المعاصي؛ فإنَّه إعانة على معصية اللَّه تعالى. وكثير من المكارية لا يعجبه أن يكاري إلَّا الفاجرات من النساء، والمغاني منهنَّ؛ لمغالاتهنَّ في الكِراء؛ فإنَّهن يعطين من الأجرة فوق ما يعطيه غيرهنَّ فتغرُّة الدنيا. فينبغي أن يعلم أنَّ فلسًا من الحلال خير من درهم من الحرام. وممَّا تعمُّ به البلوى مكار يكاري امرأة جميلة إلى مكانٍ معيَّن، ويمشي معها؛ وفي الطريق مواضع خالية من الناس كما بين البساتين؛ فإن في معاطفها أماكن لو شاء الفاسق لفَعَل فيها ما شاء اللَّه من الفجور. والذي أرِاه أن حكم ذلك حكم الخلوة بالأجنبية، فلا يجوز. ومن كان مع دابّة أو دوابَّ ضَمِن ما تُتْلِفه من نَفس أو مال، ليلًا كان أو نهارًا. أمَّا إذا بالت في الطريق فتلف به نَفْس أو مال فلا ضمان وعلى الراكب الاحتراز ممَّا لا يعتاد، كسوق شديد في الوحل. فإن خالف وجب عليه ضمان ما تولد من ذلك. ومن حمل حطبًا على بهيمة، أوعلى ظهره فحكَّ جدارًا فسقط الجدار ضمنه. وأمَّا ما تضعه المكارية من الجلاجل في رقاب الحمير فإنه مكروه؛ قال رسول اللَّه ﷺ : لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلْب أو جَرَس؛ وقال ﷺ : الجرس مزامير الشيطان؛ رواهما مسلم.
المثال الثامن والتسعون
العَريف
المثال التاسع والتسعون
النقَّاشون
المثال المائة
غاسِل الموتى: وعليه استيعاب البدن بالماء، بعد أن يزيل ما عليه من نجاسة. ولا يجب عليه نيّة الغُسْل على الأصحّ، ولكن الأولى أن ينوي؛ خروجًا من الخلاف. ويستحبّ أن يغسل في موضع مستور لا يدخله سواه وسوى من يعنيه ووليِّ الميت إن شاء. ويكره أن ينظر إلى شيء من بدنه إلَّا لحاجة. ويُغسل في
стр. 107
قميص بال أو سخيف، فيُدخلُ الغاسل يده من تحت القميص ويغسله. وحمل الميت برّ وإكرام لا شيء فيه من الدناءة.
المثال الحادي بعد المائة
السَّجّان: ومن حقِّه الرفق بالمحبوسين، ولا يمنعهم من الجمعة إلَّا إذا منعهم القاضي من ذلك. وقد أفتى الغزاليّ بأنَّ للقاضي المنع من الجمعة إذا ظهرت المصلحة في المنع. ولا يمنع المحبوس من شمِّ الرياحين إن كان مريضًا ويمنع من استمتاعه بزوجته، دون دُخُولها لحاجة له. وإذا علم السجَّان أنَّ المحبوس حُبس بظلم كان عليه تمكينه بقدر استطاعته، وإلَّا يكون شريكًا لمن حَبَسه في الظلم.
المثال الثاني بعد المائة
الجزَّار: ويجب عليه إذا ذبح قطعُ الحلقوم -وهو مجرى النفس- والمريء -وهو مجرى الطعام وهو تحت الحلقوم- ولا يكفي قطع واحد منهما؛ خلافًا للاصطخريّ. ولو ترك من الحلقوم والمريء شيئًا يسيرًا وماتَ الحيوان فهو مَيتة؛ ولا بدَّ أن يصادف الذبح حيوانًا فيه حياة مستقرَّة وإلَّا فلا يحلُّ؛ وذلك يعرف بالعلامات كالحركة الشديدة ونحوِها. وكثيرًا ما يصادف الإنسان حيوانًا يضطرب فيشكّ هل فيه حياة مستقرّة أو لا؛ فإذا شكَّ فالأصحّ أنه حرام. ولا يجوز الذبح بظفر ولا عظم. وتستحب التسمية على الذبح خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: تجب، ولا يحل المذبوح إلَّا بالتسمية. وتُستحب الصلاة على النَّبيّ ﷺ عند الذبح. ولا يحلُّ الذبح باسم غير اللَّه تعالى؛ وأفتى أهل بُخارى بتحريم ما يذبحه أهل القرى عند استقبال السلطان تقرّبًا إليه؛ لأنه ممَّا أهِلَّ به لغير اللَّه.
المثال الثالث بعد المائة
المشاعليّة: وهم الذين يحملون مِشْعلاً يَقِد بالنار بين يدي الأمراء ليلاً. وإذا أُمِر بشنق أحد أو تسميره أو النداء عليه تولّوا ذلك. ومن حقِّ الله عليهم
стр. 108
إذا أرادوا قتل أحد أن يُحسنوا القِتْلة، وأن يمكِّنوه منِ صلاة ركعتين قبل القتل للَّه تعالى؛ فهي سنَّة. ومتى أمر وليّ الأمر مشاعليًا بقتل إنسان بغيرِ حق، والمشاعليّ يعلم أنَّ المقتول مظلوم، فالمشاعليّ قاتل له، يجب عليه القصاص. وإن كان وليّ الأمر أكرهه، أو جعلنا أمره إكراهًا، فالقصاص حينئذٍ عليهما جميعًا عند الشافعيّ ﵀ على الصحيح من مذهبه.
