← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أم بنى زهرة من سرّكم … فى غابر الدهر وغمر النّدىّ واحدة منكم فهاتوا لها … فيمن مضى للناس ومن بقى واحدة من خيركم مثلها … جنينها مثل النبى التّقىّ (١) وبشّرت ثويبة الأسلميّة مولاها أبا لهب بن عبد المطلب بولادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعتقها حين بشّرته بميلاده صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فأثابه الله على ذلك بأن يسقى فى كل ليلة اثنين فى مثل نقرة الإبهام. وفى ليلة مولد النبىّ /صلى الله تعالى عليه وسلم نكّست الأصنام كلها، وأما اللاّت والعزّى فإنهما أخرجا من خزائنهما وهما يقولان: ويح قريش جاءهم الأمين، جاءهم الصديق، لا تعلم قريش ماذا أصابها. وأما البيت فأيّاما سمعوا من جوفه صوتا وهو يقول: الآن يردّ علىّ نورى، الآن يجيئنى زوّارى، الآن أطهّر من أنجاس الجاهلية؛ أيتها العزّى هلكت. ولم تسكن زلزلة البيت ثلاثة أيام. وهذا أول علامة رأت قريش من مولد النبىّ ﷺ . وكان بمكة يهودىّ قد سكنها يتّجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد، فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال حين أصبح فى مجلس من مجالس قريش: يا معشر قريش هل فيكم من مولود ولد هذه الليلة؟ قال القوم: والله لا نعلمه. قال: الله أكبر أما إذا أخطأكم

стр. 72

فلا بأس، انظروا واحفظوا يا معشر قريش ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبىّ هذه الأمة الأمين (١) به شامة بين كتفيه أو منكبيه، سوداء ظفراء فيها شعرات متواترات، كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين؛ وذلك أن عفريتا من الجن أدخل إصبعه فى فمه، فمنعه من الرضاع. فتفرّق القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه، فلما أن صاروا إلى منازلهم أخبر كلّ إنسان منهم أهله فقالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام، وسموه محمدا، فالتقى القوم فقالوا: قد سمعتم حديث اليهودى، وقد بلغكم مولد هذا الغلام. فانطلقوا حتى جاءوا اليهودى فى منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ فقال: أبعد خبرى أو قبله؟ قالوا: قبله، واسمه أحمد. قال فاذهبوا بنا إليه حتى ننظره. فخرجوا معه حتى دخلوا على آمنة بنت وهب، فقالوا: أخرجى إلينا ابنك. فأخرجته، فكشفوا له عن ظهره. فرأى تلك الشامة، فوقع مغشيّا عليه، فلما أفاق قالوا له: ويلك ما بالك؟! قال: ذهبت والله النّبوّة من بنى إسرائيل، وخرج الكتاب من بين أيديهم، وهذا الذى يقتلهم، ويبتر أحبارهم، فازوا (٢) العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش (٣)؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.

стр. 73

وكان فى النّفر يومئذ هشام والوليد ابنا المغيرة، ومسافر بن عمرو، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة بن ربيعة فى نفر من بنى عبد مناف وغيرهم (١). ولما كان اليوم السابع من ولادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذبح عبد المطلب كبشا عقّ به عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وسماه محمدا، وجعل مائدة ودعا قريشا، فلما أكلوا/قالوا: يا عبد المطلب أرأيت ابنك هذا الذى أكرمتنا على وجهه، ما سميته؟ قال: سميته محمدا. قالوا: فلم رغبت به عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردت أن يحمده الله فى السماء، وخلقه فى الأرض. ولعله لمّا أخبرته آمنة بما رأت، وما قيل لها سمّاه بذلك، أو أن الله ألهمه ذلك. وقيل إنما سماه محمدا لرؤيا رآها: رأى كأن سلسلة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء وطرف فى الأرض وطرف فى الشرق وطرف فى الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كلهم يتعلّقون بها، فقصّها فعبّرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض؛ ولذلك سماه محمدا. ولم يتسم بهذا الاسم أحد قبله إلى أن ذاع قبل وضعه أنه يبعث فى هذا الأوان نبى اسمه محمد، فسمّى جماعة من العرب أبناءهم بذلك طمعا أن يكون هو (٢). وقد حمى الله من سمّى

стр. 74

بذلك ادّعاء النبوة، أو أن أحدا يدّعيها له. ومن بديع حكمة الله تعالى منعه أن يتسمّى بأحمد أحد سواه، ولا يدعى به مولود قبله؛ لئلا يدخل لبس أو شكّ على ضعيف اليقين. وختن صلى الله تعالى عليه وسلم يوم سابعه؛ ختنه جدّه. ويقال: إن جبريل ختنه حين طهّر قلبه. وقيل: إنه ولد مختونا كما سبق (١). وأرضعته صلى الله تعالى عليه وسلم أمّه سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية مولاة عمّه أبى لهب بلبن ابنها مسروح - وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وبعده أبو سلمة بن عبد الأسد - وأرضعته صلى الله تعالى عليه وسلم حاضنته أم أيمن بركة الحبشيّة. ويقال أرضعته خولة بنت المنذر بن زيد بن أسد بن خداش. ثم التمس له صلى الله تعالى عليه وسلم المراضع، وكان قدم مكة عشر نسوة من بنى سعد بن بكر بن هوازن يلتمسن الرضعاء، منهن أم كبشة حليمة ابنة أبى ذؤيب، ومعها زوجها أبو كبشة الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة، وابنها منه عبد الله ترضعه، وهى على أتان قمراء تدعى سدرة، ومعهم شارف لقاح لا سنّ لها، يقال لها السمراء، لقوح قد مات تبيعها بالأمس، ليس فى ضرعها قطرة لبن، قد يبس من العجف، وكانوا قد أصابتهم سنة شهباء، لم تبق لهم شيئا.

