته له. ونسخته: «الحمد لله جامع شمل القلوب بعد شتاتها، ومكفّر سيّئات هذه الأمّة بحسناتها، وموقظهم من غفلة الإعراض وسناتها. نحمده حمدا عريق الانتساب، جزيل الاكتساب. ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لها شهادة تشرق أنوارها، وتشرف آثارها. ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بالفصاحة المعجزة، والعبارة الموجزة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تملأ الصحائف ثوابا، وتفتح للغفران أبوابا. وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ في ائتلاف / ٦٤ ب / القلوب حكمة بالغة، ومصلحة ظلالها للأمّة سابغة، ورحمة تغدوا (١) الألسن لحلاوتها سائغة. وبه يشدّ الله للأمّة أزرا، ويذيق الأعداء باتفاقها بأسا طالما بأحوالهم أزرا (٢). ويزيل به من قلوبهم بغضا، وتشيّد بهم أركان المناصرة إذ هم كما قال ﷺ كالبنيان يشدّ بعضهم بعضا. لا جرم أنّ الله سبحانه لمّا علم أنّ المصلحة فيه متعيّنة، ووجوه السّداد فيه متبيّنة. سهّل من انقياد القلوب كلّ جامع الرسن، وأجرى في ائتلافها على أحسن سنن. وأخمد من الفتنة ما كان قد ثار، وأطفأ منها ما كان أضرم من نار. وأزال من نيّتها التنافر، ووفّرها على التناصر والتضافر، وأعادها إلى المصافاة كما بدأها أول مرة، وهيّأ من أسبابها ما أنسى أيام الهجر المرّة. وكان المقرّ العالي، المولوي، الزعيمي، العالمي، العادلي، المؤيّدي، الغياثي، الذّخري، الكافلي، الظهيري، النصيري، الشمسي، غياث / ٦٥ أ / الإسلام والمسلمين، ناصر المجاهدين، معزّ جيوش الموحّدين، عضد الدولة، نصير الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، شمس الدين سنقر الصالحي - خلّد الله نعمته - هو الشقيق في الإخاء، والرفيق في الشدّة والرخاء. والقديم صحبة ومربا (٣)، والخليل الذي لا يزيده البعد (منّا) إلاّ قربا. ومن غدا سند موالاته عاليا، ومن تعدّ الألسن في صحبته سنينا (٤) لا تعدّ لياليا. إن اتّسقت نجوم الأولياء فهو

стр. 85

شمسها المنيرة، وإن نضّدت عقودها فضلها معنّى وصورة. وإن ذكرت مآثرها فمآثره المأثورة، وجب أن نجدّد من عهوده. ما كاد أن ينسى، وأن ننشيء من وداده ما هو الحقيق بأن ينشى (١). وأن نريش جناحه، ونغفر جناحه. ونجيب إلى ما أثره، ونعين بالإحسان تطوله ومآثره. فلذلك خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي، لا زالت يده بالعطاء مبسوطه، والأرزاق بمنعها وإعطائها منوطه. أن يجري في ديوانه الكريم / ٦٥ ب / ما رسّم به الآن لخاصّه وخاصّ قلاعه التي تذكر، ولمن يستخدم عليه من حلقة وجند، فليتسلّم نوّابه هذه النعمة التي لسنا عليها نقتصر، ولا من تواليها نختصر. والحبل في الإحسان إليه على الجراره، والله تعالى يجزل منّا حظّه وإيثاره». [عودة الأمير سنقر الأشقر إلى طاعة السلطان] ولم يزل الأمير شمس الدين المذكور يتناول هذا الإحسان الدّارّ، ويمتاره على قلق وإن ظنّ به الاستقرار. إلى أن طالت المدّة، وجفّت من القلم المدّة. وشرع فيما لا يتمّ كما بدأ أول مرة، وتخلّت عنه أعوانه إذ لم يستطيعوا له نصرة. وبلغ مولانا السلطان ما أسرّ، واتّصل به ما أضراه عليه لا بل أغراه به وطالما كان في الإغراء ما ضرّ. وكتب إليه مولانا السلطان بأن يخلّي عنه ما لا يجيء منه شيء، وأن يحضر للاستكنان في فيء ظلّه الذي هو أسبغ فيء. ومن هذه النسبة. وسيّر صحبة المقرّ الحسامي طرنطاي نائب السلطنة المعظمة في جملة من الجيش، على أنه إن وافق فلا كلام، وإن خالف / ٦٦ أ / فالكلام. فحين وصل إليه المقرّ الحسامي لم يسعه إلاّ التسليم قبل التسليم، وتقديم رجل الطاعة وما أحقّها بالتّقديم. ونزل طائعا مختارا، وآبقا بإحسان مولانا السلطان الذي طالما بلغ من الأمن أوطارا. وحضر به الأمير حسام الدّين، فحين وصل ركب مولانا السلطان لتلقّيه، وحين تواجها نزلا وتكارشا، وقبّل الأرض بين يديه، والألسنة تالية: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ (٢). وأحلّه مولانا السلطان من جلوس الإمرة محلّه، وكساه من (حلل) (٣) الخلع النفيسة أثمن حلّة. ولم يحصل له في أيام مولانا السلطان إلاّ ما أزال وحشته،

