Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3814–3853 · переход к 3819.
стр. 3814
أَبْعَدُ بِكَثِيرٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، قَالَ يَاقُوتٌ: هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى بَابِ دِمَشْقَ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ تَتَّصِلُ بِالْعَقِيبَةِ. قُلْتُ: وَسُمِّيَتْ بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ.
٣٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ: فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
[الحديث ٣٦١٣ - طرفه في: ٤٨٤٦]
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَزْهَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَزْهَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ أَزْهَرَ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ بَدَلَ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الْوَهْمُ. قُلْتُ: لَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ قَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي أَنَّ الْحَدِيثَ لِابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى لَا عَنْ ثُمَامَةَ.
قَوْلُهُ: (افْتُقِدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ)؛ أَيِ ابْنُ شَمَّاسٍ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ آشْتَكَى؟ فَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ كَانَ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْحُفَّاظُ بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ فِي زَمَنِ الْوفُودِ بِسَبَبِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وذلك سَنَةَ خَمْسٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّةِ ثَابِتٍ مُجَرَّدُ رَفْعِ الصَّوْتِ وَالَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّةِ الْأَقْرَعِ أَوَّلُ السُّورَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَدْ نَزَلَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ سَابِقًا أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. وَفِي السِّيَاقِ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ إِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ: حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَعَدَ ثَابِتٌ يَبْكِي، فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَا يُغَايِرُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ
стр. 3815
بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ جَارِي الْحَدِيثَ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ مِنْ قَبِيلَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَهُوَ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ جَارَهُ مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ: أَلَا بِلَامٍ بَدَلَ النُّونِ، وَهِيَ لِلتَّنْبِيهِ. وَقَوْلُهُ: أَعْلَمُ لَكَ؛ أَيْ لِأَجْلِكَ. وَقَوْلُهُ: عِلْمَهُ؛ أَيْ خَبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ) كَذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَهُوَ الْتِفَاتٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا)؛ أَيْ مِثْلَ مَا قَالَ ثَابِتٌ إنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُوسَى، لَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُتَّصِلًا بِلَفْظِ: قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ) هِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنَّمَا يَتِمُّ الْغَرَضُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ أَيْ مِنْ إِيرَادِهِ فِي بَابِ عَلَامَةِ النُّبُوَّةِ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ، أَيِ الَّذِي مَضَى فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا؛ يَعْنِي وَظَهَرَ بِذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ : إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِكَوْنِهِ اسْتُشْهِدَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ إِشَارَةً لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَأَنَا جَهِيرٌ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُ ﵊: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ سَعِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيُّ الْإِسْنَادِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَلْحَقْ ثَابِتًا.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إنَّ ثَابِتًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُعْضَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ فَوْقَهُ أَحَدًا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي آخِرِهِ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَعْبُدُونَ، وَأُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَا يَصْنَعُونَ. قَالَ: وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى ثُلْمَةٍ فَقَتَلَهُ وَقُتِلَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِي بَعْضِنَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَأَقْبَلَ وَقَدْ تَكَفَّنَ وَتَحَنَّطَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَالَتْ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ دَخَلَ ثَابِتٌ بَيْتَهُ فَأَغْلَقَ بَابَهُ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَفِيهَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : تَعِيشُ حَمِيدًا وَتَمُوتُ شَهِيدًا، وَفِيهَا: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ.
стр. 3816
٣٦١٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ.
[الحديث ٣٦١٤ - طرفاه في: ٤٨٣٩، ٥٠١١]
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَتَمَّ مِنْهُ.
٣٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي. قَالَ: فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عليه فَرْوَةً وَقُلْتُ له: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ، وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - أَوْ مَكَّةَ. قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ: انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ.
فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتْ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا - أُرَى فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ - فَقَالَ: إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا. فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا.
стр. 3817
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَعْضِهِ فِي آخِرِ اللُّقَطَةِ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي أَوَّلِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ، وَشَيْخُهُ الْآخَرُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا وَأَقْدَمُ سَمَاعًا وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ يُعْرَفُ بِالْوَرْتَنِّيسيِّ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ - وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ الْبَزَّارُ: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ تَامًّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا زُهَيْرٌ وَأَخُوهُ خَدِيجٌ، وَإِسْرَائِيلُ، وَرَوَى شُعْبَةُ مِنْهُ قِصَّةَ اللَّبَنِ خَاصَّةً، انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ مُطَوَّلًا أَيْضًا حَفِيدُهُ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِصَّةَ سُرَاقَةَ، وَزَادَ فِيهِ قِصَّةً غَيْرَهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أَيِ الصِّدِّيقُ (إِلَى أَبِي) هُوَ عَازِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَوْسِيُّ، مِنْ قُدَمَاءِ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، هُوَ لِلنَّاقَةِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ.
قَوْلُهُ: (ابْعَثِ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي، قَالَ: فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا؟) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ: إنَّ عَازِبًا امْتَنَعَ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِهِ مَعَ أَبِي بِكْرٍ حَتَّى يُحَدِّثَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالْحَدِيثِ، وَهِيَ زِيَادَةُ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٍ لَا تُنَافِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُ أَبِي؛ أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَحْمِلَهُ مَعَهُ، أَوْ أَعَادَ عَازِبٌ سُؤَالَ أَبِي بَكْرٍ عَنِ التَّحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَأَجَابَهُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا) هَكَذَا اسْتَعْمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ سَرَوتُ وَأَسْرَيْتُ فِي سَيْرِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَتَنَا)؛ أَيْ بَعْضَهَا، وَذَلِكَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ الْغَارِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفِيهَا أَنَّهُمَا لَبِثَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الْغَدِ فِيهِ تَجَوُّزٌ ; لِأَنَّ السَّيْرَ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ سَيْرُ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)؛ أَيْ نِصْفُ النَّهَارِ، وَسُمِّيَ قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلَّ لَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ، فَكَأَنَّهُ وَاقِفٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا؛ أَيْ: دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ)؛ أَيْ ظَهَرَتْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا)؛ أَيْ عَلَى الصَّخْرَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ؛ أَيْ عَلَى الظِّلِّ.
قَوْلُهُ: (وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً) هِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ شَيْءٌ مِنَ الْحَشِيشِ الْيَابِسِ، لَكِنْ يُقَوِّي الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ: فَفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً مَعِي، وَفِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ فِي جُزْءِ لُوَيْنٍ: فَرْوَةً كَانَتْ مَعِي.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) يَعْنِي مِنَ الْغُبَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُثِيرَهُ عَلَيْهِ الرِّيحُ، وَقِيلَ: مَعْنَى النَّفْضِ هُنَا الْحِرَاسَةُ، يُقَالُ: نَفَضْتُ الْمَكَانَ إِذَا نَظَرْتُ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي؛ هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا؟.
قَوْلُهُ: (لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي؛ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ؟ وَكَأَنَّ الشَّكَّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ زُهَيْرٍ فَقَالَ فِيهِ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَشُكَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ: فَسَمَّى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يَشُكَّ. وَالْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ مَكَّةُ، وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةَ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ تُسَمَّى الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهَا: يَثْرِبُ. وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَبْعُدُوا فِي الْمُرَاعِي هَذِهِ الْمَسَافَةَ الْبَعِيدَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَكُونُوا يَسْكُنُونَ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ لُبٍّ بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ لَابِنٍ؛ أَيْ ذَوَاتُ لَبَنٍ.
