مُقَدَّمةُ التحْقِيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد الهادي الأمين ابن عبد الله ﷺ وعلى آله وأصحابه الأنصار المهاجرين، ومَن جاء بعدهم من التابعين، ومَن سار على نهجهم، واتبع رشدهم إلى يوم الدين، فرضي اللَّه عنهم أجمعين.
أما بعد:
فهذا عمل تعاون عليه ثلاثة من علماء النحو، استمروا يعملون فيه طوال ست سنوات ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، يعملون فيه بإخلاص وبلا كلال، كل واحد يحث الآخر على الإنجاز والإتقان متحليًا بالصبر والتفاني والإحسان، إن قصر واحد في أمر أكمله الآخر، أو نَسِي واحد شيئًا تداركه وقام به الآخر، حتى خرج العمل والجميع راضٍ عنه، وشاهد له بالتمام والكمال.
والقصة من أولها أن كتاب "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" للإمام بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى المصري الإقامة والوفاة، والشهير بالعيني نسبة إلى البلدة التي ولد فيها، وهي: عنيتاب (١) بالشام (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ) رأيناه كتابًا لا يستغني عنه أحد ممن يشتغل بالنحو معلمًا أو متعلمًا، رأينا كذلك ونحن ندرس هذا العلم طوال ثلاثين عامًا؛ لأن النحو هو الشواهد، وهو التطبيق على كلام العرب، والكتاب المذكور يشرح تلك الشواهد، فيذكر قائليها، ويترجم لهم، ويشرح مفردات الشواهد، ويوضح معناها، ويعربها إعرابًا كاملًا، ويبين وجه الاستشهاد بها، وكلها أمور عظيمة، وأهداف جليلة، ومقاصد مهمة لطالب العلم عامة، وراغب في النحو خاصة، وقد فعل ذلك في عدد كبير من أبيات الشواهد بلغ ألفًا وثلاثمائة وثمانين شاهدًا، وهي في الأكم الأغلب من أكثر شواهد النحو والصرف، جمعها الشارح من شروح الألفية الأربعة المشهورة التي كان بعضها أقدم شرحًا، وبعضها أغزره، وبعضها أقصره، وبعضها لين هذا وذاك، وهي على الترتيب المذكور كالآتي:
١ - شرح ابن الناظم (٦٨٦ هـ).
٢ - المرادي (٧٤٩ هـ).
стр. 2
٣ - ابن هشام (٧٦١ هـ).
٤ - ابن عقيل (٧٦٩ هـ).
ولم يقتصر الشارح على سرد الشواهد والحديث عنها فقط، بل كان يسرد في كثير منها عددًا من أييات القصيدة التي منها الشاهد، ويشرح تلك الأبيات، ويذكر سبب تأليف القصيدة، وشيئًا عن حياة الشاعر مما يتصل بشعره وقصيدته وبيته، كل هذه المعاني وغيرها نبهتنا إلى أهمية الكتاب الذكور، وإلى تحقيقه، وإخراجه إلى الناس، وطلاب العلم؛ ذلك لأن الكتاب قد طُبع قديمًا قبل (أكثر من مائة عام في مطبعة بولاق) وكأنه لم يطبع؛ حيث طُبع على هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي، وكانت طباعته غير جيدة، وغير مقصودة، أما كونها غير مقصودة؛ فلأن الكتاب الأصلي المقصود بالطباعة كان في الخزانة، وأما كونها غير جيدة؛ فلأنها خلت من الشكل والضبط، ومن التنظيم والترتيب، ومن الفهارس والمفاتيح.
لم تزد طبعة بولاق عن سرد الشواهد وشرح العيني لها والتعليق عليها، ولم تفترق عن النسخ المخطوطة للكتاب في شيء، وكان البحث في هذه النسخة صعبًا، والرجوع إليها والوقوف على بيت منها أمرًا عسيرًا مع أهمية الكتاب وشدة الحاجة إليه، فهو أقدم كتاب يشرح الشواهد بهذا التفصيل والتطويل.
عرفنا الكتاب وأهميته قديمًا وحديثًا فحملناه في صدورنا لننظر فسحة من الوقت، وسماحة من الأيام، وخلوًّا من المشاغل والأعمال؛ لنحقق الكتاب، ونخرجه للناس سهلًا ميسرًا محققًا موثقًا، ينتفعون به ويستفيدون منه.
فلما تم ذلك لنا، وسمح الزمن البخيل بالوقت بحثنا عن نسخ الكتاب المخطوطة مع النسخة الأصلية المطبوعة على هامش الخزانة، فوجدنا نسختين كاملتين صحيحتين واضحتين، إحداهما في جزء كبير، والثانية في جزأين، وبدأنا العمل واقتسمناه؛ لينجز كل واحد منا ما أسند إليه من تحقيق وتدقيق ومقارنة وتوثيق، ورجوعًا بكلام العيني كله إلى مصادره الأصلية من كتب اللغة والنحو والأدب والتاريخ، واتفقنا على منهج واحد؛ ليكون الكتاب كله كأن محققه واحد، وافترقنا وكل يعمل في ناحية، وفي جهة من الأرض نائية، وكنا نجتمع بين الحين والحين؛ ليعرض كل واحد عمله على الآخر، ويطمئن كل واحد على إنجاز الثاني، حتى خرج الكتاب بعد ست سنوات على ما نحبه ونرضاه، ويحبه طلاب العلم، ويرضى عنه اللَّه ورسوله والناس.
لم يكن الزمن يهمنا، ولم يكن إخراج الكتاب سريعًا هدفنا، بل كان الذي نقصد إليه ونرغب فيه العمل الجيد، والتحقيق المتقن، والتوثيق الصحيح، وتواصينا بالصبر، وأن كتاب المرء عقله، ونحن سنعرض عقولنا على علماء في اللغة متخصصين، فهذا واحد في اللغة وأصولها،
стр. 3
وذاك آخر في الأدب والنقد، ثم ثالث في النحو والإعراب، ورابع في السير والتراجم والتاريخ.
حققنا الكتاب تحقيقًا صحيحًا بالرجوع بكل آية قرآنية إلى سورتها وآيتها، وكل بيت من الشواهد -أو الأبيات التي كانت تأتي عرضًا- إلى قصيدته التي هو منها، وكل قصيدة إلى ديوان قائلها، أو المجموعات الشعرية التي هو منها، وزدنا ما نقصه أو تركه العيني من ذكر مناسبة للبيت أو القصيدة، ومن فوائد عثرنا عليها في الديوان؛ كما وضحنا قاعدة نحوية، أو فسرنا كلمة لغوية.
حققنا الكتاب تحقيقًا صحيحًا بتوثيق كل رأي ذكره العيني بإسناده إلى صاحبه، وإلى الكتاب الذي أُخذ منه ونُقل عنه، وبذلنا في ذلك أقصى ما يمكن بذله؛ لنتأكد من صحة الكلام والعدالة في الأحكام، وذيلنا كل استشهاد بتلخيص للمسألة، ليخرج القارئ فاهمًا للقواعد ومطبقًا على الشواهد.
وخرج الكتاب -كما يرى القارئ- في صورة جيدة، وطبعة عظيمة، وإخراج صحيح، خرج الكتاب في أربعة أجزاء كبيرة اشتمل كل جزء على عدة أبواب، وآثرنا أن تكون هي أبواب نسخة الخزانة، وإن كان ذلك لا يهم كثيرًا؛ لكن هكذا رأينا.
وزاد الجزء الأول، وهو عبارة عن دراسة عامة عن الكتاب المحقق؛ كما زاد الجزء الرابع -أيضًا- ما يقرب من مائة صفحة في آخره، كانت فهارس مختلفة له، رأينا ذلك ليكون العمل صحيحًا، والكتاب مفيدًا، والانتفاع به عظيمًا.
اشتمل الجزء الأول على ثمانية أبواب كبيرة؛ هي: شواهد الكلام، والمعرب والمبني، شواهد النكرة والمعرفة، والعلم، وأسماء الإشارة، والموصول، والمعرف بأل، وشواهد الابتداء.
واشتمل الجزء الثاني على ثمانية أبواب أخرى كانت كالآتي: شواهد كان وأخواتها، وشواهد ما ولا ولات وإن، وشواهد أفعال المقاربة، وإن وأخوتها، ولا التي لنفي الجنس، وظن وأخواتها، وعلم وأخواتها، ثم شواهد الفاعل ونائبه، وباب الاشتغال، ثم ختم الجزء بشواهد تعدي الفعل ولزومه.
واشتمل الجزء الثالث على عدة أبواب؛ كان أولها: شواهد التنازع، وثانيها: شواهد المفعول المطلق، ثم بقية المفاعيل، ثم شواهد أبواب الاستثناء والحال والتمييز، فشواهد حروف الجر والإضافة، وشواهد إعمال المصدر واسم الفاعل، وأبنية المصادر، والصفة المشبهة، وخُتم الجزء بعد ذلكَ بشواهد باب التعجب.
стр. 4
ثم كان الجزء الرابع والأخير، وكان كثير الأبواب؛ حيث اشتمل على أبواب نحوية كثيرة، وعلى أبواب صرفية أكثر، فبدأ بشواهد نعم وبئس، وختم بشواهد الإدغام، وكان بين هذا وذاك شواهد التفضيل والتوابع والنداء والتحذير والإغراء، ونوني التوكيد، وشواهد ما لا ينصرف، وإعراب الفعل، وعوامل الجزم، ثم شواهد العدد، وجمع التكسير، والنسب، والتصغير، وخُتم الجزء بشواهد الوقف والإمالة والإبدال.
ثم ذيل الجزء الرابع بعدة فهارس مختلفة كثيرة؛ لإيماننا أن الفهارس مفاتيح الكتب، وبخاصة المحقق منها؛ كهذا الكتاب وأمثاله من كتب التراث مما يشتمل على شواهد قرآنية كثيرة، وعلى شواهد شعرية شرحها الشارح، وعلى شواهد أخرى جاءت عرضًا، كما اشتمل الكتاب على مسائل نحوية كثيرة وعلى أعلام مختلفين ترجم لهم العيني، وأعلام آخرين ترجمنا لهم، فكان لا بد من ييان ذلك كله بمفتاح مع القارئ يفتح به مغاليق العلم وكنوز المعرفة، فكان لا بد من تلك الفهارس المفصلة، وإلا كان الكتاب مطبوعًا مثله مخطوطًا.
وأما الدراسة العامة التي قدَّمنا بها وجاءت أول الكتاب فقد كانت مهمة وكانت مطلوبة ليقف القارئ عما في الكتاب عامة قبل أن يأخذ في قراءته، ويعلم بها فوائد كتابه قبل أن يبدأ طريقه ويشرع في رحلته، وقد اشتملت على ثمانية فصول مختلفة.