стр. 86

وحفظ أخوّته. وقام بشرط أيمانه وأمانه، ووفى بما نطق به لسانه، والله تعالى من كلّ قائل عند لسانه. ذكر ما اتّفق لمولانا السلطان ممّا لم يتفق لملك غيره من ذلّة التتار وسؤال / ٦٦ ب / ملكهم الصلح لا خفاء بقوّة شوكة هذا العدو وسهولة الرواح عليه والغدوّ وكثرة عدده، وعظم همّته مع خساسة عدده، وإقدامه وثبت أقدامه، وصبره على الجلاد، وعدم تأثيره حتى من مصادمة الجماد. وقنعه من الملبوس بما لا يستر عوره، ومن المأكول بما لا يدفع سوره. ومن المشروب بما لا يبلّ غلّه، ومن المكروب بما لا له أربع تقلّه. لا يردّهم الصيف بحرّه، ولا البرد بقرّه، ولا العدوّ بكثره. استهم قتل النفوس وخراب البلاد، وأيتام الأولاد، وطالما طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، واستولوا على التهائم والنجاد، بما لهم من إبراق وإرعاد. واستمرّ عدوانهم من حين خروجهم وهو سنة أربع عشرة وستماية فما تركوا بالعجم والعراق بلدا حتى ملكوه، ولا مالا حتى استهلكوه، ولا سلطانا حتى أذلّوه، ولا منطلقا حتى أخذوه فغلّوه. ولا حريما حتى انتهكوا حرمته، / ٦٧ أ / وأخلقوا جدّته، وفلّوا (١) حدّته، وحسموا مادّته، وقصّروا مدّته. واستولوا (حتى) (٢) على مدينة السلام بغداد، وأزالوا بسواد وجوههم ما للشعار العبّاسيّ من سواد. واستولوا على الشام إلى أن وصلوا إلى عين جالوت، واستولى على عبدة الرحمن منهم عبدة الطاغوت. إلى أن نهض مولانا السلطان ونهّض لها الملك المظفّر قطز المعزّي، وحمله على الخروج، وروّج أمره وقد كان يقرب عهده من السلطنة لا يروج. وكان مولانا السلطان مقدمة جيشه، والمتلقّي بثبوته (٣) ما لهذا العدوّ من تسرّع طيشه، فولّوا الأدبار لملكهم هولاكو وقد جار، وخار، وندم على حضوره إذ لم يكن لمعبوده ولا معبود له استخار. وجهل بتغريره وما علم أنّ مسامرة العسكر الإسلامي أخذه دستجار. فلم يزل مولانا السلطان في إثرهم إلى أن جلاهم عن البلاد، وأخرجهم على وجوههم حفاة عراة مشاة ولا غير خشاش / ٦٧ ب / الأرض من زاد. واستمرّت غزوات الملك الظاهر ومولانا السلطان أبو عذرتها وابن بجدتها

стр. 87

وأخو نجدتها. هذا، والتتار لا يذلّون، لا يميلون ولا يملّون، ولا ينتهون إلى غاية ولا ينتهون، ولا يغيّرون لأنفسهم بل يغيرون، ولا يقفون عندما به يضرّون ويضيرون. وكلّما (مادت شوكتهم قويت، وكلّما) (١) قام ملك من عظمهم ظنّ أنّ الأرض له قد زويت. يرون الصلح عارا وأيّ عار، ويظنّون الاستكبار في الاستكثار، والجموع الملفّقة من القوة والاستظهار. وكلّما ردّوا بالعزائم الإسلامية عادوا، وكلّما أرشدتهم الوقائع الإيمانية إلى صواب المسالمة عادوا. ولا تميل لهم جارحة على أنّها بنكاية السهام الإسلامية مجروحة لا جارحة. لم يسمع منذ ظهروا أنّ ملكهم ذلّ بإرسال رسله طالبا الصلح، ولا سائلا في المهادنة ظنّا منه أن في المقابحة لا للمصالحة غاية / ٦٨ أ / النجح. إلى أن ملّك الله مولانا السلطان، وعلم العدوّ من التتار والفرنج أنّ الملائكة له من جملة الأعوان. وأنه كان فرعا لا يطاق فكيف وقد صار أصلا، وتبعا لا يحمل وإن كان ممّن تابعه أكبر نبلا. ورأوا أنّ الغنيمة الباردة في إطفاء جمرة ثورته، وإخماد فورته. بالصلح الذي هو سيّد الأحكام، وطلب الموادعة التي تنيمهم في الدّعة ممّا لقسيّه من سهام. [إسلام أحمد بن هولاكو ومراسلته السلطان قلاوون] وكان أصوبهم رأيا في ذلك، وأسلكهم لمنهج الصواب الذي كان قد غمّ على من قبله ما لوضوح المصلحة من مسالك. وهو الملك أحمد بن هولاكو (٢)، فإنّه لما أفضت نوبة ملك التتار إليه، وانعقد إجماعهم عليه، وصار إليه أمرهم، وأفضى إليه سرّهم، قيّض الله له من الموصل شيخا يقال له عبد الرحمن فهداه السبيل، وأورده السلسبيل، وحسّن له الإسلام، وندّمه على ما مضى في كفره من الأيام. وأراه أنّ المصلحة في مصالحة مولانا / ٦٨ ب / السلطان، وأن يسكن الحال من الجانبين، رفقا بمن بقي عنده من جند القان، فبادر إلى رأيه مستصوبا، وأذّن في بلاده بكلمة التوحيد فكان كلّ لأذانه مثوّبا. وجهّز رسله إلى أبواب

