← Сияса и кади

Сияса и кади · id 16728

معيد النعم ومبيد النقم

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (122 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكذلك في الزمام كثر منهم القيادة. وذلك لما جبلت عليه الطواشية من نقصان العقول وشبههم بالنساء؛ حتى قيل: ما اختلى طواشيّ بالنساء إلَّا وحدَّث نفسه بأنه رجل، ولا بالرجال إلَّا وحدَّث نفسه بأنه امرأة. وقيل: الطواشية أشدُّ الناس غيرة وأكثرهم استحسانًا (١) وقيادة على من تحت أيديهم: من امرأة أو مملوك. وفي كتب الحنفية أنَّه يكره استخدام الخصيان مطلقًا؛ لأنه تحريض على الخصاء المنهي عنه. المثال التاسع والعشرون الحاجب: والحجوبية (٢) وظيفة قديمة كانت تُسَمَّى القيادة. وكان الحاجب يسمَّى قائد الجيش. ولم يكن في الزمان الماضي يحكم بل يَعْرِض الجيش، ويعتبر حاله، ويُنهيه إلى الأمير. والآن اصطلحت الترك على أنَّه يفضل [في] القضايا. فنقول: عليه رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أن السياسة لا تنفع شيئًا؛ بل تضرُّ البلاد والرعايا، وتوجب الهَرْج والمَرْج. ومصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلمُ بمصالحهم، ومفاسدهم؛ وشريعة نبينا محمد ﷺ متكفِّلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم. ولا يأتي الفساد إلَّا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه، واطمأنَّت؛ ولم يقض رسول اللَّه ﷺ نحبه حتى أكملَ اللَّه لنا ديننا. وقد اعتبرت -ولا ينبئك مثل خبير- فما وجدت، ولا رأيت، ولا سمعت بسلطان، ولا نائب سلطان، ولا أمير، ولا حاجب، ولا صاحب شُرْطَةُ يُلقي الأمور إلى الشرع إلَّا وينجو بنفسه من مصائب هذه الدنيا، وتكون مصيبته أبدًا أخفَّ من مصيبة غيره، وأيّامه أصلح، وأكثر أمنًا وطمأنينة، وأقلُّ مفاسد. وأنت إذا شئت فانظر تواريخ الملوك والأمراء العادلين، والظالمين، وانظر أيُّ الدولتين أكثرُ طمأنينة وأطولُ أيّامًا؟ وكذلك اعتبرتُ فلم أر ولم أجد من يظنُّ أنَّه يُصلح الدنيا بعقله، ويدبِّر البلاد برأيه وسياسته، ويتعدَّى

стр. 37

حدود اللَّه تعالى وزواجره إِلَّا وكانت عاقبته وخيمة، وأيامه منغَّصة منكِّدة وعيشه قلِقًا، وتفتح عليه أبواب الشرور، ويتَّسع الخرق على الراقع، فلا يُسد ثلمة إِلَّا وتنفتح ثُلمات، ولا يرفع فتنة إِلَّا وينشأ بعدها فتن كثيرة. وعلى مثله يصدق قول الشاعر: نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فمن خطر له أنَّه إن لم يسفك الدماء بغير حق، ويضرب المسلمين بلا ذنب لم تصلح أيّامه فعرِّفه أنَّه جهول باغٍ أحمق حمار، دولته قريبة الزوال، ومصيبته سريعة الوقوع، وهو شقِيٌّ في الدنيا والآخرة. وإذا أخذه اللَّه لم يُفلته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) أخبر عزَّ وعلا أنَّا إن لم نحكِّم هذا النَّبيّ العظيم ثم إذا حَكَمَ لم نجد في أنفسنا حرجًا وضِيقًا وقَلَقًا من حكمه بل تطمئنُّ له ونسلِّم، وننقاذ ونذعن. وإلَّا فنحنُ غير مؤمنين، فكفى بهذه الآية واعظًا وزاجرًا لمن وفَّقه اللَّه تعالى. فإن قال حمار من هؤلاء: أنا من أين أعرف هذا وأنا عامّيّ تركيّ لا أعرف كتابًا ولا سنَّة؟ قلنا له: هذا لا ينفعك عند اللَّه تعالى شيئًا؛ ألم يجعل اللَّه لك عينين، ولسانًا وشفتين، وهداكَ النجدين. إذا كنت لا تعرف فاسأل أهل الذكر؛ فإن هذا شأن من لا يعلم؛ وإلَّا فأنت تأتي يوم القيامة وغرماؤك الذين ضربتهم وعاقبتهم يجرُّونك في الحبال وأنت تسحب على وجهك، ولا ينفعك هناك شيء من هذه الأقاويل. وإن عجزت عن الفهم فما لكَ وللدخول في هذه الوظيفة؟! دعها. إذا لم تستطع أمرًا فدعهُ ... وجاوزهُ إلى ما تستطيع المثال الثلاثون النقباء (٢) في أبواب الحجاب والولاة وغيرهم: على الواحد منهم

стр. 38

إذا جُهِّز في طلب أحد السكونُ في الحركة، والرفق بمن يطلبه. وحرامٌ عليه أن يزعجه ويُرْعبه. فإن هو فعل فهلك أحد في الدار -وكثيرًا ما أجهضت حامل جنينها- أو ارتجف واحد من الصبيان فهلك فقد أوجب عليه بعض العلماء القصاص. وإن كان إنَّما فعل ذلك لحُطَام الدنيا، وأن يُقال: النقيب الفلاني شاطر ناهف، ما راحَ في شغل إلَّا وقضاه، فذاك أقبح وأبشع. بل عليه الرفق ذاهبًا وآئبًا. وإذا عاد وعلم الحال ترفَّق في إنهائه؛ بحيث لا يزداد الأمر شِدَّة، ولا الأمير حدَّة. المثال الحادي والثلاثون الوالي: وكان هذا الاسم قديمًا لا يسمَّى به إلَّا نائب السلطان. وهو الآن اسم لمن إليه أمرَ أهل الجرائم من اللصوص والخمارين وغيرهم. ومن حقِّه الفحص عن المنكرات: من الخمر والحشيش ونحو ذلك، وسدَّ الذريعة فيه، والستر على من ستره اللَّه تعالى من أرباب المعاصي، وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم. وليس له أن يتجسس على الناس ويبحث عمَّا هم فيه من منكر، ولا كبس (١) بيوتهم بمجرد القال والقيل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٢). وثبت في صحيح مسلم أنَّه ﷺ قال: "إيَّاكم والظنّ فإنَّ الظن أكذب الحديث "ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا". قال العلماء: أرادَ بالظنِّ سوء الظن. وقيل لابن مسعود: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنَّا نهينا عن التجسُّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. أخرجه أبو داود (٣). وعن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: " إنَّك إن اتَّبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدتَ تفسدهم"؛ أخرجه أبو داود أيضًا. فقل لجاهل يخطر له أنَّه يصلح الناس بتتبع عوراتهم: رسول اللَّه ﷺ أصدق البشر قال: إن اتَّبعتها أفسدتهم أو كدت. بل حقّ على الوالي -إذا تيقَّن- أن يبعثَ

стр. 39

سرًا رجلًا مأمونًا ينهى عن المنكر بقدر ما نهى اللَّه ولا يزيد على ذلك. وما تفعله الولاة من إخراج القوم من بيوتهم، وإرعابهم وإزعاجهم وهتيكتهم، كل ذلك من تعدِّي حدود اللَّه تعالى، والظلم القبيح. وليس للوالي غير أن يجلدهم فقط بسوط معتدل بين القضيب (١) والعصا، لا رطب ولا يابس، ويفرِّق السياط على الأعضاء، ويتَّقي الوجه والمقاتل، ولا يتَّقي الرأس على الصحيح، وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁، وفيه وجه أنَّه يتقيه، وهو مذهب عليّ ﵁؛ وبه قال أبو حنيفة: ولا يلقى على وجه ولا يُمد، ولا يُجرَّد عن ثيابه، بل عن مقدار ما يدفع وصول الألم؛ ويترك عليه قميص أو قميصان. ولا يُقام حد الخمر في السكر بل يؤخر حتى يفيق. فإن أقامه في السكر أخطأ ولم يعده إذا أفاق، نقله أبو حيّان التوحيدي عن القاضي أبي حامد. فإن سمعت بوال بلغه عن جماعة أنهم على منكر فأتى بخيله ورجله، وهتكَ ستر أناس سترهم اللَّه تعالى، ثم ضمَّ إلى ذلك أخذ مال منهم تسمّيه الولاة التأديب والجنايات، فاعلم أن صفقته خاسرة، ليتَ شعري آللَّه أمره بهذا حتى يعتمده مع خلقه! والذي يجب عليه التأديب هذا الوالي الذي يأخذ مال الناس من غير حلِّه. فإن ضمَّ إلى ذلك أن حد الخامل الفقير ولم يحد المتجوِّه الغني فقد ضمَّ ظلمًا إلى ظلم. فإن زادَ وأخرج القوم من بيوتهم وهتك حريمهم فقد باءَ بأقبح إثم؛ فإنَّ اللَّه تعالى لم يأمر بذلك. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٢). ومن الولاة من يتجاوز في الضرب المقادير، ويتنوّع في إيصال الآلام لمن يعاقبه بمجرَّد التهمة والظن؛ أفما علم هذا الفاجر أن ضرب بريء أصعبُ عند اللَّه تعالى من تخلية ذي جريمة. وبعض من طبع اللَّه على قلبه من الولاة، يأمر بالرجل أن يجرَّد، فإذا شرع الجلّاد في ضربه قامَ الوالي للصلاة، وأطال -سمعت ذلك عن بعض ولاة القاهرة- فيستمرُّ المضروب تحت العِصِيّ والمقارع ما دامَ الوالي في الصلاة. فقبَّحه اللَّه، آللَّه أمره بهذا! وأي صلاة هذه! ومن أحكام الولاة الفاسدة، أنه إذا رفع إليهم من أزال بكارة امرأة أمروه بزواجها، وكذلك إذا أحبلها: ظنًا منهم أن ذلك خير ممن ضياع الولد بلا

стр. 40

نسب، وهتيكة الزنا. وهذا خلاف دين اللَّه تعالى؛ فإنَّ ولد الزنى لا يُلحق بالزاني، ولا يكون ابنًا له، ولا يرثُه، فيفعلون حرامًا يستمر أبد الآباد، وهو جعل ولد الزنى ابنًا يرث الزَّاني ويصلِّي عليه إلى غير ذلك من أحكام الأبناء. وحكم اللَّه تعالى فيمن أزالَ بكارة امرأة بغير حقّ إن كانت مكرهة أنَّه يجب عليه مهر بكر وأرش (١) البكارة هذا هو الصحيح، وقيل: مهر ثيِّب وأرش البكارة. وقيل: مهر بكر فقط. وكل منها وقع للرافعيّ ترجيحُه، وتبعه النووي، ولكن الأول هو التحقيق. وأمَّا المطاوِعة فلا يجب لها شيء. المثال الثاني والثلاثون البوّاب: وأهل الشام يسمونه المعرِّف، وربَّما قيل المقدَّم وهو رجل بباب الوالي يكون بالمرصاد للصوص؛ عليه الفحص عن أمرهم؛ ليكفَّ عن الخلق شرَّهم. وعليه مجانبة الهوى والميل. ولا بأس عندي إذا وقع له متردد، وغلب على ظنِّه أنَّه السارق لما اتُّهم به أن يُعمِل الحيلة في تقريره بأخذ المال من غير عقوبة، ولا داعية إلى الإِقرار على وجه يوجب القطع؛ فإن القطع حق اللَّه تعالى، والفحص عنه لا ضرورة إليه؛ لبنائه على المسامحة، بخلاف المال. فهذه غالب وظائف الدولة. المثال الثالث والثلاثون أمراء (٢) الدولة: عليهم تفقُّد حال الأجناد، وتعليمهم رمي النُشّاب، والمسابقةَ على الخيل، بحيث يعرفون الطّعان والضرب والحرب. وللأمير أن يحثَّهم في المسابقة والمناضلة على الرهن إذا كان يبعث عزائمهم. والرهن في