قَوْلُهُ: (أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ: أَمَعَكَ إِذْنٌ فِي
стр. 3818
الْحَلْبِ لِمَنْ يَمُرُّ بِكَ عَلَى سَبِيلِ الضِّيَافَةِ؟ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمَاضِي فِي أَوَاخِرِ اللُّقَطَةِ، وَهُوَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ أَبُو بَكْرٍ أَخْذَ اللَّبَنِ مِنَ الرَّاعِي بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِ الْغَنَمِ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا عَرَفَهُ عَرَفَ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِصَدَاقَتِهِ لَهُ أَوْ إِذْنِهِ الْعَامِّ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: انْفُضِ الضَّرْعَ)؛ أَيْ ثَدْيَ الشَّاةِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْآتِيَةِ: وَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً؛ أَيْ وَضَعَ رِجْلَهَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ يَمْنَعُهَا مِنَ الْحَرَكَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ (١)) فِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرْتُ الرَّاعِيَ فَحَلَبَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ تَجَوَّزٌ فِي قَوْلِهِ: فَحَلَبْتُ، وَمُرَادُهُ أَمَرْتُ بِالْحَلْبِ.
قَوْلُهُ: (كُثْبَةً) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ قَدْرَ قَدَحٍ، وَقِيلَ: حَلْبَةً خَفِيفَةً، وَيُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَعَلَى الْجَرْعَةِ تَبْقَى فِي الْإِنَاءِ وَعَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُجْتَمِعٍ.
قَوْلُهُ: (وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ.
قَوْلُهُ: (فَارْتَطَمَتْ) بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمُهَا.
قَوْلُهُ: (أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ) أَيِ الرَّاوِي؛ هَلْ قَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَمْ لَا؟ وَالْجَلَدُ بِفَتْحَتَيْنِ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ زُهَيْرٍ فِي قَوْلِ سُرَاقَةَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَخُو زُهَيْرٍ: وَنَحْنُ فِي أَرْضٍ شَدِيدَةٍ كَأَنَّهَا مُجَصَّصَةٌ، فَإِذَا بِوَقْعٍ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا سُرَاقَةُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: كَلَّا، ثُمَّ دَعَا بِدَعَوَاتٍ. وَسَتَأْتِي قِصَّةُ سُرَاقَةَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ نَفْسِهِ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ الْبَرَاءِ، فَلِذَلِكَ أَخَّرْتُ شَرْحَهَا إِلَى مَكَانِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَفِيهِ فَوَائِدُ أُخْرَى يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
٣٦١٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلَا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ". فَقال النبي ﷺ : "فَنَعَمْ إِذًا".
[الحديث ٣٦١٦ - أطرافه في: ٥٦٥٦، ٥٦٦٢، ٧٤٧٠]
٣٦١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ". стр. 3819
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَقَالَ: حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ زِيَادَةٌ تَقْتَضِي إِيرَادَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ شُرَحْبِيلَ وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِذَا أَبَيْتَ فَهِيَ كَمَا تَقُولُ قَضَاءُ اللَّهِ كَائِنٌ، فَمَا أَمْسَى مِنَ الْغَدِ إِلَّا مَيِّتًا. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَظْهَرُ دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَعَجِبْتُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ؛ كَيْفَ نَبَّهَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَأَغْفَلَهُ هُنَا! وَوَقَعَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ قَيْسٌ، فَقَالَ فِي بَابِ الْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ يَعُودُهُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَلَمْ أَرَ تَسْمِيَتَهُ لِغَيْرِهِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ غَيْرُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَحَدِ الْمُخَضْرَمِينَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ مَاتَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَيْسٌ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ فَلَا صُحْبَةَ لَهُ، وَلَكِنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَعَاشَ بَعْدَهُ دَهْرًا طَوِيلًا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَدُفِنَ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَعَادَ نَصْرَانِيًّا) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَرَفَعُوهُ.
قَوْلُهُ: (مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وكَانَ يَقُولُ: مَا أَرَى يُحْسِنُ مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَمَّا لَمْ يَرْضَ دِينَهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَفِظَتْهُ الْأَرْضُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ؛ أَيْ طَرَحَتْهُ وَرَمَتْهُ، وَحُكِيَ فَتْحُ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: (فَأَلْقَوْهُ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا.
٣٦١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
٣٦١٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَذَكَرَ وَقَالَ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (كِسْرَى) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ. وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ، وَقَيْصَرُ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ وَلِيَ مَمْلَكَةَ الرُّومِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَسْرُ أَفْصَحُ فِي كِسْرَى، وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَخْتَارُهُ، وَأَنْكَرَ الزَّجَّاجُ الْكَسْرَ عَلَى ثَعْلَبٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَيْهِ كَسْرَوِيٌّ بِالْفَتْحِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّ النِّسْبَةَ قَدْ يُفْتَحُ فِيهَا مَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مَكْسُورٌ أَوْ مَضْمُومٌ، كَمَا قَالُوا فِي بَنِي تَغْلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ تَغْلَبِيٌّ بِفَتْحِهَا، وَفِي سَلِمَةَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى تَخْطِئَةِ الْكَسْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُمْ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: لَا يَبْقَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَسَبَبُ
стр. 3820
الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَأْتُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ تُجَّارًا، فَلَمَّا أَسْلَمُوا خَافُوا انْقِطَاعَ سَفَرِهِمْ إِلَيْهِمَا لِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَبْشِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ مُلْكَهُمَا سَيَزُولُ عَنِ الْإِقْلِيمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ قَيْصَرَ بَقِيَ مُلْكُهُ وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا، وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكُهُ أَصْلًا وَرَأْسًا أَنَّ قَيْصَرَ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبَّلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ كَمَا مَضَى بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَزَّقَهُ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَكَانَ كَذَلِكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ يَمْلِكُ مِثْلَ مَا يَمْلِكُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ وَبِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِلنَّصَارَى نُسُكٌ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَمْلِكُ عَلَى الرُّومِ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ قَدْ دَخَلَهُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا جَهْرًا، فَانْجَلَى عَنْهَا قَيْصَرُ وَاسْتُفْتِحَتْ خَزَائِنُهُ وَلَمْ يَخْلُفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَيَاصِرَةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ بَعْدَهُ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ: هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَلَيَهْلِكَنَّ قَيْصَرُ. قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأَةً الْحَدِيثَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا مَاتَ شِيرَوَيْهِ بْنُ كِسْرَى، فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَهُ بُورَانَ.
وَأَمَّا قَيْصَرُ فَعَاشَ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ سَنَةَ عِشْرِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالَّذِي حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِّ وَلَدُهُ وَكَانَ يُلَقَّبُ أَيْضًا قَيْصَرَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَعَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُمَا لَمْ تَبْقَ مَمْلَكَتُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَرَّرْتُهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا: هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ: بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بَوْنٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَمُوت كِسْرَى وَالْآخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ التَّغَايُرُ بِالْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، فَقَوْلُهُ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى؛ أَيْ هَلَكَ مُلْكُهُ وَارْتَفَعَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَاتَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، فَالْمُرَادُ بِهِ كِسْرَى حَقِيقَةً اهـ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: هَلَكَ كِسْرَى تَحَقُّقَ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتَّى عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وَهَذَا الْجَمْعُ أَوْلَى لِأَنَّ مَخْرَجَ الرِّوَايَتَيْنِ مُتَّحِدٌ فَحَمْلَهُ عَلَى التَّعَدُّدِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ هَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
قَوْلُهُ: (رَفَعَهُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - مِثْلُ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَكَذَا قَالَ، لَمْ يَذْكُرْ قَيْصَرَ، وَقَالَ: كُنُوزَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ وَقَالَ: لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَذَكَرَهُ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ أَيْ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبَاقِينَ فَفِيهِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَذَكَرَ كَلَامًا أَوْ حَدِيثًا، وَلَمْ تَقَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ.
٣٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ. وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ
стр. 3821
شَمَّاسٍ - وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ - حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رَأَيْتُ.
[الحديث ٣٦٢٠ - أطرافه في: ٤٣٧٣، ٤٣٧٨، ٧٠٣٣، ٧٤٦١]
٣٦٢١ - فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ".
[الحديث ٣٦٢١ - أطرافه في: ٤٣٧٤، ٤٣٧٥، ٤٣٧٩، ٧٠٣٤، ٧٠٣٧]
٣٦٢٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ".