المثال الرابع بعد المائة
الدلَّالون: فمنهم دلال الكتب. ومن حقِّه ألَّا يبيع كتب الدين ممَّن يعلم أنه يُضيعها، أو ينظرها لانتقادها والطعن عليها، وألَّا يبيع شيئًا من كتب أهل البدع والأهواء، وكتب المنجّمين، والكتب المكذوبة؛ كسيرة عنتر وغيره. ولا يحل له أن يبيع كافرًا لا المصحف ولا شيئًا من كتب الحديث والفقه. ومنهم دلال الرقيق؛ فلا يحل له بيع عبد مسلم من كافر، وبيع المملوك الحسن الصورة ممَّن اشتهرَ باللواط، وبيع العصير ممَّن يتخذ الخمر؛ وكلاهما مكروه. وأمَّا بيع المغاني فيجوز؛ ولكن إذا كانت جارية فباعها بألفين؛ ولولا الغَناء لما ساوت إلّا ألفًا، فالأصحاب مختلفون في صحَّة هذا البيع؛ والأصحّ الصحة.
ومنهم دلَّال الأملاك؛ وعليه التحفظ في ذلك؛ خشية أن يقع في بيع شيء موقوف؛ فإن هو باع موقوفًا فقد شاركَ البائع في الإثم.
المثال الخامس بعد المائة
بواب المدرسة والجامع ونحوهما: ومن حقِّه المبيت بقرب الباب، بحيث يسمع من يطرقه عليه، والفتح لساكن في المكان أو قاصد مقصدًا دينيًا: من صلاة أو اشتغال أيَّ وقت جاء من أوقات الليل. وما يفعله بعض البوّابين من غلق الباب في وقت معلوم من الليل، إمَّا بعد صلاة العشاء الآخرة، أو في وقت آخر بحيث إذا جاء أحد السكان أو المريدين للصلاة بعده لا يفتح له، غير جائز؛ إلَّا إن تكون مدرسة شرط واقفها ألَّا يفتح بابها إلَّا في وقت معلوم. وفي صحة مثل هذا الشرط نظر واحتمال. وأمَّا لو شرطه في مسجد أو جامع فواضح أنَّه لا يصحُّ.
стр. 109
المثال السادس بعد المائة
سائس الدواب: ومن حقِّه النصح في خدمتها، وتنقية العلِيق لها، وتأدية الأمانة فيه؛ فإنَّه لا لسان لها يشكوه إلَّا إلى اللَّه تعالى. وقد كثر من السُوَّاس تعليق حِرْز مشتمل على بعض آيات القرآن على الخيل رجاء الحراسة، مع أنها تتمرَّغ في النجاسة. وأفتى الشيخ عزِّ الدين بن عبد السلام بأن ذلك بدعة وتعريض للكتاب العزيز للإهانة.
المثال السابع بعد المائة
الكلابزي: للَّه عليه نعمة: أن جعله خادم الكلاب، ولم يجعله عاصر خمر، أو غير ذلك، ممَّا ابتلى به بعض عبيده فمن شكر هذه النعمة أن ينصح في خدمة كلاب الصيد، وأن يعلم أنَّ في كل كبد حرّى أجرًا، وإذا كان له على خدمتها جُعْل فهذه نعمة ثانية، عليه أن يوفيها حق شكرها؛ فإن كان في باب ذي جاه فهذه نعمة ثالثة، عليه شكر ثالث لأجلها. وعلى هذا فاعتبر.
المثال الثامن بعد المائة
حارس الدَرْب: وحقٌّ عليه أن ينصح لأهل الدرب، ويُسهر عينه إذا ناموا، ينبِّه النوام إذا اغتيلوا بحريق أو غيره، ولا يدل على عوراتهم واليًا ولا غيره. .
المثال التاسع بعد المائة
الطَوْفيّة: وهم بين البساتين والمساكن الخارجة عن البلد كالحارس بين الدروب في وسط البلد. ومن أقبح صنع هؤلاء المداجاة على جَلْب الخمر لمن يرضيهم بحُطام الدنيا، فلا ينكرون عليه المنكر مع إنكارهم زائدًا على الحاجة على من لا يُرضيهم، وإذا وجدوا قتيلًا في مكان نقلوه إلى مكان آخر؛ فتارةً يجدونه في مكانٍ يقرب من دار من له عندهم يد، فينقلونه إلى دار من لا يد له عندهم، أو بينه وبينهم شنآن؛ وتارةً تنقله طائفة من الأماكن التي هو في تسليمهم
стр. 110
إلى مكانٍ آخر؛ دفعًا للتُّهَمَة عن أنفسهم؛ وإلقاءً لغيرهم فيها، وكل ذلك قبيح؛ والواجب إبقاؤه في مكانه، ورفع أمره إلى وليّ الأمر ليبحث عنه.