стр. 41

ذلك جائز. ومَنْ شرط العقد عليه لزمه إِلَّا أن يكون على صوة القِمار فهو حرام لا يلزم فيه العوض. وصورة القِمار أن يكون كل واحد منهما لا يخلو عن غنْم أو غرم؛ وذلك أن يُخرِجِ كلّ واحد من الفارسين دينارًا مثلًا على أنَّ مَن سبق منهما أخذ الدينارين جميعًا. فهذا حرام، إلَّا أن يكون هناك محلَّل؛ وهو ثالث يسابقهما بفرس كفِئ لفرسيهما على أنَّه إن سبقهما أخذ الدينارين، وإن سبقاه لم يغرم شيئًا. وتصحّ المسابقة على الفِيَلة والبغال والحمير في الأصح. ولا تجوز على الحَمَام، ولا على غيره من الطيور. ولا يجوز الصّراع على الأصح. وما يعتاده الأمراء في هذا الزمان من لعب الكرة في الميدان حلال. وينبغي أن يقصدوا به تعليم الخيل الإِقبال والإِدبار، والكرّ والفرّ. وأمَّا المراهنة في ذلك إن كانت من جانب واحد فهي جائزة ولكن لا يلزم العِوَض فيها بل هي تبرّع إن شاء وَفَى به، وإن شاء لم يفِ. وإن كان الرهن من الجانبين كان قمارًا حرامًا. وأمَّا العلاج (١) الذي يتعاطاه الشباب فإن كان لا يضرّ أبدانهم ولا يشغلهم عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فهو جائز، ولا يجوز فيه الرهن. وعلى الأمير إذا سار بالجيش الرفق بهم، والسير على سير أضعفهم، وتفقُّد خيولهم، وتقوية قلوبهم. ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لا يوقِّرون أهل العلم، ولا يعرفون لهم حقوقهم، وينكرون عليهم ما هم يرتكبون. وما أحمق الأمير إذا كان يرتكب معصية ووجد فقيهًا يُقال عنه مثلها أن ينتقصه ويعيبه. وما له لا ينظر إلى نفسه مع ما خوَّله اللَّه تعالى من النعم! ما أعلم أنَّ القبيح عند اللَّه تعالى حرام بالنسبة إلى كل أحد؟ وربَّما كان عند الفقيه ما يستر قبيحه وليس عند الأمير وراء ذلك القبيح إِلَّا أمثاله من القبائح. فممَّا يتعيَّن على الأمير إذا أنهي إليه عن أحد من أهل العلم سوءٌ ألَّا يصدقه، ويحسن الظنَّ بهذه الطائفة؛ فإن لحومهم مسمومة. وما رأيت أميرًا يغضُّ من جانب الفقهاء إلَّا وكانت عاقبته عاقبة سوْء. فإن تيقَّن على أحد منهم سوءًا واتَّضح عنده كالشمس -ولن يصير ذلك إن شاء اللَّه تعالى- فعلى الأمير بعد ذلك أن يتفقَّد نفسه فإن كان هو أيضًا يفعل ذلك الفعل فليَعُدْ على

стр. 42

نفسه باللائمة ويقولَ: أنا أذنبت ذنبين؛ لأني جاهل مرتكب هذا القبيح، فكيف أؤاخذ هذا الذي لم يذنب إلَّا ذنبًا واحدًا وهو هذا القبيح، فقد شاركني في ارتكاب الذنب وفارقني في أنَّه عالم وأنا جاهل، فأنا أنحس منه، لأنِّي صاحب ذنبين، وهو صاحب ذنب واحد. وبلغنا أن فقيهًا رُفع إلى بعض الأمراء وهو سكران فأخذ الأمير يجلده، والأمير أيضًا سكران، فلمَّا قام الفقيه قال: ربِّ اغفر لي، وجاء إلى القاضي وقال: أقم عليَّ الحدَّ، فإنَ الأمير فاسق لا تصح إقامته الحد. فأهلك اللَّه ذلك الأمير بعد أيّام يسيرة. ومن قبائحهم استكثارهم الأرزاق -وإن قلَّت- على العلماء، واستقلالهم الأرزاق -وإن كثرت- على أنفسهم. ورأيت كثيرًا منهم يعيبون على بعض الفقهاء ركوب الخيل، ولبس الثياب الفاخرة. وهذه الطائفة من الأمراء يخشى عليها زوال النعمة عن قريب، فإنَّها تتبختر في أنعم اللَّه مع الجهل والمعصية. وتنقم على خاصة خَلْقه يسيرًا ممَّا هم فيه. أفما يخشون ربهم من فوقهم! ولو اعتبرَ واحد منهم رزق أكبر فقيه لوجده دون رزق أقلِّ مملوك عنده. أفما يستحي هذا الأمير المسكين من اللَّه تعالى! وإذا سلبه اللَّه تعافي نعمته فَلِمَ يتعجَّب ويبكي؟ أو مَا يدري أنَّ واحدة من هذه المصائب تهلكه وتدمِّره وما أحسن ما رأيته منقوشًا على دواة بعض الأمراء، وهو من نظمي، وأنا أمرت بأن يكتب: حلَّفت من يكتب بي ... باللَّه ربِّ العالَمِ ألا يمد مدَّة ... تؤلم قلب عالِمِ ومن قبائحهم ما يذهِّبونه منِ الذهب في الأطرزة (١) العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرَّمها اللَّه وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ من ضيِّق سكة (٢) المسلمين. وأنت

стр. 43

إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلَّا اللَّه تعالى؛ فإنه لا بدَّ في كل منطقة أو طراز ونحوه من ذهاب شيء -وإن قلَّ جدًا- تأكله النار، وهو في الأبنية أكثر. فإذا ضممت ذلك القليل إلى قليل آخر على اختلاف في البقاع والأزمان لم يحصِ ما ضاعَ من القناطير المقنطرة من الذهب إِلَّا اللَّه تعالى. ثم القدر الذي يسلم ولا يضيع يصير محبوسًا عندهم أطرزة ومناطق وسلاسل وكنابيش (١) وسروجًا وغير ذلك من المحرمات المختلفة الأنواع. ولو كان مضروبًا سكة يتداوله المسلمون لانتفعوا به، ورخصت البضائع، وكثرت الأموال. ولكنهم احتجروا (٢) وفعلوا هذه القبائح وطلبوا من اللَّه تعالى أن ينصرهم، ومِنَّا أن ندعو لهم. ولو أنهم اتَّقُوا اللَّه حقَّ تقاته لما افتقروا إلى دعائنا. وهذا نائب السلطنة في الشام الذي هو عندنا اليوم لا يلبس طرازًا من ذهب، ولا يفعل شيئًا من هذه المحرمات، واللَّه تعالى ينصره ويؤيِّده. وقد ناب في دمشق ثلاث مرات ولم يخرِج منها قط إِلَّا معززًا مكرمًا. أفترى ذلك سدًى! واللَّه لولا تقواه لما كان ذلك أبدًا. وقد طلبَ الملك المظفَّر سيف الدين قُطز شيخَ الإِسلام وسلطان العلماء عزّ الدين بن عبد السلام بحضرة الملك الظاهر بيبرس والملك المنصور قلاوون وغيرهما من الأمراء، وحادثه في الخروج إلى لقاء العدو من التتار، لمَّا دهموا البلاد ووصلوا إلى عين جالوت فقال له: اخرج وأنا أضمن لك على اللَّه النصر. فقال الملك: إنَّ المال في خزائني قليل، وأريد الاقتراض من التجار. فقال: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، وأنفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفتهم أنا أسأل اللَّه تعالى لكم في إظهار كنز من كنوز الأرض يكفيكم ويفضل عنكم. وأمَّا أنكم تأخذون أموال المسلمين وتخرجون إلى لقاء العدو عليكم المحرمات من الأطرزة المزركشة، والمناطق المحرَّمة، وتطلبون من اللَّه النصر فهذا لا سبيل إليه. فوافقوه وأخرجوا ما عندهم. ففرَّقه، وكفى، وخرجوا

стр. 44

وانتصروا. وأنت ففكر واحسب تقديرًا: كم على وجه الأرض من طراز ومِنْطقة وحلي حرام؟ وكم يكون مبلغه إذا اجتمعَ وضربَ نقدًا يتعامل به المسلمون؟ قال لي مرة بعض الأمراء وقد حكيت له كثرة ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يقطعه للأجناد وكذلك من بعده من خلفاء الصحابة ﵃، وخلفاء بني أمية، وما كان عدد عساكرهم التي تضيق الأرض دونها. فقال: إذا كان عسكرهم هذا القدر العظيم، وإقطاعاتهم هذه الإِقطاعات، فمن أين كانوا يجدون المال الذي يكفيهم؟ والبلاد البلاد ما تغيَّرت. فقلت: من هذه الأطرزة والحلي المحرَّم والخيول المسومة. قال: كيف؟ قلت: ما كانوا يعملون هذا الحلي ولا يشترون الفرس بمائة ألف درهم والمملوك بخمسين ألفًا، ولا ينتهون في الخيلاء إلى معشار ما انتهيتم إليه فقال: صدقت. ولقد سمعت أنَّ واحدًا منهم خرج مرة إلى الصيد فافتضَّ هو ومماليكه من بنات البَرِّ ما يزيد على سبعين بنتًا حرامًا. فإذا فعل واحد منهم هذا الفعل، وتنوَّع في الفسق بالغلمان والخمور والبرطيل ونحو ذلك، ثم سلبه اللَّه النعمة، وسلَّط عليه أقلّ الأعداء في أيسر وقت لا يتعجَّب؛ بل يذوق بأس اللَّه إذا نزل بساحته. ومن منكراتهم ركوبهم والجنائب (١) تُقاد بين أيديهم مُسْرَجة غير مركوبة، وهم مع ذلك يجدون المحتاج ماشيًا ولا يُركبونه، وإنَّما يمشون بالجنائب للتزيُّن لا لحاجة. روى أبو داود (٢) من حديث سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تكون إبل للشياطين، وييوت للشياطين". فأمَّا إبل الشياطين فقد رأيتها: يخرج أحدكم بنجيبات (٣) معه قد أسمنها، فلا يعلو بعيرًا منها، ويمرُّ بأخيه قد انقطع فلا يحمله. وأمَّا بيوت الشياطين فلم أرها. قال سعيد: لا أُراها إلَّا هذه الأقفاص التي تُستر بالديباج. قلت: الأقفاص المستورة بالديباج كالمِحفَّة والمحائر (٤)

стр. 45

وغيرها ممَّا يتعاناه أهل الثروة. وهذا فيمن قادَ الجنائب بالخُيَلاء. أمَّا من يقودها ليحمل ضعيفًا يراه في الطريق فهو حسن. وكذلك إذا قادها في الجهاد خشية أن فرسه تعجز. ومنها أن الجنديّ يقاتل ويخاطر بنفسه فيَقتل في الحرِب كافرًا، فلا يعطونه سَلَبه؛ والنَّبيّ ﷺ قد أعطاهُ إيَّاه حيث قال: "من قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبه". فيمنعونه ما أعطاه سيد الأولين والآخرين ﷺ ويفتّرون بذلك عزائم الجند؛ فإنَّ الجنديّ إذا عرف أنَّه يخاطر بنفسه فلا ينصَف فترت عزيمته. وحقَّ عليهم أن يعطوه سلَب المقتول. وهو ثياب القتيل ودرعه وسلاحه ومركوبه وسرجه ولجامه. وكذا سواره ومنطقته وخاتمه وما معه من النفقة، ومن جنيب يقاد معه على الصحيح. وإنَّما يَستحقُّ السلب مَن ركب الخطر لكفاية شر كافر في حال الحرب. فلو رَمَى من حصن، أو من الصف، أو قتل نائمًا، أو أسيرًا، أو قتله بعد انهزام الكفار، فلا سلب له. ولو لم يقتله ولكن أسره أو قطع يديه أو رجليه استحقَّ سَلَبه على الجديد؛ وخالفَ فيه الشيخ الإِمام. المثال الرابع والثلاثون الأجناد: فمن حقّ اللَّه عليهم وشكر نعمته اللطف بالفلاحين. فلو شاءَ اللَّه تعالى لَقَلَبَ الفلَّاح جنديًا والجندي فلَّاحًا. فإذا كان لا يشكر نعمة اللَّه تعالى على أن رفعه على درجة الفلاح فلا أقلّ من أن يكفي الفلاح شرّه وظلمه. وعليهم مصابرة العدوّ إذا التقى الجمعان. ولا ينهزم الجمع إلَّا عن أكثر من مثليه بما له وقْع؛ كانهزام مائة عن مائتين وخمسين. وأمَّا انهزامه عن مثليه كعشرة عن عشرين فلا يجوز، إِلَّا أن ينصرف متحرِّفًا لقتال أو متحيِّزًا إلى فئة يستنجد بها. وإذا طلب الكافر المبارزة استحبَّ لمن جرَّب نفسه الخروج إليه بإذن أمير الجيش. وعليهم تأذية الأمانة فيما حازوه من الغنائم، وامتثال أمر الأمير فيما لم يخالف الشرع، والتعاون والتناصر واجتماع الكلمة. المثال الخامس والثلاثون أمراء العرب في هذا الزمان: وهم الذين يظعنون وينزلون. وقد أنعمَ اللَّهُ تعالى عليهم بالأرزاق الوافرة، والإِقطاعات الهائلة، ليرفعوا أذاهم

стр. 46

عن المسلمين. ومن قبائحهم أنه إذا قطع السلطان إقطاع واحد منهم تسلَّط على قطع الطرقات وأذيَّة من لم يؤذه، وأخذ مال من لم يظلمه، ولا يتوقفون في سفك الدماء لأجل هذا الغرض. وبذلك يقابلهم اللَّه . فلو أنَّهم صبروا واتَّقوا اللَّه لكان خيرا لهم. ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة على اللَّه تعالى. وكثير من العرب لا يتزوجون المرأة بعقد شرعي؛ وإنَّما يأخذونها باليد، وربَّما كانت في عصمة واحد فنزل عليها أمير غيره، واستأذَنَ أباها وأخذها من زوجها. فهات قل لي: أيُّ ولد حلال ينتج من هذه؟ لا جرم أنهم لا يلدون إلَّا فاجرًا. ومن قبائحهم أنهم لا يورِّثون البنات، ولا يمنعون الزنى في الجواري، بل جواريهم يتظاهرن بالزنى مع عبيدهم. وكل ذلك من الموبقات العظائم. المثال السادس والثلاثون القاضي: وقد استوعبتْ كتب الفقه ما يتعيَّن له وعليه. وخصَّ جماعة من الأئمة كتاب القضاء بالتصنيف. ونرى أن نخصّ هذا المكان بالتنبيه على الهدية فنقول: قبول الهدايا من أقبح ما يرتكبه القضاة، فلنسد بابها بالكلية. وقد علم أن مذهب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه أنَّه لا يجوز له أن يقبل الهدية ممَّن لم تكن له عادة أن يهاديه قبل ولايته القضاء، ولا ممَّن كانت له عادة ما دامت له حكومة. والمذاهب في المسألة معروفة. وأنا أعتقد أنَّه يحرم على القاضي قبول هدية من يُهدِي للقاضي في العرف ليستميل خاطره لقضاء أرَبه. وذلك يشمل كل من هو دون القاضي، ومن هو مثله ممَّن قد يحتاج إلى القاضي، وكثيرًا ممَّن هو فوقه. ويخرج بعض من هو فوق القاضي، كالملوك الذين يصل إلى القاضي إنعامهم، ولا يقصدون بذلك استمالة خاطره لقضاء حوائجهم عنده. فإن حوائجهم عنده إن كان ممَّن يراعيهم لا تحتاج إلى الهدايا؛ لما لهم من الجاه. وإلَّا فلا تفيد الهديَّة؛ فأقول: يحرم قبول هدية القسم الأول: كانت له عادة قبل القضاء أم لم تكن، كانت له حكومة أم لم تكن. ويجوز قبول هدية القسم الثاني بشرطين: أحدهما أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قَبْل الهدية كهو بعدها. وهذا يتأتَّى في هدايا الملوك، ولا يتأتَّى في