[الحديث ٣٦٢٢ - أطرافه في: ٣٩٨٧، ٤٠٨١، ٧٠٣٥، ٧٠٤١]
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُدُومِ مُسَيْلِمَةَ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْمَنَامَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ كُلُّهُ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَقَدْ ذُكِرَه هُنَاكَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْهِجْرَةِ وَبِأُحُدٍ، وَسَيَأْتِي فِي ذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، وَأَذْكُرُ هُنَاكَ شَرْحَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَفْرَدَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ، وَعُلِّقَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوَّلُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرْتُ شَرْحَهُ أَيْضًا هُنَاكَ.
٣٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقال النبي ﷺ : "مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا".
[الحديث ٣٦٢٣ - أطرافه في: ٣٦٢٥، ٣٧١٥، ٤٤٣٣، ٦٢٨٥]
стр. 3822
٣٦٢٤ - فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ: إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي، فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ - أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ - فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
[الحديث ٣٦٢٤ - أطرافه في: ٣٦٢٦، ٣٧١٦، ٤٤٣٤، ٦٢٨٦]
٣٦٢٥ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّتي قُبِضَ فِيها، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ
٣٦٢٦ - فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ.
٣٦٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ قَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ".
[الحديث ٣٦٢٧ - أطرافه في: ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٦٩، ٤٩٧٠]
٣٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ".
٣٦٢٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ "أَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ".
٣٦٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ".
стр. 3823
٣٦٣١ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ قُلْتُ وَأَنَّى يَكُونُ لَنَا الأَنْمَاطُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمْ الأَنْمَاطُ فَأَنَا أَقُولُ لَهَا يَعْنِي امْرَأَتَهُ أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَكِ فَتَقُولُ أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الأَنْمَاطُ فَأَدَعُهَا".
[الحديث ٣٦٣١ - طرفه في: ٥١٦١]
٣٦٣٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا قَالَ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ سَعْدٌ أَنَا سَعْدٌ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ أُمَيَّةُ لسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَاقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ قَالَ فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ قَالَ إِيَّايَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ قَالَتْ وَمَا قَالَ قَالَ زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ قَالَ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللَّهُ".
[الحديث ٣٦٣٢ - طرفه في: ٣٩٥٠]
٣٦٣٣ - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ فَقال النبي ﷺ : "لِأُمِّ سَلَمَةَ مَنْ هَذَا أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ قَالَتْ هَذَا دِحْيَةُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ".
[الحديث ٣٦٣٣ - طرفه في: ٤٩٨٠]
٣٦٣٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ
стр. 3824
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ".
وَقَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ".
[الحديث ٣٦٣٤ - أطرافه في: ٣٦٧٦، ٣٦٨٢، ٧٠١٩، ٧٠٢٠]
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍ الْحَدِيثُ فِي ذِكْرِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِعْلَامِهِ لَهَا بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي الْوَفَاةِ مَشْرُوحًا، وَأَذْكُرُ فِيهِ وَجْهَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ الْحَدِيثُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَفِيهِ وَصِيَّتُهُ بِالْأَنْصَارِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي أَنَّ الْحَسَنَ سَيِّدٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قَتْلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي شَرْحِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذِكْرِ الْأَنْمَاطِ، وَهِيَ جَمْعُ نَمَطٍ بِفَتَحَاتٍ مِثْلُ خَبَرٍ وَأَخْبَارٍ، وَالنَّمَطُ بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي النِّكَاحِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا تَزَوَّجَ، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَأَنَا أَقُولُ ما لَهَا؛ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي تَسْمِيَةُ امْرَأَتِهِ هُنَاكَ. وَفِي اسْتِدْلَالِهَا عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْأَنْمَاطِ بِأخْبَارِهِ ﷺ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ الشَّيْءَ سَيَكُونُ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ إِلَّا إِنِ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى التَّقْرِيرِ فَيَقُولُ: أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّهُ. وَقَدْ وَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمَاضِي فِي هَذَا الْبَابِ فِي خُرُوجِ الظَّعِينَةِ مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَفِيهِ مِنَ الْبَحْثِ مَا ذُكِرَ.
الْحَدِيثُ الْخَمْسُونَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي إِخْبَارِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ شَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: إنَّهُ قَاتِلُكَ؛ أَيْ أَبُو جَهْلٍ، ثُمَّ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِ أَبِي جَهْلٍ عَلَى دِينِ أُمَيَّةَ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ فَنَسَبَ قَتْلَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فَهْمٌ عَجِيبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سَعْدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْتُلُ أُمَيَّةَ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي مَكَانِهِ بِمَا يَشْفِي الْغَلِيلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ.
الْحَدِيثُ الثاني وَالْخَمْسُونَ حديث ابْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا أَبِي بَكْرٍ: يَنْزِعُ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ. . . الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، أَوْرَدَ مِنْهُ طَرَفًا مُعَلَّقًا، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي التَّعْبِيرِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3825
٢٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
٣٦٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَسْمِيَةَ مَنْ أُبْهِمَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَا الْأَعْوَرِ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُرَادًا بِقَوْلِهِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَوَجْهُ دُخُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَهُوَ أُمِّيٌّ لَمْ يَقْرَأ التَّوْرَاةَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ.
٢٧ - بَاب سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ
٣٦٣٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اشْهَدُوا.
[الحديث ٣٦٣٦ - أطرافه في: ٣٨٦٩، ٣٨٧١، ٤٨٦٤، ٤٨٦٥]
٣٦٣٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.
[الحديث ٣٦٣٧ - أطرافه في: ٣٨٦٨، ٤٨٦٧، ٤٨٦٨]
٣٦٣٨ - حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٣٦٣٨ - طرفاه في: ٣٨٧٠، ٤٨٦٦]
стр. 3826
قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهِمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ) فَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَحُذَيْفَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَمَّا أَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَحْضُرَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُولَدْ، وَأَمَّا أَنَسٌ فَكَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِحُضُورِ ذَلِكَ، وَأَوْرَدَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ بِتَمَامِهِ، وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اشْهَدُوا، وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ تَأْتِي قَبْلَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَ شِقَّيْهِ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي بِمِنًى وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٨ - بَاب
٣٦٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
٣٦٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ.
[الحديث ٣٦٤٠ - طرفاه في: ٧٣١١، ٧٤٥٩]
٣٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ.
٣٦٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يتحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعَهُ شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ،
٣٦٤٣ - وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا. قَالَ سُفْيَانُ: يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ.
стр. 3827
٣٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ معقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
٣٦٤٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالسَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ فِي الْخَيْلِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا.
