من لا يفهمه؛ كما أخبرنا أحمد بن عليّ الجزريّ إذنًا، عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر السِلَفيّ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبّار، أنَّا عبد الكريم بن محمد المحاملي، أنَّا إسماعيل بن سعد المعدّل، ثنا محمد بن أحمد بن قِطر السمسار، قال: قال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الورّاق: ازدحموا على عيسى ابن عمر النحويّ، وقد سقط عن حماره، وغُشِي عليه. فلمَّا أفاق، وأخذ في الاستواء للجلوس، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ، ولا تكأكؤكم على ذي جِنّة، افرنقعوا عني. تكأكأتم: تجمعتم. وافرنقعوا: تنحَّوْا بلغة أهل اليمن. فهذا الرجل كان إمامًا في اللغة، وكانت هذه الحالة منه لا تقتضي أنه يقصد هذه الألفاظ، بل هي دَأبه، فسبق لسانُه إليها، وحُكِي أنه لمَّا ولى يوسف بن عمر العراقيّ أخذ عيسى بن عمر النحوي فطالبه بوديعة ذكر أنَّ ابن هبيرة الوزير أودعه إيَّاها، فأمَرَ بضربه، فقال، والسياط تأخذه: واللَّه إن كانت إلَّا أثيابًا (١) في أسفياط (٢)، قبضها عشَّاروك. ولعيسى بن عمر من هذا النمط كثير. وحكي أنَّ عليّ ابن الهيثم كان لِما غلب عليه من ذلك تأتيه العامَّة أفواجًا لسماع كلامه، وأنَّه مرَّ به مَرّة فارسي قد ركبَ حمارًا خلفه جحش، وبيده عِذْق قد ذهب بُسْرُه إلَّا قليلًا، يقودُ به بقرة يتبعها عِجْل لها، فناداه عليّ بن الهيثم: يا صاحب البَيْدَانة القمراءِ، يتلوها تولب بيده شملول، يطَّبِي به خزُومة يقفوها عِجَّوْل، أتقايض بعجولك جُحْجُحًا زَهِمًا؟ قال: فالتفت إليه الفارسيّ، وقال: يا بابا! فارسي هم ندانم. البيدانة: الأتان، والقمراء: البيضاء الوجه، والتَوْلب: ولد الحمار، والشُمْلول: العِذْق ويطبي: يدعو، والخزومة: البقرة الوحشية، والجُحْجُح: الكبش، والزهِم السمين. فهذا عليّ بن الهيثم إن لم يكن قصد المؤانسة لبعض الحاضرين، ولم تكن ندرت منه هذه الألفاظ عن غير قَصْد، فهو خَسِيف العقل. ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الغريبة لكثرة استعمالهم لها، وغلبتها على ألسنتهم؛ ظنًّا منهم أن كل أحد يعرفها، وإلَّا فكيف يذكرونها فى وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سبب غير ذلك؛ كما سقناه، وكما يحكى أنَّ أبا علقمة الواسطيَّ
стр. 72
عرض له مرض شديد، فأتاه أعْيَن الطبيب، فسأله عن سبب علته، فقال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسِئت طَسْأة، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دَأية العنق، فما زالَ يتمأى ويَتَنَمَّى، حتى خالط الخِلْب، وتألَّمت له الشَّراسيف. فقال له أعيَن الطبيب: خذ شرفقًا وشبرقًا؛ فزهزِقهُ؛ ودقدقه. فقال أبو علقمة: أَعِد لي؛ فإنِّي ما فهمت. فقال الطبيب: قبح اللَّه تعالى أقلّنا إفهامًا لصاحبه. الجوازل: فِراخ الحمام، الواحد جَوْزل، والطسأة: الهَيْضة، والوابلة: طرف الكتِف، وهو رأس العضُد. ودَأْية العنق: فِقارها، ويتمأى: يتمدَّد، ويتنمَّى: يتزايد، والخِلْب بالكسر: حجاب القلب، ويُقال: مضغة فوق الكبد. والشراسيف: غضاريف متصلة بالأضلاع. وحكى ابن دريد أنَّ الأصمعيّ ذكر أنً رجلًا مشجوجًا جاء الى صاحب الشرطة فشكا إليه أنَّ امرأً شجَّه. فأمر بإحضاره فلمَّا حضر سئل، فأنكر. . قال المشجوج: لي أعرابي بالسوق يشهد لي. فلمَّا حضر الأعرابيّ سئل، فقال: بينا أنا على كَوْدن يضُهززني، إذ مررت بوصيد دار، فإذا أنا بهذا الأخيْشب، يدُعُّ هذا دعًّا متراسِفًا، فعلاه بمنسأته، فقهقر ثم بَدَرَه بمثلها فقطر، ثم أدبر، وبرأسه جديع يثُج نجيعًا على كتده. فقال صاحب الشرطة: شُجَّني وأعفني من سماع شهادة هذا الأعرابي قوله: الكَوْدن: البرذون. يُضهززني: يحرّكني. الوَصِيد: الباب. الدَعُّ: الدفع المِنْسأة: العصا الأخيشب: تصغير الأخشب، وهو الغليظ. قهقر: رجع القهقرى. قطره: ألقاه على أحد قُطْريه، وهما جانباه. الثجّ الصب. النجيع: الدم. الكَتِد: ما بين الكاهِل إلى الظهر، وهو بُعَيد مغرز العنق.
وذكر الزبير بن بكَّار أن بعضن المتقعّرين كتب إلى وكيل له بناحية البصرة: احمل إلينا من الخوزج والكَنْعد الممقورين والأوزّ المَمْهُوج ولحم مها البيد ما يصلح للتشرير والقديد. فكتب إليه وكيله: إن لم تكفَّ عن هذا الكلام بارت قريتك؛ فإنَّ الفَلَّاحين ينسبون من ينطق بهذه الألفاظ إلى الجنون.
الكنعد: ضرب من سمك البحر، والشرارة: اليبس. وحكي أنَّ لصًا أرادَ فتح باب نحويّ، فأحسَّت به الجارية، فقالت لسيدها، فاطَّلع عليه، وناداه: أيُّها الطارق، ما الذي أولعك بنا؟! إن أردت المال فعليك بابن الجصاص،
стр. 73
وفلان وفلان، أقوامًا ذوي مال. وإن أردت الجاه فعليك بالقضاة وإن أردت الكتابة فعليك بفلان، وفلان، أقوامًا يكتبون. وإن أردت اللغة والنحو فعليك بي. وإن كنت تبغي القِرى فلج الدار، وادخل المِخْدع وأصب من الزاد ما يمسك خُشاشَة رَمقك. فرفع اللصُّ رأسه، وقال: لو كانت الجنة دارك ما دخلتها. وحكي أن طبيبًا دخل إلى نحوى مريض، فقال: ما كان أُكُلك أمس؟ فقال: أكلت لحم عُطْعُطٍ وساقه خِرْنق، وجؤجؤ حيْقطَان اقتنصه بازيّ فلمَّا كان في الدُّجى أصبت منه معمعة في الحشا، وقرقرة في المِعى، فقال الطبيب للحاضرين: هذه خفة ارتفعت إلى الدماغ، فأصلِحوا الغذاء له قبل أن يُجنّ. العُطْعُطْ: الجدي، الخِرْنِق: ولد الأرنب، الجؤجؤ: الصدر. الحَيْقُطان: بالطاء المهملة: الدُرَّاج الذكر.
وحكى أبو القاسم الراغب، قال: ابتاع تلميذ ليعقوب بن إسحق الكِنْدِيِّ جارية، فاعتاصت عليه، فشكا حالها إلى يعقوب فقال له: جئني بها. قال: فلمَّا حضرت عنده قال لها: يا هذه اللغوبة: ما هذه الاختيارات الدالّات على الجهالات؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات، من الموقفات على طالبي المودَّات، مؤذنات بعدم المعقولات! فقالت الجارية حيَّاها اللَّه وبيَّاها: أما علمت أنَّ هذه العثنونات المنتشرات على صدور ذوي الرقاعات محتاجات إلى المواسِي الحالِقات! فقال يعقوب: للَّه درُّها! لقد قسمت الكلام تقسيمًا. واعلم أن الحكايات في هذا الباب تخرج عن حد الحصر، وتقتضي الخروج من الجِدِّ إلى ضربٍ من الهزل والحاصل أنَّ ما كان الحامل عليه غلبة هذه الصناعة مذموم من جهة أن ذا الصناعة كان ينبغي أن يقوّم قلبه ودينه قبل أن يقوِّم ألفاظه. فاللحن في اللفظ ولا اللحن في الدين. وقد غلب على كل ذوي فنّ فنُّهم، بحيث سأل بعضهم أبا طاهر الزياديّ وهو في النزعِ عن ضمان الدَرَك. وحكاية أبي زرعة فبمن كان آخر كلامه لا إله إلَّا اللَّه دخل الجنة شهيرة، وأنه سئل وهو في النزع عن هذا الحديث فساقه بإسناده إلى أن وصل إلى لا إله إلَّا اللَّه، وماتَ قبل أن يقول: دخل الجنة. فلقد نفعه اللَّه تعالى بعلم الحديث وحكي أنَّ دبَّاغًا كان آخر كلامه بعد أن رُدِّدَ عليه لفظ الشهادة مرارًا، كلامًا يتداوله الدبَّاغون؛ وبعض الأمراء كان آخر كلامه: هاتوا القباء الفلانيّ: ومَنْ أكثر من شيء ظهر على فلتات
стр. 74
لسانه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. سمعت صاحبنا الشيخ تاج الدين المراكشيّ رحمهُ اللَّه تعالى، يَحكي عن الشيخ ركن الدين بن القوبع أنَّ شحاذًا سأله وهو في الطريق، فأجابه: يفتح اللَّه. فقال: يا شيخ قد فتحَ اللَّه تعالى عليك، إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها. فوقف ابن القَوْبع، فقال: ولِمَ قلت: إنها جادت عليَّ! وإن سَلَّمنا أنها جادت فلِمَ قلت: إنه يجب عليَّ الجود بها! وإن سلَّمنا أنه يجب فلم قلت: إنِّي ما جدت، وما انحصرت القسمة فيك.