стр. 47

غيرهم. والثاني أن تجري عادة ذلك الملك بفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي، وإنَّما خصَّصت فصل الهدية بباب القضاء، وإن كانت تشمل كل ولي أمر؛ لأنها من القاضي أقبح. ومن محاسن الشيخ الإِمام رحمه اللَّه تعالى كتاب "فصل المقال، في هدايا العمال" اشتمل على فوائد نفيسة؛ فلينظره من شاء. ومِمَّا يتعيَّن على القاضي تفهيم الملك الحكم الشرعي فيما يُنهى إليه من الوقائع، ومناضلته عنده عنها، وإفهامه أن ذلك هو الدين الذي إن حاد عنه هلك، وإن اعتمده نجا، وأن ينظر في أمر الأوقاف والمستحقين، من المشتغلين والمحتاجين وغيرهم. وهذا يخص قاضي الشافعية في بلادنا والبلاد الشامية؛ لأنه كبير القضاة، وله النظر العام في الأوقاف وغيرها؛ فهو بذلك أمسّ. وممَّا هوَّنت بعض القضاة فيه الأمر الحكم بالصحة؛ فتراهم يقْدمون عليه بمجرد ثبوت العقد والملك والحيازة. وكان الشيخ الإِمام ﵀ يشدِّد النكير في ذلك، ويذكِّر للصحة المطلقة عنده اثنين وعشرين شرطًا: كون المبيع -مثلًا- طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، مملوكًا للعاقد أو لمن يقع العقد له، مرئيًا رؤية لا تتقدَّم على العقد بزمان يمكن التغيرِ فيه، معلومًا. وكل واحد من البائع والمشتري كونه بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، مختارًا، غير محجور عليه في تلك السِّلْعة المبيعة، وكون الثمن المعيَّن مستجمعًا شروط المبيع. وأمَّا الذي في الذمّة فالعلم بقدره، ووصفه، وكون العقد بإيجاب وقبول لا يطول الفصل بينهما، ولا يقترن به شرط مفسد، وأن ينقضي الخيار والحال على ذلك. والدعوى، والإِنكار، وقيام البينة بما ليس بظاهر جوده من هذه الأشياء، وسؤال الحكم وحضور المحكوم عليه أو وكيله أو المنصوب عنه. قال فهذه عشرون شرطًا. قال: والإِعدار (١) مختلف فيه.

стр. 48

ووصيتي لكل قاضٍ ألا يحكم إلَّا به، ولا يحكم بعلمه، بل بالبينة، وفي اشتراط العلم بالملك الخلاف المعروف فيما لو باعَ مال أبيه عن ظن حياته فبانَ ميتًا؛ فإن شرطناه فهي اثنان وعشرون شرطًا للصحة المطلقة. قال: وأمَّا الصحة بالنسبة إلى المتداعيين في شيء يتداعيانه؛ كما إذا ادَّعى أحدهما أنَّه غير مرئيّ، وبيان الحاكم لا يرى اشتراط الرؤية، فيحكم عليه بالصحة مع عدم الرؤية؛ لأنه مذهبه ولم يحصل النزاع إلَّا فيه فهذا حكم بصحة مقيدة لا بصحة مطلقة. فلا يمنع حاكمًا آخر من الحكم بفساده من جهة أخرى. وأطالَ الشيخ الإِمام الكلام في الصحة المطلقة فيما عدده من الشروط في كتابه المسمَّى "وقت الصبحة في الحكم بالصحة" وهو كتاب لم يتممه. ومن كلام الشيخ الإِمام ﵀ في وصية أخرى للقضاة قال فيها بعد أن ساق حديث: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنّة؛ واثنان في النار؛ قاض قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة، وقاضٍ قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير الحق فهو في النار). ما نصُّه -ونقلته من خطه-: تنبَّه أيُّها القاضي لما أنت فيه من الأخطار، وطب نفسًا إذا حكمت بحق تعلم للَّه تعالى، وإلَّا فلا، واعلم أنَّ الحلال بين، وهو الذي تجده منصوصًا عليه في كتاب اللَّه تعالى وسنَّة نبيّه ﷺ ، أو مجمعًا عليه، أو عليه دليل جيِّدٌ غير ذلك من سائر الأدلة الراجعة إلى الكتاب والسنَّة، بحيث ينشرح صدرك لأنه حكم اللَّه تعالى. فهذا حكمك به عبادة تثاب عليه؛ وينبغي لك أن تقصد به وجه اللَّه تعالى، فلا يكون حكمك به لمخلوق، ولا لغرض من أغراض الدنيا. فبذلك تكمل العبادة فيه، وتنال الأجر من خالقك. وإن حكمت به لغرض من أغراض الدنيا صحَّ الحكم، ولكن لا يكون لك فيه أجر. وما سوى هذا فهو على درجات: إحداها أن تحكم بذلك من غير قصد القُرْبة، ولا غرض من الأغراض الدنيوية، فهذا خير من القِسْم الثاني الذي قبله، الذي قصد به غرض دنيوي، ولكنَّه يظهر أيضًا أنَّه لا أجر فيه؛ لعدم قصد القُرْبة. واعلم أنَّا لا نشترط وجود قصد القربة عند الحكم؛ بل نكتفي به في أصل ولاية القضاء، لأنه قد يشُقّ استحضاره في كل حكم، فنكتفي به عند الدخول في أوّله، كما اكتفى بنية المجاهد في أول خروجه. الرتبة الثالثة أن يكون الحكم مختلفًا فيه، وحصل ما يجوز الإِقدام على، الحكم به من الأدلّة الشرعية مع احتمال يمنع من انشراح الصدر له الانشراح الكلّي، فهذا جائز، والأجر فيه دون القسم المجمع عليه؛

стр. 49

لأنَّ المصلحة في المجمع عليه أتمّ، فالعبادة فيه أكمل، وإن كان لا تقصير في هذا. الرتبة الرابعة: أن تحصل شبهة تمنع من غلبة الظن بأنَّ ذلك حكم اللَّه تعالى، فلا يحل الحكم. الرتبة الخامسة: أن يعتقد أنه خلاف حكم اللَّه تعالى، فلا يحل الحكم. وإن كان بعض العلماء قال به. الرتبة السادسة: أن يكون مجمعًا على أنه ليس بحكم للَّه تعالى، فلا يحلّ الحكم. وهذه المراتب الثلاث عدم الحِلّ فيها مرتب ترتيبًا لا يخفى. واعلم أنَّ المرتبة الخامسة والسادسة ما أظن أحدًا يُقدِم عليهما إن شاء اللَّه تعالى، والمرتبة الرابعة قد تكون عند قيام الشكّ ومخالجة الاحتمال. قد تسوّل لك نفسُك أو الشيطان أو أحد من الناس الإقدام على الحكم لغرض من الأغراض، ويسلّ عليك لأنَّك لم تجزم بالتحريم، فإِيَّاك أن تقدم على الحكم، فتدخل في قوله: وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم فإذا كان الذي قضى بالحق وهو لا يعلم في النار فالذي قضى وهو لا يعلم والمقضى به متردّد بين الحق والباطل كيف يكون حاله؟ وفي هذه المرتبة تجد كثيرًا من إخوان السوء يسوَّلون لك الحكم، فإيَّاك ثم إيَّاك، واستحضر بقلبك غدًا يوم القيامة إذا انتصبَ الجبّار لفصل القضاء، وجيء بالنَّبيين والشهداء، وجيء بك يا مسكين، وأنت كالقمحة، بل كالذرة بين أرجل الناس بل أقلُّ من ذلك، وفي ذلك الموقف رسول اللَّه ﷺ ، الذي أنت نائبه، وقد بلَّغك شريعته، وجبريل الذي نزل بها عليه، ورسل اللَّه تعالى وأنبياؤه وملائكته والصدِّيقون والشهداء كالسُرُج المضيئة في ذلك المشهد بين يدي اللَّه تعالى، وسألكَ اللَّه تعالى بغير واسطة بينك وبينه: لم حكمت في هذا الأمر؟ ومن بلَّغك عني هذا؟ ونظرت يمينًا وشِمالًا فلم تجد هنالك سلطانًا ولا أميرًا ولا كبيرًا ممَّن سوَّل لك ذلك الحكم، ورأيت نفسك غريبًا حقيرًا وحيدًا، ونظرتُ إلى النَّبيّ ﷺ وهو المقدَّم في ذلك المشهد العظيم الذي ترجو شفاعته، وقد حكمت بغير شريعته، كيف يبقى وجهك معه؟! أو كيف يبقى حالك عنده؟! وسائر الأنبياء والرسل والملائكة وأهل ذلك الموقف من الصالحين ينظرون إليك واللَّه تعالى ينظرك هل ينفعك ذلك الوقت أحد من أهل الدنيا أو مال أو جاه أو غير ذلك؟ كلا واللَّه لا ينفع فانظر يا مسكين هذا الموقف، فما علمت أنه بنجيك لا تستحى بسببه فيه، فافعله؛ وما سوى ذلك كن منه على حذر، ولو طلبه منك أكبر ملوك

стр. 50

الأرض بملئها ذهبًا. وإن قيلَ لك: قد يكون توقفك تركًا للحكم الواجب، فقل: إنَّما يكون واجبًا إذا ظهر، وعند الشك لا، وإذا دارَ الأمر بين الترك مع الشك والإقدام مع الشك، كان الترك أسهل، لأنه أخفّ وأقلّ جرأة فهذا الذي تيسَّر ذكره ممَّا أوصيتك به أيُّها القاضي. المثال السابع والثلاثون كاتب القاضي: ومن حقِّه أن يعرف مدلولات الألفاظ العرفية واللغوية. وأن يكون حسن الفهم عن اللّافظين من عوامّ الواقفين والمقِرِّين وغيرهم، وأن ينبِّه كل لافظ على ما لعلَّه يشك في إرادته له. ولقد ضاعَ كثير من أوقاتنا في مدلولات ألفاظ الواقفين ضياعًا منشؤه الشروطيون. وقد كثُر من الشروطيين أن يكتبوا في بيع القرية مثلًا: خلا ما فيها من مسجد للَّهِ تعالى ومقبرة وملك لأربابه، ووقف؛ يذكرون ذلك بعد تحديد القرية، ولا يحددون هذا المستثنى، فيورث ذلك الجهل بالمبيع. قال الشيخ الإِمام: إن كانت تلك المواضع معروفة للمتعاقدين صحَّ البيع؛ وإلَّا فيحتمل أن يفسد؛ لأنَّ جهالتها تقتضي جهالة الباقي المعقود عليه. ويحتمل أن يقال: الجملة معلومة ولا يضرّ جهالة القدْر المستثنى: قال: ولم أرَ فيه نقلًا. واما كتابة الشروطيين الصداق في الحرير فمختلف في جوازه. وأفتى النوويّ رحمه اللَّه تعالى بتحريمه وعزاه إلى جماعات من أصحابنا؛ ولكن الأظهر حلُّه؛ لأنه لمصلحة النساء. وقد كان الشيخ الإمام أوّلًا امتنع من كتابة الصداق على الحرير، ثم رأيته يكتب عليه. وهذا آخر الأمرين منه. والتردّد في المسألة شبيه باختلاف الأصحاب في ألواح الصبيان (١).