٣٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ وِزْرٌ. وَسُئِلَ رسول الله ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فأَجالُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
٣٦٤٨ - حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا فَأَنْسَاهُ. قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ. فَبَسَطْتُه، فَغَرَفَ بِيَدِيهِ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ. فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدِيثًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِعَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْبَابَيْنِ رَاجِعًا إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ عَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ سَهُلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِ ﷺ هُمَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:
стр. 3828
لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ. . . الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ، وَمُعَاذٍ فِي الْمَعْنَى، وَالْوَلِيدُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَابْنُ جَابِرٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ وَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ، وَهُوَ السَّكْسَكِيُّ، نَزَلَ حِمْصَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَعَادَهُ بِإِسْنَاده وَمَتْنُهُ فِي التَّوْحِيدِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَا يَصِحُّ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْمُرَادِ بِالَّذِينَ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ قَائِمِينَ بِأَمْرِ الدِّينِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْجِهَادِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ إِيرَادِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي أَبْوَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَا التَّوْجِيهِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَوَجْهُ إِيرَادِهِ هُنَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: خَرِبَتْ خَيْبَرُ الْإِخْبَارَ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَوَقَعَ كَذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عُرْوَةَ، وَهُوَ الْبَارِقِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَزْنُ سَعِيدٍ، وَغَرْقَدَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ الْحَيَّ يَتَحَدَّثُونَ)؛ أَيْ قَبِيلَتَهُ، وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى بَارِقٍ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ نَزَلَهُ بَنُو سَعْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مَزِيقِيًّا فَنُسِبُوا إِلَيْهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُرْوَةَ) هُوَ ابْنُ الْجَعْدِ أَوِ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْخَيْلِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: عُرِضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَلَبٌ، فَأَعْطَانِي دِينَارًا فَقَالَ: أَيْ عُرْوَةُ، ائْتِ الْجَلَبَ فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً، قَالَ: فَأَتَيْتُ الْجَلَبَ فَسَاوَمْتُ صَاحِبَهُ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ)؛ أَيْ: وَبَقِيَ مَعَهُ دِينَارٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ: فَلَقِيَنِي رَجُلٌ فَسَاوَمَنِي فَبِعْتُهُ شَاةً بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ عُرْوَةَ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْضَى لَهُ ذَلِكَ وَارْتَضَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ. وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ؛ فَتَارَةً قَالَ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ، وَتَارَةً قَالَ: إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْتُ بِهِ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ. وَقَدْ أَجَابَ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعًا، وَهَذَا بَحْثٌ قَوِيٌّ يَقِفُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٌ لِأَنَّ الْحَيَّ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، يُسَمُّونَ مَا فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ مُرْسَلًا أَوْ مُنْقَطِعًا، وَالتَّحْقِيقُ إِذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ، إِذْ لَا فَرْقَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ بَيْنَ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْرُوفِ، فَالْمُبْهَمُ نَظِيرُ الْمَجْهُولِ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ فِي إِسْنَادٍ صَرَّحَ كُلُّ مَنْ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ كَانُوا أَوْ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقِفُ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ فَأَرْبَحُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى أَهْلِي، قَالَ: وَكَانَ يَشْتَرِي الْجَوَارِيَ وَيَبِيعُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ) هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِمْ، وَكَانَ قَاضِيَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الْمَنْصُورِ ثَانِي خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَتِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: جَرَحَهُ عِنْدِي شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ عَنْهُمْ، فَالْتَصَقَتْ بِهِ تِلْكَ الْمَوْضُوعَاتُ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.
قَوْلُهُ: (جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ)؛ أَيْ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ)؛ أَيِ الْحَسَنُ (سَمِعَهُ شَبِيبٌ منْ عُرْوَةَ، فَأَتَيْتُهُ) الْقَائِلُ سُفْيَانُ وَالضَّمِيرُ لِشَبِيبٍ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ بَيَانَ ضَعْفِ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَأَنَّ شَبِيبًا لَمْ يَسْمَعِ الْخَبَرَ مِنْ عُرْوَةَ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الْحَيِّ وَلَمْ يَسْمَعْهُ عَنْ عُرْوَةَ،
стр. 3829
فَالْحَدِيثُ بِهَذَا ضَعِيفٌ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِمْ، لَكِنْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سميدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْفَائِدَةِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَحَدًا، وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ - فِيهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَسْوِيَةٌ، وَقَدْ وَافَقَ عَلِيًّا عَلَى إِدْخَالِهِ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ شَبِيبٍ، وَعُرْوَةَ، أَحْمَدُ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَكَذَا مُسَدَّدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ أَبي عُمَرَ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَةٌ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أُضْحِيَةً، وَحَدِيثُ الْخَيْلِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ مُسْتَوْفًى. وَزَعَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا حَدِيثَ الْخَيْلِ وَلَمْ يُرِدْ حَدِيثَ الشَّاةِ، وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ الشَّاةِ مُحْتَجًّا بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ لِإِبْهَامِ الْوَاسِطَةِ فِيهِ بَيْنَ شَبِيبٍ، وَعُرْوَةَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَيْسَ في ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ تَخْرِيجُهُ وَلَا مَا يَحُطُّهُ عَنْ شَرْطِهِ، لِأَنَّ الْحَيَّ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ وُرُودُ الْحَدِيثِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي هِيَ الشَّاهِدُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الَّذِي يَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِعُرْوَةَ فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى كَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَلَمْ يُرِدْهَا، إِذْ لَوْ أَرَادَهَا لَأَوْرَدَهَا فِي الْبُيُوعِ، كَذَا قَرَّرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّرِدْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ، فَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِهِ وَيُعَارِضُهُ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ فَلَا يُخْرِجُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي بَابِهِ وَيُخْرِجُهُ فِي بَابٍ آخَرَ أَخْفَى لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ مَا دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سَبَبِ عَدَمِ نِسْيَانِهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتِ الْمَنَاقِبُ النَّبَوِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ إِلَى هُنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَمَا لَهَا حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ مِائَةُ حَدِيثٍ وَحَدِيثٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا وَهِيَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الشُّعُوبِ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ مُضَرَ وَفِي النَّبِيذِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ (الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ فِي النَّذْرِ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ: مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْلَمُ وَغِفَارٌ خَيْرٌ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ
стр. 3830
عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قَوْلِهِ، وَبِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ فِي صِفَةِ شَيْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ: كَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الْقَمَرِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا
نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ: كُنَّا بِالْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ مِائَةٍ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي حَنِينِ الْجِذْعِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ فِي قِتَالِ التُّرْكِ، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ، بِهِ حُمَّى تَفُورُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وَحَدِيثُهُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْأَنْصَارِ، وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي قَتْلِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ فِي الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ بِالشَّامِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 3831
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٢ - كِتَاب فَضَائِلِ الصحابة
١ - بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ أَوْ رَآهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ
٣٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ.
٣٦٥٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ يَقُولُ قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ "
٣٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ "
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ. أَمَّا الْإِجْمَالُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَهُمْ، لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يُوَافِقُ شَرْطَهُ. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَلِمَنْ وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ بِخُصُوصِهِ عَلَى شَرْطِهِ. وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) يَعْنِي أَنَّ اسْمَ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحَقٌّ لِمَنْ صَحِبَهُ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ صُحْبَةٍ لُغَةً، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَخُصُّ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْمُلَازَمَةِ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَنْ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الرَّاجِحُ، إِلَّا أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الرَّائِي أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ مَا رَآهُ أَوْ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَعَمَلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَإِنَّمَا وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ
стр. 3832
أُمَّهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَلَدَتْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَحَادِيثُ هَذَا الضَّرْبِ مَرَاسِيلُ، وَالْخِلَافُ الْجَارِي بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ الْأَسْفَرَايِنيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى رَدِّ الْمَرَاسِيلِ مُطْلَقًا حَتَّى مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ لَا يَجْرِي فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ لَا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا مِمَّا يُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: صَحَابِيٌّ حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ لَا يَقْبَلُهُ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فَكَانَ لَا يَعُدُّ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ صَحِبَ الصُّحْبَةَ الْعُرْفِيَّةَ، كَمَا جَاءَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، هَذَا مَعَ كَوْنِ عَاصِمٍ قَدْ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجَسٍ هَذَا عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَأَكْثَرُهَا مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْهُ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ. فَهَذَا رَأْيُ عَاصِمٍ أَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ يَكُونُ صَحِبَ الصُّحْبَةَ الْعُرْفِيَّةَ ; وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعُدُّ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَنَةً فَصَاعِدًا أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً فَصَاعِدًا، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى عَدِّ جَمْعٍ جَمٍّ فِي الصَّحَابَةِ لَمْ يَجْتَمِعُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَمَنِ اشْتَرَطَ الصُّحْبَةَ الْعُرْفِيَّةَ أَخْرَجَ مَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ أَوْ مَنِ اجْتَمَعَ بِهِ لَكِنْ فَارَقَهُ عَنْ قُرْبٍ، كَمَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُكَ؟ قَالَ: لَا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَقِيَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ. وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حِينَ اجْتِمَاعِهِ بِهِ بَالِغًا، وَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِثْلَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَنَحْوَهُ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ.
وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَيْدٌ يَخْرُجُ بِهِ مَنْ صَحِبَهُ أَوْ مَنْ رَآهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَالًا خَرَجَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَيَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ مَنْ صَحِبَهُ أَوْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ صَحَابِيًّا اتِّفَاقًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهِ: وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ حَدِيثُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ وَهُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَحَدَّثَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ لَحِقَهُ الْخِذْلَانُ فَلَحِقَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِالرُّومِ وَتَنَصَّرَ بِسَبَبِ شَيْءٍ أَغْضَبَهُ، وَإِخْرَاجُ حَدِيثِ مِثْلِ هَذَا مُشْكِلٌ، وَلَعَلَّ مَنْ أَخْرَجَهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى قِصَّةِ ارْتِدَادِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَكِنْ لَمْ يَرَهُ ثَانِيًا بَعْدَ عَوْدِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ لِإِطْبَاقِ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَدِّ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِخْرَاجُهُمْ أَحَادِيثَهُمْ فِي الْمَسَانِيدِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ جَمِيعُ ذَلِكَ بِبَنِي آدَمَ أَوْ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ مِنَ الْعُقَلَاءِ، مَحَلُّ نَظَرٍ، أَمَّا الْجِنُّ فَالرَّاجِحُ دُخُولُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إِلَيْهِمْ قَطْعًا، وَهُمْ مُكَلَّفُونَ، فِيهِمُ الْعُصَاةُ وَالطَّائِعُونَ، فَمَنْ عُرِفَ اسْمُهُ مِنْهُمْ لَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْأَثِيرِ عَابَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَلَمْ يَسْتَنِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى حُجَّةٍ.
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَيَتَوَقَّفُ عَدُّهُمْ فِيهِمْ عَلَى ثُبُوتِ بَعْثَتِهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، حَتَّى نَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَعَكَسَ بَعْضُهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ رَآهُ وَهُوَ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَمَّا مَنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ دَفْنِهِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ وَإِلَّا لَعُدَّ مَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَرَى جَسَدَهُ الْمُكَرَّمَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْمُعَظَّمِ وَلَوْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَرَآهُ كَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ، إِذْ حُجَّةُ مَنْ أَثْبَتَ الصُّحْبَةَ لِمَنْ رَآهُ قَبْلَ دَفْنِهِ أَنَّهُ مُسْتَمِرُّ الْحَيَاةِ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ لَيْسَتْ دُنْيَوِيَّةً وَإِنَّمَا هِيَ أُخْرَوِيَّةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ جَارِيَةٌ عَلَى أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَنِ اتَّفَقَتْ لَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ
стр. 3833
شَرْحُهُ وَهُوَ يَقْظَانُ، أَمَّا مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ حَقًّا فَذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَا يُعَدُّ صَحَابِيًّا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَجَدْتُ مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ فِي كَلَامِ شَيْخِهِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، فَقَرَأْتُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنْدَهْ بِسَنَدِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ الْحَافِظِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَتِيكٍ يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا جَمَعْتُهُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَافٍ.
ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.
قَوْلُهُ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ بِهَمْزَةٍ، وَحُكِيَ فِيهِ تَرْكُ الْهَمْزَةِ أَيْ جَمَاعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي بَابِ مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنِ ادَّعَى فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ الصُّحْبَةَ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَتَضَمَّنُ اسْتِمْرَارَ الْجِهَادِ وَالْبُعُوثِ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّابِعِينَ وَفِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ وَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَانْقَطَعَتِ الْبُعُوثُ عَنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، بَلِ انْعَكَسَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ مِنْ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ.
وَضَبَطَ أَهْلُ الْحَدِيثِ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ مِائَةٍ وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ: عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ذِكْرُ طَبَقَةٍ رَابِعَةٍ وَلَفْظُهُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا، هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاذَّةٌ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ مُقْتَصِرٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ كَمَا سَأُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ وَاثِلَةَ رَفَعَهُ: لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي صَاحَبَنِي، وَاللَّهِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي صَاحَبَنِي الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. الحديث الثاني.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ السَّكَنِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالنَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو جَمْرَةَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ صَاحِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدَّثَ هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي) أَيْ أَهْلُ قَرْنِي، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا اجْتَمَعُوا فِي زَمَنِ نَبِيٍّ أَوْ رَئِيسٍ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مِلَّةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ عَمَلٍ، وَيُطْلَقُ الْقَرْنُ عَلَى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهَا مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّبْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ. وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالثَّمَانِينَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ مِائَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: الْقَرْنُ أُمَّةٌ هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَثَبَتَ الْمِائَةُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ وَهِيَ مَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْخَمْسِينَ وَذَكَرَ مِنْ عَشْرٍ إِلَى سَبْعِينَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَوَسِّطُ مِنْ أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَنٍ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَالَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَقْرَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْمُخْتَلِفُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْقَرْنَ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا، أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ دُونَ ذَلِكَ فَلَا يَلْتَئِمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُرَادُ بِقَرْنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
стр. 3834
الصَّحَابَةُ.
وَقَدْ سَبَقَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: وَبُعِثَ فِي خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الْبَعْثَةِ وَآخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةُ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا بِقَلِيلٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَفَاةِ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ ﷺ فَيَكُونُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ تِسْعِينَ أَوْ سَبْعًا وَتِسْعِينَ، وَأَمَّا قَرْنُ التَّابِعِينَ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْ سَنَةِ مِائَةٍ كَانَ نَحْوَ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَعْدَهُمْ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْهَا كَانَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ الْقَرْنِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقُوا أَنَّ آخِرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَنْ عَاشَ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُؤْسَهَا، وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنِ. وَظَهَرَ قَوْلُهُ ﷺ : ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، ظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى يَشْمَلَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالْمُعْتَقَدَاتِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَيِ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ وَهُمُ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، وَاقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ تَكُونَ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ مِنَ التَّابِعِينَ وَالتَّابِعُونَ أَفْضَلَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، لَكِنْ هَلْ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوعِ أَوِ الْأَفْرَادِ؟ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْجُمْهُورُ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي زَمَانِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِهِ لَا يَعْدِلُهُ فِي الْفَضْلِ أَحَدٌ بَعْدَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ الْبَحْثِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الْآيَةَ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِحَدِيثِ: مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لَهُ طُرُقٌ قَدْ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى الصِّحَّةِ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَعَزَاهُ فِي فَتَاوِيهِ إِلَى مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ وَيَرَوْنَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَانْتِظَامِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَدَحْضِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَيَشْتَبِهُ الْحَالُ عَلَى مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ أَيُّ الزَّمَانَيْنِ خَيْرٌ، وَهَذَا الِاشْتِبَاهُ مُنْدَفِعٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ ﷺ : خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ أَحَدِ التَّابِعِينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْرِكَنَّ الْمَسِيحُ أَقْوَامًا إِنَّهُمْ لَمِثْلُكُمْ أَوْ خَيْرٌ - ثَلَاثًا - وَلَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُهَا وَالْمَسِيحُ آخِرُهَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ: تَأْتِي أَيَّامٌ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ، قِيلَ: مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ وَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ: مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ: أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمْعَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ، وَجَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ السَّبَبَ فِي كَوْنِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ خَيْرَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ فِي إِيمَانِهِمْ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ وَصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ، قَالَ: فَكَذَلِكَ أَوَاخِرُهُمْ إِذَا أَقَامُوا الدِّينَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ
стр. 3835
وَصَبَرُوا عَلَى الطَّاعَةِ حِينَ ظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْفِتَنِ كَانُوا أَيْضًا عِنْدَ ذَلِكَ غُرَبَاءَ، وَزَكَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا زَكَتْ أَعْمَالُ أُولَئِكَ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ، لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي كَلَامِهِ بِاسْتِثْنَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ.