стр. 75

قالت حليمة: وما كنا ننام ليلتنا أجمع مع صبيّنا الذى معنا من بكائه/من الجوع؛ ما فى ثديى ما يغنيه، وما بشارفنا ما يغذّيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتان لى قمراء فلقد أذمّت (١) بالركب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة، نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم تركته؛ وذلك أنّا كنا نرجو المعروف فى رضاع من نرضع من أبى المولود، وأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا، فكلنا تركه لذلك، ولم تبق امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما أجمعن على الانطلاق إلى بلادهن قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم أجد رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ فإنه امتع من أن أرجع بغير رضيع. فقال: لا عليك أن تفعلى؛ عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأتيت أمه فأخذته - وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره - فقالت لى أمه: يا ظئر، سلى عنه، فإنى رأيت كأنه خرج من فرجى شهاب أضاءت له الأرض كلها حتى رأيت قصور الشام؛ فسلى عنه فإنه يكون له شأن، وإنه لم يزل يذكر أنه يخرج من ضئضئ (٢) عبد المطلب نبىّ، ولقد أتيت فقيل لى: قد حملت بسيّد الأنام، ولقد قيل لى ثلاث ليال: استرضعى

стр. 76

ابنك فى بنى سعد، ثم فى آل أبى ذؤيب. فقالت حليمة: فإن أبا هذا الغلام الذى فى حجرى أبو ذؤيب وهو زوجى. وطابت نفس حليمة، وسرّت بكل ما سمعت، ثم قالت: والله إنى لأرجو أن يكون مباركا. ولما أن دفع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حليمة شيعها عبد المطلب وهو يقول: - يا ربّ هذا الركب المسافر … محمدا فاقلب بخير طائر (١) وازجره عن طريق الفواجر … واجلبه عند كل جلب فاخر أحلس ليس قلبه بطاهر … وحيّة تصيد بالهواجر إنى أراه مكرمى وناصرى قالت حليمة: فخرجت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رحلى فأجد الأتان قد قطعت رسنها فهى تجول فى الدار، وأجد الشارف قائمة تقصع بجرّتها، فقلت لزوجى: إن هذا المولود مبارك. فقال: لقد رأينا بعض بركته.

стр. 77

قالت حليمة: وكان ابنى والله لا/ينام من الجوع، فلما وضعت رسول الله ﷺ فى حجرى أقبل علىّ ثدياى بما شاء الله من اللّبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، ثم قام زوجى إلى شارفنا تلك - وكانت والله ما إن تبضّ بقطرة - فلما وقعت يده على ضرعها فإذا هى حافل، فحلب قعبا فسقانى، ثم حلب قعبا آخر فشرب حتى روى، ولمس ضرعها فإذا هى بعد حافل، فحلب قعبا آخر فحقنه فى سقايته، وبتنا بخير ليلة شباعا رواء، فقال صاحبى: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه!! فقلت: والله إنى (١) لأرجو أن يكون ذلك الخير (١)، وأخبرنى بخبر الشارف، وأخبرته بخبر ثديىّ وما رأيت منهما، ثم أصبحنا فغدونا، فركبت أتانى وحملت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معى عليها، فجعلت تتقدّم الركب حتى ما يقدر عليها شئ من حمرهم حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبى ذؤيب، ويحك اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها معنا؟! فأقول: بلى والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لأتانك هذه لشأنا. ويقال، قالت حليمة: فركبت الأتان وركب الحارث الشارف، وحملت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين يدىّ على الأتان - وكان والله ما إن يلحق الحمر ضعفا - فلما أن طلعنا على صواحبنا بوادى

стр. 78

السّرر (١) مرتعات وهما يتواهقان (٢) فى المسير فقلن: هى حليمة وزوجها، ثم قلن: هذا حمار أنجى (٣) من حمارتها، وهذا بعير أنجى من بعيرها، وما يقدران على أن يضبطا رءوسهما، حتى نزلت معهنّ، فقلن: يا حليمة ماذا صنعت؟ قلت: أخذت - والله - خير مولود رأيته قط وأعظمه بركة. فقالت النسوة: أهو ابن عبد المطلب؟ قلت: نعم، وأخبرتهنّ بما قالت آمنة فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أمرتنى أن أسأل عنه، وما رأت حليمة من إقبال درّها ودرّ لقوحها (٤) وما رأوا من نجاء الأتان واللّقحة (٤). قالت حليمة: فما رجعنا من منزلنا حتى رأيت الحسد فى بعض نسائنا، فمررنا (٥) بشيخ من هذيل عرّاف كبير، فقالت النسوة: سلى هذا، فجئت إليه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخبرته خبره، وما قالت فيه آمنة، فصاح الهذلىّ: يا آل هذيل اقتلوه اقتلوه، وآلهته ليملكنّ الأرض، وإنه لينتظر من السماء أمرا.

стр. 79

فقدمنا منازلنا/من بلاد بنى سعد بن بكر - وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها - ولا نتعّرف من الله إلا البركة، فقدمنا على عشرة أعنز ما يرمنّ (١) البيت هزالا، فإن كنّا لنريح الإبل وإنها لحفّل فنحلب ونشرب، ونحلب شارفنا غبوقا وصباحا، وإنى أنظر إلى الشارف قد نضيت فى سنامها، وأنظر إلى عجز الأتان فكان فيها الأمهار (٢)، وإن كان عجزها لدابرا مما ينخسها. وكان راعينا ينصرف بأغنامنا شباعا لبّنا حفّلا، وتأتى أغنام قومنا جياعا هالكة ما إن تبضّ بقطرة؛ فنحلب ونشرب ما شئنا من اللبن، وما من الحاضر إنسان يحلب قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقول لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى ابنة أبى ذؤيب - ويقال: ابلغوا حيث تبلغ غنم حليمة - فيسرحون فى الشّعب الذى يسرح فيه. فتروح أغنامهم جياعا ما تبضّ بقطرة لبن كما كانت تأتى قبل ذلك، وتروح غنمى شباعا لبّنا حفّلا بطانا. قالت حليمة: ولم نزل نتعرّف من الله الزيادة فى الخير. قال بعض من كان يرعى غنم حليمة: إنهم كانوا يرون غنم حليمة ما ترفع برءوسها، ويرى الخضر فى أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمهم على أن تربض ما تجد عودا تأكله؛ فتروح الغنم أهون منها حين غدت، وتروح غنم حليمة يخاف عليها الحبط (٣).

стр. 80

قالت حليمة: ولقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسّ ضرع شاة لنا يقال لها أطلال فما نطلب منها ساعة من الساعات إلا حلبت عبوقا وصباحا، وما على الأرض شئ تأكله دابّة. «ذكر ما أحدثته قريش بعد الفيل» لما أهلك الله أبرهة، وسلّط عليه الطّير الأبابيل ازدادت قريش والعرب فى تعظيم الحرم، والمشاعر العظام، والشهر الحرام، ووقّروها، ورأوا أن دينهم خير الأديان وأحبّها إلى الله، (١) وقالت قريش: نحن أهل الله (١)، وبنو إبراهيم، وولاة البيت الحرام، وساكنوا (٢) حرمه وقطّانه، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف العرب لأحد مثل ما تعرف لنا. فابتدعوا عند ذلك أحداثا فى دينهم، أداروها بينهم، قالوا: لا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون من الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحلّ مثل ما عظموا من الحرم؛ فقصروا/عن مناسك الحج؛ فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها - وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها - وجعلوا موقفهم فى طرف الحرم (٣) من نمرة بمفضى المأزمين، يقضون به عشية عرفة، ويظلون