стр. 88

مولانا السلطان، وهم الإمام قطب الدين (١) قاضي قيساريّة (٢)، والأمير شمس الدين ابن التيتي الآمديّ (٣) وعلى يدهم كتاب من التتار، من إنشاء جمال الدين ابن عيسى، وقد قعقع فيه قعقعة الأعجام، وأراد أن يزيّنه بالإعراب فشانه بالإعجام. [كتاب السلطان أحمد ملك التتار إلى السلطان قلاوون] ونسخته «بقوّة الله تعالى بإقبال قان (٤) فرمان أحمد (٥). أمّا بعد، فإنّ الله بسابق (٦) عنايته، ونور هدايته، (٧) قد كان أرشدنا في عنفوان الصّبا وريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيّته، والاعتراف بوحدانيّته. والشهادة لمحمد (٨) عليه أفضل الصلاة (٩) بصدق نبوّته (١٠)، وحسن الاعتقاد في أوليائه والصالحين من عباده / ٦٩ أ / في بريّته. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (١١). فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين، وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين. إلى أن أفضى بعد أبينا الجيّد، وأخينا الكبير نوبة الملك إلينا (١٢)، فأفاض علينا من جلابيب ألطافه (ولطائفه) (١٣)، ما حقّق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه، وجلا (١٤) هذي المملكة علينا، وأهدى عقيلتها إلينا. فاجتمع

стр. 89

عندنا في قورلتاي (١) المبارك، وهو المجمع الذي تتقدّم فيه آراء (٢) جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار، ومقدّمي (٣) العساكر، وزعماء البلاد. واتّفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير، في إنفاذ الجمّ الغفير، من عساكرنا التي ضاقت الأرض (٤) برحبها من كثرهم (٥)، وامتلأت القلوب (٦) رعبا لعظيم صولتهم (٧)، وشديد بطشتهم، إلى تلك الجهة بهمّة يخضع لها شمّ الأطواد، وعزمة تلين لها الصّمّ (٨) الصّلاد (٩). ففكّرنا فيما تمخّضت زبدة عزائمهم عنه. / ٦٩ ب / واجتمعت أهواؤهم وآراؤهم (١٠) عليه. فوجدناه مخالفا لما (كان) (١١) في ضميرنا من إنشاء (١٢) الخير العام، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام. وأن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلاّ ما يوجب حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وتجري به في الأقطار رخاء نسائم (١٣) الأمن والإيمان (١٤)، ويستريح (١٥) به المسلمون في سائر الأمصار (١٦)، في مهاد الشفقة والإحسان. تعظيما لأمر الله، وشفقة على خلق الله. فألهمنا الله (١٧) إطفاء تلك النائرة، وتسكين الفتن الثائرة، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا الله (١٨)

стр. 90

إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم (١) من الأدواء (٢). وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء. وأنّا (٣) لا نحبّ المسارعة إلى هزّ النصال للنضال إلاّ بعد إيضاح المحجّة (٤)، ولا نأذن لها إلاّ بعد تبيين الحقّ وتركيب الحجّة (٥). وقوّى عزمنا على ما ذكرناه (٦) من دواعي الإصلاح (٧)، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه (٨) النجاح. / ٧٠ أ / إذ كان شيخ الإسلام، قدوة العارفين، كمال الدين عبد الرحمن (٩) الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين (١٠)، فأرصدناه (١١) رحمة من الله لمن وعاه، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه. وأنفذنا أقضى القضاة قطب (الملّة) (١٢) والدّين، والأتابك بهاء الدين (١٣)، فما من ثقات (١٤) هذه الدولة القاهرة (١٥) ليعرّفاهم (١٦) طريقتنا ويتحقّق عندهم من ينطوي (١٧) عليه لعموم المسلمين جميل نيّتنا. وبيّنا (١٨) لهم أنّا (١٩) من الله على بصيرة. وأن الإسلام يجبّ ما قبله، وأنه تعالى (٢٠) ألقى في قلبنا (٢١) أن نتّبع الحقّ وأهله. ويشاهدون عظيم نعمة الله تعالى على المكافأة (٢٢) بما دعانا إليه من تقديم أسباب

стр. 91

الإحسان، ولا يحرموها بالنظر إلى سالف الأحوال فكلّ يوم هو في شان. فإن تطلّعت نفوسهم إلى دليل يستحكم (١) بسببه دواعي الاعتماد، وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد (٢). فلينظر (٣) إلى ما ظهر من مآثرنا (٤) ممّا اشتهر خبره، وعمّ أثره، فإنّا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى / ٧٠ ب / بإعلاء أعلام الدين، وإظهاره، في إيراد كلّ أمر وإصداره، تقديما لإقامة (٥) نواميس الشرع المحمّدي على مقتضى قانون العدل الأحمدي إجلالا وتعظيما (٦). وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور، وعفونا عن كلّ من اجترح سيّئة (٧) و (٨) اقترف، وقابلناه بالصّفح وقلنا: عفا الله عمّا سلف. وتقدّمنا بإصلاح (٩) أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس وعمارة بقاع البرّ، والربط الدّوارس، وإيصال حاصلها (١٠) بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقّيها بشرط (١١) واقفيها (١٢)، ومنعنا أن يلتمس شيء ممّا استحدث عليها، وأن (١٣) يغيّر أحد شيئا (١٤) ممّا قرّر أوّلا فيها (١٥). وأمرنا بتعظيم أمر الحاجّ، وتجهيز وفدها وتأمين سبلها وتيسير (١٦) قوافلها (١٧). وأطلقنا (١٨) سبيل التجّار (١٩)