كان الفصل الأول منها عن: حياة العيني ومؤلفاته في مختلف العلوم من نحو ولغة وفقه وحديث وتاريخ، وختمنا الفصل الأول بشعر للعيني، ثم جاءت بقية الفصول في حديث مفصل عن كتاب: "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" المشهور بـ "شرح الشواهد الكبرى".
وكان الفصل الثاني بعنوان: "كتاب المقاصد يحوي علومًا كثيرة" عرضنا فيه نماذج مختلفة جاءت في الكتاب لهذه العلوم، فهذه معارف في علم النحو والصرف والعروض، وتلك أخرى في علم اللغة وتفسير المفردات، وثالثة في البلاغة، ورابعة في التفسير والسير.
وكان الفصل الثالث بعنوان: "كتاب المقاصد يحوي قصائد ومقطوعات كثيرة" عرضنا فيه أمثلة من هذه القصائد والمقطوعات، حيث ذكرنا مطالع ما يقرب من عشرين مقطوعة ذكرها العيني، وكل هذه نماذج وأمثلة، وأما الكتاب فمليء بها.
وأما الفصل الرابع فكان بعنوان: "كتاب المقاصد مصادره وأصوله" حيث بيَّنا الكتب والمصادر التي استقى منها العيني كتابه وتأثر بها، سواء كتب النحو والإعراب، أو كتب اللغة
стр. 5
والمعاجم، أو كتب شرح الشواهد ومجموعات الشعر، أو كتب الأدب والتاريخ والأخبار.
وأما الفصل الخامس فكان بعنوان: "كتاب المقاصد منهجه وطريقته"، وقد وصلنا بهذا المنهج إلى ثلاثة عشر أمرًا من وضع رموز لشروح الألفية الأربعة إلى ذكر الشاهد، وقائله، والاختلاف فيه، والدقة في ذلك، وسرد البحر الذي جاء عليه الشاهد، والقصيدة أو المقطوعة التي جاء منها، ومناسبة ذلك، وشرح المفردات، وبيان الإعراب، وذكر وجه الاستشهاد، وغير ذلك، وختمناه بميول العيني واتجاهه إلى المذهب البصري، فعلنا ذلك ليكون القارئ على بينة من أمره وهو يقرأ الكتاب، فهو يعرف طريقة العيني، ومنهجه في كتابه، فلا يصيبه الملل والسأم.
ثم كان الفصل السادس في الدراسة وكان بعنوان: "تأثر كتاب المقاصد بما سبقه من كتب وتأثيره فيما جاء بعد منها"؛ حيث عرضنا في الأول الكتب السابقة التي تأثر بها واستفاد منها، سواء في ذلك كتب اللغة أو النحو أو الأدب، وعرضنا في الأمر الثاني تأثر البغدادي في كتابيه: خزانة الأدب، وشرح أبيات مغني اللبيب بكتاب المقاصد النحوية للعيني، ومثله فعل السيوطي في كتابه شرح شواهد المغني.
ثم كان الفصل السابع عن نقد كتاب المقاصد، وتقويمه؛ حيث عرضنا كلام العيني ونداءه للقارئ بأن يعفو عما في الكتاب من زلات ويغفر ما فيه من مآخذ وهنات، ثم عرضنا نماذج من محاسن الكتاب بلغت ثمانية، ومثلها أيضًا من مآخذ، كل هذا وغيره عرضناه بأسلوب سهل ميسر وعبارات جزلة قوية، مستشهدين على كل ما نذكره بأمثلة وشواهد من كتاب المقاصد.
ثم ختمنا هذه الدراسة الطويلة بفصل أخير وكان بعنوان: (كتاب المقاصد المخطوط والمطبوع) عرضنا فيه النسخ المخطوطة للكتاب التي عملنا فيها ورجعنا إليها وقارنَّا بعضها ببعض.
ثم عقبنا ذلك بذكر طبعات الكتاب فذكرنا طبعته الأولى وهي طبعة بولاق التي جاءت على هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي، والتي كانت من زمن بعيد؛ لكن تبرز فائدتها بمعرفة الناس بهذا الكتاب، ثم ذكرنا سوءات هذه الطبعة؛ حيث خلت من الشكل والضبط والفهارس المختلفة وغيرها.
ثم كانت طبعته الثانية التي كانت من عام واحد؛ حيث طُبع الكتاب في دار الكتب العلمية، وبينا مزايا تلك الطبعة من الرجوع في تحقيق الشواهد إلى كتب الأدب ودواوين الشعراء، ثم التراجم المختلفة للأعلام الذين جاؤوا في الكتاب، ثم ذكرنا بعض مآخذ هذه الطبعة من خلوها من الدراسة التي تكون في أول الكتب المحققة، وخلوها من الفهارس المفصلة المتنوعة للكتاب؛
стр. 6
كما أن هناك كثيرًا من مسائل النحو وآراء النحويين لم يتيسر للمحقق الرجوع بها إلى مصادرها وكتبها الأصلية، وكذا معالجة بعض القضايا النحوية الغامضة التي جاءت في وجوه الاستشهاد؛ كما أن هناك بعض الأخطاء المطبعية التي كان يجب تداركها والبعد عنها.
وأما تحقيقنا فنرجو أن يكون قد تدارك ذلك كله، وجاء على ما يرضي القارئ لذي طال انتظاره وظمؤه لتحقيق هذا الكتاب العظيم من كتب التراث.
واللهَ نسأل أن يكون عملنا عظيمًا، وقصدنا جليلًا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.
إذا لم يكن عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى … فأولُ ما يجنِي عَلَيهِ اجْتِهَادُهُ
ونختم هذه المقدمة بما قاله العيني في مقدمة كتابه المقاصد؛ إذ يقول: "والمسؤول ممن ينظر فيه أن يصلح ما يحتاج إلى الإصلاح؛ أداءً لحق الأخوة بالنصح والانتصاح، وأن القلم له هفوة، والجواد له كبوة، والإنسان غير معصوم عن الخطأ والنسيان، وهما بالنص عنا مرفوعان، وأن يذكرني بصالح دعواته، عقب صلواته في خلواته، ثم قال: فإني جعلته خالصًا لوجهه الكريم، ابتغاءً لمرضاته وطلبًا لغفرانه العظيم، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ولا يبرز اللسان عن الجنان إلا ما حوى، فها أنا أشرع في المقصود متوكلًا على الملك المعبود" هذا والله أعلم.
تم الانتهاء منه في يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر جمادى الأولى من عام: ١٤٢٧ هـ - الموافق الرابع عشر من شهر يونيه لسنة: ٢٠٠٦ م بالرياض عاصمة المملكة العربية السعودية
المحققون
* * *
стр. 7
القسم الأول:
الدراسة
стр. 8
الفَصلُ الأوَّلُ: كتاب المقاصد (حياة المؤلف وآثاره)
أولًا: حياة المؤلف:
هي ترجمة له من كتاب المنهل الصافي لابن تغري بردي، وكان معاصرًا للعيني، وهي أقدم ترجمة له، يقول (١):
"هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العلامة، فريد عصره، ووحيد دهره، عمدة المؤرخين، مقصد الطالبين، قاضي القضاة بدر الدين أبو محمد وأبو الثناء، ابن القاضي شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، العنيتابي الأصل والمنشأ، المصري الدار والوفاة، الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية، وعالمها، ومؤرخها.
سألته عن مولده فكتب لي بخطه ﵀: "مولدي في السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، في درب كيكن"، انتهى.
قلتُ: ونشأ بعنيتاب بين حلب وأنطاكية بالشام، وحفظ القرآن الكريم، تفقه على والده وعلى غيره، وكان أبوه قاضي عنيتاب، وتوفي بها في شهر رجب سنة (٧٨٤ هـ)، ورحل ولده
стр. 9
صاحب الترجمة إلى حلب، وتفقه بها، وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحنفي وغيره، ثم قدم لزيارة بيت المقدس، فلقي به العلامة علاء الدين أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، شيخ المدرسة الظاهرية برقوق، وكان العلاء أيضًا توجه لزيارة بيت المقدس، فاستقدمه معه إلى القاهرة في سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة، ونزّله في جملة الصوفية بالمدرسة الظاهرية، ثم قرره خادمًا بها في أول شهر رمضان منها، فباشر المذكور الخدامة حتى توفي العلامة علاء الدين السيرامي في سنة (٧٩٠ هـ).
وقد انتفع به صاحب الترجمة وأخذ عنه علومًا كثيرة في مدة ملازمته له، ولما مات العلاء السيرامي أخرجه الأمير جاركس الخليلي أمير آخور من الخدامة وأمر بنفيه لما اتُّهم به؛ حسدًا من الفقهاء، حتى شفع فيه شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، فأُعفي من النفي، وأقام بالقاهرة ملازمًا للاشتغال، وتردد على الأكابر من الأمراء مثل الأمير حكم بن عوض، والأمير قلمطاي الداودار قبله، وتغري بردي القردمي، وغيرهم، حتى توفي الملك الظاهر برقوق في سنة (٨٠١ هـ) فولي بعد ذلك حسبة القاهرة.
قلتُ: وولايته الحسبة بالقاهرة يطول الشرح في ذكر ذلك؛ لأنه وليها غير مرة، آخرها في سنة (٨٤٦ هـ) عوضًا عن يار علي الطويل الخرساني. انتهى.
ثم ولي المذكور في الدولة الناصرية عدة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه وأفتى ودرَّس، وأكبَّ على الاشتغال والتصنيف إلى أن ولي في الدولة المؤيدية شيخ نظر الأحباس، وصار من أعيان فقهاء الحنفية، وأرَّخ وكتب، وجمع وصنف، وبرع في علوم كثيرة؛ كالفقه، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ، وشارك في الحديث، وسمع الكثير في مبدأ أمره، وقرأ بنفسه، وسمع التفسير، والحديث والعربية.
فمن التفسير: تفسير الزمخشري، وتفسير النسفي، وتفسير السمرقندي.
ومن الحديث: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وسنن البيهقي، والدارقطني، ومسند عبد ابن حميد، والمعاجم الثلاثة للطبراني، وغير ذلك.
ومن العربية: المفصل للزمخشري، والألفية لابن مالك في النحو وغيرهما.
وتصدى للإقراء سنين، واستمر على ذلك إلى أن طلبه الملك الأشرف برسباي، وأخلع عليه باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية في سنة (٨٢٩ هـ)، بعد عزل قاضي القضاة: زين الدين عبد الرحمن التفهني، فباشر المذكور وظيفة القضاء بحرمة وافرة، وعظمة زائدة، لقربه من الملك، ولخصوصيته به، ولكونه ولِيَ القضاء من غير سعي.
стр. 10
وكان ينادم الملك الأشرف، ويبيت عنده في بعض الأحيان، وكان يعجب الأشرف قراءته في التاريخ؛ لكونه كان يقرأه باللغة العربية، ثم يفسر ما قرأه باللغة التركية، وكان فصيحًا في اللغتين.
