- سرد جزءًا من قصيدة عروة بن حزام في الغزل، والتي منها قوله (١):
فيَا لَيْتَ كُلَّ اثْنَين بَينَهُمَا هَوًى … منَ النَّاسِ بَعْدَ اليَأْسِ مُجْتَمعَانِ
وقد أنشد منها عشرة أييات.
- سرد جزءًا من قصيدة علقمة بن عبدة بن النعمان التي أولها (٢):
طَحَا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَرُوبُ … بُعَيدَ الشباب عَصْرٌ حَانَ مَشيبُ
وقد أنشد منها ستة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة الكميت في مدح بني هاشم التي أولها (٣):
طَرِبْتُ ومَا شَوْقًا إلَى البيضِ أَطربُ … ولا لعبًا منِّي وذو الشيب يلعبُ
وقد أنشد منها سبعة عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة طويلة للعباس بن مرداس في مدح رسول الله ﷺ التي أولها (٤):
أَلا مَنْ مُبلِغُ الأقوامِ أنَّ مُحمدًا … رسولَ الإلَهِ رَاشِدٌ حيثُ يَمَّمَا
وقد أنشد منها عشرة أبيات.
- سرد جزءًا من قصيدة جميل بثينة في الغزل، والتي منها هذا الشاهد (٥):
وطرفُكَ إما جئتَنَا فاصرفَنَّه … كيما يحسَبُوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ
وقد أنشد منها اثني عشر بيتًا.
- سرد جزءًا من قصيدة صخر بن عمرو، والتي يذكر فيها أن امرأته ملَّت لطول مرضه، والتي مطلعها هذا الشاهد (٦):
أرَى أمَّ صَخْرٍ مَا تَمَلُّ عِيَادَتي … ومَلَّتْ سُلَيمَى مَضْجَعِي ومَكَانِي
وقد أنشد منها ستة أييات.
стр. 37
- سرد جزءًا من قصيدة الحطيئة في المدح، والتي منها هذا الشاهد وهو قوله (١):
متَى تأتهِ تعشُو إِلَى ضوْءِ نَارِه … تجِدْ خيرَ نَارٍ عندها خيرُ موقدِ
وقد أنشد منها تسعة أبيات، وفي ثنايا الكتاب الكثير والكثير.
* * *
стр. 38
الفَصْلُ الرَّابع: كتاب المقاصد (مصادره وأصوله)
تعددت مصادر كتاب المقاصد النحوية الكبرى للعيني، وذلك بسبب تعدد فنونه وتنوع أغراضه؛ وذلك لأن الحديث عن الشواهد كان من عدة نواحٍ، فمن بحورها إلى قائليها إلى ترجمة هؤلاء القائلين، إلى ذكر القصيدة أو المقطوعة التي منها الشاهد، إلى السبب والغرض الذي قيلت فيه، إلى شرح مفردات القصيدة والاستشهاد على ذلك الشرح بآيات قرآنية، أو شواهد شعرية، ثم إلى بيان معنى الشاهد، وما اشتمل عليه من لغات أدبية أو وجوه بلاغية، إلى البيت الذي يجعل المعرب يتعرض لكثير من أبواب النحو وقضاياه، ثم يكون ختام الحديث عن وجه الاستشهاد بالبيت، واختلاف النحويين في ذلك.
ومن هنا كثرت مصادر الكتاب، وتعددت وتنوعت فكان منها النحوية واللغوية، ومنها كتب شرح الشواهد، ومجموعات الأشعار، ودواوين الشعراء، ومنها كتب التراجم والتاريخ، وغير ذلك وهو كثير.
وقد ذكر العيني مصادر كتابه، وما رجع إليه من مؤلفات ومصنفات مرتين، واحدة في مقدمة كتابه، وهي مجملة، والأخرى في آخر كتابه، وهي مفصلة، وسأذكر هنا النص، يقول العيني في مقدمة كتابه، وذكر عنوانه: (اجتهدتُ في تصنيفه بُرْهَةً من الزمان، وجاهدتُ في تأليفه مدة من الأوان، بعد مراجعة شديدة إلى كتب عديدة، ومطالعة مديدة في دواوين سديدة، مع مقاساة العناء والنصَب من حوادث الزمان، ومكابدة تجرع الغصص من أهل الحسد والجهل والطغيان، وكساد سوق العالم وبوار بضاعته النفيسة، ورواج معاش الجهل وتقدمه في صناعته الخسيسة، وإلى الله المشتكى وعليه التكلان، وفي كل أمر هو المستعان، فجاء بحمد الله وفيه شفاء صدور المنتهين، وكفاية مؤنة المشتغلين المبتدئين، مشتملًا على فوائد جسيمة، وفرائد من النكات العظيمة، على أن نفعه
стр. 39
عام لأكثر الكتب النحوية، وفوائده شاملة لغالب الشواهد المحكية، مسمى بكتاب: "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية").
وسأسرد هنا بعض هذه الكتب مما نقل منه العيني دون أن أتعرض إلى مواضع هذه النقول في الكتاب، وذلك كثير.
أولًا: كتب النحو واللغة:
- كتاب سيبويه والشروح المختلفة للكتاب، وأهمها شرح السيرافي.
- المقتضب للمبرد، والأصول لابن السراج، والمقدمة الجزولية للشلوبين.
- المفصل للزمخشري، وشروح كتاب المفصل؛ كابن يعيش، وابن الحاجب، وكذلك: شرح أبيات المفصل.
- الكافية لابن الحاجب، والشروح المختلفة لها، التي منها الموجود والمفقود.
- الألفية لابن مالك، وشراح الألفية كابن الناظم، وابن هشام، وابن عقيل، والمرادي.
- التسهيل لابن مالك، وشراح التسهيل؛ كأبي حيان، وابن مالك، والمرادي، وابن عقيل.
- الألفية لابن معطى، وشروحها بشرح القواس عبد العزيز بن جمعة الموصلي.
- كتب لأبي علي الفارسي؛ كالإيضاح، وشرح الأبيات المشكلة الإعراب، ومسائله المختلفة في كثير من المدن والبلاد.
- كتب ابن عصفور المختلفة؛ كالضرائر، وشروح الجمل والمقرب.
- كتب ابن مالك المختلفة مثل: شرح الكافية الشافية، وشرح عمدة الحافظ.
- كتب ابن هشام المختلفة؛ كمغني اللبيب، وأوضح المسالك.
- كتب ابن الأنباري؛ كالإنصاف في مسائل الخلاف، والأضداد.
وأما كتب اللغة فهي أيضًا كثيرة منها:
- تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، الذي أخذ منه كثيرًا في شرح مفردات الشواهد، أو الأبيات، أو القصيدة التي كان يسردها مع الشواهد.
- كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، والحروف لأبي عمرو، ومجالس ثعلب، والمجاز لأبي عبيدة.
- نوادر أبي زيد الأنصاري، والنوادر لابن الأعرابي، ومقاييس اللغة لابن فارس.
стр. 40
- الجمهرة لابن دريد، والمحكم لابن سيده، والمعرب للجواليقي، والعباب للصاغاني.
- كتب الفراء في اللغة مثل: المذكر والمؤنث، والأيام والليالي والشهور.
ثانيًا: كتب شرح الشواهد، ومجموعات الشعر المختلفة:
- شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي، وابن النحاس وغيرهما.
- فرحة الأديب للغندجاني، والحلل في شرح أبيات الجمل.
- شرح الأعلم الشنتمري للشعراء الستة الجاهليين.
- شروح ديوان الحماسة لأبي تمام؛ كالمرزوقي والتبريزي وغيرهما.
- الحماسيات الأخرى؛ كحماسة ابن الشجري، وحماسة البحتري، والحماسة البصرية.
- ديوان الهذليين، وشرح ديوان الهذليين.
- شرح الشواهد لابن هشام المسمى: تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد.
- دواوين الشعراء، وشروح هذه الدواوين على اختلاف أنواعها، ومنها شرح ابن جني لديوان المتنبي.
ثالثًا: كتب الأدب والتاريخ والأخبار:
- كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
- الأمالي لأبي علي القالي، والأمالي لهبة الله بن الشجري.
- الحيوان للجاحظ، والكامل للمبرد، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام.
- كتب أبي عبيدة البكري كسمط اللآلئ وغيره.
* * *
كتب مفقودة مختلفة:
وتظهر منة كتاب المقاصد للعيني في هذه النقول التي وجدت في كتابه،، قد ضاعت أصولها، وفقدت كتبها على طول ستة قرون؛ أي من وفاة العيني (٨٥٥ هـ) حتى الآن، وهذه نماذج قليلة من كتب لم نرها، ويوجد مثلها كثير في كتاب المقاصد:
- التذكرة لأبي علي الفارسي، والتذكرة لابن هشام.
- شرح الكافية للركني، وشرح الكافية للنيلي: إبراهيم بن الحسين.
стр. 41
- المهذب لابن كيسان.
- الخيل وأنساب الخيل لأبي عبيدة.
- شرح الحماسة للبياري، وشرح اللب للشيخ العلامة شمس الدين الزرعي شيخ العيني.
نقل من كتاب: التذكرة لأبي علي الفارسي:
يقول في شرح هذا الشاهد (١):
إذا فَاقِدٌ خَطبَاءُ فَرْخَيْنِ رَجَّعَتْ … ذَكَرْتُ سُلَيْمَى في الخَلِيطِ المُزَايلِ
يقول العيني بعد كلامه في بيان وجه الاستشهاد: " (وقال أبو علي في التذكرة: لا يكون فرخين منصوبًا إلا بمضمر دل عليه فاقد، ولا يكون منصوبًا بفاقد لأمرين:
أحدهما: أنك قد وصفتها بخطباء، واسم الفاعل إذا وصف لم يعمل.
والآخر: أن فاقدًا غير جارٍ على الفعل؛ إذ لو كان جاريًا عليه لقيل: فاقدة؛ فدل على أنه بمعنى النسب نحو امرأة طالق؛ فلا يعمل حينئذ عمل فعله".