стр. 92

المتردّدين إلى البلاد ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم (١)، وحرّمنا على العساكر والقراغول (٢) والشحاني (٣) في الأطراف التعرّض لهم (٤) في مصادرهم / ٧١ أ / ومواردهم (٥). وقد كان صادف قراغولنا (٦) جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك، فلم نر إهراق دمه صيانة لحرمة ما يحرّمه (٧) الله تعالى (٨)، (وأنفذناه (٩) إليهم) (١٠)، ولا يخفى عنهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العامّ للمسلمين (١١). وإنّ (١٢) عساكرنا طالما رأوهم في زيّ الفقراء والنّسّاك وأهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف، فقتلوا منهم من قتلوا، وفعلوا بهم ما فعلوا، وارتفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق، وتردّد التجّار وغيرهم. فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها. و (١٣) لا يخفى عنهم أنها أخلاق جبليّة طبيعيّة وعن شوائب التكليف (١٤) والتّصنّع عريّة. وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة (١٥) التي كانت موجب (١٦)

стр. 93

المخالفة، فإنها إن (١) كانت بطريق الدين والذّب عن المسلمين (٢)، فقد ظهر بفضل الله (٣) ويمن (٤) دولتنا النور (٥) المبين. وإن كانت لما سبق من الأسباب، / ٧١ ب / فمن تحرّى (٦) الآن طريق الصواب، فإنّ ﴿لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى (٧)﴾ وَحُسْنَ مَآبٍ (٨) وقد رفعنا الحجاب (٩) بفصل الخطاب، وعرّفناهم ما عزمنا عليه بنيّة خالصة لله تعالى (١٠) (وأنبنا أسيافنا) (١١). وحرّمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها، ليرضى (١٢) بها الله والرسول، وتلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول. وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمّة، وينجلي بنور الائتلاف (١٣) ظلمة الإختلاف والغمّة. فيسكن (١٤) في سابغ ظلّها البوادي والحواضر، وتقرّ القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر (١٥). ويعفى عن سائر الهفوات (١٦) والجرائر. فإن وفّق الله سلطانك لما فيه (١٧) صلاح العالم، وانتظام أمر بني آدم. فقد وجب عليه (١٨) التمسّك بالعروة الوثقا (١٩) وسلوك الطريقة المثلى بفتح

стр. 94

أبواب الطاعة والاتحاد (١)، وبذل الإخلاص بحيث تنعمر (٢) تلك الممالك والبلاد، وتسكن الفتن الثائرة. وتغمد السيوف (٣) / ٧٢ أ / الباترة، وتحلّ الكافّة أرض الهوينا (٤) وروض الهدون (٥). وتخلص رقاب (٦) المسلمين من أغلال الذّلّ والهون (٧). وإن غلب سوء الظنّ بما تفضّل به واهب (٨) الرحمة، ومنع عن (٩) معرفة (قدر) (١٠) هذه النعمة، فبه (١١) شكر الله مساعينا، وأبلى عذرنا (١٢) ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٣) والله الموفّق للسّداد والرشاد (١٤)، وهو المهيمن (١٥) على البلاد والعباد، وحسبنا الله ونعم الوكيل (١٦). وكتب في أواسط جمادى الأول (١٧) سنة إحدى وثمانين وستمائة بمقام الألطاق (١٨). (وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه») (١٩). هذه صورة كتابهم الوارد على يد رسلهم الذين اعتمد في أمرهم من الاحتراز

стр. 95

في الصدور والورود ما لا عنه مزيد، ووعّر بهم في حالتيه توعيرا لا يعرف منه المقصد أقريب أو بعيد. [استقبال السلطان لرسل ملك التتار] ولمّا أراد مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - استحضارهم جلس على منبر ملكه في أحسن الهيئات، وأحسن الصّور الحسنات. / ٧٢ ب / وقد لبس من المجوهر ما يأخذ بالأبصار، وأكثر من نور شموع ليلة استحضارهم إلاّ أنّ نور وجهه بهر مالها من الأنوار، في مماليكه الخاصّ، وحفدته ذوو (١) الاختصاص، وقد بدوا كزهر الربيع ألوانا، وكالرياض التي تشوق وتروق عيانا. وجوه مقمرة، وأغصان قدود بالجمال مثمرة. في ملابس من الذّهب الإبريز، يخال أنّ الشمس طلعت ليلا بتوقّد أشعّتها الباهرة، متمنطقة بما يخيّل أنها فلك البروج السّيّارة، وإن شئت فقل السائرة. ودخلوا على مولانا السلطان وقد تأنّق مجلسه العالي الرواق، وظهر في أحسن الخلق وأشرف الأخلاق، ولسان حال كلّ منهم ينشد: سامحاني إن اعتراني ذهول ... واعذراني فذا مقام يهول ما على الأرض مجلس مثل هذا ... يرجع الطرف عنه وهو كليل ولمّا واجهوا مولانا السلطان غضّوا الأبصار هيبة وإجلالا، / ٧٣ أ / وطرأ عليهم من الحصر ما لم يستطيعوا معه أقوالا. ولمّا حصلوا في الحضرة، ومثّلوا واقفين بين يديه مشاهدين ما هو للعيون قرّة، وللقلوب مسرّة، طلب مولانا السلطان الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان المكاتبات، فحين حضر انتصب له قائما وإن كان ربّ وظيفة لا يتكلّف له القيام، وأمر بجلوسه، فجلس ميمنة على عادة الكتّاب من سالف الأيام. ثم أخذ يسأل بالتركي: ما المقصود بسفير معرّب بينه وبينهم، وما المراد الذي أوجب عن وطنهم بينهم. فقال قطب الدين الشيرازي: ثمّ مشافهة وكتاب. فأمر مولانا السلطان أن يسلّم الكتاب لصاحب ديوانه هذا، وأن تعاد عليه المشافهة إذ هو أفهم للخطاب، فتوقّف وقال: إنّما أمرت أن أشافه مولانا السلطان