стр. 51

المثال الثامن والثلاثون حاجب القاضي: ومن حقه الاستئذان على ذوي الحاجات، ورفع الأمور إلى القاضي حسبما ذكره الفقهاء. المثال التاسع والثلاثون نقيب القاضي: ومن حقِّه تنبيه القاضي على الشهود، وتنبيه الشهود على القاضي. المثال الأربعون أمناء القاضي: وعليهم التحفُّظ في أموال الأيتام والغائبين. والصحيح عندنا تبعًا للشيخ الإمام أنه لا يجوز للقاضي إقراض مال اليتيم. وعلى الأمناء إذا أمرَ القاضي بصرف زكاة اليتيم تأديتها لمن يعيّنها له مهنَّأة ميسَّرة، ولا يجوزُ إخراجها قبل الحَوْل. ومن أحوج أم اليتيم أن تتردَّد إلى بابه لأخذ نفقة اليتيم من ماله فقد ظلم ظلمًا عظيمًا. المثال الحادي والأربعون وكلاء (١) دار القاضي: وقد مدحهم قوم فقالوا: هم أناس نصبوا أنفسهم لخلاص حقوق الخلق، وذمَّهم آخرون فقالوا: هم أناس فضَّل عليهم الفضول فباعوه لغيرهم. والحقّ عندنا أنَّ من أرادَ منهم وجه اللَّه تعالى محمود، وإن تناولَ أجرته؛ ومن أراد الخصام وإبطال الحقوق مذموم. ومن حقهم التفهّم عن الموكِّل، ومعرفة الواقعة، والحقّ في أي الطرفين، فلا يتوكّل على المحق معتذرًا بأنه وكيل، ولا يبدي من الحجَّة إلَّا ما يعرفه حقًا، أو يقوله له الموكِّل وهو يجهل الحال فيعتمد عليه، فإن علمه باطلًا وأدلى به فهو في جهنم.

стр. 52

المثال الثاني والأربعون الشهود (١): وهم قِوَام غالب المعاش والمبادلات. وقد ذكَر الفقهاء ما لهم، وما عليهم، فاستوعبوا، وذمَّهم قوم وقالوا: إن سفيان الثوريّ قال: الناس عدول إلَّا العدول (٢)؛ وإنَّ عبد اللَّه بن المبارك قال: هم السفلة؛ وأنشدوا: قومٌ إذا غضبوا كانت رماحهم ... بثَّ الشهادة بين الناس بالزورِ هم السلاطينُ إلَّا أنَّ حكمهم ... على السِّجلَّات والأملاكِ والدورِ وقال آخر: إيَّاك أحقاد الشهود فإنَّما ... أحكامهم تجري على الحكَّامِ قومٌ إذا خافوا عداوة قادرٍ ... سفكوا الدما بأسنَّة الأقلامِ وقال آخر: احذر حوانيتَ الشهو ... دِ الأخسرين الأرذلينا قومٌ لئامٌ يسرقو ... نَ ويحلفون ويكذبونا وكل هذا عندنا غلوّ، وإفراط، وتجاوز. ومن سلكَ منهم ما أمرَ به واجتنب ما نهى عنه محمود مأجور؛ غير أنه قد غلب على أكثرهم التسرُّع إلى التحمّل، وذلك مذموم. وأخذ الأجرة على الأداء وهو حرام. وقسمة ما يتحصَّل لهم في الحانوت، وذلك منهم شركة أبدان، وهي غير جائزة فعليهم النظر في ذلك كله، ومراقبة الحقِّ . وأمَّا شهود القيمة (٣) فعلى خطر عظيم.

стр. 53

المثال الثالث والأربعون ناظر الوقف ونحوه من المباشرين: ومن حقِّه العمارة والتنمية، وقول الأصحاب: إنَّ ولي اليتيم لا تجب عليه المبالغة في الاستنماء، وإنَّما الواجب أن يستنمي قدر ما لا تأكل النفقةُ والمؤن المالَ صحيح. ولكن الزيادة من شكر النعمة. وممَّا تعمّ به البلوى مدرسة غير محصور عدد فقهائها، فتزلّ القاضي أو الناظر فيها أشخاصًا وقرَّر لهم من المعلوم ما يستوعب قدر الارتفاع (١)، فهل يجوز تنزيل زائد؟ قال ابن الرفعة: لا يجوز، قال الشيخ الإمام: وهو الذي استقرَّ عليه رأيي، بشرط أن يكون في مدرسة قرَّر للفقيه مثلًا قدر معيَّن. أمَّا لو قُرِّرَ عشرة فقهاء مثلًا ولم يُنَصَّ في معاليمهم على قدر ولا جزء معيّن من أصل الوقف -وهو غالب مِا يقع في المدارس التي ليست بمحصورة- فلا يمتنع. ومنه ناظر وقف يُؤْجِر حانوتًا أو نحوه خرابًا بشرط أن يعمره المستأجر بماله، ويكون ما أنفقه محسوبًا من أجرته. وهذه الإجارة باطلة؛ لأنه عند الإجارة غير منتفَع به. أمَّا إن كان الحانوت منتفعًا به فآجره بأجرة معلومة، ثم أَذن للمستأجر في صرفها إلى العمارة جاز، صرّح به الرافعي في أوائل الإجارة. ولا يجوز إجارة الحمَّام بشرط أن تكون مدة تعطّله بسبب عمارة أو نحوها محسوبة على المستأجر لا على المؤجر. المثال الرابع والأربعون وكيل بيت المال: فمن حقِّه ألَّا يبيع من أملاك بيت المال ما المصلحة في بقائه، ولا يبيعَ إلَّا بغبطة ظاهرة، أو حاجة، كما في البيع على اليتامى. وكثر في زماننا من وكلاء بيت المال من يبيع من الشارع ما يفضُل عن حاجة المسلمين؛ وقد أفتى ابن الرفعة والشيخ الإمام الوالد رحمهما اللَّه بأن ذلك حرام. وفقهاء العصر يتردَّدون في انعزال وكيل بيت المال بانعزال الإمام الأعظم أو موته، وكان الشيخ الإمام يرى أنه لا ينعزل بذلك.

стр. 54

المثال الخامس والأربعون المحتسب: وعليه النظر في القوت، وكشف غُمَّة المسلمين فيما تدعو إليه حاجتهم من ذلك، والاحتراز في المشروب؛ فطالما أَوهم الخمَّار أنه فُقّاعي (١) أو أَقْسِماوِيّ (٢) والطعام؛ فطالما أوهم الطبّاخ أنَّ لحم الكلاب لحم ضأن. فليتَّق اللَّه ربَّه، ولا يكن سببًا في إدخال جوف المسلمين ما كرهه اللَّه لهم من الخبائث. ويحرِّم عليه التسعير في كل وقت على الصحيح، وقيل: يجوز في زمان الغلاء، وقيل: يجوز إذا لم يكن مجلوبًا، بل كان مزروعًا في البلد، وكان عند الشتاء. وإذا سعَّر الإِمام انقادت الرعيَّة لحكمه، ومن خالفه استحقَّ التعزير. ومن مهمَّات المحتسب -لا سيّما في بلاد الشام- أمران ارتبطا به. أحدهما النقود من الذهب والفضة المضروبين، ولا يخفى أنَّ في زَغلهما هلاكَ أموال البشر؛ فعليه اعتبار العيار بمِحكّ النظر، والتثبت في سِكّة المسلمين. وثانيهما المياه. فعليه الاحتراز في سياقتها. وقد جرت عادة أناس في الشام أن يشتري بعضهم قدرًا معلومًا من ماء نهر ثَوْرَي أو بأناس مثلًا، ويتحيَّل لصحته بأن يورد العقد على مقرّه بما له فيه من حقّ الماء وهو كذا إصبعًا ثم يسوقه، ويحمله على مياه الناس برضا طائفة يسيرة منهم. وكان الشيخ الإِمام ﵀ يشدِّد النكير في هذا. وله فيه تصنيف سماه "الكلام على أنهار دمشق". والحاصل أنَّ الخلق في أنهار دمشق سواء يقدَّم الأعلى منهم فالأعلى. ولا يجوز بيع شيء من الماء ولا مقرَّه، ولا يفيد رضا قوم ولا كلهم؛ لأنهم لا يملكون إلَّا الانتفاع، بل ولا رضا أهل الشام بجملتهم لأنَّ رضاهم لا يكون رضا من بعدهم مِمَّن يحدث من الخلق. المثال السادس والأربعون العلماء: وهم فرق كثيرة: منهم المفسِّر والمحدِّث والفقيه والأصوليُّ

стр. 55

والمتكلِّم، والنحويُّ وغيرهم، وتتشعَّب كل فرقة من هؤلاء شعوبًا وقبائل. ويجمع الكلَّ أنَّه حقٌّ عليهم إرشاد المتعلمين، وإفتاء المستفتين، ونصح الطالبين، وإظهار العلم للسائلين؛ فمن كتم علمًا ألجمه اللَّه بلجام من نار، وألّا يصدوا بالعلم الرئاء والمتاهاة والسمعة، ولا جعله سبيلًا إلى الدنيا؛ فإن الدنيا أقلُّ من ذلك. قال: الفَضيْل ﵀: إنِّي لأرحم ثلاثة: عزيز قومٍ ذلَّ، وغنيًا افتقر، وعالمًا تلعَّبُ به الدنيا. وأنشد بعضهم: عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب! فأقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها، وكدورتها وانصرامها، وعِظَمَ الآخرة وصفاءها ودوامَها، وأن يعلم أنهما متضادّتان، وأنهما ضرَّتان؛ متى أرضيت واحدة أسخطت الأخرى، وكِفَّتا ميزان؛ متى رَجحت إحداهما خفَّت الأخرى، وكالمشرق والمغرب؛ متى قَرُبت من أحدهما بَعُدت عن الآخر، وكَقَدحين أحدهما مملوءٌ فبقدر ما تصبُّ منه في الآخر تفرغ من هذا فمن لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذَّاتها بالهموم فاسد العقل؛ فإنَّ المشاهدة والتجربة ترشد العقلاء إلى ذلك، فكيف يكون في العلماء من لا عقل له! ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر لا إيمان له، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له! ومن لا يعلم أنهما ضَرتان والجمعُ بينهما بعيد فهو جاهل. ومن علم هذا كلَّه، ثم آثرَ الحياة الدنيا علي الآخرة فهو أسير الشيطان؛ قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شِقوته، فكيف يعدُّ من العلماء من هذه درجته. ووَحق الحقِّ إنِّي لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلًا إلى حطام الدنيا، وهو يرى كثيرًا من الجهَّال وصلوا من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه! فإذا كانت الدنيا تُنال مع الجهل فما بالنا نشتريها بأنفس الأشياء وهو العلم! فينبغي أن يقصد بالعلم وجه اللَّه تعالى، والترقّي إلى جوار الملأ الأعلى. والكلام في العلماء وما ينبغي لهم يطول ولكنَّا نُنَبِّهُ على مهمَّات؛ فمن هؤلاء من يطلب العلوَّ في الدنيا والتردُّد إلى أبواب السلاطين والأمراء كما ذكرناه، وحبَّ المناصب والجاه، فيؤدِّي ذلك إلي أنَّ قلبه يُظلم بهذه الأكدار، ويزولُ صفاؤه بهذه الأمور التي تُظلم القلوب، وتبعد عن علَّام الغيوب وإلى أنَّه يشتغل

стр. 56

بهم وبها عن الازدياد في العلم، فكم رأينا فقيهًا تردَّد إلى أبواب الملوك فذهب فقهه، ونسي ما كان يعلمه، وإلى فساد عقيدة الأمراء في العلماء فإنهم يستحقرون المتردَّد إليهم، ولا يزالون يعظمون الفقيه حتى يسألهم في حوائجه. ويؤول ذلك إلى أنهم يظنون في أهل العلم السوء ولا يطيعونهم فيما يفتون به، وينقصون العلم وأهله، وذلك فساد عظيم، وفيه هلاك العالَم. وإذا قال لك فقيه: إنَّ التردُّد إلى أبواب السلاطين لإعزاز الحقّ ولنصرة الدين، ولغرض من الأغراض الصحيحة، فقل له: إن صحَّ ما تقول -وأنت أخبر بنفسك- فأنت على خطر عظيم، لأنَّك قد انغمست في الدنيا، وأنت تدعي أنك تقصد بها الآخرة. وإن ثبت هذا فما نأمن عليك أن تنجرَّ مع الدنيا. ولذلك كان سفيان الثوري ﵀ يقول: إن دعوكَ لتقرأ عليهم "قل هو اللَّه أحد" فلا تمض، ولا تقرأها. وبالجملة أنت أخبر بنفسك، فابحث عنها. أنشدنا الحافظ أبو العباس بن المظفر الأشعريّ بقراءتي عليه قال: أنشدنا الحسن بن عليّ بن أبي بكر محمد بن الخلال بقراءتي عليه قال: أنشدنا جعفر الهمداني سماعًا قال: أنشدنا أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرَّحمن بن يحيى العثماني الديباجي الإمام قال: كتب إليّ العلَّامة أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري من مكة وأجازني ح (١) وكتب إليَّ أحمد بن عليّ الحنبلي وزينب بنت الكمال وفاطمة بنت أبي عمر عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر السِّلَفيّ عن الزمخشري قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الخوارزمي قال: أنشدنا أبو سعد المحسن بن محمد الجشميّ قال: أنشدنا الحاكم أبو الفضل إسماعيل بن محمد ابن الحسن قال: أنشدنا القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني لنفسه: يقولون لي: فيك انقباض. وإنَّما ... رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما أرى الناس من داناهم هانَ عندهم ... ومن أكرمته عزَّة النفس أُكرما وما كل برق لاحَ لي بستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه مُنْعِما وإنِّي إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندِّما ولم أقض حقَّ العلم إن كان كلَّما ... بدا طمع صيّرتُه لى سلّما