العيني يسرد مصادر كتابه:
ونختتم هذا الفصل بهذا النقل الطويل المختصر الذي كتبه العيني في آخر كتابه، طويل؛ لأنه كذلك في الكتاب، ومختصر؛ لأني سأكتفي ببعض الدواوين والكتب التي سيذكرها، وعلى كل حال، فها هي في آخر الكتاب الذي بين يديك، قال العيني:
"هذا وإني قد بذلت فيه طاقتي حسب الإمكان، بترك ما تستلذه نفس الإنسان، مع تجرع الغصص من مكابدة أهل الزمان، وتحصيل كتب كثيرة فيما يتعلق بهذا الشأن، حتى إني جمعت من الدواوين للشعراء المتقدمين، الذين احتج بهم نحاة الأولين والآخرين ما يُنَيّف على مائة في عدد مبين، وهي:
ديوان امرئ القيس الكندي، وديوان النابغة الذبياني، وديوان علقمة بن عبدة التميمي، وديوان زهير بن أبي سلمى المزني، وديوان طرفة بن العبد الوابلي، وديوان عنترة بن شداد العبسي، وديوان الأعشى، وديوان الحطيئة، وديوان جرير، وديوان أبي دؤاد، وديوان كعب بن زهير، وديوان الفرزدق، وديوان رؤبة بن العجاج، وديوان لبيد العامري، وديوان الشنفرى، وديوان عمر بن أبي ربيعة، وديوان ذي الرمة، وديوان الحارث بن حلزة، وديوان أبي ذؤيب
стр. 42
الهذلي، وديوان أبي كبير الهذلي، وديوان ساعدة بن جؤية الهذلي، وديوان أبي خراش الهذلي، وديوان أبي المثلم، وديوان صخر الغي، وديوان المتنخل، وديوان أبي العيال، وديوان أسامة بن الحارث، وديوان الأعلم بن عبد الله، وديوان بريق بن خويلد، وديوان ساعدة بن العجلان، وديوان خالد الخزاعي، وديوان السموأل بن عدي، وديوان حنظلة بن الشرقي، وديوان سحيم بن عبد الحسحاس، وديوان أبي حلحلة الفَزَاريُّ، وديوان حارثة بن بدر العداني، وديوان وضاح اليمن، وديوان نهار بن توسعة، وديوان توسعة بن تميم، وديوان الحارث الذبياني، وديوان عمرو بن قميئة، وديوان عمرو بن كلثوم، وديوان النُّعمان بن بشير الأنصاري، وديوان مزاحم العقيلي، وديوان الشماخ، وديوان القتامي، وديوان أوس بن حجر، وديوان عبيد الله بن قيس الرقيات، وديوان النمر بن تولب، وديوان جران العود، وديوان راشد بن سهاب بالسين المهملة، وديوان سعد بن كعب الغنوي، وديوان أبي الطمحان القيني، وديوان حميد بن ثور، وديوان أبي طالب، وديوان أبي الدمينة، وديوان قيس بن الزريح، وديوان جابر بن زيد، وديوان عابر بن سعد، وديوان حرملة بن جنادة، وديوان عبد الله بن جلهمة، وديوان شهم بن مرَّة، وديوان أبي رهدم، وديوان الهيثم بن معاوية، وديوان زهير بن جعدة، وديوان عبد الرحمن بن سيحان، وديوان عبيد بن ريحان، وديوان عامر بن قشير الخصفي، وديوان صخر بن الجعد، وديوان كميت، وديوان الأخطل، وديوان زفر بن أنس، وديوان نزال بن واقد، وديوان حنظلة بن ذؤيب، وديوان كثير عزة، وديوان مرار الأسدي، وديوان قيس المجنون، وديوان الأحوص، وديوان أميَّة بن أبي الصلت، وديوان جميل، وديوان سعد بن مكرم، وديوان ابن ميادة، وديوان زياد الأعجم، وديوان الصمة بن عبد الله، وديوان القلاح، وديوان العرجي، وديوان أبي أميَّة الهذلي، وديوان المتلمس، وديوان ذي الأصبع حرثان، وديوان قوبة بن حمير، وديوان كعب بن مالك الأنصاري، والمهلهل بن امرئ القيس، وديوان مزرد، وديوان الراعي، وديوان زفر بن حنان، والطرماح، وخرنق بن هفان، وجنوب أخت عمرو ذي الكلب، وليلى، وعاتكة".
ثم قال: "ومن دواوين المحدثين الذين تذكّر أشعارهم لأجل التمثيل: ديوان أبي العتاهية، وديوان عطاء السندي، وديوان أبي نواس، وديوان المعري، وديوان المتنبي، وديوان بشار بن برد، وديوان أبي الوليد الأنصاري، وديوان البحتري".
ثم قال: "ومن الحماسات: حماسة أبي تمام، الحماسة البصرية، والحماسة العسكرية".
ثم قال: "ومن النوادر: نوادر ابن دريد، ونوادر القالي، ونوادر اللحياني، ونوادر الأصمعي، ونوادر أبي زيد الأنصاري".
стр. 43
ثم قال: "ومن كتب اللغة: العباب للصاغاني، والصحاح للجوهري، والمحكم لابن سيده، ودستور اللغة للبطيري، والمجمل لابن فارس، والكفاية للأجداني، والجمهرة لابن دريد، والأفعال لابن قوطية، والمنظم للقراع".
ثم قال: "ومن كتب الأدب: كتاب الفرزة، وكتاب العققة، وكتاب العمري، وكتاب أولاد السراري، وكتاب الأغاني الكبير، ومختصر الأغاني، وكتاب الزينة لأبي حاتم، وكتاب خلق الإنسان، والخيل، والحيوان، وتثقيف اللسان، والكامل للمبرد، وكتاب الأمثال لأبي عبيد، وسؤالات المبرد، وهيتيات أبي علي، وكتاب سر الصناعة، والمختار من أشعار القبائل، وكتاب الإصلاح، وكتاب المنقذ، وكتاب الاقتضاب، وكتاب أدب الكاتب، وكتاب الأمثال السائرة، وكتاب التأويلات، وكتاب تحفة العرب، وكتاب تقويم اللسان، وكتاب المقصور والممدود للأنباري، والمقصور والممدود للقالي، وكتاب الترز لأبي طاهر، وكتاب درة الغواص، وكتاب الطير لأبي حاتم، وكتاب الفصيح، وكتاب اليوم والليلة، وكتاب المشترك، وكتاب الأدواء، وكتاب المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن، والمؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء، وطبقات الشعراء، وطبقات النحاة، وشرح أبيات الإيضاح، وشرح أبيات الكتاب للنحاس، وشرح أبيات الإصلاح، وشرح أبيات كتاب الزمخشري، وتذكرة النحاة لأبي علي، وتذكرة أثير الدين، وتذكرة ابن هشام، وتذكرة ابن الصَّائغ".
ويختم كلامه قائلًا: "غير ما تصفحت من كتب النحو وشروحها من تصانيف العرب والعجم، من مؤلفات السلف والخلف من الأمم، وغير ما وقفت عليه من فوائد الأجلاء من المشايخ والأساتذة، ومن نكات الأفاضل الأماثل الجهابذة، وغير ما قدمته أفكاري من فيض الخالق الباري، وغير ما أنتجه تصوري وولده تفكري". انتهى.
* * *
стр. 44
الفصل الخامس: كتاب المقاصد (منهجه وطريقته)
مقدمة:
رغب العيني في كتابه: "المقاصد النحوية الكبرى" أن يشرح الشواهد التي جاءت في شروح الألفية المختلفة لابن الناظم (٦٨٦ هـ)، وشرحه الذي ألفه ابن أم قاسم (٧٤٩ هـ)، وشرحه الذي رتبه ابن هشام (٧٦١ هـ)، وابن عقيل (٧٦٩ هـ)، وأن يذكر فيها أمورًا، ويوضح فيها أشياء لم يذكرها أو يوضحها شراح الألفية، أو هي ليست من هدفهم وقصدهم من الشَّرح، كما أراد أن يبين: قائل البيت، وبحره، وقصيدته، ومعناه، ويعربه إعرابًا كاملًا، ثم يبين آخر كلامه وجه الاستشهاد به. ورد ذكر ذلك في مقدمة كتابه حيث قال بعد أن ذكر الشروح الأربعة التي سيشرح شواهدها قال:
"أردت أن أستخرج الأبيات الذي ذُكِرَتْ فيها على سبيل الاستشهاد في الأبواب، وأُبَيِّنَ ما فيها من اللغات والمعاني والإعراب، وأزيل ما فيها من المبهمات التي تتصحف على الطلاب، وأكشف الألفاظ التي تشتبه عليهم في هذا الباب، متعرضًا إلى بيان ما فيها من الأبحُر والأوزان، وإلى ذكر بقية كل بيت بحسب الطاقة والإمكان، وإلى إيضاح قائله عند الظفر والوجدان، وذلك لأني رأيت الشراح قد أهملوا هذه الأمور، واكتفوا بذكر ما فيها من الشاهد المشهور".
وسنذكر في هذا الفصل المنهج الذي سار عليه العيني في تأليف كتابه، والطريقة التي اتبعها ليكون القارئ على بينة من أمره حين يأخذ في قراءة الكتاب.
أولًا: وضع رموز مختلفة في صدر كل بيت:
لما كان العيني يشرح أربعة كتب، ويسرد البيت الذي جاء فيها أو بعضها، وضع رمزًا في كل بيت ليدل بهذا الرمز على وجود البيت في هذا الكتاب، وفي بابه الذي يتناوله؛ إذ قد يوجد البيت في الكتاب، لكنَّه في غير الباب الذي يسرد شواهده، فلا يذكره العيني حينئذ؛ فوضع
стр. 45
(الظاء) للدلالة على أن البيت في شرح ابن الناظم، كما وضع (القاف) للدلالة على وجود البيت في شرح ابن أم قاسم، وهو المرادي، ووضع (الهاء) رمزًا لابن هشام، و (العين) رمزًا لابن عقيل، وهكذا، وقد أغناه ذلك عن ذكر الكتاب أو الكتب التي يوجد فيها البيت، وقد أبان عن ذلك في مقدمة كتابه المقاصد فقال:
"ثم أني بينت نسبة كلِّ بيت إلى مَن ذكره في تأليفه برمز حرف من أشهر حروفه، فإن اتفقت الأربعة على ذكر بيت منها رمزت عليه هكذا: "ظقهع" فالظاء من ابن الناظم، والقاف من ابن أم قاسم، والهاء من ابن هشام، والعين من ابن عقيل الإمام، وإن كانت الثلاثة أو الاثنان منهم مطلقًا ذكرته ورمزت عليه هكذا: "ظقه- ظقع - طق -طع - قه - قع - هع" وإن انفرد واحد منهم رمزت رمزه المعين، ليُعْلَمَ كل منهم ويتبين".
ثانيًا: ذكر البيت، وذكر الروايات المختلفة فيه:
يسرد العيني بيت الشاهد من الكتب التي ندب نفسه لشرح شواهدها، فإن كانت في البيت روايتان ذكرهما، وإن كانت واحدة أصوب من الأخرى وضح ذلك كله، يقول: "وفي هذا البيت (١):
فَإنَّ الحُمُرَ منْ شَرِّ المَطَايَا … كَمَا الحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تميم
قوله: "فإن الحمر" بضم الحاء المهملة وسكون الميم جمع حمار، وهكذا وجدته مضبوطًا في نسخ صحيحة لأبي علي الفارسي، أعني التذكرة، ووجدت في موضع آخر: "فإن الخمر" بفتح الخاء المعجمة وهي التي تشرب، وهذا أقرب، وإن كان ذلك أصوب، وقد شبه الخمر بالمطية التي لا خير فيها، ووجه التشبيه حصول الشر من كل منها".
وينشد هذا البيت بثلاث روايات، وثلاث قوافٍ، وهو قوله (٢):
"أبالأَرَاجيز يَابن اللؤم توعدُني … وَفِي الأَرَاجِيز خلتُ اللؤمُ والحورُ
قال هكذا: رواه بعضهم "بروي الراء المضمومة"، وأن النحاس والجاحظ روياه باللام المضمومة هكذا:
أبِالْأَرَاجِيزِ يَابنَ اللؤمِ تُوعدُنِي … وَفي الأَرَاجِيز خلتُ اللؤمُ والفشلُ
стр. 46
وذكر أن البيت هكذا فيه إقواء؛ لأنَّه من كلمة رويُّها لام مكسورة؛ لأنَّ قبله:
إنِّي أَنا ابنُ جَلا إن كُتتَ تَعْرفُني … يَا رُؤبَ والحيَّةُ الصَّمَّاءُ في الجَبَلِ
ثم قال: "وثبت الأبيات الثلاثة في كتاب الوحشي وليس فيها إقواء؛ لأنه روي فيها:
.......................... … وفي الأراجِيزِ رَأْسُ القَولِ والفَشَل".
ثالثًا: نسبة الأبيات إلى بحورها:
نسب العيني أبيات الشواهد جميعها إلى بحورها، وكانت النسبة كلها صحيحة، ولا عجب في ذلك، فهو يقف على علم العروض، ويعرفه جيدًا، ولا نكاد نجد ذلك عند غير العيني، فهذا كتاب "خزانة الأدب" على شهرته، وتفوق مؤلفه، وهو الإمام عبد القاهر البغدادي لا تنسب فيه الأبيات إلى بحورها، ولا يكتفي العيني بنسبة الأبيات إلى بحورها، وإنَّما يقول في هذا الشاهد، ومثله كثير (١):
ذُمَّ المنازلَ بَعْدَ مَنْزلَةِ اللِّوى … والعيشَ بَعدَ أُولَئُكَ الأيَّامِ
"من الكامل وفيه الإضمار والقطع، والإضمار هو تسكين الثَّاني فيصير: متفاعلن، فيرد إلى مستفعلن، والقطع: حذف ساكن السبب ثم إسكان متحركه في الوتد".