نَعَمْ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهَا عَمَلٌ لِمُشَاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا مَنِ اتَّفَقَ لَهُ الذَّبُّ عَنْهُ وَالسَّبْقُ إِلَيْهِ بِالْهِجْرَةِ أَوِ النُّصْرَةِ وَضَبْطِ الشَّرْعِ الْمُتَلَقَّى عَنْهُ وَتَبْلِيغِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا وَلِلَّذِي سَبَقَ بِهَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، فَظَهَرَ فَضْلُهُمْ.
وَمُحَصَّلُ النِّزَاعِ يَتَمَحَّضُ فِيمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ مُتَّجَهًا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ: لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَأَيْضًا فَالْأَجْرُ إِنَّمَا يَقَعُ تَفَاضُلُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُمَاثِلُهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَأَمَّا مَا فَازَ بِهِ مَنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ زِيَادَةِ فَضِيلَةِ الْمُشَاهَدَةِ فَلَا يَعْدِلُهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُمْعَةَ فَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ عَلَى لَفْظِهِ، فَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ الْخَيْرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ قَوْمٍ أَعْظَمَ مِنَّا أَجْرًا؟ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ تُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الشَّكِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَجَاءَ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ بِغَيْرِ شَكٍّ، مِنْهَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَسَمَّوَيْهِ مَا يُفَسَّرُ بِهِ هَذَا السُّؤَالُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: أَنَا وَقَرْنِي، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ: خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا مِنْهُمْ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَاتُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَلَفْظُهُ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثم الذين يلونهم، ثُمَّ الْآخَرُونَ أَرْدَأُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ جَعْدَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ (١) قَوْمًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ قَوْمٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّاسِخِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ لَا يَكْتُبُ الْأَلِفَ فِي الْمَنْصُوبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ إِنَّ تَقْرِيرِيَّةٌ بِمَعْنَى نَعَمْ وَفِيهِ بُعْدٌ وَتَكَلُّفٌ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعْدِيلِ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَنَازِلُهُمْ فِي الْفَضْلِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِيَّةِ، فَقَدْ وُجِدَ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْقَرْنَيْنِ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ الْمَذْمُومَةُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَثُرَ فِيهِمْ وَاشْتُهِرَ، وَفِيهِ بَيَانُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ أَيْ يَكْثُرُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ قَالَهُ الْمَازَرِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي شَرْحُهُ فِي الشَّهَادَاتِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمَعْنَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَتَقَدَّمَ مِنْ شَرْحِهِ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 3836
٢ - بَاب مَنَاقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ
مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ ﵁
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
قَالَتْ عَائِشَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ
٣٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، لِعَازِبٍ: مُرْ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي، فَقَالَ عَازِبٌ: لَا حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ، قَالَ: ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا - أَوْ سَرَيْنَا - لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا، وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا، فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي، هَلْ أَرَى مِنْ الطَّلَبِ أَحَدًا؟ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَسَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ،
فَوَافَقْتُهُ قَدْ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وقَالَ: بَلَى، فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
تريحون بالعشي، تسرحون بالغداة.
٣٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَابْصَرَنَا فَقَالَ "مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ
стр. 3837
اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"
[الحديث ٣٦٥٣ - طرفاه في: ٣٩٢٢، ٤٦٦٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ) سَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْمُهَاجِرِينَ مَنْ عَدَا الْأَنْصَارِ وَمَنْ أَسْلَمَ يَوْمُ الْفَتْحِ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَالصَّحَابَةُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، وَالْأَنْصَارُ هُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَحُلَفَاؤُهُمْ وَمَوَالِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ) هَكَذَا جَزَمَ بِأَنَّ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَبْدَ الْكَعْبَةِ وَكَانَ يُسَمَّى أَيْضًا عَتِيقًا، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لَهُ أَصْلِيٌّ، أَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَسَبِهِ مَا يُعَابُ بِهِ، أَوْ لِقِدَمِهِ فِي الْخَيْرِ وَسَبْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِحُسْنِهِ، أَوْ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ فَلَمَّا وُلِدَ اسْتَقْبَلَتْ بِهِ الْبَيْتَ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ هَذَا عَتِيقُكَ مِنَ الْمَوْتِ، أَوْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَآخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَزَادَ فِيهِ وَكَانَ اسْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ وَعُثْمَانُ اسْمُ أَبِي قُحَافَةَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ كَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي كُنْيَةِ الصِّدِّيقِ.
وَلُقِّبَ الصِّدِّيقَ لِسَبْقِهِ إِلَى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ: كَانَ ابْتِدَاءُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدَدُ آبَائِهِمَا إِلَى مُرَّةَ سَوَاءٌ، وَأُمُّ أَبِي بَكْرٍ سَلْمَى وَتُكَنَّى أُمَّ الْخَيْرِ بِنْتَ صَخْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ مَنَاقِبِهِ ; لِأَنَّهُ انْتَظَمَ إِسْلَامُ أَبَوَيْهِ وَجَمِيعِ أَوْلَادِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الْآيَةَ) سَاقَهَا الْأَصِيلِيُّ وَكَرِيمَةُ إِلَى قَوْلِهِ: هُمُ الصَّادِقُونَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى ثُبُوتِ فَضْلِ الْمُهَاجِرِينَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ وَشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالصِّدْقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَا إِلَى ثُبُوتِ فَضْلِ الْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمُ امْتَثَلُوا الْأَمْرَ فِي نَصْرِهِ، وَكَانَ نَصْرُ اللَّهِ لَهُ فِي حَالِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِحِفْظِهِ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لِيَرُدُّوهُ عَنْ مَقْصِدِهِ.
