معيد النعم ومبيد النقم
تأليف
الشيخ الإمام قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب السبكي
المتوفى سنة ٧٧١ هـ
مؤسسة الكتب الثقافية
стр. 2
ملتزم الطبع والنشر والتوزيع
مؤسسة الكتب الثقافية فقط
الطبعة الأولى
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م
مؤسسة الكتب الثقافية
الصنائع - بناية الإتحاد الوطني - الطابق السابع - شقة ٧٨
هاتف المكتب: ٢٤٨٢٦٣ - ٢٤٤٣٦١ - المنزل: ٣١٥٧٥٩
ص. ب: ٥١١٥/ ١١٤ - برقيا: الكتبكو - تلكس: ٤٠٤٥٩
بيروت - لبنان
стр. 3
مُعيد النِّعَم وَمُبيد النّقَم
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهمَّ، ونصلِّي ونسلِّم على نبيّك محمد المبعوثُ رحمةً للعالمين، وهاديًا للمسترشدين، وعلى آله وصحبه الهداةِ المهديين.
وبعد؛ فإنَّا نقدِّم للناس كتاب "معيد النعم، ومبيد النِقم" لأبي نصر تاج الدين السبكيّ، في مِعرض جديد، وثوب قشيب، بعد أن بذلنا في تصحيحه وضبطه، وتحقيق متنه، ما يحسُّه القارئ، ونرجو المثوبة من اللَّه عليه.
وقد كانت طبعاته السالفة مشحونة بشتَّى أنواع التحريف والتصحيف وضروب الإِحالة والتغيير!
وإنَّا لنرجو أن يلاقي هذا الكتاب من النَّفاق والإِقبال عليه والانتفاع به ما هو أهله؛ فإنَّه من خير الأسفار، وأجلّ الآثار التي أخرجت للناس.
стр. 6
ترجمة المؤلف
اسمه ومولده ونشأته:
هو عبد الوهاب بن عليّ بن عبد الكافي المعروف بتاج الدين السبكي، ولد بالقاهرة سنة ٧٢٨ هـ، وقال آخرون سنة ٧٢٩ هـ. وقد نشأ في بيت عريق في التقى والعلم فأبوه كان قاضي القضاة تقي الدين السبكي الذي تلقَّى العلم منه ومن علماء مصر كأبي حيان النحوي.
ولما أسند إلى والده قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ رحل معه واستقرَّ بدمشق واتَّخذها وطنه، وأخذ عن ضيوفها ومحدِّثيها كالذهبيّ والمزي وتفقَّه شافعيًا بابن النقيب، وقد أجازه بالفتيا ولم يبلغ العشرين بعد من عمره، كما تولَّى بعض وظائف التدريس في مدارس دمشق، ولمَّا توفي والده أخذ مكانه في قضاء الشام.
أقوال العلماء فيه:
قال عنه ابن حبيب في كتابه "درَّة الأسلاك في تاريخ الأملاك": "إمامٌ كبير، وحاكمٌ حبير، ورئيسُ فَلَك مآثره أثير، وماجدُ فخر علومه في الآفاق مستطير. أغصان مكارمه باسقة، وأنهارُ فضائله دافقة، ولسانُ عبارته فصيحٌ تبجحت بمرافقته أرباب السياسة، وافتخرت بمقارنة تاجه رؤوس الرياسة، وانشرحَت بأحكامه صدور المجالس، وتأرَّجت بأنفاسه أرجاء المنابر والمدارس. سمع وقرأَ وكتب، وأخذ عهد والده قدوة أهل العلم والأدب. وأفادَ المشتغلين والطلّاب، وانتفعَ به كثير من الأولياء والأصحاب. درَّس بالعادلية والغزالية، والأمينية والناصرية، ودار الحديث الأشرفيّة، والشاميّة البرانيّة. وباشرَ القضاء بدمشق أربع مرَّات، ونالَ بخطابة الجامع الأمويّ أنواعًا من المسرَّات، وله مصنَّفات جمَّة الفوائد، منتظمة العقود والقلائد".
стр. 7
مؤلفاته:
١ - جمع الجوامع في أصول الفقه، وقد ختمَ بنبذة في أصول الدين. وهو كتاب حافل جمعَ فيه زُهاء مائة كتاب في الأصول، وخدمه العلماء بالشروح والحواشي، وكان يدرس إلى عهد قريب في الأزهر.
٢ - تكملة شرح منهاج القاضي البيضاوي في الأصول.
٣ - شرح مختصر ابن الحاجب، في الأصول. وسمَّاه: رفع الحاجب، عن مختصر ابن الحاجب. (لم يطبع)
٤ - الترشيح، في اختيارات والده في الفقه. (لم يطبع)
٥ - التوشيح على التنبيه. (لم يطبع)
٦ - الأشباه والنظائر الفقهية. (لم يطبع)
٧ - طبقات الشافعية الصغري. (لم يطبع)
٨ - طبقات الشافعية الوسطى. (لم يطبع)
٩ - طبقات الشافعية الكبرى. طبع في ستة مجلدات.
١٠ - معيد النعم ومبيد النقم. وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
كلمة موجزة عن الكتاب
بنى المؤلِّف كتابه على ذكر ما يحفظ على الإِنسان في هذه الحياة النعمة التي أسدَاها اللَّه إليه، ويدفع عنه السوء والبأساء. ومردُّ ذلك إلى أن يقوم كل امرئٍ بما يجب عليه، ويؤدِّي حقَّ العمل الذي خصَّص نفسه به، ويراعي ما رسمَ الشرع في أمره. وقد استتبع ذلك أن يذكر الأعمال في عصره والوظائف الديوانيّة وغيرها، ويفصِّل ما يطلب في كل عمل ووظيفة، ويذكر ما يقضي به القانون الشرعي حتى يفضي العمل إلى غايته الصحيحة، ويتكوَّن مجتمع صالح في هذه الحياة.
стр. 8
وقد أيَّده وأعانه على هذا سعة فقهه، وخبرته بأحوال عصره، وشؤون الدولة وطبقات الناس؛ فقد ولي وظائف تجعلة بسبب قويّ من الحكام، وسواد الناس وعامة الشعب.
وفاته:
بقي تاج الدين السُّبكي في القضاء ووظائف أخرى في دمشق إلى أن أصيبَ بالطاعون سنة ١٧٧ هـ في منزله بدمشق ودفن رحمه اللَّه تعالى في سفح جبل مشرف على دمشق يُقال له قاسيون في مقبرة السبكية ويُقال أيضًا في مقبرة أهل الصلاح.
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإِمام العلَّامة قاضي القضاة شيخ الإِسلام تاج الدين السبكي الشافعي تغمَّده اللَّه تعالى برحمته:
أمَّا بعد حمد اللَّه معيد النعم، ومبيد النِقم، بمزيد الشكر ومديد الكرم، والصلاة والسلام على نبيِّه سيدنا محمد خير العرب والعجم، والهادي إلى أرشد طريق وأقوم أُمَم وعلى آله وأصحابه وصالحي أمته خير الأمَم، فقد ورد عليَّ سؤال مضمونه: هل من طريق لمن سلُب نعمة دينية أو دنيوية، إذا سلكها عادت إليه، ورُدَّت عليه؟ فكان الجواب: طريقه أن يعرف: من أين أتى فيتوبُ منه ويعترف بما في المحنة بذلك من الفوائد فيرضى بها، ثم يتضرَّع إلى اللَّه تعالى بالطريق التي تذكرها.
هذه ثلاثة أمور هي طريقه التي يحصل بمجموعها دواءُ مرضه ويعقُبها زوال علَّته، بعضها مرتَّب على بعض لا يتقدَّم ثالثها على ثانيها، ولا ثانيها على أولها.
فعاد إليّ السائل قائلًا: اشرح لنا هذه الأمور شرحًا مبينًا مختصرًا، وصِف لنا هذا الدواء وصفًا واضحًا؛ لنستعمله.
فقلت: هذا سرٌّ غريب، جمهور الخلق لا يحيطون بعلمه، ونبأ عظيم أكثر الناس معرِضون عن فهمه؛ لاستيلاء الغفلة على القلوب، ولغلبة الجهل بما يجب للربّ على المربوب.
وأنا أبحث عن هذه الأمور في هذا المجموع الذي سمّيته: (معيد النعم، ومبيد النقم) بحثًا مختصرًا، لا أرخِي فيه عِنان الإِطناب؛ فإنَّه بحر لا ساحل له، لو ركبت فيه الصعب والذلول، وشمَّرت فيه عن ساق البيان، وخضت فيه لجج الدقائق، لذكرت ما يعسر فهمه على أكثر الخلائق، ولانتهينا إلى ما لم يؤذن لنا في إظهاره من الأسرار العلمية. وإنَّما أذكر من ذلك ما تشترك الخاصة والعامَّة في فهمه؛ وأخصُّ فيه النعم الدنيوية؛ إذ كانت محطَّ غرض السائل؛ عسى اللَّه أن
стр. 10
ينبِّهه بها للنعم الأخروية؛ إذ هي غاية الوسائل وأنا أرجو أن من كانت عنده نعمة للَّه تعالى في دينه أودنياه وزالت، فنظرَ هذا الكتاب نظر معتقد، وفهمه، وعمل بما تضمَّنه بعد الاعتقاد، عادت إليه تلك النعمة أو خير منها، وزالَ همَّه بأجمعه، وانقلبَ فرحًا مسرورًا فمن شكَّ فليستعمل هذا الدواء، لا على قصد التجربة والافتقاد ونظرَ الاختبار والانتقاد، بل بحسن الظنِّ وجميل الاعتقاد، فإنه عند ذلك يظفر بغاية المراد. أسأل اللَّه أن يصرف إليه عزمة مستحقيه ويصرف عنه هِمَّة من لا يستحقه ولا يدريه.
(الأمر الأوَّل) أن تعلم أين أُتِيت، وما السبب الذي زالت به عنك النعمة؟ فإن النعمة لا تزول عنك سُدًى وإن اللَّه لا يغيِّر ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفُسِهِم.