стр. 81

به يوم عرفة فى الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلف؟؟؟، فإذا عمّت الشمس رءوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن الحمس - والأحمس فى لغتهم؟؟؟ المشدد فى دينه - ويقال: إنما سموا الحمس بالكعبة لأنّها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد (١). ويقال: إنما سمّوا الحمس لشجاعتهم - والحماسة الشجاعة - ثم جعلوا لمن ولدوا (٢) من سائر العرب من سكان الحلّ والحرم مثل الذى لهم بولادتهم إيّاهم، يحل لهم ما يحل لهم. ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت خزاعة، وكنانة، والأوس، والخزرج، وجشم، وبنو عامر (٣) بن صعصعة، وأزدشنوءة، وجرم (٤)، وزبيد، وبنو ذكوان من بنى سليم، وعمرو اللات، وثقيف (٥)، وغطفان،

стр. 82

والغوث، وعدوان وعلاّق (١)، وقضاعة، ومدلج، وعدوان (٢)، والحارث بن عبد مناف، وعضل وحلفائهم، وإن كان من ساكنى الحرم، ومن دان دينهم قد دخلوا معهم فى ذلك - وكان بقية العرب يسمون الحلّة - ثم ابتدعوا فى ذلك أمورا لم تكن؛ فقالوا: لا ينبغى للحمس إذا كانوا محرمين أن يأقطوا الأقط، ويسلئوا السّمن، ولا يمخضوا اللبن، ولا يأكلوا الزّبد، ولا شيئا من نبات الحرم. ولا يلبسوا الوبر ولا الشّعر، ولا يغزلوه ولا ينسجوه، ولا يدخلوا بيتا من الشّعر، ولا يستظلّوا إلاّ فى بيت من الأدم ما كانوا حرما (٣). وكانوا يعظّمون الأشهر الحرم، ولا يخفرون فيها الذّمّة، ولا يظلمون فيها (٤). ثم رفعوا فى ذلك فقالوا! لا ينبغى لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل فى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمّارا، ولا يأكلوا فى الحرم إلا من طعام (٥) أهل الحرم - إمّا قرى وإمّا شراء -

стр. 83

وكانوا مما سنّوه أنهم إذا أنكحوا عربيّا امرأة منهم اشترطوا عليه أنّ كلّ من ولدت له فهو أحمسىّ على دينهم (١). وأنه إذا أحرم الرجل منهم فى الجاهلية وأوّل الإسلام فإن كان من أهل المدر - يعنى من أهل البيوت والقرى - لا يدخل بيتا من البيوت، ولا يستظلّ تحت سقف بيت، ينقب أحدهم نقبا فى ظهر بيته فمنه يدخل إلى حجرته، ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه، ولا يجوز تحت أسكفّة الباب ولا عارضته؛ فإن أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم تسوّروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون فى حجرتهم، ويحرّمون أن يمروّا من تحت عتبة الباب/، فكانوا كذلك حتى جاء الإسلام (٢). وكان إذا حج الصّرورة (٣) من الحلّة - رجلا كان أو امرأة - لا يطوف بالبيت إلا عريانا إلاّ أن يطوف فى ثوب أحمسىّ - إمّا عارية وإما إجارة - يقف أحدهم بباب المسجد من خارج فيقول: من يعير مصونا من يعير معوزا؟ فإن أعاره أحمسىّ ثوبا، أو أكراه طاف فيه، وإن لم يعره ألقى ثيابه بباب المسجد من خارج ثم دخل الطّواف وهو عريان، يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف، ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا أتمّ طوافه سبعا استلم الركن، ثم استلم نائلة، فيختم بها

стр. 84

طوافه. ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تلمس فيأخذها فيلبسها، ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا (١). وقيل: وإن طاف وعليه ثيابه ضرب وأنتزعت منه (٢). ويقال: كانوا لا يطوف الرجل منهم أوّل حجة يحجها إلا فى ثياب جدد، أو ثياب أهل الله سكان الحرم؛ ويقولون: لا نطوف فى الثياب التى قارفنا فيها الذنوب، فمن لم يجد طاف عريانا إلا أن يتكرّم منهم متكرّم فيطوف فى ثيابه، فإن طاف فيها لم تحل له أن يلبسها أبدا، ولا ينتفع بها هو ولا غيره، فإذا فرغ ألقاها بباب المسجد، ولا يمسّها أحد من خلق الله حتى تبليها الشمس والأمطار والرياح ووطء الأقدام. وفيه يقول ورقة بن نوفل: - كفى حزنا كرّى عليه كأنه … لقى بين أيدى الطائفين حريم (٣) وقيل: إن الرجل أو المرأة من الحلة إذا لم يجد ثياب أحمسىّ يطوف فيها، ومعه فضل ثياب يلبسها غير ثيابه التى عليه طاف فى ثيابه التى جاء بها من الحلّ، فإذا فرغ من طوافه نزع ثيابه التى طاف فيها، ثم جعلها لقى يطرحها بين إساف ونائلة، فلا يمسها أحد ولا يحركها، ولا ينتفع بها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرّياح والمطر (٤).

стр. 85

وقيل: كانت الحلّة تطوف بالبيت؛ الرجال بالنهار، والنساء بالليل (١). وأما الحمس فكان (٢) الصرورة منهم يطوف فى ثيابه (٢). وجاءت امرأة منهم يوما - وكان لها جمال وهيبة (٣) - فطلبت ثيابا عارية فلم تجد من يعيرها، فلم تجد بدا من أن تطوف عريانة؛ فنزعت ثيابها بباب المسجد، ثم دخلت المسجد عريانة فوضعت يدها على فرجها وجعلت تقول: - اليوم يبدو بعضه أو كلّه … وما بدا منه فلا أحلّه/ فجعل فتيان مكة ينظرون إليها (٤). ويقال: إن المرأة منهم إذا طافت عريانة تضع إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها، ثم تنشد البيت المتقدم (٥). وقيل: إن بعض نسائهم يتّخذ سيورا فتعلقها فى حقوها (٦) وتستتر بها. وصار هذا كله سنّة فيهم، وذلك من صنع إبليس وتزيينه لهم ما يلبّس عليهم من تغيير الحنيفيّة دين إبراهيم.