وَفِي الْآيَةِ أَيْضًا فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ حَيْثُ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ وَوَقَاهُ بِنَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَشَهِدَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا بِأَنَّهُ صَاحِبُ نَبِيِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ) أَيْ لَمَّا خَرَجَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَدِيثُ عَائِشَةَ سَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِيهِ ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ فِي قِصَّةِ بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى الْحَجِّ، وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ أَخِي وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ الْحَدِيثَ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِيهَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ، وَلِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ آخَرُ لَعَلَّهُ أَمَسُّ بِالْمُرَادِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْمُونَ عَلِيًّا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّهُ انْطَلَقَ نَحْوَ بِئْرِ مَيْمُونٍ فَأَدْرِكْهُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ مَعَهُ الْغَارَ الْحَدِيثَ. وَأَصْلُهُ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ دُونَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ هُنَا. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ
стр. 3838
عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ الْحَدِيثَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) هُوَ الْغُدَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عَازِبٌ: لَا حَتَّى تُحَدِّثَنَا) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِ: فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثِ ابْنَكَ يَحْمِلُهُ مَعِي، قَالَ: فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي وَظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ عَازِبًا امْتَنَعَ مِنْ إِرْسَالِ وَلَدِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى يُحَدِّثَهُمْ، وَمُقْتَضَى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقِ التَّحْدِيثَ عَلَى شَرْطٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ عَازِبًا اشْتَرَطَ أَوَّلًا، وَأَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى سُؤَالِهِ، فَلَمَّا شَرَعُوا فِي التَّوَجُّهِ اسْتَنْجَزَ عَازِبٌ مِنْهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ مِنَ التَّحْدِيثِ فَفَعَلَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنِ اسْتَجَازَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحْدِيثِ ; وَهُوَ تَمَسُّكٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا التَّحْدِيثَ بِضَاعَةً، وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ عَازِبٍ، وَأَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ التُّجَّارِ بِأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ يَحْمِلُونَ السِّلْعَةَ مَعَ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ أَعْطَاهُمْ أُجْرَةً أَمْ لَا، كَذَا قَالَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْجَوَازِ بِذَلِكَ بُعْدًا، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَنَّ عَازِبًا لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِهِ لَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ وَلَا عَلَى تَسْمِيَةِ صَاحِبِ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الرَّاعِي، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الرَّاعِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ لِأَنَّ ذَاكَ قِيلَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا أَشَارَ بِأَنَّهُ غَيْرُ حَالِبٍ، وَذَاكَ حَلَبَ مِنْ شَاةٍ حَافِلٍ وَهَذَا مِنْ شَاةٍ لَمْ تُطْرَقْ وَلَمْ تَحْمِلْ، ثُمَّ إِنَّ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِسْلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ قَدِيمًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِزَمَانٍ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ فِي الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَوْسٍ، عَنْ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهَا مِنْ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: حَتَّى رَضِيتُ فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ أَمْعَنَ فِي الشُّرْبِ، وَعَادَتُهُ الْمَأْلُوفَةُ كَانَتْ عَدَمَ الْإِمْعَانِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَأَ فَسَأَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ: إِنَّمَا شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ لَبَنِ تِلْكَ الْغَنَمِ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي زَمَنِ الْمُكَارَمَةِ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُهُ: لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ التَّشَاحِّ، أَوِ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى التَّسَوُّرِ وَالِاخْتِلَاسِ وَالْأَوَّلُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ قَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ سُؤَالَ الرَّاعِي هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. كَأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ أَذِنَ لَكَ صَاحِبُ الْغَنَمِ فِي حَلَبِهَا لِمَنْ يَرِدُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَوْ جَرَى عَلَى الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ لِلْعَرَبِ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ وَالْإِذْنِ فِي الْحَلْبِ عَلَى الْمَارِّ وَلِابْنِ السَّبِيلِ، فَكَانَ كُلُّ رَاعٍ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ وَلَهُ شُرْبُ ذَلِكَ إِذَا احْتَاجَ، وَلَا سِيَّمَا النَّبِيُّ ﷺ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا اسْتَجَازَهُ لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ، لِأَنَّ
стр. 3839
الْقِتَالَ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ وَلَا أُبِيحَتِ الْغَنَائِمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ اللُّقَطَةِ، وَفِيهَا الْكَلَامُ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ مُطْلَقًا. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: خِدْمَةُ التَّابِعِ الْحُرِّ لِلْمَتْبُوعِ فِي يَقِظَتِهِ وَالذَّبُّ عَنْهُ عِنْدَ نَوْمِهِ، وَشِدَّةُ مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَدَبُهُ مَعَهُ وَإِيثَارُهُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِيهِ أَدَبُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ لِمَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، وَفِيهِ اسْتِصْحَابُ آلَةِ السَّفَرِ كَالْإِدَاوَةِ وَالسُّفْرَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّوَكُّلِ، وَسَتَأْتِي قِصَّةُ سُرَاقَةَ فِي الْهِجْرَةِ مُسْتَوْفَاةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْرَدَهَا هُنَا مُخْتَصَرَةً جِدًّا وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ أَتَمَّ مِنْهُ.
(تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَزَادَ فِي آخِرِهِ وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ، تَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ) هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُثْبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ فِيهِ وَيَرْعَى عَلَيْهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَيُرِيحُهُمَا عَلَيْهِمَا فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ شَرْحِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ذِكْرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ثَابِتٍ) فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ بْنِ هِلَالٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ) فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَمَّامٍ فِي الْهِجْرَةِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) فِيهِ مَجِيءُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ لِلِاسْتِقْبَالِ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِمَجِيءِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَالَهُ حَالَةَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الْغَارِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَكْثَرِ يَكُونُ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى صِيَانَتِهِمَا مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ وَفِي رِوَايَةِ حَبَّانَ رَفَعَ قَدَمَيْهِ وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ بَابَ الْغَارِ اسْتَتَرَ بِأَقْدَامِهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ اسْتَتَرَ بِثِيَابِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَبَّانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ، وَوَقَعَ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ قَالَ: وَأَتَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْغَارُ الَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الْآيَةَ وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ قَالَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ حِينَئِذٍ، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَحْزَنْ.
قَوْلُهُ: (مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) فِي رِوَايَةِ مُوسَى فَقَالَ: اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا وَقَوْلُهُ: اثْنَانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نَحْنُ اثْنَانِ، وَمَعْنَى ثَالِثُهُمَا نَاصِرُهُمَا وَمُعِينُهُمَا، وَإِلَّا فَاللَّهُ ثَالِثُ كُلِّ اثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ بَابَ الْغَارِ كَانَ مُنْخَفِضًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَيِّقًا، فَقَدْ جَاءَ فِي السِّيَرِ لِلْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ وَجَلَسَ يَبُولُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ رَآنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَوْ رَآنَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ فَرْجِهِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): اشْتُهِرَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ تَفَرَّدَ بِهِ هَمَّامٌ،
стр. 3840
عَنْ ثَابِتٍ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ بِمُتَابَعَةِ هَمَّامٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَوَجَدْتُ لَهُ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ.
٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٣٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ سُدُّوا الْأَبْوَابَ، إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ: سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ، فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) هُوَ الْعَقَدِيُّ وَ (فُلَيْحٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ وَمَنْ فَوْقَهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ (١) تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ فِي بَابِ الْخَوْخَةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ الْآتِيَةِ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِي تِلْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَابِ الْخَوْخَةِ مِنْ أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ لَيَالٍ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الَّذِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إِنَّ أَحْدَثَ عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا، وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَهِمَ الرَّمْزَ الَّذِي أَشَارَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَرِينَةِ ذِكْرِهِ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَهُ فَلِذَلِكَ بَكَى.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فِي بَابِ الْخَوْخَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَوَافَقَ تَحْدِيثَ غَيْرِهِ بِذَلِكَ فَنُقِلَ جَمِيعُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ أَيْ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِالْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ بِزِيَادَةِ مِنْ، وَقَالَ فِيهَا أَبَا بَكْرٍ بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ أَبُو بَكْرٍ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّفْعَ خَطَأٌ стр. 3841
وَالصَّوَابَ النَّصْبُ لِأَنَّهُ اسْمُ إِنَّ، وَوَجْهُ الرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أَيْ إِنَّهُ وَالْجَارَ وَالْمَجْرُورَ بَعْدَهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَأَبُو بَكْرٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أَوْ عَلَى أَنَّ مَجْمُوعَ الْكُنْيَةِ اسْمٌ فَلَا يُعْرَبُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَدَاةِ أَوْ إِنَّ بِمَعْنَى نَعَمْ أَوْ إِنَّ مِنْ زَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ الْكِسَائِيِّ، وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يَجُوزُ الرَّفْعُ إِذَا جَعَلْتَ مِنْ صِفَةً لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ رَجُلًا أَوْ إِنْسَانًا مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ فَيَكُونُ اسْمُ إِنَّ مَحْذُوفًا وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وَقَوْلُهُ: أَبُو بَكْرٍ الْخَبَرُ، وَقَوْلُهُ أَمَنَّ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ، بِمَعْنَى إِنَّ أَبْذَلَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، لَا مِنَ الْمِنَّةِ الَّتِي تُفْسِدُ الصَّنِيعَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْخَوْخَةِ وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمِنَّةِ وَقَالَ: تَقْدِيرُهُ لَوْ كَانَ يَتَوَجَّهُ لِأَحَدٍ الِامْتِنَانُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَتَوَجَّهَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ: أَمَنَّ النَّاسِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مَا يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا مِنْ فَإِنْ قُلْنَا: زَائِدَةٌ؛ فَلَا تَخَالُفَ، وَإِلَّا فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لِغَيْرِهِ مُشَارَكَةً مَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ فِي ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ السِّيَاقِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا كَافَأْنَاهُ عَلَيْهَا ; مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ يَدٍ لِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ لِأَبِي بَكْرٍ رُجْحَانًا. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ أَطْلَقَ أَرَادَ أَنَّهُ أَرْجَحُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَمْ يُطْلِقْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى مَنْ شَارَكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ نَحْوَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَزَادَ: مِنَّةً أَعْتَقَ بِلَالًا وَمِنَّةً هَاجَرَ بِنَبِيِّهِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعَنْهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى: مَا أَحَدٌ أَعْظَمَ عِنْدِي يَدًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ: وَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْكَحَنِي ابْنَتَهُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ عَلَيْنَا مَنًّا أَبُو بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ. وَإِنَّ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ مَالًا أَبُو بَكْرٍ، أَعْتَقَ مِنْهُ بِلَالًا، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَأَخْرَجَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مِقْدَارُ الْمَالِ الَّذِي أَنْفَقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مَا تَرَكَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا.