اعلم أنها لم تزل عنك إِلَّا لإِخلالك بالقيام بما يجب عليك من حقوقها، وهو الشكر؛ فإنَّ كل نعمة لا تُشكر جديرة بالزوال. ومن كلامهم: النعمة إذا شُكِرت قرَّت، وإذا كُفِرت فرَّت. وقيل: لا زوال للنعمة إذا شكرت، ولا بقاءَ لها إذا كفرت. وقيل النعمة وحْشيّة فاشْكلوها بالشكر. والأدلّة على أنَّ كفران النعم يوجب انزواءها كثيرة، فلا نطيلُ بذكرها. والحاصل أنَّ كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ دالَّان على أنَّ كفران النعمة يؤذن بزوالها، وشكرها يقضي بمزيدها. وذكرَ العارفون أنَّ الرب قطع بالمزيد مع الشكر، ولم يستثن فيه، واستثني في خمسة أشياء: في الإغناء والإِجابة والرزق والمغفرة والتوبة فقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) وقال في الشكر من غير استثناء: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٦) فإن قلت: فما الشكر؟ قلت: قد شرحه العارفون. وبيَّنوا حقيقته. وأنا أختصر لك القول فيه، وآتي بما يقرِّب من فهمك؛ فأقول: الشكر يكون بالقلب واللسان والأفعال. هذه أركانه، الثلاثة: أما القلب -وهو أعظمها- فالمراد منه أن تعلم وتعتقد أن الله هو الذي منحك النعمة لا أحد سواه شاركه، فإنَّ كل من تقدره من كبير وأمير ووزير وصاحب وخليل ووالد
стр. 11
وغيرهم لا يقدر على فعل شيء لنفسه فضلًا عن غيره وإن جرى على يديه خير فاللَّه تعالى هو الذي أجراه على يديه؛ وإلَّا فهو لا مدخل له فيه ولا صنع. فمن أنعمَ عليه ملك من الملوك بشيء فإن رأى لوزير الملك أو لحاشيته مدخلًا في تيسير ذلك وإيصاله فهو إشراكٌ بالملك في النعمة، إذ لم ير النعمة منه من كل وجه، بل رآها منه ومن غيره فيتوزَّع فرحه عيهما، فلا يكون موحدًا في حق الملك فمن حقّ الملك أن يعاقبه على هذا الاعتقاد.
فإن قلت: ما علاج هذا الداء فإنِّي أرى أناسًا لي عليهم خدمة، ولي عندهم يد، وبيني وبينهم صداقة، يصدر على أيديهم نفعى في ديني ودنياي فلا أستطيع أن أدفعهم عن قلبي؟ قلت: من الذي سخَّرهم لك، وألقى في قلبهم الدَّاعية، ويسَّر الأسباب عليهم حتى أوصلوا النفع إليك؟ هات قل لي. فإن قلت: اللَّه الذي سخَّرهم وسخَّر الشمس والقمر كلّ يجري بأمره، فاعلم أنهم مسخَّرون تحت قبضته.
فإن كنت تعتقدهم فاعلين شيئًا فهلَّا اعتقدت القلم والحبر والكاغَد (١) التي كتب بها منشورك فاعلًا! ولم لا اعتقدت الموقِّع فاعلًا؟ ولم لا اعتقدت الخازن الذي يُخرج لك الدراهم فاعلًا؟ فإذا كنت تعتقد أنَّ كل واحد من هؤلاء مقهور مِن الملك مجبور، ولو خلِّي ونفسه لما أعطاك ذَرَّة، فافهم أنَّ كل من وصل لك على يديه خير من المخلوقين فهو كذلك في قبضة ربِّ العالمين. فاشكره وحده ولا تُشرك به أحدًا.
واعلم أنَّ المخلوق مضطرٌّ سلَّط اللَّه عليه الإِرادة، وهيَّج عليه الدواعي، وألقى في قلبه أن يعطيك، فلم يجد بعد ذلك سبيلًا إلى دفعك؛ ولا يعطيك والحالة هذه إِلَّا لغرض نفسه لا لغرضك. ولو لم يكن له غرض في الإِعطاء لما أعطاك. ولو لم يعتقد أن له نفعًا في نفعك لما نفعك. فهو إذًا إنَّما يطلب نفع نفسه بنفعك. ويتَّخذك وسيلة إلى نعمة أخرى يرجوها لنفسه. وما أنعمَ عليك إلَّا الذي سخَّره لك وألقى في قلبه ما حمله على الإِحسان إليك. فإن قلت: فلم ورد الشرع بشكري إياه حيث قال أبو هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا
стр. 12
يشكر اللَّه من لا يشكر الناس" رواه أبو داود بهذا اللفظ والترمذي بلفظين: أحدهما: "من لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه" والآخر: "من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه". وفي حديث النُّعمان بن بَشِير أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه. والتحدُّث بنعمة اللَّه شكر، وتركِهِ كُفْر" الحديث في إسناده الجراح بن مليح والد وكيع تكلَّم فيه بعضهم، والعمل على توثيقه وأخرج له مسلم. وفي حديث الأشعث بن قيس الكندي: "إن أشكر الناس للَّه أشكرهم للناس" أخرجه أحمد بن منيع في مسنده. قلت: ورد بذلك لكونه أجرى النعمة على يديه فيكون شكرك إيّاه داعيًا له إلى أن يزيد من فعل الخير ولك أن تشكر الفاعل بالحقيقة الذي هو الربُّ تعالى ولغير ذلك من الأسباب التي لا غرض الآن في شرحها، فعليكَ شكره لأجل أمر اللَّه تعالى لا لاعتقاد أنه فاعل. بل لو شكرته بذلك الاعتقاد كنت مشركًا لا شاكرًا. فاشكره واعلم أنَّه لا ينفع ولا يضر، وأنَّه ربَّما تغيَّر عليك بأيسرِ الأسباب، وانقلبَ حبه بغضًا، ومالت تلك الدواعي وتبدَّلت بضدِّها. وإنَّما المحسن الذي لا يتغير ولا يحول ولا يزول رب الأرباب. والواسطة بين الخلق والحق الذي هو بنا رؤوفٌ رحيم لا تتغيَّر حالته محمد المصطفى ﷺ . فلا فاعلَ إلَّا اللَّه ولا سبب لخير إلَّا نبيه المصطفى الأمين خير الخلق أجمعين محمد سيد المرسلين والنبيين، عليه أفضل الصلاة والسلام من ربِّ العالمين.
فإذا استقرَّت هذه القاعدة عندك بحيث صرت تتلقَّى كل ما يأتيك من اللَّه تعالى لا من أحد من خلقه فهذا شكرٌ عظيم للنعمة وهو أعظم أركان الشكر، ولذلك أطلق عليه كثير من المحققين أنَّه نفس الشكر، حيث قالوا: الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع. وإنَّما أطلقوا عليه ذلك لكونه أعظم الأركان، كما في قوله ﷺ : "الحجُّ عرفة" و"الندم توبة" ونحوَ ذلك. أخبرنا داود بن سليمان بن داود الآباري إذنا أخبرنا عم أبي أبو الطاهر يوسف بن عمر بن يوسف سماعًا أنا بركات بن إبراهيم الخُشُوعيّ أنا هبة اللَّه بن الأكفاني أنا أحمد بن عبد الواحد بن محمد، ومحمد بن عقيل بن أحمد قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد أنَّا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطيّ السَّامرِّي
стр. 13
ثَنا (١) يحيى بن أبي طالب ثنا علي بن عاصم ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عمرو الشيباني قال: قال موسى ﵇ يوم الطور: يا رب إن أنا صلَّيت فمن قِبلِك، وإن أنا تصدَّقت فمن قِبَلك، وإن أنا بلَّغت رسالتك فمن قِبَلِك، فكيف أشكرك؟ قال: (يا موسى الآن شكرْتَني). وفي لفظ: إذا عرفت أنَّ النعم مِنِّي فقد رضيتُ بذلك منك شكرًا. وهذا حق فجميع ما نتعاطاه باختيارنا نعمة من اللَّه تعالن علينا؛ إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا ودواعينا وسائر الأمور التي هي أسباب حركاتنا وسكناتنا من خلق اللَّه ونعمته فنحن نشكر بنعمته نعمته. وإلى هذا المنزع أشارَ خطيب العلماء الشافعيّ ﵁ حيث قال: الحمد للَّه الذي لا يؤدَّى شكر نعمة من نعمه إِلَّا بنعمة منه توجب على مؤدِّي ماضي شكر نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته؛ الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه. انتهى وأنشد محمود الورَّاق لنفسه:
إذا كان شكري نعمة اللَّه نعمة ... عليَّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إِلَّا بفضلهِ؟ ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
ولم يزد العلماء في هذا الركن أكثر ممَّا ذكرناه. وعندي أنَّه يتعيَّن على ذي النعمة أيضًا أن ينظرَ إليها -وإن قلَّت- بعينِ التعظيم، لكونها من قِبَلِ اللَّه تعالى؛ فإنَّ قليله لا يُقال له قليل، وإلى نفسه بالتحقير بالإِضافة إليها معترفًا بأنه ليس أهلًا لها وأن أصله نطفة من منيّ تُمْنَى (٢) وقد وصَّله اللَّه إليها لا باستحقاق عليه بل بفضل منه ولا يخفى عليك أن من وصلت إليه هدية من ملك فاستقلَّها ولم يعبأ بها فإنَّ الملك ينقم عليه ويشدِّد عقوبته، ويأخذ في نفسه منه، ويمنع عنه العطاء؛ وإن استعظمها واستحقرَ نفسه بالنسبة إليها فإنَّ الملك يحب ذلك منه، ويحمله هذا الأمر على إسداء نعمة أخرى. والربُّ تعالى لا تخفى عليه خافية. فمهما وقع في
стр. 14