ويقول في شاهد آخر لامرئ القيس، وهو قوله (٢):
أَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالي … وَهَلْ يَعِمَنْ مَن كَانَ فيِ العُصُر الخَالي
"من الطَّويل، فإن قلتَ عروض الطَّويل تكون مقبوضة دائمًا، فما بال امرئ القيس أتى بها على الأصل، وهو عيب عندهم.
قلت: البيت إذا كان مصرعًا لا يقبح فيه ذلك، وإنَّما يقبح إذا كان غير مصرع، وها هنا البيت مصرع".
رابعًا: العناية بالقائل، وذكر الخلاف في ذلك:
عني العيني بذكر قائل البيت؛ لأنَّ معرفته وإسناد البيت لقائله تفيد كثيرًا، فهذا شاعر يحتج بشعره، وهذا مولد لا يحتج به، وهذا من قبيلة فصيحة، وذاك من أخرى أقل فصاحة، فإذا لم يجد للشاهد قائلًا حكم عليه أنَّه مجهول القائل، وإذا وجد خلافًا حول القائل ذكر ذلك الخلاف، وهكذا، يقول في هذا الشاهد، وهو قوله (٣):
стр. 47
"كَحِلفةٍ منْ أبِي ربَاحٍ … يَسْمَعهَا لاهمُ الكِبَارُ
قائله بعض العرب، أنشده الفراء، ولم يبين قائله، وذكر بعض شراح الكتاب أن قائله هو الأعشى، وكذا قاله ابن جني في سر الصناعة، وكذا الصاغاني في العباب".
ويقول في بيت آخر، وهو قوله (١):
أَنَا ابنُ جَلا وَطَلاعُ الثَّنَايَا … متَى أَضَع العِمَامَةَ تَعْرِفوني
"قائله هو سحيم بن وثيل الرياحي، وقيل: المثقب العبدي، وقيل: أبو زبيد، ونسبه بعضهم إلى الحجاج بن يوسف الثَّقفيُّ، وليس بصحيح، وإنَّما هو أنشده على المنبر لما قدم الكوفة واليًا عليها".
ويقول في بيت ثالث وهو قوله (٢):
قد سالمَ الحيَّاتُ مِنه القَدَمَا … الأفعوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
"قائله هو أبو حيان الفقعسي، كذا قاله ابن هشام الحنبلي، وقال ابن هشام اللخمي: قائله: مساور العبسي، ويقال: العجاج والد رؤبة، وقاله السيرافي: قال الدبيري، وقال الصغاني: قائله عبد من عبس".
خامسًا: وقفة في نسبة البيت للقائل:
لا يسلِّم العيني بذكر القائل من نقل أو سماع أو غير ذلك، وإنَّما يعود إلى ديوان الشاعر ليتأكد من صحة هذه النسبة، أو خطئها، ويظهر ذلك فيما ذكره، يقول في هذا الشاهد (٣):
لقَد خَشيتُ أنْ أرى جَدَبَّا … مثلَ الحريق وَافَقَ القَصَبَّا
"قائله هو رؤبة على ما ذكره في الكتاب، وليس بموجود في ديوانه".
ويقول في شاهد آخر (٤):
كَم دونَ مَيَّةَ مَومَاةٍ يَهَالُ لَهَا … إذا تيَمَّمَهَا الخرِّيتُ ذُو الجلدِ
"قيل: إن قائله ذو الرمة، ولم أجده في ديوانه".
стр. 48
سادسًا: ترجمة قائل الشاهد:
نص العيني في كتابه أنَّه أخذ على نفسه أن يترجم للشعراء أصحاب الشواهد ترجمة تكشف عنهم، وعن نسبتهم وقبيلتهم، وعصرهم، وما قيل في أشعارهم، وقد ساعده في ذلك معرفته بالتاريخ، وسير النَّاس، وقبائل العرب، وتاريخهم في الجاهلية، وبعد الإسلام، وتاريخ الدولة الأموية وشعرائها، والدولة العباسية وشعرائها، فإن لم يجد ترجمة مطولة للشاعر عرَّف بعصره، وشعره، يقول في معن بن أوس المزني (١): "معن بن أوس المزني شاعر جاهلي مقلٌّ".
ويقول في ابن ميادة (٢): "ابن ميادة، واسمه الرَّمَّاح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، كذا قاله ابن بكار" (٣).
وقال ابن الكلبي: ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرَّة بن عوف بن سعد بن ذُبيَان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وأمه ميادة، أم ولده بَربَريّة، وروي أنها كانت صقلية، ويكْنى أبا شَراحيل، ويقال: أبا شرحبيل، وكان ابن ميادة يزعم أن أمه فارسية.
وهو شاعر متقدم من مخضرمي شعراء الدولتين، وجعله ابن سلام في الطَّبقة السابعة، وقرن به عمر بن لجاء (٤) والقحيف العقيلي (٥)، والعجير السلولي (٦)، وكان فصيحًا يحتج بشعره وقد مدح بني أميَّة، وبني هاشم، ومات في صدر من خلافة المنصور".
وقد يعلل لاسم الشاعر أو لقبه فيقول (٧): "والعجاج لقبه، لُقب بذلك لقوله: حتَّى يَعُجُّ عِنْدَهَا مَنْ عَجْعَجَا، والعَجُّ: رفع الصوت يقال: رجل عجاج أي صَياح، والأنثى عجاجة".
ومثله ما قاله في زياد الأعجم عند ذكر الشاهد التاسع والخمسين بعد الثلاثمائة فيقول:
стр. 49
"قائله هو زياد الأعجم، سمي به؛ لأنَّ مولده ومنشأه بفارس".
وإذا سبقت ترجمة الشاعر ثم أعيد مرَّة ثانية نبه على ذلك وعلى موضع الترجمة.
سابعًا: ذكر القصيدة أو المقطوعة التي منها الشاهد:
ومما ألزم به العيني نفسه، واستمر معه طول كتابه على كثرة الشواهد التي تعدت الألف وزادت ربع ألف أخرى، أنَّه كان يسرد مع الشاهد بعض الأبيات ليتبين للقارئ، أن هذا البيت من قصيدة، وأن هذا الفرع من شجرة؛ فيتأكد لديه صحة البيت الذي يتبعه صحة الاستشهاد، وقد ذكرنا ذلك بالتفصيل في الفصل الثالث؛ حيث عرضنا قصائد كاملة ذكرها العيني مع بعض الشواهد، كما عرضنا مقطوعات كان يذكرها بعد الشاهد، وفي أبيات مختارة، ومقطوعات جيدة في مختلف أغراض الشعر، من غزل، أو حكمة، أو فخر؛ ليخفف بذلك جفاف قواعد النحو، أو ليأخذ القارئ بعيدًا عن ثقل الإعراب، وصعوبة الاستشهاد، فصار الكتاب حديقة غناء، فيها شدو البلابل، وزئير الأسود.
ثامنًا: ذكر مناسبة القصيدة أو المقطوعة التي منها الشاهد:
وهذا الأمر له علاقة بما ذكر قبله، وهو أن يعيش القارئ في جو الشاهد، وما يحيط به، فهذه قصيدة، وتلك مناسبة القصيدة التي قيلت فيها، وقد سبق أن ذكرنا شيئًا من ذلك في الفصل الثَّاني، في حديث مطول عن اشتمال كتاب المقاصد النحوية على عُمير من حوادث التاريخ، ممَّا كان سببًا في إنشاد القصيدة، أو المقطوعة، أو البيت؛ إلَّا أننا هنا نذكر مناسبة ذلك بعيدًا عن حوادث التاريخ ووقائعه، فهذه واقعة اجتماعية، وتلك واقعة أخرى في الغزل ولقاء المحبين، وثالثة فيما يعرض للشعراء من أحداث مع النَّاس، ولقاءات وغير ذلك.
يقول في هذا البيت، وهو لقيس بن ذريح (١):
تكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني … فَيَا للهِ لِلواشِي المُطَاع
هذا البيت من قصيدة طويلة قالها قيس لما فارقته زوجته لبنى، وخرج متوجهًا نحو الطَّريق الذي سلكته يتشمم روائحها، فسنحت له ظبية فقصدها فهربت فقال:
ألا يا شِبهَ لُبْنَى لا تُرَاعي … ولا تتَيَمَّمي قلل القلَاعِ
ويقول في بيت آخر، وهو لكثير (٢):
стр. 50
فَإنَّك مُوشِكٌ أَنْ لا تراها … وتَعْدو دُونَ غَاضِرة العَوادي
"إن أم البنين زوج الوليد بن عبد الملك أمرت الشعراء أن ينسبوا بها، ولكن كُثيرًا خشي من الزوج الخليفة، فتغزل في جاريتها غاضرة، وأمَّا وضاح اليمن فتغزل في أم البنين زوج الخليفة فقتله الخليفة".
كما يتحدث عن الغرض الشعري للقصيدة والبيت، فيقول وقد ذكر هذا الشاهد وقصيدته (١):
ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيفِ سُوقَ سِمَانِهَا … إذا عدِمُوا زادًا فإنكَ عاقرُ
"وكان أبو طالب رثى بهذه القصيدة أميَّة بن المغيرة المخزومي، وكان خرج إلى الشام فمات في الطَّريق في موضع يقال له سرو سحيم".
تاسعًا: شرح معاني المفردات:
أخذ العيني على نفسه أن يشرح مفردات الشاهد، ويكشف عن معانيها اللغوية؛ ليتضح بعد ذلك معنى البيت، ولم يكتف بشرح الشاهد النحوي، وإنَّما كان يشرح مفردات القصيدة التي منها الشاهد إذا أوردها، أو أورد جزءًا منها، وقد ساعده في ذلك معاجم اللغة التي كانت تحت يده من مثل: معجم الصحاح للجوهري، الذي كان له النصيب الأوفر من النقول في شرح مفردات البيت، يليه بعد ذلك المعاجم الأخرى مثل: الجمهرة لابن دريد، والعباب للصاغاني، وكتب ابن سيده، وابن فارس، وغير ذلك.
كما ساعده في شرح مفردات الشاهد أو القصيدة كتب شروح القصائد مثل: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي، أو التبريزي، أو شرح المفضليات للضبي، أو شرح الأعلم لشواهد سيبويه، أو الشعراء الستة الجاهليين، أو أشعار الهذليين للسكري، أو الشروح المختلفة للمعلقات؛ كما ساعده أيضًا شروح الدواوين التي ورد بها الشاهد.
عاشرًا: إعراب الشاهد:
ويتميز كتاب المقاصد النحوية للعيني عن الكتب الأخرى التي تعرضت لشرح الشواهد، وهي كثيرة، أنَّه أعرب البيت الذي أورده من الشروح الأربعة إعرابًا كاملًا مفصلًا؛ حيث تعرض لإعراب مفردات البيت، ثم بيان موقع الجملة لما قبلها، بعد ذكر إعراب المفردات، وغير ذلك من تفاصيل الإعراب، يقول في إعراب الشاهد، وهو للنابغة (٢):
стр. 51
يا دَارَ مَيَّةَ بالعَليَاء فالسَّنَدِ … أَقوَت وَطَال عَلَيْهَا سَالف الأَبَد
"قوله: "أقوت": جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه، الذي يرجع إلى دار مية ومحلها النصب على الحال بتقدير: قد؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت".
ولا يسأم العيني وهو يعرب البيت من ذكر أكثر من وجه في إعراب الكلمة، أو توضيح مسألة نحوية جاءت عرضًا، وهو يعرب البيت، وقد جاءت إعراباته كلها صحيحة إلَّا ما نبهنا عليه أثناء التحقيق، أو نبه عليه الإمام عبد القادر أو غيره، وهو نزر يسير.
حادي عشر: ذكر وجه الاستشهاد:
وذكر وجه الاستشهاد هو الهدف من تأليف كتب الشواهد بعد تمامه، أو أن ذكر البيت ووجه الاستشهاد هو النتيجة الحتمية للقاعدة النحوية، من هنا عني به شراح الشواهد معللين سبب مجيء البيت، وهل طابق القاعدة فيحكم عليه بالصحة، أو خالفها فيحكم عليه بالضرورة، وهكذا.