стр. 57

إذا قيلَ: هذا منهل قلت: قد أرى ... ولكنَّ نفس الحرِّ تحتملُ الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدمُ من لاقيت، لكن لأُخدما أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلَّةً ... إذًا فاتباع الجهل قد كانَ أحزما ولو أنَّ أهل العلم صانوهُ صانهم ... ولو عظَّموه في النفوسِ لعُظِّما فلقد صدق هذا القائل: لو عظِّموا العلم لعظَّمهم. وأنا أقرأُ قوله: لعظَّما بفتح العين فإنَّ العلم إذا عُظِّم يعظم، وهو في نفسه عظيم؛ ولهذا أقول: ولكن أهانوه فهانوا؛ ولكن الرواية فهانَ ولعظم بضمِّ العين، والأحسن ما أشرتُ إليه. وقد نحا شيخ الإسلام تقيُّ الدين بن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى نحو هذه الأبيات فقال: يقولون لي: هلَّا نهضت إلى العلا ... فما لذَّ عيشُ الصابر المتقنِّع وهلَّا شددتُ العيسَ حتى تحلَّها (١) ... بمصرٍ إلى ظلِّ الجناب المرفَّع ففيها من الأعيانِ من فيضِ كفِّه ... إذا شاء روَّى سيله كلَ بَلْقَعِ وفيها قضاة ليس يخفى عليهم ... تعيّن كون العلم غير مضيعِ وفيها شيوخ الدين والفضل والألى ... يشير إليهم بالعلا كل إصبعِ وفيها، وفيها، والمهانة ذلَّة ... فقم واسع واقصد باب رزقك واقرع فقلت: نعم أسعى إذا شئت أن أُرى ... ذليلًا مهانًا مستخفًّا بموضعي وأسعى إذا ما لذَّ لي طولُ موقفي ... على باب محجوب اللقاء ممنَّع وأسعى إذا كان النفاق طريقتي ... أروحُ وأغدو في ثياب التصنعِ وأسعى إذا لم يبقَ فيَّ بقيَّة ... أراعي بها حقَّ التُّقى والتورُّعِ فكم بين أرباب الصدور مجالسًا ... تشبُّ بها نارُ الغضي بين أضلُعي وكم بين أربابِ العلوم وأهلها ... إذا بحثوا في المشكلاتِ بمجمعِ مناظرةً تُحمي (٢) النفوسُ فتنتهي ... وقد شرعوا فيها إلى شر مشرعِ

стр. 58

إلى السفه المزري بمنصبِ أهله ... أو الصمت عن حقّ هناك مُضيعِ فإمَّا توقّي (١) مسلك الدين والتُّقى ... وإمَّا تلقَّى غُصَّة المُتَجَرِّع ومنهم من يضيع كثيرًا من وقته في طلب القضاة وغيره من المناصب فإن كان مراده القوت فالقوت يجيء بدون ذلك، وإن كان مراده الدنيا فقد كان في اشتغاله بصنعة الأجناد والدواوين وغيرهم من العامَّة ما لعلَّه أنجح في مقصده؛ فإن الدنيا في أيدي أولئك أكثر ومن هذه الطائفة من يقول: أكرِهت على القضاء: وأنا لم أرَ إلى الآنَ من أكره على القضاء الإكراه الحقيقي. وقد ضُرب جماعة من السلف على أن يلوا القضاء فأبوا، وسُمْر باب أبي عليّ بن خيران مدة. وما ذاك إلَّا لأنهم يخشون ألَّا يقيموا فيه الحقّ لفساد الزمان، وإلَّا فالقضاء إذا أمكن فيه نصر الحق من أعظم القربات؛ ولكن أين نصر الحقّ وهم لا يدخلون فيه إلّا بالسعي، وربَّما بذلوا عليه الذهب! ومذْهب كثير من العلماء أنَّ من يبذل الذهب على القضاء لا تصح أحكامه. ولا يخفى أنه إذا فسّق لم يكن نافذ الأحكام. وكأني بأحمق من الفقهاء، يقول: تَعَيَّن عليّ طلبُ القضاء، وأنا لا يخفى عليّ ما قاله الفقهاء فيمن تعيَّن عليه، ولكن من ذا الذين تعيَّن عليه؟ فقائل هذا الكلام إمَّا ممَّن لبّست عليه نفسُه، واستزَلَّه الشيطان من حيث لا يدري، أو ممَّن يريد التلبيس على الناس، فهو إبليسُ من الأبالسة، نعوذُ باللَّه منه؛ وما فعلت هذه الطائفة ولا كان ثمرة علمها إلَّا أن جعلت العلم حُطَام الدنيا، ثم أخذت تُداجي في دين اللَّه تعالى، وتلبِّس على الخلق، وتأكلُ الدنيا بالدين، فقبَّحها اللَّه تعالى من طائفة!. أخبرتنا شقراء بنت يعقوب بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن عمر بن قاضي اليمن قراءة عليها وأنا أسمع قالت: أخبرنا جدِّي إسماعيل وأخوه إسحاق أخبرنا عبد اللطيف ابن شيخ الشيوخ أنا أبي شيخ الشيوخ أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد بن أحمد النيسابوري الصوفيّ أنا الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ النيسابوري الكوفيّ سنة تسعين وأربعمائة قال: سمعت القاضي أبا مسعود -يعني صالح

стр. 59

أحمد بن القاسم بن يوسف من مشايخي- يقول: سمعت أبا الحسن عليّ بن أحمد بن صالح التَّمار يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى العدويّ يقول: سمعت عبد السميع بن سليمان يقول: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول وقد بلغه عن ابن عُليّة رحمهما اللَّه أنه قد ولي الصدقات بالبصرة فكتبَ إليه بهذه الأبيات: يا جاعلَ العلم له بازيًا ... يصطادُ أموالَ المساكينِ احتلت للدنيا ولذَّاتها ... بحيلة تذهب بالدين فصرتُ مجنونًا بها بعد ما ... كنت دواءً للمجانين أين رواياتك فيما مضى ... عن ابنِ عونٍ وابن سيرين أين رواياتك في سردِها ... لتركِ أبوابِ السلاطين إن قلت: أكرهتُ فذا باطلٌ ... زلَّ حِمارُ العلم في الطين قال: فلمَّا بلغت هذه الأبياتُ ابن عُلَيّة بكى واستعفى وأنشأَ يقول. أفٍّ لدنيا أبت تواتيني ... إلَّا بنقضي لها عُرَى ديني عيني لحَبْني ضمير مقلتها ... تطلب ما ساءها لترضيني وأنشد بعضهم في قاضيين عُزِل أحدهما وولي الآخر: عندي حديثٌ طريف ... بمثله يُتَغنَّى في قاضيين يعزّى ... هذا وهذا يُهنَّى هذا يقول: اكرَهونا ... وذا يقول: استرحنا ويكذِبان جميعًا ... ومن يصدِّق منا فإذا بلا اللَّه تعالى أهل هذه الخرقة بولاية الجهال عليهم، ووصول وظائف القضاء ومناصب الدين لغير أهلها، أليس ذلك عدلًا من اللَّه تعالى! ومنهم المؤرخون. وهم على شفا جرف هار؛ لأنهم يتسلَّطون على أعراض الناس؛ وربَّما نقلوا مجرَّد ما يبلغهم من صادقٍ أو كاذب؛ فلا بدَّ أن يكون المؤرخ عالمًا عدلًا عارفًا بحال من يترجمه، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمله على التعصّب له، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغَضِّ منه. وربَّما كان الباعثَ له على الضعة من أقوامِ مخالفة العقيدة، واعتقاد أنهم على ضلال، فيقع فيهم، أو يقصِّر في الثناء عليهم لذلك؛ وكثيرًا ما يتَّفق هذا لشيخنا الذهبيّ

стр. 60

رحمه اللَّه في حقِّ الأشاعرة. والذهبي أستاذنا -والحق أحقُّ أن يتبع- ولا يحل لمؤمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يعتمد عليه في الضعة من الأشاعرة. وقد أطلنا في تقرير هذا الفصل في الطبقات الكبرى، وحكينا في ترجمة أحمد بن صالح المصريّ ما ذكره الشيخ الإِمام في شروط المؤرّخ، ومن كلام أبي عُمَر بن عبد البرّ وغيره ما يزداد به الإنسان بصيرة. ومن ذلك فقهاء عصر واحد؛ فلا ينبغي سماع كلام بعضهم في بعض. وقد عقد ابن عبد البرّ بابًا في أنَّ كلام العلماء بعضهم في بعض لا يُقبل، وإن كان كل منهم بمفرده ثقة حجّة. ومنهم من تأخذه في الفروع الحمِيّة لبعض المذاهب، ويركب الصعْب والذَّلول في العصبية وهذا من أسوأ أخلاقه. ولقد رأيتُ في طوائف المذاهب من يبالِغ في التعصُّب بحيث يمتنع بعضهم من الصلاة خلف بعض إلى غير ذلك ممَّا يستقبح ذكره. ويا ويح هؤلاء! أين هم من اللَّه تعالى! ولو كان الشافعيّ وأبو حنيفة رحمهما اللَّه تعالى حيَّيْن لشدَّدا النكير على هذه الطائفة -وليتَ شعري لم لا تركوا أمر الفروع التي العلماء فيها على قولين، من قائل: كلّ مجتهد مصيب، وقائلٍ: المصيب واحد، ولكن المخطئ يؤجَر، واشتغلوا بالردِّ على أهل البدع والأهواء! وهؤلاء الحنفيّة والشافعيّة والمالكية وفضلاء الحنابلة -وللَّه الحمد- في العقائد يدٌ واحدة كلهم على رأي أهل السنَّة والجماعة، يدينون اللَّه تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري ﵀، لا يحيد عنها إلَّا رَعَاع من الحنفية والشافعية، لحقوا بأهل الإِعتزال، ورَعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرَّأ اللَّه المالكية فلم نرَ مالكيًّا إلَّا أشعريًا عقيدة. وبالجملة عقيدة الأشعريّ هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاويّ التي تلقَّاها علماء المذاهب بالقبول، ورضوها عقيدة. وقد ختمنا كتابنا جمع الجوامع بعقيدة ذكرنا أن سلف الأمة عليها. وهي وعقيدة الطحاويّ. وعقيدة أبي القاسم القشيري والعقيدة المسماة بالمُرشِدة مشتركات في أصول أهل السنَّة والجماعة. فقل لهؤلاء المتعصّبين في الفروع: ويحكم ذروا التعصب، ودعوا عنكم هذه الأهوية (١)، ودافعوا عن دين الإِسلام، وشمّروا

стр. 61

عن ساق الاجتهاد في حسم مادة من يسبّ الشيخين أبا بكر وعمر ﵄، ويقذف أمَّ المؤمنين عائشة ﵂، التي نزل القرآن ببراءتها، وغضب الربّ تعالى لها، حتى كادت السماء تقع على الأرض، ومن يطعن في القرآن وصفات الرَّحمن. فالجهاد في هؤلاء واجب؛ فهلَّا شغلتم أنفسكم به، ويا أيُّها الناس بينكم اليهود والنَّصارى قد مَلَأُوا بقاع البلاد، فمن الذي انتصبَ منكم للبحث معهم، والاعتناء بإرشادهم. بل هؤلاء أهل الذمَّة في البلاد الإسلامية، تتركونهم هَمَلًا تستخدمونهم، وتستطِبّونهم، ولا نرى منكم فقيهًا يجلس مع ذميّ ساعة واحدة، يبحث معه في أصول الدين؛ لعلَّ اللَّه تعالى يهديه على يديه. وكان من فروض الكفايات ومهمَّات الدين أن تصرفوا بعض هممكم إلى هذا النوع. فمن القبائح أنَّ بلادنا ملأى من علماء الإسلام، ولا نرى فيها ذميًّا دعاه إلى الإسلام مناظرةُ عالم من علمائنا، بل إنَّما يُسلم من يُسلم إمَّا لأمر من اللَّه تعالى، لا مدخل لأحد فيه، أو لغرض دنيويّ. ثم ليت من يُسلم من هؤلاء يرى فقيهًا يمسكه، ويحدِّثه، ويعرِّفه دين الإسلام، لينشرح صدره لما دخل فيه؛ بل -واللَّه- يتركونه هَمَلًا لا يُدرى ما باطنه: هل هو كما يظهِر من الإسلام، أو كما كان عليه من الكفر؟ لأنهم لم يُرُوه من الآيات، والبراهين ما يشرح صدره. فيا أيُّها العلماء، في مثل هذا فاجتهدوا، وتعصَّبوا. وأمَّا تعصّبكم في فروع الدين، وحملكم الناس على مذهب واحد فهو الذي لا يقبله اللَّه منكم، ولا لحملكم عليه إلَّا محضر التعصُّب والتحاسُد. ولو أنَّ أبا حنيفة والشافعيّ ومالكًا وأحمد أحياء يُرزقون لشدَّدوا النكير عليكم، وتبرَّؤوا منكم فيما تفعلون. فلعمر اللَّه لا أحصي من رأيته يشمِّر عن ساعد الاجتهاد في الإنكار على شافعي يذبح ولا يُسّمي، أو حنفيّ يلمس ذكرة، ولا يتوضأ، أو مالكيّ يصلِّي ولا يبسمل، أو حنبليّ يقدم الجمعة على الزوال؛ وهو يرى من العوامّ ما لا يحصي عدده إلَّا اللَّه تعالى، يتركون الصلاة التي جزاء من تركها عند الشافعي ومالك وأحمد ضرب العنق، ولا ينكرون عليه، بل لو دخلَ الواحد منهم بيته لرأى كثيرًا من نسائه يترك الصلاة، وهو ساكت عنهنَّ. فياللَّه وللمسلمين! أهذا فقيه على الحقيقة! قبَّح اللَّه مثل هذا الفقيه. ثم ما بالكم تنكرون مثل هذه الفروع ولا تنكرون المكوس والمحرَّمات المجمع عليها ولا تأخذكم الغيرة للَّه تعالى فيها! وإنَّما تأخذكم الغيرة