المثال العاشر بعد المائة
الكاسح.
المثال الحادي عشر بعد المائة
الإِسكاف: ومن حقِّه ألَّا يخرز بنجس: من شعر خنزير أو غيره؛ فإنَّ الصلاة في النعلين جائزة؛ صحَّ أنه ﷺ صلَّى في النعلين. وإنَّما فعل ذلك بيانًا للجواز، وكان أغلب أحْواله ﷺ الصلاة حافيًا؛ فلو أن الإِسكاف استعمل في النعل نجاسة لخان اللَّه والمؤمنين.
المثال الثاني عشر بعد المائة
رماة البندق: وقد أفتى الشيخ تاج الدين بن الفِركاح بحِلّه، وهو ما ذكره النووي في كتاب المنثورات، ويوافقهما قول الرافعيِّ: أمَّا الاصطياد بمعنى إثبات اليد على الصيد وضبطه فلا يختصّ بالجوارح، بل يجوز بأيِّ طريق يتيسر، فإنَّه يتناول الرمي بالبندق؛ لكن قال ابن يونس في شرح التنبيه: وذكر في الذخائر أنَّ الاصطياد بما لا حَدَّ له كالدَّبوس والبندق لا يجوز ولا يحل. قلت: ويدل له ما في مسند الإِمام أحمد من حديث عديّ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "ولا تأكل من البندقة إلّا ما ذكَّيت" لكن في سنده انقطاع؛ وروى البيهقي أنَّ ابن عمر كان يقول في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. وقد صرَّح أصحابنا أنَّ المحدَّد إذا قتل بثقله لا يحل، بل لا بد من الجرح. قالوا: فيحرم الطير إذا مات ببندقة رُمي بها، خدشته أم لا، قطعت رأسه أم لا.
المثال الثالث عشر بعد المائة
الشحَّاذ في الطرقات: للَّه عليه نعمة أنه أقدره على ذلك، وكان من
стр. 111
الممكن أن يُخرس لسانه فيعجز عن السؤال، أو يقعده فيعجز عن السعي، أو يقطع يديه فيعجز عن مدَّهما، إلى غير ذلك. فعليه ألَّا يُلحّ في المسألة؛ بل يتَّقي اللَّه تعالى، ويُجمل في الطلب. وكثير من الحرافيش اتَّخذوا السؤال صناعة: فيسألون من غير حاجة، ويقعدون على أبواب المساجد يشحذون المصلّين، ولا يدخلون للصلاة معهم. ومنهم من يقسم على الناس في سؤاله بما تقشعرّ الجلود عند ذكره. وكل ذلك منكر. وبعضهم يستغيث بأعلى صوته: لوجه اللَّه فَلْس. وقد جاء في الحديث: "لا يسأل بوجه اللَّه إلَّا الجنَّة" وبعضهم يقول: بشيبة أبي بكر فلس. فانظر ماذا يسألون من الحقير، وبماذا يستشفعون من العظيم، ويراهم اليهود والنصارى، ويرون المسلمين ربَّما لم يعطوهم شيئًا، فيَشمَتون ويسخرون؛ وربَّما كان المسلم معذورًا في المنع، والكافر لا يفهم إلَّا أنَّ المسلمين لا يكترثون بذلك. فرأيي في مثل هذا الشحَّاذ أن يؤدَّب حتى يرجع عن ذكر وجه اللَّه تعالى، وذكر شيبة أبي بكر الصدِّيق ﵁، ونحو ذلك، في هذا المقام. ومنهم من يكشف عورته ويمشي عُريانًا بين الناس، يوهم أنَّه لا يجد ما يستر عورته، إلى غير ذلك من حِيَلهم ومَكْرهم وخديعتهم.
ولقد أطلنا في ذكر هذه الأمثلة بحيث إنها تحتمل مصنَّفًا مستقلًّا.