وقد عني العيني بذكر وجه الاستشهاد في كل بيت، وتوضيحه للقارئ، ولا يكتفي بذلك؛ بل يذكر الخلافات الواردة في وجه الاستشهاد، والآراء الأخرى في ذلك، يقول في هذا البيت (١):
تقولُ ابْنَتي لمَّا رَأَتنِي شَاحِبًا … كأنك فِينَا يَا أبات غَرِيبُ
"الاستشهاد فيه في قوله: "يا أبات" حيث زاد فيه التاء؛ لأنَّ أصله: يا أبا بالقصر، ولو لم يُعَوِّض لقال: يا أباي؛ كما يقال: يا فتاي، وقال الفارسي: ردَّ اللام وقلبها ألفًا كما تقلب في: قطاة ونحو ذلك، قال ابن سيده: وذهب أبو عثمان المازني في قراءة من قرأ: ﴿يَاأَبَتِ﴾ [مريم: ٤٣]، بفتح التاء إلى أنَّه أراد: يا أبتاه، فحذف الألف وأراد: يا أبتا، فقدم الألف وأخر الياء، وقال أبو حيان: وزعم بعض رواة اللغة من البغداديين أن قول الشاعر:
......................... … ....... يا أبات .................
إنما أراد: يا أبتي فقلب، وهذا ممتنع بعيد؛ لأنَّه يلزم على هذا أن تكون تاء التأنيث قد لحقت بعد الياء التي هي اسم المتكلم، وهذا لا يجوز ولم يوجد في موضع، ومع ذلك فإن التاء في: يا أبت في تقدير الإضافة، وقال أبو حيان: والأصل في مثل هذا البيت تخريجه على الإشباع؛ كما قال الراجز:
стр. 52
أعوذ بالله من العقراب … .........................
وقاس سيبويه:
لا يزالون يقولون يا أبات … ................................ ".
ثاني عشر: سرد شواهد بعض الأبواب حيثما اتفق:
لم يسرد العيني أبيات الشواهد مرتبة حسب ما جاءت في الشروح، وإنَّما كان يضعها في بعض الأبواب حسبما يتفق، وكان الواجب أن يتحرى وضعها مرتبة على ما جرت عليه في شروح الألفية؛ لأن قارئ كتابه سبق له أن قرأ الشروح الأربعة التي يشرح شواهدها، فهو يعرف الشواهد في ذهنه، ويعرف مواضعها من الباب، ولعل هذا لم يكن من أهداف العيني الكبيرة بقدر ما كان يهمه شرح الأبيات والشواهد واحدًا بعد الآخر، وعلى كل حال لم يقع العيني في ذلك الخلط إلَّا في أبواب يسيرة من كتابه:
من ذلك باب إعراب الفعل، وأبيات المضارع المنصوب؛ فالمعهود كما مشى ابن مالك في الألفية أن يبدأ بشواهد لن ثم كي ثم أن وأنواعها من مصدرية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة، ثم شواهد إضمارها وجوبًا، ثم شواهد إضمارها جوازًا، ويختم الباب بشواهد حذفها شذوذًا، من مثل قول الشاعر، وهو طرفة (١):
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِيُّ أحضرَ الوَغَى … وأن أشهدَ اللذَّات هل أنت مُخْلدِي؟
ولكن العيني لم يراعِ ذلك، بل وضع أبيات الباب كلها أمامه، ثم أخذ يشرحها دون ترتيب حيث يذكره بشواهد كي ثم أن وأنواعها، ثم إذن، ثم مواضع إضمار أن وجوبًا، ثم حتَّى، ثم مواضع إضمار أن جوازًا، ثم حذفها دون المواضع المذكورة، ثم عاد لكي، ثم إذن ثم أن الزائدة، ثم مواضع إضمار أن وجوبًا بعد فاء السببية، ثم ختم الباب بهذا البيت الذي مكانه أول الباب، وهو قوله (٢):
وأُقْسِمُ أَنْ لَو التَقَينَا وَأنتمُ … لكانَ لكُم يَوْمٌ من الشَّرِّ مُظلِمُ.
ثالث عشر: عرض المسائل النحوية الدقيقة:
لم يقتصر العيني على شرح مفردات البيت أو إعرابه، وبيان وجه الاستشهاد، وإنَّما كان ينتهز أي فرصة ليتكلم أو يعرض المسائل النحوية الدقيقة، ويورد الآراء المختلفة فيها، انظر إليه مثلًا
стр. 53
وهو يتحدث عن إعراب هذا الشاهد، وهو قوله (١):
وَكَم مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى … بأَجْرَامِهِ مِن قنَّة النيق مُنهَوى
يقول: "وأمَّا لولاي ولولاك ولولاه فقليل، ثم مذهب سيبويه والجمهور هي جارة للضمير مختصة به؛ كما اختصت حتَّى والكاف بالظاهر، ولا يتعلق لولا بشيء، وموضع المجرور بها رفع بالابتداء والخبر محذوف.
وقال الأحفش: الضمير مبتدأ، ولولا غير جارة، ولكنهم أجابوا الضمير المخفوض عن المرفوع؛ كما عكسوا؛ إذ قالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
وقال النحاس: لولاك ولولاي إذا أضمر فيه الاسم جر، وإذا ظهر رفع.
وذكر العيني أن أبا العباس لا يجيز: لولاي ولولاك؛ لأنَّ هذا ضمير جر، والاسم الظاهر يكون مرفوعًا، وصحته: لولا أنت، ثم رد عليه بورود هذا الشاهد، فكيف ينكره، وهو كلام فصيح.
وفي مثل توكيد الحرف دون ما اتصل به في مثل قول الشاعر (٢):
إِنَّ إنَّ الكَريمَ يَحْلُمُ مَا لَم … يَرَيْنَ مَنْ أَجَارَهُ قَدْ ضِيمَا
يقول العيني: "الحرف لا يعاد إلَّا مع ما اتصل به، أو لكونه كالجزء منه نحو: إن زيدًا إن زيدًا قائم، ولا يعاد وحده إلَّا في الضرورة، نص عليه ابن السَّرَّاج، وأجاز صاحب الكشاف ذلك من غير إعادة اللفظ المتصل، واحتج على ذلك بقول الشاعر المذكور، وتبعه على ذلك ابن هشام الخضراوي، ورد عليه ابن مالك في شرح التسهيل، وقال: قوله مردود؛ لعدم إمام بسند إليه وسماع يعتمد عليه".
رابع عشر: عرض الرأيين للعالم الواحد من كتبه المختلفة:
لا يكتفي العيني بذكر الرأي الواحد في المسألة للقائل به، وإنَّما يذكر الرأيين للعالم بناءً على ما ذكره في كتابين مختلفين، فمثلًا قول الشاعر متغزلًا (٣):
إن سَلْمَى منْ بعد يَأْسي هَمَّتْ … بوصالٍ لَوْ صَحَّ لم يبق إلَّا بُوسًا
عيَّنَت ليلة فَمَا زلْتُ حتَّى … نِصفِها زاجِيًا فَعُدْتُ يَؤُوسًا
стр. 54
يقول: "الاستشهاد في قوله: "حتى نصفها" فإن ابن مالك استدل به على أنَّه لا يشترط في مجرور (حتَّى) كونه آخر جزء، ولا ملاقي آخر جزء، وهذا الذي ذكره في التسهيل، وأمَّا ما ذكره في شرح الكافية فهو ما ذهب إليه الزمخشري والمغاربة، من أن المجرور بحتى يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء، بخلاف (إلى)، لو قلت: سرت النهار حتى نصفه لم يجز، ولو قلت: إلى نصفه جاز".
خامس عشر: اتجاه العيني وميوله نحو المذهب البصري:
يعقد الأستاذ الذي عمل رسالة في فرائد القلائد مبحثًا بعنوان: "دلالة الكتاب على اتجاه العيني النحوي" فيقول (١): "هذا الكتاب في مجمله يدل على أن اتجاه العيني النحوي يتفق في أغلبه مع مذهب البصريين، وربما يرجع سبب ذلك على شيوع هذا المذهب في مصر والشام بعد سقوط بغداد، حيث صار القطران ملتقى العلماء النازحين من بغداد إليهما، ثم ذكر بعض المسائل التي اختار فيها العيني مذهب البصريين منها:
- سد الفاعل مسد الخبر بشرط الاعتماد على نفي أو شبهه.
- إعراب ما بعد لولا مبتدأ محذوف الخبر.
- جواز تقديم الخبر على المبتدأ.
- إهمال ما الحجازية إذا انتقض النفي بإلا.
- إعمال ثاني المتنازعين.
ثم قال: "ومع ميوله للبصريين، إلَّا أنَّه يرجح رأي غيرهم، ومن ثم نجده أحيانًا كوفيًّا، لم يسرد بعض المسائل التي وافق فيها الكوفيين منها:
- جواز إعراب حين وبنائها إذا أضيفت إلى الجملة الاسمية.
- جواز توكيد النكرة المحدودة توكيدًا معنويًّا.
- جواز حذف حرف النداء قبل اسم الإشارة.
ثم يختم البحث قائلًا: "إن العيني نحوي يتخير من المذاهب النحوية أفضل آرائها، فهو ليس بصريًّا صرفًا، ولا كونهما صرفًا، وإنَّما يغلب على آرائه المذهب البصري، فهو قد جمع بين النزعتين؛ لكنَّه يميل إلى ترجيح رأي البصريين".
* * *
стр. 55
الفصل السادس: كتاب المقاصد (التأثر والتأثير)
يتكون هذا الفصل من شقين:
الأول: تأثر العيني في كتابه بمن سبقه من العلماء وما جاء في هذا الكتاب من آثار لهؤلاء العلماء.
الثَّاني: تأثير العيني وكتابه فيمن خلفه من العلماء، وما جاء منه في كتب وآثار هؤلاء العلماء.
أما عن الشق الأول، وتأثر العيني بمن سبقه فيكفي أن تقرأ الفصل الرابع من هذه الدراسة لتجد العيني قد ملأ كتابه بكتب السابقين وحشاه بآرائهم، ومؤلفاتهم على اختلاف مناحيها ومشاربها.
فمن كتب النحو واللغة تأثر العيني بكتاب سيبويه، وكتاب المقتضب للمبرد، وكتب النحو ومتونه، وشروح هذه المتون مثل: المفصل للزمخشري، وشروحه، والكافية لابن الحاجب، وشروحها، والألفية والتسهيل لابن مالك وشروحهما.
تأثر العيني أيضًا بمؤلفات ابن عصفور وابن مالك وابن هشام وغيرهم، وكما ظهر أثر كتب النحو في الإعرابات والاستشهادات ظهر أثر كتب اللغة والمعاجم المختلفة في شرح الأبيات، ومعاني المفردات كالصحاح للجوهري، والنوادر لأبي زيد، وغير ذلك، وهو كثير.
وأمَّا كتب شروح الشواهد التي ظهر أثرها في كتاب المقاصد النحوية فهي كثيرة، مثل شروح ديوان الحماسة لأبي تمام على اختلافها، وشروح الأعلم الشنتمري؛ كشرحه للأشعار الجاهلية، أو شرحه لشواهد سيبويه.
وليس ذلك فقط؛ بل انعكست ثقافة العيني التاريخية التي لها علاقة بالشاهد الذي يذكره
стр. 56
أو القصيدة التي يشرحها؛ إذ قد جاء في كتاب المقاصد نقول كثيرة من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب الحيوان للجاحظ، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القاضي، وغيرها.
وأمَّا مقطوعات الشعر، ودواوين الشعراء، فقد ظهر ذلك جليًّا في الكتاب المذكور، فما من بيت من أبيات الشواهد التي شرحها العيني، إلَّا وقد ذكر فيه مقطوعة أو عددًا كبيرًا من أبيات القصيدة التي منها الشاهد، وقد سردنا في الفصل المذكور الدواوين التي رجع إليها العيني، والتي زادت على المائة، فلتراجع هناك.