نفسك فهو مطلع عليه: فإن وقع في قلبك استقلالها فإنَّه يخشى عليك زوالها وافتقارك إليها، وإن وقع في نفسك استعظامها فأبشر بدوامها والازدياد. سمعت الشيخ الإِمام ﵀ يقول: أعطَيْت بعض الناس عطاء فاستقلَّه فعلمت أن اللَّه يسلبه إيّاه ويحوجه إليه. فإن قلت: ما علاج هذا الداء؟ فإنَّ كثيرًا من الناس يعطون ما يرونه قليلًا بالنسبة إليهم؟ قلت: علاجه أن ينظر إلى نفسه ويرى هل يستحق على اللَّه شيئًا! وما أصله؟ وكيف وصل إلى ما وصل؟ فما من أحد يعتبر حاله من أول منشئه إلى إيصال النعمة التي هو فيها مفكِّر ولها مستقلٌّ إلَّا ويجدها نعمة ليست في حسابه وكثيرةً عليه. فهذا دواء من أدوية هذا المرض. ودواء آخر وهو أن تأخذ النعمة من اللَّه تعالى وتعلم أن العظيم إذا أسدى إلى عبده الحقير معروفًا وإن قلَّ فقد ذكره. وما حقرك من ذكرك، وما ذكرك الكريم إلَّا وفي نيّته أن يَجْبرك. فتلقَّ ما يأتي منه بالبشرى، واحذَر الأخرى. وإن كان ما أسداهُ إليكَ قليلًا عليك فهو بالنسبة إلى أنَّه من عطائه كثير عليك، وبالنسبة إلى أنَّه طريق إلى عطاء آخر أكثر منه إذا شكرته كثير أيضًا. وإنَّما يجيئك الاستقلال من نظرك إلى النعمة دون المنعم. ونحن نضرب لك مثلًا فنقول: الملك إذا عزم على السفر وأنعمَ على بعض حاشيته بفرس، ففرحه بالفرس يُفرَض على وجوه: أعلاها أن يفرح بها لأنها طريق إلى خروجه في خدمة الملك ونزوله بقربه، وحلوله منه بالمنزلة الدانية، وصيرورته من الخاصَّة بعد أن كان من العامَّة. فهذا فرحه بالفرس لأنها طريقٌ إلى مشاهدة الملك ومنادمته، لا لأنها فرس. ودون هذا أن يفرح بالفرس لا لكونها فرسًا، ولكن لما يدل عليه من عناية الملك به، وذكره له وشفقته عليه. فهذا يفرح بها لا لكونها فرسًا بل لأمور أخر تترتَّب عليها. وأخسَّها وأحقرها أن يفرح بها لكونها فرسًا يركبها. فهذا إنَّما فرح بالفرس ولم ينظر إلى المعطى، ولا فرق عنده بين أن يكون الملك هو الذي أعطاه، أو أن يجد الفرس في الصحراء. وثمَّ وجه رابع: وهوأن يفرح بها لمجموع هذه الأمور: فيفرح بها لأنها توصّل إلى منادمته الملك، ولأنها تُؤْذن بغيرها، ولأنها تنفعه. فهذا أيضًا لا بأسَ به، ولكنه دون المقام الأوَّل؛ لأن الأول لا غرض له إلَّا الملك وحده، ولكن ذاك مقام عال يترفَّع عن هِمَم أكثرِ أهل الدنيا الذين وضعنا لهم هذا الكتاب فلذلك لا نطنب في شرحه، وإنَّما نقتصر على إفهام الأكثر؛ حتى إذا حصلوا على
стр. 15
ما نودِعه في هذا الكتاب ترقوا منه إلى النظر في المقام الأعلى فباب الرحمة مفتوح، والربُّ منادٍ فأين المشمّرون!
وأمَّا اللسان فالمراد منه حمد اللَّه تعالى عليها والتحدُّث بها بقوله تعالى: ﴿وأَمَّا بِنِعْمَةِ ربِّكِ فَحَدِّثْ﴾ (١) فيتحدَّث بها لا لرياء وسمعة وخيلاء، بل للثَّناء على الرب ﵎. بيان جماعة من السلف يجلسون فيتطارحون حديث نعمهم حتى ينتهي مجلسهم وهم على ذلك. وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري أنَّ بعضهم قال: رأيت في بعض الأسفار شيخًا كبيرًا قد طعنَ في السن، فسألته عن حاله فقال: إنِّي كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي، وهي كذلك كانت تهواني فاتَّفق أنَّها زُوّجت مني؛ فليلة زفافها قلنا: تعالي حتى نحيي هذه الليلة شكرًا للَّه تعالى على ما جمعنا. فصلَّينا تلك الليلة ولم يتفرَّغ أحد منا إلى صاحبه. فلمَّا كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك. فمنذ سبعين أو ثمانين سنة نحن على تلك الحالة. أليس كذلك يا فلانة! فقالت العجوز: كما يقول الشيخ. فهذا الشيخ تحدَّث بنعمة اللَّه تعالى عليه الذي ألهمه لهذا الشكر العظيم. وذلك أيضًا من الشكر. وروي أنَّ وفدًا قدموا على عمر بن عبد العزيز ﵀ فقام شابّ ليتكلَّم. فقال عمر: الكُبْر (٢) الكبر. فقال: يا أمير المؤمنين: لو كانَ الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسَنُّ منك. فقال: تكلَّم. فقال: لسنا وفد الرغبة، ولا وفد الرهبة: أمَّا الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك، وأمَّا الرهبة فقد آمَننا منها عدلك. وإنَّما نحن وفد الشكر جئناك نشكرك باللسان. والأخبار في هذا كثيرة، وليس استيعابها من غرض كتابنا.
واعلم أنَّ هذين الأمرين أعني الشكر بالجَنَان واللسان يشملان كل نعمة. ونسبة النعم إليهما على حد سواء. وأمَّا الأفعال فالمُراد منها امتثال أوامر المنعِم واجتناب نواهيه. وهذا يخصّ كل نعمة بما يليقُ بها. فلكلِّ نعمة شكر يخصُّها. والضابط أن تستعمل نعم اللَّه تعالى في طاعته وتتوقَّى من الاستعانة بها على
стр. 16
معصيته. فليس من شكر النعمة أن تهملها وتشكر على وجه غير الوجه الذي عليه بُنيت. فمن عَدَلَ عنها إلى نوعٍ آخر من الشكر فقد قصَّر، وترك الأهم. وإنَّما الرشيد من جمعَ بين الأمرين. فإن كان لا بدَّ من التفرقة فالأنسب استعمال كل نعمة فيما خلقت له، وهذا يتَّضح بأمثلة:
المثال الأول
من شكرَ نعمة العينين أن تستركل عيب تراه لمسلم وتغضّهما عن كل قبيح إلى غير ذلك من أحكام النظر. فإن أنتَ أخذت تصلِّي كل ليلة ركعتين على شكر نعمة العينين؛ وأنت مع ذلك تستعملهما في النظر إلى المحرَّم، فلستَ بشاكرٍ هذه النعمة حقَّ شكرها.
المثال الثاني
من شكرَ نعمة الأذنين ألَّا تسمع حرامًا، وأن تستر كل عيب تسمعه. فإن أنت تصدَّقت بدرهمين شكرًا للَّه تعالى على نعمة الأذنين وهتكتَ كل قبيح سمعته وأصغيت إلى كلِّ حرامٍ وَعَيته فلستَ من الشاكرين.
المثال الثالث
وهو يشمل الخليفة فمن دونه من السلطان ونوَّابه والقضاة وسائر أرباب الأمور. وسنخصّ لكل فرد منهم مثالًا.
إذا ولَّاك اللَّه تعالى أمرًا على الخلق فعليك البحث عن الرعيَّة، والعدلَ بينهم في القضية، والحكم فيهم بالسويّة، ومجانبة الهوى والميل، وعدم سماع بعضهم في بعض، إلَّا أن يأتي بحجة مبينة وعدم الركون إلى الأسبق. فإن وجدت نفسك تصغي إلى الأسبق وتميلُ إلى صدقه؛ فاعلم أنك ظالم للخلق، وأنَّ قلبك إلى الآن متقلّب مع الأغراض يُميله الهوى كيف شاء. وإن وجدت الأسبق والآخر سواء إلَّا من جاء بحق فأنت أنت. وقد اعتبرتُ كثيرًا من الأتراك فوجدتهم يميلون إلى أول شاكّ. وما ذاك إلَّا للغفلة المستولية على قلوبهم، التي
стр. 17
صيّرت قلوبهم كالأرض الترابية التي لم تروَ بالماء فإذا أتاها ماء رويت: سواء أكان ذلك الماء صافيًا أم كدرًا زُلالًا باردًا أم كدِرًا حارًّا. ثم إذا رويت، وجاء ماء آخر صافٍ حسن لم تشربه، وصار مائعًا عليها. فهذه هي القلوب الغافلة عن الحقّ نسأل اللَّه السلامة. فعليك شكر نعمة الولاية بما ذكرناه وأن تعرف أنك أنت والرعيّة سواء لم تتميز عنهم بنفسك، بل بفعل اللَّه تعالى الذي لو شاءَ لأعطاهم ومنعك فإذا كان قد أعطاك الولاية عليهم ومنعهم فما ينبغي أن تتمرّد وتستعين بنعمته على معصيته وأذاهم، بل لا أقلّ من أن تتجنب أذاهم وتكفّ عنهم شرّك وتجانب الهوى والميل والغرض بنعمة الولاية لا تطلب منك غير ذلك. ولو أنك تركت الناس هملًا يأكل بعضهم بعضًا وجلست في دارك تصلّي وتبكي على ذنوبك لكنت مسيئًا على ربك. فملِكك لم يطلب منك أن تتهجد بالليل ولا أن تصوم الدهر وإنَّما يطلب منك ما ذكرناه. فإن ضممت إليه أعمالًا أخر صالحة كان ذلك نورًا على نور، وإلَّا فهذا هو شكر نعمة الولاية التي بها تدوم. ولعلَّك تقول: فإن قمت بحقوق الرعية مع التقصير في حق اللَّه تعالى هل أنا محمود؟ فاعلم أنك محمود من تلك الجهة، مذموم من هذه الجهة، وتيقَّظ لأمر عظيم نُنبهك عليه. وهو أن مَن هذا شأنه يخشى عليه إن هو زاد من التقصير في جانب اللَّه تعالى أن يُظلم قلبُه ظلامًا يورث الطَبْعَ (١) على قلبه، وينشأ عنه التقصير في تلك الجهة الأخرى، فيصير مذمومًا في الجهتين. فلا يخطر لك أنَّه يمكن اجتماع التقصير في حق اللَّه تعالى من كل وجه، والقيام بحق العباد من كل وجه، بل هذا مستحيل عادة؛ فقد جرت عادة اللَّه بأن من أهمل جانبه من كل وجه سُلِّط عليه الشيطان فاستولاه واستزلَّه وصيَّره يضيع جانب العباد أيضًا. ومن رشيق عبارات الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه؛ وقد ذكر أنَّ الرشد صلاح الدين والمال معًا: من ضيَّع حق اللَّه تعالى فهو لما سواه أضْيَع. فعليك أن تتعهد نفسك بالعبادة ومراقبة الحق. وليس مقصدنا الآن البحث عن هذا؛ إنَّما الذي عقدنا له
стр. 18
الفصل أن ذا النعمة يجب عليه اعتقاد أنها من اللَّه تعالى، وحمد اللَّه عليها والوفاء بحقها. وقد جمع الشاعر هذه الأمور في قوله:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضميرُ المحجبا
والشاعر وإن لم يقل: إن هذا شكر فقد جمع أصنافه. وقد بيَّنا لك أن مجموعها الشكر. ومن كلامهم: الشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، وثناء اللسان، والمكافأة بالفعل. والتعبير بالمكافأة عندي غير سديد؛ فإن أحدًا لا يقدر على مكافأة المنعم بالحقيقة. وإنَّما المعنيّ به استعمال الجوارح بقدر الاستطاعة في التكاليف حسبما شرحناه.
