Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3779–3818 · переход к 3784.
стр. 3779
وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِلِ وَمَجْمَعِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ عَلَى رَاوِي ذَلِكَ، فَهَذَا النَّوْعُ مُلْحَقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَضِيَّةُ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهُا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ.
قُلْتُ: أَخَذَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ . وَحَدِيثُ نَبْعِ الْمَاءِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَعَدَدُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِمَا، وَأَمَّا تَكْثِيرُ الْمَاءِ يَلْمَسُهُ بِيَدٍ أَوْ يَتْفُلُ فِيهِ أَوْ يَأْمُرُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ، فَجَاءَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ عِنْدَهُ، وَعَنْ حِبَّانَ بْنِ بُحٍّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الصُّدَائِيِّ أَيْضًا، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ قَارَبَهَا. وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ شَطْرُ طُرُقِهِ أَفْرَادًا. وَفِي الْجُمْلَةِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا الرَّدُّ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ شَهِدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَذَلِكَ لِطُولِ عُمُرِهِ وَتَطَلُّبِ النَّاسِ الْعُلُوَّ فِي السَّنَدِ انْتَهَى. وَهُوَ يُنَادَى عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ وَالِاسْتِحْضَارِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابِ الَّذِي شَرَحَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاهُ، لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ، بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَاءَ نَبَعَ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ الْكَائِنِ فِي الْأَصَابِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَأَوْضَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَجَاءُوا بِشَنٍّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ عَصَا مُوسَى، فَإِنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ نَفْسِ الْعَصَا فَتَمَسُّكُهُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَةِ الرَّائِي، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ يَفُورُ وَيَكْثُرُ وَكَفُّهُ ﷺ فِي الْمَاءِ، فَرَآهُ الرَّائِي نَابِعًا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَرُدُّهُ وَهُوَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ لِقَوْلِهِ: قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ فَهَذَا لَوْ كَانَ مَحْفُوظًا اقْتَضَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ انْقِطَاعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكِّيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُرْتَفِعًا كَالْمَنَارَةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ عُثْمَانُ بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاءُ نَفْسُهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ، أَوْ عِنْدَ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ
стр. 3780
شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَ الْمَاءَ، وَأَنَّهُ أَحْضَرَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَنَّهُ رَدَّهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَفِيهِ قَدْرُ مَا كَانَ فِيهِ أَوَّلًا.
وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى قُبَاءَ، فَأُتِيَ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهِمْ بِقَدَحٍ صَغِيرٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَرٍ فَفِي رِوَايَةِ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا فِي الْقَوْمِ مِنْ طَهُورٍ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ بِفَضْلَةٍ فِي إِدَاوَةٍ فَصَبَّهُ فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَتَوْا بِبَقِيَّةِ الطَّهُورِ فَقَالُوا: تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا، فَسَمِعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي الْقَدَحِ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ثُمَّ قَالَ: أَسْبِغُوا الطُّهُورَ، قَالَ جَابِرٌ: فَوَالَّذِي أَذْهَبَ بَصَرِي لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ، قَالَ: حَسِبْتُهُ قَالَ: كُنَّا مِائَتَيْنِ وَزِيَادَةً وَجَاءَ عَنْ جَابِرٍ قِصَّةٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أَحْضَرُوهُ لَهُ كَانَ قَطْرَةً فِي إِنَاءٍ مِنْ جِلْدٍ لَوْ أَفْرَغَهَا لَشَرِبَهَا يَابِسُ الْإِنَاءِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الرَّكْبِ قَطْرَةَ مَاءٍ غَيْرَهَا، قَالَ: فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَكَلَّمَ وَغَمَزَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَادِ بِجَفْنَةِ الرَّكْبِ فَجِيءَ بِهَا ; فَقَالَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ فَبَسَطَهَا، ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ وَوَضَعَ تِلْكَ الْقَطْرَةَ فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ فَقَالَ: خُذْ يَا
جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، فَفَعَلْتُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ، فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوَوْا، فَرَفَعَ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى وَهَذِهِ الْقِصَّةُ أَبْلَغُ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قِلَّةِ الْمَاءِ وَعَلَى كَثْرَةِ مَنِ اسْتَقَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ) هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ أَيْ قَدْرَ ثَلَاثِمِائَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ زَهَوْتُ الشَّيْءَ إِذَا حَصَرْتُهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: ثَلَاثِمِائَةِ بِالْجَزْمِ بِدُونِ قَوْلِهِ زُهَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي نَبْعِ الْمَاءِ أَيْضًا:
قَوْلُهُ: (عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَوَقَعَ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: (جَهَشَ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ أَسْرَعُوا لِأَخْذِ الْمَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَجَهَشَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ فِي أَوَّلِهِ، وَقَوْلُهُ: فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَلَّثَةٍ، وَلِلكُشمِيهَنِيِّ بِالْفَاءِ وَهُمَا بِمَعْنًى.
وَقَوْلُهُ: (رُوِينَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ مِنَ الرِّيِّ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ بِبِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأُبَيِّنُ هُنَاكَ التَّوْفِيقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي قَبْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٥٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ، لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ،
стр. 3781
فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ.
فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ حَتَّى شَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا.
فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ. فَقال رسول الله ﷺ : "هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قال رسول الله ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا".
٣٥٧٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ".
٣٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي عَامِرٌ قَالَ حَدَّثَنِي جَابِرٌ ﵁ "أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَيْسَ عِنْدِي إِلاَّ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ فَمَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ مِنْ بَيَادِرِ التَّمْرِ فَدَعَا ثَمَّ آخَرَ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ انْزِعُوهُ فَأَوْفَاهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ".
٣٥٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَرَّةً مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأَتِي وَخَادِمِي بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ ضَيْفِكَ قَالَ أَوَعَشَّيْتِهِمْ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ. قال:
стр. 3782
فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ يَا غُنْثَرُ - فَجَدَّعَ وَسَبَّ - وَقَالَ: كُلُوا وَقَالَ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا قَالَ وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ اللُّقْمَةِ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلُ. فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا شَيْءٌ أَوْ أَكْثَرُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ قَالَتْ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ فَتَفَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ". وَغَيْرُهُ يَقُولُ "فَعَرَفْنَا" مِنْ الْعِرَافَةِ.
٣٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ يُونُسَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْكُرَاعُ هَلَكَتْ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا قَالَ أَنَسٌ وَإِنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ فَهَاجَتْ رِيحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا ثُمَّ اجْتَمَعَ ثُمَّ أَرْسَلَتْ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ تَصَدَّعَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ".
الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ فَرَوَاهُ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَوَّلُهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ. الْحَدِيثَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ فِيهِ حِينَ مُحَاصَرَةِ الْأَحْزَابِ لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.
قَوْلُهُ: (ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ) فِيهِ الْعَمَلُ عَلَى الْقَرَائِنِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَاوِيًا، وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ بَلَغَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامٌ، فَذَهَبَ فَأَجَّرَ نَفْسَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ بِعَمَلِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ بِهِ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ أَخُو إِسْحَاقَ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي يَعْلَى قَالَ: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ
стр. 3783
إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: أَعْنَدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُقْرِئُ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ سُورَةَ النِّسَاءِ، وَقَدْ رَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ: عَمَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْفِ مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنَ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ غَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سُلَيْمٍ عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَرَشَتْهُ ثُمَّ عَمِلَتْهُ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ أَتَى أَبُو طَلْحَةَ بِمُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ فَأَمَرَ بِهِ فَصُنِعَ طَعَامًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ فِي الْأَصْلِ كَانَ صَاعًا فَأَفْرَدَتْ بَعْضَهُ لِعِيَالِهِمْ وَبَعْضَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ مَا بَيْنَ الْعَصِيدَةِ وَالْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ الْمَلْتُوتِ بِالسَّمْنِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ فِي شَيْءٍ صَنَعَتْهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ وَإِدْخَالِ عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.
وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ عَمَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْفِ مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى عُكَّةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ سَمْنٍ فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً الْحَدِيثَ. وَالْخَطِيفَةُ هِيَ الْعَصِيدَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ) أَيْ لَفَّتْنِي بِهِ يُقَالُ: لَاثَ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ أَيْ عَصَبَهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَفَّتْ بَعْضَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْضَهُ عَلَى إِبْطِهِ. وَوَقَعَ فِي الْأَطْعِمَةِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ وَدَسَّتِ الْخُبْزَ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ تَقُولُ: دَسَّ الشَّيْءَ يَدُسُّهُ دَسًّا إِذَا أَدْخَلَهُ فِي الشَّيْءِ بِقَهْرٍ وَقُوَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ: بِطَعَامٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا) ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَهِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ قُومُوا، وَأَوَّلُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَأَبَا طَلْحَةَ أَرْسَلَا الْخُبْزَ مَعَ أَنَسٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا أَرَادَا بِإِرْسَالِ الْخُبْزِ مَعَ أَنَسٍ أَنْ يَأْخُذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَأْكُلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَنَسٌ وَرَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَحَى وَظَهَرَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَقُومَ مَعَهُ وَحْدَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ إِطْعَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ مَنْ أَرْسَلَهُ، عَهِدَ إِلَيْهِ إِذَا رَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ أَنْ يَسْتَدْعِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَحْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَكْفِيَهُمْ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَدْ عَرَفُوا إِيثَارَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَى النَّبِيَّ ﷺ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَدْعُوَهُ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ طَعَامًا.
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَنَسٍ أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ وَجَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: اعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ عَسَى أَنْ نَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلَ عِنْدَنَا، فَفَعَلَتْ، فَقَالَتِ: ادْعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ فَقُمْ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا قَامَ فَدَعْهُ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ اتْبَعْهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى عَتَبَةِ بَابِهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لِي أَبُو
стр. 3784
طَلْحَةَ: اذْهَبْ فَادْعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ فِي الْأَطْعِمَةِ، عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ لَهُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَغَدَّى عِنْدنَا فَافْعَلْ.
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اذْهَبْ يَا بُنَيَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَادْعُهُ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَادْعُهُ، وَلَا تَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ وَلَا تَفْضَحْنِي.
قَوْلُهُ: آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: انْطَلِقُوا فَانْطَلَقُوا وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فَلَمَّا قُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: يَا هَؤُلَاءِ تَعَالَوْا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَشَدَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا أَرْسَلَ يَدِي فَدَخَلْتُ، وَأَنَا حَزِينٌ لِكَثْرَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ) أَيْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمْ (فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) كَأَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لِيُظْهِرَ الْكَرَامَةَ فِي تَكْثِيرِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فِطْنَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَرُجْحَانِ عَقْلِهَا.
وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُرْصٌ عَمِلَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّمَا هُوَ قُرْصٌ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيُبَارِكُ فِيهِ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْسَلْتُ أَنَسًا يَدْعُوكَ وَحْدَكَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَا يُشْبِعُ مَنْ أَرَى، فَقَالَ: ادْخُلْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُبَارِكُ فِيمَا عِنْدَكَ وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَأَنَا مُنْدَهِشٌ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: يَا أَنَسُ فَضَحْتَنَا وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فَجَعَلَ يَرْمِينِي بِالْحِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ؟ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: هَلُمَّ، وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ، هَلُمَّ عِنْدَهُمْ لَا يُؤَنَّثُ وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ طَلَبُ مَا عِنْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ) أَيْ صَيَّرَتْ مَا خَرَجَ مِنَ الْعُكَّةِ لَهُ إِدَامًا، وَالْعُكَّةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ إِنَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ يُجْعَلُ فِيهِ السَّمْنُ غَالِبًا وَالْعَسَلُ، وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ فَقَالَ هَلْ مِنْ سَمْنٍ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قَدْ كَانَ فِي الْعُكَّةِ سَمْنٌ، فَجَاءَ بِهَا فَجَعَلَا يَعْصِرَانِهَا حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ سَبَّابَتَهُ، ثُمَّ مَسَحَ الْقُرْصَ فَانْتَفَخَ وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَالْقُرْصُ يَنْتَفِخُ حَتَّى رَأَيْتُ الْقُرْصَ فِي الْجَفْنَةِ يَتَمَيَّعُ.
وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ فَمَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ فَجِئْتُ بِهَا فَفَتَحَ رِبَاطَهَا ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهَا الْبَرَكَةَ وَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَنْزِلَ أَبِي طَلْحَةَ وَحْدَهُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَلَفْظُهُ فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُمُ: اقْعُدُوا وَدَخَلَ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ أَدْخِلْ عَلَيَّ ثَمَانِيَةً ; فَمَا زَالَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ رَجُلًا ثُمَّ دَعَانِي وَدَعَا أُمِّي وَأَبَا طَلْحَةَ فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ فِيهَا أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً سِوَى هَذِهِ فَقَالَ إِنَّهُ أَدْخَلَهُمْ ثَمَانِيَةً ثَمَانِيَةً، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلُوا) فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ وَسَطَ الْقُرْصِ وَقَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ حَتَّى شَبِعُوا وَفِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا مِنْ بَيْنِ
стр. 3785
أَصَابِعِي.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجُوا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: قُومُوا وَلْيَدْخُلْ عَشَرَةٌ مَكَانَكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَفِي غَيْرِهَا بِالْجَزْمِ بِالثَّمَانِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ بِضْعَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكُوا سُؤْرًا أَيْ فَضْلًا. وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالُوا: كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ قَالَ: وَأَفْضَلَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مَا يُشْبِعُهُمْ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُلْغِيَ الْكَسْرُ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ أَحْمَدَ حَتَّى أَكَلَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ وَهَذَا يُؤَكِّدُ التَّغَايُرَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ سِيرِينَ غَيْرُ الْقِصَّةِ الَّتِي رَوَاهَا غَيْرُهُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَأَفْضَلَ مَا بَلَّغُوا جِيرَانَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَأَهْدَيْنَاهَا لِجِيرَانِنَا وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَتَّى أَهْدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لِجِيرَانِنَا وَلِمُسْلِمٍ فِي أَوَاخِرِ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. (تَكْمِلَةٌ):
سُئِلْتُ فِي مَجْلِسِ الْإِمْلَاءِ لَمَّا ذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حِكْمَةِ تَبْعِيضِهِمْ، فَقُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ أَنَّ الطَّعَامَ قَلِيلٌ وَأَنَّهُ فِي صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَحَلَّقَ ذَلِكَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ، فَقِيلَ: لِمَ لَا دَخَّلَ الْكُلَّ وَبَعَّضَ لِمَنْ يَسَعُهُ التَّحْلِيقُ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي اشْتَرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُعْجِزَةِ، بِخِلَافِ التَّبْعِيضِ فَإِنَّهُ يَطْرُقُهُ احْتِمَالُ تَكَرُّرِ وَضْعِ الطَّعَامِ لِصِغَرِ الصَّحْفَةِ؟ فَقُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - فِي نَبْعِ الْمَاءِ أَيْضًا وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ) أَيِ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَّ جَمِيعِ الْخَوَارِقِ تَخْوِيفًا، وَإِلَّا فَلَيْسَ جَمِيعُ الْخَوَارِقِ بَرَكَةً، فَإِنَّ التَّحْقِيقَ يَقْتَضِي عَدَّ بَعْضِهَا بَرَكَةً مِنَ اللَّهِ كَشِبَعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ وَبَعْضُهَا بِتَخْوِيفٍ مِنَ اللَّهِ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، كَمَا قَالَ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَكَأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِخَسْفٍ فَقَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ) هَذَا السَّفَرُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ لِثُبُوتِ نَبْعِ الْمَاءِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَبُوكَ. ثُمَّ وَجَدْتُ الْبَيْهَقِيَّ فِي الدَّلَائِلِ جَزَمَ بِالْأَوَّلِ لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ مَا يُصَرِّحُ بِهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَأَصَابَ النَّاسُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْتَمِسْ لِي مَاءً، فَأَتَيْتُهُ بِفَضْلِ مَاءٍ فِي إِدَاوَةٍ الْحَدِيثَ، فَهَذَا أَوْلَى، وَدَلَّ عَلَى تَكَرُّرِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ) وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا بِمَاءٍ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَأَتَاهُ بِشَنٍّ فِيهِ مَاءٌ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَشْرَبُ وَيُكْثِرُ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَهُ
стр. 3786
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِلَالٌ أَحْضَرَ الْإِدَاوَةَ، فَإِنَّ الشَّنَّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ هُوَ الْإِدَاوَةُ الْيَابِسَةُ.
قَوْلُهُ: (حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ) أَيْ هَلُمُّوا إِلَى الطَّهُورِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَالْمُرَادُ الْفِعْلُ أَيْ تَطَهَّرُوا.
قَوْلُهُ: (وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) الْبَرَكَةُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِيجَادَ مِنَ اللَّهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ زُرَيْقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَجَعَلْتُ أُبَادِرُهُمْ إِلَى الْمَاءِ أُدْخِلُهُ فِي جَوْفِي لِقَوْلِهِ: الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَبَسَطَ كَفَّهُ فِيهِ فَنَبَعَتْ تَحْتَ يَدِهِ عَيْنٌ، فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَشْرَبُ وَيُكْثِرُ وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ فَضْلَةَ الْمَاءِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ الْمُوجِدُ لِلْمَاءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَادَةَ فِي الدُّنْيَا غَالِبًا بِالتَّوَالُدِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يَقَعُ بَيْنَهَا التَّوَالُدُ وَبَعْضَهَا لَا يَقَعُ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ فَوَرَانِ بَعْضِ الْمَائِعَاتِ إِذَا خُمِّرَتْ وَتُرِكَتْ زَمَانًا، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي الْمَاءِ الصِّرْفِ بِذَلِكَ، فَكَانَتِ الْمُعْجِزَةُ بِذَلِكَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ) أَيْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَالِبًا، وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الطَّعَامَ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَلَهُ شَاهِدٌ أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَسليمَانُ إِذَا كَتَبَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ قَالَ لَهُ: بِآيَةِ الصَّحْفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا بَيْنَا هُمَا يَأْكُلَانِ فِي صَحْفَةٍ إِذْ سَبَّحَتْ وَمَا فِيهَا وَذَكَرَ عِيَاضٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِطَبَقٍ فِيهِ عِنَبٌ وَرُطَبٌ فَأَكَلَ مِنْهُ فَسَبَّحَ.
قُلْتُ: وَقَدِ اشْتَهَرَ تَسْبِيحُ الْحَصَى، فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ حَصَيَاتٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَسَبَّحْنَ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُمَرَ فَسَبَّحْنَ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فَسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ وَفِيهِ ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا فَلَمْ يُسَبِّحْنَ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كَذَا رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ - وَلَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ يَزِيدَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: ذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَ كَبِيرَ السِّنِّ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ذَكَرَ لَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِهَذَا.
(فَائِدَةٌ):
ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ أَنَّ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَتَسْبِيحَ الْحَصَى وَحَنِينَ الْجِذْعِ وَتَسْلِيمَ الْغَزَالَةِ مِمَّا نُقِلَ آحَادًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَذَّبْ رُوَاتُهَا. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ اسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلِهَا تَوَاتُرًا بِالْقُرْآنِ. وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِمَنْعِ نَقْلِهَا آحَادًا، وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَمَجْمُوعُهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ (١) وَالَّذِي أَقُولُ إِنَّهَا كُلُّهَا مُشْتَهِرَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ فَلَيْسَتْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِنَّ حَنِينَ الْجِذْعِ وَانْشِقَاقَ الْقَمَرِ نُقِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَقْلًا مُسْتَفِيضًا يُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى طُرُقِ ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا مُمَارَسَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا تَسْبِيحُ الْحَصَى فَلَيْسَتْ لَهُ إِلَّا هَذِهِ الطَّرِيقُ الْوَاحِدَةُ مَعَ ضَعْفِهَا، وَأَمَّا تَسْلِيمُ الْغَزَالَةِ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ إِسْنَادًا لَا مِنْ وَجْهٍ قَوِيٍّ وَلَا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مُطَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، стр. 3787
وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَاهُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْبُيُوعِ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْوَصَايَا أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ، فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَالْهِبَةِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا جَابِرُ لَا عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ فِي قِطَارِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى تَعْلَمَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُنَا - فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِ أَبِيهِ وَدَفْنِهِ قَالَ - وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ دَيْنًا مِنَ التَّمْرِ، فَاشْتَدَّ عَلَيَّ بَعْضُ غُرَمَائِهِ فِي التَّقَاضِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ وَقُلْتُ: فَأُحِبُّ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ
يُنْظِرَنِي طَائِفَةً مِنْ تَمْرِهِ إِلَى هَذَا الصِّرَامِ الْمُقْبِلِ، قَالَ: نَعَمْ آتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الضِّيَافَةِ وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ فُلَانًا - لِغَرِيمِي الَّذِي اشْتَدَّ فِي الطَّلَبِ - فَجَاءَ فَقَالَ: أَنْظِرْ جَابِرًا طَائِفَةً مِنْ دَيْنِكَ الَّذِي عَلَى أَبِيهِ إِلَى الصِّرَامِ الْمُقْبِلِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، وَاعْتَلَّ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَالُ يَتَامَى.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إِلَّا الْبُسْتَانَ الْمَذْكُورَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ سِنِينَ) أَيْ فِي مُدَّةِ سِنِينَ (مَا عَلَيْهِ) أَيْ مِنَ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْلَا يَفْحُشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ فَمَشَى) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ فَوَصَلَ إِلَى الْحَائِطِ فَمَشَى. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى التَّصْرِيحُ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ فَقَالَ: اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ، فَفَعَلْتُ، فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ فِي الْبُيُوعِ اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا: الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ وَقَوْلُهُ: عَذْقَ زَيْدٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَزَيْدٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ اسْمٌ لِشَخْصٍ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ ابْتَدَأَ غِرَاسَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ أَجْوَدِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (بَيْدِرْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ، أَيِ اجْعَلِ التَّمْرَ فِي الْبَيَادِرِ كُلَّ صِنْفٍ فِي بَيْدَرٍ، وَالْبَيْدَرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ لِلتَّمْرِ كَالْجُرْنِ لِلْحَبِّ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَغَدَا عَلَيْنَا فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي تَمْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَفِي رِوَايَةِ الدِّيَالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ جَابِرٍ فَجَاءَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَاسْتَقْرَأَ النَّخْلَ، يَقُومُ تَحْتَ كُلِّ نَخْلَةٍ لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ، حَتَّى مَرَّ عَلَى آخِرِهَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ آخَرَ) أَيْ مَشَى حَوْلَ بَيْدَرٍ آخَرَ فَدَعَا، وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا فَقَالَ: أَفْرِغُوهُ أَيْ أَفْرِغُوهُ مِنَ الْبَيْدَرِ، وَفِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ ثُمَّ قَالَ: كِلْ لِلْقَوْمِ، فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ وَفِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: جُدَّ فَأَوْفِ الَّذِي لَهُ، فَجَدَّهُ بَعْدَمَا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (فَأَوْفَاهُمُ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ وَبَقِيَ تَمْرِي وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا بَقِيَّةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، وَيُجْمَعُ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْغُرَمَاءِ، فَكَانَ أَصْلُ الدَّيْنِ كَانَ مِنْهُ لِيَهُودِيٍّ ثَلَاثُونَ وَسْقًا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَأَوْفَاهُ وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْدَرِ سَبْعَةَ عَشْرَ وَسْقًا، وَكَانَ مِنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ أَشْيَاءُ أُخَرُ مِنْ أَصْنَافٍ أُخْرَى فَأَوْفَاهُمْ وَفَضَلَ مِنَ الْمَجْمُوعِ قَدْرَ الَّذِي أَوْفَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرٍ فَكِلْتُ لَهُ مِنَ الْعَجْوَةِ فَأَوْفَاهُ اللَّهُ وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، وَكِلْتُ لَهُ مِنْ أَصْنَافِ التَّمْرِ فَأَوْفَاهُ اللَّهُ وَفَضَلَ لَنَا
стр. 3788
مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مَا قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَعَنْهُ ثُمَّ دَعَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ أَيْ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَيْهِ فِي الْمُطَالَبَةِ لِعَدَاوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُهُمْ، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَهَا اللَّهُ وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ فِيهِ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْكَيْلَ جَمِيعَهُ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ التَّمْرَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَالَّذِي مَضَى ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَأَنَّ بَعْضَ التَّمْرِ نَقَصَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْكَيْلِ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَبَقِيَّتُهُ كَانَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْبَيَادِرِ الَّتِي أَوْفَى مِنْهَا بَعْضَ أَصْحَابِ الدَّيْنِ حَيْثُ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَلَمَّا انْصَرَفَ بَقِيَتْ آثَارُ بَرَكَتِهِ فَلِذَلِكَ أَوْفَى مِنْ أَحَدِ الْبَيَادِرِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَ سَبْعَةَ عَشَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ نُبَيْحٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: كِلْ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيَهُ وَفِي حَدِيثِهِ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ دَلَكَتْ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَانْدَفَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ لَهُ - أَيْ لِلْغَرِيمِ - قَرِّبْ أَوْعِيَتَكَ وَفِيهِ فَجِئْتُ أَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي شَرَارَةٌ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَلَّى، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَيْنَ عُمَرُ؟ فَجَاءَ يُهَرْوِلُ. فَقَالَ: سَلْ جَابِرًا عَنْ تَمْرِهِ وَغَرِيمِهِ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ سَيُوَفِّيهِ الْحَدِيثَ.