وكان الملك الأشرف يسأله عن دينه، وعما يحتاج إليه من العبادات وغيرها، وكان العيني يجيبه بالعبارة التي تقرب من فهمه، ويحسن له الأفعال الحسنة، حتى سمعت الأشرف في بعض الأحيان يقول: لولا العنتابي ما كنا مسلمين. انتهى.
واستمر في القضاء إلى أن صُرف وأعيد التفهني في سنة (٨٣٣ هـ)، فلزم المذكور داره أيامًا يسيرة، وطلبه السلطان، وصار يقرأ له على عادته، ثم ولي حسبة القاهرة، ثم أعيد إلى القضاء في سنة (٨٣٥ هـ) عوضًا عن التفهني يحكم طول مرض موته.
باشر القضاء والحسبة والأحباس معًا مدة طويلة؛ إلى أن صرف عن الحسبة بالأمير صلاح الدين بن حسن بن نصر الله، واستمر في القضاء، ونظر في الأحباس إلى أن توفي الملك الأشرف برسباي سنة (٨٤١ هـ)، وتسلطن ولده الملك العزيز يوسف، وصار الأنايك جقمق العلائي مدبر مملكته، عزله جقمق المذكور عن القضاء بشيخ الإسلام سعد الدين بن محمد الديري سنة (٨٤٢ هـ)، فلزم المذكور داره مكبًّا على الاشتغال والتصنيف.
ثم ركدت ريحه وضعف عن الحركة لكبر سنه، واستمر مقيمًا بداره إلى أن خرجت عنه الأحباس لعلاء الدين علي بن محمد بن الزين، أحد نواب الحكم الشافعي، وندماء الملك الظاهر جقمق في سنة (٨٥٣ هـ) فعظم عليه ذلك لقلة موجوده، وصار يبيع من أملاكه وكتبه إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وصُلِّي عليه من الغد بالجامع الأزهر، ودُفن بمدرسته بجوار داره ﵀، وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه.
وكان بارعًا في عدة علوم، مفندًا، عالمًا بالفقه، والأصول، والنحو، والتصريف، واللغة، مشاركًا مشاركة حسنة، أعجوبة في التاريخ، حلو المحاضرة، محفوظًا عند الملوك -إلا الملك الظاهر جقمق- كثير الاطلاع، واسع الباع في المعقول والمنقول، قَلَّ أن يذكر علم إلا ويشارك فيه مشاركة جيدة.
ومصنفاته كثيرة الفوائد، وأخَذتُ عنه، واستفدت منه، وليَ منه إجازة بجميع مروياته وتصانيفه.
وكان شيخًا أسمر اللون، قصيرًا، مسترسل اللحية، فصيحًا باللغة التركية، لكلامه في التاريخ وغيره طلاوةٌ، وكان جيد الخط سريع الكتابة، قيل: إنه كتب كتاب القدوري في الفقه في ليلة واحدة في مبادئ أمره، وكان مسوداته مبيضات، وله نظم ونثر ليسا بقدر علمه.
стр. 11
ومن مصنفاته:
شرح البخاري في مجلدات كثيرة نحو العشرين مجلدًا، وشرح الهداية في الفقه، وشرح الكنز في الفقه، وشرح مجمع البحرين في الفقه -أيضًا- وشرح تحفة الملوك، وشرح الكلم الطيب لابن تيمية، وقطعة كبيرة من سنن أبي داود، وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام، وشرح العوامل المائة، وشرح الجاربردي، وكتاب في المواعظ والرقائق في ثمانية مجلدات، ومعجم مشايخه في مجلد، ومختصر في الفتاوى الظهيرية، ومختصر المحيط، وشرح التسهيل لابن مالك مطولًا ومختصرًا، وشرح شواهد الألفية لابن مالك وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقه وعدوه، وانتفع بهذا الكتاب غالب علماء عصره، وشرح معاني الآثار للطحاوي في ثنتي عشرة مجلدة، وكتاب طبقات الشعراء، وحواشي على شرح الألفية لابن مالك، وكتاب طبقات الحنفية، والتاريخ الكبير على السنين في عشرين مجلدة، واختصره في ثلاث مجلدات، والتاريخ الصغير في ثلاث مجلدات، وعدة تواريخ أخر، وحواشي على شرح السيد عبد الله، وشرح الساوية في العروض، واختصر تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر، وله مصنفات أخر لم يحضرني الان ذكرها، وفي الجملة كان من العلماء الأعلام -رحمه الله تعالى- (١).
مقتطفات من تراجم أخرى:
السخاوي صاحب الضوء اللامع يقول فيه (٢): "هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود البدر، أبو محمد وأبو الثناء، ابن الشهاب الحلبي الأصل، العنيتابي المولد، ثم الظاهري، الحنفي، ويعرف بالعيني، انتقل أبوه من حلب إلى عنيتاب من أعمالها، فولي قضاءها، وولد له البدر بها، وذلك كما قرأته بخطه في: السابع عشر من رمضان لسنة (٧٦٢ هـ).
ويقول في موضع آخر (٣): "لزم البدر بيته مقبلًا على الجمع والتصنيف مستمرًّا على تدريس الحديث بالمؤيدية ونظر الأحباس حتى مات، وكان إمامًا عالمًا مشاركًا في الفنون، لا يمل المطالعة والكتابة، وصنف الكثير بحيث لا أعلم بعد شيخنا أكثر تصانيف منه".
ويقول في موضع ثالث (٤): "ولم يزل ملازمًا للجمع والتصنيف حتى مات، بعد أن صرف عن نظر الأحباس، وكان يبيع من أملاكه وكتبه -سوى ما وقفه على مدرسته- وهو شيء
стр. 12
كثير، وكان موته في ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، ودُفن من الغد بمدرسته التي أنشأها بعد أن صلَّى عليه المناوي بالأزهر، وعظم الأسف على فقده، ولم يخلف بعد في مجموعه مثله.
ثناء الناس عليه بالنثر:
جاء هذا الثناء في مقدمة كتابه: "عمدة القاري في شرح صحيح البخاري"، فمن حقق الكتاب قديمًا يقول (١): "هو الإمام العلامة الكبير، الحافظ البارع بلا نكير، شيخ حفاظ عصره، المشهور له بالتبريزي في دهره، الفقيه الناقد الورع المعمر، عالم البلاد المصرية، ومؤرخها الأكبر، قاضي القضاة وشيخ الإسلام، بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى الحلبي الأصل، العنيتابي المولد والمنشأ، ثم القاهري الدار والوفاة، المعروف بالبدر العيني، إمام عصره في المعقول والمنقول، ووحيد دهره في الفروع والأصول، امتاز بين العلماء الذين وقفوا لكثرة التأليف، بسعة العلم، وجودة البحث، وحسن الترصيف، حتى ملأ خزائن العلم في العالم بمصنفاته الجليلة في الحديث، والفقه، والتاريخ، والعربية، وغيرها، تناقلها العلماء عصرًا بعد عصر، وتشهد لمؤلفها الجليل بالبراعة والفخر.
ولا تزال آثاره الكثيرة ومؤلفاته المبسوطة زخزا خالدًا ونورًا ثاقبًا تتداولها أيدي رواد التحقيق من العلماء ليسجلوا بأنوارها عن وجوه أبحاثهم الظلماء ولا غرو؛ (ففي الليلة الظلماء يُفتقد البدر).
ويذكر الباحث الذي صنع رسالة في كتاب فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد فيقول في خاتمة بحثه (٢): "أفصحت الدراسة عن نتائج كثيرة؛ منها:
أن العيني كان إمامًا في اللغة والفقه والتاريخ وغير ذلك من العلوم، كان عمدة المؤرخين، عالمًا بالصرف والعربية، حافظًا للتاريخ واللغة، كثير الاستعمال لها، مشاركا في كل الفنون.
أن العيني تتلمذ على يد علماء كثيرين من أكابر علماء عصره، وفي هذا تكوين لشخصيته العلمية، وأنها تميزت بسعة الثقافة وشمول المعلومات؛ كما أنه لم يأخذ حقه من الترجمة ممن
стр. 13
تتلمذ على يديه، وفي هذا إجحاف له وغمط لفضله، ولعل ذلك يرجع إلى العصبية للمذهب، والسياسة التي إن دخلت محراب العلماء أوقعتهم في الشدائد".
والشوكاني صاحب البدر الطالع يقول عنه: "وتصانيفه كثيرة جدًّا، وانتفع بها الناس، وأخذ عنه الطلبة من كل مذهب، وأدركه حظ عند العلماء".
ثناء الناس عليه بالشعر:
مدحه بعض الشعراء فقال (١):
لقدْ حُزْتَ يَا قَاضيَ القُضاةِ مَنقِبًا … يُقَصِّرُ عَنْهَا مَنْطِقِي وبَيَانِي
وأثنى عليك الناسُ مَشرقًا ومَغْرِبًا … فلا زِلْتَ مَحْمُودًا بِكُلِّ لِسَانِ
وقال أبو المعالي (٢): وقد أسف المسلمون على فقد العيني، وهو الحري بقول القائل:
وإني لمعْزُورٌ إذا ما بكَيتُهُ … بِأكثَرَ مِنْ قَطْرِ الغَمَامِ وأَغْزَرِ
ولِي عَبْرَةٌ لَمْ تَرْقَ عِنْدَ ادِّكَارِهِ … كما لِي فيهِ عبْرَةُ المتُفَكِّرِ
وقد كان لم يُحْجَبْ ثَنَاهُ بحاجب … ولم تَسْتَتِر أَضْوَاؤُهُ بِمُتَسَتِّرِ
فَوَا أَسَفًا إِنْ كَانَ يُغْنِي تَأَسُّفِي … ووَا حَذَرًا إِنْ كَانَ يُغْنِي تَحَذُّرِي
وكُنْتُ أَرَانِي فيِ النَّوَائِب صَابرًا … فَأَعْدَمَنِي صَبرِي فَأَيْنَ تَصَبُّرِي
وَإنِّي لَمَقْبُولُ المعَذِيرِ فيِ الأَسَى … ومَنْ يَعْتَذِرْ مِثْلِي إِلَى الصَّبْرِ يُعْذَرِ
ثانيًا: مؤلفات العيني المطبوعة والمخطوطة:
كان العيني كثير التأليف -كما قلنا- سريع الكتابة، حتى يروى أنه كان يكتب بعض كتبه في ليلة واحدة، وقد كثرت كتبه، وجاءت في مختلف الفنون، منها ما هو في اللغة والنحو، ومنها ما هو في الفقه، ومنها ما هو في الحديث، ومنها ما هو في التاريخ.