المثال الرابع
إذا كنت مقبول الكلمة عند ولي الأمر فالمطلوب منك أن تنصحه، وتنهى إليه ما يصحّ ويثبت عندك من حال الرعايا، وتساعد عنده على الحقّ بما تصل إليه قدرتك. ولا يكن حظّك منه الاقتصار على حُطَام تجمعه لنفسك أو دنيا تضمها إليك؛ فإن ذلك سبب زواله عنك بل المقتضى لدوام ما عندك منه ما ذكرناه من النصيحة والمساعدة في الحق؛ لتدوم لك نعمتُه التي هي سبب نعمتك، ومودَّته التي بها وَصَلت إلى ما وصلت، وليدوم لك منه ما أسده إليك. وما أحمق من كانت له كلمة نافذة عند وليّ أمر فوجد مظلومًا يستغيث فقام يصلِّي شكرًا للَّه تعالى على أن جعله ذا كلمة نافذة عند ولي الأمر، وترك المظلوم يتخبطه الظلم ولا يجد منجدًا، وهو قادر على إنجاده. فذاك الذي صلاته وبال عليه؛ كما قال الفقهاء فيمن كان يصلِّي فمرَّ به غريق تتلاطمه أمواج البحر، وهو قادر على إنقاذه، فإنه يجب عليه قطع الصلاة وإنقاذه. وذاك وهذا سِيّان.
واعلم أنَّ هذين المثالين أعني الثالث والرابع يشملان كل وليّ أمر، وكل مقبول الكلمة عند وليّ أمر: صغير أو كبير. ونحن نرى أن نحضَّ غالب الناس بأمثلة تستوعب معظم الوظائف التي استقرَّت عليها قواعد المسلمين في هذا الزمان، ونذكر ممَّا يطالب به صاحب تلك الوظائف يوم القيامة، ويخشى عليه في الدنيا والدين سوء العاقبة بسبب التفريط فيه، ما يكون موقظًا له من سِنَّة الغفلة
стр. 19
ومرشدًا إن شاء اللَّه تعالى، لعلَّ اللَّه ينفع به أقوامًا.
المثال الخامس
السلطان أعني الإِمام الأعظم. وقد أكثر الفقهاء في باب الإِمامة، وأفردَ كثيرون منهم الأحكام السلطانية بالتصنيص. ونحن ننبِّه على مهمات أهملها الملوك أو قصَّروا فيها. فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فَرْض الجهاد لإِعلاء كلمة اللَّه تعالى؛ فإن اللَّه تعالى لم يولِّه على المسلمين ليكون رئيسًا آكلًا شاربًا مستريحًا. بل لينصر الدين ويُعلِيَ الكلمة. فمن حقِّه ألَّا يدع الكفار يكفرون أنعُم اللَّه ولا يؤمنون باللَّه ولا برسوله. فإذا رأينا ملكًا تقاعد عن هذا الأمر، وأخذ يظلم المسلمين، ويأكل أموالهم بغير حق، ثم سلبه اللَّه نعمته وجاء يعتب الزمان، ويشكو الدهر، أفليس هو الظالم، وقد كان يمكنه بدل أخذ أموال المسلمين وظلمهم أن يقيم جماعة في البحر يتلصصون أهل الحرب؛ فإن كان هذا الملك شجاعًا ناهضًا فليرنا همته في أعداء اللَّه الكفار، ويجاهدهم ويتلصّصهم، ويُعمل الحيلة في أخذ أموالهم حِلًّا وبِلًّا ويدع عنه أذيّة المسلمين.
ومن وظائفه أن ينظر في الإِقطاعات، ويضعها مواضعها، ويستخدم من ينفع المسلمين، ويحمي حوزة الدين، ويكفّ أيدي المعتدين. فإن فَرَّق الإِقطاعات على مماليك اصطفاها وزيّنها بأنواع الملابس، والزراكش المحرَّمة، وافتخرَ بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الإِسلام جياعًا في بيوتهم، ثم سلبه اللَّه النعمة، وأخذ يبكي ويقول: ما بالُ نعمتي زالت، وأيامي قصرت! فيقال له: يا أحمق، أما علمت السبب! أَوَلست الجاني على نفسك!
ومن وظائفه الفكرة في العلماء والفقراء وسائر المستحقين، وتنزيلهم منازلهم، وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانة عنده، ليس هو فيه إلَّا كواحد منهم، ولدلوه نسبة دلاء المسلمين، فإن ترك العلماء والفقراء جياعًا في بيوتهم، يبيتون ومنهم من يطوي الليلة والليلتين هو وعياله، وأخذَ يمنّ بعظيم مُلكه ومحاسن سماطه وزينته ولباسه ولباس حاشيته، فذلك أحمق جهول. وإن ضمَّ إلى هذا أنَّه استكثر على الفقهاء ما بأيديهم، وتعرَّض لأوقاف وقفها أهل
стр. 20
الخير ممَّن تقدمه عليهم، فهو بلاء على بلاء. فإنَّ من حقه أن ينظر في مصالحهم وأوقافهم، وألَّا يكلهم إليها. بل يرزقهم من بيت المال ما تتم به الكفاية. فإذا تعرَّض لها فقد خرق حجاب الهيبة. فإن ضمَّ إلى ذلك أنَّه يبيعها بالبِرْطيل، ويضعها في غير مستحِقّها فما يكون جزاؤه!
ومن وظائفه بيت مال المسلمين. وقد قدَّر الشارع المصارف فيه، وجعل لكلّ مال أقوامًا وقدرًا. فإن تعدَّى هذا كله، وصرفه في شهواته ولذَّاته، وحسب أن المُلك عبارة عن ذلك، فلا يلوم إلَّا نفسه. وإذا جاء سهم رباني لا يستوحش؛ فإن أخذ يصرف الأموال على خواصّه ومن يريد استمالة قلوبهم إليه لبقاء ملكه، لا لإِعزاز الدين، وأعجبه مدائح الشعراء لكرمه، فذلك خُرْقٌ وقد امتلأت التواريخ ممَّن كان يهب الألوف للشعراء، والألوف للمماليك، والألوف للمغاني (١) وكل ذلك وبال على صاحبه فقد كان بيت المال في زمن عمر بن الخطاب ﵁ أضعاف ما هو اليوم بما لا يحصى كثرة، وفتح اللَّه عليه من الفتوحات ما أمره مشهور، وجاءه مع ذلك أعرابيّ يستمنحه فقال:
يا عمرَ الخيرِ جُزيتَ الجنّة ... اكسُ بُنيَّاتي وأمّهنّه
وكن لنا من الزمان جُنَّه ... أُقسِم باللَّه لتفعلنَّه
فلم يرتح لترققه، ولا راعه قسمه عليه؛ بل قال: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال:
* إذن أبا حفص لأذهَبَنَّه *
فقال: وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال:
يكون عن حالي لتسألنَّه ... يوم تكون الأعطيات هنَّه
وموقف المسؤول بينهنَّه ... إمَّا إلى نارٍ وإمَّا جنَّه
فلمَّا ذكر له الجنة والنار، والموقف بين يديّ المولى الجبار، بكى حتى
стр. 21
اخضلَّت لحيته بدموعه، وقال: يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره. أمَّا واللَّه لا أملك غيره. فانظره مع ما حصل عنده من الرقَّة الدينية لم ينعم إلَّا بما هو من خاصة ماله، ولم يجد غير قميصه. وقد كانت خزائن الأموال مملوءة بين يديه.
قال العلماء: ولم يعطه من بيت مال المسلمين وإن كان الأعرابيّ فقيرًا مستحقًا؛ لأنه لما استنزله بشعره لم يكن العطاء لمصلحة المسلمين، فلم يعطه من مالهم. قالوا: أو أنَّه لم يثبت عنده أن الأعرابيّ من جملة مصارف مال الصدقات. وقال عليّ بن أبي طالب كرَّم اللَّه تعالى وجهه، والخزائن مملوءة بين يديه: من يشتري مني سيفي هذا؟ ولو وجدت رداء أستتر به ما بعته. فهذه سيرة أهل الحقّ والدين. ولسنا نطالب أهل زماننا بها؛ فإنَّهم لا يصلون إلى هذا المقام. ولكن نذكرهم لعلَّهم يرجعون أو يقصرون عمَّا هم فيه. فلا بد في الذكرى من نفعٍ إن شاءَ اللَّه تعالى.