стр. 112
والحاصل -وهو المقصود- أنه ما من عبد إلَّا وللَّه تعالى عنده نعمة، يجب عليه أن ينظر إليها، ويشكرها حقَّ شكرها بقدرِ استطاعته، حسب ما وصفناه، ولا يستحقرها، ولا يربأ بنفسه عليها. وذلك ميزان يستقيم في كلِّ الوظائف؛ فليعرض كل ذي وظيفة تلك الوظيفة على الشرع؛ فإنَّ سيِّدنا ومولانا ونبيِّنا وحبيبنا وشفيعنا محمد المصطفى ﷺ بيَّن لنا أمر ديننا كلَّه؛ فما من منزلة إلَّا وأبان لنا عمَّا ربطه الشارع بها من التكاليف؛ فليبادر صاحبها إلى امتثاله، منشرحَ الصدر، راضيًا، ويُبْشِر عند ذلك بالمزيد. وإلَّا فإنْ هو تلقّاها بغير قبول، ولم يعطها حقَّها خُشِي عليه زوالها عنه، واحتياجه إليها، ثم يطلبها، فلا يجدها. وإذا زالت فليعلم أنَّ سبب زوالها تفريطه في القيام بحقها، وأنا أضرب لك مثلًا، فأقول: إذا كنت أميرًا، قد خوَّلك اللَّه نعمًا هائلة، لو استحضرت نفسك لوجدتها لا تستحقّ منها ذَرَّة، وبِتَّ في بيتك تتقلَّب في أنعم اللَّه، بين يَدَيك الدراهم والذهب، والمماليك، والجواري، وأنواع الملابس الفاخرة، وأصنافُ الملاذِّ، ثم أصبحت ركبت الخيول المسوّمة، ولبست الثياب الحسنة، ثم جلست في بيتك لابسًا قباء عظيمًا، مطرّزًا بالذهب الذي حرَّمه اللَّه تعالى على الرجال، مُطرِقًا مصمِّمًا بوجه عبوس، تُبرق وترعد كأنَّك طالب ثأر من الخلق، وأخذت تحكم فيهم بخلاف ما أمركَ اللَّه به، الذي بتَّ تتقلَّب في أنعمه، معتقدًا أنَّ ما تحكم به هو الأصلح، وأنَّ حكم اللَّه تعالى لا ينفع، فما جزاؤك! ولم لا تزول عنك هذه النعمة! فإن ضممت إلى هذا أنواعًا أُخَر من المعاصي، فأنت بنفسك أخبر، واللَّه عليك أقدر. فاحفظ اللَّه يحفظك. احفظ اللَّه تجده تجاهك؛ تعرَّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدَّة؛ خف اللَّه، الذي يمهل الظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته. واعلم أنَّه ما من عبد إلَّا وعليه حقوق للمسلمين، يتعيَّن عليه توفيتها، والشكر عليها، حيث أقامه اللَّه فيها، واستأهله لها؛ فإنَّها خِدْمة من خدم اللَّه تعالى. ولا يخفى عليك أنَّ مِلكًا لو استخدمك في أيسر حاجة لسُرِرت بذلك؛ فكيف بملك الملوك! وما من وظيفة إلَّا وللمسلمين حقوق على صاحبها. سمعت الشيخ الإِمام ﵁ يقول: لكلِّ مسلم عندي، وعند كل مسلم حقّ في أداء هذه الصلوات الخمس. ومتى فَرَّط مسلم في صلاة واحدة كان قد اعتدى على كل مسلم، وأَخَذَ له حقًّا من حقوقه؛ لعدوانه
стр. 113
على حق اللَّه تعالى. قال: ولذلك أسمع دعوى من يدَّعي على تارك صلاة واجبة، وإن لم يدع على وجه الحسبة؛ لأنَّ لكل مسلم فيها حقًّا؛ فيقول: أدَّعى على هذا أنَّه ترك الصلاة الفلانية، أو اعتمد فيها ما يُفسدها، وقد أضرَّ بي في ذلك، فأنا مطالبه بحقِّي. قلت: ولم؟ قال: لأنَّ المصلِّي يقول: السَّلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، والنَّبيّ ﷺ يقول: إنَّ المصلِّي إذا قال هذا أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض. قلت: ورأيت للقفَّال ما يقتضي ذلك.
إذا فهمت أيُّها العاقل -وفقنا اللَّه وإياك لمرضاته وأحلَّنا وإياك بكرامته بُحبوحة جناته- ما شرحناه لك، فإذا انزَوت عنك نعمة، فأوَّل متعين عليك، إن كنت باغيًا عَودها، البحث عن سبب انزوائها: بأن تنظر إلى وظيفتك، وتفريطك فيها، بالإخلال بواحدة من وظائف الشكر، وتعلم أنك أُتِيت منها، فتذكرَ ذلك. فمتى ذكرته وكان تعلُّق قلبك بها صادقًا، وعلمت أنَّه السبب في زوالها، ندمت -ولا بد- عليه وتبت عنه. وعقدت النيّة على أنك إن عادت إليك النعمة لم تعد إليه. فإن قلت: لا أذكر تفريطًا، فأنت إذا جاهل. واعلم أنَّ للشيطان وساوس وتخييلات، وأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنَّ أعدى عدوّ لك نفسُك التي بين جنبيك، وأنهما -أعني نفسك والشيطان- ربَّما أرياك الباطل حقًا، واسترقَاك من حيث لا تدري، واسترقّاك وأنت تظن أنك حر، فاقطع واجزم بأنَّك مفرط لا محالة، واستغفر اللَّه تعالى، واضرع إليه. وإن لم تدر وجه التفريط بخصوصه، فاعلمه على الجملة. ولا يكن عندك شك في أنَّ هناك تفريطًا، فهمته، أم جهلته، وأنك منه أُتِيت. فإنَّك إذا علمت ذلك، وأيقنت به، فهمت أنَّ الحق تعالى عادل فيك، غير ظالم لك، بل محسن إليك، أسداكَ نعمة بلا استحقاق، فما رعيتها حق رعايتها، فزوَاها عنك. فعليك شكر تلك الأيام التي كنت متلبسًا بها فيها، والاستغفار من تفريطك. أَرَأيتَ رجلًا أجلسك في داره يطعمك ويسقيك عشرة أيام، ثم قال لك: انصرف، أيكون مسيئًا إليك، أم محسِنًا؟ إن قلت: مسيئًا إليك، فأنت مجنون؛ فإنَّه لم يكن عليه حق لك، وقد أحسنَ إليك هذه المدة. فبأيّ طريق يجب عليه أن يديمها: وإن قلت: يكون محسنًا، وقد أزالها بلا سبب، فما ظنَّك برب لا يزيل النعمة إلَّا بسببٍ منك! ألست أنت الظالم! حكي أنَّ ملكًا مات له ولد، فأفحش في إظهار الحزن عليه،
стр. 114
والتسخّط بسبب ما أصابه. فأتاه آتٍ، فقال: أيُّها الملك، إنَّ لي صاحبًا أودعني جوهرة، فكانت عندي مدة. أتلذَّذ برؤيتها. ثم إنَّه استرجعها، وأنا أسالك طلبه، وإلزامه بإعادة الإِيداع. فقال له: كيف أُلزمه بأن يودع ما له عندك؛ فقال له: فاللَّه أودع عندك ولدًا لك هذه المدة، ثم استردَّه، فلِمَ هذا التسخُّط، فانشرح صدر الملك، ورفع العَزاء. وأنشد بعضهم:
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يومًا أن تُرَدّ الودائع
فإن قلت: قد يزيلها زيادةً في رفعِ الدرجات، فاعلم أنَّ هذا مقام عَسِر، لم تصل أنت إليه، فليسرع كلامي مع أهل هذه الطبقة؛ إنَّما كلامي مع جمهور أهل هذا الزمان، الذي اندفعنا إليه. ولو كان كلامي مع أهل هذا المقام لقلت لهم: تلك نعمة تبدَّلت بأعظم منها؛ ولا يقال: إنَّها زالت. ولهذا شرح طويل ليس من غرض هذا الكتاب.
فهذه واحدة من الأمور الثلاث، التي بمجموعها تعود النعمة وتزول النقمة.
الأمر الثاني في فوائد انزوائها؛ فنقول: قد تعترف بالأمر الأوَّل، وتذعن له، ولكن تقول في نفسك: إنَّه لا خير لي في هذه المحنة، وليت النعمة لم تَزل، وإن كنت أنا السبب في زوالها. فإن أنت اختلجَ في ضميرك هذا، فاعلم أنَّك لم توفِ الشكر حقه، ولم تحسن السعي في عَوْدها، وكنتَ كمن يأتي البيوت من غير أبوابها، ويلج الدور بدون حُجّابها، فامح ما في نفسك، وارجع إلى حسك، واعلم أنَّ المحنة من اللَّه تعالى، ليست من أحد غيره. وهذا كما عرَّفناك في النعمة سواء. فأوَّل ما تعتقده أنَّ اللَّه تعالى هو الفاعل بك ذلك؛ لتمرُّدك، وطغيانك. وإن أنت ظننت في أحد من الخلق أنَّه الفاعل بك هذا فهذه زَلّة عظيمة يُخشى عليك منها دوامُ المحنة. فإذا اعتقدت ذلك، وتلقَّيت المحنَة من اللَّه تعالى فهذه نعمة تورث عندك الفرح بالمصيبة. ثم انظر في نفسك: أمؤمنٌ أنت أم كافر؟ فإن كنت كافرًا فمصيبتك بالكفر أشدّ من سائر المصائب، فابك على تلك المصيبة، وبادر إلى زوالها ودع عنكَ الفكرة فيما عداها. وإن كنت مؤمنًا فاعلم أنَّ ما لاقاك به الدهر هو ديدنه وعادته في حقّ
стр. 115