وأمَّا الحديث عن الشق الثَّاني، وتأثير كتاب المقاصد النحوية للعيني فيمن جاء بعده، أو ما تلاه من الكتب، فنقول:
"إن كتاب المقاصد قد ألفه صاحبه من ستة قرون مضت، وقد ظل مقطوعًا لا يعرفه أحد، إلى وقت قريب ظل الكتاب حبيسًا في البيوت أو المكتبات العامة، لا يراه ولا يعرفه إلَّا واحد أو اثنان أو ثلاثة من العلماء بعد النسخ المخطوطة له، وحين طبع من مائة وخمسة وعشرين عالمًا لم يطبع كتابًا مستقلًّا يراه النَّاس ويعرفه الطلاب، وإنَّما طُبع على هامش خزانة الأدب للبغدادي، وعلى ذلك فإن الكتاب الأصلي المطبوع أو المقصود بالطباعة، إنَّما كان كتاب خزانة الأدب، أما الكتاب الفرعي أو الذي طبع تكملة، إنَّما كان كتاب المقاصد.
لقد ظل كتاب المقاصد مجهولًا لا يعرفه النَّاس، ولا يقف عليه العلماء، أو يستفيدون منه حتَّى وقتنا الحاضر، وما طُبع على هامش حاشية الصبان، إنَّما هو نزر يسير ممَّا في الكتاب، بعنى أن المطبوع كان شيئًا لا قيمة له بقيمة ما في الكتاب من فوائد.
ومع ذلك كله تستطيع أن تقول: إن هناك عالمين كبيرين وشارحين عظيمين للشواهد، انتفعا بكتاب المقاصد، وظهر أثره في كتبهما، وهما الإمام عبد القادر البغدادي (١٠٩٣ هـ) في كتابه: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، وهو الكتاب الذي يشرح فيه شواهد شرح الكافية المرضي (٦٨٦ هـ)، وشرح أبيات مغني اللبيب الذي يشرح فيه شواهد المغني لابن هشام.
وأمَّا الإمام الآخر فهو السيوطي (٩١١ هـ) الذي شرح شواهد مغني اللبيب أيضًا.
أولًا: كتاب خزانة الأدب للبغدادي: اعتمد البغدادي وهو مؤلف كتابه المشهور: "خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب" على كتاب المقاصد للعيني، وجعله مرجعًا من مراجعه الكثيرة، وقد اعترف بذلك في أول كتابه حين سرد المؤلفات التي أخذ منها ونقل عنها (١).
стр. 57
لقد نقل البغدادي عن العيني في كتابه المقاصد نقولًا كثيرة، فما من بيت اشترك في شرحه الإمامان البغدادي والعيني، إلَّا وقد وجدت الإمام عبد القادر البغدادي يشير إلى العيني وكتابه المقاصد النحوية، لقد بلغت أبيات الخزانة تسعمائة وسبعة وخمسين ييتًا، وقد جاء أكثرها في كتاب المقاصد الذي بلغت شواهده ألف عن ومائتين وثمانين؛ أي أنها تزيد على شواهد الخزانة بأكثر من ثلاثمائة بيت.
لقد كنا ونحن نحقق كتاب المقاصد نضع أمامنا كتاب الخزانة دائمًا، وبخاصة إذا اشترك الإمامان في شرح بيت، كُنَّا نرجع إلى كتاب الخزانة في تصحيح نص أو توثيق بيت الشعر، أو قراءة صحيحة للنص، أو غير ذلك ممَّا يتطلبه التحقيق.
ولقد تتبعنا الفهرس الذي صنعه الأستاذ عبد السَّلام هارون لكتاب الخزانة، فوجدنا الإمام عبد القادر البغدادي قد نقل من كتاب المقاصد ثلانمائة وعشرين نقلًا، وكان في بعض النقول يسميه باسمه، وهو كتاب المقاصد النحوية، أو يسميه باسم صاحبه فيقول: "وقال شارح شواهد الألفية".
وكان الإمام عبد القادر ينقل من العيني مادحًا أو قادحًا أو ساكتًا، إلَّا أنَّه في أكثر النقول كان يغلب عليه القدح، ولا عجب في ذلك، فالإمام عبد القادر من شراح الشواهد العظماء، فإذا وجد من قصر في ذلك نبه عليه، وقد فعل ذلك مع العيني وغيره.
كانت نقول الإمام عبد القادر من العيني كثيرة مختلفة، شأنه شأن اطلاعاته الواسعة، فهنا تفسير لكلمة، وذاك إعراب لها، وهذا بيان لمعنى البيت، وذاك سرد لحادثة تاريخية، وهذا تنبيه على خطأ وقع فيه العيني في تفسير مفردة، وهذا تصحيح لإعراب أعربه العيني على غير وجهه، وهكذا، وسيرى ذلك القارئ في تحقيقنا لكتاب المقاصد؛ حيث كُنَّا نشير إلى تعليق الإمام عبد القادر البغدادي، وكلامه للذي وصمناه بالمدح، أو القدح، أو السكوت.
ولم يظهر أثر كتاب المقاصد في كتاب الخزانة وحده للإمام عبد القادر، وإنَّما امتد أثره أيضًا إلى كتابه الآخر في شرح الشواهد، وهو شرح أبيات مغنى اللبيب لابن هشام، حيث وجدت عدة نقول في هذا الكتاب من المقاصد بلغت أكثر من مائة نقل.
ثانيًا: كتاب شرح شواهد المغني للسيوطي: وكما اعتمد البغدادي على كتاب المقاصد وجعله، مرجعًا في تأليفه وكتبه، فعل ذلك السيوطي في كتابه الذي شرح به شواهد مغني اللبيب، فلقد اعتمد السيوطي على كتاب المقاصد اعتمادًا يفوق صاحب الخزانة، حيث نقل السيوطي من
стр. 58
المقاصد نقولًا كثيرة مطولة تبلغ الصفحة والصفحتين، نبه على ذلك أو لم ينبه.
وقد ظهر ذلك لنا ونحن نحقق كتاب المقاصد؛ حيث كُنَّا نرى النقل الطَّويل لتفسير مفردات البيت عند السيوطي؛ كما هي عند العيني، وكنا نجد كثيرًا من مقطوعات الشواهد عند السيوطي؛ كما هي عند العيني.
لقد تأثر السيوطي في شرحه لشواهد مغني اللبيب للسيوطي بالعيني تأثرًا كبيرًا؛ حيث كان ينقل منه قصيدة البيت، وشرح القصيدة كلها، ولا يترك إلَّا كلمة: "قوله" التي تميز بها العيني، وكان يلقب كتابه بقوله: "قال العيني في الكبرى" (١).
هذا بيت من الرجز، وهو قوله (٢):
قَدْ سَالمَ الحَيَّاتِ مِنْهُ القَدَمَا … الأُفْعُوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
ذكره السيوطي في شرحه (٣)، ثم أتبعه بأبيات الأرجوزة، وبعد سرد الأبيات أتبعه السيوطي بشرح الأبيات، ووجدت الأمر كما فعله العيني تمامًا بتمام.
وعلى ذلك فإن كتاب المقاصد من الكتب الأساسية التي اعتمد عليها السيوطي في شرحه لشواهد أخرى.
كتب أخرى تأثرت بكتاب المقاصد: ولم يقف تأثير كتاب المقاصد الكبرى للعيني على كتب الإمامين عبد القادر البغدادي، وجلال الدين السيوطي فحسب، بل امتد تأثيره إلى كتب أخرى، فهذا كتاب شرح فيه صاحبه شواهد همع الهوامع للسيوطي، وهو كتاب: (الدرر اللوامع على همع الهوامع شرح جمع الجوامع في العلوم العربية) للعلامة الفاضل الشَّيخ أحمد ابن الأمين الشنقيطي المتوفى (١٣٣١ هـ)؛ حيث وجدت في الكتاب المذكور عدة نقول أيضًا من كتاب المقاصد، ولا عجب في ذلك، فكلاهما يسير في طريق واحد، وكلاهما يقصد إلى هدف واحد، وهو شرح الشواهد النحوية.
وهنا أمر يجب أن ننبه عليه ونشير إليه، له علاقة بتأثير كتاب المقاصد فيمن جاء بعده، نختم به هذا الفصل، هو أن جامعي الدواوين والقصائد والمقطوعات في العصر الحديث اعتمدوا على كتاب المقاصد كثيرًا في سرد القصائد والمقطوعات، وبخاصة الدواوين التي فقدت، أو الشعراء
стр. 59
المغمورون الذين لم يكن لهم ديوان مجموع مخطوط في القديم، ويظهر ذلك في طبعات الدواوين المختلفة، أو تحقيقها في العصر الحديث، وهو أمر مشهور يعرفه المحققون والأدباء، فقد اعتمدوا على كتاب المقاصد للعيني مرجعًا وتوثيقًا وتصحيحًا؛ كما اعتمدوا على مجاميع الشعر المختلفة كالحماسيات والمفضليات.
* * *
стр. 60
الفصل السابع: كتاب المقاصد (النقد والتقويم)
مؤلف كتاب المقاصد رجل ذو خبرة وعين ناقدة بصيرة، رجل تخصص في التاريخ، قرأه فاعتبر، ووقف عليه فاتعظ وتأثر، عرف الدول كيف تقوم ثم تذهب، وشموس الملوك والسلاطين كيف تشرق ثم تغرب، وكل نجم يبزغ، له في السماء نجوم ألداء، وحساد، وأعداء.
وهكذا كان العيني حساده كثيرون، والحاقدون عليه لا يعدون ولا يحصون، ومن هنا امتلأت مقدمات كما نبه وخواتيمها بالنقود من هؤلاء الحساد، وأن يبعدهم الله عنه، ويكون لهم بالمرصاد.
طلب العيني من قارئ كتبه أن يصغوا عما فيها من زلات، وأن يتذكر أن فيها كثيرًا من الحسنات، وأن الله قد قال في محكم الآيات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، طلب العيني من قارئ كتبه أن يضع نصب عينيه قول المتنبي:
فَإِنْ يَكُن الفِعْلُ الذِي سَاءَ واحِدًا … فَأَفْعَالُهُ اللائِي سَرَرْنَ أُلُوفُ
وها هي عدة نقول من كتبه توضح هذه المعاني:
يقول في مقدمة كتابه: (عمدة القارئ شرح صحيح البُخاريّ): "النَّاس فيما تعبت فيه الأرواح على قسمين متباينين، قسم هم حسدة ليس عندهم إلَّا جهل محض، وطعن، وقدح، وعض؛ لكونهم بمعزل عن انتزاع أبكار المعاني، وعن تفتيق ما رتق من المباني.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة … فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
وصنف هُم ذوو فضائل وكمالات، وعندهم لأهل الفضل اعتبارات، المنصفون اللاحظون إلى أصحاب الفضائل والتحقيق، وإلى أرباب الفضائل والتدقيق بعين الإعظام والإجلال، وقليل ما هم، وهم كالكثير، الواحد منهم كالجم الغفير، ولكن أين ذلك الواحد؟ ".
стр. 61
وفي مقدمة كتابه المقاصد يقول: "والمسؤول ممن ينظر فيه، أن يصلح ما يحتاج إلى الإصلاح؛ أداءً لحق الأخوة بالنصح والانتصاح، فإن القلم له هفوة، والجوادَ له كبوة، والإنسان غير معصوم من الخطأ والنسيان، وهما بالنص عنا مرفوعان، وأن يَذْكُرَني بصالح دعواته عَقِبَ صلوَاتِه في خلواته، فإني جعلته خالصًا لوجهه الكريم ابتغاء لمرضاته، وطلبًا لغفرانه العظيم، والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ولا يبرز اللسان عن الجنان إلَّا ما حوى، فها أنا أشرع في المقصود متوكلًا على الله المعبود".
وفي ختام كتابه المذكور يقول: "والمأمول من الناظر فيه ألا يكون من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا من الذين يتصفحون في مبادئه ومقاطعه، وكم من متصرف في المهذب بالزيادة والنقصان، ومن صفوق نحوه أسهم الظن والطعان، جزاء سنمار حين بنى الخورنق للنعمان، وهل هذا إلَّا من حسد ركب الأجساد؟ ولأنهم عزل عما يكني أهل الفضل والاجتهاد، فلذلك تراهم يخرطون القتاد".