ومن وظائفه النظر في الدين والصلوات. ولقد رأينا منهم من يعْمُرُ الجوامع ظانًّا أن ذلك من أعظم القُرَب. فينبغي أن يُفهم مثلُ هذا الملك أنَّ إقامة جمعتين في بلد لا تجوز عند الشافعي وأكثر العلماء؛ فإن قال: قد جوَّزها قوم، قلنا له: إذا فعلت ما هو واجبٌ عليك عند الكل فذاك الوقتَ أفعل الجائز عند البعض. وأمَّا أنك ترتكب ما نهى اللَّه عنه وتترك ما أمرَ به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا؛ ليُقال: هذا جامع فلان، فلا، واللَّه لن يتقبله اللَّه تعالى أبدًا، وإنَّ اللَّه سبحانه طيّب لا يقبل إِلَّا طيّبًا. ومن أقبح البدع المحرَّمة تقبيل الأرض بين أيدي الملوك. فإن كان سجودًا بأن لاقى بجبهته الأرض قال النواوي: فسواء أكانَ إلى القبلة أو غيرها وسواء قصد السجود للَّه تعالى أو غفل هو حرام. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر أو يقاربه، عافانا اللَّه الكريم. انتهى. قال: وربَّما اغترَّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (١) والآية منسوخة أو متأوِّلة كما هو معروف في كتب العلماء. وسئِل ابن الصلاح عن هذا السجود فقال: هو من عظائم الذنوب، ونخشى أن يكون كفرًا. وفي بعض كتب الحنفية أن بعضهم قال: يكفر مطلقًا، وبعضهم قال: إن أراد التحية فهو حرام ولكن لا
стр. 22
يكفر، وإن لم يكن له نية كفر عند أكثرهم.
المثال السادس
نُوَّاب (١) السلطنة:
وعليهم مثل ما على السلطان، ويزدادون أن مِن حقهم مراجعته إذا أمرَ بما يخالف المصلحة، وازديادهم من تفقُّد حال الرعية صغيرهم وكبيرهم، جليلهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم، والنظر في القرى والغَلَّات، ونحو ذلك، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها من ذوي النهضة والكفاية والحاجة، وتولية المناصب لأهليها. فإن اعتذر نائب السلطان بأن الزمان لا يمكنه، قلنا له ولغيره: أنتم مطالبون من كل ما نأمركم به بما تصل إليه قدرتكم؛ فعليكم الجد والاجتهاد واللَّه يعين.
من حقهم إقامة فقيه في كل قرية لا فقيهَ فيها، يعلِّم أهلها أمر دينهم. ومن العجيب أن أولياء الأمور يستخدمون في كل حصن طبيبًا ويستصحبونه في أسفارهم بمعلوم من بيت المال، ولا يتَّخذون فقيهًا يعلّمهم الدين؛ وما ذاك إلّا لأن أمر أبدانهم أهم عندهم من أمر أديانهم. نعوِذُ باللَّه من الخذلان. ومن حقِّهم إلقاءُ مقاليد الأحكام إلى الشرع لأنه لا حاكمَ إلَّا اللَّه تعالى، ولن تفعل العقول شيئًا. فإذا رأيت من يعيب على نائب السلطنة انقياده للشرع وينسبه بذلك إلى اللين والرخاوة فاعلم أنَّه يخشى عليه أن يكون ممَّن طبع على قلبه وأن عاقبته وخيمة، بل حقَّ على كل مسلم الرضا بحكم اللَّه تعالى والانقياد له، ومن لم يحكم بما أنزلَ اللَّه فأولئك هم الفاسقون الكافرون الظالمون. وسنبسط في فصل
стр. 23
الحجاب القول في هذا؛ لكونه أمسّ بهم. ومن حقهم دفع أهل البِدَع والأهواء، وكفّ شرهم عن المسلمين. ولا يسعهم في دين اللَّه تعالى الصبر على من يسُب الشيخين أبا بَكر وعمر ﵄، ويقذف عائشة أم المؤمنين ﵂، ويفسد عقائد أهل الدين. بل يجب عليهم الغلظة على هؤلاء بحسب ما تقتضيه المذاهب. وهذه المذاهب الأربعة وللَّه الحمد في العقائد واحدة، إِلَّا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم. وإلَّا فجمهورها على الحق؛ يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول، ويدينون اللَّه برأي شيخ السنّة أبي الحسن الأشعريّ الذي لم يعارضه إلَّا مبتدع. ومن مهماتهم النظر في أمر المفسدين من قطّاع الطريق وأهل الفتَن كالعشران (١) وغيرهم، والغلظة والتشديد عليهم. وإن رأى نائب السلطان تقليد بعض المذاهب في شدة تعزيرهم (٢) والمبالغة في عقوبتهم على جرائمهم، وطول مكثهم في السجن فله ذلك بشرط أن يكون الحامل له علىِ ذلك المصلحة لا التشهّي وحظ النفس ومحبَّة شِيَاع الاسم بالانتقام؛ فإن ذلك فَنّ من الجنون. فقد كان مُلك الصحابة ﵃ أوسع، وأمرهم أنفذ، ولم يُحبوا أن يشيع اسمهم إلَّا بالعدل والرفق، لا بالعسف والظلم. ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ أو يسبه؛ فإن ذلك مرتدٌّ كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ توبته لا تقبل. وهو اختيار طوائف من المتأخّرين. فإن كان الذي وقع منه هذا ممَّن يتكرر هذا الحال منه، أو عرف بسوء العقيدة وصحبة المشهورين بذلك، أو وقع منه ما وقع على وجه فظيع تشهد القرائن فيه بالخبث الباطن، فأرى أنَّه لا تقبل له
стр. 24
توبة، ويسفك دمه، وهو رأي الشيخ الإِمام الوالد تغمده اللَّه تعالى برحمته. ومنها نظرهم في أمر دواداريتهم (١) فأكثر ما ينشأ فساد بابهم عنهم وهم غافلون. فإذا عرف نائب السلطنة أن ميزان بابه الدوادار، فحقَّ عليه الاحتياط في أمره، وعدم الإِصغاء إليه فيما يقوله، بل يستوضح الحال ويستكشفه من بطانة (٢) الحير عنده، فقد قال النَّبيّ ﷺ : "ما مِن ملِك أو أمير إلَّا وله بِطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه" (٣) وممَّا يختصُّ بالإِمام، وليس لنوابه الاستبداد به من غير استئذانه، الحِمَى (٤). فلا يحمي غير الإِمام الأعظم على الصحيح عند الوالد وكثيرين إلَّا بإذنه.
стр. 25
المثال السابع
الدوادار: فمن حقه الاستئذان على ذي الحاجة، وإنهاء ظلامته، وألَّا يتركه على الأبواب لا يجد ملجأ إلى الدخول على الملك. وليعلم أنَّ لصاحب الحاجة حقًّا عند أستاذه: لأنَّ من وظيفة أستاذه سماعَ كلامه، وقضاءَ حاجته إذا أمرَ بها الشرع؛ وليس لأستاذه حقّ عنده، والمِنَّة للَّه تعالى على أستاذه أن جعل حاجة الخلق إليه، وعليه أن جعله في بابه بالمرصاد لهذا الأمر. فإن هو قصَّر فيما وصفناه كان هو الظالمَ لأستاذه، المتسبّب في خراب دياره، الباغيَ على الرعِيَّة. وعليه المبادرة إلى تقديم الدواة عند ارتفاع القِصص، وتذكير مخدومه بها. فربَّما اشتغلَ بالُ الملك عن ذلك ولم يجد من يذكِّره. وهذه وظيفة الدوادار وكان الدوادار يسمَّى في الزمان القديم الحاجب.
المثال الثامن
الخازندار (١): وحقَّ عليه ألَّا يَمْطُل من أحيل إليه، بل يدفع إليه ما أمر له به مُهنّئًا مُيَسِّرًا. والخازندار أمين؛ فلو ادَّعى أنه دفع المال إلى مخدومه كان القول قوله بيمينه، وإن كان له على الخزندارية معلوم أو إقطاع: لأنه كالوكيل بجُعل.
стр. 26
المثال التاسع
أستاذ الدار (١): وهو من يتكلَّم في إقطاع (٢) الأمير مع الدواوين (٣) والفلاحين وغيرهم. عليه ألَّا يُطعمه حرامًا، ولا يبيعُ أستاذه رخيصًا، وأن يرفق بأهل القرى ويؤدِّي أمانة اللَّه تعالى التي علَّقها في رقبته حيث دخل في هذه الوظيفة للفلاحين وغيرهم من رعيَّة الأمير، كما عليه أن يؤدِّي حقَّ الأمير. بل هؤلاء أحوجُ من الأمير إلى الرفق بهم، واعتمادِ الحق معهم. فأين يكون الأمير يوم يعض الظالم على يديه ولا آمر إلَّا اللَّه تعالى!
المثال العاشر
الوزير: وهو اليوم اسم لمن ينظر في المكوس (٤) وغيرها من الأموال التي ترفع إلى السلطان وبيت المال. ومن حقِّه بذل النصيحة للملك، وكفّ أذاه عن أموالِ الرعيَّة، وتخفيفِ الوطأة عنهم ما أمكنه. وقد علم أنَّ المكوس حرام. فإن ضمَّ الوزيرِ إلى أخذها الإِجحاف في ذلك وتشديد الأمر فيه، والعقوبة عليه، فقد ضمَّ حرامًا إلى حرام. بل إذا لم يقدر على إبطال حرام، فلا يزيد الطين بِلَّة، بل لا أقل من الرفق والتخفيف. وممَّا يجب عليه التيقُّظ له الأموال التي تجتمع عنده، ومنها حلال ومنها حرام. فعليه ألَّا يخلطها بل يدع الحلال بمفرده،
стр. 27
والحرام بمفرده، وإلَّا فمتى خلطهما ولم تتميَّز صارَ الكل حرامًا. وفي ذهن كثير من العامَّة أنَّ الأموال إذا خلطت ودخلت بيت المال صارت حلالًا. وهذا جهل؛ ما اجتمع الحلال والحرام إلَّا غلبَ الحرام الحلال. وبيت المال لا يُحِل ما حرَّم اللَّه تعالى. ثم إذا تميَّز الحلال عن الحرام صرف الحلالَ على أهل العلم والدين ومن يتحرى أكله. ويتعيَّن عليه التخفيف في العقوبات على من تتوجَّه عليه بغير حقّ إذا لم يمكنه دفعها. فليت شعري إذا جلس وزير يعاقب الرعايا ليستخرج منهم الخبائث التي لا يجوز له أخذها، ودَفعها إلى من يأخذها ظلمًا، ويصرفها فيما لا يحلّ فكيف يكون وجهه عند اللَّه تعالى! وكيف لا يتبادرَ إليه الوخم وسوء العاقبة في الدنيا! وكذلك ترى عواقب الوزراء وقبط الدواوين شر العواقب في الدنيا والآخرة.