كتبه في اللغة والنحو:
- كتاب المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، وهو الكتاب الذي نحققه الآن، وهو الذي بين يديك -أخي القارئ- وقد ذكر العيني سبب تأليف هذا الكتاب، يقول في مقدمته:
стр. 14
"لما رأيت شدة اهتمام محصلي النحو في الدارك وغاية ألفتهم بكتاب ألفية ابن مالك (١)؛ لكونه موصلًا إلى مقاصدهم بأوضح المسالك، غير مستغنين عن شرحه المنسوب إلى ابن الناظم (٢)، وشرحه الذي ألفه ابن أم قاسم (٣)، وشرحه الذي رتبه ابن هشام (٤)، وشرحه الذي أملاه ابن عقيل (٥)؛ أردت أن أستخرج الأبيات الذي ذُكِرَتْ فيها على سبيل الاستشهاد في الأبواب، وأُبَيِّنَ ما فيها من اللغات والمعاني والإعراب، وأزيل ما فيها من المبهمات التي تتصحف على الطلاب، وأكشف الألفاظ التي تشتبه عليهم في هذا الباب، متعرضًا إلى بيان ما فيها من الأبحُر والأوزان، وإلى ذكر بقية كل بيت بحسب الطاقة والإمكان، وإلى إيضاح قائله عند الظفر والوجدان.
وذلك لأني رأيت الشراح قد أهملوا هذه الأمور، واكتفوا بذكو ما فيها من الشاهد المشهور، بحيث قد آل بعضها إلى حالة قد استحق بها الهجران، وصار بعضها في بعض الأذهان كالسُّها والدَّبُران (٦)، فهذا هو الذي نَدَبَنِي إلى هذا الترتيب الغريب والجمع الموشح بكل عجيب، مع ما سألني في ذلك مَن لا تسعني مخالفته، ولا توافقني مرادفته، واعتصمت في ذلك بربي الكريم، إنه الميسر لكل صعب عظيم".
والحديث عن هذا الكتاب سيأتي في طول الفصول القادمة التي تختتم بالفصل الثامن عن مخطوطاته ومطبوعاته.
стр. 15
- فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد، وهو اختصار للكتاب السابق، لم يتعرض العيني فيه للشاهد بأكثر من بيان قائله وبحره وشرح مفرداته باختصار، وإعراب بعض كلماته، وييان وجه الاستشهاد، وقد طبع الكتاب الذكور طبعة واحدة في القاهرة (١٢٩٧ هـ) أي منذ أكثر من مائة عام، وهي طبعة قديمة دون تحقيق، وقد عُملتْ في هذا الكتاب رسالة ماجستير بجامعة الأزهر تحت عنوان: "اعتراضات العيني على النحاة واختياراته من خلال كتابه فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد سنة (٢٠٠١ م) للباحث السيد محمد أبو المعاطي، وقد رأينا فرائد القلائد هذا وقرأنا فيه.
- رسائل الفئة في شرح عوامل المائة، حققه الدكتور: خالد أبو جندية (جامعة الأزهر).
- ملاح الألواح في شرح مراح الأرواح، وهو في علم الصرف، حققه: عبد الستار جواد، ونشر في مجلة المورد العراقية (١٩٧٥ م).
كتب في الحديث:
- عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، وهذا الكتاب بلغ في بعض طبعاته اثني عشر مجلدًا، يحتوي على خمسة وعشرين جزءًا، وقد طبع عدة طبعات (ثلاثة أو أكثر):
١ - إدارة الطباعة المنيرة، لصاحبها: محمد منير أغا الدمشقي (بيروت، دون تاريخ).
٢ - مصطفى البابي الحلبي، (١٩٧٢ م).
٣ - دار الفكر، (١٩٧٩ م) (مصورة عن الطبعة الأولى).
وقد اطلعت على هذا الكتاب وقرأت فيه ثم كتبت قائلًا: "العيني في شرحه لصحيح البخاري، كنت أظنه يقتصر على شرح الحديث من الناحية الدينية، وهي معناه واستنباط ما فيه، من أحكام تشريعية -كما يفعل غيره- ولكنني وجدت فيه فوق المعاني والأحكام الشرعية ما يلي:
الجانب اللُّغوي: وقد أسهب فيه العيني إسهابًا، فهو يشرح معاني المفردات، وينقل عدة نقول من كتب اللغة؛ كالصحاح والعباب، وكتب ابن دريد، وغير ذلك وهو كثير.
الجانب الصرفي: وفيه يتحدث عن أصل بعض الكلمات، وما اعتراها من إبدال وإعلال، وقلب، وأبواب الماضي مع المضارع، ومعاني الزيادة في الأفعال، والحذف، والنقل وغير ذلك.
الجانب النحوي: وفيه يتعرض لإعراب الحديث كلمة بعد أخرى، ويتعرض لموقع الجملة مما قبلها؛ كما يتعرض لاحتمال الكلمة ثلاثة أوجه في الإعراب، ويخرِّج كل وجه، كما
стр. 16
يتعرض لبعض الخلافات النحوية، كأن تكون الجملة حالًا بتقدير قد؛ لأنها مصدرة بفعل ماضٍ، وغير ذلك.
الجانب البلاغي: وفيه يذكر المسائل البلاغية في الحديث، متعرضًا لعلوم البلاغة الثلاثة: المعاني وهو الإسناد والمجاز العقلي وغير ذلك، ثم البيان وهو التشبيه والاستعارة، ثم البديع، وما جاء منه في الحديث.
ويجدر بطلاب العلم دراسة هذه العلوم كلها في الكتاب المذكور، كلٌّ في تخصصه، فطلاب فقه اللغة يدرسون الجانب اللُّغوي، وطلاب النحو يدرسون الجانب النحوي والصرفي، وطلاب البلاغة يدرسون الجانب البلاغي، وهكذا.
وقد استمر منهج العيني المذكور إلى أكثر من نصف الكتاب، ثم جاء في النصف الثاني واختصر الجوانب اللغوية التي عرضناها اكتفاءً بما ذكره.
- شرح سنن أبي داود (دار الكتب المصرية ٢٨٦ حديث).
- نخب الخطار في شرح معاني الآثار للطحاوي (دار الكتب المصرية ٥٢٦ حديث).
- العلم الهيب في شرح الكلم الطب لابن تيمية (دار الكتب المصرية ١١٢ حديث).
- كتاب في مصطلح الحديث (دار الكتب المصرية ٩٢ مصطلح الحديث).
كتب في الفقه:
- رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق، طبع قديمًا في مصر (١٢٨٥ هـ) وهو في مجلدين.
- التبيان في شرح الهداية، طبع قديمًا في مصر سنة (١٢٩٣ هـ ـ)، وقد شُرح عدة شروح.
- الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة (دار الكتب المصرية ١٨٣ فقه حنفي).
- المسائل البدرية من الفتاوى الظهرية (دار الكتب المصرية ٤١٨ فقه).
كتب في التاريخ والسير:
وهذه كثيرة جدًّا وطويلة، وهي كالآتي:
- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، وهو كتاب كبير بلغ عدة مجلدات، تعرَّض فيه لأحداث الزمان من أول الخلق حتى سنوات القرن التاسع الهجري، وقد طبعت عدة أجزاء منه بتحقيق الدكتور: محمد محمد أمين "جامعة القاهرة"، وقد طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد اطلعت عليه، وقرأت فيه، ونقلت منه ترجمة العيني المذكورة في المنهل الصافي
стр. 17
لابن تغري بردي، في أول هذا الفصل.
- السيف المهند في سيرة الملك المؤيد، وهو جزء واحد، طبع في القاهرة عدة طبعات، بتحقيق: فهيم شلتوت، ومراجعة الدكتور: محمد مصطفى زيادة "جامعة الأزهر"، وقد اطلعت عليه، وقرأت فيه كثيرًا؛ حيث يتعرض لموضوعات مختلفة من أحوال السلاطين، والملوك، ومن يريد حجبتهم، وغير ذلك.
- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، وهو كتاب ليس بالكبير، طبع عدة طبعات بالقاهرة، آخرها طبعة مصطفى الحلبي، تعرض فيه لسيرة الملك العاشر من سلاطين الملوك الأتراك الذين حكموا مصر، والذين كان أولهم الملك المعز أيبك، ثم قطز، ثم بيبرس، ثم المنصور قلاوون، ثم تاسعهم الملك المؤيد الذي كتب سيرته العيني، والكتاب يحتوي على عدة فصول في أوصاف الملك، وأخلاقه، وما ينبغي له أن يفعل، وما لا ينبغي، وقد قرأته في ليلة واحدة.
- تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر، وهو مختصر من كتاب عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، ويقع في عدة أجزاء، ومنه مخطوط في جامعة الدول العربية برقم (٥٩٧) تاريخ، وآخر في جامعة الإمام في الرياض برقم (٨٤٤٣ ف)، وقد اطلعت على هذا الأخير، فوجدته في التاريخ الإسلامي يحكي سيرة الخلفاء الراشدين من أول أبي بكر حتى خلافة عبد الملك بن مروان عامًا بعد عام (من ١٠ هـ إلى ٦٥ هـ).
كتب أخرى في فنون مختلفة:
١ - في العَروض، له:
- مقصد الطالب في شرح قصيدة ابن الحاجب (نور عثمانية: ٤٩٦٣).
- ميزان النصوص، وهو في العَروض -أيضًا- وفي المكتبة السابقة.
٢ - في المواعظ والرقائق:
- كتاب تحفة الملوك (الجزائر: ٩٩٢).
- منحة السلوك في شرح تحفة اللوك (دار الكتب المصرية (١/ ٤٦٧) فهرس).
- شرح خطبة مختصر الشواهد (دار الكتب المصرية ٥٣ م).
- ديوان شعر في مدح الملك المؤيد وتاريخه (مكتبة برلين- ٤١).
стр. 18
العيني والتأليف في التاريخ:
- قد يسأل سائل: ما هذه الكتب الكثيرة التي ألفها العيني في التاريخ حتى إنه ألفَّ كتابًا واحدًا بلغ ثمانية عشر مجلدًا من بدء الخليقة حتى سنة (٨٥٠ هـ)؛ أي قبل وفاته بخمس سنين، وهو عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، وقد طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب (١٥٨٤ تاريخ) يجيب عن هذا السؤال الأستاذ فهيم شلتوت، الذي حقق كتاب السيف المهند في تاريخ الملك المؤيد، فيقول في (مقدمة الكتاب المذكور):
- "قد اشتهر عصر البدر العيني بأنه ضم كثيرًا من صفوة العلماء، وخصوصًا في التاريخ، ثم يسرد عددًا منهم من مثل:
- ابن خلدون: صاحب كتاب العبر وديوان الخبر والمبتدأ في أيام العرب والعجم والبربر.
- القلقشندي: صاحب كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وضوء الصبح المسفر، وقلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان.
- ابن حجر العسقلاني، صاحب كتب رفع الإصر عن قضاة مصر، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، إنباء الغمر بأنباء العمر.
- أبو المحاسن بن تغري بردي: صاحب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وصاحب المنهل الصافي، والمستوفي بعد الوافي، وغير ذلك.
- السخاوي: صاحب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.
شعر العيني:
وكما أن العيني ناثر ومؤرخ كبير، فهو أيضًا شاعر؛ إلا أن العلماء ذكروا أن شعره لا يرقى في العلو كما ترقى كتابته في النثر.
- ومن ذلك مدحه للنبي ﷺ يقول:
ذَكَرنَا مَدَائِحَ للنبِيِّ مُحَمَّد … طَربْنَا بلا عودٌ سكرنَا ولا كَرْمُ
فَتلْكَ مُدَامَةٌ يَسُوغُ شَرَابُهَا … ولَيسَ يَشُوبُهَا هَمٌّ ولا إِثْمُ
- ومن ذلك ما قاله ردًّا على ابن حجر، وقد عرض به الأخير سافرًا حينما هدمت إحدى مئذنتي جامع المؤيد قائلًا:
لجَامِعِ مَولانَا المُؤَيدِ رَوْنَقٌ … مَنَارَتُهُ بالحُسْنِ تَزْهُو وبالزَّيْنِ
стр. 19
تَقُولُ وَقَدْ مَالت عَلَيهِمْ تَمَهَّلُوا … فَلَيسَ عَلَى جسمي أَضَرُّ منَ العَيِن
وفي البيت تورية بالعين الجارحة، والعيني صاحب الترجمة، فرد العيني قائلًا بالتورية نفسها -أيضًا-:
مَنَارَةٌ كعَرُوسِ الحُسْن إِذْ حَلِيَتْ … وهَدْمُهَا بقَضَاءِ الله والقَدَرِ
قَالُوا أُصِيبَتْ بِعَينٍ قُلْتُ ذَا غَلَطٌ … مَا آفَةُ الهَدْمِ إلا خِسَّةُ الحجَرِ
- ومن ذلك أيضًا مدحه للمؤيد قائلًا:
عَلَتْ دَوْلَةُ الإسْلَامِ واهْتَزَّ عُودُهُ … وعَادَ اللهِ مَاوُهُ وهْوَ يَابِسُ
وأَشْرَقَ مِنْ أُفُقِ الوُعُود سُعُودُهُ … وسَاعَدَنَا الدهْرُ العنودُ المدُاحِسُ
- ومن ذلك أيضًا قوله في المؤيد:
تَأيَّدَتِ الأحكَامُ والشَّرْعُ حينمَا … تَوَالى عَلَى مِصْر مَلِيكٌ مُؤَيَّدُ
أَبُو النَّضرِ كَنَاهُ إِلَهُ خلائِقٍ … فَبَيْنَ الوَرَى منْ ذَاكَ بِشْرٌ مُؤَيدُ
مَلِيكٌ بِهِ أَحْيَا الإلَهُ شَرِيعَة … لَهَا زَمَنٌ بَارتْ فصَارَتْ تُجَرَّدُ
فدولةُ ظُلْمٍ قَدْ تَوَلَّتْ وولْوَلَتْ … وَأَصْحَابُ ظُلْمٍ قَدْ أُذِلُّوا وَأخْمِدُوا
لَهُ غَزَوَاتٌ مَعَ فِرِنْجٍ بِسَاحِل … بصَيدَا وبيروت بعِزٍّ تُشَيَّدُ
فَيَا رَبّ صُنْهُ من ذَوي المكر والرَّدَى … وأَعْلِ لَهُ سَيفًا عَلَى مَنْ تمَرَّدُوا
فدَوْلَتُهُ الغَرَّا تطولُ بِمَنِّهِ … وعَسْكرُهُ الزَّهْرَا تُطيعُ وتَحْمدُ
* * *
كتب ورسائل في العيني:
- بدر الدين العيني وأثره في علم الحديث، تأليف: صالح يوسف معقوف، دار البشائر الإسلامية، بيروت، (١٩٨٧ م).
- مع المقاصد النحوية، بحث في نقد كتاب المقاصد الذي نحققه للدكتور سيد تقي "جامعة الأزهر" (١٩٩٢ م).
- اعتراضات العيني على النحاة واختياراته من خلال كتابه فرائد القلائد "ماجستير بالأزهر" سيد أبو المعاطي، (٢٠٠١ م).
стр. 20
قصر العيني بالقاهرة:
العيني وهو بدر الدين محمود بن أحمد نسبة إلى عين تاب من أعمال أنطاكية في حلب بدمشق، وهو البلد الذي ولد فيه صاحب الترجمة، له ابن ابن يدعى الأمير الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن البدر العيني، يقول محقق عمدة القاري: وإلى هذا الحفيد ينسب قصر العيني المشهور بالقاهرة، وهذا الأمير كان له ثروة هائلة، وله وقائع في التاريخ، ولم يكن على سيرة جده.
* * *
стр. 21
الفصل الثاني: كتاب المقاصد (يحوي علومًا كثيرة)
لم يقتصر كتاب المقاصد على ذكر الشاهد من شراح الألفية، وبيان وجه الاستشهاد، وإنما حوى هذا الكتاب علومًا كثيرة غير النحو، وكانت الثقافة الواسعة لمؤلفه ووقوفه على كثير من العلوم سببًا في معارف مختلفة في الكتاب، وفي هذا الفصل سنعرض نماذج علمية مختلفة احتوى عليها الكتاب؛ فمنها ما هو في النحو والصرف والعروض، ومنها ما هو في اللغة وتفسير المفردات، وبيان للهجات العرب، ومنها ما هو في البلاغة والنقد، ومنها ما هو في التاريخ والسير والتراجم:
أولًا: النحو والصرف والعروض:
احتوى كتاب المقاصد في هذه العلوم من المعارف والنماذج المختلفة، وسنعرض لكل فن من هذه الفنون مسألة واحدة؛ لأن الكتاب إنما ألف لها ومن أجلها، وعلى القارئ أن يتزود من تلك العلوم بقراءة الكتاب.
ففي النحو وفي باب التمييز والجمع بين التمييز والفاعل الظاهر في مثل قول الشاعر "شواهد نعم وبئس" (١):
وَقَائِلَة نِعْمَ الفَتَى أَنْتَ مِنْ فَتىَ … إِذَا المُرْضِعُ العَوْجَاءُ جَال بَريمُهَا
وفيه ثلاثة مذاهب:
- المنع وهو مذهب سيبويه؛ إذ لا إبهام يرفعه التمييز.
- والجواز وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي، قال ابن مالك: وهو الصحيح.
- والثالث: التفصيل: فإن أفاد التمييز معنى لا يفيده الفاعل جاز نحو: "نعم الرجل رجلًا
стр. 22
عالمًا، ومنه بيت الشاهد:
.......... نِعْمَ الفَتَى أَنْتَ مِنْ فَتَى … ......................
حيث يفيد التمييز ما لا يفيده الفاعل، فلذلك جاز، وإلا لم يجز وصححه ابن عصفور ﵀.
ومن المسائل الصرفية التي تكلم عنها (١):
حديثه عن ألف المقصور حين يوقف عليه نحو أن تقول: رأيت فتى، قال: "نحو: رأيت فتى، وفي هذه الألف ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها بدل من التنوين في الأحوال الثلاثة، وهو مذهب أبي الحسن والفراء، والمازني.
والثاني: أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاثة، وأن التنوين حُذِف، فلما حُذِف عادت الألف وهو مذهب الكوفيين، وروي عن أبي عمرو والكسائي، وإليه ذهب السيرافي وابن كيسان وابن مالك في الكافية، وقال في شرحها: ويقوي هذا الذهب ثبوت الرواية بإمالة الألف وقفًا والاعتداد بها رويًّا.
الثالث: اعتباره كالصحيح والألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر بدل من لام الكلمة، وهو مذهب سيبويه، ومعظم النحاة، وإليه ذهب أبو علي الفارسي -رحمه الله تعالى-".
وأما علم العَروض:
فقد كان العيني متمكنًا منه، وقد نسب الشواهد التي شرحها كلها إلى بحورها، ولم يخطئ في واحد منها إلا سهوًا، ولم يكتفِ بنسبة الأبيات، وإنما كان يشرح بين الحين والحين مسألة عروضية، انظر إليه وهو يشرح أول بيت في شواهده، وهو قول لبيد (٢):
ألَا كلُّ شيءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ … وَكلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالةَ زَائِلُ
يقول: "البيت من بحر الطويل، وهو أول بحور الدائرة الأولى من الدوائر الخمس المسماة بدوائر المختلف، وسميت به لاختلاف كمية أجزائها، وهي مشتملة على خمسة أبحر، ثلاثة مستعملة وهي: الطويل والديد والبسيط، وبحران مهملان؛ وهما: المستطيل مقلوب الطويل، والممتد مقلوب المديد".
ثم شرح بحر الطويل قائلًا: "وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن أربع مرات (٣)، وقد دخله
стр. 23
القبض في ضربه، وأما عروضه فتكون مقبوضة دائمًا.
والقبض هو: حذف الخامس الساكن، فتُحذف الياء من "مفاعيلن" فيصير مفاعلن، فتقول: (ألا كل) فعولن- سالم، (ل شيء ما) مفاعيلن- سالم، (خلا اللا) فعولن- سالم، (هـ باطل) مفاعلن، مقبوض".
ثم انتقل إلى موضوع آخر فقال: "والبيت الشاهد مقفى، وهو أول القصيدة على ما ذكره الخالديان (١) في الأشباه والنظائر، وكذا ابن السيد (٢).
وعند جماعة منهم ابن هشام اللخمي (٣) والعسكري (٤)، أول البيت ما ذكرناه من قوله:
ألا تسألانِ المرءَ مَاذَا يُحَاولُ … ........................ "
ويستمر قائلًا: "وهو أيضًا مصرَّع مقفى، والفرق بين التقفية والتصريع أن التصريع عندهم تبعية العروض للضرب قافية ووزنًا وإعلالًا، والتقفية: أن يكون العروض على زنة الضرب وقافيته سواء تغيرت العروض عما يجب لها أم لا، فكل تصريع تقفية ولا ينعكس".
ثم مضى يوضح معنى التصريع قائلًا: "وسمي البيت إذا كان فيه تصريع مصرعًا تشبيهًا له بمصراعي الباب، فكأن البيت الذي هو المصرع وهو ما له قافيتان شبيه بالبيت الذي له بابان، وقيل: إنه مشتق من الصرعين، وهما نصف النهار، فانتصاف النهار صَرْعٌ، وسقوط الشمس صَرْعٌ، والأول أقرب".
وعرف العيني العلل والزحافات المختلفة في علم العروض؛ كما ذكر استعمالات البحور، وذكر بقية الدوائر، وكان ينتهز أي بيت فيه صلة بعلم العروض ليشرح مصطلحاته، وغير ذلك، ففي قوله (٥):
стр. 24
ما أنت باليَقْظَانِ نَاظِرُه إذا … نَسيتَ بِما تَهْوَاهُ ذِكْرَ العَوَاقبِ
يقول: "البيت من الطويل من الضرب الثاني المماثل للعروض (١)، وفيه الثلم وهو حذف فاء فعولن، فيبقى "عولن" فينقل إلى: فعلن، ويختص بالجزء الأول بيانه (٢)، تقول: (ما أن): "فعلن" أثلم، (ت باليقظا): "مفاعيلن"، (نِ ناظ) "فعول- مقبوض"، (رهو إذا): "مفاعلن"، (نسيت): "فعول مقبوض"، (بما تهوا): "مفاعيلن"، (هـ ذكر ال): "فعولن"، (عواقب): "مفاعلن- مقبوض"، وقد أنشده بعضهم:
وَما أنت باليَقْظَانِ .......... … ........................