وَقِصَّةُ عُمَرَ قَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ فَفِيهَا: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِعُمَرَ: اسْمَعْ يَا عُمَرُ، قَالَ: أَلَّا نَكُونَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُبَارِكَنَّ اللَّهُ فِيهَا وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ: أَلَّا نَكُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَأَصْلُهَا أَنِ الْخَفِيفَةُ ضُمَّتْ إِلَيْهَا لَا النَّافِيَةُ، أَيْ هَذَا السُّؤَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَشُكُّ فِي الْخَبَرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَأَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِالرِّسَالَةِ فَأَنْتَجَ إِنْكَارُهُ ثُبُوتَ عِلْمِهِ بِهَا، وَهُوَ كَلَامٌ مُوَجَّهٌ، إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ ضَبَطَهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: النُّكْتَةُ فِي اخْتِصَاصِ عُمَرَ بِإعْلَامِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَنِيًا بِقِصَّةِ جَابِرٍ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مُسَاعِدًا لَهُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا مَشَى فِي النَّخْلِ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ التَّمْرَ الَّذِي فِيهِ لَا يَفِي بِبَعْضِ الدَّيْنِ، فَأَرَادَ إِعْلَامَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَاهَدَ أَوَّلَ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُشَاهِدْ. ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا حَتَّى نَطُوفَ بِنَخْلِكَ هَذَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَأَتَاهُ هُوَ وَعُمَرُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ خُذْ مِنْ جَابِرٍ وَأَخِّرْ عَنْهُ فَأَبَى، فَكَادَ عُمَرُ يَبْطِشُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْ يَا عُمَرُ، هُوَ حَقُّهُ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى نَخْلِكَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ائْتِنِي بِعُمَرَ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ سَلْ جَابِرًا عَنْ نَخْلِهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدِّيَالِ بْنِ حَرْمَلَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ جَمِيعًا كَانَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَخْبِرْ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَأَخْبَرْتُهُمَا الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ.
وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّ الْمَذْكُورَ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مِنْ تَمْرٍ، وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ دُيُونٌ أُخْرَى، فَلَمَّا حَضَرَ الْغُرَمَاءُ وَطَالَبُوا بِحُقُوقِهِمْ، وَكَالَ لَهُمْ جَابِرٌ التَّمْرَ فَفَضَلَ تَمْرُ الْحَائِطِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْءٌ، فَجَاءَ الْيَهُودِيُّ بَعْدَهُمْ
стр. 3789
فَطَالَبَ بِدَيْنِهِ فَجَدَّ لَهُ جَابِرٌ مَا بَقِيَ عَلَى النَّخَلَاتِ فَأَوْفَاه حَقَّهُ مِنْهُ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ مِنْهُ سَبْعَةَ عَشَرَ، انْتَهَى.
وَهَذَا الْجَمْعُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَفْضُلْ مِنَ الَّذِي فِي الْبَيَادِرِ شَيْءٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهَا فَضَلَتْ كُلُّهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي جَمَعْتُ بِهِ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ الِاسْتِنْظَارِ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ الْغَرِيمِ لِمَصْلَحَةِ الْمَالِ الَّذِي يُوَفَّى مِنْهُ، وَفِيهِ مَشْيُ الْإِمَامِ فِي حَوَائِجِ رَعِيَّتِهِ، وَشَفَاعَتِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ. وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ إِلَى أَنْ حَصَلَ بِهِ وَفَاءُ الْكَثِيرِ وَفَضَلَ مِنْهُ.
فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مِرَارٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ فَفُرِّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ: أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: فَعَرَفْنَا مِنْ الْعِرَافَةِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ أَضْيَافِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَحَدُ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ، عَنْ مُعْتَمِرٍ حَدَّثَنَا أَبِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (إنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ) سَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَنَّ الصُّفَّةَ مَكَانٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُظَلَّلٌ أُعِدَّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ فِيهِ وَيَقِلُّونَ بِحَسَبِ مَنْ يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسَافِرُ، وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فَزَادُوا عَلَى الْمِائَةِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةُ الْمَذْكُورِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ لِمُوَافَقَتِهَا لِسِيَاقِ بَاقِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَدَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْكُلَهُ فِي خَمْسَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَهَبَ بِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَةً أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُشْبِعُ الِاثْنَيْنِ يَسُدُّ رَمَقَ أَرْبَعَةٍ، وَوَجَّهَهَا النَّوَوِيُّ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمُّ مَنْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ فَلْيَذْهَبْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ، أَوْ كَمَا قَالَ) أَيْ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ مَعَ الْخَامِسِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ يَزِيدُ كُلَّ أَحَدٍ وَاحِدًا فَقَطْ أَنَّ عَيْشَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَثَلًا ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ الرَّابِعَ مِنْ قُوتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَةُ وَمَا فَوْقَهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ زِيدَتِ الْأَضْيَافُ بِعَدَدِ الْعِيَالِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْحَالِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ وَأَوْ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَوْ سَادِسٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ خَمْسٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ، فَحَذَفَ عَامِلَ الْجَرِّ وَأَبْقَى عَمَلَهُ، كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ صَالِحٍ وَإِنْ لَا صَالِحٍ فَطَالِحٍ، أَيْ إِنْ لَا أَمُرَّ بِصَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْتُ بِطَالِحٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَهُوَ أَوْجَهُ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ حَذْفَ فِعْلَيْنِ وَعَامِلَيْ جَرٍّ مَعَ بَقَاءِ عَمَلِهِمَا بَعْدَ إِنْ وَبَعْدَ الْفَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ اهـ. وَهَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ فَيَكُونُ حُذِفَ مِنْهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَالتَّقْدِيرُ أَوْ إِنْ قَامَ بِخَمْسَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً بِالنَّصْبِ لِلْأَكْبَرِ أَيْ أَخَذَ ثَلَاثَةً فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ تَكْرَارًا لِأَنَّ هَذَا
стр. 3790
بَيَانٌ لِابْتِدَاءِ مَا جَاءَ فِي نَصِيبِهِ، وَالْأَوَّلُ لِبَيَانِ مَنْ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ ثَلَاثَةٌ بِالرَّفْعِ وَقَدَّرَهُ وَأَبُو بَكْرٍ أَهْلُهُ ثَلَاثَةٌ أَيْ عَدَدُ أَضْيَافِهِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَخَذَ خَامِسًا وَسَادِسًا وَسَابِعًا فَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَخْذِهِ وَاحِدًا زَائِدًا عَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْثِرَ السَّابِعَ بِنَصِيبِهِ إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ أَوَّلًا مَعَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ أَيْ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وقَوْلُهُ: فَهُوَ أَيِ الشَّأْنُ، وَقَوْلُهُ: أَنَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَتَقْدِيرُهُ فِي الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأَتِي وَخَادِمِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَخَادِمٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، وَالْقَائِلُ هَلْ قَالَ هُوَ أَبُو عُثْمَانَ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ بَيْتِنَا) أَيْ خِدْمَتِهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلْخَادِمِ، وَأُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، وَاسْمُهَا زَيْنَبُ وَقِيلَ: وَعْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، قِيلَ: عُمَيْرَةُ، مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَارِثِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، كَانَتْ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ فَقَدِمَ مَكَّةَ فَمَاتَ وَخَلَّفَ مِنْهَا ابْنَهُ الطُّفَيْلَ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ رُومَانَ قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ وَمَعَهَا عَائِشَةُ، أَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ وَهِجْرَتُهُ إِلَى هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَدِمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ أَوْ أَوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ - وَالِدَةُ أَكْبَرِ أَوْلَادِهِ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدٍ - أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّةُ، وَالْخَادِمُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ حَيْثُ صَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعَ فَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ تَعَشِّيَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ بِعَكْسِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ حَالِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الطَّعَامِ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَالثَّانِي فِيهِ سِيَاقُ الْقِصَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ: الْأَوَّلُ تَعَشِّي الصِّدِّيقِ وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيِّ ﷺ .
وَالْأَوَّلُ مِنَ الْعَشَاءِ بِفَتْحِهَا أَيِ الْأَكْلِ، وَالثَّانِي بِكَسْرِهَا أَيِ الصَّلَاةِ، فَأَحَدُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى مَنْزِلِهِ لَبِثَ إِلَى وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَعَشَّى عِنْدَهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ صَرِيحَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ ثُمَّ رَجَعَ بِالْجِيمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّوَاةِ لِمَا سَأَذْكُرُهُ، وَظَاهِرُهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ثُمَّ رَجَعَ أَيْ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ: فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَكْرَارٌ وَفَائِدَتُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ تَأَخُّرَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِمِقْدَارِ أَنْ تَعَشَّى مَعَهُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَمَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ قِطْعَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ.
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ رَكَعَ بِالْكَافِ أَيْ صَلَّى النَّافِلَةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ: فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى فَقَطْ، وَفَائِدَتُهُ مَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ بِعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مِنَ النُّعَاسِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: إِنَّهُ الصَّوَابُ، وَبِهِ يَنْتَفِي التَّكْرَارُ مِنَ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ: لَبِثَ وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ تَعَلُّقِ اللُّبْثِ فَالْأَوَّلُ قَالَ: لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ قَالَ: فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَأَخَّرَ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ إِلَى بَيْتِهِ.
وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الْأَذَانِ بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ وَأَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ أَبِي بَكْرٍ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ
стр. 3791
وَضِيفَانِهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَوْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ إِلَيْكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافُكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ مِنْ أَضْيَافِكَ؟) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ أَضْيَافِكَ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضَيْفِكَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَاسْمُ الضَّيْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَمَا فَوْقَهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ هُوَ مَصْدَرٌ يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى وَالْجَمْعَ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوَعَشَّيْتَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَمَا عَشَّيْتَهُمْ بِزِيَادَةِ مَا النَّافِيَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَفِي بَعْضِهَا عَشَّيْتِيهِمْ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْخَدَمُ أَوِ الْأَهْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، (فَغَلَبُوهُمْ) أَيْ إنَّ آلَ أَبِي بَكْرٍ عَرَضُوا عَلَى الْأَضْيَافِ الْعَشَاءَ فَأَبَوْا فَعَالَجُوهُمْ فَامْتَنَعُوا حَتَّى غَلَبُوهُمْ.
وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ قَدْ عُرِّضُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ أُطْعِمُوا مِنَ الْعِرَاضَةِ وَهِيَ الْهَدِيَّةُ، قَالَهُ عِيَاضٌ، قَالَ: وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ الْقِيَاسَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُوَجِّهًا لِلتَّخْفِيفِ: أَيْ عُرِضَ الطَّعَامُ عَلَيْهِمْ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ فَهُوَ مِنَ الْقَلْبِ كَعَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ. وَوَقَعَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ عَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَرَصُوا بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ، قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا، وَوَجَّهَهَا غَيْرُهُ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ عَرَصَ إِذَا نَشِطَ، فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ نَشِطُوا فِي الْعَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.
وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ. قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ - أَيْ شَرًّا - فَأَبَوْا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَثْبُتَ النُّونُ فِي تَقْبَلُونَ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِهَا، وَضَبَطَهَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ الْوَجْهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ) أَيْ خَوْفًا مِنْ خِصَامِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ وَتَغَيُّظِهِ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ أَيْ يَغْضَبُ فَلَمَّا جَاءَ تَغَيَّبْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَسَكَتَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ) فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَا جِئْتَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَالِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ. قَالُوا: صَدَقَكَ قَدْ أَتَانَا. وَقَوْلُهُ: فَجَدَّعَ وَسَبَّ أَيْ دَعَا عَلَيْهِ بِالْجَدَعِ وَهُوَ قَطْعُ الْأُذُنِ أَوِ الْأَنْفِ أَوِ الشَّفَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ السَّبُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَجَزَّعَ بِالزَّايِ بَدَلَ الدَّالِ أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْجَزَعِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْفُ، وَقِيلَ: الْمُجَازَعَةُ الْمُخَاصَمَةُ فَالْمَعْنَى خَاصَمَ، وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَرَّطَ فِي حَقِّ الْأَضْيَافِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ أَدَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، وَسَبَّ أَيْ شَتَمَ. وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
قَوْلُهُ: غُنْثَرُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْمُثَلَّثَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ
стр. 3792
بَعْضِ شُيُوخِهِ فَتْحَ أَوَّلِهِ مَعَ فَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ عَنْتَرُ بِلَفْظِ اسْمِ الشَّاعِرِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ بالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا النُّونُ السَّاكِنَةِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ مَعْنَاهُ الذُّبَابُ، وَإنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَوْتِهِ فَشَبَّهَهُ بِهِ حَيْثُ أَرَادَ تَحْقِيرَهُ وَتَصْغِيرَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الثَّقِيلُ الْوَخِمُ وَقِيلَ: الْجَاهِلُ وَقِيلَ: السَّفِيهُ وَقِيلَ: اللَّئِيمُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغُثْرِ وَنُونُهُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ ذُبَابٌ أَزْرَقُ شَبَّهَهُ بِهِ لِتَحْقِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ كُلُوا) زَادَ فِي الصَّلَاةِ لَا هَنِيئًا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْ: لَا أَكَلْتُمْ هَنِيئًا، هُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: خَبَرٌ أَيْ لَمْ تَتَهَيَّئُوا فِي أَوَّلِ نُضْجِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْإِنْصَافُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَرَجِ وَالتَّغَيُّظِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَحَكَّمُوا عَلَى رَبِّ الْمَنْزِلِ بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِوَلَدِهِ مَعَ إِذْنِهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ رَغْبَتُهُمْ فِي التَّبَرُّكِ بِمُؤَاكَلَتِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْلَهُ لَا الْأَضْيَافَ، وَقِيلَ: لَمْ يُرِدِ الدُّعَاءَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ فَاتَهُمُ الْهَنَاءُ بِهِ إِذَا لَمْ يَأْكُلُوهُ فِي وَقْتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَقَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمَا مَنَعَكُمْ؟ قَالُوا: مَكَانُكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا. ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ؟ لَمْ تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ. هَاتِ طَعَامَكَ، فَوَضَعَ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُخَاطِبْ أَبُو بَكْرٍ أَضْيَافَهُ بِذَلِكَ إِنَّمَا خَاطَبَ أَهْلَهُ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَّا تَقْبَلُونَ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِتَخْفِيفِهَا.
قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) هَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ: يَجُوزُ الْقَطْعُ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَأَصْلُهُ أَيْمَنُ اللَّهِ فَالْهَمْزَةُ حِينَئِذٍ هَمْزَةُ قَطْعٍ لَكِنَّهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ خُفِّفَتْ فَوُصِلَتْ، وَحُكِيَ فِيهَا لُغَاتٌ: أَيْمُنُ اللَّهِ مُثَلَّثَةُ النُّونِ، وَمُنُ اللَّهِ مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الْأُولَى مُثَلَّثَةُ النُّونِ أَيْضًا، وَايْمُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَمُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا، وَأَمُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَلَيْسَ الْمِيمُ بَدَلًا مِنَ الْوَاوِ وَلَا أَصْلُهَا مِنْ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ. وَلَا أَيْمُنُ، جَمْعُ يَمِينٍ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا رَبَا) أَيْ زَادَ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَسْفَلِهَا) أَيِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا شَيْءٌ أَوْ أَكْثَرُ) وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا هِيَ شَيْءٌ أَيْ قَدْرَ الَّذِي كَانَ، كَذَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَوَقَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا هِيَ - أَيِ الْجَفْنَةُ - كَمَا هِيَ أَيْ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا أَوْ أَكْثَرُ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ مَا هَذَا وَخَاطَبَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ امْرَأَتَهُ أُمَّ رُومَانَ، وَبَنُو فِرَاسٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّقْدِيرُ يَا مَنْ هِيَ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى مَنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إِلَى قَبِيلَةٍ أَنَّهُ أَخُوهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ ضِمَامٌ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَارِثِ بْنِ غَنْمٍ وَهُوَ أَخُو فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ فَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ نَسَبَهَا إِلَى بَنِي فِرَاسٍ لِكَوْنِهِمْ أَشْهَرَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، وَيَقَعُ فِي النَّسَبِ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ، وَيُنْسَبُونَ أَحْيَانًا إِلَى أَخِي جَدِّهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى يَا أُخْتَ الْقَوْمِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى بَنِي فِرَاسٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَارِثَ أَخُو فِرَاسٍ فَأَوْلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِخْوَةٌ لِلْآخَرِينَ لِكَوْنِهِمْ فِي دَرَجَتِهِمْ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ قِيلَ فِي أُمِّ رُومَانَ: إِنَّهَا مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ لَا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَعْدٍ لَهَا نَسَبًا إِلَّا إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ غَنْمٍ سَاقَ
стр. 3793
لَهَا نَسَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي) قُرَّةُ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمَسَرَّةِ وَرُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيُوَافِقُهُ، يُقَالُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنَهُ قَرَّتْ أَيْ سَكَنَتْ حَرَكَتُهَا مِنَ التَّلَفُّتِ لِحُصُولِ غَرَضِهَا فَلَا تَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَامَ اللَّهُ عَيْنَكَ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ أَيْ أَنَّ عَيْنَهُ بَارِدَةٌ لِسُرُورِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ: دَمْعَةُ الْحُزْنِ حَارَّةٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي ضِدِّهِ أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمُّ رُومَانَ بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهَا مِنَ السُّرُورِ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيقِ ﵁. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَقْسَمَتْ بِهِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَلَا فِي قَوْلِهَا: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي زَائِدَةٌ أَوْ نَافِيَةٌ عَلَى حَذْفٍ، تَقْدِيرُهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ مَا أَقُولُ.
قَوْلُهُ: (لَهِيَ) أَيِ الْجَفْنَةُ أَوِ الْبَقِيَّةُ (أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ) كَذَا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلُ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَ (أَكْثَرُ) لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ، يَعْنِي يَمِينَهُ) كَذَا هُنَا وَفِيهِ حَذْفٌ تَقَدَّمَهَا تَقْدِيرُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ، يَعْنِي الْحَامِلَ عَلَى يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَهَا فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ وَهُوَ أَوْجَهُ.
وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: هَذِهِ اللُّقْمَةُ الَّتِي أَكَلَ أَيْ هَذِهِ اللُّقْمَةُ لِقَمْعِ الشَّيْطَانِ وَإِرْغَامِهِ. لِأَنَّهُ قَصَدَ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْيَمِينَ إِيقَاعَ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَضْيَافِهِ، فَأَخْزَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، فَقَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا السِّيَاقِ خَطَأٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ هَذِهِ أَنَّ سَبَبَ أَكْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا رَآهُ مِنَ الْبَرَكَةِ فِيهِ فَرَغِبَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ، وَأَعْرَضَ عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ لَمَّا رَجَحَ عِنْدَهُ مِنَ التَّنَاوُلِ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَرِيرِيِّ تَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ أَكْلِهِ مِنَ الطَّعَامِ لِجَاجُ الْأَضْيَافِ وَحَلِفِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَطْعَمُونَ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يَأْكُلَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا أَوْجَهَ، لَكِنْ يُمْكِنُ رَدُّ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ لَا عَلَى الْقِصَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ حَلِفَ الْأَضْيَافِ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ لَا مِنْ أَبِيهِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَدَبِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمُوهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ اللُّقْمَةَ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ أَكَلَ لِأَجْلِ تَحْلِيلِ يَمِينِهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْبَرَكَةَ الظَّاهِرَةَ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهَا لِتَحْصُلَ لَهُ وَقَالَ كَالْمُعْتَذِرِ عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَزَالَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْحَرَجِ، فَعَادَ مَسْرُورًا، وَانْفَكَّ الشَّيْطَانُ مَدْحُورًا. وَاسْتَعْمَلَ الصِّدِّيقُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ فَحَنَّثَ نَفْسَهُ زِيَادَةً فِي إِكْرَامِ ضِيفَانِهِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ أَكْلِهِمْ، وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ قُدْرَةً مِنْهُمْ عَلَى الْكَفَّارَةِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرُّوا وَحَنِثْتَ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَخَيْرُهُمْ. قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَكَأَنَّ سَبَبَ حَذْفِهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ فِيهَا إِدْرَاجًا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا فَأُخْبِرْتُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَنَّهُ أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَخْ وَقَوْلُهُ: (أَبَرُّهُمْ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ بِرًّا أَيْ طَاعَةً، وَقَوْلُهُ: (وَخَيْرُهُمْ) أَيْ لِأَنَّكَ حَنِثْتَ فِي يَمِينِكَ حِنْثًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مَطْلُوبًا فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي يَمِينِ اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ
стр. 3794
مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُجُودِ، فَلِمَنْ أَثْبَتَ الْكَفَّارَةَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى نَزَلَتِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ قَبْلَ الْحِنْثِ، فَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا حَلَفَ أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَضْمَرَ وَقْتًا مُعَيَّنًا أَوْ صِفَةً مَخْصُوصَةً، أَيْ لَا أَطْعَمُهُ الْآنَ أو لَا أَطْعَمُهُ مَعَكُمْ أَوْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ هَلْ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ فِي النَّفْسِ أَمْ لَا؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا يَمِينٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَلَا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) أَيِ الْجَفْنَةُ عَلَى حَالِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا فِي اللَّيْلِ لِكَوْنِ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ) كَذَا هُوَ هُنَا مِنَ التَّفْرِيقِ أَيْ جَعَلَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَقَرَيْنَا بِقَافٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مِنَ الْقِرَى وَهُوَ الضِّيَافَةُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) كَذَا لِلْمُصَنِّفِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ اثْنَيْ عَشَرَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْأَوَّلُ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَجْعَلُ الْمُثَنَّى بِالرَّفْعِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَفُرِّقْنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَارْتَفَعَ اثْنَا عَشَرَ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ) يَعْنِي أَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِمِ اثْنَا عَشَرَ عَرِّيفًا لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ كَانَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ عَرِّيفٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ - أَيْ مَعَ كُلِّ نَاسٍ - عَرِّيفًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) هُوَ شَكٌّ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ فِي لَفْظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ الْجَيْشِ أَكَلُوا مِنْ تِلْكَ الْجَفْنَةِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ تَمَامَ الْبَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْبَرَكَةِ فِيهَا، وَأَمَّا انْتِهَاؤُهَا إِلَى أَنْ تَكْفِيَ الْجَيْشَ كُلَّهُمْ فَمَا كَانَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَصْعَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَمَا زَالُوا يَتَدَاوَلُونَهَا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الظُّهْرِ يَأْكُلُ قَوْمٌ، ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَتَعَاقَبُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَلْ كَانَتْ تُمَدُّ بِطَعَامٍ؟ قَالَ: أَمَّا مِنَ الْأَرْضِ فَلَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَانَتْ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَصْعَةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ مَا وَقَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ الْتِجَاءُ الْفُقَرَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُوَاسَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلْحَاحٌ وَلَا إِلْحَافٌ وَلَا تَشْوِيشٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ مُوَاسَاتِهِمْ عِنْدَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَفِيهِ التَّوْظِيفُ فِي الْمَخْمَصَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْغَيْبَةِ عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالضَّيْفِ إِذَا أُعِدَّتْ لَهُمُ الْكِفَايَةُ، وَفِيهِ تَصَرُّفُ الْمَرْأَةِ فِيمَا تُقَدِّمُ لِلضَّيْفِ وَالْإِطْعَامُ بِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنَ الرَّجُلِ، وَفِيهِ جَوَازُ سَبِّ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَالتَّمْرِينِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَتَعَاطِيهِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ، وَفِيهِ تَوْكِيدُ الرَّجُلِ الصَّادِقِ لِخَبَرِهِ بِالْقَسَمِ، وَجَوَازُ الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِطَعَامِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَفِيهِ عَرْضُ الطَّعَامِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْبَرَكَةُ عَلَى الْكِبَارِ وَقَبُولُهُمْ ذَلِكَ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ظَنَّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَرَّطَ فِي أَمْرِ الْأَضْيَافِ فَبَادَرَ إِلَى سَبِّهِ وَقَوَّى الْقَرِينَةَ عِنْدَهُ اخْتِبَاؤُهُ مِنْهُ، وَفِيهِ مَا يَقَعُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَوْلِيَائِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ
стр. 3795
خَاطِرَ أَبِي بَكْرٍ تَشَوَّشَ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ وَأَهْلُهُ وَأَضْيَافُهُ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ، وَتَكَدَّرَ خَاطِرُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْحَرَجِ بِالْحَلِفِ وَبِالْحِنْثِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ، فَتَدَارَكَ اللَّهُ ذَلِكَ وَرَفَعَهُ عَنْهُ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي أَبْدَاهَا لَهُ، فَانْقَلَبَ ذَلِكَ الْكَدَرُ صَفَاءً وَالنَّكَدُ سُرُورًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وُقُوعُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِي الْحَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَوْلُهُ: وَعَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ عَنْ أَنَسٍ عَالِيًا وَنَازِلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ ثَابِتٍ وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِطَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ هَذِهِ
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ يَقُولُ فَعَرَّفَنَا) وَهُوَ مِنَ الْعِرَافَةِ، وَكَذَا اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَلْ قَالَ: فَرَّقَنَا أَوْ عَرَّفَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَعَرَّفَنَا مِنَ الْعِرَافَةِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَسُمِّيَ الْعَرِّيفُ عَرِّيفًا لِأَنَّهُ يُعَرِّفُ الْإِمَامَ أَحْوَالَ الْعَسْكَرِ. وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَعَرَّفَنَا، قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُمْ وَإِرْسَالُهُمْ قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (هَلَكَتِ الْكُرَاعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَحُكِيَ عَنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ كَسْرُهَا وَخُطِّئَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَيْلُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْحَقِيقَةُ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمِثْلِ الزُّجَاجَةِ) أَيْ مِنْ شِدَّةِ الصَّفَاءِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ السَّحَابِ.
قَوْلُهُ: (فَهَاجَتْ رِيحٌ أَنْشَأَتْ سَحَابًا) قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: نَشَأَ السَّحَابُ إِذَا ارْتَفَعَ وَأَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَابَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ قُلْتُ: الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الثَّانِي، وَنِسْبَةُ الْإِنْشَاءِ إِلَى الرِّيحِ مَجَازِيَّةٌ وَذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْكُلَّ بِإِنْشَاءِ اللَّهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّ الرِّيحَ تُلَقِّحُ السَّحَابَ.
قَوْلُهُ: (عَزَالَيْهَا) بِالزَّايِ الْخَفِيفَةِ وَاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةٌ عَزْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَتَفْسِيرُهَا قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مَا يُقَرِّبُ أَنَّهُ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، وَمَا يُوَضِّحُ أَنَّ الَّذِي قَامَ أَوَّلًا هُوَ الَّذِي قَامَ ثَانِيًا، وَأَنَّ أَنَسًا جَزَمَ بِهِ تَارَةً وَشَكَّ فِيهِ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (تَصَدَّعَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَتَصَدَّعُ وَهُوَ الْأَصْلُ.