стр. 86

وجاءت امرأة تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جانبها لأن يمسها (١)، فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بنى سهم هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش - خارجا من المسجد - فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقصتهما، فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذى أصابهما فيه ما أصابهما، فيدعوان ويخلصان ألاّ يعودا. فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله سبحانه وأخلصا لله ألاّ يعودا؛ فافترقت أعضادهما، فذهب كل واحد منهما فى ناحية (٢). وكانت الحلة يخرجون إلى عرفات ويرونها موقفا ومنسكا، وكان موقفها بالعشىّ دون الأنصاب، ومن آخر الليل مع الناس بقزح. وكان بعضهم لا يرى الصفا والمروة (٣)، وبعضهم يراها، وكان الذين يرونها خندف، وكان سائر الحلّة لا يرونها؛ وذلك أنهم قالوا: ما كان أهل الجاهلية ممن يطوف بهما إلا لإساف ونائلة؛ لأن إساف على الصفا ونائلة على المروة. فلما جاء الله بالإسلام أمر الحمس أن يقفوا مع الحلة بعرفة، وأن يفيضوا من حيث أفاض الناس منها مع الحلة، وأمر الحلة أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وأعلمها الله أنها مشعر؛ فقال ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٤).

стр. 87

السنة الثانية من مولد النبى ﷺ (١) .. «السنة الثالثة من مولد النبىّ ﷺ /» فيها - بعد أن بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سنتين - قدمت به حليمة على أمّه وهى حريصة على مكثه فيهم لما رأوا من عظيم بركته. صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما كانوا بوادى السّرر، قالت حليمة: لقيت نفرا من الحبشة - وهم خارجون منها - فرافقتهم فسألوها، فنظروا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نظرا شديدا، ثم نظروا إلى خاتم النبوّة بين كتفيه، وإلى حمرة فى عينيه، فقالوا: أيشتكى إيذاء عينيه للحمرة التى فيها؟ قالت لا (٢). ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. فقالوا: هذا والله نبىّ؛ فغالبوها عليه فخافتهم أن يغلبوها عليه فمنعه الله. فدخلت به على أمّة فأخبرتها بخبره، وما رأوا من بركته، وخبر الحبشة. فلما رأته أمه قالت: ارجعى بابنى فإنى أخاف عليه وباء مكة، فو الله ليكوننّ له شأن. ويقال: إن حليمة - أو زوجها - كلمت آمنة وقالت لها: دعينا نرجع ببنيّنا هذه السنة الأخرى، فإنا نخشى عليه وباء مكة. فلم تزل بها حتى ردّته معهما (٣).

стр. 88

وقام سوق ذى المجاز - ويقال عكاظ - فحضرت حليمة بالنبىّ ﷺ ، وبالسوق يومئذ عرّاف من هذيل يؤتى إليه بالصّبيان لينظر إليهم من هوازن؛ فلما نظر إلى رسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وإلى الحمرة التى فى عينيه، وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب - ويقال جعل يصيح: يآل هذيل - إنّ هذا لينتظر أمرا من السماء، وجعل يغرى بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبىّ. فانسلّت به حليمة، فجعل الناس يقولون: أى صبىّ؟ فيقول: هذا الصّبىّ. فلا يرون شيئا؛ فقد انطلقت به أمه. فيقال له: ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما، وآلهته ليغلبن (١) أهل دينكم، وليكسّرن أصنامكم، وليظهرنّ أمره عليكم. فطلب بذى المجاز - أو بعكاظ - فلم يوجد. ورجعت به حليمة إلى منزلها. فكانت بعد هذا لا تعرضه لعرّاف ولا لأحد من الناس. ولقد نزل بهم عرّاف فأخرح إليه صبيان أهل الحاضر، وأبت حليمة أن تخرجه إليهم، إلى أن غفلت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فخرج من المظلّة، فرآه العرّاف فدعاه، فأبى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فدخل الخيمة، فجهد بهم العرّاف أن يخرج (٢) إليه فأبت، فقال: هذا نبى.

стр. 89

وفى هذه السنة/ولد أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه (١). فيها - ويقال: فى السنة السابقة - وفدت قريش - وفيهم عبد المطلب بن هاشم، وأميّة بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وأسد بن عبد العزّى، ووهب بن عبد مناف، وقصىّ بن عبد مناف (٢)، وقصىّ بن عبد الدار - إلى اليمن يهنئون سيف بن ذى يزن بظفره بالحبشة، فبشّر سيف عبد المطلب أنه سيظهر رسول من نسله. *** «السنة الرابعة من مولد النبى ﷺ » فيها - ويقال فى التى قبلها، ويقال فى السنة الخامسة - نزل جبريل وميكائيل من السماء فشقّا صدر النبى ﷺ المقدس، وهو فى بنى سعد بن بكر عند حليمة مرضعته؛ وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغدو مع أخيه وأخته فى البهم قريبا من الحىّ، فبينما هم يوما يلعبون فى البهم خلف البيوت، قالت حليمة: إذ أتانا أخوه يشتدّ ويصيح: يا أماه أدركى أخى القرشى فإنه قد قتل. ويقال: إنه قال: ذاك أخى القرشى أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه. فخرجت أنا وأبوه نحوه نعدوا، فوجدناه

стр. 90

قائما منتقع اللون، فجعلت أضمه إلىّ مرّة وأبوه مرّة، ونقول: ما شأنك؟ فيقول: لا أدرى، إلا أنه أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجا، فأخذانى فأضجعانى فشقّا بطنى، فاستخرجا قلبى فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوادء - أو قال شيئا - فطرحاها - ويقال: فاستخرجا منه مغمز الشيطان وعلق الدم - ثم غسلا بطنى وقلبى بذلك الثلج حتى أنقياه، وجعلا الخاتم بين كتفىّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، فوزننى بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، فقال: دعه فلو وزنته بأمته لوزنها (١). قالت حليمة: فرجعنا به معنا إلى خيامنا، وقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فبادرى به أهله فألحقيه بهم قبل أن يتفاقم به الأمر عندنا، وقبل أن يظهر ذلك به. فلم تكن لى همّة إلا أن أتيت مكّة فأتيت به أمّه، فقلت: يا ظئر (٢) هذا ابنى قد فصلته وارتفع عن العاهة. فقالت: ما أقدمك به يا ظئر، ومالك زاهدة فيه - وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك - وقد كنت قبل اليوم تسألين أن أتركه عندك؟! فقلنا: لا والله يا ظئر إلا أن الله قد أدى عنّا، وقضينا الذى علينا، /وقلنا نخشى الأتلاف والأحداث نردّه على أهله، فأدّيت أمانتى وذمّتى عليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنكما فاصدقانى خبركما. فلم