стр. 96

لا من سواه. فكان الجواب: إنني ما أعرف ما تقول، وهذا الذي يعرف فحواه، فلم يسعه إلاّ أن سلّم له الكتاب المشروح / ٧٣ ب / نصّه، المثبت فصّه، وأعاد عليه المشافهة، ولم تفده تلك المجابهة. وفي صبحة هذه الليلة حضر بالديوان صاحبه المذكور، وتلى (١) على شيوخه نصّ كتابهم المسطور، وأمر كلاّ أن ينشئ نسخة جواب فأحجموا، وعلى مثل ذلك ما أقدموا، إلاّ والده فإنه أنشأ فأبدع، وقال فأسمع. إلاّ أنه لم يكتب به، إذ لم يكن نصّ ما أنعقد عليه المشور. وكنت عملت نسخة صادفت فيها الرأي، وإن لم أحضر ذلك المحضر. وكان صاحب الديوان المشار إليه قد أنشأ نسخة، فعمدنا إلى نسخته، فكتبنا منها ما وقع الاتفاق عليه، وهي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «بقوّة الله تعالى (٢) كلام قلاوون، إلى السلطان أحمد (٣). أمّا بعد حمد الله الذي أوضح بنا ولنا للحقّ (٤) منهاجا، وجاء بنا فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله (٥) أفواجا. والصلاة والسلام على / ٧٤ أ / سيّدنا (ونبيّنا) (٦) محمد الذي فضّله على كلّ نبيّ، نجّى به أمّته (وكلّ (٧) نبيّ ناجى) (٨)، (وعلى آله وصحبه) (٩) تنير ما دجى (١٠)، وتبير (١١) من داجى. والرضى على الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، وسيّد الخلفاء المهديّين، وابن عمّ سيّد المرسلين، والخليفة الذي

стр. 97

يتمسّك ببيعته أهل هذا الدين) (١). إنه ورد (٢) الكتاب الكريم، المتلقّى بالتكريم، المشتمل على النبأ العظيم، من دخوله في (هذا) (٣) الدين، وخروجه عن ما خالف (٤) من العشيرة والأقربين. ولمّا فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم المعلم (٥). والحديث الذي صحّح أهل الإسلام إسلامه (٦). وأصحّ الحديث ما روي عن مسلم. وتوجّهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه (في) (٧) أن يثبّته على ذلك بالقول بالثابت. وأن ينبت حبّ (حبّ) (٨) هذا الدين في قلبه كما أنبت أحسن النّبت من أحسن (٩) المنابت. وحصل التأمّل للفصل المبتدى (١٠) بذكره من حديث إخلاصه النّيّة (١١) في أول العمر، وعنفوان الصّبي (١٢) في (١٣) الإقرار بالوحدانية. ودخوله / ٧٤ ب / في الملّة المحمّدية بالقول (١٤) والعمل والنّيّة. فالحمد (١٥) لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام، كحمدنا الله (١٦) على أن جعلنا من السابقين الأوّلين إلى هذا المقال

стр. 98

والمقام (١). وثبّت أقدامنا في كلّ موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام (٢). وأمّا إفضاء النّوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه. وإفاضة (٣) هذه المواهب العظيمة (٤) عليه. وتوقّد (٥) الأسرّة التي (٦) طهّرها إيمانه، وأظهرها سلطانه فقد أورثه (٧) الله من اصطفاه من عباده، وصدّق المبشّرات له من كرامة أوليائه (٨) وعبّاده. وأمّا حكاية اجتماع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار (ومقدّمي) (٩) العساكر وزعماء البلاد في مجمع قوريلتاي الذي ينقدح (١٠) فيه زند (١١) الآراء، وأنّ كلمتهم اتفقت (١٢) على ما سبق (١٣) به حكم (١٤) أخيه الكبير (١٥) من إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه فكّر فيما اجتمعت عليه آراؤهم، وانتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفا لما في ضميره / ٧٥ أ / إذا قصده الصلاح ورأيه الإصلاح، وأنه أطفأ تلك النائرة، وسكّن تلك الثائرة، فهذا فعل الملك المتّقي، المشفق من قومه على من بقي، المفكّر في العواقب، بالرأي الثاقب، وإلاّ فلو تركوا وآراءهم (١٦) حتى تحملهم (الغرّة) (١٧) لكانت تكون هذه الكرّة (١٨). لكن هو كمن خاف مقام ربّه ونهى

стр. 99

النفس عن الهوى (١)، ولم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى (٢). وأمّا القول منه بأنه لا تجب (٣) المسارعة إلى المقارعة إلاّ بعد إيضاح المحجّة، وتركيب الحجّة، فانتظامه في سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجّته المتركّبة. على من غدت (٤) طواغيته (٥) عن سلوك هذه المحجّة متنكّبة، فإنّ الله (سبحانه و) (٦) (تعالى) (٧) والناس كافّة قد علموا أنّ قيامنا إنّما هو لنصرة هذه الملّة، وجهادنا (واجتهادنا) (٨) إنّما هو لله (٩). وحيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذّحول (١٠) وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة (١١) فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه ببعض ومن أقام / ٧٥ ب / مناره. فله أهل بأهل في كلّ مكان، وحيران بحيران بكلّ (١٢) أرض. وأمّا ترتيب (١٣) هذه الفوائد (١٤) الجمّة (١٥) على أذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال (١٦) الدين عبد الرحمن - أعاد الله من بركاته (١٧) - فلم ير (١٨) لوليّ قبله كرامة كهذه الكرامة، والرجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كلّ دار