стр. 62

للشافعي، وأبي حنيفة، والمدارس المزخرفة. فيؤدِّي ذلك إلى افتراق كلمتكم، وتسلّط الجهّال عليكم، وسقوط هيبتكم عند العامة، وقول السفهاء في أعراضكم ما لا ينبغي، فتهلكون السفهاء بكلامهم فيكم، لأنَّ لحومكم مسمومة على كل حال؛ لأنكم علماء، وتهلكون أنفسكم بما ترتكبونه من العظائم. ومنهن طائفة تبعتْ طريقة أبي نصر الفارابي، وأبي عليّ بن سينا وغيرهما من الفلاسفة الذين نشأوا في هذه الأمة، واشتغلوا بأباطيلهم وجهالاتهم، وسَمَّوها الحكمة الإسلامية، ولقّبوا أنفسهم حكماء الإسلام، وهم أحقُّ بأن يسمّوا سفهاء جهلاء من أن يسمّوا حكماء؛ إذ هم أعداء أنبياء اللَّه تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، والمحرّفون لكلم الشريعة عن مواضعه. عكفوا على دراسة تُرَّهات هؤلاء الأقوام وسمَّوها الحكمة، واستجهلوا من عَرِي عنها. ولا تكاد تلقى أحدًا منهم يحفظ قرآنًا، ولا حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ . ولعمر اللَّه إنَّ هؤلاء لأضرّ على عوامّ المسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم يلبسون لباس المسلمين، ويدّعون أنَّهم من علمائهم، فيقتدي العاميّ بهم، وهم لا يعتقدون شيئًا من دينِ الإِسلام، بل يهدمون قواعده، وينقضون عراه عروة عروة. وما انتسبوا إلى الإِسلام إلَّا ... لصونِ دمائهم ألَّا تسالا فيأتونَ المناكرِ في نشاط ... ويأتون الصلاة وهم كسالى فالحذرَ الحذرَ منهم. وقد أفتى جماعة من أئمَّتنا ومشيختنا ومشيخة مشيختنا بتحريم الاشتغال في الفلسفة. وأمَّا المنطق فقد ذكرنا كلام الأئمَّة والشيخ الإِمام فيه في أوائل شرح مختصر ابن الحاجب. والذي نقوله نحن: إنَّه حرام على من لم ترسخ قواعد الشريعة في قلبه، ويمتلئ جوفه من عظمة هذا النَّبيّ الكريم وشرعته ويحفظ الكتاب العزيز، وشيئًا كثيرًا جدًا من حديث النَّبيّ ﷺ على طريقة المحدِّثين، ويعرف من فروع الفقه ما يسمَّى به فقيهًا، مفتيًا مشارًا إليه من أهل مذهبه إذا وقعت حادثة فقهية أن ينظر في الفلسفة. وأمَّا من وصلَ إلى هذا المقام فله النظر فيها للردِّ على أهلها، ولكن بشرطين: أحدهما أن يثق من نفسه بأنه وصل إلى درجة لا تزعزعها رياح الأباطيل، وشُبَه الأضاليل وأهواء

стр. 63

الملاحدة. والثاني ألَّا يمزج كلامهم بكلام علماء الإسلام: فلقد حصل ضرر عظيم على المسلمين بمزج كلام الحكماء بكلام المتكلمين، وأدَّى الحال إلى طعن المشبِّهة وغيرهم من رَعَاع الخلق في أصحابنا؛ وما كان ذلك إلَّا في زماننا وقبله بيسير، منذ نشا نصير الدين الطوسيّ ومن تبعه لا حيّاهم اللَّه. فإن قلت: فقد خاض حجَّةُ الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازيّ فى علوم الفلسفة ودوَّنوها. وخلطوها بكلام المتكلمين فهلَّا تنكر عليهما! قلت: إنَّ هذين إمامان جليلان ولم يَخُض واحد منهما في هذه العلوم حتى صارَ قدوة في الدين، وضربت الأمثال باسمهما في معرفة علم الكلام على طريقة أهل السنَّة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فإيَّاك أن تسمع شيئًا غير ذلك، فتضلَّ ضلالًا مبينًا. فهذان إمامان عظيمان وكان حقًّا عليهما نصر المؤمنين وإعزاز هذا الدين بدفع تُرَّهات أولئك المبطلين. فمن وصلَ إلى مقامهما لا ملام عليه بالنظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور وأمَّا طائفة في زماننا هذا وقبله بيسير عكفت على هذه الحكمة المفتِنة من حين نشأت لا تدري شيئًا سواها، اشتبه عليها أقوال كفَّارها بأقوال علماء الإسلام، وتصرفت فيها بعقل خسيف لم يقم بكتاب وسُنَّة ولم يضيء له نور ببرهان من النبوَّات، ثم تعتقد أنها على شيء فتلك الفرقة الخاسرة الضالَّة المُضِلَّة وقد اعتبرتُ -ولا ينبئك مثل خبير- فلم أجد أضرَّ على أهل عصرنا وأفسد لعقائدهم من نظرهم في الكتب الكلامية التي أنشأها المتأخرون بعد نصير الدين الطوسي وغيرهم. ولو اقتصروا على مصنَّفات القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحق الإسفراييني وإمام الحرمين أبي المعالي الجُويني وهذه الطبقة لما جرى إلَّا الخير. ورأيي فيمن أعرض عن الكتاب والسُّنَّة واشتغلَ بمقالات ابن سينا ومن نحا نحوه، وترك قول المسلمين: قال أبو بكر، وقال عمر رضي اللَّه تعالى عنهما وقال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وقال الأشعريّ، وقال القاضي أبو بكر، إلى قوله: قال الشيخ الرئيس يعني ابن سينا، وقال خواجا نصير، ونحو ذلك، أن يضرب بالسياط، ويُطاف به في الأسواق، ويُنادى عليه: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنَّة: واشتغلَ بأباطيل المبتدعين. أو ما يستحي من يتَّخذ أقوال ابن سينا وتعظيمه شعارًا -من اللَّه تعالى إذا قرأ

стр. 64

قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (١) ويذكر إنكار ابن سينا لحشر الأجساد، وجمعِ العظام. ومنهم -أعني هؤلاء- فرقة ضمَّت إلى هذا القدر من الحكمة النظر في كتاب الكشاف للزمخشري في التفسير، وقالت: نحن متشرِّعون وعارفون بتفسير كتاب اللَّه تعالى. واعلم أنَّ الكشَّاف كتابٌ عظيم في بابه، ومصنَّفه إمام في فنِّه إلَّا أنه رجل مبتاع متجاهر ببدعته، يضعُ من قدر النبوَّة كثيرًا ويسيءُ أدبه على أهل السنة والجماعة، والواجب كشط ما في كتابه الكشاف من ذلك كله. ولقد كان الشيخ الإمام يقرئه، فلمَّا انتهى إلى الكلام على قوله تعالى في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢) الآية أعرض عنه صفحًا، وكتب ورقة حسنة سمَّاها "سبب الانكفاف، عن إقراء الكشَّاف" وقال فيها: قد رأيتُ كلامه على قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ (٣)، وكلامه في سورة التحريم في الزلَّة وغير ذلك من الأماكن التي أساءَ أدبه فيها على خيرِ خلق اللَّه تعالى سيّدنا رسول اللَّه ﷺ ، فأعرضت عن إقراء كتابه حياءً من النَّبيّ ﷺ ، مع ما في كتابه من الفوائد والنكت البديعة. فانظر كلام الشيخ الإِمام الذي برَّز في جميع العلوم، وأجمعَ الموافق والمخالف على أنَّه بحر البحار: معقولًا ومنقولًا، في حقِّ هذا الكتاب الذي اتَّخذت الأعاجم قراءته دَيْدَنَها. والقولُ عندنا فيه إنه لا ينبغي أن يُسمح بالنظر فيه إلَّا لمن صار على منهاج السنَّة لا تزحزحه شبهات القَدَرية. ومنهم فرقة تَرقَّت عن هذه الفرقة وقالت: لا بد من ضمِّ علم الحديث إلى التفسير، فكان قصاراها النظر في "مشارق الأنوار" للصَّاغاني. فإن ترفَّعت ارتقت إلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدِّثين. وما ذاك إلَّا لجهلها بالحديث. فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضمَّ إليهما من المتون مثليهما لم يكن مُحدِّثًا، ولا يصير بذلك محدِّثًا حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط. فإذا رامت بلوغ الغاية في الحديث -على زعمها- اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير. وإن ضمَّت إليه كتاب علوم الحديث لابن

стр. 65

الصلاح أو مختصره المسمَّى بالتقريب والتيسير للنوويّ. ونحو ذلك فحينئذٍ ينادى من انتهى إلى هذا المقام بمحدِّث المحدثين وبخاريِّ العصر، وما ناسبَ هذه الألفاظ الكاذبة. فإنَّ من ذكرناه لا يُعَدُ محدِّثًا بهذا القدر؛ إنَّما المحدِّث من عرف الأسانيد، والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضمَّ إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أقل درجاته. فإذا سمع ما ذكرناه، وكتَبَ الطِباق، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العلل والوَفَيَات والأسانيد كان في أول درجات المحدِّثين، ثم يزيد اللَّه من شاء ما شاء. ومنهم فرقة ترفّعتْ، وقالت: نَضُمّ إلى الحديث الفقه؛ وكان غايتها البحث في الحاوي الصغير لعبد الغفار القزويني؛ والكتابِ المذكور أعجوبة في بابه، بالغ في الحسن أقصى الغايات؛ إلَّا أنَّ المرءَ لا يصير به فقيهًا ولو بلغَ عَنان السماء. وهذه الطائفة تُضيع في تفكيك ألفاظه، وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعيّ وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد اللَّه تعالى. ومنهم طائفة صحيحة العقائد، حَسَنَةُ المعرفة لِلْفروع، إلَّا أنَّها لم تَرع جانب اللَّه حقَّ الرعاية، فكان علمها وبالًا عليها في الحقيقة! قال النَّبيّ ﷺ : "أشدُّ (١) الناس عذابًا عالمٌ لم ينفعه اللَّه بعلمه" وعنه ﷺ : "أوَّل ما يُسَعَّرُ يوم القيامة عالمٌ فتندلق أقتابه في النار فيدورُ فيها كما يدورُ الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا هذا، ألستَ كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكُمْ عن المنكرِ وآتيه" وفي الحديث: "إنَّ أشدَّ الناس حسرة يوم القيامة رجلان: رجل علم علمًا فيرى غيره يدخل به الجنة لعمله به، وهو يدخل به النار لتضييعه العمل به، ورجل جمعَ

стр. 66

المال من غيرِ وجهه، وتركه لوارثه، فعملَ به الخير، فيرى غيره يدخل به الجنة وهو يدخل به النار" وكان الشيخ أبو إسحق الشيرازي يستعيذُ باللَّهِ من مثلِ هذا العلم حيث كان يقول: نعوذُ باللَّه من علم يكون حجة علينا، وينشد: علمتَ ما حلَّل المولى وحرَّمه ... فاعملْ بعلمك إنَّ العلمَ للعملِ وفي مثل هذه الطائفة يقول الشاعر: يا أيُّها الرجل المعلم غيره ... هلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ! تصف الدواء من السقام لذي الضنى ... ومن الضنى -مُذْ كنت- أنت سقيم ما زلت تُلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وأنت من الرشاد عديمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنتَ حكيمُ فهناك تُقبل إن وعظت، ويُقتدى ... بالقول منك، وينفع التعليمُ لا تنه عن خلق وتأتَى مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ فهذه الطائفة إذا واخذها اللَّه تعالى فلا ينبغي أن تعتب وتقول: نحن أهل العلم؛ فإن صنيعها ليس بصنيع أهل العلم الذين هم أهل العلم؛ بل هؤلاء كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) فما قوبلوا إلَّا بعدل من اللَّه تعالى. ومنهم طائفةٌ لا تترك الفرائض، ولكنَّها أحبَّت العلم والمناظرة وأن يُقال: فلان اليوم فقيه البلد، حبًّا اختلط بعظمها ولحمها، فاستغرقت فيه أكثر أوقاتها، واستهانت بالنوافل، ونسيت القرآن بعد حفظه، وشمخت بآنافها مع ذلك، وقالت: نحن العلماء: وإذا قامت لصلاة الفريضة قامت أربعًا لا تذكر اللَّه فيها إلَّا قليلًا، مزجت صلاتها بالفكر في باب الحيض ودقائق الجنايات. وربَّما جاء ليقول: إيَّاك نعبد وإياك نستعين، فسبق لسانه إلى ما هو مفكَّر فيه من جزئيات الفروع، فنطقَ به. ثم إذا سألت واحدًا من هذه الطائفة: أصلَّيت سنَّة الظهر؟. قال لك: قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة أو قلت له: أخشعت في صلاتك؟. قال: ليس الخشوع من شرائط صحة الصلاة. أو قلت له: أنسيت القرآن؟. قال لك: لم يقل إن نسيانه كبيرة إلَّا صاحب العدة، وما الدليل