стр. 91

تدعنا حتى أخبرناها، فلم يرعها ذلك، قالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل (١) - ويقال قالت آمنة: لا تخافى هذا؛ فإن ابنى هذا معصوم من الشيطان. أو كلام هذا معناه - وإنه لكائن لابنى هذا شأن من الشأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت قط حملا (٢) أخف منه، فأريت فى المنام حين حملت به كأنّه خرج منى نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود؛ معتمدا على يديه، رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما وانطلقا راشدين. ويقال: إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلعب مع الصبيان فأتاه آت فأخذه فصرعه فشق عن صدره فاستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك. فغسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه

стр. 92

فأعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره - فقالوا: قتل محمد. فجاءوا فاستقبلهم النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم وهو منتقع اللون، فسألت حليمة ابنها: ما رأيت؟ قال؟ رأيت طائرين أبيضين وقعا، فقال أحدهما: أهو هو؟ فقال: نعم. فأخداه فسلقاه (١) على ظهره فشقّا بطنه، وأخرجا ما كان فى بطنه، ثم قال أحدهما: إيتنى بماء ثلج. فجاء به فغسل بطنه، ثم قال: إيتنى بماء برد. فجاء به فغسل بطنه، ثم أعاده كما هو. فلما رأوا ما أصابه شاورت أمّه أباه وقالت: ترى أن نرده على أمه؟ إنا نخاف أن يصيبه عندنا ما هو أشدّ من هذا، فنردّه إلى أمه فيعالج؛ فإنى أخاف أن يكون به لمم، إن هذا أعظم مولود رآه أحد بركة، والله إن أصابه إلا حسد من آل فلان؛ لما يرون من عظم بركته منذ كان بين أظهرنا. قال أبوه: يا حليمة أخذناه ولنا عشرة أعنز عجاف، فغنمنا اليوم ثلاثمائة. قالت: إنى أخاف عليه. قالت حليمة: فاحتملناه فقدمنا به على أمه (٢). وقيل: إن رجلا سأل النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: كيف كان أوّل شأنك يا رسول الله؟ فقال: كانت حاضنتى من بنى سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها فى بهم لنا ولم نأخذ لنا زادا، فقلت: يا أخى اذهب فأتنا بزاد من عند/أمنا - فانطلق أخى - وكنت (٣)

стр. 93

عند البهم - فأقبل علىّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدرانى (١)، فأخذانى فبطحانى إلى القفا فشقّا بطنى، ثم استخرجا قلبى فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتنى بماء ثلج. فغسلا به جوفى، ثم قال: ائتنى بماء برد. فغسلا به قلبى، ثم قال: أئتنى بالسكينة. فذراها فى قلبى، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه (٢). فحاصه، وختم عليه بخاتم النّبوّة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله فى كفّة واجعل ألفا من أمته فى كفّة. قال رسول الله ﷺ : فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقى أشفق أن يخرّ علىّ بعضهم. فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركانى - وقد فرقت فرقا شديدا - ثم انطلقت إلى أمّى فأخبرتها بالذى لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بى، فقالت: أعيذك بالله. ورحّلت (٣) بعيرا لها، وحملتنى على الرّحل، وركبت خلفى حتى بلغنا إلى أمى، فقالت: أدّيت أمانتى وذمّتى، وحدثتها بالذى لقيت، فلم يرعها ذلك، وقالت: إنى رأيت خرج منى نور أضاءت له قصور الشام. ويقال: لما قدمت به حليمة إلى أمه قالت أمه: ما أقدمك به

стр. 94

ياظئر - وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟! فقالت: نعم قد بلّغ الله بابنى، وقضيت الذى علىّ، وتخوّفت الأحداث عليه؛ فأدّيت أمانتى وذمّتى عليك كما تحبّين. قالت: ما هذا شأنك!! فاصدقينى خبرك. فلم تدعنى حتى أخبرتها بالذى لقيت، فلم يرعها ذلك وقالت: أتخوّفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت: كلاّ والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإنه لكائن لابنى هذا لشأن من الشأن، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى. قالت: إنى حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخفّ ولا أيسر منه علىّ، ولا أعظم بركة؛ رأيت نورا كأنه شهاب خرج منى حين وضعته أضاءت له قصور بصرى - ويروى أعناق الإبل ببصرى - من أرض الشام، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض رافعا رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقى راشدة (١). وقيل: إن شيخا من بنى عامر جاء إلى النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا ابن عبد المطلب، إنى أنبئت أنّك تزعم أنك رسول الله إلى الناس، فأنبئنى بحقيقة ذلك، وبدء شأنك. فقال: يا أخا بنى عامر، إن حقيقة قولى وبدء شأنى/دعوة إبراهيم، وبشرى أخى عيسى بن مريم، وأن أمى لما ولدتنى كنت مسترضعا فى بنى ليث بن بكر. فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلى فى بطن واد مع أتراب لى من الصبيان، إذ أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا. فأخذونى من بين أصحابى، فخرج أصحابى هرابا حتى انتهوا إلى

стр. 95

شفير الوادى. ثم أقبلوا على الرّهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا؛ غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله؟ فإن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منّا أيّنا شئتم فاقتلوه. فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحىّ يستصرخونهم. فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا. ثم شقّ ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى - وأنا أنظر إليه (١) - فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها، ثم مال بيده يمنه ويسرة كأنه يتناول شيئا. فإذا أنا بخاتم فى يده من نور، يحار الناظرون دونه، فختم قلبى فامتلأ نورا، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا. ثم قال الثالث لصاحبه: تنحّ، فنحاه عنى، فأمرّ يده ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى؛ فالتأم ذلك الشق بإذن الله. ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا لطيفا. ثم قال للأوّل الذى شق بطنى: زنه بعشرة من أمته. فوزننى بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة. فوزنونى بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنونى فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمونى إلى صدورهم وقبلوا رأسى [وما] (٢) بين عينىّ، ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.