المؤمنين؛ فإنَّ دار الدنيا مملكة أعدائك، ومحلَّة بلائك؛ والإنسان لا يكون في مملكة عدوّه مستريحًا، وإنَّما يكون مصابًا معذَّبًا بأنواع الأنكاد والمتاعب. فلا تستغرب ما أصابك، بل اعلم أنَّه القاعدة المستقِرَّة في حقِّك، والغريب ممَّا جاء على خلافها. ولهذا كان سيِّد الطائِفة الجنيد ﵀ يقول: لا أستنكر شيئًا ممَّا يقع من العالم؛ لأنِّي قد أصَّلت أصلًا؛ وهو أنَّ الدار دار غمّ وهمّ وبلاءً وفتنة، وأنَّ العالَم كلُّه شرّ، من حقِّه أن يتلقّاني بكل ما أكره. فإن تلقَّاني بما أحِبّ فهو فضل؛ وإلَّا فالأصل الأوَّل. وإنَّما قلنا: إنَّ الدنيا مملكة أعدائنا، ودار أحزاننا، لما ثبت وصحَّ في صحيح مسلم وغيره: من قول رسول اللَّه ﷺ : إنَّ الدنيا سِجْن المؤمن، وجنَّة الكافر. فأوضحَ أنَّ الكافر فيها منعّم، والمؤمن فيها مسجون، وهل يكون المسجون إلَّا حزينا مصابًا! فالأصح أنَّ المؤمن مع الكافر في هذه الدار كأهل السجن مع السلطان. فانظر واعتبر وتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) فإذا تأمَّلت هذا انشرح صدرُك لما يصيبك، وعلمت أنَّه دليل على أنَّك من أهل الإيمان، المقرَّبين عند الرَّحمن، الذين يريد تطهيرهم من الأدناس، ويحبّ تصفية قلوبهم من الوسواس. ولذلك كان السلف رحمهم اللَّه تعالى يخشَون تتابُع النعم، ويخافون أن يكون ذلك استدراجًا. وأنا قد اعتبرت، فوجدت القاعدة المستمِرّة في هذه الأمَّة أنَّ كل من كان أكثر إيمانًا، كانت الدنيا عنه أكثر انزواءً، والأكدار عنده أكثر ممَّن دونه، ولذلك كان أشدّ النَّاس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، وما أوذي نبيّ أكثر ممَّا أوذي سيِّد الأنبياء نبيِّنا محمد ﷺ : وأنت فانظر ترَ الكفار أكثر دنيا من المسلمين، ثم انظر المسلمين تر الجهَّال منهم والفسقة أكثر دنيا من أهل العلم وأهل التقوى. ثم انظر أهل العلم والتقوى تر كل من زاد فيهما نقص في الدنيا بحسب ذلك. وإن عددت منِ جُمع له العَدْل والملك، أو العلم والمال، أو التقوى والمال، لم تر إلَّا آحادًا محصورين، وأُناسًا كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وكان ذلك لمصلحة اقتضتها حكمة الربّ تعالى، خرجوا بها عن
стр. 116
القاعدة. قيل للحَسَن البصريّ ﵀: أليس قد قال النَّبيّ ﷺ : "لا يزدادُ الأمر إلَّا شدَّة، ولا الدُّنيا إلَّا ادبارًا"، فما بالُ عمر بن عبد العزيز -وهو سيِّد أهل زمانه وَلِي بعد الحجَّاج وهو خبيث هذه الأمة! فقال: لا بدّ للزمان أن يتنفَّس. فإذا علمت أن إنكاد المؤمنين طبع الزمان؛ كما قال التِّهامي:
حكم المنَّية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينما ترى الإنسان فيها مخبِرًا ... ألفيته خبرًا من الأخبار
طبعت على كدر، وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذار والأكدار
ومكلِّف الأيَّام ضِدَّ طباعها ... متطلِّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنَّما ... تبني الرجاء على شفير هار
والعيشُ نومٌ والمنيّة يقظة ... والمرءُ بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالًا، إنَّما ... أعماركم سفرَ من الأسفار
وتركَّضوا خيل الشباب وبادروا ... أن تُسترد فإنَّهنَّ عوار
ليس الزمان وإن حَرَصت مسالمًا ... طبع الزمان عداوة الأحرار
فما أجهل من يقول: ما بال فلان المستحقِّ خاملًا، وفلان غير المستحق خير خامل! أما علم أنَّ هذه عادة الزمان، وأن ذلك عدل من اللَّه تعالى: إذ كونه مستحقًّا فضل من اللَّه عليه، يربو ويزيد على ذلك الحُطَام الذي هو حظ من لا يستحقّ. أليس إذا عادل العالِم بين العلم مع الفقر، والجهل مع الغنى وجد علمًا بفقر خيرًا من جهل بغنى، وتقوى بانكسار خيرًا من فجور باستكبار! أنشدنا أبو عبد اللَّه الحافظ إجازة عن شيخ الإِسلام أبي الفتح بن دقيق العيد أنه أنشد لنفسه:
أهل المناصب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل مرذولون بينهُم
قد أنزلونا لأنَّا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم
فما لهم في توقِّي ضَرنا نظر ... ولا لهم في ترقِّي قدرنا هِممٌ
فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم ... مقدارهم، عندنا أو لو دروه هم!