ثم يختم كلامه بعد أن يبين فضل كتابه قائلًا: "ومع هذا كله ينتبذ ذو حسد من الجهل اللئام، ومن الطاعنين فيما تعبت فيه أفاضل الأنام، متصديًا للأعراض، متمنيًا فرض أثره بالمقراض لينال بذلك إلى المفاسد من الأغراض، ولكن من له دين قومٍ، أو طبع سليم يستنكف عن نبش المعايب، ولا يرضى لدينه بث المثالب، مذعنًا فيما ظهرت آياته إلى القول، ومتجنبًا فيما قامت بياناته عن النكول، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل".
وفي كتابه عمدة القارئ يقول -أيضًا- في هذا المعنى: "والمأمول من الناظر فيه أن ينظر بالإنصاف، ويترك جانب الطعن والاعتساف، فإن رأى حسنًا يشكر سعي زائره، ويعترف بفضل عاثره، أو خللًا يصلحه؛ أداءً لحق الأخوة في الدين، فإن الإنسان غير معصوم عن زلل مبين:
إنْ تَجِدْ عَيبًا فَسُدَّ الخللا … جَلَّ مَنْ لا عَيبَ فِيهِ وعلا
فالمنصف لا يشغل بالبحث عن عيب مفصح، والمتعسف لا يعترف بالحق الموضح.
فَعَينُ الرضَا عَنْ كُل عَيبٍ كلَيلةٌ … ولكن عَينَ السُّخْطِ تَبدِي المَسَاويَا
وسنحاول في هذا الفصل -إن شاء الله- أن ننتقد العيني في كتابه المقاصد فنذكر محاسنه، ثم نتبعها بمآخذه، فقد عشنا معه ست سنوات كاملة، وقفنا فيها على حسنات وهنات، وليس ما نذكره من حسنات سبع أو ثمان، وما نسرده من هنات مثلها هي كل ما في الكتاب، بل فيه
стр. 62
من الحسنات الكثير، ولكن يكفي من الغيث قطرة، ومن البستان زهرة؛ إنه تقويم عام للكتاب، ووضعه في ميزان النقد، وإعطاء القارئ مقدمة وفكرة عما في الكتاب، حتَّى إذا أخذ في قراءته بابًا بعد باب عرف ما يشتمل عليه كتابه جملة.
محاسن الكتاب:
أولًا: السير على منهج واحد لم يتغير:
اتخذ العيني لنفسه منهجًا لم يتغير طوال كتابه، وشرحه للشواهد، حيث كان يبدأ بسرد البيت ثم يذكر القائل، ثم يترجم له، ثم يذكر البحر العروضي للبيت، ثم يسرد عدة أبيات من قصيدته، أو يسرد القصيدة كلها إن كانت نادرة، أو من منتخبات الشعر وجيِّده، ثم يشرح مفردات البيت، أو الأبيات التي يسردها، ثم يعرب بيت الشاهد إعرابًا كاملًا، يظهر فيه موضع الجمل، وغير ذلك، ثم يختم الكلام بذكر وجه الاستشهاد، وما فعله العيني هو أمر بين الاختصار والتطويل، وبذلك شرح ما يقرب من ألف وثلاثمائة شاهد، في أربعة أجزاء كما يرى القارئ، بخلاف صاحب الخزانة الذي شرح ألف عن أو أقل في أحد عشر جزءًا، وما ذلك إلا لأن صاحب الخزانة قد أطال الكلام في البيت، ونقل نقولًا كثيرة من كتب الأدب واللغة والنحو.
ثانيًا: شرح العيني أبياتًا لم يشرحها غيره:
انفرد كتاب المقاصد بذكر أبيات وشواهد لا توجد إلَّا فيه؛ حيث جمع صاحبه شواهد أربعة كتب وشروح للألفية، فكثرت الشواهد، وانفرد بعضها بوجودها في هذا الكتاب دون غيره، فمثلًا شواهد باب ظن وأخواتها في كتاب المقاصد جاءت قريبة من خمسين بيتًا، بينما جاءت شواهد هذا الباب في كتاب خزانة الأدب للبغدادي لا تزيد على ثلاثة عشر بيتًا (١).
وهناك أبيات كثيرة في أبواب أخرى انفرد بها العيني، فمثلًا هذا الشاهد، وهو قوله (٢):
تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارهًا فَتَرَكْتُهَا … وَكَأَنَّ فراقِيَهَا أَمَرُّ من الصَّبْر
فهذا الشاهد لا يوجد إلَّا في كتاب المقاصد دون غيره من الكتب؛ كالخزانة وغيرها، وهو ليحيى بن طالب الحنفي، قاله حين حنَّ إلى وطنه، وفيه مقطوعة شعرية بلغت ثمانية أبيات من
стр. 63
أرق أييات الحنين إلى الوطن، يقول في أولها:
١ - أحَقًّا عِبَادَ الله أَن لَسْتُ نَاظِرًا … إِلى قَرقَرَى يَومًا وَأَعْلامِهَا الغُبرِ
٢ - كَأَنَّ فُؤَادِي كُلَّمَا مَرَّ رَاكِبٌ … جناحُ غُرابٍ رَامَ نهضًا إِلَى وَكْرِ
ثالثًا: كثرة المسائل النحوية والصرفية في الكتاب:
يعد العيني فارسًا من فرسان النحو والصرف بله الأدب، ما يشهد على ذلك كتاب المقاصد، حيث لم يترك العيني شيئًا من النحو في البيت الذي يشرحه إلَّا وقد أتى عليه وشرحه واجتهد في شرحه، ولا يترك شاردة ولا واردة في الإعراب إلَّا وقد أتى عليها ما يريد جلاء الحقيقة ووضوح اللبس، وفي اعتقادي أن العيني يفوق الإمام عبد القادر البغدادي في هذه الناحية، فإذا كان الإمام عبد القادر يفوق العيني في الأدب، فإن العيني يفوق البغدادي في النحو، ولا أدل على ذلك من هذا البيت، وهو قول امرئ القيس (١):
فلَوْ أنَّ مَا أسعَى لأدْنَى مَعِيشَةٍ … كَفَانِي وَلَم أطْلُبْ قَلِيل مِنَ المالِ
فقد انتشر هذا البيت في كتب النحاة، وكثر كلامهم فيه، كما كثر كلام العيني؛ حيث تكلم فيه صفحتين طويلتين، بينما ذكره الإمام عبد القادر، ولم يتكلم فيه بشيء إلَّا قوله: "هذا بيت من باب التنازع، وقد بينه الشارح المحقق، وأصله من إيضاح ابن الحاجب".
ثم ملأ الإمام البغدادي في البيت عشر صفحات في كتابه الخزانة، كانت كلها في كلام في الأدب، وليس فيها كلمة واحدة في النحو.
أما العيني -كما قلنا- فقد أتى على البيت وصال وجال، وبين معنى لو، وذكر أن هذا البيت يحتمل أن يكون من باب التنازع، وألا يكون، ثم مضى يبين ذلك مطولًا ومفصلًا.
وكان شرح العيني لمفردات الشاهد وبيان معانيها يدعوه لأنَّ يتعرض لمسائل صرفية دقيقة، فكان يذكر باب الماضي مع المضارع في كثير من الأفعال، وإذا كان للمضارع بابان ذكرهما أيضًا، انظر إليه، وهو يشرح هذا الشاهد (٢):
يا رُبّ يومٍ لي لا أُظَلَّلُهْ … أُرْمَضُ مِن تحتُ وأُضْحَى مِنْ عَلُهْ
يقول: "وأُضحى" على صيغة المجهول -أيضًا- من ضحيت الشَّمس ضحاء ممدودًا، إذا برزت، وضحت ضحاء بالفتح مثله، والمستقبل أضحى في اللغتين جميعًا".
стр. 64
ويستمر قائلًا: "الهاء في "من عله" مشكلة؛ لأنها لا تخلو من أن تكون ضميرًا، أو هاء سكت، فلو كانت هاء الضمير لوجب أن يقال: من عله بالجر؛ لأنَّ الظرف لا يبنى في حال إضافته، ولا تكون هاء السكت؛ لأنَّ هاء السكت لا تدخل معها حركة بناء تشبه حركة المعرب، ولذلك لا تدخل على الماضي لمضارعته المضارع، وحركة هذا الضرب من المبنيات تجري مجرى حركة المعرب ثم ذكر أن الهاء بدل من الواو، والأصل: علو".
وهكذا لا تقابله مسألة نحوية أو صرفية إلَّا ذكرها وبينها وعللها.
رابعًا: ضبط كلمات البيت ضبطًا تامًّا:
عني العيني بالضبط الصَّحيح للكلمات ضبطًا تامًّا بالحروف والصورة والشكل حتَّى لا تلتبس بغيرها، فيقول: "الشيمة" بكسر الشين المعجمة، و "الأريب" بفتح الهمزة، وكسر الراء، وشاحبًا بالشين المعجمة، والحاء المهملة، والباء الموحدة: من شحب لونه يشحب، إذا تغير فهو شاحب، ولا يترك القارئ يتخبط في الكلمة وضبطها ونطقها، وهو شيء محمود.
وفي الشاهد السابق، وهو قوله (١):
يا رُبّ يوم لي لا أُظَلَّلُهْ … أُرْمَضُ مِن تحتُ وأُضحَي مِنْ عَلُه
يقول: "لا أظلله" على صيغة المجهول من الظل، و "أُرمض" على صيغة المجهول أيضًا، و "تحت" أصله: من تحتي بالإضافة إلى ياء المتكلم، فلما قُطع عن الإضافة بُني على الضم، و "عله" بضم اللام وفتح العين وسكون الهاء.
وهكذا لا يترك القارئ يحار في النطق، وإنما يوضح له ويبين له النطق الصَّحيح لكلمات البيت، وهو ممَّا يدل على الدقة في العلم.
خامسًا: لا يثق إلَّا في نفسه، وفيما تراه عينه:
كان العيني دقيقًا في أحكامه لا يقبل كل ما كتب، وكل ما جاء من غيره، وإنما يتحرى بنفسه، ويبحث عن الحقيقة بحسه، انظر إليه وهو يشرح هذا البيت (٢):
فَبَكَى بَنَاتي شَجوهُنَّ وَزَوجَتي … وَالطَّامِعُونَ إِليَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا
ثم يقول: "أقول: قيل: إن قائله هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، من قصيدته
стр. 65
المشهورة التي أولها هو قوله:
أمنَ المنُونَ ورَيبُها تتوَجَّعُ … والدَّهرُ ليسَ بمعْتِبٍ مَنْ يجزع
ولم أجده في القصيدة المذكورة ولا في ديوانه، والحقُّ أنَّه ليس منها، ولكنه لما كان من بحرها وهو بحر الكامل وقريبًا منها ربما ظُن أنَّه منها.
وإذا لم يستطع التحري أسند العلم إلى صاحبه؛ ليكون على مسؤوليته، يقول في شاهد: قائله عويف القوافي، قاله الصغاني، أو قائله أبو زبيد الطَّائي، قاله اللخمي في شرح أبيات الجمل.
سادسًا: تصحيح أخطاء السابقين:
كان العيني لا يقبل كل كلام يُلقى إليه ممن سبقه، فقد يكون ما جاءه من غيره خطأ، وهكذا انظر إليه وهو يشرح هذا البيت (١):
وَرَدَّ جَازِرُهُم حرفًا مُصّرّمَةً … ولا كَريمَ مِنَ الولدان مَصْبُوحُ
يقول بعد أن أنشد البيت: "وفيه خطأ من وجهين:
أولهما: أن الزمخشري نسب البيت إلى حاتم الطَّائي؛ كما أن الجرمي نسبه إلى أبي ذؤيب.
ثم قال: والصَّواب أنَّه لرجل جاهلي من بني النبيت (٢) جمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند مأوية بنت غفزر خاطبين لها، فقامت حاتمًا عليهم وتزوجته، فقال هذا الرجل شعرًا، وأوله هو قوله (٣):
هذا سألتِ النبيتيَين ما حَسَبِي … عندَ الشتاء إذا ما هبتِ الريحُ
الخطأ الثاني: أن هذا البيت أنشده النحويون، من أول سيبويه وأبي علي الفارسي حتَّى ابن الناظم هكذا كما هو مكتوب في صدر الكلام".