فهذا ابن القوبع غلبت عليه المناظرة، فاستعملها مع حرفوش لا يدري ما يقال له. وكذلك حَكى لنا بعض مشايخنا عن الشيخ العلّامة صفيّ الدين الهندي إمام المتكلمين في عصره أنه جاءه حِمْل زيت، فأمسكه المكَّاسون في الطريق على المكْس، فكتب إليهم كتابًا يُتعجَّب من ذكره، مشتملًا على أنواع الجدل والسبْر والتقسيم. وأمَّا ما كان الحامل عليه مجرَّد التقعُّر في اللفظ فهي رُعونة. وقد كتب الإِمام أبو عمرو بن دِحْية إلى السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر ابن أيوب صاحب مصر يهنِّئه بعافيته من مرض أصابه كتابًا كله من هذا النمط. ومنهم من شغلَ نفسه بالألفاظ، وأعرض عن معانيها، بحيث انتهى به الحال إلى ضرب غريب من الخطأ. قال أبو حيّان التوحيدي؛ إيَّاك أن تقيس اللغة، فإنِّي رأيت نبيهًا من الناس وقد سئل عن قوم، فقال: هم خروج. فقيل: ما تريد بهذا؟ فقال: قد خرجوا. فكأنَّه أراد: خارجون. فقيلَ: هذا ما سمع. قال: كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (١) أي قاعدون فَضُحِك به. وسئل أبو الفرج البغدادي: هل يُقال لعارف اللغة: لَغوي بفتح اللام أو ضمِّها؟ فقال: بفتحها: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ (٢) فضحِكوا منه. وأعربَ بعضهم قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ من قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (٣) صفةً لعوجًا، وهذه غفلة. كيف يكون المُعْوَجًّ قَيِّمًا! وإنَّما ﴿قَيِّمًا﴾ حال من محذوف، أي أنزله قيمًا أو من الكتاب. وذكر آخرون أن قوله ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ من قوله تعالى: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٤) معطوف على أن نترك. وذلك
стр. 75
باطل؛ لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنَّما هو عطف على ما هو معمول للترك. والمعنى: أن نترك أن نفعل. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (١) إنَّ ﴿مِنَ﴾ متعلِّقة بأغنياء، وهو فاسد، لأنه متى ظنَّهم ظانٌّ أغنياء من التعفّفِ عَلِم أنهم فقراء من المال، فلا يكون جاهلًا بحالهم، وإنَّما هي متعلِّقة بيحسب وهي للتعليل. وقال بعضهم في قول الشاعر:
أقول لعبدَ اللَّهَ لمَّا سِقاؤنا ... ونحنُ بوادي عبد شمس وهاشمِ
هذا لحنٌ؛ فأين فعلا لما؟ وعلام نصب اللَّه؟ ولأيّ شيء فتح الدال من عبد؟ وجوابه: أنَّه لم يتأمَّل، أمَّا عبد فترخيم عبدة. وأمَّا اللَّه فنصب على الإغراء. وأمَّا فعلا لما: سقاؤنا مرفوع بفعل محذوف فسره بقوله: وهي أي ضعف. والجواب محذوف تقديره: قلت، بدليل قوله: أقول. وقوله: شِمْ فعل أمر من قولك شِمْت البرق إذا نظرتَ إليه. والمعنى أقول لما سقط سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس، قلت لعبدة احذر اللَّه شِم البرق. وقريب من هذا البيت قول الشاعر:
أقول لعبد اللَّه لما لقيته ... ونحنُ على جنب الظُّبا والقناطرِ
القنا: الرماح. وطر: فعل أمر من الطيران. ونظير هذين البيتين في الإِلغاز:
عافت الماء في الشتاء فقلنا ... برِّديه، تصادفيه سخينا
يُقال كيف تبرده، فتصادفه سخينا! وهذه غفلة؛ والأصل: بَلْ رِدِيهِ. ثم كتب جملة واحدة لأجل الإلغاز. وقول الشاعر:
لما رأيت أبا يزيد مقاتلًا ... أَدَع القتال وأشهدَ الهيجاء
يُقال: أين جواب لما؟ وبم انتصب أدَع؟ وهذه غفلة؛ فالأصل: لن ما، أدغمت النون في الميم للتقارب، ووصلا في الخط، وحقهما أن يكتبا منفصلين. وأمَّا انتصابُ أَدَعَ فبلَنْ، وما الظرفية وصلتها ظرف له، فاصل بينه
стр. 76
وبين لن للضَّرورة. فيسأل حينئذٍ: كيف يجتمع قوله: لن أدع القتال مع قوله: لن أشهد الهيجاء، والهيجاء مُشتَجر الحرب؟ والجواب أنَّ أشهد ليس معطوفًا على أدع بل نصبه بأن مضمرة وأن والفعل عَطْف على القتال، أي لن أدع القتال وشهودَ الهيجاء؛ على حد قول الشاعر:
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبُّ إليَّ من لبس الشُّفوف
وقولُ الشاعر:
ويح من لامَ عاشقًا في هواه! ... إن لومَ المحب كالإِغراءُ
يقال: كيف ارتفع الإغراء بعد كاف التشبيه؟ والجواب: أنَّ الكاف ضمير المخاطب، متَّصلة بالمحب، والألف واللام في المحب بمعنى الذي أحب، والإِغراء خبر إن. والمعنى إنَّ لوم المحبك هو الإغراء، وحق الكاف أن توصل في الخط بالمحب، ولكن فُصِلت للّغز. وقول الشاعر:
يا صاحبٍ ملك الفؤاد عشية ... زارَ الحبيب بها خليل نائي
لما بدا لم أدر: بدرَ دُجَنَّةٍ ... أم وجه من أهواه طرفي رائي
يُقال: كيف جَرّ صاحب وهو منادي مفرد؟ وجوابه أنه يا صاح مرخم، و"بِنْ" فعل أمر من بان يبين إذا فارق، وكتبت هكذا على نحو صاحب لأجل الإِلغاز. ويُقال: علام نصب بدر من قوله: بدر دجنة، وما قبل الاستفهام لا يعمل فيه؟ وجوابه أنه منصوب براءٍ. والمعنى: لم أدر طرْفي رأي بدر دجنة أم وجه من أهواه. وقول الشاعر:
لا تقنَطَنَّ وكن في اللَّه محتسبًا ... فبينما أنت ذا يأسٍ أتى الفرجا
الفرج مفعول، العامل فيه اسم الفاعل وهو محتسب. والمعنى: وكن في اللَّه محتسِبًا الفرج، فبينما أنت ذا يأس أتى. وقال العباس بن مِرْداس:
ومن قبلُ آمنَّا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبلَ محمّدًا
قال لي مرة طالب نحوي: كيف نصب محمدًا وهو مضاف إليه؟ فقلت له: قبل أن أجيبكَ أسألك: هل صلَّى المسلمون قط لمحمد ﷺ أو لربِّه تعالى؟ فقال: بل لربِّه تعالى. فقلت: ففكِّر؛ فإنَّ أحدًا لم يصل قط للنَّبيّ ﷺ لا قبل الأوثان ولا بعدها. والجواب أن آمنًا في البيت معناه: صدقنا، ومحمدًا مفعول
стр. 77
آمنا، أي ومن قبل صدقنا محمدًا، وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل؛ وقبل مقطوعة عن الإضافة بنيت على الفتح، وهي لغة؛ واللغة العالية بناؤها على الضم. وقيل: أراد النكرة، أي قبلًا، ثم حذف التنوين مضطرًا. وقال الآخر:
فرعون مالي وهامان الألى زعموا ... أنِّي بخلت بما يعطيه قارونا
(فِرْ) فعل أمر من وفرَ له العطية: ومنه عطاء موفور. وعونة: امرأة رخّمها، فقال: عون. والمعنى: أعطِ عونة مالي. وأمَّا وها فدعاء مِن وهى، يهى إذا ضعف. ومان جمع مانة: البطن وهي أسفل السُّرَّة. يقول ضعُف مان الذين زعموا أنِّي بخلت. وقارون: المفعول الثاني ليعطيه، والأول: الهاء العائدة إلى ما الموصولة وفاعل يعطيه مضمر للعلم به كأنَّه قال: يعطيه اللَّه قارون. واعلم أن هذا بحر لا ساحل له وقد نظمت أبياتًا في أنواع من العلوم منها:
من قال: إنَّ الزنى والشرب مصلحة ... ولم يقل: هو ذنب غير مغتفر؟
من قال: سفك دماء المسلمين على الـ ... ـصلاة أوجبه الرَّحمن في الزبر؟
من قال: إنَّ نكاح الأم يقرب من ... تقوى الإله مقالًا غير مبتكر؟
من كان والدُها ابنًا في الأنامِ لها ... وذاك غير عجيبٍ عند ذي النظر؟
من الفتاة لها زوجان ما برحا ... تزوجت ثالثًا حِلَّا بلا نكر؟
من أبصرت في دمشق عينه صنما ... مصوّرًا وهو منحوت من الحجر؟
إن جاع يأكل وإن يشرب تضلَّع من ... ماء نَمير زُلال ثَمَّ منهمر
ولو أخذنا في الإكثار من هذا وشرحه لخرجنا عمَّا نحن بصدده. والغرض أنَّ هذه الطائفة راعت الألفاظ، فأتيت من قِبَل المعاني، كما راعت طائفة المعاني، فأتيت من قبل الألفاظ. ألا ترى إلى قول بعضهم، في ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ إنَّ (ثمود) مفعول مقدَّم، وهذا خطأ؛ فإنَّ لِمَا النافية الصدر، ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال بعضهم في "قليلًا ما يؤمنون" إنَّ ما بمعنى مَنْ، ولو كان كذلك لرفع قليل على أنه خبر، والأمثلة في هذا أكثر من الأوَّل. ومنهم من تعمَّق في الأدب، فصار أكثر كلامه مسجوعًا، ثم انتهى الحال به إلى أن وقع في الكنيف فجاؤوه بكنَّافَين. فكلَّمه أحدهما لينظر: أهو حيٌّ؟ فقال: اطلبا لي حبلًا دقيقًا، وشدَّاني شدًّا وثيقًا، واجذباني جذبًا رفيقًا. فقال أحدهما: أنَّا واللَّه
стр. 78
لا أنقذه؛ فإنه في الخرا إلى الحَلْق، ولا يدع الفضول. حكاها صاحب البصائر.
ومنهم من غلَب عليه معرفةُ الأوزان، حتى حُكي أن امرأة جاءت إلى عروضيّ بَقّال؛ فقالت: أريد بذي القطعة زيتًا وبذي البيضة حنّا فشغله كلامها عن مبايعتها، وأخذ يقطِّعه، ويقول:
وبذي القطعة زيتًا، فاعلاتن فاعلاتن.
فقالت المرأة: أمّه الفاعلة. وسبّته، وانصرفت.
فهذه تنبيهات على ما يستقبح ويُستهجن من علماء هذا الزمان. والغرض بها أنَّه ينبغي لكل ذي فنّ أن يتخذه سبيلًا إلى النجاة، ومِرْقاةً إلى الزُّلفى عند اللَّه تعالى لا صنعة يتهوَّس بها بل مرقاة يتوصَّل بها إلى الملإِ الأعلى.
وحيث عمَّمنا العلماء فلنخصّ أرباب الوظائف بالذكر.
المثال السابع والأربعون
المفتي: وقد خصَّ جماعة كتاب أدب الفتيا بالتصنيف، وذكر الفقهاء ما لا طائلَ في إعادته؛ لكنَّا ننبّه على ما كثر في بعض المفتين فنقول:
منهم من يسهِّل أمر الشرع، ويتناهى إلى أن يُفتي ببعض ما لا يعتقده من المذاهب، ويرخِّص لبعض الأمراء ما لم يرخص فيه لعموم الخلق بعض العلماء؛ فيقول مثلًا لمن سأله عن انتقاض الوضوء بمسِّ الذكر: لا ينتقض عند أبي حنيفة، وعن لعب الشطرنج، وأكل لحوم الخيل: حلالٌ عند الشافعي، وعن مجاوزة الحد في التعزيرات: جائز عند مالك، وعن بيع الوقف إذا خرب وتعطَّلت منفعته، ولم يكن له ما يعمر به: حلال عند أحمد بن حنبل، وهكذا. فليتَ شعري: بأي مذهب أفتى هذا الفتي؟! وعلى أيّ طريقة جرى؟! وبأي إمام يتعلَّق؟! فلقد ركَّب لنفسه بمجموع هذه الأمور مذهبًا لم يقله أحد. فإن قلت: أليس ذهب بعضهم إلى جواز تتبّع الرخص؟ قلت: ذلك على ضعفه لا يوجب إغراء السَّفِلة بدين اللَّه تعالى، وتخصيص الأمراء دون غيرهم. وقائل هذه
стр. 79
المقالة يخصِّصُ بها من يشاء، ولا يعتقدها أيضًا؛ فإنَّه لو اعتقدها لم يخصّ بها. وهذا من علامات الاستهانة بدين اللَّه تعالى؛ نعوذُ باللَّه من الخذلان. وما هذا المفتي إلَّا ضالّ، خارق لحجاب الهيبة، مسقط لأبَّهة الشرع، مفسد لنظام الدين. أُنشِدت لبعض سفهاء الشعراء:
الشافعيّ من الأئمة قائل: ... اللعب بالشِطْرَنج غير حرام
وأبو حنيفة قال -وهو مصدَّق ... في كل ما يروى من الأحكام-:
شرب المثلَّث والمربَّع جائز ... فاشرب على أمن من الآثام
وأباح مالك الفِقاح (١) تكرُّما ... في ظهر جارية وظهر غلام
والحبر أحمد حل جلد عُمَيرة (٢) ... وبذاك يستغنى عن الأرحام
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج ... في كل مسألة بقولِ إمام
فقلت: رأي في مثل هذا الشاعر أن يُضرب بالسياط، ويُطاف به في الأسواق. فقبَّحه اللَّه تعالى وأخزاه! لقد أجترأ على أئمة المسلمين، وهداة المؤمنين. وقد افترى على مالك فيما عزاه إليه، وعلى الكل في تسمية الشطرنج قمارًا، وإطلاق الزنا واللواط والشرب على ما سمَّاه؛ ومَنْ هذه حاله يؤول -والعياذ باللَّه تعالى- إلى الزندقة. ولعلَّ الأصل في هذا قول أبي نواس:
أباحَ العراقيّ النبيذ وشربه ... وقال: حرامان المدامة والسكم
وقال الحجازي: الشرابان واحد ... فحلَّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزرُ
ومعنى هذا أنَّ أبا حنيفة -وهو العراقيّ- أباحَ النبيذ إذا لم يسكر، وحرَّم المسكر مطلقًا: نبيذًا كان أو خمرًا، والخمر مطلقًا: مسكرًا كان أو غير مسكر، وأنَّ الشافعيّ -وهو الججازي- قال: الشرابان واحد: النبيذ والخمر فيحرم قليل كل منهما وكثيره، فركَّب هو من بين قوليهما قولًا ثالثًا، لكنه رافع للمجمع عليه؛
стр. 80
وهو وفاق الشافعي على أنَّ الشرابين واحد، لكن لا في الحرمة بل في الحل. فهو مع أبي حنيفة في تحليل النبيذ غير المسكّر، ومع الشافعيّ في أن المسكر والخمر مثل النبيذ، ومخالف له في حرمة المثلَّث؛ فيقول: مِثْله، لكن في الحل؛ والشافعي رضي اللَّه تعالى عنه يقول: مِثْله لكن في الحرمة. فهذا أبو نواس لم يقصد إلَّا نوعًا من المجون الذي لم يخلُ عنه الأدباء؛ ولكن المجون في هذا الباب قبيح جدًا؛ لأنَّه تلاعب بدين اللَّه تعالى.