بالواو فحينئذ لا ثلم فيه، ولكن الرواية المشهورة الصحيحة بدون الواو".
ولم ينس العيني علم القافية في خِضَمِّ الشرح والتحليل والتعريف فقال (٣): "وقافيته من المتدارِك وهو ما بعد ساكنه الأول حركتان، وسمي بذلك لتدارك السكون الثاني فيه الأول، أي: تداركه فلم يترك الحركات تتزايد، أو لأن الحركة الثانية أدركت الأولى ولم يفصل بينهما ساكن، ومثاله (٤):
قفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل … ........................
والقافية تأتي على خمسة أنواع هذا أحدها".
اللغة وتفسير المفردات، وبيان لهجات العرب:
يغلب هذا الجانب على العيني في كتابه المقاصد؛ حيث أطال في شرح مفردات الشواهد التي كان يستشهد بها ويذكرها، ولم يكتفِ بمفردات البيت الواحد، وهو الشاهد، وإنما كان يشرح أحيانًا القصيدة كلها التي تشتمل على ألفاظ غريبة، وعليه أن يشرحها ويوضحها للقارئ.
انظر إليه وقد سرد قصيدة لرؤبة بن العجاج بلغت مائة وواحدًا وسبعين بيتًا من الرجز المشطور، وكلماتها كلها غريبة، ومع ذلك شرحها العيني كلها، يقول بعد أن سرد القصيدة "شواهد الكلام- البيت الرابع": وإنما سقنا هذه الأرجوزه بكمالها لوجوه:
стр. 25
الأول: لكونها عزيزة الوجود وَقلَّ من يقف عليها كاملة.
والثاني: فيها أبيات كثيرة مستشهد لها فيما نحن بصدده.
والثالث: لتكثير الفائدة لاشتمالها على لغات غريبة وألفاظ عجيبة.
والرابع: أن مطلعها بيت مستطرق كثير الورود في كتب النحو واللغة، فلأجله ذكرنا الباقية.
والخامس: ليدل على توغلنا في هذا الفن وشدة تَنْقيرِنا في مظان الأشياء ومدارك اللغات والألفاظ، فنتكلم على لغاتها مختصرة تكثيرًا للفائدة، وإزاحة للإهمال عن ألفاظها الغريبة".
ومثل ذلك فعل مع قصيدة عمر بن أبي ربيعة: "أَمِن آلِ نُعْمٍ" وقد بلغت أربعة وسبعين بيتًا سردها كلها وشرح مفرداتها ومعانيها (١).
- تعرضه للفعل واستعمالاته، وكأنه يؤلف معجمًا في اللغة، انظر إليه وهو يشرح هذا البيت مبينًا الشاهد فيه وهو قوله: "باب ظن وأخواتها" (٢):
وكُنَّا حَسِبنَا كُلَّ بَيضَاءَ شَحْمَةً … عَشِيَّةَ لاقينا جذامَ وَحِمْيَرًا
يقول:
"الاستشهاد فيه: في قوله: "حسبنا" فإن حسب ها هنا بمعنى ظن؛ فلذلك نصب مفعولين.
واعلم أن حَسُب (٣) قد جاء بالضم والفتح والكسر على معانٍ: فحسِب بكسر السين يحسَب ويحسِبُ بفتح السين وكسرها في المضارع حِسْبًا بكسر الحاء ومحسَبة ومحسِبة بفتح السين وكسرها بمعنى ظن فهو حاسب، والشيء محسوب، أي مظنون، والأمر: احسَب واحسِب بفتح السين وكسرها، وحسب الرجل بكسر السين حسبًا فهو أحسب إذا صار ذا شقرة وبياض كالبرص، وحسَب بفتح السين بمعنى عدّ يحسُب بضم السين حسبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة وحسبة فهو حاسب، والشيء محسوب والأمر احسُب بضم السين لا غير.
وأما حسُب بضم السين فمعناه: صار حسيبًا يحسُب بضم السين حسابه فهو حسيب, والذي هو من هذا الباب وينصب المفعولين هو الذي يكون بمعنى ظن، وأما الذي بمعنى: عد فينصب مفعولًا واحدًا، والآخران لازمان".
وأما ذكره لغات العرب وبيان لهجاتها فقد سرد فيه الكثير، من ذلك:
стр. 26
- لغة بني أسد في فتح نون المُثنى، ولغة أخرى في ضم نونه: "هما خليلان".
- لغة بني الحارث في إلزام المثنى الألف.
- لغة أهل اليمن في إبدال اللام ميمًا في كلمة أل.
- لغة هذيل في قلب ألف المقصور ياءً وإدغامها في ياء المتكلم.
- لغة أهل الحجاز في تعدية الفعل "هدى" بنفسه، تقول: هديته الطريق، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق.
- لغة بني سليم في نصب قال للمفعولين مطلقًا، سواء أكان ماضيًا أم غيره، مسندًا للمخاطب أم غيره، معتمدًا على استفهام أم لم يعتمد.
- لغة عقيل في الجر بـ"لعل".
- لغة بني الحارث في إلحاق الفعل علامات التثنية والجمع.
البلاغة والنقد:
تعرض العيني في كتابه: "المقاصد النحوية" لبعض المسائل البلاغية، وقضايا النقد، وإن لم يكن كثيرًا، فمثلًا وهو يشرح هذا البيت (١):
وإنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هِيَ رَوْضَةٌ … تَهِيجُ الرِّيَاضُ قبلها وتصَوّحُ
يقول: "شبه بعض النساء بالروضة التي تتأخر في هيجان نباتها وتشقق أزهارها عن غيرها من الرياض، وأراد بها: النساء التي تتأخر عن الولادة عن وقتها، وهذا تشبيه بليغ؛ حيث حذف فيه أداة التشبيه؛ لأن الأصل في قوله: مَن هي روضة مَن هي كروضة، وهذا تشبيه وليس باستعارة؛ لأن الطرفين مذكوران، وشرط الاستعارة أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويترك الآخر" (٢).
وعرف التجريد فقال: هو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمرًا آخر مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها، وهو على أنواع:
منها نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم؛ أي بلغ من الصداقة حدًّا صح معه أن يستخلص منه صديقًا آخر.
стр. 27
ومنه نحو قولهم: لئن سألت لتسألن به البحر، ومنه نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨]، فإن جهنم هي دار الخلد؛ لكن انتزع منها مثلها، وجعلها منزلًا للكافرين تهويلًا لأمرها، ومنه مخاطبة الإنسان غيره، وهو يريد نفسه؛ كقول الأعشى (١):
وَدِّعْ هُرَيْرةَ إنَّ الركبَ مرتحلٌ … وهل تطيقُ ودَاعًا أيُّها الرَّجُلُ؟
وأما قضايا النقد:
فقد أثار العيني في كتابه قضية انتحال الشعر، وهو يشرح بيتًا لمجنون ليلى؛ حيث نقل عن العلماء قولهم بالانتحال، يقول:
"قال الجاحظ (٢): ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه للمجنون، ولا شعرًا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس (٣) بن زريح (٤)، وعن الأصمعي: أُلقي على المجنون من الشعر، وأضيف إليه أكثر مما قاله هو".
وعن العتبي عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له في بني عامر أصلًا ولا نسب، قيل: فمَن قال هذه الأشعار؟ فقال: فتى من بني أمية (٥).
وفي موضع آخر حكى العيني واقعة بين حماد الراوية والمفضل الضبي، وكيف أن الأول كان يؤلف الأشعار ويلصقها بالشعراء، وأن هارون الرشيد سأله ذات مرة قائلًا: "اصدقني القول، فقال يا أمير المؤمنين: أنا زدت هذه الأييات، فقال الرشيد: من أراد الثقة والرواية الصحيحة فعليه بالمفضل، ومن أراد الاستكثار والتوسع فعليه بحماد".
وأما بيتا حماد، ونقد النابغة لهما قول مشهور، وقد حكى ذلك العيني وهو يشرح الشاهد في جمع التكسير، وهو قول حسان (٦):
لنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضحى … وأَسْيَافنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما
ولدْنَا بَنِي العَنْقَاءِ وابْنَيْ مُحَرِّقِ … فأَكْرِمْ بِنَا خالًا وأَكرمْ بنا ابنمَا
стр. 28
حيث قال النابغة لحسان: "إنك شاعر لولا أن بيتك معيب من ثلاثة أوجه:
- قلتَ: جفنات وأسياف ويقطرن، ولم تقل: جفان وسيوف ويجرين.
- وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
- وقلت: يلمعن بالضحى ولم تقل: يبرقن في الدجى، ولو قلت كان أبلغ في المدح؛ لأن الضيف بالليل أكثر" (١).
التاريخ والسير والتراجم:
أولًا: التاريخ والسير:
كان العيني مؤرخًا كبيرًا، وله كتب كثيرة في التاريخ، منها المطبوع، ومنها المخطوط؛ كما ذكرنا في مؤلفاته، ومن هنا كان ينتهز أي حادثة تاريخية لها صلة بالبيت الذي يشرحه ثم يسردها، وهذه نماذج من ذلك:
- حكى قصة ورقة بن نوفل وقد أخبرته خديجة بنزول الوحي على رسول اللَّه ﷺ ، وهو القائل من قصيدة الشاهد (٢):
بأن محمدًا سَيَسُودُ قومًا … ويخصمُ مَنْ يكونُ له حَجِيجَا
- وحكى قصة الأعشى وذهابه إلى المدينة ليمدح رسول الله ﷺ ويعلن إسلامه، فقابله أبو سفيان، ورده على وجهه، وأعطاه مائة ناقة، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، ومطلع القصيدة (٣):
ألمْ تَغْتَمِضْ عَينَاكَ لَيلَةَ أَرْمَدَا … وبت كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدًا
- وحكى قصة هند بنت عتبة وهجائها أهل مكة بهذا البيت (٤):
أَفِي السِّلْمِ أعْيَارًا جَفَاءً وغِلْظَةً … وفي الحرْبِ أمثال النساءِ العوَاركِ
- وحكى قصة أبي عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان، وقد وقع في أسر المسلمين، وطلب من رسول الله ﷺ أن يمن عليه فمنَّ عليه، وأطلق سراحه، فمدحه بقوله من قصيدة في باب إن وأخواتها (٥):
стр. 29
فإنكَ مَنْ حَارَبْتَه لمُحَارَب … شَقِيٌّ وَمَنْ سَالمْتَه لَسَعِيدُ
ثم بعد ذلك حارب المسلمين ووقع في الأسر مرة أخرى، وطلب المن فقال له رسول الله ﷺ (١) "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، "لا تمسح عارضك، وتقول: خدعت محمدًا ﷺ مرتين" فقتله، ويقال: إنما أسره وقتله حين خرج إلى حمراء الأسد (٢).