стр. 96

فبينا نحن كذلك إذا بالحىّ قد حلّوا بحذافيرهم، وإذا أمى - وهى ظئرى - أمام الحىّ تهتف بأعلى صوتها وهى تقول: يا ضعيفاه. فأكبوا علىّ فقبلوا رأسى وما بين عينىّ، فقالوا: حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئرى: يا يتيماه مستضعف أنت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، ثم ضمتنى إلى صدرها. فو الذى نفسى بيده إنى لفى حجرها وإن يدى لفى يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم، فقال بعض/ القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن؛ فانطلقوا به إلى كاهننا (١) لينظر إليه ويداويه. فقلت: ما بى شئ مما يذكر. فقال أبى - وهو زوج ظئرى -: ألا ترون كلامه كلام صحيح؟ إنى لأرجو ألاّ يكون بابنى بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بى إلى الكاهن، فذهبوا بى إليه؛ فقصّوا عليه قصتى. فقال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام؛ فإنه أعلم بأمره منكم، فسألنى. فقصصت عليه أمرى، فوثب إلىّ وضمنى إلى صدره ثم نادى: يا آل العرب، اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه. واللات والعزّى لئن تركتموه وأدرك ليبدّلن دينكم. ثم احتملونى، فذلك بدء شأنى. يقال: إن حليمة قالت: لمّا فطمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تكلم كلاما عجيبا؛ سمعته يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. فلما ترعرع كان

стр. 97

يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لى يوما من الأيام: يا أمّاه. مالى لا أرى إخوتى بالنهار؟ قلت: فداء لك نفسى، يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل. فأسبل عينيه وبكى وقال: يا أمّاه، فما أصنع هاهنا وحدى؟ ابعثينى معهم. قلت: أو تحبّ ذلك؟ قال: نعم. فلما أصبح دهنته وكحّلته وقمّصته، وعمدت إلى خرزة جزع يمانية فعلقت (١) فى عنقه من العين؛ فأخذ عصا وخرج مع إخوته، فكان يخرج مسرورا ويرجع مسرورا. فلما كان يوما من الأيام (٢) خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا، فلما انتصف النهار إذ أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح، قد علاه البهر (٣)، باكيا ينادى: يا أباه ويا أمه، الحقا أخى محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا، قلت: وما قصته؟ قال: بينا نحن قياما نترامى ونلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل - ونحن ننظر إليه - حتى شق من صدره إلى عانته، ولا أدرى ما فعل به، وما أظنكما (٤) تلحقانه أبدا إلا ميّتا. فأقبلت أنا وأبوه - يعنى زوجها - نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يبتسم ويضحك، فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت: فدتك (٥)

стр. 98

نفسى، ما لذى دهاك؟ قال: خيرا يا أماه؛ بينا أنا الساعة قائم مع إخوتى إذ أتانى رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة، وفى يد الثانى طست من زمردة خضراء ماؤها ثلج، فأخذونى فانطلقوا بى إلى ذروة الجبل فأضجعونى على الجيل إضجاعا لطيفا، ثم شقّ من صدرى إلى/عانتى. وأنا أنظر إليه - فلم أجد لذلك حسّا ولا ألما؛ ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج أحشاء بطنى فغسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها. وقام الثانى وقال للأوّل: تنحّ فقد أنجزت ما وعدك الله به، فدنا منى فأدخل يده فى جوفى فانتزع قلبى وشقّه، فأخرج منه نكتة سوداء مملوءة بالدم فرمى بها وقال: هذا حظّ الشيطان منك يا حبيب الله، ثم حشاه بشئ كان معه. وردّه مكانه، ثم ختمه بخاتم من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم فى عروقى ومفاصلى. وقام الثالث وقال: تنحيّا فقد أنجزتما أمر الله فيه. ثم دنا الثالث منى فأمرّ بيده ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى [فالتأم الشق بإذن الله تعالى] (١)، قال الملك: زنوه بعشرة من أمته. فوزنونى فرجحتهم، ثم قال: دعوه، ولو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم أخذ بيدى فأنهضنى إنهاضا لطيفا، فأكبوا علىّ وقبلوا رأسى وما بين عينىّ، وقالوا: يا حبيب الله، إنك لن ترع، ولو تدرى ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك. وتركونى قاعدا فى مكانى هذا. ثم جعلوا يطيرون حتى دخلوا حيال السماء. وأنا أنظر إليهم. ولو شئت لأريتك موضع دخولهم. فاحتملته فأتيت به منزلا من منازل

стр. 99

بنى سعد بن بكر، فقال لى الناس: اذهبى به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بى شئ مما تذكرون، وإنى أرى نفسى سليمة وفؤادى صحيحا (١) بحمد الله ﵎. فقال الناس: أصابه لمم أو طائف من الجن، فغلبونى على رأيى (٢)؛ فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة، قال: دعينى أنا أسمع منه؛ فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلم يا غلام. قالت حليمة: فقصّ ابنى محمد قصته ما بين أولها إلى آخرها، فوثب الكاهن قائما على قدميه فضمه إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب من شرّ قد أقترب، اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفّهن أحلامكم، وليكذبن أديناكم، وليدعونكم إلى رب لا تعرفونه، ودين تنكرونه. فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت: لأنت أعته منى (٣) وأجن، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، أطلب لنفسك من يقتلك، فإنا لا نقتل محمدا. فاحتملته فأتيت به منزلى، فما أتيت - يعلم الله - منزلا من منازل بنى سعد بن بكر إلا وقد/شممنا منه ريح المسك الأذفر، وكان فى كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان فيغيبان فى ثيابه ولا يظهران، فقال الناس: ردّيه يا حليمة على جدّه عبد المطلب وأخرجيه من أمانتك. قالت: فغزمت على ذلك، فسمعت مناديا ينادى: هنيئا لك

стр. 100

يا بطحاء مكة؛ اليوم يردّ عليك النور والدين والبهاء والكمال، فقد أمنت أن (١) تخذلى أو تخزى (١) أبد الآبدين، ودهر الداهرين. ويقال: إن حليمة رجعت بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مرّة أخرى إلى بلادها، وكانت لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، ثم إنها خرجت يوما تطلبه فوجدته مع أخته (٢) فقالت: فى هذا الحرّ؟! فقالت أخته: يا أمّاه. ما وجد أخى حرّا؛ رأيت غمامة تظل عليه فإذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع. فأفزعها ذلك من أمره (٣). «السنة الخامسة من مولد النبى ﷺ » فيها ردّت حليمة النبى ﷺ إلى أمه وهو ابن خمس سنين وشهر ويقال: ابن أربع سنين - وقيل: سنتين وشهرا (٤) - فأضلها فى الناس فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فقالت له: إنى قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلنى، فو الله ما أدرى أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة فقال:

стр. 101

لاهم أدّ راكبى محمدا … أدّه إلىّ واصطنع عندى يدا أنت الذى جعلته لى عضدا … [لا (١) يبعد الدهر به فيبعدا أنت الذى سمّيته محمدا (١)] فوجده ورقة بن نوفل بن أسد ورجل آخر، فأتيا به عبد المطلب فقالا: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فسألناه من هو فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فأتيناك به. فأخذه منهما وجعله على عاتقه وهو يطوف بالبيت ويقول: أعيذه بالله بارئ النسم … من كل من يسعى بساق وقدم ومصعة (٢) الحجاج فى الشهر الأصم … حتى أراه فى ذرى صعب أشم ثم يكون أبيّا (٣) غير مهتضم ويقال: إن حليمة قالت: حملت رسول الله ﷺ بين يدىّ أسير حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكة، وعليه جماعة، فوضعته أقضى حاجة. وأصلح شأنى، فسمعت (٤) هدّة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معاشر الناس، أين/الصبىّ؟ قالوا: أى الصبيان؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. الذى نضّر الله به وجهى، وأغنى عيلتى، وأشبع جوعتى، ربيّته حتى إذا أدركت