قَوْلُهُ: (إِكْلِيلٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ هِيَ الْعِصَابَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالرَّأْسِ، وَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِصَابَةُ مُكَلَّلَةً بِالْجَوْهَرِ وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُ مَا أَحَاطَ بِالظُّفْرِ مِنَ اللَّحْمِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ وَاسْمُهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخُو أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا. وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
٣٥٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا قَالَ إِنْ شِئْتُمْ فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَصَاحَتْ
стр. 3796
النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ قَالَ كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا".
٣٥٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: "كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ".
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ فِي حَنِينِ الْجِذْعِ، أَوْرَدَهُ عَنْهُمَا مِنْ طُرُقٍ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ وَاسْمُهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ تَسْمِيَةُ أَبِي حَفْصٍ لَمْ أَرَهَا إِلَّا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَلَاءِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَفْصٍ فِي الْكُنَى هَذَا الْحَدِيثَ فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَلَاءِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ وَلَمْ يَقُلِ اسْمُهُ عُمَرُ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ أَبِي غَسَّانَ قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ الْعَلَاءِ يُكَنَّى أَبَا غَسَّانَ، قَالَ الْحَاكِمُ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمَا أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى عُمَرَ وَالْآخَرُ يُسَمَّى مُعَاذًا وَحَدَّثَا مَعًا عَنْ نَافِعٍ بِحَدِيثِ الْجِذْعِ أَوْ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ غَيْرُ مَحْفُوظٌ، لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ أَوْلَادِ الْعَلَاءِ أَبُو عَمْرٍو صَاحِبُ الْقِرَاءَاتِ وَأَبُو سُفْيَانَ، وَمُعَاذٌ، فَأَمَّا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ فَلَا أَعْرِفُهُ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ لِمُعَاذٍ وَلَا لِعُمَرَ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ فَهُوَ أَشْهَرُ الْإِخْوَةِ وَأَجَلُّهُمْ، وَهُوَ إِمَامُ الْقِرَاءَاتِ بِالْبَصْرَةِ، وَشَيْخُ الْعَرَبِيَّةِ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةٌ وَلَا ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ، وَأَمَّا أَخُوهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْعَلَاءِ فَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ السَّكَنِ، عَنْ مُعَاذٍ فَأَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ أَفْعَلْ لَمَا سَكَنَ نَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ بِلَفْظِ لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلِأَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ. وَأَصْلُهُ فِي التِّرْمِذِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ وَيُدْفَنَ وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حَنِينِ هَذِهِ الْخَشَبَةِ؟ فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَسَمِعُوا مِنْ حَنِينِهَا حَتَّى كَثُرَ بُكَاؤُهُمْ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: كَانَ يَقُومُ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَقَامَ إِلَى نَخْلَةٍ، وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَالْخِلَافُ فِي اسْمِهَا
стр. 3797
وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ:، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) عَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا لَمْ أَرَ مَنْ تَرْجَمَ لَهُ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، إِلَّا أَنَّ الْمِزِّيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ، وَقَالُوا: كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْحَمِيدِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ تَخْفِيفًا، وَقَدْ رَاجَعْتُ الْمَوْجُودَ مِنْ مُسْنَدِهِ وَتَفْسِيرِهِ فَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ، نَعَمْ وَجَدْتُهُ مِنْ حَدِيثِ رَفِيقِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ الْمَشْهُورِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ وَهُوَ أَخُو أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ الْقَارِئِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ نَافِعٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ سَمِعْتُ نَافِعًا.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ) هُوَ النَّبِيلُ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ) يَعْنِي عَبْدَ الْعَزِيزِ وَرَوَّادُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ اسْمُهُ مَيْمُونٌ، وَطَرِيقُ أَبِي عَاصِمٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ مُطَوَّلًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، مُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (دُفِعَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِالدَّالِ وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (فَضَمَّهُ إِلَيْهِ) أَيِ الْجِذْعَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَضَمَّهَا أَيِ الْخَشَبَةَ.
قَوْلُهُ: فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ حَفْصٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ لِأَنَّهُ فِي طَبَقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ) أَيْ إنَّ الْجُذُوعَ كَانَتْ لَهُ كَالْأَعْمِدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا) أَيْ حِينَ يَخْطُبُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ.
قَوْلُهُ: (كَصَوْتِ الْعِشَارِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ جَمْعُ عُشَرَاءَ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَالْعُشَرَاءُ النَّاقَةُ الَّتِي انْتَهَتْ فِي حَمْلِهَا إِلَى عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي الْكَبِيرِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ الْخَلُوجِ انْتَهَى.
وَالْخَلُوجُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ النَّاقَةُ الَّتِي انْتُزِعَ مِنْهَا وَلَدُهَا، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَحَنَّتِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ الْوَالِدِ، وَفِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى عَنْدَ الدَّارِمِيِّ خَارَ ذَلِكَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالدَّارِمِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ خَارَ الْجِذْعُ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ وَفِي حَدِيثِهِ فَأَخَذَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ذَلِكَ الْجِذْعَ لَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى بَلِيَ وَعَادَ رُفَاتًا وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ بَعْدَ الْهَدْمِ عِنْدَ التَّنْظِيفِ فَأَخَذَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فَتَكُونَ كَمَا كُنْتَ - يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جِذْعًا - وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْرَبَ مِنْ أَنْهَارِهَا فَيَحْسُنَ نَبْتُكَ وَتُثْمِرَ فَيَأْكُلَ مِنْكَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اخْتَارَ أَنْ أَغْرِسَهُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قِصَّةُ حَنِينِ الْجِذْعِ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي حَمَلَهَا الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَرِوَايَةُ الْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ فِيهَا كَالتَّكَلُّفِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمَادَاتِ قَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ لَهَا إِدْرَاكًا كَالْحَيَوَانِ بَلْ كَأَشْرَفِ الْحَيَوَانِ، وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِقَوْلِ مَنْ يَحْمِلُ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَادٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا، فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، قَالَ: أَعْطَى مُحَمَّدًا حَنِينَ الْجِذْعِ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ، فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ.
٣٥٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ
стр. 3798
قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ. قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ. قُلْنَا: عَلِمَ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
٣٥٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٨٨ - "وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ وَالنَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ".
٣٥٨٩ - "وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَانْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ".
٣٥٩٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنْ الأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الأُنُوفِ صِغَارَ الأَعْيُنِ وُجُوهُهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ". تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
٣٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي قَيْسٌ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ".
٣٥٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٩٣ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ
стр. 3799
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِ الْفِتْنَةِ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ غُنْدَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - وَهُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ - جَامِعُ بْنِ شَدَّادٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّوْمِ، وَوَافَقَ شَقِيقًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ؟) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الصَّلَاةِ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ، فَفِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ: سَأَلَ عُمَرُ أَمْسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاةِ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) فِي الزَّكَاةِ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ (١).
قَوْلُهُ: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَوَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمِ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْبَشَرِ ; أَوْ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ، وَالْجَوَابُ الْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ. وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفَّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنَ الْبَحْثِ فِي هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاقُدِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا لَا نَفْيَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَةُ التَّكْفِيرِ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الرَّجُلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ صَاحِبُ الْحُكْمِ فِي دَارِهِ وَأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْحُكْمِ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ، بَلْ نَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ صَاحِبَهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُكَفِّرَاتُ لَا تَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهَا، فَذَكَرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَفْعَالِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْمَالِ стр. 3800
الصَّدَقَةَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَقْوَالِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ) أَيِ الْفِتْنَةَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَالْفِتْنَةَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُرِيدُ الْفِتْنَةَ، وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ أَيْ مُرَادِيَ الْفِتْنَةُ.
قَوْلُهُ: (تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أَيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ.
قَوْلُهُ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَاةِ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَسْوَدَ كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بَابًا مُغْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ يُقْتَلُ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْقَتْلِ انْتَهَى.
وَفِي لَفْظِ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ مَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ، وَمَثَّلَ حَيَاةَ عُمَرَ بِبَابٍ لَهَا مُغْلَقٌ، وَمَثَّلَ مَوْتَهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ، فَمَا دَامَتْ حَيَاةُ عُمَرَ مَوْجُودَةً فَهِيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ لَا يَخْرُجُ مِمَّا هُوَ دَاخِلُ تِلْكَ الدَّارِ شَيْءٌ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ) زَادَ فِي الصِّيَامِ ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْغَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحِ، فَأَمَّا إِذَا انْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَلْقُهُ حَتَّى يُجْبَرَ انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ بِالْفَتْحِ وَعَنِ الْقَتْلِ بِالْكَسْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ كَسْرًا لَا أَبَا لَكَ لَكِنْ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ، فَإِنَّ فِيهِ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَوُقُوعِ الْبَأْسِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ وَافَقَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَعْنَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ أَبُو ذَرٍّ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ لَقِيَ عُمَرَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: أَرْسِلْ يَدِي يَا قُفْلَ الْفِتْنَةِ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَا يُصِيبُكُمْ فِتْنَةٌ مَا دَامَ فِيكُمْ وَأَشَارَ إِلَى عُمَرَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: يَا غَلْقَ الْفِتْنَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَرَرْتُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَذَا غَلْقُ الْفِتْنَةِ، لَا يَزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ.
قَوْلُهُ: (قُلْنَا عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ) فِي رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ مَسْرُوقٌ، لِحُذَيْفَةَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أَيْ أَنَّ لَيْلَةَ غَدٍ أَقْرَبُ إِلَى الْيَوْمِ مِنْ غَدٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ حُذَيْفَةَ، وَالْأَغَالِيطُ جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ وَهُوَ مَا يُغَالَطُ بِهِ، أَيْ حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لَا عَنِ اجْتِهَادٍ وَلَا رَأْيٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ الْبَابُ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِرَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، فَقَالَ: اثْبُتْ ; فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بَلْ يُكْسَرُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ عَلِمَ الْبَابَ بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَلَعَلَّ حُذَيْفَةَ حَضَرَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ.
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ
стр. 3801
قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مَاتُوا قَبْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ عُمَرُ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ؟ فَالْجَوَابُ أَن ذَلِكَ يَقَعُ مِثْلُهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يُذَكِّرُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَهِبْنَا) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ خِفْنَا، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ تَأَدُّبِهِمْ مَعَ كِبَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَقَدَّمَ قَوْلُهُ إِنَّ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ عُمَرَ بَابًا فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَرُ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَجَوُّزًا، وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ حَيَاةِ عُمَرَ، أَوْ بَيْنَ نَفْسِ عُمَرَ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَدَنُهُ ; لِأَنَّ الْبَدَنَ غَيْرُ النَّفْسِ.
(تَنْبِيهٌ):
غَالِبُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَهَلُمَّ جَرَّا يَتَعَلَّقُ بِإِخْبَارِهِ ﷺ عَنِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ فَوَقَعَتْ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْيَسِيرُ مِنْهَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي نُزُولِ السَّكِينَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ سُرَاقَةَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الَّذِي ارْتَدَّ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا قِتَالُ التُّرْكِ، وَقَدْ أَتَى رَدُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثَانِيهَا حَدِيثُ: تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَتَجِدُونَ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا إِلَّا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي فَأَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمَعْنَى.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ النَّاسُ مَعَادِنُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ أَيْضًا. رَابِعُهَا حَدِيثُ: يَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ وَقَعَ لِلْجَمِيعِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ لَكِنْ وَقَعَ لِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي عَرْضَةِ بَغْدَادَ أَحَدِهِمْ بِالْهَاءِ، وَالصَّوَابُ بِالْكَافِ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى.
وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ تَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ فِيهَا عَمَّا لَا يَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، لَا سِيَّمَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ كَانَ يَوَدُّ لَوْ كَانَ رَآهُ وَفَقَدَ مِثْلَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا يَتَمَنَّى مِثْلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِهِمْ مَعَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ فِيهِ
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ: قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَهِمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَالَهُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَكِرْمَانَ) هُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِ اشْتُهِرَ بِالْكَسْرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِبَلَدِنَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِالْفَتْحِ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ وَقَبِلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَجَزَمَ بِالْكَسْرِ الْأَصِيلِيُّ، وَعَبْدُوسٌ، وَتَبِعَ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ، يَاقُوتٌ، وَالصَّغَانِيُّ، لَكِنْ نَسَبَ الْكَسْرَ لِلْعَامَّةِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْوَجْهَيْنِ وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تُقَاتِلُونَ التُّرْكَ وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّ خُوزًا وَكِرْمَانَ لَيْسَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، أَمَّا خُوزٌ فَمِنْ بِلَادِ الْأَهْوَازِ وَهِيَ مِنْ عِرَاقِ الْعَجَمِ.
وَقِيلَ: الْخُوزُ صِنْفٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَّا كِرْمَانُ فَبَلْدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ أَيْضًا بَيْنَ خُرَاسَانَ وَبَحْرِ الْهِنْدِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَوْرَ كِرْمَانَ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْإِضَافَةِ وَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ حَدِيثِ قِتَالِ التُّرْكِ، وَيَجْتَمِعُ مِنْهُمَا الْإِنْذَارُ بِخُرُوجِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ
стр. 3802
وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ.