ومنهم طائفةٌ تصلَّبت في أمر دينها؛ فجزاها اللَّه تعالى خيرًا: تنكر المنكر وتشدَّد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقَّى مظانّ التهم؛ غير أنها تبالغ، فلا تذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوائم إلَّا أغلظ المذاهب، فيؤدِّي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم.
فمن حق هذه الطائفة الملاطفة، وتسهيلِ ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير إذا كان الشرع قد جعلَ لتسهيله طريقًا؛ كما أنَّ من حقها التشديد فيما ترى أنَّ في تسهيله ما يؤدِّي إلى ارتكاب شيء من محرَّمات اللَّه تعالى. فقد روي أنَّ سائلًا جاء إلى عبد اللَّه بن عباس ﵄، فسأله: هل للقاتل توبة؟ فقال: لا توبة له. وسأله آخر، فقال: له توبة. فسئل ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن ذلك، فقال: أمَّا الأوَّل فرأيت في عينيه إرادة القتل، فمنعته. وأمَّا الثاني فجاء مستكينًا قد قَتَل فلم أقنّطه، قلحط: ومن ثمَّ قال الصيمريّ: إنْ سأله سائل، فقال: إن قتلت عبدي فهل عليَّ قصاص؟ فواسع أن يقول: إن قتلتَه قتلناك؛ فعن النَّبيّ ﷺ : "من قتل عبده قتلناه" ولأن القتل له معانٍ. وهذا كله إذا لم يترتَّب على إطلاقه مفسدة.
ومنهم من يتسرَّع إلى الفتيا معتمِدًا على ظواهر الألفاظ، غير متأمِّل فيها؛ فيوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في ألمٍ كبير، ربَّما أداه ذلك إلى إراقة الدماء بغير حقٍّ. وأنا أذكر أمثلة ممَّا تصلح للإلغاز، منبّهًا بها على أخواتها. فمنها ما حَكي أنَّ شخصًا أحبَّ الاجتماع بالمأمون أمير المؤمنين، فأعياهُ السعي في ذلك، ولم يصل إليه. فقام في ملأٍ من الناس، وقال: أيُّها الناس، اثبتوا عليَّ؛ فلست بسائل. اعلموا أنَّ عندي ما ليس عند اللَّه، ولي ما ليس للَّه، ومعي
стр. 81
ما لم يَخْلق اللَّه، وإنِّي أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول: إنَّ اليهود قالت حقًا، وإنَّ النصارى قالت حقًا، ومعي زرع ينبت بغير بَذْر، وسراج يضيء بغير نار، وأنا أحمد النَّبيّ، وأنا ربَّكم، وأرفعكم وأضعكم. فقاموا إليه، وكادوا يأتُون على نَفْسه، وقالوا: لا كفر فوق هذا الكفر، وصاروا به إلى المأمون. فلمَّا مثَل بين يديه قال له: ما الذي قلت؟ قال: لي حاجة إلى أمير المؤمنين، ولم أصل إليه، وعرفت أنِّي إن أقل هَذا أمثلْ بين يديه. وأعادَ القول، ثم أخذ يتأوَّل، فقال له: أما قولي: عندي ما ليس عند اللَّه، فعندي الظلم والجور. وأمَّا قولي: لي ما ليس للَّه، فإنَّ لي صاحبة وولدا، وليس للَّه تعالى صاحبة ولا ولد. وقولي: ومعي ما لم يخلق اللَّه: القرآن. والفتنة: المال والولد. والحق الموت. والزرع بغير بذر: شعر الرأس. والسراج المضيء بلا نار: العينان. والحق الذي قالته اليهود والنَّصارى: ما أشار اللَّه إليه بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أمَّا قولي: وأنا أحمد النَّبيِّ فالنَّبيّ منصوب على المفعولية، بأحمد، وأحمد فعل، فأنا أحمد نبيّنا محمدًا ﷺ وأشكره. وأنا ربَّكم: صاحب كمٍّ، أرفع ذلك الكم، وأضعه. فاستحسن المأمون ذلك منه، وقضى حاجته، وأصغى إلى كلامه. قلت: وهذا الاطلاق الذي أطلقه هذا الملغز مستهجن مستقبح؛ ولا يجوز عندي ذكره مطلقًا؛ لما فيه من إيهام الكفر. ولكن بتقدير إطلاقه لا ينبغي الإقدام على التكفير من غير تأمُّل وتفحُّص.
المثال الثامن والأربعون
المدرِّس: وحقّ عليه أن يُحسن إلقاء الدرس، وتفهيمه للحاضرين. ئم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدرِّبهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق. وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في مشكلات الفقه، ويخوض بهم عُبَابه الزاخر. ومن أقبحِ المنكرات مدرّس يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب، ويجلس يلقيها ثم ينهض؛ فهذا إن كان لا يقدر إلَّا على هذا القدر فهو غير صالح للتدريس، ولا يحلُّ له
стр. 82
تناول معلومه، وقد عطَّل الجهة؛ لأنه لا معلوم لها. وينبغي ألَّا يستحق الفقهاء المنزلون معلومًا؛ لأن مدرستهم شاغرة عن مدرِّس. وإن كان يقدر على أكثر منه، ولكنه يسهِّل ويتأوَّل فهو أيضًا قبيح؛ فإنَّ هذا يطرِّق العوامّ إلى رَوم هذه المناصب؛ فقل أن يوجد عاميّ لا يقدر على حفظ سطرين. ولو أنَّ أهل العلم صانوه، وأعطى المدرس منهم التدريس حقه: فجلس، وألقى جملة صالحة من العلم، وتكلَّم عليها كلام محقِّق عارف، وسأل وسُئِل، واعترض وأجاب، وأطالَ وأطاب: بحيث إذا حضره أحد العوامّ أو المبتدئين أو المتوسطين فهم من نفسه القصور عن الإِتيان بمثل ما أتى به، وعرف أن العادة أنه لا يكون مدرس إلَّا هكذا والشرع كذلك لم تطمح نفسه في هذه المرتبة، ولم تطمع العوامّ بأخذ وظائف العلماء. فإذا رأينا العلماء يتوسّعون في الدروس، ولا يعطونها حقها ويبطلون كثيرًا من أيام العمالة، وإذا حضروا اقتصروا على مسألة أو مسئلتين من غير تحقيق ولا تفهيم، ثم رأيناهم يقلقون من تسلط من لا يصلح على التدريس، ويعيبون الزمان وأولياء الأمور، فالرأي أن يقال لهم: أنتم السبب في ذلك؛ بما صنعتم؛ فالجناية منكم عليكم ومن المهمات مدارس وقفها واقفوها على الفقهاء والمتفقهة، والمدرس من الشافعية أو الحنفيّة أو المالكية أو الحنابلة، فيلقي المدرس في هذه المدرسة تفسيرًا أو حديثًا أو نحوًا أو أصولًا أو غير ذلك، إمَّا لقصوره عن الفقه، أو لغرض آخر. وعندي أن الذمَّة لا تبرأ في المدرسة الموقوفة على الفقهاء إلَّا بإلقاء الفقه. فإن كان هذا المدرِّس لا يلقي الفقه رأسًا فهو آكل حرام. وكذلك نقول في مدرسة التفسير إذا ألقى مدرِّسيها غير تفسير، ومدرسة النحو إذ ألقى مدرسها غير نحو. والأحوط في هذا كله الإِلقاء من الفن الذي بنيت له المدرسة؛ فإن الواقف لو أرادَ غير ذلك لسمَّى ذلك الفن. وإن كان يلقي الفقه مثلًا في مدرسة الفقهاء غالبًا، ولكنه ينوِّع في بعض الأيام: فيذكر تفسيرًا أو حديثًا أو غيره من العلوم الشرعية لقصد التنويع على الطلبة وبعث عزائمهم، فلا بأس؛ غير أن الأحوط خلافه. وهذا كله بشرط أن يكون المسمَّى بالمدرسة أهل نوع خاص؛ كما مثلنا في مدرسة وقفت على مدرس شافعي أو حنفي مثلًا، وفقهاء ومتفقهة من أهل ذلك المذهب، وألَّا يكون شرط في المدرِّس معرفة غير ذلك الفن. فإن شرط فيه فنونًا كما في مدارس كثيرة في ديار مصر، وفي بلاد الشام
стр. 83
وغيرها يقفها الواقف على طائفة مذهب معيَّن، ويشترط في المدرِّس أن يعرف مثلًا من العلوم كذا وكذا؛ كالتفسير والحديث وغيرهما؛ وما هذا شأنه رأيي فيه أن ينوِّع المدرس فيذكر من تلك العلوم التي اشترط فيه معرفتها؛ فإنه لولا إرادة ذكرها لما اشترطت فيه. وكان يمكن أن يُقال: إنها اشترطت فيه ليكون أكمل في استعداده للأجوبة عن الاعتراضات التي لعلَّها تعترضه. ولكن الأحوط ما ذكرناه.
المثال التاسع والأربعون
المعيد (١): المعيد عليه قدر زائد عدى سماع الدرس: من تفهيم بعض الطلبة، ونفعهم، وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة. وإلَّا فهو والفقيه سواء؛ فما يكون قد شكر اللَّه تعالى على وظيفة الإعادة.
المثال الخمسون
المفيد: عليه أن يعتمد ما يحصل به في الدرس فائدة: من بحث زائد على بحث الجماعة ونحو ذلك. وإلَّا ضاعَ لفظ الإفادة وخصوصيتها. وكان أخذه العوض في مقابلتها حرامًا.
المثال الحادي والخمسون
المنتهي من الفقهاء: عليه من البحث والمناظرة فوق ما على من دونه. فإن هو سكت وتناول معلوم المنتهي لكونه في نفسه أعلم من الحاضرين فما يكون شكر نعمة اللَّه تعالى حقَّ شكرها.
المثال الثاني والخمسون
فقهاء المدرسة: وعليهم التفهُّم على قدر أفهامهم، والمواظبة إلَّا
стр. 84
بعذر شرير. ومن أقبح ما يرتكبونه، تحدُّث بعضهم مع بعض في أثناء قراءة الجزء من الربعة، فلا هم يقرؤون القرآن، ولا هم يسلمون من اللغو في الكلام. فإن انضمَّ إلى ذلك أنَّ قراءة الجزء شرط الوقف عليهم، وأنَّ حديثهم في الغيبة فقد جمعوا محرمات.
ومنهم من لا يصغي للمادح، وربَّما فتح كتابًا ينظر فيه، ولا ينظر لما يقوله المدرِّس؛ بل يجلس بعيدًا عنه بحيث لا يسمعه. وهذا لا يستحق شيئًا من المعلوم، ولا يفيده أن يطالع في كتاب وهو في الدرس؛ فلو اكتفى الواقف منه بذلك لما شرط عليه الحضور.
المثال الثالث والخمسون
قارئ العشر: وينبغي أن يقدِّم قراءة العشر. فيكون قبل الدرس، وعقيب فراغ الربعة إذا كان الدرس فيه ربعة تدور؛ كما هو الغالب وأن يقرأ آية مناسبة للحال.
المثال الرابع والخمسون
المنشِد: وينبغي أن يذكر من الأشعار ما هو واضح اللفظ، صحيح المعنى مشتملًا على مدائح سيِّدنا ومولانا وحبيبنا محمد ﷺ ، وعلى ذكر اللَّه تعالى وآلائه وعظمته، وخشية مَقته وغضبه، وذكر الموت وما بعده؛ وكل ذلك حسن. وأهمُّه مدح النَّبيّ ﷺ ؛ فإنَّه الذي يفهم من إطلاق لفظ المنشِد. وإن اقتصرَ المنشد على ذكر أبيات غزلية أو حَمَاسيَّة فقد أساءَ؛ لا سيّما إذا كان في مجامع العلم.
المثال الخامس والخمسون
كاتب الغَيْبَة على الفقهاء: عليه اعتماد الحقّ، وألَّا يكتب على كل من لم يحضر، ولكن يستفصح في سبب تخلّفه. فإن كان له عذر بيَّنه، وإن هو كتب على غير بصيرة فقد ظلمه حقَّه. وإن سامحَ بمجرد حُطَام يأخذه من الفقيه فهو على شفِير جهَنَّم.