стр. 67

على ذلك؟ وأنا لم أنسَ الجميعع؛ فإنِّي أحفظ الفاتحة، وكثيرًا من القرآن غيرها. فقل له: أيُّها الفقيه، كلمة حق أريد بها باطل؛ إنَّ الشافعيّ لم يعن ما أردت، ولكلامه تقرير لسنا له الآن، ويخشى على من هذا شأنه المروق من الدين رأسًا. أخبرنا الحافظ أو العباس بن المظفر بقراءتي عليه، أنا أحمد بن هبة اللَّه ابن عساكر بقراءتي عليه، أنا الإمام أبو القاسم ابن الإمام أبي سعد عبد اللَّه بن عمر الصفَّار إجازة أخبرنا جدِّي الإمام عصام الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور ابن الصفَّار. قال: سمعت جدي يقول: سمعت الأستاذ أبا القاسم القشيري ﵀ يقول: سمعت الأستاذ أبا عليّ الدَّقاق يقول: من استهانَ بأدب من آداب الإسلام عوقبَ بحرمان السُنَّة، ومن ترك سنة عوقب بحرمان الفريضة، ومن استهانَ بالفرائض قيَّض اللَّه له مبتدعًا يوقع عنده باطلًا فيوقع في قلبه شبهة. قلت: وبلغنا أنَّ الإمام الغزالي أمّ مرة بأخيه أحمد في صلاة، فقطع أخوه أحمد الاقتداء به، فلمَّا قضى الصلاة سأله الغزالي، فقال: لأنك كنت متضمِّخًا بدماء الحُيض. ففكَّر الغزالي، فذكر أنه عَرَضت له في الصلاة فكرة في مسألة من مسائل الحَيْض. فانظر فهؤلاء أهل اللَّه الذين هم أعرف به منك أيُّها الفقيه، قد عرَّفوك أن ما تعتمده يجرُّك إلى الكفر، والعياذُ باللَّه. ومنهم فرقة سلِمت من جميع ما ذكرناه، إلَّا أنها استهانت ببعض صغائر الذنوب؛ كالغيبة والاستهزاء بخلق اللَّه تعالى، ونحو ذلك، أو كان لها معصية ابتلاها اللَّه بها، فلم تستتر، وقالت: علمنا يغطي معصيتنا. وهذا جهل لا علم؛ فالصغيرة تكبُر من العالم، فإن هو تجاهرَ بها ازداد أمرها. والمعصية مع العلم فوق المعصية مع الجهل من وجوه. وإذا كان النَّبيّ ﷺ يقول: "من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بسِتْر اللَّه" الحديث، فالعالم أولى أن يستتر إن لم يرجع، فإنه قدوة. ولذلك كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلَّا على أشرف أحواله؛ خوفًا أن يقتدي به في سيئها، أو يسوءَ ظنُّه به فلا ينتفع به. فينبغي للعالم الكفُّ عن صغار المعاصي، وكبارها. فإن هو لم يكف فلا أقَّل من التستر؛ صيانة لمنصب العلم. وإلى هذا المعنى أشارَ الشيخ الجليل فتح الدين بن عليّ أبو منصور الدمياطي فأنشد لنفسه: أيُّها العالم إيَّاك الزلل ... واحذر الهفوة والخَطْب الجَلَل

стр. 68

هفوة العالم مستعظمة ... إذ بها أصبحَ في الخلق مثل وعلى زَلته عُمدتهم ... فبها يَحتج من أخطأَ وزل لا تقل: يستر على زَلّتي ... بل بها يحصل في العلم الخلل إن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند اللَّه والناسِ جبل ليس من يتبعه العالَم في ... كل ما دقَّ من الأمر وجلّ مثل من يدفع عنه جهله ... إن أتى فاحشةً قيل: جهلّ انظر الأنجم: مهما سقطت ... من رآها وهي تهوِي لم يُبَل فإذا الشمس بدت كاسفة ... وجَلِ الخلق لها كلَّ الوجل وتراءت نحوها أبصارُهم ... في انزاعاجٍ واضطرابٍ ووجل وسرى النقص لهم من نقصها ... فغدت مظلمةً منها السُبل وكذا العالِم في زَلَّته ... يفتن العالَم طُرًّا ويُضِلّ ومنهم فرقة سلمت من جميع ما ذكرناه، إلَّا أنه غلب عليها الطعن في أمَّة قد سَلَفت، والاشتغالُ بعلماء قد مضوا. وغَالِبُ ما يؤتي هؤلاء من المخالفة في العقائد؛ فقلَّ (أن ترى من الحنابلة) إلَّا ويضع من الأشاعرة. وهذا شخينا الذهبي كان سيِّد زمانه في الحفظ مع الورع والتقوى، ومع ذلك يعمِد إلى أئمَّة الإسلام من الأشاعرة، فيظهر عليه من التعصُّب عليهم ما ينفِّر القلوب، وإلى طائفة من المجسمة فيظهر عليه من نصرتهم ما يوجب سوء الظن به؛ وما كان واللَّه إلَّا تقيًّا نقيًّا، ولكن حمله التعصب، واعتقاده أن مخالفيه على خطأ. وقلَّ أن ترى أشعريًّا من الشافعية والحنفية والمالكية إلَّا ويبالغ في الطعن على هؤلاء، ويصرِّح بتكفيرهم وإذا كان الأئمَّة المعتبرة كالشافعيّ وأبي حنيفة ومالك وأحمد والأشعريّ على أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة فلم هذا التعصُّب؟ وما لنا لا نسكت عن أقوام مضوا إلى ربهم، ولمْ ندر على ماذا ماتوا؟ وإن يُبْد لنا أحد بدعة قَابَلْنَاه، وأمَّا الأموات فلم تنبش عظامهم؟ هذا واللَّه ما لا ينبغي. ومن الفقهاء فرقة متنسّكة تجري على ظواهر الشرع، وتحسن امتثال أوامر اللَّه تعالى، واجتنابَ مناهيه: إلَّا أنها تهزأ بالفقراء، وأهل التصوُّف، ولا تعتقد فيهم شيئًا، ويعيبون عليهم السماع، وأمورًا كثيرة. والسماعُ قد عُرف اختلاف الناس فيه. وتلك الأمور قلّ أن يفهمها من يعيبها. والواجب تسليم أحوال القوم

стр. 69

إليهم. وإنَّا لا نؤاخذ أحدًا إلَّا بجريمة ظاهرة، ومتى أمكننا تأويلُ كلامهم، وحمله على محمل حسن لا نعدل عن ذلك؛ لا سيّما من عرفناه منهم بالخير، ولزومُ الطريقة. ثم إنْ بدرت لفظة من غلطة، أو سقطة، فإنها عندنا لا تهدم ما مضى وهذه الطائفة من الفقهاء، التي تنكر على المتصوِّفة، مَثلُها مَثَل الطائفة من الترك، التي تنكر على الفقهاء. وقد جرَّبنا فلم نجد فقيهًا ينكر على الصوفية، إلَّا ويهلكه اللَّه تعالى، وتكون عاقبته وخيمة، ولا وجدنا تركيًّا يهزأُ بالفقهاء إلَّا ويُهلكه اللَّه تعالى، وتكون عاقبته شديدة. فسبيل هذه الطائفة التوبة إلى اللَّه تعالى، وحُسْن الظنِّ بخلق اللَّه تعالى؛ لا سيّما من انقطع إلى اللَّه، واعتكف على عبادته، ورفض الدنيا وراء ظهره. هذا علاج داء هذه الطائفة، وما أظنَّهم يبرؤُون؛ فإنِّي جرَّبت فوجدت القلوِب منقسمة إلى قابل للصلاح وطريق الفقر وذلك تراه منقادًا لطريق الفقراء معتقدًا من غير تعليم -وغير قابلة، ولا تراها تناقد؛ وإن انقادت في الظاهر لم يفدها الانقياد؛ لأنَّ هؤلاء القوم لا يعاملون بالظواهر ولا يفيد معهم إلا الباطن ومحض الصفاء؛ وهم أهل اللَّه تعالى، وخاصَّته نفعنا اللَّه بهم. وأكثر من يقع فيهم لا يفلح. ومن أهل العلم طائفةٌ طلبت الحديث، وجعلت دَأْبَها السماع على المشايخ، ومعرفةَ العالي من المسموع؛ والنازل. وهؤلاء هم المحدِّثون على الحقيقة؛ إلَّا أنَّ كثيرًا منهم يُجهِد نفسه في تهجِّي الأسماء والمتون، وكثرة السماع من غير فهم لما يقرؤه، ولا تتعلَّق فكرته بأكثر من أنِّي حصَّلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخًا، جزء الأنصاري عن كذا كذا شيخًا، جزء ابن الفيل، جزء البطاقة، نسخة أبي مُسْهِر وأنحاء ذلك. وإنَّما كان السلف يسمعون فيعون فيرحلون فيقرؤون فيحفظون فيعلمون. ورأيتُ من كلام شيخنا الذهبيّ في وصيَّته لبعض المحدِّثين في هذه الطائفة: ما حظَّ واحد من هؤلاء إلَّا أن يسمع ليروي فقط. فَليُعاقَبنَّ بنقيض قصده، وليشهرنَّه اللَّه تعالى بعد أن ستره مرات، وليبقين مضغة في الألسن، وعبرة بين المحدِّثين، ثم لَيَطْبَعَنَّ اللَّه على قلبه. ثم قال: فهل يكون طالب من طلاب السنَّة يتهاون بالصَّلوات، أو يتعانى تلك القاذرورات! وأنحس منه محدِّث يكذب في حديثه، ويختلق الفُشَار. فإنْ ترقَّت همته الفتيَّة إلى الكذب في النقل والتزوير في الطّبَاق، فقد استراح. وإن تعانى

стр. 70

سرِقة الأجزاء أو كشط الأوقاف فهذا لصٌّ بسمت محدِّث. فإن كمَّل نفسه بتلوط أو قيادة فقد تمَّت له الإفادة. وإن استعمل من العلوم قسطًا، فقد ازداد مهانةً وخَبْطًا. إلى أن قال: فهل في مثل هذا الضرب خير! لا كثر اللَّه منهم. انتهى. ولبعضهم: إنَّ الذي يروي ولكنَّه ... يجهل ما يروي وما يكتب كصخرةٍ تنبع أمواهُها ... تسقي الأراضي وهي لا تشربُ وقال بعض الظرفاء في الواحد من هذه الطائِفة: إنَّه قليل المعرفة والمخبرة يمشي ومعه أوراق ومِحبرة؛ معه أجزاء يدورُ بها على شيخ وعجوز، لا يعرف ما يجوز ممَّا لا يجوز. وقال: ومحدِّث قد صارَ غاية علمه ... أجزاء يرويها عن الدمياطي وفلانة تروي حديثًا عاليًا ... وفلانٌ يروي ذاك عن أسباطِ والفرقُ بين عَزِيرهم وعُزَيْرِهِمْ ... وأفْصِحْ عن الخيَّاط والحنَّاطِ وأبو فلان ما اسمه ومن الذي ... بينَ الأنامِ ملقَّب بسناطِ؟ وعلوم دين اللَّه نادت جهرة: ... هذا زمان فيه طيُّ بساطي ومن العلماء طائفةٌ استغرق حبُّ النحو واللغة قلبَها، وملأ فكرها، فأدَّاها إلى التقعُّر في الألفاظ، وملازمة حُوشيِّ اللغة، بحيث خاطب به من لا يفهمه. ونحن لا ننكر أنَّ الفصاحة فنٌّ مطلوب، واستعمال غريب اللغة عزيزٌ حسن ولكن مع أهله ومن يفهمه؛ كما حكي أنَ أبا عمرو بن العلاء قصده طالب ليقرأ عليه فصادفه بكَلَّاء البصرة، وهو مع العامَّة يتكلَّم بكلامهم؛ لا يُفرِّق بينه وبينهم. فنقص من عينه. ثم لمَّا نجزَ شغل أبي عمرو ممَّا هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع، فأخذ يخاطب الفقهاء بغيرِ ذلك اللسان فعظم في عينه؛ وعلم أنَّه كلَّم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ. وهذا هو الصواب؛ فإنَّ كل أحد يُكلَّم على قدر فهمه، ومن اجتنبَ اللحن، وارتكب العالي من اللّغة والغريب منها، وتكلَّم بذلك مع كل أحد عن قصد فهو ناقص العقل. وربَّما أُتِيَ بعض هذه الطائفة من ملازمة هذا الفن؛ بحيث اختلط بلحمهم ودمهم، فسبق لسانُهم إليه، وإن كانوا يخاطبون