قال العيني: "وهذا البيت ممَّا ركب فيه صدر بيت على عجز آخر" ثم سرد البيتين صحيحين هكذا:
٢ - وَرَدَّ جَازِرُهُم حرفًا مُصّرَمَةً … في الرأسِ منهَا وفيِ الأَصلاءِ تمليحُ
٣ - وقال رائدُهُم سيَّانَ ما لَهُمُ … مثلان مثلٌ لمن يرعى وتسريحُ
٤ - إذا اللقاحُ غدت مُلقًى أصِرَّتُهَا … ولا كَرِيمَ مِنَ الولْدَانِ مَصْبُوحُ
стр. 66
سابعًا: التخفيف عن القارئ بذكر ما هو بعيد عن النحو واللغة:
يعد كتاب المقاصد كتابًا جامعًا، فيه النحو واللغة والحوادث والتاريخ، فعل ذلك مؤلفه حتَّى لا يمل القارئ من رتابة ما يقرأ، وما يتكرر في كل بيت من إعراب وشاهد وغير ذلك.
لقد كان العيني يتحف القارئ بقصة جميلة في بعض الأبيات تخفف عنه ثقل الإعراب، أو شرح المفردات، أو بيان الشاهد، هذا بيت ذكره وهو قول كُثير عزة (١):
قضَى كُلُّ ذِي دَينٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ … وَعَزَّةُ مَمْطُولٍ مُعَنًى غَريمُهَا
يقول وهو يشرح معنى البيت: "إن عزة دخلت على أم البنين بنت عبد العزيز، وهي أخت عمر بن عبد العزيز ﵁، زوجة الوليد بن عبد الملك الأموي فقالت لها: أرأيت قول كثير:
قضَى كُلُّ ذِي دَينٍ فَوَفَّى غَريمَهُ … .......................... إلخ
ما كان ذلك الدين؟، قالت: وعدته قبلة فخرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها".
كما يذكر في هذا البيت -أيضًا- أن عطارًا لكثير وهب عزة ثمن بضاعة اشترتها منه، فأعجب كثير بفضله وأعتقه ووهب له ما في حانوت العطر حبًّا وكرامة لعزة.
ويحكي قصة سوداء الغميم، ومرضها، وكلف العوام بن عقبة بها، ومجيئه إليها يزورها، وذلك في قوله (٢):
وَخُبِّرتُ سَوْدَاءَ الغَميم مَرِيضَةً … فَأَقبَلْتُ منْ أَهْلي بمصْرَ أَعُودُهَا
- ويحكي قصة الزباء، وقتلها نفسها قائلة: "بيدي لا بيد عمرو" وهو: عمرو بن أخت جذيمة الأبرش، وهي قصة طويلة جاء ذكرها في هذا البيت (٣):
مَا لِلجَمَالِ مَشْيُهَا وَئيدا … أَجَنْدَلًا يَحْملنَ أَمْ حَديدا
ونعود إلى ما قلناه أول الفصل: أن الكتاب مليء بكثير من المحاسن لكن يكفي من الغيث قطرة.
مآخذ الكتاب:
وهي مآخذ عامة لا تنقص من قيمة الكتاب، تتعلق بالشاهد، والقصيدة التي منها الشاهد،
стр. 67
وقائل الشاهد، وهي أيضًا مآخذ لا تغض من قيمة الكتاب؛ لأنها لا تتكرر كثيرًا بل منها المثال، أو المثالان أو الثلاثة.
أولًا: سرد القصيدة جملة واحدة:
كان العيني يسرد القصيدة التي منها الشاهد، والتي قد تبلغ ثلاثين أو أربعين بيتًا جملة واحدة، ثم يأخذ في شرحها بعد ذلك فيئًا بعد آخر، فيحار القارئ في أي بيت يشرح، وفي أي مكان في القصيدة يفسر، ولو أنَّه سرد خمسة أبيات، ثم شرحها، ثم أعقبها بخمسة أخرى بشرحها حتَّى ينتهي من القصيدة لكان أفضل وأجدى، وانظر مثالًا على ذلك أرجوزة رؤبة بن العجاج التي مطلعها وشاهدها قوله (١):
وقاتِم الأَعْماقِ خاوي المُختَرَقْ … مُشْتَبِه الأَعْلام لَمّاع الخَفَق
وقد بلغت واحدًا وسبعين ومائة بيت من الرجز المشطور، سردها كلها مرَّة واحدة، ثم شرحها بعد ذلك في خمس عشرة صفحة، ومثل ذلك قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي بلغت أربعة وسبعين بيتًا من بحر الطَّويل، والتي أولها (٢):
أَمنْ آلِ نُعْم أَنْتَ غَاد فَمُبْكِرُ … غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائحٌ فَمُهَجِّرُ
سردها كلها مرَّة واحدة، ثم شرحها بعد ذلك بيتًا بيتًا.
ثانيًا: سرد بعض أبيات القصيدة حيثما اتفق:
كان العيني يذكر الشاهد، ثم يذكر بعده عدة أبيات حيثما اتفق دون تفريق بين الجيد والأجود، بل كان يتوقف عن السرد، وبعض المعاني ناقصة.
ففي قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، والتي منها هذا الشاهد وهو قوله (٣):
هل الدَّهرُ إلَّا لَيلَةٌ وَنَهارُهَا … وإلا طُلُوعُ الشَّمْس ثُمَّ غَيَارُها
ذكر عدة أبيات كان آخرها قوله:
فَمَا أُمُّ خَشْفٍ بالعَلابَة فاردٌ … تَنُوشُ البَرير حَيثُ نَال اهْتصَارُهَا
وفيه ذكر اسم ما الحجازية، وترك خبرها في بيت قال، وهو قوله (٤):
بأَحسَنَ منهَا يوم قَامَت فَأَعرَضَت … تُواري الدموع حين جَدَّ انحدَارُهَا
стр. 68
ثالثًا: الخطأ في ذكر مطلع القصيدة:
كان العيني يذكر الشاهد ثم يتبعه بقوله: وهو من قصيدة أولها كذا، ونعود للديوان فلم نجد الأمر كما ذكره، ففي قول جرير (١):
فغُضّ الطَّرْفَ إنَّكَ من نُمَير … فلا كعبًا بلَغْتَ ولا كلابًا
يقول: "أقول قائله هو جرير بن الخطفى وهو من قصيدة من الوافر، أولها هو قوله:
لَنَا حَوضُ الحَجِيجِ وَسَاقِيَاهُ … ومَنْ وَرِثَ النُّبُوَّةَ والكِتَابَا
بينما المطلع في ديوان جرير، وفي جميع طبقات الديوان قوله (٢):
أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابا … وَقولي إن أَصَبتُ لَقَد أَصابا
وهو نفسه قد خالف في هذا البيت -أعني: أقلي- فجعل أول قصيدته، وقد سرد منها تسعة أبيات (٣).
- ومثل ذلك قوله (٤):
فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤَادِ مُبطَّنًا … سهْدًا إِذَا مَا نَامَ لَيلُ الهَوْجَلِ
قال العيني: "قائله هو أبو كبير الهذلي، واسمه: عامر بن الحليس الجرُبي، وهو من قصيدة لامية من الكامل قالها في تأبط شرًّا، وكان زوج أمه، وأولها هو قوله:
ولقَدْ سَرَيتُ عَلَى الظَّلامِ بِمِغشَم … جَلدٍ مِنَ الفتْيَانِ غَيرِ مُثَقَّلِ
والذي ذكره العيني ليس مطلع القصيدة، بل هو البيت الرابع عشر فيها، أما مطلعها فهو قوله (٥):
أزهيرٌ هلْ عَنْ شَيبَةٍ مِنْ مَعْدَلٍ … أم لا سبيلَ إلى الشبابِ الأولِ؟
وقد ذكر المطلع صحيحًا في شاهد آخر، وهو قوله (٦):
مَا إنْ يَمَسُّ الأَرضَ إلَّا مِنكَبٌ … منهُ وحَرفُ السَّاق طَيَّ المحمَلِ.
стр. 69
رابعًا: نسبة بعض الأبيات إلى غير قائلها:
وهذا الأمر ليس بالكثير، وإنَّما يوجد منه المثال والمثالان، من ذلك قوله (١):
تُهَاضُ بِدَارٍ قَد تَقَادَمَ عَهدُهَا … وَإمَّا بأَمْوَات ألَمَّ خَيَالُهَا
نسبه العيني إلى ذي الرمة، والصحيح أنَّه للفرزدق (٢)، وقد ذكر ذلك أيضًا أي النسبة الصحيحة صاحب خزانة الأدب (٣)، والعيني تابع في هذه النسبة ابن مالك؛ فقد نسب الشاهد المذكور لذي الرمة (٤).
ومن ذلك قوله (٥):
فيَا شَوْقَ مَا أبْقَى ويَا لي مِنَ النَّوَى … ويا دَمعُ ما أجْرَى ويا قلبُ ما أصْبَا
قال العيني بعد إنشاده: "أقول: قيل إنه من كلام المحدثين وهو الظاهر"، ونقول: إن البيت للمتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة الحمداني بدأها بالغزل (٦).
خامسًا: يذكر أن الييت مجهول، وقد اكتشفنا قائله:
وهذا الأمر -أيضًا- لا يوجد منه عدد كثير من الأبيات، وفيه ذكر العيني أن قائل البيت مجهول، أو لم يقف عليه، بينما اكتشفنا قائله، أو وجدناه في مراجع أخرى، من ذلك قوله (٧):
حَتَّى إِذَا رَجَبٌ تَوَلَّى وَانقَضَى … وجُمَادِيَّانِ وَجَاءَ شَهرٌ مُقبلٌ
قال العيني: "أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل"، ونقول: البيت لأبي العيال الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين (٨).
ومن ذلك قوله (٩):
وَلَسْتُ أَبَالي بَعدَ فَقدي مَالِكًا … أَمَوتِي نَاءٍ أَم هُوَ الآنَ وَاقعُ
قال العيني: "لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل"، ونقول: البيت لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك (١٠).
стр. 70
ومن ذلك -أيضًا- قوله (١):
وَلَيتَ سُلَيمَى في المنام ضَجِيعَتِي … هُنَالِكَ أَمْ في جَنَّةٍ أمَّ في جَهَنَّمِ
قال العيني: "أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل لا، ونقول: البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه (٢).
سادسًا: نسب بعض الأبيات إلى كتب ليست فيها:
وهذا الأمر من فوائد التحقيق؛ حيث ذكر العيني أن هذا البيت أنشده الفراء، وأنشده ابن جني، وأنشده سيبويه، وأعود إلى كتب هؤلاء، وأبحث عن البيت فلا أجده، من ذلك قوله (٣):
مَرُّوا عَجَالى وَقَالُوا كَيفَ سيدُكُم … فَقَال مَن سئلوا أَمْسَى لمجهُودَا
قال العيني: "هذا من أبيات الكتاب، ولم ينُسب فيه إلى أحدًا، ونقول بحثنا عنه في الكتاب فلم نجده.
ومن ذلك قوله (٤):
كَيْ تَجْنَحُونَ إلى سِلْمٍ وما ثُئِرتْ … قَتْلاكُمُ ولظَى الهَيجَاء تَضْطَرمُ
قال العيني: "أنشده سيبويه، ولم يعزه إلى قائله"، ونقول بحثنا عنه في الكتاب، ولم نجده. ومن ذلك -أيضًا- قوله (٥):
أبا عُرْوَ لا تبعَد فَكُلُّ ابنُ حُرَّةٍ … سيدعُوهُ دَاعِي مَيتَة فَيُجيبُ
قال العيني: "أقول: قائله مجهول، كذا قاله ابن يعيش وشارح الجزولية"، ونقول: البيت في شرح المفصل لابن يعيش فقط (٦)، وليس في شرح المقدمة الجزولية "الكبير" لأبي علي الشلوبين.