стр. 85
المثال السادس والخمسون
القرَّاء الذين يَقرؤون القرآنَ بالألحان: وعليهم إعمال جهدهم في تأدية كلام اللَّه تعالى كما أُنزل، من غير مطمطة (١) ولا عجرفة (٢)؛ بل بلفظ بيِّن. وقد اشتملت كتب القرَّاء على الغرض من ذلك. ولو وقف على من يقرأ، وجرت العادة في ذلك البلد بترك الإقراء يوم الجمعة مثلًا، قال ابن الصلاح رحمه اللَّه تعالى: لا يعتبر بالعادة، وعليه الجلوس يوم الجمعة. قلت: وهذا إن احتمل طريان العادة على زمن الوقف فواضح، وأمَّا إن تحقّق وجودها وقت تلفّظ الواقف ففيه نظر واحتمال. وممَّا يكره عليهم، وعلى المنشدين أيضًا أنَّهم يأتون إلى دور الأمراء وقت حكمهم، فيأتون في أخريات الناس وهم لا يلتفت إليهم. ويقرأ أحدهم عشرًا، أو مدحًا في النبيّ ﷺ بين يديّ أمير أو ديوان أبكم. لا يفهم ما يُقال، وهو مع ذلك مشغول بحكمه وما هو فيه. وكان المتعين على من منحه اللَّه تعالى القرآن أو مدح نبيه ﷺ أن ينزههما عن هذا المقام، رأيت منشدًا حضر الى مُخيّم بعض الأمراء والخلق تزدحم، وهو ينشد ويذكر صفات سيَّدنا محمد رسول اللَّه ﷺ ، والقوم لا ينصتون له، ولا فيهم من يدري ما يقول؛ فحصل بذلك من الألم ما (كاد يصهر) قلبي.
ومن شكر نعمة اللَّه تعالى على ذوي الأصوات الحسنة من القرَّاء والمنشدين ألَّا يستعملوا أصواتهم في الغناء المحرَّم، ومجالس الخمور والمنكرات وليجتنبوا مقت الرب وغضبه، ﵎.
المثال السابع والخمسون
خازن الكُتب: وحقَّ عليه الاحتفاظ بها، وترميم شَعَثها، وحبكُها عند
стр. 86
احتياجها للحبك، والضِنَّة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وأن يقدم في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء. وكثيرًا ما يشترط الواقف ألَّا يخرج الكتاب إلَّا برهن يحرز قيمته؛ وهو شرط صحيح معتبر: فليس للخازن أن يعير إلَّا برهن؛ صرَّح به القفال في الفتاوى، والشيخ الإمام في تكملة شرح المهذَّب؛ وذكر أنه ليس هو الرهن الشرعي.
المثال الثامن والخمسون
شيخ الرواية: وعليه أن يُسمع المحدِّثين، ويستمعَ لما يقرؤونه عليه؛ لفظة لفظة، بحيث يصح سماعهم. ولْيصبرْ عليهم؛ فإنَّهم وفد اللَّه تعالى. ومتى وجد جزء حديث أو كتاب تفرَّد شيخ بروايته، كان فرض عين عليه أن يسمعه.
المثال التاسع والخمسون
كاتب غيْبَة السامعين: وعليه ضبط أسماء الحاضرين والسامعين، وتأمُّل من يسمع ومن لا يسمع، وألَّا يكون كاذبًا على النَّبيّ ﷺ بقوله: إنَّ فلانًا سمع ولم يسمع. فإن هو تساهلَ في ذلك فليتبوّأ مقعده من النار.
المثال الستوّن
الخطيب: عليه أن يرفع صوته بحيث يسمعه أربعون نفسًا من أهل الجمعة. فلو خطبَ سرًّا بحيث لم يُسمع غيره لم تصح على الصحيح. ولو رفع صوته قدرَ ما يبلغهم، ولكن كانوا كلّهم أو بعضهم صُمًّا فامتنع سماعه للصَّمم فالأصحّ لا يصح أيضًا. وأمَّا الالتفات في الخطبة، والدقُّ على دَرَج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس، والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، والمبالغة في الإِسراع في الخطبة الثانية، فكل ذلك مكروه. ولا بأس بالدعاء للسلطان بالصلاح ونحوه؛ فإن صلاحه صلاح المسلمين. ولا يطيل الخطبة على الناس؛ فإن وراءه الشيخ والضعيف والصغير
стр. 87
وذا الحاجة. ولا يأتي بألفاظ قلقة يصعب فهمها على غير الخاصَّة، بل يذكر الواضح من الألفاظ. ولا يتكلَّف السجع إلى غير ذلك ممَّا ذكره الفقهاء.
المثال الحادي والستون
الواعظ: وعليه نحو ما على الخطيب. فليذكِّر بأيَّام اللَّه، وليُخِف القوم في اللَّه تعالى، وينبئهم بأخبار السلف الصالحين، وما كانوا عليه. وأهمُّ ما ينبغي له وللخطيب أن يتلو على نفسه قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ويتذكَّر قول الشاعر:
لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
واعلم أنَّ الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يصل إلى القلب؛ فكل خطيب وواعظ لا يكون عليه سِيما الصلاح قلّ أن ينفع اللَّه به.
المثال الثاني والستون
القاصّ: وهو من يجلس في الطُرُقات يذكر شيئًا من الآيات، والأحاديث، وأخبار السلف.
وينبغي له ألَّا يذكر إلَّا ما يفهمه العامَّة، ويشتركون فيه: من الترغيب في الصلاة، والصوم، وإخراج الزكاة والصدقة، ونحو ذلك، ولا يذكر عليهم شيئًا من أصول الدين، وفنون العقائد وأحاديث الصفات؛ فإن ذلك يجرّهم إلى ما لا ينبغي.
المثال الثالث والستون
قارئ الكرسيّ: وهو من يجلس على كرسيّ يقرأ على العامَّة شيئًا من الرقائق، والحديث، والتفسير؛ فيشترك هو والقاصّ في ذلك، ويفترشان في أنَّ القاص يقرأ من صدره وحفظه، ويقف، وربَّما جلس ولكن جلوسه ووقوفه في الطرقات.
стр. 88
وأمَّا قارئ الكرسيّ فيجلس على كرسيّ في جامع أو مسجد أو مدرسة أو خانقاه ولا يقرأ إلَّا من كتاب.
وينبغي له أيضًا مثل ما ينبغي للقاصّ: من قراءة ما تفهمه العامَّة، ولا يُخشى عليها منه. ولا بأس بقراءة إحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب رياض الصالحين، والأذكار للنوويّ، وكتاب سلاح المؤمن في الأدعية لابن الإِمام. وكتاب شفاء السّقام، في زيارة خير الأنام، للشيخ الإمام الوالد. وكُتُبُ ابن الجوزيّ في الوعظ لا بأس بها. ولا يخفى ما يحذر منه هؤلاء من كتب أصول الديانات ونحوها.
المثال الرابع والستون
الإمام: ومن حقِّه النصح للمؤتمِّين: بأن يُخلِص في صلاته، ويجأر في دعائِه، ويضرَع في ابتهاله، ويحسن طهارته وقراءته، ويحضر إلى المسجد أوَّل الوقت؛ فإن اجتمعَ الناس بادرَ بالصلاة، وإلَّا انتظر الجمعَ ما لم يُفحِش الانتظار. وبالجملة ينبغي أن يأتي بصلاته على أكملِ ما يطيقه من الأحوال. وممَّا تعمُّ به البلوى إمام مسجد يستنيب في الإِمامة بلا عذر. وقد أفتى الشيخ عزّ الدين بأنه لا يستحق معلومًا؛ لأنه لم يباشر، ولا يستحقُّ نائبه؛ لأنه غير متولٍّ، ووافقه النوويّ ﵀، لكن توقف فيه الوالد ﵀ كما ذكر في باب المساقاة من شرح المنهاج.
أمَّا جمع المرء بين إمامة مسجدين فالذي أراه أنه لا يجوز، لأنه مطالب في كل واحد منهما بأن يصلّي أوَّل الوقت، وتقديمه أحد المسجدين على الآخر تحكّم، ولا ضرورة إلى ذلك. وذلك كتولّيه تدريسين بشرط حضور كل منهما في وقت معيَّن يلزم من حضوره في هذا إهمال ذلك فلا يجوز أيضًا.
المثال الخامس والستون
المؤذِّن: عليه معرفة الوقت، وإبلاغ الصوت. ويؤذِّن للصبح من نصف الليل وعند دخول الوقت. ولذلك يسنّ للصُّبح مؤذِّنان.
стр. 89
المثال السادس والستون
المؤَقِّت: ولا بدَّ من معرفته علم الميقات، فليحقِّق فنَّ الهيئة، وجِهة القبلة على الخصوص. وقد كثرَ في هذه الطائفة المنجّمون والكهَّان نعوذ باللَّهِ منهم؛ قال النَّبيّ ﷺ : "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء فصدَّقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" أخرجه مسلم؛ وقال النَّبيّ ﷺ : "من اقتبسَ علمًا من النجوم اقتبس شُعْبة من السحر زاد ما زاد" رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقد أشارَ النَّبيّ ﷺ بذلك إلى أن النجوم فنّ من السحر. ونحن نرى أن نتكلّم على حقيقة السحر، والكهانة، والنجوم، والسيمياء مختصرًا، فالكلُّ من وادٍ واحد، ويطلق على جميعها اسم السحر، فنقول:
حاصل معنى السحر في اللغة يرجع إلى معنى الإزالة وصرف الشيء عن وجهه بطريق خفيّ. ويطلق في عرف المتكلمين على أمور:
أحدها: السعي بين الناس بالنميمية.
وثانيها: تعلّق القلب كما يقول بعض المتَنَبِّلين لمن في عقله خفة: إنه يعرف الاسم الأعظم أو الجنّ تطيعه، فينفعل له ضعيف العقل، وربَّما أدَّاه انفعاله إلى مرض أو نحوه، أو مطاوعة ذلك المتنبِّل فيما يقصده.
وثالثها: الاستعانة بخواصّ الأدوية والمفردات؛ كاجتذاب المغناطيس للحديد ونحو ذلك، فيعتقد الرائي أن ذلك بفعل الساحر؛ فقد حُكي أن كنيسة ببلاد الروم عُمِل في جدرانها الأربعة وسقفها وأرضها ستَّةُ حجارة من المغناطيس متساوية في القدر، وجُعل في هوائها صليب من حديد بمقدار ما يتساوى فيه جذب تلك الحجارة الستَّة: بحيث لا يغلب حجر منها بقيتها فى الجذب، فلزم من ذلك وقوفُ الصليب في الهواء دائمًا من غير آلة تُمْسكه ظاهرًا، فافتَتَن به قوم من النصارى.
ورابعها: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات على النِّسب الهندسية تارة، وعلى ضرورة الخلاء أخرى، كدوران الساعات وجرّ الأثقال ولها أسباب يقينية من اطَّلع عليها قدر على عمل مثلها.
стр. 90
وخامسها: التخييلات والأخذ بالعيون، وهي الشعبذة المخيّلة لسرعة فعل صانعها برؤية الشيء على خلاف ما هو عليه.
وسادسها: الاستعانة بالجِنّ على ما يريده بالرُقى والعزائم والتسخيرات.
وسابعها: سِحْر أصحاب الأوهام والنفوس القوية التي إذا تجرَّدت وتوجَّهت نحو شيء أثرت فيه. وأقرب شاهد له في الشريعة الإِصابة بالعين. وقد أثبته النَّبيّ ﷺ وقال: إنَّه حق، وثبت عن جماعة أنهم يقتلون النفس بالهمّة.
وثامنها: الاستعانة على ذلك بالكواكب والتأثيرات التي يُحدثها اللَّه تعالى عندها، وهو سحر الصابئة الذين بعث اللَّه إليهم إبراهيم ﵇ مبطلًا لمقالتهم ورادًّا عليهم.