стр. 100

للإسلام دار إقامة (١)، حتى تتمّ شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما (٢) كان. ولا ينكر لمن بكرامته (٣) ابتداء هذا التمكّن في الوجود، أنّ كلّ حقّ ببركته إلى نصابه يعود (٤). وأمّا إنفاذ أقضى (٥) القضاة قطب (الملّة و) (٦) الدّين، والأتابك (٧) بهاء الدين الموثوق بنقلهما في إبلاغ (٨) هذه البلاغة. فقد حضرا وأعادا كلّ قول حسن (٩) (حوالى أحواله، وخطرات خاطره، ومنتظرات ناظره) (١٠)، من (١١) كلّ ما يشكر ويحمد، ويعنعن حديثهما فيه عن «مسند» أحمد. وأمّا الإشارة إلى أنّ النفوس إن كانت (١٢) تطلع إلى إقامة دليل، تستحكم بسنّته (١٣) دواعي الودّ الجميل، فلينظر إلى ما ظهر من مآثره / ٧٦ أ / من موارد الأمر ومصادره، ومن العدل والإحسان، بالقلب واللّسان، والتّقدّم بإصلاح الأوقاف (١٤). فهذه صفات من (يريد) (١٥) لملكه الدوام. فلمّا ملك عدل، ولم يلتفت (١٦) إلى لؤم من عدى (١٧) ولا لوم من عذل. على أنّها وإن كانت من الأفعال

стр. 101

الحسنة، والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة، فهي واجبات تؤدّى (١)، وهو أكبر من أنّه بأجراء أجر غيره يفتخر أو عليه تنتصر (٢)، (أو له يدّخر) (٣). إنّما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك وأقاليم وحصون، وأن يبذل في تشييد (٤) ملكه أعزّ مصون (٥). وأمّا تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالأطراف التّعرّض إلى أحد بالأذى (٦) وإصفاء موارد (الواردين) (٧) والصادرين من شوائب القذى (٨) فمن حين (٩) تقدّمه بذلك (١٠) تقدّمنا أيضا بمثله إلى سائر النوّاب (١١) بالرّحبة (١٢) وحلب (١٣) والبيرة (١٤) وعين تاب (١٥). وتقدّمنا إلى مقدّمي (١٦) العساكر بأطراف

стр. 102

تلك الممالك، (بمثل ذلك) (١). وإذا اتّحد الإيمان، وانعقدت / ٧٦ ب / الأيمان، تحتّم هذا الإحكام، وترتّب (٢) عليه جميع الأحكام (٣). وأمّا الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق (٤). وأنّ بسبب من يتزيّا من الجواسيس بزيّ الفقراء قتلت (٥) جماعة من الفقراء الصالحين (٦) رجما بالظنّ فهذا باب من ذا الجانب (٧) كان فتحه، وزند منه كان قدحه (٨). وكم من متزيّ بفقير (٩) من ذلك الجانب سيّروه، وإلى الإطّلاع (على الأمور) (١٠) سّوروه. وظفر النواب منهم (١١). بجماعة فرفعوا (١٢) عنهم السيف، ولم يكشف ما غطّته حرمة الفقر (١٣) بلم (١٤) ولا كيف. وأمّا الإشارة إلى أنّ اتفاق (١٥) الكلمة يكون صلاح العالم (١٦). وينتظم (١٧) شمل بني آدم، فلا رادّ لمن فتح باب (١٨)

стр. 103

الاتحاد. و (من) (١) جنح إلى السلم فما (٢) حاد ولا حادّ (٣). ومن ثنى عنانه عن المكافحة، كمن (٤) مدّ يد المصالحة للمصافحة (٥). والصّلح وإن كان (٦) سيّد الأحكام (فلا بدّ) (٧) من أمور تبنى عليها (٨) قواعده، ويعلم من مدلولها (٩) فوائده. (فإنّ) (١٠) الأمور المسطورة (١١) في كتابه هي كليات لازمة ينعمر (١٢) بها كلّ مغنى ومعلم، (إنّ تهيّأ صلح أو لم) (١٣). / ٧٧ أ / وثمّ أمور لا بدّ وأن تحكم (١٤)، وفي سلكها عقود العهود تنظم. قد تحمّلها لسان (١٥) المشافهة التي إذا أوردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس، وأحرزتها صدور الرسل (١٦) كأحسن ما تحرزه الطروس (١٧). وأمّا الاستشهاد (١٨) بقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٩) فما على هذا النّسق من الودّ ينسج، ولا على هذا السبيل ينهج.