قَوْلُهُ: (حُمْرُ الْوُجُوهِ فُطْسُ الْأُنُوفِ) الْفَطَسُ الِانْفِرَاشُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا دُلْفُ الْأُنُوفِ جَمْعُ أَدْلَفَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّغَرُ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ الِاسْتِوَاءُ فِي طَرَفِ الْأَنْفِ لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظٍ، وَقِيلَ: تَشْمِيرُ الْأَنْفِ عَنِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَدُلْفُ بِسُكُونِ اللَّامِ جَمْعُ أَدْلَفَ مِثْلُ حُمْرٍ وَأَحْمَرَ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ غِلَظٌ فِي الْأَرْنَبَةِ وَقِيلَ: تَطَامُنٌ فِيهَا، وَقِيلَ: ارْتِفَاعُ طَرَفِهِ مَعَ صِغَرِ أَرْنَبَتِهِ، وَقِيلَ: قِصَرُهُ مَعَ انْبِطَاحِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: إِنَّ بِلَادَهُمْ مَا بَيْنَ مَشَارِقِ خُرَاسَانَ إِلَى مَغَارِبِ الصِّينِ وَشِمَالِ الْهِنْدِ إِلَى أَقْصَى الْمَعْمُورِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ بِالتِّرَسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرِهَا وَبِالْمُطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا.
قَوْلُهُ: (نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ طُولُ شُعُورِهِمْ حَتَّى تَصِيرَ أَطْرَافُهَا فِي أَرْجُلِهِمْ مَوْضِعَ النِّعَالِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ نِعَالَهُمْ مِنَ الشَّعْرِ بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالَهُمْ مِنْ شَعْرٍ مَضْفُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنْدُسُ الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيشِ، قَالَ: وَهُوَ جِلْدُ كَلْبِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَابَعَهُ عَبْدَةُ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَجَعَلَهُ أَحْمَدُ حَدِيثَيْنِ فَصَلَ آخِرَهُ فَقَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا أَقْوَامًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَانَا قَرَابَةٌ قَالَ سُفْيَانُ: وَهُمْ - أَيْ آلُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - مَوَالِي لِأَحْمُسَ، فَاجْتَمَعَتْ أَحْمُسُ، قَالَ قَيْسٌ: فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَؤُلَاءِ أَنْسَابُكَ أَتَوْكَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْكَ وَتُحَدِّثَهُمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلًا صَحِبْتُ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ سِنِينَ) كَذَا وَقَعَ وَفِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي صَفَرٍ، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ فَتَكُونُ الْمُدَّةُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَزِيَادَةٌ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ صَحِبْتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اعْتَبَرَ الْمُدَّةَ الَّتِي لَزِمَ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ الْمُلَازَمَةَ الشَّدِيدَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ خَيْبَرَ، أَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْأَوْقَاتَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا سَفَرُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ وَحَجِّهِ وَعُمَرِهِ، لِأَنَّ مُلَازَمَتَهُ لَهُ فِيهَا لَمْ تَكُنْ كَمُلَازَمَتِهِ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ، أَوِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِقَيْدِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْحِرْصِ، وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا الْحِرْصُ الْمَذْكُورُ، أَوْ وَقَعَ لَهُ لَكِنْ كَانَ حِرْصُهُ فِيهَا أَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَيْ فِي سِنِي عُمْرِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي شَيْءٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَاحِدُ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلُهُ (أَحْرَصَ مِنِّي) هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَالْأَفْضَلُ الْمُدَّةُ الَّتِي هِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَالْمَفْضُولُ بَقِيَّةُ عُمْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ مَا كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي فِيهِنَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ، وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ) وَقَعَ ضَبْطُ الْأُولَى بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ وَفِي الثَّانِيَةِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ
стр. 3803
عَلَى الرَّاءِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ، وَعَبْدُوسٍ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّاءِ، وَبِهِ جَزَمَ الْأَصِيلِيُّ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: مَعْنَاهُ الْبَارِزِينَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيِ الظَّاهِرِينَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِ عَلِيٍّ أَنَّهُ بَارِزٌ وَظَاهِرٌ، وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ، تَقُولُ الْعَرَبُ هَذَا الْبَارِزُ إِذَا أَشَارَتْ إِلَى شَيْءٍ ضَارٍّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُ سُفْيَانَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ تَقْدِيمُ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَعَكْسُهُ تَصْحِيفٌ كَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي مِنَ الْبَارِزِ وَهُوَ السُّوقُ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَهُمْ أَهْلُ الْبَارِزِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ سُفْيَانَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُمْ هَذَا الْبَارِزُ؛ يَعْنِي الْأَكْرَادَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبَارِزُ الدَّيْلَمُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْكُنُونَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوِ الْجِبَالِ وَهِيَ بَارِزَةٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْضُ فَارِسَ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْفَاءَ مُوَحَّدَةً وَالزَّايَ سِينًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي الْبَاءِ وَالزَّايِ، وَقِيلَ: الْبَارِزُ نَاحِيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ كِرْمَانَ بِهَا جِبَالٌ فِيهَا أَكْرَادٌ، فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِاسْمِ بِلَادِهِمْ، أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ أَهْلٍ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، فَكَأَنَّهُ أَبْدَلَ السِّينَ زَايًا؛ أَيْ وَالْفَاءَ بَاءً. وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ حَدِيثُ: اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَامِلِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِالتُّرْكِ وَهَزَمَهُمْ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْرِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ التُّرْكَ تُجْلِي الْعَرَبَ حَتَّى تُلْحِقَهَا بِمَنَابِتِ الشِّيخ، قَالَ: فَأَنَا أَكْرَهُ قِتَالَهُمْ لِذَلِكَ. وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَسْدُودًا إِلَى أَنْ فُتِحَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَثُرَ السَّبْيُ مِنْهُمْ وَتَنَافَسَ الْمُلُوكُ فِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِ الْمُعْتَصِمِ مِنْهُمْ.
ثُمَّ غَلَبَ الْأَتْرَاكُ عَلَى الْمُلْكِ فَقَتَلُوا ابْنَهُ الْمُتَوَكِّلَ، ثُمَّ أَوْلَادَهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ خَالَطَ الْمَمْلَكَةَ الدَّيْلَمُ، ثُمَّ كَانَ الْمُلُوكُ السَّامَانِيَّةُ مِنَ التُّرْكِ أَيْضًا، فَمَلَكُوا بِلَادَ الْعَجَمِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْمَمَالِكِ آلُ سَبَكْتَكِينَ ثُمَّ آلُ سُلْجُوقَ وَامْتَدَّتْ مَمْلَكَتُهُمْ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالرُّومِ، ثُمَّ كَانَ بَقَايَا أَتْبَاعِهِمْ بِالشَّامِ وَهُمْ آلُ زَنْكِي وَأَتْبَاعُ هَؤُلَاءِ وَهُمْ بَيْتُ أَيُّوبَ، وَاسْتَكْثَرَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا مِنَ التُّرْكِ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَمْلَكَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحِجَازِيَّةِ، وَخَرَجَ عَلَى آلِ سُلْجُوقَ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ الْغُزُّ فَخَرَّبُوا الْبِلَادَ وَفَتَكُوا فِي الْعِبَادِ، ثُمَّ جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى بِالطَّطَرِ فَكَانَ خُرُوجُ جِنْكِيزْخَانْ بَعْدَ السِّتّمِائَةِ فَأُسْعِرَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا نَارًا خُصُوصًا الْمَشْرِقَ بِأَسْرِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَلَدٌ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَهُ شَرُّهُمْ، ثُمَّ كَانَ خَرَابُ بَغْدَادَ وَقَتْلُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ آخِرِ خُلَفَائِهِمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بَقَايَاهُمْ يُخَرِّبُونَ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُمُ اللَّنْكَ - وَمَعْنَاهُ الْأَعْرَجُ، وَاسمهُ تَمُرُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَرُبَّمَا أُشْبِعَتْ - فَطَرَقَ الدِّيَارَ الشَّامِيَّةَ وَعَاثَ فِيهَا، وَحَرَقَ دِمَشْقَ حَتَّى صَارَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، وَدَخَلَ الرُّومَ وَالْهِنْدَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَطَالَتْ مُدَّتُهُ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ اللَّهُ وَتَفَرَّقَ بَنُوهُ الْبِلَادَ، وَظَهَرَ بِجَمِيعِ مَا أَوْرَدْتُهُ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ بَنِي قَنْطُورَا أَوَّلُ مَنْ سَلَبَ أُمَّتِي مُلْكَهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِبَنِي قَنْطُورَا التُّرْكُ، وَقَنْطُورَا قَيَّدَهُ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي الْمُعَرَّبِ بِالْمَدِّ وَفِي كِتَابِ الْبَارِعِ بِالْقَصْرِ، قِيلَ: كَانَتْ جَارِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَانْتَشَرَ مِنْهُمُ التُّرْكُ؛ حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَأَمَّا شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ فَجَزَمَ بِهِ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ السُّودَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنَ الْجِهَادِ
стр. 3804
بَقِيَّةُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّةَ النَّسَبِ لَا أُمَّةَ الدَّعْوَةِ؛ يَعْنِي الْعَرَبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ بِمَا فِيهِ غِنْيَةٌ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْجِهَادِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ، الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ الْيَهُودِ.
قَوْلُهُ: (تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: يَنْزِلُ الدَّجَّالُ هَذِهِ السَّبْخَةَ - أَيْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ - ثُمَّ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَ شِيعَتَهُ، حَتَّى إِنَّ الْيَهُودِيَّ لَيَخْتَبِئُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَالْحَجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرَةُ لِلْمُسْلِمِ: هَذَا يَهُودِيٌّ فَاقْتُلْهُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقِتَالِ الْيَهُودِ وُقُوعُ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ وَنَزَلَ عِيسَى، وَكَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى، وَفِيهِ: وَرَاءَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى. فَيُدْرِكُهُ عِيسَى عِنْدَ بَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ الْيَهُودُ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ - لِلْمُسْلِمِ - هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي الْحَدِيثِ ظُهُورُ الْآيَاتِ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ مِنْ كَلَامِ الْجَمَادِ مِنْ شَجَرَةٍ وَحَجَرٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَنْطِقُ حَقِيقَةً. وَيَحْتَمِلُ الْمَجَازَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُفِيدُهُمْ الِاخْتِبَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَفِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَبْقَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ جَوَازُ مُخَاطَبَةِ الشَّخْصِ، وَالْمُرَادُ مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ، لِأَنَّ الْخِطَابَ كَانَ لِلصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانُوا مُشْتَرِكِينَ مَعَهُمْ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ نَاسَبَ أَنْ يُخَاطَبُوا بِذَلِكَ.
٣٥٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَغْزُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ ﷺ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ".
٣٥٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ - قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ؟ - وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى. قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ. وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟
стр. 3805
فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ. قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقّ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ عَدِيًّا: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
٣٥٩٦ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ لَانْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ خَزَائِنَ مَفَاتِيحِ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ بَعْدِي أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا".
٣٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: "أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ الْآطَامِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي أَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ".
٣٥٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ حَدَّثَتْهَا عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".
٣٥٩٩ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ".
٣٦٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "قَالَ لِي: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَتَتَّخِذُهَا فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْغَنَمُ فِيهِ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ
стр. 3806
الْجِبَالِ أَوْ سَعَفَ الْجِبَالِ فِي مَوَاقِعِ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ
٣٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ".
[الحديث ٣٦٠١ - طرفاه في: ٧٠٨١، ٧٠٨٢]
٣٦٠٢ - وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا إِلاَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ مِنْ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
٣٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ".
[الحديث ٣٦٠٣ - طرفه في: ٧٠٥٢]
٣٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ". قَالَ مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ.
[الحديث ٣٦٠٤ - طرفاه في: ٣٦٠٥، ٧٠٥٨]
٣٦٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَسَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقُ يَقُولُ هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مَرْوَانُ غِلْمَةٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ".
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ فِيهِ، الْحَدِيثُ يَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمَا.
стр. 3807
مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (الظَّعِينَةُ) بِالْمُعْجَمَةِ: الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْهَوْدَجِ.
قَوْلُهُ: (الْحِيرَةُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ كَانَتْ بَلَدُ مُلُوكِ الْعَرَبِ الَّذِينَ تَحْتَ حُكْمِ آلِ فَارِسَ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ يَوْمَئِذٍ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ وَلِيَهَا مِنْ تَحْتِ يَدِ كِسْرَى بَعْدَ قَتْلِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَلِهَذَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ مَقَاتِبُ طَيِّئٍ وَرِجَالُهَا؟ وَمَقَاتِبُ بِالْقَافِ جَمْعُ مَقْتَبٍ؛ وَهُوَ الْعَسْكَرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْفُرْسَانِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَدِيٍّ: فِي غَيْرِ جَوَازِ أَحَدٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ؟) الدُّعَّارُ جَمْعُ دَاعِرٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ الشَّاطِرُ الْخَبِيثُ الْمُفْسِدُ، وَأَصْلُهُ عُودٌ دَاعِرٌ إِذَا كَانَ كَثِيرَ الدُّخَانِ. قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: وَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، فَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَعْنَى الْفَزَعِ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَالْمُرَادُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ. وَطَيِّئٌ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ، مِنْهَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْمَذْكُورُ، وَبِلَادُهُمْ مَا بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ، وَكَانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوَازٍ، وَلِذَلِكَ تَعَجَّبَ عَدِيٌّ؛ كَيْفَ تَمُرُّ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِمْ وَهِيَ غَيْرُ خَائِفَةٍ؟!