وتاسعها: السيمياء، وهو أن يُركِّب الساحر شيئًا من خواص أرضية أو صنعة كأدهان خاصة أو مائعات خاصة، أو كلمات خاصة، توجب تخييلات خاصة وإدراك الحواس مأكولًا أو مشروبًا، ونحو ذلك. ولا حقيقة له؛ كما حَكَى الأوزاعي ﵀ عن اليهوديّ الذي لحقه في السفر، وأنه أخذ ضِفْدِعًا فسحرها حتى صارت خنزيرًا، فباعه من قوم من النصارى؛ فلمَّا صاروا به إلى بيوتهم عادَ ضفدعًا، فلحقوا اليهودي وهو مع الأوزاعي؛ فلمَّا قربوا منه رأوا رأسه قد سقط، ففزعوا وولّوا هاربين؛ وبقي الرأس يقول للأوزاعي: يا أبا عمر هل غابوا؟ إلى أن بعدوا عنه، فصارَ الرأس في الجسد فهذه الأمور كلها باطلة عندنا. وأحقَّها باسم النجوم استخدام الكواكب، ولا يسمَّى ذلك سحرًا بالحقيقة، وإنَّما يسمَّى تنجيمًا، ويسمَّى صاحبه منجِّمًا وفيه. يقول أبو فِرَاس بن حَمْدان:
دع النجوم لعراف يعيش بها ... وانهض بعزمٍ قوي أيُّها الملك
إنّ النَّبيّ وأصحابَ النَّبيّ نهوْا ... عنِ النجوم وقد أبصرت ما مَلكوا
وقال أبو تمَّام في المعتصمية:
أين الراوية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
стр. 91
تخرُّصًا وأحاديثًا ملفَّقة ... ليست بنَبْعٍ إدا عُدَّت ولا غَرَب (١)
وقال آخر:
لا تركننَّ إلى مقال منجم ... وكلِ الأمور إلى القضاء وسلم
واعلم بأنَّك إن جعلت لكوكب ... تدبير حادثة فلست بمسلم
وأحقَّها باسم السحر ما كان بالخواص التي يحدث عندها فعل حقيقي؛ كمرض، ومحبة، وبغض، وتفريق بين زوجين. ودون هذه المرتبة أن يكون تخييلًا لا حقيقة له. وهو سحر أيضًا؛ إلَّا أنه دون الأول. وذلك علم السيمياء. وأمَّا الشعبذة فخيالات مبْنية على خفّة اليد، والأخذ بالبصر؛ فهي دون السيمياء. وأمَّا استخدام الجانّ فلا يسمَّى سحرًا بالحقيقة وأمَّا تجرد النفوس فليس من السحر الحقيقي في شيء، بل ربَّما تجرَّدت لخير، وربَّما تجردت لشر. وقد حكي أنَّ السلطان يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين لما غزا الهند انتهى إلى قلعة منيعة عصت عليه مدة. فخرج إليه بعضُ أهلها، وقال: إنَّك لا تقدر عليها؛ إلَّا أن تصنع ما أقول لك. قال قل: إذا كان وقت مطلع الشمس مُر الجيش بضرْب الطبول ضربًا واحدًا مزعجًا، وازحَف على القلعة أنت والجيش يدًا واحدة. ففعل، فافتتح القلعة. ثم سأله عن السبب. فقال: إنَّ أصحاب هذه القلعة أصحاب همم وتوجّهات، وقد صرفوا هِمَّتهم إلى دفعك عنها، ولا يشوّش على نفوسهم ويفرِّقها شيء كالطبول المزعجة، وغَلبات العسكر. فلمَّا فعلت ذلك تفرقت هِمَمُهم وشُغِلوا عن التوجُّه، فنلت مقصدك.
المثال السابع والستون
الصوفيّة: حيّاهم اللَّه وبيّاهم، وجَمَعنا في الجنَّة نحن وإياهم.
وقد تشعَّبت الأقوال فيهم تشعُّبًا ناشئًا عن الجهل بحقيقتهم؛ لكثرة
стр. 92
المتلبسين بها؛ بحيث قال الشيخ أبو محمَّد الجُوَيْنيّ: لا يصح الوقف عليهم؛ لأنه لا حدَّ لهم يعرف؛ والصحيح صحته، وأنهم المُعْرِضون عن الدنيا، المشتغلون في أغلبِ الأوقات بالعبادة؛ ومن ثمَّ قال الجُنَيد: التصوُّف استعمال كل خُلُقٍ سنِيّ، وترك كل خُلق دنِيّ؛ وقال أبو بكر الشِبْليّ: التصوُّف ضبط حواسّكَ، ومراعاة أنفاسك، وقال ذو النون: الصوفي من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإذا سكت نطقت عنه الجوارحِ بقطع العلائق؛ وقال عليّ بن بُنْدار: التصوُّف إسقاط رؤية الخلق ظاهرًا وباطنًا: وقال أبو عليّ الروُّذَبَارِيّ: الصوفيّ من لبس الصوف على الصفا، وأذاقَ الهوى طعمُ الجفا، ولزم طريق المصطفى، وكانت الدنيا منه على القفا. وكان الشيخ الإِمام يقول: الصوفي من لزم الصدق مع الحق، والخُلُق مع الخَلْق، ويُنشِد:
تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا ... قِدمًا، وظنُّوه مشتقًا من الصوفِ
ولست أنحَل هذا الاسم غير فتًى ... صافي فصوفي، حتى لقب الصوفيّ
وهذه عبارات متقاربة. والحاصل أنَّهم أهل اللَّهِ وخاصّتُهُ، الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستَننزَل الغيث بدعائهم؛ فرضي اللَّه عنهم وعنَّا بهم! وللقوم أوصاف وأخبار اشتملت عليها كتُبهم. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀: جعل اللَّه هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافَّة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات اللَّه عليهم وسلامه. جعل اللَّه قلوبهم معادِن أسراره، واختصَّهم من بين الأمَّة بطوالعِ أنواره، فهم الغِيَاث للخَلْق، والدّائرون في عموم أحوالهم مع الحقّ. ومن أوصاف هذه الطائفة الرأفة والرحمة والعفو، والصفح، وعدم المؤاخذة. وضابطهم ما ذكرناه. وطريقهم كما قال شيخ الطائفة أبو القاسم الجُنَيد ﵀: طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنَّة. وقال: الطريق مسدود على خلق اللَّه تعالى، إلَّا على المقتفين آثار رسول اللَّه ﷺ ومن حقِّهم تربية المريد إذا لاحت عليه لوائح الخير، وإمداده بالخاطر والدعاء. يحكى عن بعض المشايخ أن تلميذه حضر إليه وهو جالس في جماعة، وقد ارتفعَ النهارِ، فتفرَّس الشيخ أنه كانَ في الليلة الذاهبة قد ارتكب معصية، فنظر إليه نظر مُغضب، ولم يمكنه الإفصاح له بمحضر من الجماعة؛ فنظر التلميذ إلى الشيخ نظرة منكَر فقام
стр. 93
الشيخ، وجاء، وقبَّل يد التلميذ، ولم يفهم الجماعة شيئًا. فسئل الشيخ بعد ذلك؛ فقال: إنَّه البارحة وقع في الزنى، فنظرت إليه نظر مغضَب لذلك، فنظر إليَّ نظر عاتب، يقول: لو كان خاطرك معي، وإمدادك مصاحبي، لما وقع مني ذلك. فأنت المقصِّر. فقبلت يده لصدقه، فإن التقصير مني. ومن حقِّهم الوقوف في إظهار ما يُطلعهم اللَّه تعالى عليه من المغيَّبات، ويخصُّهم به من الكرامات، على الإذن؛ وهم لا يجيزون إظهارها بلا فائدة، ولا يظهرونها إلَّا عن إذن لفائدة، دينيّة: من تربية أو بشارة أو نِذارة؛ كما قال الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه لعائشة رضي اللَّه تعالى عنها -وقد كان نَحَلَها جادّ عشرين وَسْقًا من ماله بالغابة فحضرته الوفاة، وأرادَ استرجاع الهبة، وتطييب قلبها مع ذلك-: واللَّه يا بنيّة ما من الناس أحد أحبُّ إليَّ غنًى بعدي منكِ، ولا أعزُّ عليّ فقرًا بعدي منك، وإنِّي كنت نحلتك جادّ عشرين وسقًا، فلو كنت حُزتيه كان لكِ. وإنَّما هو اليوم مال وارثٍ، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسِموه على كتاب اللَّه تعالى. قالت عائشة: واللَّه يا أَبَت لو كان كذا وكذا لتركتُه؛ إنَّما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: ذلك ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية. فكان كذلك. فلم يظهر أبو بكر ذلك إلَّا لاستطابة قلب عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.
وأمَّا قصَّة سارية فإنَّ عمر رضي اللَّه تعالى عنه كان أمَّره على جيش، وجهَّزه إلى بلاد فارس، فاشتدَّ الحال على عسكره بباب نَهَاوَنْد، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي اللَّه تعالى عنه بالمدينة؛ فصعِد المنبر، ثم استغاثَ في أثناء خطبته بأعلى صوته: يا سارية الجبل، يا ساريةُ الجبل، الحكاية. فأسمع اللَّه تعالى سارية وجنوده أجمعين -وهم بنهاوند- صوت عمر ﵁، وعرفوه، وقالوا: هذا صوت أمير المؤمنين، يأمرنا بالالتجاء إلى الجبل. فلجأوا إليه ونجوا.
سمعت الشيخ الإمام يقول: سئل عليّ كرَّم اللَّه وجهه وقد كان حاضرًا في المسجد، وعمر يخطب ويستغيث بهذا الصوت: ما هذا الذي يقوله أمير المؤمنين؟ فقال عليّ كرَّم اللَّه وجهه: دعوا أمير المؤمنين؛ فما دخل في أمر إلَّا وخرج منه. ثم تبيَّن الحال بالآخرة. فنقول: عمر هنا -واللَّه أعلم- لم يقصد
стр. 94
إظهار الكرامة، وإنَّما ألجأته الضرورة -وقد كشف له حال القوم- إلى إنقاذهم، فناداهم، ولعلَّه غلب عليه الحال وغابَ عن حسِّه.
وأمَّا قصة الزلزلة -وهي أنَّ الأرض زلزلت في زمن عمر رضيَ اللَّه تعالى عنه، فضربها بالدِّرة، وقال: ويحك قِرِّي ألم أعدل عليك! وكانت ترتجف. فاستقرَّت من وقتها.
وقصة النيل، وكونه كان لا يجري حتى يلقى فيه جارية عذراء كل عام، فكتب نائب مصر عمرو بن العاص إلى عمر يخبره؛ فكتب عمر بطاقة إلى النيل، وأمرَ أن تُلقى في الماء، فيها: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أمَّا بعد فإن كنت تجري من قبَلك فلا تجر؛ وإن كان اللَّه الواحد القهَّار هو الذي يُجريك فاجر بإذن اللَّه الواحد القهَّار. فجرى جريانًا لم يعهد مثله، أخصبت له البلاد. وكرامات عمر رضيَ اللَّه تعالى عنه كثيرة. وهذه الأمور من تمكّنه في الأرض ظاهرًا وباطنًا، وكونه أمير المؤمنين على الحقيقة، وخليفة اللَّه تعالى في أرضه وساكني أرضه. وليس هذا الكتاب موضع استيعاب القول على ذلك. وإذا علمت أنّ خاصة الخلق هم الصوفيَّة، فاعلم أنهم قد تشبَّه بهم أقوام ليسوا منهم، فأوجب تشبُّه أولاء بهم سوء الظن. ولعلَّ ذلك من اللَّه تعالى قصدًا لخفاء هذه الطائفة، التي تؤثِر الخمول على الظهور.
واعلم أنَّ الصوفية أكثرهم لا يرضى بدخول الخوانق، ولا التعلُّق بشيء من أسباب الدنيا، ونحن نتذكَّر بهم ولا نذكّرهم. ولكنَّا نتكلَّم على ذوي الأسباب منهم؛ لأنَّهم لما خالطوا أهل الدنيا تطرق إليهم البحثُ على قدر مخالطتهم:
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتكَ كلابها
المثال الثامن والستون
شيخ الخانقاه: وربَّما سمي كبير هذه الطائفة شيخ الشيوخ؛ وربَّما قيل: شيخ شيوخ العارفين. وسمعت الشيخ الإمام يشدِّد النكير في هذه العبارة، ويقول: شيخ شيوخ العارفين! يردِّدها مرارًا منكرًا لها، ويقول: لم يقنع بادعاء المعرفة؛ حتَّى ادَّعى أنه شيخ شيوخها. وإذا عرفت هذا فنقول: حقٌّ على شيخ
стр. 95
الخانقاه تربية المريد، وحمل الأذى والضيم على نفسه، واعتبار قلوب جماعته قبل قوالبهم، والكلام مع كل منهم بحسب ما يقبله عقله، وتحمله قواه، ويصل إليه ذهنه، والكفّ عن ذكر ألفاظ ليس سامعها من أهلها؛ كالتجلِّي والمشاهدة ورفع الحجاب، إذا كان السامع بعيدًا عنها؛ فإن في ذكرها له من المفاسد ما لا خفاء به، بل يأخذ المريد بالصلاة والتلاوة والذكر، ويُربيه على التدريج. واللَّهَ اللَّهَ في ألفاظ جرت من بعض سادات القوم، لم يَعنوا بها ظواهرها، وإنَّما عنوا بها أمورًا صحيحة؛ فلا ينبغي للشيخ ذكرها لمريد لا يفهمها؛ فإنَّه يُضله؛ مثل ما يُقال عن بعضهم: العلم حجاب؛ فإنَّه لا يريد به ظاهر ما يفهمه المبتدئ منه؛ ولكن له معنى لا يناسب حالَ المبتدئ الكشف عنه، وغير ذلك من ألفاظ ربَّما جرى بعضها في حال السكر؛ فإنَّها ممَّا لا يقتدى بها، ولا توجب القدح في قائلها؛ بل نسلم إليه حاله، ونقيم عذره فيما سقط من بمين شفتيه حالة الغيبة؛ فإنَّ الشارع لم يكلف غائب الذهن. هذا إذا فقدت أسباب التأويل لكلامه بالكلية؛ ولن نجد ذلك إن شاء اللَّه تعالى في كلام أحد من المعتبرين؛ بل قد نزَّه اللَّه تعالى ألفاظهم عن الأباطيل، وما لهم كلمة إلَّا ولها محمِل حسن.