- وحكى قصة عبد الله بن العباس، ونزوله ضيفًا على أعرابي ذبح شاة له وكان لا يملك غيرها تكريمًا لهذا الهاشمي، ولكن عبد الله عوضه كثيرًا، فقال الأعرابي مادحًا إياه من مقطوعة منها هذا الشاهد (٣):
فَعَوَّضَنِي عَنْهَا غِنَايَ وَلَمْ تَكُنْ … تساوي عَنْزِي غيرَ خَمْسِ دراهمِ
- وحكى قصة اتفاق الخوارج على قتل معاوية، وعمرو بن العاص، وعلي بن أبي طالب، ثم نجاة الأولين وقتل الثالث على يد عبد الرحمن بن ملجم -لعنه الله- ذكر ذلك وهو يشرح هذا البيت، وهو لمعاوية (٤):
نَجَوْتُ وقَدْ بَلَّ المُرَاديُّ سَيفَهُ … من ابْن أبي شَيخِ الأَبَاطحِ طالِبِ
- وحكى قصة إطلاق معاوية ليزيد بن مفرغ الحميري من سجن عباد بن زياد بن أبي سفيان، وإرسال معاوية له فرسًا يركبها، فقال يزيد في ذلك وهو بيت الشاهد (٥):
عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيكِ إمَارَةٌ … أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
ثانيًا: التراجم:
ترجم العيني لكثير من العلماء الذين كانوا يردون في كتابه، فقد ترجم لجميع الشعراء -إلا القليل- الذين قالوا أييات الشواهد، والقصائد التي شرحها، ولم تكن الترجمة قصيرة، بل كان يترجم للشاعر بالصفحة والصفحتين؛ كما فعل مع لبيد قائل الشاهد الأول في كتابه، وكان يعلل لاسم الشاعر فيقول: "سمي الأخطل لكبر أذنه، يقال: رجل أخطل؛ أي عظيم
стр. 30
الأذن، وشاة خطلاء، أي عطمة الأذن مسترخية، وكان يضبط العلم بالحركات والسكنات حتى ينطق صحيحًا، فيقول: يزيد بن مفرغ الحميري بضم الميم، وفتح الفاء، وتشديد الراء المكسورة، وفي آخره غين معجمة، وإنما سمي بذلك؛ لأنه كان راهن على شرب سقاء كبير مفرغة.
ترجم العيني لشعراء الجاهلية؛ أمثال: لبيد والأعشى وعنترة وامرئ القيس والشماخ وتميم بن مقبل وقيس بن الخطم والمتلمس وزهير.
كما ترجم لشعراء صدر الإسلام؛ أمثال: حسان، وكعب بن مالك، وأبي ذؤيب الهذلي، والعباس بن مرداس، والخنساء، والأحوص، والنعمان بن بشير، وجميل بن معمر، والحطيئة، وابن ميادة وكثير عزة، وعمر بن أبي ربيعة، وأبي العتاهية، وأبي النجم العجلي، والعرجي، وحميد الأرقط، والكميت، ورؤبة، وأبيه العجاج، والمتنبي وغير ذلك، وهم كثير في ثنايا الكتاب.
* * *
стр. 31
الفَصْلُ الثَّالِثُ: كتاب المقاصد (يحوي قصائد ومقطوعات كثيرة)
عُنِيَ العيني في كتابه بالشعر وقصائد الشعر التي كان يشرحها عناية فائقة، فما من بيت يشرحه إلا ذكر معه أبياتًا من القصيدة إن لم تكن القصيدة كلها أو كثيرًا منها، وقد أفاد هذا في كثير من القصائد التي ضاع دواوين أصحابها أو لم تجمع هذه الدواوين.
أولًا: القصائد الكاملة:
سرد العيني هذه القصائد:
- قصيدة رؤبة بن العجاج التي أولها (شواهد الكلام) (١):
وَقَاتِمِ الأَعْمَاقِ خَاوي المُخْتَرَقْن … .............................
وقد بلغت مائة وواحدًا وسبعين بيتًا من الرجز المشطور.
- قصيدة النابغة الذبياني التي أولها (شواهد الكلام) (٢):
أمن آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ … عَجلانَ ذا زاد وغيرَ مُزَوَّدِ
وقد بلغت اثنين وثلاثين بيتًا.
- قصيدة امرئ القيس التي أولها (شواهد المعرب والمبني) (٣):
أَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي … وَهَل يعِمَنْ مَنْ كَانَ فيِ العُصُرِ الخَالِي
وقد بلغت ستة وخمسين بيتًا.
стр. 32
- قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي أولها "شواهد الضمير" (١):
أَمِنْ آلي نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبكرُ … غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهجِّرُ
وقد بلغت أربعة وسبعين بيتًا.
- قصيدة زياد بن حمل بن سعد التي أولها (٢):
لا حبذَا أَنْتِ يَا صَنْعَاءُ منْ بَلَدٍ … ولا شعُوبُ هوًى منِّي ولا نُقُمُ
وقد بلغت القصيدة أربعة وأربعين بيتًا.
- قصيدة طرفة بن العبد التي أولها (٣):
لِخَوْلَةَ بِالأَجْزَاعِ مِنْ إضَمٍ طَلَلْ … وبالسَّفْحِ مِنْ قَوّ مُقَامٌ ومُحْتَمَلْ
وقد بلغت أربعة عشر بيتًا.
- قصيدة عنترة بن شداد التي أولها (٤):
طَرِبْتَ وهاجتْك الظِّبَاءُ السَّوَانِحُ … غَدَاةَ غدَا ينْهَا سَنِيحٌ وبَارحُ
وقد بلغت عشرين بيتًا.
- لامية السموأل بن عاديا في الحكم التي أولها (٥):
إذا المرءُ لم يدْنسْ من اللومِ عِرضُهُ … فكُل رِدَاءٍ يَرْتَديهِ جَميلُ
وقد بلغت ثلاثة وعشرين بيتًا.
- قصيدة زهير بن أبي سلمى التي منها هذا البيت (٦):
بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مضى … وَلَا سَابِقٍ شَيئًا إذَا كَانَ جَائِيَا
وقد بلغت أربعة وعشرين بيتًا.
- قصيدة الفرزدق في مدح علي زين العابدين بن الحسين التي أولها (٧):
стр. 33
هَذَا الذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطأَتَهُ … والبَيتُ يَعْرِفُهُ والحِلُّ وَالحَرَمُ
وقد بلغت ستة وعشرين بيتًا.
- قصيدة الأعشى في مدح رسول الله ﷺ والتي أولها (١):
ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيلَةَ أَرْمَدَا … وبِتُّ كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدا
وقد بلغت أربعة وعشرين بيتًا.
- قصيدة حاتم الطائي في الأخلاق الفاضلة والكرم والتي منها هذا الشاهد (٢):
وأغفر عوراء الكريمِ ادخارُهُ … وَأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيم تكَرُّما
وقد بلغت تسعة وعشرين بيتًا.
- قصيدة ذي الأصبع العدواني التي أولها (٣):
يا من لقلب شديد الهم محزون … أمسى تذكَّر ريَّا أم هارون
والتي بلغت اثنين وثلاثين بيتًا.
- قصيدة زهير بن أبي سلمى التي مدح بها هرم بن سنان، والتي أولها (٤):
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحُجْرِ … أَقْوَيْنَ مُذْ حِجَجٍ وَمُذْ دهْرِ
- قصيدة كثير عزة التي أولها (٥):
خَلِيلَيَّ هَذَا رَبْعُ عَزَّةَ فَاعْقِلَا … قُلُوصَيْكُمَا ثُمَّ ابْكِيَا حَيثُ حَلَّتِ
وهي ثمانية عشر بيتًا، وصدرها بقوله: "وهي من منتخبات قصائده".
- قصيدة كثير عزة أيضًا التي أولها (٦):
ألا حيّيَا ليلَى أجَدَّ رَحِيلِي … وآذَنَ أصْحَابِي غَدًا بِقُفُولي
وقد بلغت ثلاثة وعشرين بيتًا.
стр. 34
- قصيدة أبي الأسود الدؤلي في الحكم، والتي أولها (١):
تَلْقَى اللبِيبَ مُحَسَّدًا لَمْ يَجْتَرِمْ … شَتمَ الرِّجَالِ وعِرضُهُ مَشتُومُ
وقد بلغت عشرين بيتًا.
- قصيدة جذع بن سنان الغساني التي أولها (٢):
أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنتُمْ؟ … فَقَالُوا: الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلَامًا
وهي ستة عشر ييتًا، وغير ذلك من القصائد.
ثانيًا: المقطوعات:
وأما المقطوعات التي ذكرها العيني وسردها في كتابه، فهي كثيرة، وتبدأ بسبعة أبيات إلى عشرين بيتًا، يقتطعها العيني من قصيدة الشاعر، ولا يكاد يخلو شاهد من الشواهد التي ذكرها العيني في الشروح الأربعة للألفية، والتي تعدت الألف بيت إلا ذكر مقطوعة من قصيدة الشاهد، وعلى ذلك يعد كتاب المقاصد النحوية مصدرًا كبيرًا لجمع دواوين الشعراء الذين فُقد ديوانهم، وأعجب من ذلك أن العيني إذا ذكر شاهدًا واحدًا له قافيتان (رويَّان) ذكر لكل قافية المقطوعة التي منه، ففي شواهد باب الحكاية، أنشد هذا الشاهد وهو يقول:
أتَوْا نَارِي فَقُلتُ: مَنُونَ أنْتُمْ … فَقالُوا: الجِنُّ، قلتُ: عِمُوا ظَلَامًا
ثم ذكر عن الرواة والعلماء أن البيت يروى هكذا:
أتَوْا نَارِي فَقُلتُ: مَنُونَ أنْتُمْ … فَقالُوا: الجِنُّ، قلتُ: عِمُوا صبَاحًا
ثم ذكر عن ابن السيد نقلًا من كتابه (الحلل في شرح أبيات الجمل) أن كلتا القافيتين صحيحة، وأن الشعر الذي على قافية الميم ينسب إلى سمر بن الحارث الضبي، ثم أنشد عدة أبيات من قصيدة الميم، وأن الشعر الذي على قافية الحاء ينسب إلى جذع بن سنان الغساني، ثم أنشد ستة عشر بيتًا لهذه القصيدة الحائية، ثم شرح ما اقتطعه من القصيدتين.