المثال الحادي عشر
مشد الدواوين: ووظيفته استخلاص ما يتقرَّر في الديوان على من يعسر استخلاصه منه. والكلام فيه كالكلام في الوزير. وهو أشد حالًا؛ لأن الوزير يدَّعي أنَّه يعرف الحساب ولا يؤاخذ إلَّا بما تقرَّر في الديوان، وهذا يقلِّد الوزير: فيضرب ويعاقب على جهل بالشرع والعادة. بل حقَّ عليه لو رفع إليه من توجَّه عليه حق معيّن أن يرفق به. حكى أن المنصور ﵀ بلَّغه عن جماعة من كتاب الدواوين خيانة فأمرَ بعقوبتهم فقال صبيّ منهم وهو يضرب:
أطالَ اللَّه عُمْرك في صلاح ... وعِزّ يا أمير المؤمنينا
بعفوك أستجيرُ فإن تجازي ... فإنك عصمةٌ للعالمينَا
ونحن الكاتبونَ وقد أسأنَا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
المثال الثاني عشر
الدواوين (١) في سائرِ الجهات: وإلى الوزير إن كانوا دواوين
стр. 28
السلطان مرجعهم. وإن كانوا دواوين الأمراء فأمرَ كل ديوان إلى مخدومه. وعلم الكل الأمانة، وتجنُّب الخيانة. ويختصُّ ديوان الأمير بالرفقِ بالفلاحين. ويعمُّ الكلّ تجنُّبُ حُرمات اللَّه تعالى على ما وصفناه؛ فلقد كثر منهم اتخاذُ دُوِيّ الذهب أو المحلاة بالذهب والفضة والسكاكين المفضضة. والأصح تحريم ذلك كله، إلَّا أن يكون نوه بقدر لا يحصل منه شيء بالعرض على النار. سمعت بعضهم يقول وقد قرأَ منقوشًا على دُوِيّ بعض الكتاب:
دواتنا سعيدة ... ليس لها من مَتْرَبه (١)
عروس حسن جُليت (٢) ... منقوشة مكَتَّبه (٣)
قد انطلتْ حِلْيتها ... على الكرامِ الكتبه
لم تنطلِ إلَّا على اللصوص، الكتبة في المكوس. فإذا رأيت ديوانًا من وزير أو غيره يخرج من بيته بعد أن امتلَأ باطنه بالحرام، وهو لابس الحرام، وجلس على الحرام، وفتح الدواة الحرام، وأخذ يَمُدُّ (٤) الأقلام للحرام، ثم عاقبَ للحرام، أفليسَ حقًّا إذا رأيته بعد زمن يسيرُ مضروبًا بالمقارعِ، يُطاف به في الأسواق ويجنى عليه.
المثال الثالث عشر
كاتب السرّ: ووظيفته التوقيع عن الملك والاطّلاع على أسراره التي يكاتِبُ بها، وعن تصدر التواقيع بالولايات والعزل. ومن حقِّه إنهاءُ القصص إلى الملِكِ وتفهيمُه إيّاها؛ فإنَّ أكثر الملوك يعسر عليهم الفهم، ويُؤتَون من قِبَل
стр. 29
ذلك، لاسيّما إذا اشتبكت الأمور، وازدحمت الأشغال. فعلى كاتب السرّ التلطُّف في ذلك بحيث تصل إلى ذهن الملك. وإلَّا فمتى ظلم الملك واحدًا في واقعة لعدم فهمه، وكان كاتب السر هو الذي قرأَ عليه القصة فيها كان شريكًا له أو مستبدًا عنه بالظلم. ومن حقه أن يكتم ما أسِرّ إليه كما قال الشاعر:
ويُكاتم الأسرارَ حتى إنه ... ليصونها عن أن تمرُّ بخاطره
وأن يحترز من الكتابة في قطعِ الأرزاق؛ فقلَّما أفلحَ كاتبه. وما أحسن ما نقشه بعض كُتّاب السرّ على دواته فقال:
حلَّفت من يكتب بي ... بالواحدِ الفردِ الصمدِ
إلَّا يَمُدَّ مدةً ... في قطعِ رزقٍ لأحدِ
المثال الرابع عشر
الموقّعُون (١): وعليهم الرفقُ بالرعيَّة فيما يكتبونه، والتخفيف من التشديدات التي يُؤمَرون بكتابتها، ولا يسوغُ الأمر بها. فإن كان لا يقدر على التخفيف فلا أقل من ألَّا يزيد الطين بِلَّة وشمدد فلقد بلغني أنَّ بعض الملوك قال لموقِّع: اكتب إلى فلان بالحضورَ. فأبرقَ في الكتابة وأرعد، وقعقع في العبارة. فلمَّا وصل إليه الكتاب أرعده ذلك بحيث وضعت امرأته وكانت حاملًا، وأرمَى هو مصارينه من الخوف. ولذلك قال فيهم بعض الشعراء:
قومٌ إذا أخذوا الأقلامَ من غضبٍ ... ثم استمدُّوا بها ماء المنيّات
قالوا بها من أعاديهم وإن بعُدوا ... ما لا يُنال بحدِّ المشرفيّات (٢)
ومن حقِّه ألَّا يستعمل وحشيّ اللغة ولا ما لا يفهمه الأكثر من الناس لاسيّما إذا كتب إلى من يبعد فهمه لذلك.
стр. 30
المثال الخامس عشر
المَهْمَندار (١): اسم لمن يقوم بأمور قُصَّاد الملوك ورسلهم. فمن حقِّه أن يعتمد مصلحة الإِسلام، ويُرهب القصاد، ويوهمهم قوة المسلمين وشدة بأسهم وعظيم سطوتهم، واتِّفاق كلمتهم، وقيامهم في حَوْزة الدين وذَبَّهم عن حريم الملة الإِسلامية، وحفظ النظام، وأن يُنهى أمور القصاد إلى الملك بمقدار ما يكون فيه المصلحة، ورُبَّ من يتعيَّن عليه المبادرة إلى إكرامه، ومن يتعيَّن عليه الكفّ عن إعظامه، بحسب ما تقتضيه الحال. ومن الحقِّ على الملك ونوَّابه الاحتفال عند حضور قُصَّاد الملوك، وإظهار القوَّة وحسن الملبس وكثرة الجيش واستعدادهم على الوجه الشرعيّ.
المثال السادس عشر
البريدية: وهم الذين يحملون رسائل الملك وكتبه. وكانت أئمة العدل لا تُبرد البُرُد إلَّا لمهم من مهمات الإِسلام، لمثله تساق الخيول، وتزعج النفوس، والآن أكثر ما تهلك خُيُولُ البريد للأغراض الدنيوية، من شراء المماليك وجلب الجواري والأمتعة. وإذا ركب الفقيه فرسًا أنكرَ عليه ذلك، وقيل: قد أخطأ السلطان أو نائبه في إركابه؛ فإنَّ البريد لا يُساق إلَّا لمهمات السلطنة. كأنَّهم يعنون بمهمات السلطنة ما اعتادوا به من شراء مملوك مليح، أو استدعاء مغنٍّ حسن الصوت؛ أو خراب بيت شخص أنهى عنه ما لا صحة له، إلى أمثال ذلك. وخفى عنهم أن أئمَّة العدل كانوا يستدعون العلماء من البلاد لأجل نفع المسلمين واشتهارِ الدين، وأنَّ ركوب البريد لهذا الغرض خيرٌ من ركوبه في أغراضهم الفاسدة. وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵁ يُبرد البريد للسلام على قبر سيدنا رسول اللَّه ﷺ فهل رأيت في زماننا ملكًا يفعل ذلك! ومن حقٍّ البريدي كتمان الأسرار، وسترِ العورات، وكفِّ لسانه عن الفضول فضلًا عن
стр. 31
الكذب. فلقد كثر منهم الكذب ونقل البهتان لأجل حُطَام من الدنيا. ومن حقِّه حمل رسائل الإِخوان إليهم؛ ففي ذلك أجرٌ عظيم وشكرٌ لهذه النعمة. وحقٌ على كل بريدي ألَّا يجهد (١) الفرس بل يسوقها بقدر طاقتها. وقد كثر منهم سوق الخيول السَوْقَ المزعج بحيث تَهلك تحتهم. أفما علموا أنها من خلق اللَّه تعالى. فإذا رأيت بريديًا يسوقُ الخيل في أمر لا يجوز حتى يُهلكها، ثم يَقْدَم على أهل بلد فيزعجهم، ثم يعود للسلطان فيدلّ على عورات المسلمين ويُغري الظلمة بالمساكين، الغافلين والغافلات، ثم يزيل اللَّه سبحانه عنه النعمة، ويذيقه أنواع الذلّ والإِهانة فلا تعجب، واعلم أن ذلك من اللَّه عدل.