المثال التاسع والستون
فقراء الخوائِق: وأنت قد عرفت أن حقيقة الصّوفي من أعرض عن الدنيا، وأقبلَ على العبادة، فقل لفقير الخانقاه: إن دخلتها لتسُدَّ رمقك، وتستعين على التصوّف فهذا حق، وإن أنت دخلتها لتجعلها وظيفة تحصِّل بها الدنيا؛ ولست متصفًا بالإعراض عن الدنيا، والاشتغال غالب الأوقات بالعبادة، فأنت مبطل، ولا تستحق في وقف الصوفية شيئًا، وكلُّ ما تأكله منها حرام؛ لأنَّ الواقف لم يقفها إلَّا على الصوفية، ولست منهم في شيء. وقد كثر من جماعة اتخاذ الخوانق أسبابًا، والدلوق المرقعة طرائق للدنيا، فلم يتخلقوا من أخلاق القوم بغير لباس الزور. وهؤلاء المتشبهة الذين يقول فيهم الشافعيّ رضي اللَّه تعالى عنه فيما نقل عنه: رجل أكول، نئوم كثير الفضول. وقال الإمام أبو المظفَّر ابن السَمْعاني: نعوذ باللَّه من العقرب والفأر، ومن الصوفيّ إذا عرف باب الدار. وقال شيخنا أبو حيَّان في هؤلاء: أَكَلَة، بَطَلَة، سَطَلَة! لا شغل ولا مشغلة.
стр. 96
وقيل: رجل يظهر الإسلام،؛ ويبطن فاسد العقيدة ونهاية الإقدام، في رجله جمجم وعذبته من قدام، يكون غالبًا من بلاد الأعجام. وقال بعضهم:
ليس التصوّف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاءك إن غَنّى المغنونا
فهؤلاء القوم إذا اتخذوا الخوانق ذريعة للباس الزور، وأكل الحشيش، والانهماك على حُطام الدنيا، لا سترهم اللَّه، وفضحهم على رؤوس الأشهاد؛ ولكن فيهم -وللَّه الحمد- من لا يدخل الخانقاه إلَّا ليقطع علائقه ويشتغل بربه، ويرضى بما يتهيّأ منها مُعينًا له على سدّ رمقه، وستر عورته؛ فللَّه دَرُّه!.
المثال السبعون
خادم الخانقاه: ومن حقِّه توفير أوقاتهم للعبادة؛ فإنَّه في عبادة ما دام يعينهم على العبادة بهذه النية. فينبغي له السعي في كل ما يكون ذريعة إلى ذلك. وينبغي احتفاظه بفاضل أقواتهم، ووضعه في مستحق: من مسكين أو هرّة ونحو ذلك، ولا يرميه؛ فليس من شيمتهم طرح الزاد. وينبغي له تمييز وقفهم كما ذكرناه في مباشري الأوقاف.
المثال الحادي والسبعون
شيخ الزاوية: وغالب الزوايا في البراري. فمن حقه تهيئة الطعام للواردين والمجتازين، ومؤانستهم إذا قدموا، بحيث تزول خجلة الغُرْبة عنهم. ولا بأس بإفراد مكان للوارد؛ لئلَّا يستحي وقت أكله وراحته.
المثال الثاني والسبعون
أصحاب الحرف والصناعات. والتجّار، وأصحاب الأموال: على صاحب المال أداء الزكاة، على ما عرف في الفقهيات. وما أقبح من أعطاه اللَّه مالًا، وخوَّله نعمة فلمَّا دنا الحَوْل عَمَدَ إلى حيلة من مسقطات الزكاة فاعتمدها؛ بخلًا على اللُه تعالى! وإنّ هذا لجدير بزوال نعمته؛ بل حقٌّ عليه إِخراجها. وله دفعها إلى الإِمام إذا كان عادلًا؛ وكذا إذا كان جائرًا، على ما
стр. 97
رجَّحه الرافعي والنووي؛ وهو الجديد. والمختار عند الشيخ الإمام خلافه ولا يسقط فرض الزكاة عن المالك إذا أخذها السلطان، إلَّا إذا نوى المالك بذلك الزكاة، وأخذها السلطان على الوضع وإذا أخذ السلطان الزكاة، ودفعها المالك، ناويًا الزكاة، سقطت عنه، وإن لم يصرفها السلطان في مصارفها؛ فقد صارت في ذمَّته، إلَّا أن يأخذ القيمة عنها؛ كما إذا أخذ عن الغنم الدراهم؛ فإنَّ الزكاة لا تسقط عمَّن لا يعتقد إخراج القيمة.
المثال الثالث والسبعون
صاحب الزرع والشجر: ومن حقِّه أن يتعهَّدها بالسقي؛ فإنَّ ترك ذلك مكروه؛ لما فيه من إضاعة المال. ولذلك كَرِه العلماء ترك عمارة الدار إلى أن تخرب. وأمَّا أصل بناء الدور للحاجة فلا يكره. والأولى ترك الزيادة؛ وربَّما قيل: تكره الزيادة على قدر الحاجة. وليعلم صاحب الزرع أنَّ الزكاة واجبة في الأقوات، وما تكمل به الأقوات: كالحنطة والعدس وغيرهما. ولا تجب في شيء من الفواكه، إلَّا في الرُطَب والعنب. ولا تجب الزكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ نصابًا، والنصاب خمسة أوْسُق: أي خمسة أحمال، كل وَسْق تقديره ألف رطل وستمائة رطل بأرطال بغداد.
المثال الرابع والسبعون
الصيَّادون: ويجوز الاصطياد بجوارح السباع؛ كالكلب،، سواء أكان أسود أم لا، والفهد والنمر وغيرهما، وبجوارح الطير؛ كالبازي والشاهين والصقر. فما أخذته، وجرحته، وأدركه صاحبها ميتًا، أو في حركة المذبوح حل أكله. ويقوم إرسال الصائد وجَرْح الجارح في أي موضع كان مَقام الذبح في المقدور عليه. ثم يستحبّ أن يُمرّ السكين على حلقه؛ ليريحه. فإن لم يفعل، وتركه حتى مات، فهو حلال. وإن أدركه وفيه حياة مستقرّة، ولكن تعذَّر ذبحه من غير تقصير من الصائد، كما إذا أخذ الآلة، وسلَّ السكين فمات قبل إمكان ذبحه فهو حلال أيضًا؛ للعذر. وإن كان بغير عذر كما إذا نشبت السكين في غِمدها، فلم يتمكن من إخراجها حتى مات فهو حرام، على الصحيح، لأنَّ حقه أن
стр. 98
يستصحب غِمْدًا يواتيه. ولا بدَّ من قصد الصائد. فلو كان في يده سكين فسقط فانجرح به صيد ومات فحرام، خلافًا لأبي إسحاق المرْوزيِّ ولو أرسل سهمًا في الهواء، فصادف صيدًا فقتله، لم يحل على الأصح؛ لأنه لم يَقْصِد الصَّيْد. ولو رأى جماعة من الغزلان فأعجبه منها واحد، فرمى سهمًا نحوه، فأصابَ غيره من الظباء، فهو حلال، وقيل حرام؛ لأنه قصد غيره؛ وقيلَ: إن أصاب ظبْيًا من تلك الظباء التي رآها فهو حلال، وإن أصابَ ظبيًا لم يقع عليه بصره، فهو حرام. ولو رمى إلى خنزير، فلم يصادفه، بل صادف غزالًا فهو حرام، على الصحيح.
المثال الخامس والسبعون
شادّ العمائر: ومن حقِّه اللطف والرفق بالبنَّائين، وألَّا يستعمل أحدًا، فوق طاقته، ولا يُجيعه؛ بل يمكّنه من الأكل، أو يُطعمه بحسب ما يقع الشرط عليه. وعليه أن يُطلق سراحه أوقات الصلوات؛ فإنَّها لا تدخل تحت الإجارة. وما يعتمده بعضهم من تسخير البنّائين، وإجاعتهم وإعطائهم من الأجرة دون حقهم، واستعمالهم فوق طاقتهم من أقبح الحرمات، وأشنع الجراءات على اللَّه تعالى في خلقه. وأقبح من ذلك أئهم يعتمدونه في بناء المساجد والمدارس،! فليت شعري بأيّة قُربة يتقرَّبون!.
المثال السادس والسبعون
البَنَّاء: ومن حقه ألَّا يزخرف بالذَّهب؛ لأنَّه يحرّم تمويه السقوف والجدران به، وإن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار؛ وأكثر من يبني لا يسلم من ذلك.
المثال السابع والسبعون
الطيّان: ومن حقِّه ألَّا يُطين مكانًا قبل الكشف عنه: هل فيه شيء من الحيوانات أو لا؛ فأنت ترى كثيرًا من الطيانين يعجلون في وضع الطين على الجدار؛ وربَّما صادف ما لا يحل قتله لغير مأكله من عصفور ونحوه، فقتله،
стр. 99
واندمج في الطين؛ ويكون حينئذٍ خائنًا للَّه تعالى من جهة قتله هذا الحيوان، ولصاحب الجدار من جهة جعله مثل ذلك ضمن جداره. وكثير من الطيّانين لرغبتهم في الأجرة وسرعة العمل يدعوهم داعٍ إلى تبييض جدار، فيرون ذلك الجدار منشقًا آئِلًا إلى السقوط، فلا ينبهون صاحبه؛ بل يُطينونه، رغبةً في الأجرة، ويعمَّى خبرُه على صاحبه، ويكون ذلك سببًا لوقوعه على نفس أو أكثر؛ وذلك من الخيانة في الدين.
المثال الثامن والسبعون
معلِّم الكُتّاب: وينبغي أن يكون صحيح العقيدة؛ فلقد نشأ صبيان كثيرون عقيدتهم فاسدة؛ لأنَّ فقيههم كان كذلك. فأوَّل ما يتعيَّن على الآباء الفحص عن عقيدة معلم أبنائهم قبل البحث عن دينه في الفروع، ثم البحث عن دينه في الفروع. ومن حقِّ معلّم الصغار ألَّا يعلمهم شيئًا قبل القرآن، ثم بعده حديث النَّبيّ ﷺ ، ولا يتكلَّم معهم في العقائد؛ بل يدعهم إلى أن يتاهّلوا حقَّ التأهُّل، ثم يأخذهم بعقيدة أهلِ السنَّة والجماعة؛ وإن هو أمسكَ عن هذا الباب فهو الأحوط. وله تمكين الصبيّ المميّز من كتابة القرآن في اللوح وحمله، وحمل المصحف وهو محدث.