стр. 102

به سرورى وأملى أتيت به أردّه، وأخرج من أمانتى، فاختلس من بين يدّى من غير أن تمسّ قدميه الأرض، واللات والعزّى لئن لم أره لأرمين بنفسى من شاهق هذا الجبل، ولأتقطّعن إربا إربا. فقال الناس: لنراك غائبة عن الركبان، معك محمد!! قلت: الساعة كان بين أيديكم. قالوا: ما رأينا شيئا. فلما آيسونى وضعت يدى على رأسى وقلت: وا محمداه وا ولداه. فأبكيت الجوار الأبكار لبكائى، وضجّ الناس معى بالبكاء حرقة لى، فإذا أنا بشيخ كالفانى، متوكئا على عكاز له، فقال لى: ما لى أراك تبكين أيتها السعدية؛ تبكين وتصيحين؟ فقلت: فقدت ابنى محمدا. قال: لا تبكين؛ أنا أدلّك على من يعلم علمه. وإن شاء أن يردّه عليك فعل. قلت: دلّنى عليه. قال: الصنم الأعظم. قلت: ثكلتك أمّك؛ كأنك لم تر ما نزل باللات والعزّى فى الليلة التى ولد فيها محمد!! قال: إنك لتهذين ولا تدرين ما تقولين، أنا أدخل عليه وأسأله أن يردّه عليك. فدخل - وأنا أنظر - فطاف بهبل أسبوعا (١)، وقبّل رأسه، ونادى: يا سيداه لم تزل منعما على قريش، وهذه السعدية تزعم أن محمدا قد ضلّ، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام بعضها على بعض، ونطقت - أو نطق فيها - فقالت: إليك عنا أيها الشيخ؛ إنما هلاكنا على يدى محمد. فأقبل الشيخ ولأسنانه اصطكاك، ولركبتيه ارتعاد، وقد ألقى عكازه من بين يديه وهو

стр. 103

يبكى ويقول: يا حليمة لا تبكين فإنّ لابنك ربّا لا يضيعه، فاطلبيه على مهل. وفى ذلك قال لسان الحال عن الشيخ: - سألت هبالا أن يرد محمدا … فخّر مع الأصنام للإسم سجدا وكبّت على الأذقان من بعد ثبتها … مشبكة بالآنك الأرض سرّدا (١) ونادى مناد (٢) أيها الشيخ فاستمع … فقد أيس الشيطان أن يتعبّدا قبائل عرب بالجزيرة كلها … مدى الليلة الغرا لبدء حمّدا (٣) ألم تر نار القوم من (٤) ألف حجة … يخامدها الحران أن تتوقدا فما وقدت ألفا ولا تتوقد … وما زادها الإطفاء إلا تبرّدا فويل إلى الأوثان (٥) من كسرة لها … وويل لها من حرّها (٦) أن تخمدا/ فلا تأسفن على ذهاب محمد … ولا تيأسى: فالله يكلأ أحمدا قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلى، فقصدت قصده، فلما نظر إلىّ قال: أسعد نزل بك أم نحوس؟ قلت: بل نحس الأكبر. ففهمها منى وقال: لعلّ ابنك قد ضلّ منك؟ قلت: نعم؛ بعض قريش اغتاله فقتله. فسلّ عبد المطلب سيفه وغضب -

стр. 104

وكان إذا غضب لم يثبت له أحد من شرّ غضبه - فنادى بأعلى صوته: يا بسيل (١) - وكانت دعوتهم فى الجاهلية - فأجابته قريش بأجمعها؛ فقالت: ما قضيّتك (٢) يا أبا الحارث؟ فقال: فقد ابنى محمد. فقالت قريش: اركب نركب معك؛ فإن شققت جبلا شققناه معك، وإن خضت بحرا خضناه معك. فركب وركبت معه قريش، فأخذ على أعلى مكة، وانحدر على أسفلها، فلما أن لم ير شيئا ترك الناس، واتشح بثوب وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف أسبوعا ثم أنشأ يقول: - يا ربّ إنّ محمدا لم يوجد … فجمع قومى كلّها مبدّد فسمعنا مناديا ينادى من جوّ الهواء: معاشر القوم لا تضجوا فإن لمحمد ربّا لا يخذله ولا يضيّعه. فقال عبد المطلب: أيها الهاتف، من لنا به؟ قال: بوادى تهامة، عند الشجرة اليمنى. فأقبل عبد المطلب راكبا، فلما صار فى بعض الطريق تلقّاه ورقة بن نوفل، فصارا بسيران، فبينما هما كذلك إذا النبى ﷺ قائم تحت شجرة يجذب أغصانها، ويعبث بالورق، فقال عبد المطلب: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال عبد المطلب: فدتك نفسى، وأنا جدّك عبد المطلب. ثم احتمله وعانقه ولثمه، وضمّه إلى صدره وجعل يبكى، ثم حمله على قربوس سرجه

стр. 105

وردّه إلى مكة، فاطمأنت قريش، فلما اطمأن الناس نحر عبد المطلب عشرين جزورا، وذبح الشاء والبقر وجعله طعاما، وأطعم أهل مكة (١). قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب بحديثه كله، فضمّه إلى صدره وبكى وقال: يا حليمة، إن لابنى شأنا، وددت أنى أدرك ذلك الزمان. (٢) قالت حليمة: ثم جهزنى عبد المطلب بأحسن الجهاز وصرفنى، فانصرفت إلى منزلى وأنا بكل خير دنيا، لا أحسن وصف كنه خيرى، وصار محمد عند جده (٢). وفيها قدم كاهن مكّة بعد أن قدم النبى ﷺ مع ظئره، فنظر إليه الكاهن - مع عبد المطلب - فقال: معشر قريش، اقتلوا هذا الصبىّ؛ فإنه يفرّقكم ويقتلكم. فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذّرهم (٣). «السنة السادسة من مولد النبى ﷺ /» فيها - ويقال فى السنة التى بعدها - خرجت آمنة بنت وهب إلى المدينة الشريفة على بعيرين تزور أخوال عبد الله بن عبد