стр. 104

بل أفضل التقديم (١) في الدّين حقوق ترعى (٢)، وإفادات تستدعى (٣). وعند الانتهاء إلى جواب (٤) ما لعلّه يجب عنه الجواب من فصول الكتاب، سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الدين (٥) فكان منها ما يناسب ما في الكتاب (٦). من دخوله (٧) في الدّين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين، وما بسطه من عدل (٨) وإحسان، (وسيرة) (٩) مشكورة بكلّ لسان (١٠)، فالمنّة لله في ذلك (١١)، فلا يشبها (١٢) منه بامتنان. وقد أنزل الله (تعالى) (١٣) على رسوله في حقّ من امتنّ بإسلامه: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ / ٧٧ ب / ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ.﴾ (١٤) ومن المشافهة أنه قد أعطاه الله (من العظائم) (١٥) ما أغناه به عن امتداد (١٦) الطّرف إلى ما في يد غيره من أرض وماء (١٧)، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل. والجواب (١٨) أنّ ثمّ أمورا متى حصلت عليها الموافقة، تمّت

стр. 105

المصاحبة (١) والمصادقة. ورأى الله (٢) والناس كيف يكون تصافينا، وإذلال معادينا (٣) وإعزاز مصافينا. فكم من صاحب أوجد (٤) حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة. وما تمّ أمر الدّين (٥) المحمّديّ (٦) واستحكم في صدر الإسلام إلاّ بمظافرة (٧) الصحابة. فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد وحسن الوداد (٨)، (وجميل الاعتضاد) (٩)، وكبت (١٠) الأعداء (١١) والأضداد، والاستناد إلى من يشتدّ به الأزر (١٢) عند الاستناد، فقد فهم المراد (١٣). ومن المشافهة إذا كانت (١٤) رغبتنا غير ممتدّة إلى (١٥) ما في يده من أرض وماء فلا حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة (تعود) (١٦). فالجواب أنه لو (١٧) كفّ كفّ العدوان (من هنالك، / ٧٨ أ / وخلّى لملوك المسلمين مالهم (١٨) من ممالك. سكنت الدّهماء، وحقنت الدّماء. وما أحقّه بأنّ لا ينه (١٩)

стр. 106

عن خلق ويأتي مثله (١)، ولا يأمر بشيء (٢) وينسى (٣) فعله، وقنغرطاي (٤) الروم (٥) (الآن) (٦)، وهي بلاد في أيديكم، وخراجها يجيء إليكم. فقد (٧) سفك فيها وفتك (٨)، وسبى وهتك. وباع الأحرار، وأبى إلاّ التمادي على ذلك (٩) والإصرار. ومن المشافهة أنه إن (١٠) حصل التصميم على أن (١١) لا تبطل هذه الإغارات (١٢)، ولا يفتر عن هذه الإثارات. فيعيّن (١٣) مكانا يكون فيه اللقاء، ويعطي الله النصر (١٤) لمن يشاء. فالجواب عن ذلك أنّ الأماكن التي اتّفق فيها ملتقى الجمعين (١٥) مرّة ومرّة ومرّة قد عاف مواردها من سلم من ذلك (١٦) القوم، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم. ووقت (١٧) اللقاء علمه عند الله لا (١٨) يقدّر، وما النصر إلاّ من عند الله لمن أقدر لا لمن قدّر. وما (١٩) نحن ممّن ينتظر فلته، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفته. وما أمر ساعة النصر (٢٠) إلاّ كالساعة لا

стр. 107

يأتي (١) إلاّ بغته. / ٧٨ ب / والله الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمّة، والقادر على إتمام كلّ خير ونعمه (٢). إن شاء الله تعالى». وكتب في مستهلّ رمضان المعظّم سنة أحد (٣) وثمانين وستماية انقضى مضمون جوابهم، ومفهوم خطابهم، وفحوى العرض الذي خطى (٤) بهم. وتقدّم أمر مولانا السلطان فأفيضت عليهم ملابس نعمه، وأجزلت لديهم مواهب كرمه، وخصّ كلاّ منهم بما يناسب قدره، ويشرح صدره، ويحسن له إلى وطنه الكرّه. ثم جيزوا بجوابهم المشروح، فحين وصلوا إلى مرسلهم بالجواب، وأعادوا عليه ماهالهم، وأخبروه أنّ قلم هذا الجواب كان في الكتاب، ورجل سلطانه في الركاب. علما منه بعادة التتار في الركوب خلف كتابهم، والوثوب عند انفصال خطابهم، وقالوا وقالوا، وحدّثوا ولا حرج عن عزّ سلطان جالت أفكارهم عندما (٥) / ٧٩ أ / بممالكه المعظّمة جالوا. إلاّ أنّ الملك أحمد لم يرتكب عادة التتار، في العتوّ والنّفار، ولا ركب رغبة في الصّلح الذي فيه عمارة الدار والجار. بل أقبل على قضيّة الصلح أيّما إقبال، وابتهج به رغبة في سلامة العقبى والمآل. ورأى أنه خير وأبقى، وأبقى وأتقى (٦). وأخذ في تجهيز شيخه والهادي له إلى الإسلام كما زعم، والدّالّ له على طريق سلامة الصّلح إن انتظم، وجهّزه وصحبته موكب من الأمراء والخدم، والبرك (٧) والحشم. ورفع على رأسه الجتر (٨) وهو قبّة من أدم، وحكمه في البلاد فأحكم إذ