وسنعرض هنا نماذج وأمثلة لبعض المقطوعات التي سردها من قصائد الشواهد، والتي تنتشر بكثرة في ثنايا الكتاب، ولم يخل من ذلك إلا الشواهد المجهولة القائل، والتي استشهد بها منفردة بلا أخ (بيت آخر)، وبلا أب (قائل).
стр. 35
- سرد أبياتًا من قصيدة الصمة القشيري في الحنين إلى وطنه نجد عندما غادره غاضبًا من أبيه وعمه حينما لم يزوجاه بنت عمه، والتي منها هذا الشاهد (١):
دَعَانِي منْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ … لعِبْنَ بنَا شِيْبًا وَشَيَّبْنَنَا مرْدَا
وقد أنشد منها عشرة أبيات.
- سرد أبياتًا من قصيدة لجران العود، قالها في امرأتيه والتي منها قوله (٢):
وَإِنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هِيَ رَوْضَةٌ … تَهيجُ الرِّيَاضُ قبلها وتصَوّحُ
وقد أنشد منها ستة عشر بيتًا.
- سرد أبياتًا من قصيدة حميد بن ثور الهلالي، والتي منها هذا الشاهد في وصف الذئب (٣):
يَنَامُ بإِحْدَى مُقْلَتَيهِ ويَتَّقي … بأُخْرَى المَنَايَا فَهو يَقْظَانٌ هَاجِعٌ
وقد أنشد منها خمسة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة امرئ القيس التي مطلعها (٤):
خَلِيلَيَّ مُرَّا بي عَلَى أُمِّ جُنْدَب … لِنَقْضيَ حَاجَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
وقد أنشد منها خمسة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة عبد قيس بن خفاف التي يوصي ابنه فيها، وأولها قوله (٥):
أبُنَيّ إنْ أبَاكَ كارِبُ يَوْمِه … فإذَا دُعيتَ إلى المكَارِمِ فاعْجَلِ
وقد أنشد منها سبعة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة الأعشى في مدح قيس بن معدي كرب الكندي، والتي منها قوله (٦):
وَأُنْبئْتُ قَيسًا ولَمْ أَبْلُهُ … كَمَا زَعَمُوا خَيرَ أهْلِ اليَمَنِ
وقد أنشد منها اثني عشر بيتًا.
стр. 36
- سرد جزءًا من قصيدة عروة بن حزام في الغزل، والتي منها قوله (١):
فيَا لَيْتَ كُلَّ اثْنَين بَينَهُمَا هَوًى … منَ النَّاسِ بَعْدَ اليَأْسِ مُجْتَمعَانِ
وقد أنشد منها عشرة أييات.
- سرد جزءًا من قصيدة علقمة بن عبدة بن النعمان التي أولها (٢):
طَحَا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَرُوبُ … بُعَيدَ الشباب عَصْرٌ حَانَ مَشيبُ
وقد أنشد منها ستة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة الكميت في مدح بني هاشم التي أولها (٣):
طَرِبْتُ ومَا شَوْقًا إلَى البيضِ أَطربُ … ولا لعبًا منِّي وذو الشيب يلعبُ
وقد أنشد منها سبعة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة طويلة للعباس بن مرداس في مدح رسول الله ﷺ التي أولها (٤):
أَلا مَنْ مُبلِغُ الأقوامِ أنَّ مُحمدًا … رسولَ الإلَهِ رَاشِدٌ حيثُ يَمَّمَا
وقد أنشد منها عشرة أبيات.
- سرد جزءًا من قصيدة جميل بثينة في الغزل، والتي منها هذا الشاهد (٥):
وطرفُكَ إما جئتَنَا فاصرفَنَّه … كيما يحسَبُوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ
وقد أنشد منها اثني عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة صخر بن عمرو، والتي يذكر فيها أن امرأته ملَّت لطول مرضه، والتي مطلعها هذا الشاهد (٦):
أرَى أمَّ صَخْرٍ مَا تَمَلُّ عِيَادَتي … ومَلَّتْ سُلَيمَى مَضْجَعِي ومَكَانِي
وقد أنشد منها ستة أييات.
стр. 37
- سرد جزءًا من قصيدة الحطيئة في المدح، والتي منها هذا الشاهد وهو قوله (١):
متَى تأتهِ تعشُو إِلَى ضوْءِ نَارِه … تجِدْ خيرَ نَارٍ عندها خيرُ موقدِ
وقد أنشد منها تسعة أبيات، وفي ثنايا الكتاب الكثير والكثير.
* * *
стр. 38
الفَصْلُ الرَّابع: كتاب المقاصد (مصادره وأصوله)
تعددت مصادر كتاب المقاصد النحوية الكبرى للعيني، وذلك بسبب تعدد فنونه وتنوع أغراضه؛ وذلك لأن الحديث عن الشواهد كان من عدة نواحٍ، فمن بحورها إلى قائليها إلى ترجمة هؤلاء القائلين، إلى ذكر القصيدة أو المقطوعة التي منها الشاهد، إلى السبب والغرض الذي قيلت فيه، إلى شرح مفردات القصيدة والاستشهاد على ذلك الشرح بآيات قرآنية، أو شواهد شعرية، ثم إلى بيان معنى الشاهد، وما اشتمل عليه من لغات أدبية أو وجوه بلاغية، إلى البيت الذي يجعل المعرب يتعرض لكثير من أبواب النحو وقضاياه، ثم يكون ختام الحديث عن وجه الاستشهاد بالبيت، واختلاف النحويين في ذلك.
ومن هنا كثرت مصادر الكتاب، وتعددت وتنوعت فكان منها النحوية واللغوية، ومنها كتب شرح الشواهد، ومجموعات الأشعار، ودواوين الشعراء، ومنها كتب التراجم والتاريخ، وغير ذلك وهو كثير.
وقد ذكر العيني مصادر كتابه، وما رجع إليه من مؤلفات ومصنفات مرتين، واحدة في مقدمة كتابه، وهي مجملة، والأخرى في آخر كتابه، وهي مفصلة، وسأذكر هنا النص، يقول العيني في مقدمة كتابه، وذكر عنوانه: (اجتهدتُ في تصنيفه بُرْهَةً من الزمان، وجاهدتُ في تأليفه مدة من الأوان، بعد مراجعة شديدة إلى كتب عديدة، ومطالعة مديدة في دواوين سديدة، مع مقاساة العناء والنصَب من حوادث الزمان، ومكابدة تجرع الغصص من أهل الحسد والجهل والطغيان، وكساد سوق العالم وبوار بضاعته النفيسة، ورواج معاش الجهل وتقدمه في صناعته الخسيسة، وإلى الله المشتكى وعليه التكلان، وفي كل أمر هو المستعان، فجاء بحمد الله وفيه شفاء صدور المنتهين، وكفاية مؤنة المشتغلين المبتدئين، مشتملًا على فوائد جسيمة، وفرائد من النكات العظيمة، على أن نفعه
стр. 39
عام لأكثر الكتب النحوية، وفوائده شاملة لغالب الشواهد المحكية، مسمى بكتاب: "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية").
وسأسرد هنا بعض هذه الكتب مما نقل منه العيني دون أن أتعرض إلى مواضع هذه النقول في الكتاب، وذلك كثير.
أولًا: كتب النحو واللغة:
- كتاب سيبويه والشروح المختلفة للكتاب، وأهمها شرح السيرافي.
- المقتضب للمبرد، والأصول لابن السراج، والمقدمة الجزولية للشلوبين.
- المفصل للزمخشري، وشروح كتاب المفصل؛ كابن يعيش، وابن الحاجب، وكذلك: شرح أبيات المفصل.
- الكافية لابن الحاجب، والشروح المختلفة لها، التي منها الموجود والمفقود.
- الألفية لابن مالك، وشراح الألفية كابن الناظم، وابن هشام، وابن عقيل، والمرادي.
- التسهيل لابن مالك، وشراح التسهيل؛ كأبي حيان، وابن مالك، والمرادي، وابن عقيل.
- الألفية لابن معطى، وشروحها بشرح القواس عبد العزيز بن جمعة الموصلي.
- كتب لأبي علي الفارسي؛ كالإيضاح، وشرح الأبيات المشكلة الإعراب، ومسائله المختلفة في كثير من المدن والبلاد.
- كتب ابن عصفور المختلفة؛ كالضرائر، وشروح الجمل والمقرب.
- كتب ابن مالك المختلفة مثل: شرح الكافية الشافية، وشرح عمدة الحافظ.
- كتب ابن هشام المختلفة؛ كمغني اللبيب، وأوضح المسالك.
- كتب ابن الأنباري؛ كالإنصاف في مسائل الخلاف، والأضداد.
وأما كتب اللغة فهي أيضًا كثيرة منها:
- تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، الذي أخذ منه كثيرًا في شرح مفردات الشواهد، أو الأبيات، أو القصيدة التي كان يسردها مع الشواهد.
- كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، والحروف لأبي عمرو، ومجالس ثعلب، والمجاز لأبي عبيدة.
- نوادر أبي زيد الأنصاري، والنوادر لابن الأعرابي، ومقاييس اللغة لابن فارس.
стр. 40
- الجمهرة لابن دريد، والمحكم لابن سيده، والمعرب للجواليقي، والعباب للصاغاني.
- كتب الفراء في اللغة مثل: المذكر والمؤنث، والأيام والليالي والشهور.
ثانيًا: كتب شرح الشواهد، ومجموعات الشعر المختلفة:
- شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي، وابن النحاس وغيرهما.
- فرحة الأديب للغندجاني، والحلل في شرح أبيات الجمل.
- شرح الأعلم الشنتمري للشعراء الستة الجاهليين.
- شروح ديوان الحماسة لأبي تمام؛ كالمرزوقي والتبريزي وغيرهما.
- الحماسيات الأخرى؛ كحماسة ابن الشجري، وحماسة البحتري، والحماسة البصرية.
- ديوان الهذليين، وشرح ديوان الهذليين.
- شرح الشواهد لابن هشام المسمى: تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد.
- دواوين الشعراء، وشروح هذه الدواوين على اختلاف أنواعها، ومنها شرح ابن جني لديوان المتنبي.
ثالثًا: كتب الأدب والتاريخ والأخبار:
- كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
- الأمالي لأبي علي القالي، والأمالي لهبة الله بن الشجري.
- الحيوان للجاحظ، والكامل للمبرد، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام.
- كتب أبي عبيدة البكري كسمط اللآلئ وغيره.
* * *
كتب مفقودة مختلفة:
وتظهر منة كتاب المقاصد للعيني في هذه النقول التي وجدت في كتابه،، قد ضاعت أصولها، وفقدت كتبها على طول ستة قرون؛ أي من وفاة العيني (٨٥٥ هـ) حتى الآن، وهذه نماذج قليلة من كتب لم نرها، ويوجد مثلها كثير في كتاب المقاصد:
- التذكرة لأبي علي الفارسي، والتذكرة لابن هشام.
- شرح الكافية للركني، وشرح الكافية للنيلي: إبراهيم بن الحسين.