سابعًا: يشرح أبياتًا ليست في الكتب الأربعة:
وهذا أمر لا يوجد منه إلَّا المثال الواحد أو المثالان، حيث أخذ الشارح على نفسه أن يشرح شواهد شرح ابن الناظم، وشرح المرادي، وشرح ابن هشام، وشرح ابن عقيل، ولكنه شرح شواهد ليست في الكتب الأربعة، ولعلّه قد يكون في يده نسخة من الكتب الأربعة، منها هذا
стр. 71
الشاهد، من ذلك قوله (١):
إلَّا رَسُولَ لَنَا مِنَّا فيُخبرَنَا … ما بعدُ غَايتنَا مِنْ رَأسِ مُجْرَانَا
وقد ذكره شاهدًا على نصب الفعل بخبرنا بأن مضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب التمني.
والبيت لا يوجد في واحد من الكتب الأربعة المذكورة، وإن ذكر أنَّه في شرح المرادي.
ثامنًا: مآخذ ذكرها بعض الباحثين:
ويأخذ الباحث الذي صنع رسالة في كتاب (٢): "فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد على العيني" عدة مآخذ:
- منها أنَّه كان ينقل من الآخرين دون إشارة، ويستشهد على ذلك بنقوله عن ابن مالك من شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية، ونقول عن ابنه بدر الدين في شرحه على الألفية، أو نقوله عن المرادي في شرحه على الألفية -أيضًا-، ونقوله عن ابن هشام من مغني اللبيب، وأوضح المسالك، وتخليص الشواهد؛ كما نقل عن ابن يعيش، وابن عصفور، وغيرهم، دون أن يشير.
ونحن نقول: إن الأمر أسهل من هذا بكثير، فقد ذكر العيني هؤلاء الأعلام كثيرًا، وأشار إليهم، وتكرر ذكرهم في كتاب المقاصد، وغيرهم كثيرًا، وكان العيني أمينًا في النقل عنهم، بذكر موضع النقل من كتبهم؛ بل كان حريصًا على أن يذكر هؤلاء الأئمة في كتابه، فهو يعلم أن ذكرهم والنقل عنهم موافقًا أو مخالفًا يرفع قدر كتابه، ويعلي قيمة شرحه، فإذا نقل مرَّة أو مرتين أو ثلاث دون إسناد، فذلك إنَّما كان للاختصار، أو لاشتهار كتبهم وآرائهم، وإذا تصفح الباحث الكتاب الأصلي لكتابه، وهو المقاصد الكبرى للعيني لوجد صفحاته كلها تمتلئ بهؤلاء الأئمة وغيرهم، وتغص بذكر العلماء، والنقول عنهم في كل فن ومجال.
-كما يأخذ الباحث على العيني اضطرابه في الأسلوب في بعض المواضع، وأن الدكتور: سيد تقي "جامعة الأزهر" ألف كتابًا ذكر فيه عدة مسائل مختلفة أخذها على العيني.
ونقول: إننا قرأنا الكتاب المذكور مرات، وكنا نريد أن نقف فيه على عدة مآخذ علق فيها على كتاب العيني، وعلى شرحه للشواهد، وآلينا على أنفسنا أن نأخذ الكتاب كله، ونضعه في
стр. 72
التحقيق والتَّعليق، ونحدد مآخذ على الشَّرح، وهو ما توجهه قضايا التحقيق؛ إلَّا أننا لم نجد شيئًا ذا بال؛ حيث كُنَّا نقرأ العشر مسائل لا نجد واحدة تستحق التعليق والأخذ، وكلها مآخذ لفظية أسلوبية، أو خلاف في الرأي، أو سهو من العيني غير مقصود.
- وبعد أن يذكر الباحث عدة مآخذ مختلفة يختم ذلك بقوله: "وبعد: فإن هذه الهنات التي وقفت عليها لا تغض من قيمة هذا الكتاب، فهو كتاب أثرى المكتبات العربية لقيمته العلمية، وهذه الهنات لا تقدح في قيمته، وذلك نظرًا لكثرة اشتغالاته الوظيفية، ولأنه عمل بشري، والكتاب مليء بأشياء كثيرة استفاد منها العلماء المعاصرون له، ومن جاء بعدهم حتَّى يومنا هذا (١). انتهى.
* * *
стр. 73
الفصل الثامن: كتاب المقاصد (المخطوط والمطبوع)
نستعرض في هذا الفصل النسخ المخطوطة والمطبوعة لكتاب المقاصد النحوية للعيني، ووصف تلك النسخ، ثم فائدة هذه وعيوب تلك ليكون القارئ على بينة ممَّا يقرأ، فذلك أصل التحقيق.
نستعرض هنا النسخ التي وقعت بأيدينا مخطوطة، ومطبوعة، والتي عملنا فيها نحن الثلاثة ست سنوات (أكتوبر ٢٠٠١ م- فبراير ٢٠٠٧ م) ولو أن هذا عمل فرد لاستغرق أكثر من عشر سنوات.
أولًا: الحديث عن النسخ المخطوطة:
لا شك أن نسخ هذا الكتاب في مكتبات العالم كثيرة، منها ما هو في دار الكتب المصرية حيث ألف العيني الكتاب، ومنها ما هو في غيرها، وعلى كل حال عندما عزمنا على تحقيق الكتاب بعد أن تبينت لنا فوائده، صورنا منها نسختين مخطوطتين، كانتا في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الأولى كانت برقم: (٧٥٤٧ - ٧٥٤٨ ف) والثانية برقم (٢١٤٦ ف)، وقد رمزنا للنسخة الأولى (أ) وذلك تقدم نسخها، حيث نسخت سنة (٨١٧ هـ)، وللنسخة الثَّانية برمز (ب)؛ لأنَّ تاريخ نسخها أحدث ممَّا قبلها، حيث نسخت سنة: (١١٤٢ هـ).
واكتفينا بهاتين النسختين على أن تكون النسخة المطبوعة على هامش الخزانة "طبعة بولاق" هي النسخة الأصلية الصحيحة؛ لأنها تعد كأنها محققة، ثم ظهرت نسخة أخرى مطبوعة أخرى سنة: (٢٠٠٥ م) كما سنتحدث بعد ذلك.
وصف النسخة المخطوطة (أ):
هي نسخة مكونة من جزأين: الجزء الأول مكتوب بخطِّ المؤلف، وقال: إنه فرغ من تأليفه
стр. 74
وكتابته سنة: (٨١٧ هـ)، وهو يبدأ بأول الكتاب، وينتهي عند آخر باب: تعدي الفعل ولزومه، وهذا الجزء عبارة عن: (٣٣٤) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة خمسة وعشرون سطرًا، وكله مكتوب بخط أسود كبير وهو برقم (٧٥٤٧ ف) بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعنوانه: "شرح الشواهد الكبرى للعلامة: محمود بن أحمد العيني" وبقية الصفحة فيها طمس كبير.
وأمَّا الجزء الثَّاني، فهو مكتوب بخطِّ: أحمد بن محمد بن عبد الله الحموي، وهو عبارة عن (٣٦٧) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة خمسة وعشرون سطرًا، ويبدأ هذا الجزء بباب التنازع حيث انتهى الجزء الأول حتَّى آخر الكتاب، وقد كتب في شهر جمادى الثَّانية سنة: (١١١٨ هـ)، وهذا الجزء مكتوب بخط كبير أسود، وهو في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، برقم: (٧٥٤٨ ف) وعنوانه: "الجزء الثَّاني من شرح الشواهد الكبرى لعلامة زمانه: محمود بن أحمد العيني ﵀".
وصف النسخة المخطوطة (ب):
هي نسخة مكونة من جزء واحد، وعدد لقطاتها أربعمائة لقطة بالعنوان، في كل لقطة صفحتان، فكأنها ثمانمائة صفحة بالتمام والكمال، في كل صفحة خمسة وثلاثون سطرًا، وفي كل سطر ثلاث عشرة كلمة، وهي مكتوبة بخطِّ النسخ الجميل، وقد كتب بيت الشاهد والرموز الخاصة به "ظقهع"، والعناوين الخاصة أيضًا بالبيت "الإعراب -وجه الاستشهاد- قوله" بخطّ أحمر مميز، وبقية الكلام بخطّ أسود جميل لا يتعب في القراءة، ولم يكن عيبها إلَّا كثرة السطور في الصفحة الواحدة، ولكن الصبر على قراءتها كان فوق كل شيء.
تبدأ النسخة المذكورة بما بدأ به الكتاب، وهو خطبة المؤلف التي جاء فيها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إياك نحمد يا مَن علمتَنا مِن العلوم ما لم نعلم، وألهمتَنا إبرازَ المعاني بالنون والقلم، وإيَّاك نستعين في كل أمر يبتدأ ويختم، اهدنا صراط من مننت عليهم بالنعم، وأمَّنْتَهم من الغضب والضلال والظلم. وعلى نبيك المختار المستأثر بالحُكْم والحِكَمِ نصلِّي صلاة تدوم إلى يوم حَشْرِ الأمم. وعلى آله وصحبه ذَوى المروآتِ والكَرَمِ .. إلخ".
وتختتم النسخة المذكورة بهذا الكلام، وهو قول العيني: "نسأل الله أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
آمين".
стр. 75
- ثم ذيلت النسخة بهذا الكلام:
"قد نجز بحمد الله تعالى هذا الكتاب الميمون، المحتوي على كل در مكنون، برسم سيدنا ومولانا حجر السعادة، ورضيع ثدي السيادة، نتيجة الدهر والأوان، ونخبة الأماجد والأقران، مكاوي صنوف الآداب بتمامها، ومستخرج زهرات الفضائل من أكمامها، ذي المجد الأثيل، والفجر الجليل، والأعراق الطاهرة، والشيم الفاخرة، سامي الجد والهمم، حاوي الغر والكرم، فرع الشجرة الزكية، وطراز العصابة الهاشمية، جناب حضرة السيد: محمد أفندي الكيلاني، نجل حضرة سيدنا ومولانا السيد: عبد القادر أفندي الكيلاني الحسني الحسيني -أدام الله رفعته- وحرس بهجته، وأبقى بيتهم الطَّاهر عالي العماد، ثابت الأركان والأوتاد، من غير تغيير ولا ائثلام، ولا زالوا ملجأ للخاص والعام، ما دامت الليالي والأيام، والحمد لله على التمام على يد الفقير إليه رحمه الله تعالى محمد الرسامي - عفا الله عنه - تحريرًا في شهر شعبان المبارك من شهور سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين. آمين".
ثانيًا: الحديث عن النسخ المطبوعة:
أولًا: النسخة المطبوعة قديمًا:
النسخة المطبوعة قديمًا هي النسخة التي على هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي، والتي قلنا عنها: إنَّها لم تكن المقصودة بالطباعة، وإنَّما كان المقصود هو كتاب الخزانة، ثم كانت هذه تباعًا على الهامش، ولم يجد النَّاس الباحثون غيرها لكتاب المقاصد رضوا أم أبوا، فكانت لهم المرجع والمصدر الوحيد -طوال أكثر من مائة عام- لهذا الكتاب.
طبعت هذه النسخة في مطبعة بولاق سنة (١٣٠٠ هـ) أو بالتحديد سنة (١٢٩٩ هـ)، فكأن عمرها الآن مائة وخمسة وعشرون عامًا.
تخلو النسخة المذكورة من ضبط الأبيات أو غيرها، وتصعب قراءتها جدًّا أو الرجوع إليها، لخلوها من فهرس أو غيره، ولا يستطيع قراءتها إلَّا باحث اتسم بالصبر والأناة والحرص على العلم، وعندما صورتها دار صادر ببيروت صورتها على ما هي عليه دون زيادة أو نقصان، ودون شكل أو ضبط أو تنظيم، شأنها شأن الكتاب الأصلي فيها، وهو كتاب الخزانة، وعندما حقق الأستاذ عبد السَّلام هارون كتاب الخزانة، وأخرجه للطباعة في طبعة حديثة "أحد عشر مجلدًا