стр. 71

من لا يفهمه؛ كما أخبرنا أحمد بن عليّ الجزريّ إذنًا، عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر السِلَفيّ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبّار، أنَّا عبد الكريم بن محمد المحاملي، أنَّا إسماعيل بن سعد المعدّل، ثنا محمد بن أحمد بن قِطر السمسار، قال: قال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الورّاق: ازدحموا على عيسى ابن عمر النحويّ، وقد سقط عن حماره، وغُشِي عليه. فلمَّا أفاق، وأخذ في الاستواء للجلوس، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ، ولا تكأكؤكم على ذي جِنّة، افرنقعوا عني. تكأكأتم: تجمعتم. وافرنقعوا: تنحَّوْا بلغة أهل اليمن. فهذا الرجل كان إمامًا في اللغة، وكانت هذه الحالة منه لا تقتضي أنه يقصد هذه الألفاظ، بل هي دَأبه، فسبق لسانُه إليها، وحُكِي أنه لمَّا ولى يوسف بن عمر العراقيّ أخذ عيسى بن عمر النحوي فطالبه بوديعة ذكر أنَّ ابن هبيرة الوزير أودعه إيَّاها، فأمَرَ بضربه، فقال، والسياط تأخذه: واللَّه إن كانت إلَّا أثيابًا (١) في أسفياط (٢)، قبضها عشَّاروك. ولعيسى بن عمر من هذا النمط كثير. وحكي أنَّ عليّ ابن الهيثم كان لِما غلب عليه من ذلك تأتيه العامَّة أفواجًا لسماع كلامه، وأنَّه مرَّ به مَرّة فارسي قد ركبَ حمارًا خلفه جحش، وبيده عِذْق قد ذهب بُسْرُه إلَّا قليلًا، يقودُ به بقرة يتبعها عِجْل لها، فناداه عليّ بن الهيثم: يا صاحب البَيْدَانة القمراءِ، يتلوها تولب بيده شملول، يطَّبِي به خزُومة يقفوها عِجَّوْل، أتقايض بعجولك جُحْجُحًا زَهِمًا؟ قال: فالتفت إليه الفارسيّ، وقال: يا بابا! فارسي هم ندانم. البيدانة: الأتان، والقمراء: البيضاء الوجه، والتَوْلب: ولد الحمار، والشُمْلول: العِذْق ويطبي: يدعو، والخزومة: البقرة الوحشية، والجُحْجُح: الكبش، والزهِم السمين. فهذا عليّ بن الهيثم إن لم يكن قصد المؤانسة لبعض الحاضرين، ولم تكن ندرت منه هذه الألفاظ عن غير قَصْد، فهو خَسِيف العقل. ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الغريبة لكثرة استعمالهم لها، وغلبتها على ألسنتهم؛ ظنًّا منهم أن كل أحد يعرفها، وإلَّا فكيف يذكرونها فى وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سبب غير ذلك؛ كما سقناه، وكما يحكى أنَّ أبا علقمة الواسطيَّ

стр. 72

عرض له مرض شديد، فأتاه أعْيَن الطبيب، فسأله عن سبب علته، فقال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسِئت طَسْأة، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دَأية العنق، فما زالَ يتمأى ويَتَنَمَّى، حتى خالط الخِلْب، وتألَّمت له الشَّراسيف. فقال له أعيَن الطبيب: خذ شرفقًا وشبرقًا؛ فزهزِقهُ؛ ودقدقه. فقال أبو علقمة: أَعِد لي؛ فإنِّي ما فهمت. فقال الطبيب: قبح اللَّه تعالى أقلّنا إفهامًا لصاحبه. الجوازل: فِراخ الحمام، الواحد جَوْزل، والطسأة: الهَيْضة، والوابلة: طرف الكتِف، وهو رأس العضُد. ودَأْية العنق: فِقارها، ويتمأى: يتمدَّد، ويتنمَّى: يتزايد، والخِلْب بالكسر: حجاب القلب، ويُقال: مضغة فوق الكبد. والشراسيف: غضاريف متصلة بالأضلاع. وحكى ابن دريد أنَّ الأصمعيّ ذكر أنً رجلًا مشجوجًا جاء الى صاحب الشرطة فشكا إليه أنَّ امرأً شجَّه. فأمر بإحضاره فلمَّا حضر سئل، فأنكر. . قال المشجوج: لي أعرابي بالسوق يشهد لي. فلمَّا حضر الأعرابيّ سئل، فقال: بينا أنا على كَوْدن يضُهززني، إذ مررت بوصيد دار، فإذا أنا بهذا الأخيْشب، يدُعُّ هذا دعًّا متراسِفًا، فعلاه بمنسأته، فقهقر ثم بَدَرَه بمثلها فقطر، ثم أدبر، وبرأسه جديع يثُج نجيعًا على كتده. فقال صاحب الشرطة: شُجَّني وأعفني من سماع شهادة هذا الأعرابي قوله: الكَوْدن: البرذون. يُضهززني: يحرّكني. الوَصِيد: الباب. الدَعُّ: الدفع المِنْسأة: العصا الأخيشب: تصغير الأخشب، وهو الغليظ. قهقر: رجع القهقرى. قطره: ألقاه على أحد قُطْريه، وهما جانباه. الثجّ الصب. النجيع: الدم. الكَتِد: ما بين الكاهِل إلى الظهر، وهو بُعَيد مغرز العنق. وذكر الزبير بن بكَّار أن بعضن المتقعّرين كتب إلى وكيل له بناحية البصرة: احمل إلينا من الخوزج والكَنْعد الممقورين والأوزّ المَمْهُوج ولحم مها البيد ما يصلح للتشرير والقديد. فكتب إليه وكيله: إن لم تكفَّ عن هذا الكلام بارت قريتك؛ فإنَّ الفَلَّاحين ينسبون من ينطق بهذه الألفاظ إلى الجنون. الكنعد: ضرب من سمك البحر، والشرارة: اليبس. وحكي أنَّ لصًا أرادَ فتح باب نحويّ، فأحسَّت به الجارية، فقالت لسيدها، فاطَّلع عليه، وناداه: أيُّها الطارق، ما الذي أولعك بنا؟! إن أردت المال فعليك بابن الجصاص،

стр. 73

وفلان وفلان، أقوامًا ذوي مال. وإن أردت الجاه فعليك بالقضاة وإن أردت الكتابة فعليك بفلان، وفلان، أقوامًا يكتبون. وإن أردت اللغة والنحو فعليك بي. وإن كنت تبغي القِرى فلج الدار، وادخل المِخْدع وأصب من الزاد ما يمسك خُشاشَة رَمقك. فرفع اللصُّ رأسه، وقال: لو كانت الجنة دارك ما دخلتها. وحكي أن طبيبًا دخل إلى نحوى مريض، فقال: ما كان أُكُلك أمس؟ فقال: أكلت لحم عُطْعُطٍ وساقه خِرْنق، وجؤجؤ حيْقطَان اقتنصه بازيّ فلمَّا كان في الدُّجى أصبت منه معمعة في الحشا، وقرقرة في المِعى، فقال الطبيب للحاضرين: هذه خفة ارتفعت إلى الدماغ، فأصلِحوا الغذاء له قبل أن يُجنّ. العُطْعُطْ: الجدي، الخِرْنِق: ولد الأرنب، الجؤجؤ: الصدر. الحَيْقُطان: بالطاء المهملة: الدُرَّاج الذكر. وحكى أبو القاسم الراغب، قال: ابتاع تلميذ ليعقوب بن إسحق الكِنْدِيِّ جارية، فاعتاصت عليه، فشكا حالها إلى يعقوب فقال له: جئني بها. قال: فلمَّا حضرت عنده قال لها: يا هذه اللغوبة: ما هذه الاختيارات الدالّات على الجهالات؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات، من الموقفات على طالبي المودَّات، مؤذنات بعدم المعقولات! فقالت الجارية حيَّاها اللَّه وبيَّاها: أما علمت أنَّ هذه العثنونات المنتشرات على صدور ذوي الرقاعات محتاجات إلى المواسِي الحالِقات! فقال يعقوب: للَّه درُّها! لقد قسمت الكلام تقسيمًا. واعلم أن الحكايات في هذا الباب تخرج عن حد الحصر، وتقتضي الخروج من الجِدِّ إلى ضربٍ من الهزل والحاصل أنَّ ما كان الحامل عليه غلبة هذه الصناعة مذموم من جهة أن ذا الصناعة كان ينبغي أن يقوّم قلبه ودينه قبل أن يقوِّم ألفاظه. فاللحن في اللفظ ولا اللحن في الدين. وقد غلب على كل ذوي فنّ فنُّهم، بحيث سأل بعضهم أبا طاهر الزياديّ وهو في النزعِ عن ضمان الدَرَك. وحكاية أبي زرعة فبمن كان آخر كلامه لا إله إلَّا اللَّه دخل الجنة شهيرة، وأنه سئل وهو في النزع عن هذا الحديث فساقه بإسناده إلى أن وصل إلى لا إله إلَّا اللَّه، وماتَ قبل أن يقول: دخل الجنة. فلقد نفعه اللَّه تعالى بعلم الحديث وحكي أنَّ دبَّاغًا كان آخر كلامه بعد أن رُدِّدَ عليه لفظ الشهادة مرارًا، كلامًا يتداوله الدبَّاغون؛ وبعض الأمراء كان آخر كلامه: هاتوا القباء الفلانيّ: ومَنْ أكثر من شيء ظهر على فلتات

стр. 74

لسانه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. سمعت صاحبنا الشيخ تاج الدين المراكشيّ رحمهُ اللَّه تعالى، يَحكي عن الشيخ ركن الدين بن القوبع أنَّ شحاذًا سأله وهو في الطريق، فأجابه: يفتح اللَّه. فقال: يا شيخ قد فتحَ اللَّه تعالى عليك، إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها. فوقف ابن القَوْبع، فقال: ولِمَ قلت: إنها جادت عليَّ! وإن سَلَّمنا أنها جادت فلِمَ قلت: إنه يجب عليَّ الجود بها! وإن سلَّمنا أنه يجب فلم قلت: إنِّي ما جدت، وما انحصرت القسمة فيك. فهذا ابن القوبع غلبت عليه المناظرة، فاستعملها مع حرفوش لا يدري ما يقال له. وكذلك حَكى لنا بعض مشايخنا عن الشيخ العلّامة صفيّ الدين الهندي إمام المتكلمين في عصره أنه جاءه حِمْل زيت، فأمسكه المكَّاسون في الطريق على المكْس، فكتب إليهم كتابًا يُتعجَّب من ذكره، مشتملًا على أنواع الجدل والسبْر والتقسيم. وأمَّا ما كان الحامل عليه مجرَّد التقعُّر في اللفظ فهي رُعونة. وقد كتب الإِمام أبو عمرو بن دِحْية إلى السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر ابن أيوب صاحب مصر يهنِّئه بعافيته من مرض أصابه كتابًا كله من هذا النمط. ومنهم من شغلَ نفسه بالألفاظ، وأعرض عن معانيها، بحيث انتهى به الحال إلى ضرب غريب من الخطأ. قال أبو حيّان التوحيدي؛ إيَّاك أن تقيس اللغة، فإنِّي رأيت نبيهًا من الناس وقد سئل عن قوم، فقال: هم خروج. فقيل: ما تريد بهذا؟ فقال: قد خرجوا. فكأنَّه أراد: خارجون. فقيلَ: هذا ما سمع. قال: كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (١) أي قاعدون فَضُحِك به. وسئل أبو الفرج البغدادي: هل يُقال لعارف اللغة: لَغوي بفتح اللام أو ضمِّها؟ فقال: بفتحها: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ (٢) فضحِكوا منه. وأعربَ بعضهم قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ من قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (٣) صفةً لعوجًا، وهذه غفلة. كيف يكون المُعْوَجًّ قَيِّمًا! وإنَّما ﴿قَيِّمًا﴾ حال من محذوف، أي أنزله قيمًا أو من الكتاب. وذكر آخرون أن قوله ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ من قوله تعالى: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٤) معطوف على أن نترك. وذلك

стр. 75

باطل؛ لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنَّما هو عطف على ما هو معمول للترك. والمعنى: أن نترك أن نفعل. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (١) إنَّ ﴿مِنَ﴾ متعلِّقة بأغنياء، وهو فاسد، لأنه متى ظنَّهم ظانٌّ أغنياء من التعفّفِ عَلِم أنهم فقراء من المال، فلا يكون جاهلًا بحالهم، وإنَّما هي متعلِّقة بيحسب وهي للتعليل. وقال بعضهم في قول الشاعر: أقول لعبدَ اللَّهَ لمَّا سِقاؤنا ... ونحنُ بوادي عبد شمس وهاشمِ هذا لحنٌ؛ فأين فعلا لما؟ وعلام نصب اللَّه؟ ولأيّ شيء فتح الدال من عبد؟ وجوابه: أنَّه لم يتأمَّل، أمَّا عبد فترخيم عبدة. وأمَّا اللَّه فنصب على الإغراء. وأمَّا فعلا لما: سقاؤنا مرفوع بفعل محذوف فسره بقوله: وهي أي ضعف. والجواب محذوف تقديره: قلت، بدليل قوله: أقول. وقوله: شِمْ فعل أمر من قولك شِمْت البرق إذا نظرتَ إليه. والمعنى أقول لما سقط سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس، قلت لعبدة احذر اللَّه شِم البرق. وقريب من هذا البيت قول الشاعر: أقول لعبد اللَّه لما لقيته ... ونحنُ على جنب الظُّبا والقناطرِ القنا: الرماح. وطر: فعل أمر من الطيران. ونظير هذين البيتين في الإِلغاز: عافت الماء في الشتاء فقلنا ... برِّديه، تصادفيه سخينا يُقال كيف تبرده، فتصادفه سخينا! وهذه غفلة؛ والأصل: بَلْ رِدِيهِ. ثم كتب جملة واحدة لأجل الإلغاز. وقول الشاعر: لما رأيت أبا يزيد مقاتلًا ... أَدَع القتال وأشهدَ الهيجاء يُقال: أين جواب لما؟ وبم انتصب أدَع؟ وهذه غفلة؛ فالأصل: لن ما، أدغمت النون في الميم للتقارب، ووصلا في الخط، وحقهما أن يكتبا منفصلين. وأمَّا انتصابُ أَدَعَ فبلَنْ، وما الظرفية وصلتها ظرف له، فاصل بينه
следующие страницы →