المثال التاسع والسبعون
الناسخ: ومن حقِّه ألَّا يكتب شيئًا من الكتب المضلَّة؛ ككتب أهل البدع والأهواء؛ وكذلك لا يكتب الكتب التي لا ينفع اللَّه تعالى بها؛ كسيرة عنتر وغيرها من الموضوعات المختلفة التي تضيع الزمان، وليس للدين بها حاجة؛ وكذلك كتب أهل المجون. وما وضعوه في أصناف الجماع، وصفات الخمور وغير ذلك ممَّا يهيج المحرَّمات. فنحن نحذِّر النساخ منها؛ فإنَّ الدنيا تغرّهم. وغالبًا مُستكتِب هذه الأشياء يعطى من الأجرة أكثر ممَّا يعطيه مستكتب كتب العلم. فينبغي للناسخ ألَّا يبيع دينه بدنياه. ومن النسّاخ من لا يتّقي اللَّه تعالى ويكتب عن عجلة، ويحذف من أثناء الكتاب شيئًا؛ رغبة في نجازه إذا كان قد
стр. 100
استؤجر على نَسْخه جملة. وهذا خائن للَّه تعالى في تضييع العلم، وجعل الكلام بعضه غير مرتبط ببعض، ولمصنف الكتاب في بَتره تصنيفه وللذي استأجَرَه في سرقته منه هذا القدر. قال أصحابنا: ولو استأجره ليكتب شيئًا، فكتبه خطأ، أو بالعربية فكتبه بالعجمية، أو بالعكس، فعليه ضمان نقصان الورق، ولا أجرة له. قال النوويّ -ويقرِّب منه ما ذكره الغزالي في الفتاوى- إنه لو استأجره لنسخ كتاب، فغير ترتيب الأبواب، فإن أمكن بناء بعض المكتوب على بعض: بأن كان عشرة أبواب، فكتبَ الباب الأوَّل آخرًا منفصلًا، بحيث يبني عليه، استحقَّ بقسطه من الأجرة؛ وإلَّا فلا شيء له. واستفتى الشيخ الإمام الوالد ﵀ في ناسخ استأجرهُ مستأجر على أن ينسخ له ختمة بأجرة معيّنة، فتأخَّر الناسخ عن كتابتها مدَّة سنة، وفي تلك المدَّة جاد خطه، فهل له أن يطلب زيادة على تلك الأجرة لأجل جودة خطه، أو يختار الفسخ، فأفتي بأنه ليس له واحد من الأمرين؛ بل عليه كتابتها بتلك الأجرة. ومن يستأجر ناسخًا يبين له عدد الأوراق والأسطر في كل صفحة. واختلف في الحبر إذا لم يعيّن على من يكون، فالأصح الرجوع إلى العادة؛ فإن اضطربت وجب البيان، وإلَّا فيبطل العقد.
المثال الثمانون
الورّاق: وهي من أجود الصنائع. لما فيها من الإعانة على كتابة المصاحف، وكتب العلم، ووثائق الناس وعُهَدهم. فمِن شكر صاحبها نعمة اللَّه تعالى أن يرفق بطالب العلم وغيره، ويرجّح جانب من يعلم أنه يشتري الورق لكتابة كتب العلم، ويمتنع عن بيعه لمن يعرف أنه يكتب ما لا ينبغي: من البدع والأهواء ومن شهادات الزور والمرافعات وأنحاء ذلك.
المثال الحادي والثمانون
المجلِّد: وعليه نحو ما على الورّاق والناسخ.
المثال الثاني والثمانون
المذهِّب: ومن حقِّه ألَّا يذهب غير المصحف. وقد عرف اختلاف
стр. 101
الناس في تحلية المصحف بالذهب. والذي صححه الرافعي والنووي الفرق بين أن يكون لامرأة فيحل، أو لرجل فيحرم. والمختار عندنا أنه يحل تحليته مطلقًا. وأمَّا غير المصحف فاتَّفق الأصحاب على أنه لا يجوز تحليته بالذهب.
المثال الثالث والثمانون
الطبيب: ومن حقِّه بذل النصح، والرفق بالمريض. وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول. وله النظر إلى العورة عند الحاجة بقدر الحاجة. وأكثر ما يؤتي الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض، واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطبّ قبل الناس استكماله الأهليّة؛ قال بعض الشعراء:
أفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبه ... وبكحله الأحياء والبُصَرَاءَ
فإذا نظرت رأيت من عميانه ... أممًا على أمواته قُرَّاءَ
وعليه أن يعتقد أن طبّه لا يرد قضاء ولا قدرًا، وأنَّه إنَّما يفعل امتثالًا لأمر الشرع، وأنَّ اللَّه تعالى أنزلَ الداء والدواء؛ وما أحسن قول ابن الرومي:
غلط الطبيب على غلطة مُورِد ... عجزت موارده عن الإصدارِ
والناس يلحَون الطبيب وإنَّما ... غلط الطبيب إصابة الأقدار
المثال الرابع والثمانون
المزيِّن: وعليه مثل ما على الطبيب، وكثيرًا ما يقصد بعض السَّفِلة والرَعَاع جبّ ذكره؛ كما يفعله المبتدعة ومن غلبه حبّ من لا يصل إليه ممَّن لا يكون عقله ثابتًا؛ فلا يحل للمزين مطاوعته على ذلك، ومن الناس من يأتي المزين ليثقب أذنيه ويضع فيهما حَلْقتين.
المثال الخامس والثمانون
الكحَّال: وعليه مثل ما على المزين من الاحتياط.
стр. 102
المثال السادس والثمانون
الحائك: ومن حقِّه ألَّا ينسج ما يحرم استعماله؛ لئلَّا يكون معينًا على معصية. فلا يسج ثوب حرير لا يستعمله إلَّا الرجال؛ أمَّا إذا استعمله الرجال والنساء، والصبيان فلا يُمنع لأنه لم يتعيَّن أنَّ الذي يلبسه رجل بالغ، وفي نسج الثياب المصوَّرة وجهان، أصحهما التحريم أمَّا المركب من الحرير وغيره فالمذهب أنَّه إن كان الحرير أكثر وزنًا حرم، وإن كان غيرُه أكثر أو استويا لم يحرم، ويجوز جعل طراز من حرير بشرط ألَّا يجاوز قدر أربع أصابع.
المثال السابع والثمانون
القَيِّمُ في الحمَّام: وعليه ألَّا ينظر إلى عورة من يغسله، ولا يَلمِسَ شيئًا منها بدون حائل. ومن جلسَ بين يدي حلّاق ليحلق رأسه فحلق، فالصحيح في المذهب أنه لا تجب الأجرة، والقيم مفرِّط حيث لم يشترط قبل أن يحلق. والمختار عندي -وهو وجه في المذهب- أنه يلزمه أجرة إذا جرت العادة بذلك، وكان القيم معروفًا به. وسُئل شيخ الإِسلام عزّ الدين بن عبد السلام: هل يجوز تدليك الأجسام، وغسل الأيدي بالعدس؟ فأجاب في الفتاوى الموصلية: العدس طعام يحترم كما يحترم الطعام، فإن استعمل لغير ذلك بسبب مرض يداوى به مثله فلا بأس.
المثال الثامن والثمانون
الدهَّان: وعليه ألَّا يصوّر صورة حيوان، لا على حائط ولا سقف ولا آلة من الآلات، ولا على الأرض. وأجازَ بعض أصحابنا التصوير على الأرض ونحوها؛ والصحيح خلافه. وقد لعن رسول اللَّه ﷺ المصورين، وقال: إنهم من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة.
المثال التاسع والثمانون
الخيّاط: ومن حقِّه ألَّا يخيط حريرًا، ولا يجعله بطانة لمن يحرم عليه
стр. 103
استعماله: كالرجال. أمَّا النساء والصبيان فاستعماله لهم غير حرام؛ وإن جاوز الصبيّ سنّ التمييز؛ خلافًا للرافعي في الشرح. وعلى الخيّاط أن يحترز عند قطع القماش، ويقدِّر ويستأذن، فيكون على بصيرة. فلو قال الرجل للخياط: إن كان هذا الثوب يكفيني قميصًا فاقطعه، فقطعه، فلم يكفه، ضمن الأرش، لأن الإذن مشروط بما لم يوجد. وإن قال: هل يكفيني قميصًا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكف، لم يضمن؛ لأنَّ الاذن مطلق وإن تقدمته قرينة؛ لكن كان من حق الخياط ألِّا يتكلَّم على جهالة، ويجوز للخياط أن يخيط بالحرير.
المثال التسعون
الصبَّاغ: ومن حقِّه ألَّا يصبغ بمحرَّم. ولقد كثر منهم الصبغ بالدماء؛ وذلك محرَّم؛ فإن صبغ بالدم، وغسل بعد ذلك، فذهب الريح والطعم، وبقي اللون، وعَسُرت إزالته، فالأصحُّ أنه لا يضر. ويُقال: إنَّ الثياب الحمر الصوف المربَّعة كلها من هذا القبيل. والصحيح أنَّه يحرم على الرجل لبس الثوب المزعفَر والمعصفَر. ولو دفع الرجل خرقة إلى صبَّاغ فصبَغها حمراء، وقال: كذا أمرتني، فقال الدافع: لم أقل لك: اصبغ إلَّا بالأسود، أو دفع خرقة إلى خيَّاط، فخاطَها قَبَاء، فقال: ما أمرتك إلَّا بقميص، فالأصحُّ أنَّ القول قول المالك، فيحلف، ويلزم الصباغ والخياط أرشُ النقص.
المثال الحادي والتسعون
الناطور: ومن حقِّه ملاحظة الثياب، استُحفِظ أم لم يُستحفَظ. وحكى القاضي عن الأصحاب أنَّه لا يجب عليه إذا لم يستحفَظ الحفظُ؛ قال: وعندي أنه يجب. ولو سرقت الثياب من مَسْلَخ الحمّام، والناطور جالس في مكانه مستيقظ فلا ضمان عليه؛ وإن نامَ، أو قام من مكانه، ولم يستنب أحدًا موضعه ضَمِنَ.
стр. 104
المثال الثاني والتسعون
الفرّاشون: ومن وظائفهم ضرب خيام الأمراء.
وحقَّ عليهم ألَّا يحتجروا على الناس ويمنعوهم أرض اللَّه الواسعة؛ فما أظلم فراش الأمير وغيره إذا جاء إلى ناحية من الفضاء، فوجد فقيرًا قد سبق إليها، ونزل فيها، فأقامه منها، ليخيم للأمير مكانه. وحكم اللَّه أن السابق أولى، والأمير والمأمور في ذلك سواء.
المثال الثالث والتسعون
البابا (١): ومن حقِّه أن يحرص على إزالة نجاسة الثياب عند غسلها، فيحترز من البول والغائط والمذْي والدم ونحو ذلك؛ فإنه متى لاقى شيء منها بدن الإنسان أو ثوبه لم تصح معه صلاته. فإن علمه البابا في ثوب شخص ولم يُزله بقي ذلك في ذمَّته. فعليه إفاضة الماء في محل النجاسة، بحيث تضمحلّ، ويذهب طعمها، وكذلك لونها وريحها، إلَّا أن يعلَق اللَّون بالمحلّ كالدم، فيعفى عنه. وأمَّا بول الغلام الرضيع فيكفي فيه رش الماء. وأمَّا دم البراغيث والجراحات البدنية، والدمامل واليسير من طين الشوارع فمعفو عنه. وإذا غسل البابا ذلك كله فهو أولى وأحرى.
المثال الرابع والتسعون
الشرَبْدار: ومن حقِّه أن يحترز فيما يسقيه لمخدومه من وصول شيء إليه ينجِّسه أو يقذِّره. وإيَّاه أن يسقيه محرَّمًا. ويا ويحه إن سقاه سمًّا قاتلًا. ويحافظ على النظافة في أوانيه وثيابه، والرائحة الطيبة فيها ما أمكنه.
стр. 105
المثال الخامس والتسعون
الطشتدار: اسم لمن يصبّ الماء على يد المخدوم.
وهو من أقبح التنطع والبدع. ومن أدبه الاحتراز من ملاقاة ماء الوضوء ماءً طهورًا أو غيره. أمَّا الاستعانة في الوضوء بغيره فإن استعانَ بمن يحضر له الماء للطهارة فلا يكره. وإن استعان به ليصب عليه الماء -وهو ما يفعله الطشتدار- ففي كراهته خلاف للأصحاب؛ والأصح أنه لا يكره. وإن استعانَ به ليغسل أعضاءه فهو مكروه بلا خلاف؛ إلَّا أن تدعو إليه ضرورة؛ كما إذا كان أقطع، فتجب الاستعانة. وما يفعله أهل الدنيا من نصب أناس بالمرصاد لصبّ الماء على أيديهم عقيب الطعام ليس بمكروه؛ ولكنه زيادة في الدنيا. وكان الشيخ الإمام لا يفعله. وأمَّا الإستعانة في الوضوء فلمَّا طعن في السنّ كنت أراه يمكِّن من يصبّ الماء على يديه، ولا يمكِّن من صبه على رجليه. وكنت أفهم لذلك منه سرَّين: أحدهما أنه والحالة هذه لا يكون قد استعانَ في وضوئه بأحد بل في بعض وضوئه، والثاني أنَّ في الصب على الرجلين من الرعونة والتنطّع أكثر ممَّا في الصبّ على غيرهما.