المثال السابع عشر
ناظر الجيش: فمن حقه النظر في حالهم، وتجريد من يرى فيه المصلحة والكفاية والقدرة. وحرام عليه أن يجهز عاجز الفقراء وغيره، أو أن يُغري به الملك. بل عليه الدفع عنه بما يمكنه؛ فإنَّه ناظر عليه كناظر اليتيم. وعليه توزيع التجريدات على حسب مصلحة المسلمين؛ فإنَّه مطالب بذلك كله، فليتَّق اللَّه ربه. ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإِقطاعات بالفلاحة، والفلّاح حرّ لا يد لآدميّ عليه وهو أمير نفسه. وقد جرت عادة الشام بأن من نزح من دون ثلاث سنين يُلزم ويُعاد إلى القرية قهرًا، ويلزم بشد الفلاحة. والحال في غير الشام أشد منه فيها. وكل ذلك لا يحلّ اعتماده، والبلاد تعمر بدون ذلك. بل إنَّما تخرب بذلك؛ لأنهم يضيقون على الناس فيضيق اللَّه عليهم. ومن قبائحهم أنهم إذا اعتمدوا شيئًا ممَّا جرت به عوائدهم القبيحة يقولون: هذا شرع الديوان؛ والديوان لا شرع له، بل الشرع للَّه تعالى ولرسوله ﷺ . فهذا الكلام ينتهي إلى الكفر؛ وإن لم تنشرح النفس لتكفير قائله؛ فلا أقلّ من ضربه بالسياط؛ ليكفّ لسانه عن هذا التعظيم الذي هو في غُنية عنه بأن يقول: عادة الديوان أو طريقه أو نحو ذلك من الألفاظ التي لا تنكر.
стр. 32
المثال الثامن عشر
السِلَحْدار (١): الذي يحمل السلاح: ومن حقِّه الاحتفاظ حسبما شرحناه ونشرحه في أرباب الوظائف.
المثال التاسع عشر
الجُمَقْدار (٢): حامل الدبُّوس (٣).
المثال العشرون
الطَبَرْدار (٤): وهو الذي يحمل السلاح بين يديّ السلطان لأجل حفظ نفسه.
المثال الحادي والعشرون
الجُوكاندار: وهو الذي يحمل الجوكان (٥).
المثال الثاني والعشرون
الجَمَداريّة (٦): وأكثر ما يكونون صبيانًا ملاحًا مردًا، يتعاناهم (٧)
стр. 33
الملوك، وكذا الأمراء، يكونون بالنوبة مع المخدوم، يلازمونه حتى وقت نومه، وقد تناهت الرغبة فيهم لاستيلاء شهوة المرد الملاح على قلوب أكثر أهل الدنيا، وصارت الجمداريّة تتنوَّع في الملابس المهيجة للشهوات البشرية، ويتزينون فيُربُون في ذلك على النساء، ويفتنون الناس بجمالهم. وحرامٌ على جمدار يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن ينصب نفسه لهذا الغرض، أو أن يتشبه بالنساء فيما خلقن له. وليس له أن يمكن مخدومه من أن يلوط به، ولا أن يُقبّله. فليتَّق اللَّه ربه، وليرحم شبابه؛ فإن الدنيا أهون عند اللَّه من ذلك كله. ومن آدابه إذا ألبس المخدوم ثيابه أن يقدم الأيمن من الخف قبل الأيسر، وإذا نزعه أن يعكس.
المثال الثالث والعشرون
البَشْمَقْدار (١): وهو من أقبع البدع لأنه موضوع لحمل نعل الأمير. وذلك من الرعونة والحمق. ومن آدابه ألّا يضع النعل على البساط وغيره ممَّا يطؤه الناس بأرجلهم حفاة، وربَّما لاقاه وجه مصلّ، وربَّما كانت نجاسةٌ في النعل. وبتقدير ألَّا يكون شيء من ذلك فلا يخفى ما في وضعه على هذا الوجه من الكبر والخيلاء. فإذا كان لا بد من بشمقدار فلا أقل من أن يضع نعل الأمير موضع نعال الخلق.
المثال الرابع والعشرون
أمير عَلم: وإليه أمر طبول الطبلخانات (٢). ومن حقِّه الاحتياط وقت الحرب في الضرب، وتهييجُ العسكر على الإِقدام والمبارزة، والكفُّ حسبما يقتضيه دين اللَّه تعالى، وتدعو إليه الغيرة على بيضة الإِسلام.
стр. 34
المثال الخامس والعشرون
أمير شِكَار (١): وإليه أمر الطيور والكلاب المعدَّة للصيد.
المثال السادس والعشرون
أميرآخور (٢): وإليه أمر الخيول والإصطبل.
المثال السابع والعشرون
السقاة: وإليهم أمر المشروب. وهم من أقبح البدع والتنطع في الدنيا. قد كانت الصحابة ﵃ وملكهم أوسع وأعظم من ملك الأتراك، والأملاك التي كانت في أيديهم أضعاف هذه الأموال بما لا يحصيه إلَّا اللَّه تعالى، يكرعون في الماء. وعلى كل أرباب هذه الوظائف النصح حسبما (٣) تقتضيه وظائفهم. ونذكِّر الساقي بشيئين: أحدهما أنَّه لا يحل لساق يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يُحضر لمخدومه منكرًا يشربه. وعليه إعمال الفكرة والحيلة في سدِّ هذا الباب، وإبعاده عن الأمير بقدر طاقته وقدرته. وله أن يكذب ويقول: لم أجد: أو ذهب، وما شاء دي هذأ الباب ممَّا لا يخفى على صاحب التقوى.
وإن رأى الأمير جبّارًا لا يرجعه عذيل فعليه التوسط ودفع المنكر ما أمكنه وإبعاده عنه؛ لاسيّما في الأوقات التي يجلس فيها الأمير للحكم بين الرعيَّة. فيا ويح أمير يجلس للحكم بين الرعيَّة وهو سكران! وثانيهما حفظ حقوق مخدومه، والخشية عليه من عدوّ يضع له في المشروب ما يُهلكه من سمّ ونحوه. ولقد بلغنا عن جماعة من المماليك السُقاة قتل مخاديمهم لأغراض الدنيا. فقبَّحهم اللَّه من
стр. 35
طائفة! وجرَّبنا فلم نجد مملوكًا ساعد على أستاذه إلَّا وأهلكه اللَّه قريبًا، ولم يحصل على شيء ممَّا أمَّله، بل تنعكس آماله وتتغيَّر أحواله.
المثال الثامن والعشرون
الطواشيّة (١): اعلم أنَّ الممسوح: الذي ذهبت أنثياه وذكره بالكلية، ذهب أكثر أصحابنا إلى جواز نظره إلى الأجنبيّات. وفيه وجه آخر: أنَّه حرام، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه. وكان الشيخ الإِمام ﵀ يختاره. وأمَّا الخَصِيّ: الذي ذهب أنثياه دون ذكره، والمجبوب: الذي ذهب ذكره دون أنثييه فلا يحل لواحد منهما أن ينظر إلى الأجنبية على الصحيح. وهذا كله في نظر الطواشيّ إلى الأجنبية. أمَّا نظره إلى سيدته فأكثر أصحابنا أنَّ نظر العبد إلى سيدته حلال، وإن كان سليم الذكر والأنثيين. هذا ما رجحه الرافعيّ والنوويّ. وعلى هذ انظر الطواشي أولى بالحلّ؛ ولكن الصحيح عند الشيخ الإِمام وجماعة أن نظر سليم الذكر والأنثيين إلى سيدته حرام؛ وهو الحقّ؛ فكيف يباح نظر المماليك الحسان الذين يفتنون بجمالهم إلى سيداتهم، والنساء ناقصات عقل ودين. أمَّا إذا اجتمعَ كونه طواشيًا وكونه مملوكًا لسيدته فهو أقرب إلى الجواز ممَّن لم يجتمع فيه الأمران. ولذلك جوَّز مالك نظر المرأة إلى الطواشيّ إذا كان مملوكًا لها أو لزوجها، ومنعه إذا لم يكن كذلك. ومن الطواشية الزمام (٢) وهو الذي يخصّ النساء. ومن حقه غض بصره عمَّا يخصُّهن، والنصح لصاحب البيت، وإعلامه بما يعجز عن إزالته من الريب، ومنع أرباب الفجور من العجائز وغيرهنَّ من الدخول عليهنَّ. ومنهم مقَدَّم المماليك وهو الذي إليه أمر المُرْدان. ولا يحلّ له المواطأة على الفجور بهم، ولا يمكِّن بعضهم من مضاجعة البعض في فراش واحد. وقد كثرَ في هذه الطائفة نوع القيادة لمخدومهم، وكذلك لغيرهم.
стр. 36
وكذلك في الزمام كثر منهم القيادة. وذلك لما جبلت عليه الطواشية من نقصان العقول وشبههم بالنساء؛ حتى قيل: ما اختلى طواشيّ بالنساء إلَّا وحدَّث نفسه بأنه رجل، ولا بالرجال إلَّا وحدَّث نفسه بأنه امرأة. وقيل: الطواشية أشدُّ الناس غيرة وأكثرهم استحسانًا (١) وقيادة على من تحت أيديهم: من امرأة أو مملوك. وفي كتب الحنفية أنَّه يكره استخدام الخصيان مطلقًا؛ لأنه تحريض على الخصاء المنهي عنه.