стр. 106

المطلب بنى النجار - ويقال: تزور قبر زوجها عبد الله، كما كانت تزوره - ومعها النبى ﷺ ودابته وحاضنته أم أيمن بركة الحبشية - كان ورثها النبى ﷺ من أبيه - ويقال: كان معهم عبد المطلب، وقيل: إن عبد المطلب زار أخواله من بنى النجار وحمل معه آمنة، فنزلت فى دار النابغة من بنى عدىّ بن النجار، فأقامت عندهم شهرا، فكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون (١) إلى النبى ﷺ . قالت أم أيمن: أتانى رجلان من اليهود يوما نصف النهار بالمدينة، فقالا: أخرجى لنا أحمد. فأخرجته فنظرا إليه وقلّباه مليا حتى إنهما لينظران إلى سوأته، ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا نبى هذه الأمة، وهذه دار هجرته، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسّبى أمر عظيم. فوعيت ذلك كلّه من كلامهما ثم رجعت (٢). وقال النبى ﷺ : نظرت إلى رجل من يهود يختلف إلىّ ينظر إلىّ ثم ينصرف عنى، فلقينى يوما خاليا فقال: يا غلام ما اسمك؟ قلت: محمد، ونظر إلى [ظهرى] (٣) فأسمعه يقول: هذا نبى هذه الأمة، ثم راح إلى أخوالى فخبّرهم الخبر، فأخبروا أمى، فخافت علىّ وخرجت من المدينة.

стр. 107

ثم رجعت آمنة إلى مكة، فلما كانت بالفرع بقرية منه يقال لها الأبواء ماتت، فدفنت هناك - ويقال: ماتت بمكة، ودفنت فى شعب أبى ذئب الخزاعى؛ من سراة بنى عمرو بالحجون، وقيل: فى دار رابعة (١) بالمعلاة بثنيّة أذاخر - والأول أصح. ولما احتضرت كان النبى ﷺ عند رأسها، فأغمى عليها ثم أفاقت، فنظرت إلى وجهه ثم قالت: - بارك الله فيك من غلام … يابن الذى من حومة الحمام نجا بعون الملك المنعام … فودى غداة الضّرب بالسهام بمائة من إبل سوام … إن صحّ ما أبصرت فى المنام فأنت مبعوث إلى الأنام … من عند ذى الجلال والإكرام تبعث فى الحلّ والحرام … تبعث بالتحقيق والإسلام دين أبيك البرّ إبراهام … فالله ينهاك عن الأصنام/ ألاّ تواتيها (٢) مع الأقوام ثم أقبلت فقالت: كل حىّ ميّت، وكل جديد بال، وكل كثير (٣) يفنى، وأنا ميّتة وذكرى باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا. ثم ماتت، فكنا نسمع نوح الجن عليها؛ فحفظنا من ذلك: -

стр. 108

نبكى الفتاة البرة الأمية … ذات الجمال العفة الرزينة زوجة عبد الله والقرينة … أم نبىّ الله ذى السكينة وصاحب المنبر بالمدينة … صارت لدى حفرتها رهينة لو فوديت لفوديت ثمينة (١) … وللمنايا شفرة سنينة لا تبق ظعّانا ولا ظعينة … إلا أتت وقطّعت وتينه أما هلكت أيها الحزينة … عن الذى ذو العرش يعلى دينه فكلنا والهة حزينة … نبكيك للعطلة أو للزينة وللضعيفات وللمسكينة فحملته حاضنته أم أيمن، وقدمت به مكة بعد وفاة أمه بخمسة أيام، وله ﷺ ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام - ويقال: وعمره أربع سنين، وقيل: ثمانية أعوام - والأول أثبت. فكفله جدّه عبد المطلب، فكان يرى من نشوه ما يسره، فأدناه منه وقرّبه، وقدّمه على ولده بحيث إنه كان يدخل عليه فى خلوته وإذا نام، وكان عبد المطلب إذا نام أو خلا لا يدخل عليه أحد إعظاما له، وكان لعبد المطلب مجلس لا يجلس عليه غيره، وكان يفرش له فى ظل الكعبة فى الحجر فراش لا يجلس عليه أحد غيره، ولا يجلس عليه معه أحد إجلالا له، ويأتى بنو عبد المطلب فيجلسون حول الفراش إلى أن يخرج، فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده إجلالا له، وكان الندىّ من قريش - حرب بن أمية فمن دونه - يجلسون دون الفراش

стр. 109

إجلالا لعبد المطلب، ويأتى النبىّ ﷺ حتى يرقى على الفراش فيجلس عليه، فيقول له أعمامه: مهلا يا محمد عن فراش أبيك. ويؤخرونه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك: دعوا ابنى، ما تريدون منه؟ دعوه فإن له لشأنا، وإنه ليحس من نفسه بخير، وإنه ليؤنس ملكا - أو إن ابنى ليحدث نفسه/بذلك - ويقبّل رأسه وفمه، ويمسح على ظهره، ويسرّ بكلامه وما يرى منه (١). وجاء النبى ﷺ يوما فجلس على الفراش فجبذه رجل فبكى، فقال عبد المطلب: ما لابنى؟ قالوا له: أراد أن يجلس على الفراش فمنعوه. فقال: دعوا ابنى يجلس عليه؛ فإنه يحس من نفسه بشئ، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه غيره (٢). وكان عبد المطلب يشفق على النبى ﷺ ، ويعلى قدره، ويقول: إن لابنى هذا لشأنا. وكان عبد المطلب إذا أتى بالطعام أجلس رسول الله ﷺ إلى جانبه وتارة على فخذه، ويؤثره بأطيب طعامه؛ لبرّه له ورقته عليه. وإذا أتى بطعام ورسول الله ﷺ غائب لا يمسّه حتى يؤتى به (٣).

стр. 110

وضلت لعبد المطلب إبل، فأرسل النبىّ ﷺ فى طلبها - وكان لم يبعث فى حاجة قط إلا نجح فيها - وأبطأ عليه فطاف بالبيت وهو يقول: رب ردّ إلىّ راكبى محمدا … يا رب ردّه واصطنع عندى يدا (١) فلما رجع رسول الله ﷺ ومعه الإبل قال عبد المطلب: يا بنى لقد جزعت عليك جزعا لم أجزعه على شئ قط، والله لا بعثتك فى حاجة أبدا، ولا تفارقنى بعد أبدا حتى أموت (٢). وقال قوم من بنى مدلج (٣) لعبد المطلب: احتفظ به، فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم الذى فى المقام منه. فقال عبد المطلب لأبى طالب: إسمع ما يقول هؤلاء. فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأم أيمين: يا بركة لا تغفلى عن ابنى فإنى وجدته مع غلمان قريبا من السّدرة، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبىّ هذه الأمة (٤). «السنة السابعة من مولد النبى ﷺ » فيها أصاب النبى ﷺ رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغن
следующие страницы →