قَوْلُهُ: (قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ)؛ أَيْ: أَوْقَدُوا نَارَ الْفِتْنَةِ، أَيْ مَلَؤوا الْأَرْضَ شَرًّا وَفَسَادًا، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنَ اسْتِعَارِ النَّارَ؛ وَهُوَ تَوَقُّدُهَا.
قَوْلُهُ: (كُنُوزُ كِسْرَى) وَهُوَ عَلَمٌ عَلَى مَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ، لَكِنْ كَانَتِ الْمَقَالَةُ فِي زَمَنِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعَظَمَةِ كِسْرَى فِي نَفْسِهِ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ)؛ أَيْ لِعَدَمِ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵇. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَخْرَجَ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّمَا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، أَلَا وَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِينَا بِالْمَالِ الْعَظِيمِ فَيَقُولُ: اجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ فِي الْفُقَرَاءِ، فَمَا يَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ يَتَذَكَّرُ مَنْ يَضَعُهُ فِيهِ فَلَا يَجِدُهُ، قَدْ أَغْنَى عُمَرُ النَّاسَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ تَصْدِيقُ مَا رُوِينَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، انْتَهَى. وَلَا شَكَّ فِي رُجْحَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ.
قَوْلُهُ: (بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ نِصْفِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ. وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ: فَمَنْ يَجِدْ شِقَّ تَمْرَةٍ؛ قَالَ الْمُسْتَمْلِي: شِقَّةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مَقُولُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَوْلُهُ: (يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ - أَيْ مِنَ الْمَالِ - فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ) رِوَايَةُ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَآمَنَ بِهِ عَدِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَتَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، يُقَالُ: اسْمُهُ سَعِيدٌ، وَسَعْدَانُ لَقَبُهُ. وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ وَلَا لِشَيْخِ شَيْخِهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ) هُوَ سَعْدٌ الطَّائِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ المعجمة بَعْدَهَا لَامٌ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ. وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ مَتْنِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا) هَذَا
стр. 3808
مِمَّا حُذِفَ فِيهِ لَفْظُ إنَّهُ وَهِيَ تُحْذَفُ كَثِيرًا مِنَ الْخَطِّ وَلَا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ بِهَا وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ نَبَّهُوا عَلَى حَذْفِ قَالَ خَطًّا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ بِهَا، وَفِيهِ بَحْثٌ ذَكَرْتُهُ فِي النُّكَتِ، وَوَقَعَ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ أَنَّ بَدَلَ عَنْ.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْجَنَائِزِ، وَقَوْلُهُ: (أَلَا وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ. . . إِلَخْ) هُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَوَقَعَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: خَزَائِنَ مَفَاتِيحِ عَلَى الْقَلْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ وَالْمَغَازِي بِلَفْظِ: مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) فِيهِ إِنْذَارٌ بِمَا سَيَقَعُ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ ﷺ ، وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ بَعْدَهُ وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَحَاسَدُوا وَتَقَاتَلُوا وَوَقَعَ مَا هُوَ الْمُشَاهَدُ الْمَحْسُوسُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّا يَشْهَدُ بِمِصْدَاقِ خَبَرِهِ ﷺ ، وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ فَرَطُهُمْ؛ أَيْ سَابِقُهُمْ، وَكَانَ كَذَلِكَ. وَأَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يُشْرِكُونَ بَعْدَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَوَقَعَ مَا أَنْذَرَ بِهِ مِنَ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا، وَتَقَدَّمَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي مَعْنَاهُ، فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ وَفُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ الْكَثِيرَةُ وَصُبَّتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا صَبًّا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَعْضِهِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مَعَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى إِسْنَادِ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَهُوَ أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْفِتَنِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْغَنَمُ فِيهِ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى، وَرِوَايَتُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ لَا عَنْ أَبِي صَعْصَعَةَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ آبَائِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: شَعَفُ الْجِبَالِ أَوْ سَعَفُ الْجِبَالِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْأُولَى أَوِ الْمُهْمَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالَّتِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهَا رُءُوسُ الْجِبَالِ، وَالَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهَا جَرِيدُ النَّخْلِ، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ إِلَى تَوْهِيمِهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا عَلَى إِرَادَةِ تَشْبِيهِ أَعْلَى الْجَبَلِ بِأَعْلَى النَّخْلَةِ، وَجَرِيدُ النَّخْلِ يَكُونُ غَالِبًا أَعْلَى مَا فِي النَّخْلَةِ لِكَوْنِهَا قَائِمَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي الْفِتَنِ، وَقَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) هُوَ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الزُّهْرِيِّ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ)؛ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخَ الزُّهْرِيِّ. وَقَوْلُهُ: يَزِيدُ مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ زَادَ هَذَا مُرْسَلًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَادَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ
стр. 3809
الْأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ الَّذِي وَلِيَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَتَابِعِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَشَيْخُهُ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ صَحَابِيٌّ قَلِيلُ الْحَدِيثِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ جَاوَزَ الْمِائَةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ خَالُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعٍ الرَّاوِي عَنْهُ.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: اسْمُ أُمِّهِ كُلْثُومٌ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُفَسَّرًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ نَوْفَلَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ فَذَكَرَ مِثْلَ لَفْظِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَزَادَ: قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي ذَلِكَ مَشْرُوحًا، وَهُوَ شَاهِدٌ لِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ هُنَا اسْتِطْرَادًا لِوُقُوعِهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَرَادَ إِيرَادَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَتَكُونُ أَثَرَةٌ، يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قُرَيْشٍ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي الْفِتَنِ.
وَقَوْلُهُ هُنَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: قَالَ مَحْمُودٌ:، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْرِيحَ أَبِي التَّيَّاحِ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبُو دَاوُدَ هَذَا هُوَ الطَّيَالِسِيُّ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا، وَمَحْمُودٌ هَذَا هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ أَحَدُ مَشَايِخِهِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ نَزَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ دَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي أُسَامَةَ، لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى مِنْ شَيْخِ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي أسامة، وَهُمَا مِمَّنْ أَكْثَرَ عَنْهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَكَأَنَّهُ فَاتَهُ عَنْهُمَا. وَنَزَلَ فِيهِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ شُعْبَةَ دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمَةٌ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَعَجَّبَ مَرْوَانُ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ غِلْمَةٍ، فَأَجَابَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنْ شِئْتَ صَرَّحْتُ بِأَسْمَائِهِمْ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفِتَنِ، فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ مَرْوَانَ لَمْ يُورِدْهَا مَوْرِدَ التَّعَجُّبِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ هُنَاكَ: فَقَالَ مَرْوَانُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً، فَظَهَرَ أَنَّ فِي هَذَا الطَّرِيقِ اخْتِصَارًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَجَّبَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَيَلْعَنَهُمْ مَعَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ هذا الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ. قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، ومَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ
стр. 3810
لَنَا. فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ.
[الحديث ٣٦٠٦ - طرفاه في: ٣٦٠٧، ٧٠٨٤]
٣٦٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ".
٣٦٠٨ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ".
٣٦٠٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ".
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ عَنِ الْخَيْرِ، يَأْتِي فِي الْفِتَنِ مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ، وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الطَّرِيقِ الْآخَرِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِ: كَانَ النَّاسُ.
الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ الْحَدِيثَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِي الثَّانِيَةِ ذِكْرُ الدَّجَّالِينَ، وَهُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ مِنْ صَحِيفَةِ هَمَّامٍ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَوْلُهُ: (فِئَتَانِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ تَثْنِيَةُ فِئَةٍ؛ أَيْ جَمَاعَةٍ، وَوَصَفَهُمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْعِظَمِ أَيْ بِالْكَثْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا مَنْ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ لَمَّا تَحَارَبَا بِصِفِّينَ. وَقَوْلُهُ: (دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)؛ أَيْ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَتَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُحِقُّ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذْ ذَاكَ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَلَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بَايَعُوهُ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَتَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَمَعَهُمَا عَائِشَةُ إِلَى الْعِرَاقِ فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى طَلَبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمُ انْضَمُّوا إِلَى عَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمْ فَرَاسَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُمْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ دَعْوَى مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ وَثُبُوتِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرَحَلَ عَلِيٌّ بِالْعَسْكَرِ طَالِبًا الشَّامَ، دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ شُبَهِهِمْ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ بِمَا تَقَدَّمَ، فَرَحَلَ مُعَاوِيَةُ بِأَهْلِ الشَّامِ فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ ، وَآلَ الْأَمْرُ بِمُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ ظُهُورِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمْ إِلَى طَلَبِ التَّحْكِيمِ،
стр. 3811
ثُمَّ رَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْحَرُورِيَّةُ فَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَهُ بِالْعَسَاكِرِ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الْآتِي فِي الْفِتَنِ: إِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ جَمِيعِ ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الْحَادِي والعشرون حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُبْعَثَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ؛ أَيْ يُخْرَجَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ مَعْنَى الْإِرْسَالِ الْمُقَارِنِ لِلنُّبُوَّةِ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: (دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ) الدَّجَلُ التَّغْطِيَةُ وَالتَّمْوِيهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَذِبِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا كَذَّابُونَ تَأْكِيدٌ. وَقَوْلُهُ: (قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ) كَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: قَرِيبٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ الْجَزْمَ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا دجَالًا، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَسْمِيَةَ بَعْضِ الْكَذَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ بِلَفْظِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا؛ مِنْهُمْ: مُسَيْلِمَةُ، وَالْعَنْسِيُّ، وَالْمُخْتَارُ. قُلْتُ: وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي آخِرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَالْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَسَجَاحُ التَّمِيمِيَّةُ فِي بَنِي تَمِيمٍ، وَفِيهَا يَقُولُ شَبِيبُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَكَانَ مُؤَدِّبَهَا:
أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا
وَقُتِلَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَنُقِلَ أَنَّ سَجَاحَ أَيْضًا تَابَتْ، وَأَخْبَارُ هَؤُلَاءِ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْأخْبَارِيِّينَ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيَّ؛ غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَظْهَرَ مَحَبَّةَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَلَبِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ، فَتَبِعَهُمْ فَقَتَلَ كَثِيرًا مِمَّنْ بَاشَرَ ذَلِكَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ فَأَحَبَّهُ النَّاسُ، ثُمَّ إنه زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: كُنْتُ أَبْطَنَ شَيْءٍ بِالْمُخْتَارِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ: دَخَلْتَ وَقَدْ قَامَ جِبْرِيلُ قَبْلُ مِنْ هَذَا الْكُرْسِيِّ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ أَرَاهُ كِتَابَ الْمُخْتَارِ إِلَيْهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَتَرَى الْمُخْتَارَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ مِنَ الرُّءُوسِ. وَقُتِلَ الْمُخْتَارُ سَنَةَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ. وَمِنْهُمُ الْحَارِثُ الْكَذَّابُ؛ خَرَجَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقُتِلَ. وَخَرَجَ فِي خِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً لِكَوْنِ غَالِبِهِمْ يَنْشَأُ لَهُمْ ذَلِكَ عَنْ جُنُونٍ أَوْ سَوْدَاءَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ قَامَتْ لَهُ شَوْكَةٌ وَبَدَتْ لَهُ شُبْهَةٌ كَمَنْ وَصَفْنَا، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقُهُ بِأَصْحَابِهِ وَآخِرُهُمُ الدَّجَّالُ الْأَكْبَرُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٦١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا إذ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ. فَقَالَ: وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ! قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ
стр. 3812
إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ - وَهُوَ قِدْحُهُ - فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ.
٣٦١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَانْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
[الحديث ٣٦١١ - أطرافه في: ٥٠٥٧، ٦٩٣٠]
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْرى ذِي الْخُوَيْصِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي قِصَّةِ عَادٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَلْتُ عَلَى شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي وَهُوَ فِي أَوَاخِرِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلًا، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ خَالِدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَأَلَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ هُنَا: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا لَيْسَتِ الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِتَعْقِيبِ الْأَخْبَارِ، وَالْحُجَّةُ لِذَلِكَ ظَاهِرَةٌ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا يُجَاوِزُ)، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِكَوْنِهِ لَا تَفْقَهُهُ قُلُوبُهُمْ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ تِلَاوَتَهُمْ لَا تَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْلَامُ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدِّينِ الطَّاعَةَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْخَطَّابِيُّ. وَقَوْلُهُ: (الرَّمِيَّةُ) بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ؛ وَهُوَ الصَّيْدُ الْمَرْمِيُّ، شَبَّهَ مُرُوقَهُمْ مِنَ الدِّينِ بِالسَّهْمِ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ فَيَدْخُلُ فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ، وَمِنْ شِدَّةِ سُرْعَةِ خُرُوجِهِ لِقُوَّةِ الرَّامِي لَا يَعْلَقُ مِنْ جَسَدِ الصَّيْدِ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ: (يَنْظُرُ فِي نَصْلِهِ)؛ أَيْ حَدِيدَةِ السَّهْمِ، وَرِصَافِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ؛ أي عَصَبُهُ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ مَدْخَلِ النّ صْلِ، وَالرِّصَافُ جَمْعٌ وَاحِدُهُ رِصَفَةٌ بِحَرَكَاتٍ.