المثال التاسع والعشرون
الحاجب: والحجوبية (٢) وظيفة قديمة كانت تُسَمَّى القيادة. وكان الحاجب يسمَّى قائد الجيش. ولم يكن في الزمان الماضي يحكم بل يَعْرِض الجيش، ويعتبر حاله، ويُنهيه إلى الأمير. والآن اصطلحت الترك على أنَّه يفضل [في] القضايا. فنقول: عليه رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أن السياسة لا تنفع شيئًا؛ بل تضرُّ البلاد والرعايا، وتوجب الهَرْج والمَرْج. ومصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلمُ بمصالحهم، ومفاسدهم؛ وشريعة نبينا محمد ﷺ متكفِّلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم. ولا يأتي الفساد إلَّا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه، واطمأنَّت؛ ولم يقض رسول اللَّه ﷺ نحبه حتى أكملَ اللَّه لنا ديننا. وقد اعتبرت -ولا ينبئك مثل خبير- فما وجدت، ولا رأيت، ولا سمعت بسلطان، ولا نائب سلطان، ولا أمير، ولا حاجب، ولا صاحب شُرْطَةُ يُلقي الأمور إلى الشرع إلَّا وينجو بنفسه من مصائب هذه الدنيا، وتكون مصيبته أبدًا أخفَّ من مصيبة غيره، وأيّامه أصلح، وأكثر أمنًا وطمأنينة، وأقلُّ مفاسد. وأنت إذا شئت فانظر تواريخ الملوك والأمراء العادلين، والظالمين، وانظر أيُّ الدولتين أكثرُ طمأنينة وأطولُ أيّامًا؟ وكذلك اعتبرتُ فلم أر ولم أجد من يظنُّ أنَّه يُصلح الدنيا بعقله، ويدبِّر البلاد برأيه وسياسته، ويتعدَّى
стр. 37
حدود اللَّه تعالى وزواجره إِلَّا وكانت عاقبته وخيمة، وأيامه منغَّصة منكِّدة وعيشه قلِقًا، وتفتح عليه أبواب الشرور، ويتَّسع الخرق على الراقع، فلا يُسد ثلمة إِلَّا وتنفتح ثُلمات، ولا يرفع فتنة إِلَّا وينشأ بعدها فتن كثيرة. وعلى مثله يصدق قول الشاعر:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فمن خطر له أنَّه إن لم يسفك الدماء بغير حق، ويضرب المسلمين بلا ذنب لم تصلح أيّامه فعرِّفه أنَّه جهول باغٍ أحمق حمار، دولته قريبة الزوال، ومصيبته سريعة الوقوع، وهو شقِيٌّ في الدنيا والآخرة. وإذا أخذه اللَّه لم يُفلته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) أخبر عزَّ وعلا أنَّا إن لم نحكِّم هذا النَّبيّ العظيم ثم إذا حَكَمَ لم نجد في أنفسنا حرجًا وضِيقًا وقَلَقًا من حكمه بل تطمئنُّ له ونسلِّم، وننقاذ ونذعن. وإلَّا فنحنُ غير مؤمنين، فكفى بهذه الآية واعظًا وزاجرًا لمن وفَّقه اللَّه تعالى. فإن قال حمار من هؤلاء: أنا من أين أعرف هذا وأنا عامّيّ تركيّ لا أعرف كتابًا ولا سنَّة؟ قلنا له: هذا لا ينفعك عند اللَّه تعالى شيئًا؛ ألم يجعل اللَّه لك عينين، ولسانًا وشفتين، وهداكَ النجدين. إذا كنت لا تعرف فاسأل أهل الذكر؛ فإن هذا شأن من لا يعلم؛ وإلَّا فأنت تأتي يوم القيامة وغرماؤك الذين ضربتهم وعاقبتهم يجرُّونك في الحبال وأنت تسحب على وجهك، ولا ينفعك هناك شيء من هذه الأقاويل. وإن عجزت عن الفهم فما لكَ وللدخول في هذه الوظيفة؟! دعها.
إذا لم تستطع أمرًا فدعهُ ... وجاوزهُ إلى ما تستطيع
المثال الثلاثون
النقباء (٢) في أبواب الحجاب والولاة وغيرهم: على الواحد منهم
стр. 38
إذا جُهِّز في طلب أحد السكونُ في الحركة، والرفق بمن يطلبه. وحرامٌ عليه أن يزعجه ويُرْعبه. فإن هو فعل فهلك أحد في الدار -وكثيرًا ما أجهضت حامل جنينها- أو ارتجف واحد من الصبيان فهلك فقد أوجب عليه بعض العلماء القصاص. وإن كان إنَّما فعل ذلك لحُطَام الدنيا، وأن يُقال: النقيب الفلاني شاطر ناهف، ما راحَ في شغل إلَّا وقضاه، فذاك أقبح وأبشع. بل عليه الرفق ذاهبًا وآئبًا. وإذا عاد وعلم الحال ترفَّق في إنهائه؛ بحيث لا يزداد الأمر شِدَّة، ولا الأمير حدَّة.
المثال الحادي والثلاثون
الوالي: وكان هذا الاسم قديمًا لا يسمَّى به إلَّا نائب السلطان. وهو الآن اسم لمن إليه أمرَ أهل الجرائم من اللصوص والخمارين وغيرهم. ومن حقِّه الفحص عن المنكرات: من الخمر والحشيش ونحو ذلك، وسدَّ الذريعة فيه، والستر على من ستره اللَّه تعالى من أرباب المعاصي، وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم. وليس له أن يتجسس على الناس ويبحث عمَّا هم فيه من منكر، ولا كبس (١) بيوتهم بمجرد القال والقيل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٢). وثبت في صحيح مسلم أنَّه ﷺ قال: "إيَّاكم والظنّ فإنَّ الظن أكذب الحديث "ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا". قال العلماء: أرادَ بالظنِّ سوء الظن. وقيل لابن مسعود: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنَّا نهينا عن التجسُّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. أخرجه أبو داود (٣). وعن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: " إنَّك إن اتَّبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدتَ تفسدهم"؛ أخرجه أبو داود أيضًا. فقل لجاهل يخطر له أنَّه يصلح الناس بتتبع عوراتهم: رسول اللَّه ﷺ أصدق البشر قال: إن اتَّبعتها أفسدتهم أو كدت. بل حقّ على الوالي -إذا تيقَّن- أن يبعثَ
стр. 39
سرًا رجلًا مأمونًا ينهى عن المنكر بقدر ما نهى اللَّه ولا يزيد على ذلك. وما تفعله الولاة من إخراج القوم من بيوتهم، وإرعابهم وإزعاجهم وهتيكتهم، كل ذلك من تعدِّي حدود اللَّه تعالى، والظلم القبيح. وليس للوالي غير أن يجلدهم فقط بسوط معتدل بين القضيب (١) والعصا، لا رطب ولا يابس، ويفرِّق السياط على الأعضاء، ويتَّقي الوجه والمقاتل، ولا يتَّقي الرأس على الصحيح، وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁، وفيه وجه أنَّه يتقيه، وهو مذهب عليّ ﵁؛ وبه قال أبو حنيفة: ولا يلقى على وجه ولا يُمد، ولا يُجرَّد عن ثيابه، بل عن مقدار ما يدفع وصول الألم؛ ويترك عليه قميص أو قميصان. ولا يُقام حد الخمر في السكر بل يؤخر حتى يفيق. فإن أقامه في السكر أخطأ ولم يعده إذا أفاق، نقله أبو حيّان التوحيدي عن القاضي أبي حامد. فإن سمعت بوال بلغه عن جماعة أنهم على منكر فأتى بخيله ورجله، وهتكَ ستر أناس سترهم اللَّه تعالى، ثم ضمَّ إلى ذلك أخذ مال منهم تسمّيه الولاة التأديب والجنايات، فاعلم أن صفقته خاسرة، ليتَ شعري آللَّه أمره بهذا حتى يعتمده مع خلقه! والذي يجب عليه التأديب هذا الوالي الذي يأخذ مال الناس من غير حلِّه. فإن ضمَّ إلى ذلك أن حد الخامل الفقير ولم يحد المتجوِّه الغني فقد ضمَّ ظلمًا إلى ظلم. فإن زادَ وأخرج القوم من بيوتهم وهتك حريمهم فقد باءَ بأقبح إثم؛ فإنَّ اللَّه تعالى لم يأمر بذلك. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٢). ومن الولاة من يتجاوز في الضرب المقادير، ويتنوّع في إيصال الآلام لمن يعاقبه بمجرَّد التهمة والظن؛ أفما علم هذا الفاجر أن ضرب بريء أصعبُ عند اللَّه تعالى من تخلية ذي جريمة. وبعض من طبع اللَّه على قلبه من الولاة، يأمر بالرجل أن يجرَّد، فإذا شرع الجلّاد في ضربه قامَ الوالي للصلاة، وأطال -سمعت ذلك عن بعض ولاة القاهرة- فيستمرُّ المضروب تحت العِصِيّ والمقارع ما دامَ الوالي في الصلاة. فقبَّحه اللَّه، آللَّه أمره بهذا! وأي صلاة هذه!
ومن أحكام الولاة الفاسدة، أنه إذا رفع إليهم من أزال بكارة امرأة أمروه بزواجها، وكذلك إذا أحبلها: ظنًا منهم أن ذلك خير ممن ضياع الولد بلا
стр. 40
نسب، وهتيكة الزنا. وهذا خلاف دين اللَّه تعالى؛ فإنَّ ولد الزنى لا يُلحق بالزاني، ولا يكون ابنًا له، ولا يرثُه، فيفعلون حرامًا يستمر أبد الآباد، وهو جعل ولد الزنى ابنًا يرث الزَّاني ويصلِّي عليه إلى غير ذلك من أحكام الأبناء. وحكم اللَّه تعالى فيمن أزالَ بكارة امرأة بغير حقّ إن كانت مكرهة أنَّه يجب عليه مهر بكر وأرش (١) البكارة هذا هو الصحيح، وقيل: مهر ثيِّب وأرش البكارة. وقيل: مهر بكر فقط. وكل منها وقع للرافعيّ ترجيحُه، وتبعه النووي، ولكن الأول هو التحقيق. وأمَّا المطاوِعة فلا يجب لها شيء.
المثال الثاني والثلاثون
البوّاب: وأهل الشام يسمونه المعرِّف، وربَّما قيل المقدَّم وهو رجل بباب الوالي يكون بالمرصاد للصوص؛ عليه الفحص عن أمرهم؛ ليكفَّ عن الخلق شرَّهم. وعليه مجانبة الهوى والميل. ولا بأس عندي إذا وقع له متردد، وغلب على ظنِّه أنَّه السارق لما اتُّهم به أن يُعمِل الحيلة في تقريره بأخذ المال من غير عقوبة، ولا داعية إلى الإِقرار على وجه يوجب القطع؛ فإن القطع حق اللَّه تعالى، والفحص عنه لا ضرورة إليه؛ لبنائه على المسامحة، بخلاف المال.
فهذه غالب وظائف الدولة.
المثال الثالث والثلاثون
أمراء (٢) الدولة: عليهم تفقُّد حال الأجناد، وتعليمهم رمي النُشّاب، والمسابقةَ على الخيل، بحيث يعرفون الطّعان والضرب والحرب. وللأمير أن يحثَّهم في المسابقة والمناضلة على الرهن إذا كان يبعث عزائمهم. والرهن في