لهم مُريحان: من جهلٍ وفرط غنى ... وعندنا المتعِبان: العلم والعَدَم
وهذه الأبيات ناقضها أبو الفتح الثقفيّ فأجادَ وأحسنَ حيث قال:
أين المراتب في الدنيا ورفعتها ... مِنَ الذي حازَ علمًا ليس عندهم؟
стр. 117
لا شكَّ أنَّ لنا قدرًا رأوه، وما ... لقدرهم عندنا قدر، ولا لهم
هم الوحوش ونحن الإنس حِكْمَتنا ... تقودهم حيث ما شئنا وهم نعم
وليس شيء سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم، فإنَّهم وجدانهم عدم
لنا المريحان: من علمٍ ومن عَدَم ... وفيهم المتعِبان: الجهل والحَشَم
فإذا استقرَّت هذه القاعدة عندك ازددت انشراحًا بالمصيبة وتسلّيًا عنها؛ ثم ابحث تجده أيضًا بقضاء اللَّه وقدره وإرادته واختياره؛ وقضاؤه لك خير من قضائك لنفسك. وكم من محنة في طيِّها نعمة لا يدريها إلَّا من يعلم العواقب. فكن مع اللَّه كالميت بين يديّ الغاسل، واعلم أنَّه حينئذٍ لا يفعل بك إلَّا ما هو خير لك؛ وكن كما قال الشاعر:
وقف الهوى بي حيث أنت؛ فليس لي ... متأخَّر عنه ولا متقدَّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبًّا لذكرك فلْيلمني اللوّم
أشبهتَ أعدائي فصرت أحبهم ... إذْ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنتُ نفسي عامدًا ... ما من يهون عليك ممَّن يكرم
فإذا استقَّرت هذه القاعدة الأخرى عندك ازددت سرورًا على سرور. ثم ابحث عن فوائد المحنة تلقها كثيرة، وافهم أنَّها لولا المحنة لم تحصل هذه الفوائد. فإذًا المحنة نعمة، والمبليَّة عطيَّة، وعند هذا يتم انشراحك وسرورك، وتصل التي درجة الرضا بالمقدَّر، كما كان السلف ﵏:
يستعذبون بلاياهم كأنَّهم ... لا ييئسون من الدنيا إذا قتلوا
ولسنا نقول ذلك حثًّا على حبِّ البلاء، وحبًّا له، نعوذ باللَّه منه، ولكن نقوله تسليةً لمن حلَّ به؛ فتعريف دواء المرض لا يوجب حبّ المرض، ولا طلبه. نسأل اللَّه العافية؛ فإنَّ عافيته أوسع لنا. وإذا فهمت هذا وتأمَّلته مع قوله ﷺ : "كل قضاء اللَّه للمؤمن خير" الحديث وانشرحت لذلك تمَّ لك نوع من الأمور التي يرجى باعتمادها عود النعمة، وزوال النقمة. فإن قلت: أين لي هذه الفوائد؟ وعدّدها؛ ليتَّم سروري. قلت: حظ هذا الكتاب منها تنبيهك من سِنة الغفلة؛ فإنَّا قد بيَّنا لك أنك من قِبَل تفريطك أتيت؛ فلو لم يتداركك اللَّه
стр. 118
بلطفه، ويزويَ عنك تلك النعمة لتتذكر، وتنتبه من منامك لبقيت طائشًا في غيِّك، مُتحيّرًا في طغيانك. وذلك يؤول إلى فساد حالك بالكليَّة. فحلول المحنة -والحالة هذه- نعمة. وإن أردت حصر الفوائد التي فيها فلن تجد إلى ذلك سبيلًا، لكثرته، وخروج بعضه عن إدراك أفهامنا؛ فإن حِكَم الربّ تعالى منها ما ندركه، ويُتفاوت فيه بقدر تفاوتنا في العلوم والمعارف؛ ومنها ما تَقْصُر العقولُ عن إدراكه. ولسلطان العلماء شيخ الإِسلام عزِّ الدين محمد بن عبد السلام رضي اللَّه تعالى عنه كلام على فوائد المحن والرزايا، أنا أحكيه لك بجملته. قال ﵁: للمصائب والبلايا، والمحن والرزايا قوائد، تختلف باختلاف رُتب الناس. إحداها معرفة عزِّ الربوبية وقَهْرِها. والثانية معرفة ذِلَّة العبودية وكَسْرِها. وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) اعترفوا بأنهم مِلكه وعبيده، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره، وقضاؤه وتقديره، لا مَفَرَّ لهم منه، ولا محيد لهم عنه. والثالثة الإخلاص للَّه تعالى؛ إذ لا مرجع في دفع الشدائد إلَّا إليه، ولا معتمد في كشفها إلَّا عليه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). الرابعة الإِنابة إلى اللَّه، والإِقبال عليه، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ (٤). الخامسة الترصُّع والدعاء ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ (٥) ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٦) ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٧) ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٨). . السادسة الحلم عمَّن صدرت عنه المصيبة ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٩) ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠) (إن فيك خَصْلتين يحبهما اللَّه: الحلم والأناة) وتختلف مراتب الحلم باختلاف المصائب في صغرها وكبرها. فالحلم عند أعظم المصائب أفضل من كل حِلْم. السابعة العفو
стр. 119
عن جانيها ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (١) ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) والعفو عن أعظمها أفضل من كل عفو. الثامنة الصبر عليها. وهو موجب لمحبَّة اللَّه تعالى؛ وكثرة ثوابه ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) (وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) والتاسعة الفرح بها، لأجل فوائدها، قال عليه إلصلاة والسلام: "والَّذي نفسي بيده إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء" وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه حبَّذا المكروهان الموت والفقر. وإنَّما فرِحوا بها؛ إذ لا وقع لشدَّتها ومرارتها، بالنسبة إلى ثمرتها وفائدتها؛ كما يفرح من عظمت أدواؤه بشرب الأدوية الحاسمة لها، مع تجرعه لمرارتها. العاشرة الشكر عليها؛ لما تضمَّنته من فوائدها؛ كما يشكر المريض الطبيب القاطع لأطرافه، المانع من شهواته، لما يَتوقع في ذلك من البرء والشفاء. الحادية عشرة تمحيصها للذنوب والخطايا ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٥) (ولا يصيب المؤمن وَصَب ولا نصب حتى الهم يُهمُّه والشوكةُ يُشاكها إلَّا كفَّر به من سيئاته) الثانية عشرة رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم؛ فالناس معافًى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واشكروا اللَّه تعالى على العافية.