стр. 108

حكم. وتقدّم إليه بالتّوجّه لباب مولانا السلطان، ومصافحته بالصلح يوفي ماله من الضمان. هذا، والأخبار عند مولانا السلطان من مكاتبيه بحركة هذا الشيخ وسكونه منزلة بمنزله، وأنباؤه مرحلة بمرحله. وعدّة من في صحبته وصورة هيئته وهيبته (١). فلمّا قرب من البلاد. / ٧٩ ب / ودنا المراد من المراد، برزت مراسم مولانا السلطان بالكتابة إلى الأمير جمال الدين أقوش الفارسيّ أحد الأمراء الكبار القديمي الهجرة، المعروفين بالشجاعة في كلّ أمر وإمره، بأن يركب لتلقّيه من البيرة، وأنه إذا عدّى يمنعه من الركوب بالجتر ويقول له: قد صرت في بلاد مولانا السلطان، ولا يركب فيها أحد بالجتر غيره. فحين عدّى ما تعدّى، وحطّ مرفوعه عن راسه، وعرف منذ حلّ أرض مولانا السلطان قدر نفسه (٢). ولمّا وصل إلى حلب المحروسة وجد ما كان قد رسم به لنائبها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري من إخلاء القاعات لنزوله، وبهيئة ما يليق به قبل وصوله. فحين وصل وجد ما ينبغي لمثله. وأنزل من رحاب مولانا السلطان منزلا مباركا لا ينكر فرط إفضاله وفضله، وأقيم له من يقوم بمصالح خيله، وأن لا يمكّن أحد ممّن معه أن يخرج من المنزل الذي نزله، إحترازا من تحيّل، وإن لم يكن في خيله (٣). / ٨٠ أ / وسيّرت مطالعة من النائب المذكور بحلب بعدّة من معه، ومن أعجب ما رأيت فيها أربع (٤) فقراء برسم الزمزمة والسماع. هذا ما كان من الشيخ المذكور. [دخول السلطان قلاوون دمشق] وأمّا ما كان من مولانا السلطان (فإنّ) (٥) مشوره انعقد مع عقلاء أمرائه وشيوخ آرائه على أن يكون الاجتماع بهذا الرسول بدمشق، ليعلم أن بلاده لم تخل

стр. 109

منه، (ولم يستغن في دفع خيله ركوب عزّ وبعد رسول عنه) (١) فاستخار الله ، وعزم والنصر يرفرف عليه، والتأييد ينظر بعين العناية إليه. وقد راق منظره، وحقّق خبره وخبره. والمنازل تهاداه، والألطاف الإلهية (٢) متكفّلة بحسن معاده ومبداه. فلمّا حلّ مولانا السلطان بدمشق وقد تبرّجت له بزهر أزهارها، وفرشت لوطيء جواده فرش أنهارها. والأغصان قد تمايلت بسماع إدانة الأرض (له) (٣) طربا، والطيور قد عادت باسمه الشريف من جملة / ٨٠ ب / الخطبا (٤). والأكمام قد رفعت عن يانع ثمرها، لضيافة قدومه كمامها. والسماء قد امتدّت لوقاية قمر وجهه أن تدركه الشمس غمامها فحلّ قلعتها حلول الزهرة في شرفها، والدّرّة في صدفها، وأهل الجنان في غرفها، والآيات البيّنات في صحفها. فحين استجمّ - خلّد الله سلطانه - تقدّم أمره العالي بحضور الشيخ المذكور مع من معه من حلب، وطلبه فنجح بشرعة امتثاله ذلك الطلب. وأمهل إلى أن استراح ثلاثة أيام. ثمّ استدعي وقد جلس مولانا السلطان على كرسيّ سلطانه في صورة لا شكّ أنّها (أحسن) (٥) الصّور، وهيئة تدهش ذوي النظر. وقد تجمّلت خواصّ مماليكه بأحسن مدّخرها من الملابس، وبرزت في هيئة إبريز لا شكّ أنها نار قابس. ودخل هذا الشيخ في هيئة الفقراء معمّما بفوطة مرخاة، لها عذبة بدلق، طوى كمّيه وجمجم. وفي خدمته أتابك، وشمس الدين ابن التّيتي. وكان هذا الشيخ يميل إلى الشقرة، فلما شاهد وجه / ٨١ أ / مولانا (السلطان) (٦) أعظم خلق الله بتنزيهه وتقديسه، وتمتّع من كلّ من مولانا السلطان وملبسه بنفيسه. فرأى مولانا السلطان لح (. . . . . .) (٧) وأمر بإجلاسه، تنويها من

стр. 110

قدره، وأحضر هذا الشيخ (. . .) (١) المذكور صندوقا لطيفا مقفلا، فلم يشكّ مولانا السلطان أنه جوهر مثمن. وفتحه حين وضعه بين يديه، فإذا فيه دواة من فولاذ (مجوهر) (٢) مرب [عة] (٣) (. . .) (٤) [يكو] (٥) ن طول شبر وفتر، يدور بها طران من ذهب. وداخل (. . . .) (٦) فضّة مسكوبّة مطليّة بذهب، وحليتها فضّة مطليّة. قيل إنّها صنعة هذا الشيخ. فحين اطّلعها (٧) مولانا السلطان استحقر همّتهم، واستنقص هديّتهم، وأنعم بها في الوقت الحاضر بحضرة الشيخ على صاحب ديوانه الصّاحب (فتح الدين) (٨) المذكور. [موت أحمد بن هولاكو] ثمّ سمع مشافهته التي حملها، وأحاط علما بتفصيلها وجملتها، وأعاده إلى منزله ليجهّز، فلم يكن أسرع من أن جاء الخبر بموت أحمد (٩) مرسله، وأنّ الحمام / ٨١ ب / وافاه معجّله. فسيّر مولانا (السلطان) (١٠) إليه وأطلعه على ذلك فأسقط في يديه، وأغمي عند سماع هذا الخبر عليه. ولم يقم الشيخ المذكور إلاّ أياما بعد
следующие страницы →