وَنَضِيِّهِ بِفَتْحِ النُّونِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، قَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْقِدْحِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ؛ أَيْ عُودُ السَّهْمِ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُنَصَّلَ، وَقِيلَ: هُوَ مَا بَيْنَ الرِّيشِ وَالنَّصْلِ؛ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ
стр. 3813
لِأَنَّهُ بُرِيَ حَتَّى عَادَ نِضْوًا؛ أَيْ هَزِيلًا. وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ النَّضِيَّ النَّصْلُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالْقُذَذُ بِضَمِّ الْقَافِ وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ جَمْعُ قُذَّةٍ وَهِيَ رِيشُ السَّهْمِ، يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قُذَّةٌ، وَيُقَالُ: هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُجْعَلُ عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (آيَتُهُمْ)؛ أَيْ عَلَامَتُهُمْ. وَقَوْلُهُ: (بَضْعَةٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ. وَقَوْلُهُ: (تُدَرْدِرُ) بِدَالَيْنِ وَرَاءَيْنِ مُهْمَلَاتٍ؛ أَيْ تَضْطَرِبُ، وَالدَّرْدَرَةُ صَوْتٌ إِذَا انْدَفَعَ سُمِعَ لَهُ اخْتِلَاطٌ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ)؛ أَيْ زَمَانِ فُرْقَةٍ، وَهُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ؛ أَيِ افْتِرَاقٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى خَيْرِ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ؛ أَيْ أَفْضَلَ، وَفِرْقَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ طَائِفَةٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُخْتَصَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ. وَفِي هَذَا وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَأُتِيَ بِهِ؛ أَيْ بِذِي الْخُوَيْصِرَةِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ، يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ أَسْوَدَ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ. . . إِلَخْ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: النَّعْتُ يَخْتَصُّ بِالْمَعَانِي كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْعَمَى وَالْخَرَسِ، وَالصِّفَةُ بِالْفِعْلِ كَالضَّرْبِ وَالْجُرُوحِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّعْتُ لِلشَّيْءِ الْخَاصِّ، وَالصِّفَةُ أَعَمُّ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الْخَوَارِجِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ. وَقَوْلُهُ: سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ، قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ صَاحِبُ النَّسَائِيِّ: لَيْسَ يَصِحُّ لِسُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: (الْحَرْبُ خَدْعَةٌ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَشَرْحُهُ فِي الْجِهَادِ. وَقَوْلُهُ: (حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ)؛ أَيْ صِغَارُهَا، وَسُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ؛ أَيْ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ. وَقَوْلُهُ: (يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ)؛ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَبْلَهُ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ خَرَجُوا بِهَا قَوْلُهُمْ: لَا حَكَمَ إِلَّا اللَّهُ، وَانْتَزَعُوهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهَا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَإِنَّ قَتْلَهُمْ.
٣٦١٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَني يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ - قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.
[الحديث ٣٦١٢ - طرفاه في: ٣٨٥٢، ٦٦٤٣]
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ خَبَّابٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَجَاء كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْجِيمِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَالْفَيْحُ الْبَابُ الْوَاسِعُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صَنْعَاءَ الْيَمَنِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ حَضْرَمَوْتَ مِنَ الْيَمَنِ أَيْضًا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ نَحْوَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صَنْعَاءَ الشَّامِ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا
стр. 3814
أَبْعَدُ بِكَثِيرٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، قَالَ يَاقُوتٌ: هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى بَابِ دِمَشْقَ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ تَتَّصِلُ بِالْعَقِيبَةِ. قُلْتُ: وَسُمِّيَتْ بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ.
٣٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ: فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
[الحديث ٣٦١٣ - طرفه في: ٤٨٤٦]
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَزْهَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَزْهَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ أَزْهَرَ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ بَدَلَ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الْوَهْمُ. قُلْتُ: لَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ قَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي أَنَّ الْحَدِيثَ لِابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى لَا عَنْ ثُمَامَةَ.
قَوْلُهُ: (افْتُقِدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ)؛ أَيِ ابْنُ شَمَّاسٍ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ آشْتَكَى؟ فَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ كَانَ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْحُفَّاظُ بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ فِي زَمَنِ الْوفُودِ بِسَبَبِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وذلك سَنَةَ خَمْسٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّةِ ثَابِتٍ مُجَرَّدُ رَفْعِ الصَّوْتِ وَالَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّةِ الْأَقْرَعِ أَوَّلُ السُّورَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَدْ نَزَلَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ سَابِقًا أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. وَفِي السِّيَاقِ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ إِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ: حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَعَدَ ثَابِتٌ يَبْكِي، فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَا يُغَايِرُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ
стр. 3815
بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ جَارِي الْحَدِيثَ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ مِنْ قَبِيلَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَهُوَ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ جَارَهُ مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ: أَلَا بِلَامٍ بَدَلَ النُّونِ، وَهِيَ لِلتَّنْبِيهِ. وَقَوْلُهُ: أَعْلَمُ لَكَ؛ أَيْ لِأَجْلِكَ. وَقَوْلُهُ: عِلْمَهُ؛ أَيْ خَبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ) كَذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَهُوَ الْتِفَاتٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا)؛ أَيْ مِثْلَ مَا قَالَ ثَابِتٌ إنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُوسَى، لَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُتَّصِلًا بِلَفْظِ: قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ) هِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنَّمَا يَتِمُّ الْغَرَضُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ أَيْ مِنْ إِيرَادِهِ فِي بَابِ عَلَامَةِ النُّبُوَّةِ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ، أَيِ الَّذِي مَضَى فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا؛ يَعْنِي وَظَهَرَ بِذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ : إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِكَوْنِهِ اسْتُشْهِدَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ إِشَارَةً لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَأَنَا جَهِيرٌ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُ ﵊: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ سَعِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيُّ الْإِسْنَادِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَلْحَقْ ثَابِتًا.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إنَّ ثَابِتًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُعْضَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ فَوْقَهُ أَحَدًا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي آخِرِهِ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَعْبُدُونَ، وَأُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَصْنَعُونَ. قَالَ: وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى ثُلْمَةٍ فَقَتَلَهُ وَقُتِلَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِي بَعْضِنَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَأَقْبَلَ وَقَدْ تَكَفَّنَ وَتَحَنَّطَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَالَتْ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ دَخَلَ ثَابِتٌ بَيْتَهُ فَأَغْلَقَ بَابَهُ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَفِيهَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : تَعِيشُ حَمِيدًا وَتَمُوتُ شَهِيدًا، وَفِيهَا: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ.
стр. 3816
٣٦١٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ.
[الحديث ٣٦١٤ - طرفاه في: ٤٨٣٩، ٥٠١١]
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَتَمَّ مِنْهُ.
٣٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي. قَالَ: فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عليه فَرْوَةً وَقُلْتُ له: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ، وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - أَوْ مَكَّةَ. قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ: انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ.
فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتْ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا - أُرَى فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ - فَقَالَ: إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا. فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا.
стр. 3817
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَعْضِهِ فِي آخِرِ اللُّقَطَةِ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي أَوَّلِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ، وَشَيْخُهُ الْآخَرُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا وَأَقْدَمُ سَمَاعًا وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ يُعْرَفُ بِالْوَرْتَنِّيسيِّ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ - وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ الْبَزَّارُ: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ تَامًّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا زُهَيْرٌ وَأَخُوهُ خَدِيجٌ، وَإِسْرَائِيلُ، وَرَوَى شُعْبَةُ مِنْهُ قِصَّةَ اللَّبَنِ خَاصَّةً، انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ مُطَوَّلًا أَيْضًا حَفِيدُهُ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِصَّةَ سُرَاقَةَ، وَزَادَ فِيهِ قِصَّةً غَيْرَهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أَيِ الصِّدِّيقُ (إِلَى أَبِي) هُوَ عَازِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَوْسِيُّ، مِنْ قُدَمَاءِ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، هُوَ لِلنَّاقَةِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ.
قَوْلُهُ: (ابْعَثِ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي، قَالَ: فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا؟) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ: إنَّ عَازِبًا امْتَنَعَ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِهِ مَعَ أَبِي بِكْرٍ حَتَّى يُحَدِّثَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالْحَدِيثِ، وَهِيَ زِيَادَةُ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٍ لَا تُنَافِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُ أَبِي؛ أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَحْمِلَهُ مَعَهُ، أَوْ أَعَادَ عَازِبٌ سُؤَالَ أَبِي بَكْرٍ عَنِ التَّحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَأَجَابَهُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا) هَكَذَا اسْتَعْمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ سَرَوتُ وَأَسْرَيْتُ فِي سَيْرِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَتَنَا)؛ أَيْ بَعْضَهَا، وَذَلِكَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ الْغَارِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفِيهَا أَنَّهُمَا لَبِثَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الْغَدِ فِيهِ تَجَوُّزٌ ; لِأَنَّ السَّيْرَ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ سَيْرُ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)؛ أَيْ نِصْفُ النَّهَارِ، وَسُمِّيَ قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ، فَكَأَنَّهُ وَاقِفٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا؛ أَيْ: دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ)؛ أَيْ ظَهَرَتْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا)؛ أَيْ عَلَى الصَّخْرَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ؛ أَيْ عَلَى الظِّلِّ.
قَوْلُهُ: (وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً) هِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ شَيْءٌ مِنَ الْحَشِيشِ الْيَابِسِ، لَكِنْ يُقَوِّي الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ: فَفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً مَعِي، وَفِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ فِي جُزْءِ لُوَيْنٍ: فَرْوَةً كَانَتْ مَعِي.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) يَعْنِي مِنَ الْغُبَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُثِيرَهُ عَلَيْهِ الرِّيحُ، وَقِيلَ: مَعْنَى النَّفْضِ هُنَا الْحِرَاسَةُ، يُقَالُ: نَفَضْتُ الْمَكَانَ إِذَا نَظَرْتُ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي؛ هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا؟.
قَوْلُهُ: (لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي؛ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ؟ وَكَأَنَّ الشَّكَّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ زُهَيْرٍ فَقَالَ فِيهِ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَشُكَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ: فَسَمَّى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يَشُكَّ. وَالْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ مَكَّةُ، وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةَ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ تُسَمَّى الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهَا: يَثْرِبُ. وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَبْعُدُوا فِي الْمُرَاعِي هَذِهِ الْمَسَافَةَ الْبَعِيدَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَكُونُوا يَسْكُنُونَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ لُبٍّ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ لَابِنٍ؛ أَيْ ذَوَاتُ لَبَنٍ.
قَوْلُهُ: (أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ: أَمَعَكَ إِذْنٌ فِي
стр. 3818
الْحَلْبِ لِمَنْ يَمُرُّ بِكَ عَلَى سَبِيلِ الضِّيَافَةِ؟ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمَاضِي فِي أَوَاخِرِ اللُّقَطَةِ، وَهُوَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ أَبُو بَكْرٍ أَخْذَ اللَّبَنِ مِنَ الرَّاعِي بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِ الْغَنَمِ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا عَرَفَهُ عَرَفَ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِصَدَاقَتِهِ لَهُ أَوْ إِذْنِهِ الْعَامِّ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: انْفُضِ الضَّرْعَ)؛ أَيْ ثَدْيَ الشَّاةِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ: وَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً؛ أَيْ وَضَعَ رِجْلَهَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ يَمْنَعُهَا مِنَ الْحَرَكَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ (١)) فِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرْتُ الرَّاعِيَ فَحَلَبَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ تَجَوَّزٌ فِي قَوْلِهِ: فَحَلَبْتُ، وَمُرَادُهُ أَمَرْتُ بِالْحَلْبِ.
قَوْلُهُ: (كُثْبَةً) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ قَدْرَ قَدَحٍ، وَقِيلَ: حَلْبَةً خَفِيفَةً، وَيُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَعَلَى الْجَرْعَةِ تَبْقَى فِي الْإِنَاءِ وَعَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُجْتَمِعٍ.
قَوْلُهُ: (وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ.
قَوْلُهُ: (فَارْتَطَمَتْ) بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمُهَا.
قَوْلُهُ: (أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ) أَيِ الرَّاوِي؛ هَلْ قَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَمْ لَا؟ وَالْجَلَدُ بِفَتْحَتَيْنِ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ زُهَيْرٍ فِي قَوْلِ سُرَاقَةَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَخُو زُهَيْرٍ: وَنَحْنُ فِي أَرْضٍ شَدِيدَةٍ كَأَنَّهَا مُجَصَّصَةٌ، فَإِذَا بِوَقْعٍ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا سُرَاقَةُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: كَلَّا، ثُمَّ دَعَا بِدَعَوَاتٍ. وَسَتَأْتِي قِصَّةُ سُرَاقَةَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ نَفْسِهِ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ الْبَرَاءِ، فَلِذَلِكَ أَخَّرْتُ شَرْحَهَا إِلَى مَكَانِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَفِيهِ فَوَائِدُ أُخْرَى يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
٣٦١٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلَا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ". فَقال النبي ﷺ : "فَنَعَمْ إِذًا".
[الحديث ٣٦١٦ - أطرافه في: ٥٦٥٦، ٥٦٦٢، ٧٤٧٠]
٣٦١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ". следующие страницы →