وإنَّما يرحم العشّاق من عشقا.
الثالثة عشرة معرفة قدر نعمة العافية والشكر عليها؛ فإنَّ النعم لا تعرف أقدارها إلَّا بعد فقدها. الرابعة عشرة ما أَعدَّه اللَّه تعالى على هذه الفوائد: من ثواب الآخرة على اختلاف مراتبها. الخامسة عشرة ما في طِّيها من الفوائد الخفية؛ ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٦) ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧) ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٨) ولمَّا أخذ الجبار سارة من إبراهيم كان في تلك البلية أن أخدمها هاجر، فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرّية
стр. 120
إسماعيل سيِّد المرسلين وخاتم النبيّين، فأعظم بذلك من خير كان في طيِّ تلك البلية؛ وقد قيل:
كم نعمة مطوية ... لك بين أثناء المصائب
وقال آخر:
ربَّ مبغوض كريه ... فيه للَّه لطائفه
السادسة عشرة أنَّ المصائب والشدائد تمنع من الأشَر والبطر والفخر والخيلاء والتكبُّر والتجبُّر، فإنَّ نمرود لو كان فقيرًا سقيمًا فاقد السمع والبصر لما حاجَّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطر الملك على ذلك، وقد علَّل اللَّه محاجَّته بإيتائه الملك فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ (١) ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال أنا ربّكم الأعلى ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣) ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ (٥) ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًالِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (٦) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (٧) والفقراء والضعفاء هم الأولياء وأتباع الأنبياء. ولهذه الفوائد الجليلة كان أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون الأمثل فالأمثل؛ نسبوا إلى الجنون والسحر والكهانة، واستهزئ بهم، وسُخر منهم، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، وقيلَ لنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (٨) ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٩) " ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١٠) ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ
стр. 121
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (١) الَّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وتغرَّبوا عن أوطانهم، وكثر عناؤهم واشتدَّ بلاؤهم، وتكاثر أعداؤهم، فغلبوا في بعض المواطن، وقتل منهم بأحد وبئر معونة وغيرهما من قتل، وشجّ وجه رسول اللَّه ﷺ ، وكسرت رباعِيَته، وهشمت البيضة على رأسه، وقتل أعِزّاؤه، ومثَّل بهم، فشمِتَ أعداؤه، واغتمَّ أولياؤه، وابتُلوا يوم الخندق، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وكانوا في خوفٍ دائم، وعُرْي لازم، وفقر مُدْقِع؛ حتى شدّوا الحجارة على بطونهم، من الجوع. ولمِ يشبع سيِّد الأولين والآخرين من خبز بُرّ في يوم مرتين. وأوذي بأنواع الأذيّة حتى قَذفوا أحبّ أهله إليه، ثم ابتلي في آخر الأمر بمسيلمة وطليحة والعنْسيّ. ولقي هو وأصحابه في جيش العسرة ما لقوه، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير. ولم تزل الأنبياء والصالحون يُتعهّدون بالبلاء الوقت بعد الوقت، يبتلي الرجل على قدر دينه: فإن كان صُلبًا في دينه شدَّد في بلائه. ولقد كان أحدهم يوضع الميشار على مَفْرِقه فلا يصدُّه ذلك عن دينه. وقال ﵊: "مثل المؤمن مثل الزرع لا تزال الريح تميله"، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء وقال ﵊: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح، تصرعها مرَّة وتعدلها مرَّة حتى تهيج" فحالُ الشدَّة والبلوى مقبلة بالعبد إلى اللَّه ، وحال العافية والنعماء صارفة للعبد عن اللَّه تعالى، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ (٢) فلأجل ذلك تقلَّلوا في المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمجالس والمساكن والمراكب وغير ذلك؛ ليكونوا على حالة توجب لهم الرجوع إلى اللَّه تعالى والإقبال عليه. السابعة عشرة الرضا الموجب لرضوان اللَّه تعالى؛ فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر؛ فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا، والرضا أفضل من الجنَّة وما فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٣) أي من جنات عدن ومساكنها الطيبة.
стр. 122
فهذه نبذة ممَّا حضرنا من فوائد البلوى. ونحن نسأل اللَّه تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة؛ فلسنا من رجال البلوى. وفّقنا اللَّه تعالى للعمل بما يحب ويرضى، وبرَّأنا من المحن والرزايا.
اللَّهمَّ صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله عودًا على بدء ومختتمًا على مفتتح وسلم تسليمًا دائمًا باقيًا إلى يوم الدين آمين وحسبنا اللَّه ونعمَ الوكيل ولا حولَ ولا قوة إلا باللَّه العليِّ العظيم وسبحان اللَّه وبحمده سبحان اللَّه العظيم.