المثال السادس والتسعون
الصيرفيّ: ومن حقِّه ألَّا يخلط أموال الناس بعضها ببعض. وأكثر الصيارف يخلطون فيصيرون عامة أموِال الخلق حرامًا، والناس لا يدرون. فهم إذًا في ذمة الصيارف. ومن حقه أيضًا معرفة عَقْد الصرف، وألَّا يبيع أحد النقدين بالآخر نسيئة بل نقدًا. ولو سلم صبي درهمًا إلى صيرفيّ لينقده لم يحل للصيرفيّ رده إليه، وإنَّما يرده إلى وليّه. ولو تلفَ في يد الصيرفي لزمه ضمانه. ولا يجوز تولية الذّميّ صيرفيًّا في بيت المال.
المثال السابع والتسعون
المُكارِي: ومن حقِّه التحفُّظ فيمن يُركِبه الدوابّ. ولا يحلُّ لمكار يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يُكري دابته من امرأة يعرف أنها تمضي إلى شيء من
стр. 106
المعاصي؛ فإنَّه إعانة على معصية اللَّه تعالى. وكثير من المكارية لا يعجبه أن يكاري إلَّا الفاجرات من النساء، والمغاني منهنَّ؛ لمغالاتهنَّ في الكِراء؛ فإنَّهن يعطين من الأجرة فوق ما يعطيه غيرهنَّ فتغرُّة الدنيا. فينبغي أن يعلم أنَّ فلسًا من الحلال خير من درهم من الحرام. وممَّا تعمُّ به البلوى مكار يكاري امرأة جميلة إلى مكانٍ معيَّن، ويمشي معها؛ وفي الطريق مواضع خالية من الناس كما بين البساتين؛ فإن في معاطفها أماكن لو شاء الفاسق لفَعَل فيها ما شاء اللَّه من الفجور. والذي أرِاه أن حكم ذلك حكم الخلوة بالأجنبية، فلا يجوز. ومن كان مع دابّة أو دوابَّ ضَمِن ما تُتْلِفه من نَفس أو مال، ليلًا كان أو نهارًا. أمَّا إذا بالت في الطريق فتلف به نَفْس أو مال فلا ضمان وعلى الراكب الاحتراز ممَّا لا يعتاد، كسوق شديد في الوحل. فإن خالف وجب عليه ضمان ما تولد من ذلك. ومن حمل حطبًا على بهيمة، أوعلى ظهره فحكَّ جدارًا فسقط الجدار ضمنه. وأمَّا ما تضعه المكارية من الجلاجل في رقاب الحمير فإنه مكروه؛ قال رسول اللَّه ﷺ : لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلْب أو جَرَس؛ وقال ﷺ : الجرس مزامير الشيطان؛ رواهما مسلم.
المثال الثامن والتسعون
العَريف
المثال التاسع والتسعون
النقَّاشون
المثال المائة
غاسِل الموتى: وعليه استيعاب البدن بالماء، بعد أن يزيل ما عليه من نجاسة. ولا يجب عليه نيّة الغُسْل على الأصحّ، ولكن الأولى أن ينوي؛ خروجًا من الخلاف. ويستحبّ أن يغسل في موضع مستور لا يدخله سواه وسوى من يعنيه ووليِّ الميت إن شاء. ويكره أن ينظر إلى شيء من بدنه إلَّا لحاجة. ويُغسل في
стр. 107
قميص بال أو سخيف، فيُدخلُ الغاسل يده من تحت القميص ويغسله. وحمل الميت برّ وإكرام لا شيء فيه من الدناءة.
المثال الحادي بعد المائة
السَّجّان: ومن حقِّه الرفق بالمحبوسين، ولا يمنعهم من الجمعة إلَّا إذا منعهم القاضي من ذلك. وقد أفتى الغزاليّ بأنَّ للقاضي المنع من الجمعة إذا ظهرت المصلحة في المنع. ولا يمنع المحبوس من شمِّ الرياحين إن كان مريضًا ويمنع من استمتاعه بزوجته، دون دُخُولها لحاجة له. وإذا علم السجَّان أنَّ المحبوس حُبس بظلم كان عليه تمكينه بقدر استطاعته، وإلَّا يكون شريكًا لمن حَبَسه في الظلم.
المثال الثاني بعد المائة
الجزَّار: ويجب عليه إذا ذبح قطعُ الحلقوم -وهو مجرى النفس- والمريء -وهو مجرى الطعام وهو تحت الحلقوم- ولا يكفي قطع واحد منهما؛ خلافًا للاصطخريّ. ولو ترك من الحلقوم والمريء شيئًا يسيرًا وماتَ الحيوان فهو مَيتة؛ ولا بدَّ أن يصادف الذبح حيوانًا فيه حياة مستقرَّة وإلَّا فلا يحلُّ؛ وذلك يعرف بالعلامات كالحركة الشديدة ونحوِها. وكثيرًا ما يصادف الإنسان حيوانًا يضطرب فيشكّ هل فيه حياة مستقرّة أو لا؛ فإذا شكَّ فالأصحّ أنه حرام. ولا يجوز الذبح بظفر ولا عظم. وتستحب التسمية على الذبح خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: تجب، ولا يحل المذبوح إلَّا بالتسمية. وتُستحب الصلاة على النَّبيّ ﷺ عند الذبح. ولا يحلُّ الذبح باسم غير اللَّه تعالى؛ وأفتى أهل بُخارى بتحريم ما يذبحه أهل القرى عند استقبال السلطان تقرّبًا إليه؛ لأنه ممَّا أهِلَّ به لغير اللَّه.
المثال الثالث بعد المائة
المشاعليّة: وهم الذين يحملون مِشْعلاً يَقِد بالنار بين يدي الأمراء ليلاً. وإذا أُمِر بشنق أحد أو تسميره أو النداء عليه تولّوا ذلك. ومن حقِّ الله عليهم
стр. 108
إذا أرادوا قتل أحد أن يُحسنوا القِتْلة، وأن يمكِّنوه منِ صلاة ركعتين قبل القتل للَّه تعالى؛ فهي سنَّة. ومتى أمر وليّ الأمر مشاعليًا بقتل إنسان بغيرِ حق، والمشاعليّ يعلم أنَّ المقتول مظلوم، فالمشاعليّ قاتل له، يجب عليه القصاص. وإن كان وليّ الأمر أكرهه، أو جعلنا أمره إكراهًا، فالقصاص حينئذٍ عليهما جميعًا عند الشافعيّ ﵀ على الصحيح من مذهبه.
المثال الرابع بعد المائة
الدلَّالون: فمنهم دلال الكتب. ومن حقِّه ألَّا يبيع كتب الدين ممَّن يعلم أنه يُضيعها، أو ينظرها لانتقادها والطعن عليها، وألَّا يبيع شيئًا من كتب أهل البدع والأهواء، وكتب المنجّمين، والكتب المكذوبة؛ كسيرة عنتر وغيره. ولا يحل له أن يبيع كافرًا لا المصحف ولا شيئًا من كتب الحديث والفقه. ومنهم دلال الرقيق؛ فلا يحل له بيع عبد مسلم من كافر، وبيع المملوك الحسن الصورة ممَّن اشتهرَ باللواط، وبيع العصير ممَّن يتخذ الخمر؛ وكلاهما مكروه. وأمَّا بيع المغاني فيجوز؛ ولكن إذا كانت جارية فباعها بألفين؛ ولولا الغَناء لما ساوت إلّا ألفًا، فالأصحاب مختلفون في صحَّة هذا البيع؛ والأصحّ الصحة.
ومنهم دلَّال الأملاك؛ وعليه التحفظ في ذلك؛ خشية أن يقع في بيع شيء موقوف؛ فإن هو باع موقوفًا فقد شاركَ البائع في الإثم.
المثال الخامس بعد المائة
بواب المدرسة والجامع ونحوهما: ومن حقِّه المبيت بقرب الباب، بحيث يسمع من يطرقه عليه، والفتح لساكن في المكان أو قاصد مقصدًا دينيًا: من صلاة أو اشتغال أيَّ وقت جاء من أوقات الليل. وما يفعله بعض البوّابين من غلق الباب في وقت معلوم من الليل، إمَّا بعد صلاة العشاء الآخرة، أو في وقت آخر بحيث إذا جاء أحد السكان أو المريدين للصلاة بعده لا يفتح له، غير جائز؛ إلَّا إن تكون مدرسة شرط واقفها ألَّا يفتح بابها إلَّا في وقت معلوم. وفي صحة مثل هذا الشرط نظر واحتمال. وأمَّا لو شرطه في مسجد أو جامع فواضح أنَّه لا يصحُّ.
стр. 109
المثال السادس بعد المائة
سائس الدواب: ومن حقِّه النصح في خدمتها، وتنقية العلِيق لها، وتأدية الأمانة فيه؛ فإنَّه لا لسان لها يشكوه إلَّا إلى اللَّه تعالى. وقد كثر من السُوَّاس تعليق حِرْز مشتمل على بعض آيات القرآن على الخيل رجاء الحراسة، مع أنها تتمرَّغ في النجاسة. وأفتى الشيخ عزِّ الدين بن عبد السلام بأن ذلك بدعة وتعريض للكتاب العزيز للإهانة.
المثال السابع بعد المائة
الكلابزي: للَّه عليه نعمة: أن جعله خادم الكلاب، ولم يجعله عاصر خمر، أو غير ذلك، ممَّا ابتلى به بعض عبيده فمن شكر هذه النعمة أن ينصح في خدمة كلاب الصيد، وأن يعلم أنَّ في كل كبد حرّى أجرًا، وإذا كان له على خدمتها جُعْل فهذه نعمة ثانية، عليه أن يوفيها حق شكرها؛ فإن كان في باب ذي جاه فهذه نعمة ثالثة، عليه شكر ثالث لأجلها. وعلى هذا فاعتبر.
المثال الثامن بعد المائة
حارس الدَرْب: وحقٌّ عليه أن ينصح لأهل الدرب، ويُسهر عينه إذا ناموا، ينبِّه النوام إذا اغتيلوا بحريق أو غيره، ولا يدل على عوراتهم واليًا ولا غيره. .
المثال التاسع بعد المائة
الطَوْفيّة: وهم بين البساتين والمساكن الخارجة عن البلد كالحارس بين الدروب في وسط البلد. ومن أقبح صنع هؤلاء المداجاة على جَلْب الخمر لمن يرضيهم بحُطام الدنيا، فلا ينكرون عليه المنكر مع إنكارهم زائدًا على الحاجة على من لا يُرضيهم، وإذا وجدوا قتيلًا في مكان نقلوه إلى مكان آخر؛ فتارةً يجدونه في مكانٍ يقرب من دار من له عندهم يد، فينقلونه إلى دار من لا يد له عندهم، أو بينه وبينهم شنآن؛ وتارةً تنقله طائفة من الأماكن التي هو في تسليمهم
стр. 110
إلى مكانٍ آخر؛ دفعًا للتُّهَمَة عن أنفسهم؛ وإلقاءً لغيرهم فيها، وكل ذلك قبيح؛ والواجب إبقاؤه في مكانه، ورفع أمره إلى وليّ الأمر ليبحث عنه.
المثال العاشر بعد المائة
الكاسح.
المثال الحادي عشر بعد المائة
الإِسكاف: ومن حقِّه ألَّا يخرز بنجس: من شعر خنزير أو غيره؛ فإنَّ الصلاة في النعلين جائزة؛ صحَّ أنه ﷺ صلَّى في النعلين. وإنَّما فعل ذلك بيانًا للجواز، وكان أغلب أحْواله ﷺ الصلاة حافيًا؛ فلو أن الإِسكاف استعمل في النعل نجاسة لخان اللَّه والمؤمنين.
المثال الثاني عشر بعد المائة
رماة البندق: وقد أفتى الشيخ تاج الدين بن الفِركاح بحِلّه، وهو ما ذكره النووي في كتاب المنثورات، ويوافقهما قول الرافعيِّ: أمَّا الاصطياد بمعنى إثبات اليد على الصيد وضبطه فلا يختصّ بالجوارح، بل يجوز بأيِّ طريق يتيسر، فإنَّه يتناول الرمي بالبندق؛ لكن قال ابن يونس في شرح التنبيه: وذكر في الذخائر أنَّ الاصطياد بما لا حَدَّ له كالدَّبوس والبندق لا يجوز ولا يحل. قلت: ويدل له ما في مسند الإِمام أحمد من حديث عديّ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "ولا تأكل من البندقة إلّا ما ذكَّيت" لكن في سنده انقطاع؛ وروى البيهقي أنَّ ابن عمر كان يقول في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. وقد صرَّح أصحابنا أنَّ المحدَّد إذا قتل بثقله لا يحل، بل لا بد من الجرح. قالوا: فيحرم الطير إذا مات ببندقة رُمي بها، خدشته أم لا، قطعت رأسه أم لا.
المثال الثالث عشر بعد المائة
الشحَّاذ في الطرقات: للَّه عليه نعمة أنه أقدره على ذلك، وكان من