قَوْلُهُ: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمَا: أَخْبَرَنِي خَلِيلِي ﷺ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا يُقَالُ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ وَلَا يُقَالُ: اللَّهُ خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ) أَيْ حَاصِلَةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ أَفْضَلُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ تَمَّامٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِلَفْظِ: وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ: وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، فَإِنَّ الْخُلَّةَ أَفْضَلُ مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَزِيَادَةً، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ مَوَدَّةَ الْإِسْلَامِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضُلُ مِنْ مَوَدَّتِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ بِمَعْنَى فَاضِلٍ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَاكُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ أَبِي بَكْرٍ عُرِفَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ مُتَفَاوِتَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَصْرِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَتَحْصِيلِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَلِأَبِي بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمُهُ وَأَكْثَرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَلَكِنْ خُوَّةُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا أَعْرِفُ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ أَجِدْ خُوَّةً بِمَعْنَى خُلَّةٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ
стр. 3842
وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ الْأَلِفَ سَقَطَتْ مِنَ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ فَحُذِفَ الْأَلِفُ، وَجَوَّزَ مَعَ حَذْفِهَا ضَمَّ نُونِ لَكِنْ وَسُكُونَهَا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ مَعَ إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ إِلَّا سُكُونُ النُّونِ فَقَطْ. وَفِي قَوْلِهِ: وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا إِلَخْ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَوْ كُنْتُ أَخُصُّ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ لَخَصَصْتُ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَذِبِ الشِّيعَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَصَّ عَلِيًّا بِأَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأُمُورِ الدِّينِ لَمْ يَخُصَّ بِهَا غَيْرَهُ. قُلْتُ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ وَمَا أبَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (لَا يَبْقَيَنَّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِنُونِ التَّأْكِيدِ، وَفِي إِضَافَةِ النَّهْيِ إِلَى الْبَابِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ عَدَمَ بَقَائِهِ لَازِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إِبْقَائِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تُبْقُوهُ حَتَّى لَا يَبْقَى. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا سُدَّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ خَوْخَةٌ بَدَلَ بَابٍ وَالْخَوْخَةُ طَاقَةٌ فِي الْجِدَارِ تُفْتَحُ لِأَجْلِ الضَّوْءِ وَلَا يُشْتَرَطُ عُلُوُّهَا، وَحَيْثُ تَكُونُ سُفْلَى يُمْكِنُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهَا لِاسْتِقْرَابِ الْوُصُولِ إِلَى مَكَانٍ مَطْلُوبٍ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا، وَلِهَذَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا بَابٌ، وَقِيلَ: لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا بَابٌ إِلَّا إِذَا كَانَتْ تُغْلَقُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، وَالْمَعْنَى لَا تُبْقُوا بَابًا غَيْرَ مَسْدُودٍ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ فَاتْرُكُوهُ بِغَيْرِ سَدٍّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا: فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِصَاصٌ ظَاهِرٌ لِأَبِي بَكْرٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ قَوِيَّةٌ إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْخِلَافَةِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُمْ فِيهِ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْبَابَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخِلَافَةِ وَالْأَمْرَ بِالسَّدِّ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَطْلُبَنَّ أَحَدٌ الْخِلَافَةَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي طَلَبِهَا، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ حَسَمَ بِقَوْلِهِ: سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَطْمَاعَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ بَعْدَهُ. وَقَوَّى بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ بِالسُّنْحِ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْدَ بَابٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ خَوْخَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مَنْزِلِهِ كَانَ بِالسُّنْحِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ دَارٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَسْجِدِ، وَمَنْزِلُهُ الَّذِي كَانَ بِالسُّنْحِ هُوَ مَنْزِلُ أَصْهَارِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ إِذْ ذَاكَ زَوْجَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِالِاتِّفَاقِ وَأُمُّ رُومَانَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَانَتْ بَاقِيَةً يَوْمَئِذٍ.
وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ كَلَامَ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ دَارَ أَبِي بِكْرٍ الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِي إِبْقَاءِ الْخَوْخَةِ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ كَانَتْ مُلَاصِقَةً لِلْمَسْجِدِ وَلَمْ تَزَلْ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ يُعْطِيهِ لِبَعْضِ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ فَبَاعَهَا فَاشْتَرَتْهَا مِنْهُ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهَا إِلَى أَنْ أَرَادُوا تَوْسِيعَ الْمَسْجِدِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَطَلَبُوهَا مِنْهَا لِيُوَسِّعُوا بِهَا الْمَسْجِدَ فَامْتَنَعَتْ وَقَالَتْ: كَيْفَ بِطَرِيقِي إِلَى الْمَسْجِدِ؟ فَقِيلَ لَهَا: نُعْطِيكِ دَارًا أَوْسَعَ مِنْهَا وَنَجْعَلُ لَكِ طَرِيقًا مِثْلَهَا، فَسَلَّمَتْ وَرَضِيَتْ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ فَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَيْهِ نُورًا.
(تَنْبِيهٌ): جَاءَ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ الَّتِي حَوْلَ الْمَسْجِدِ أَحَادِيثُ يُخَالِفُ ظَاهِرُهَا حَدِيثَ الْبَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَرْكِ بَابِ عَلِيٍّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ رِجَالُهَا ثِقَاتٌ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَدَدْتَ أَبْوَابَنَا، فَقَالَ: مَا أَنَا سَدَدْتُهَا وَلَكِنَّ اللَّهَ سَدَّهَا، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ لِنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ،
стр. 3843
فَتَكَلَّمَ نَاسٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ وَلَكِنْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَسُدَّتْ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ فَكَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ جُنُبٌ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ، فَرُبَّمَا مَرَّ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ النَّاسِ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ، وَلَقَدْ أُعْطِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَأَنْ يَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ وَوَلَدَتْ لَهُ، وَسَدَّ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَرَارٍ بِمُهْمَلَاتٍ قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا وَانْظُرْ إِلَى مَنْزِلَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَدَّ أَبْوَابَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَقَرَّ بَابَهُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا الْعَلَاءَ وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَكُلُّ طَرِيقٍ مِنْهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ فَضْلًا عَنْ مَجْمُوعِهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ عُمَرَ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْهُمْ، وَأَعَلَّهُ بِبَعْضِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ رُوَاتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وَأَعَلَّهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ فِي بَابِ أَبِي بَكْرٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ قَابَلُوا بِهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ فِي بَابِ أَبِي بَكْرٍ انْتَهَى، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ خَطَأً شَنِيعًا فَإِنَّهُ سَلَكَ فِي ذَلِكَ رَدَّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِتَوَهُّمِهِ الْمُعَارَضَةَ، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ:
وَرَدَ مِنْ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ، وَوَرَدَ مِنْ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَاتُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْرُقَ هَذَا الْمَسْجِدَ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَابَ عَلِيٍّ كَانَ إِلَى جِهَةِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُنْ لِبَيْتِهِ بَابٌ غَيْرُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرْ بِسَدِّهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ إِلَّا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّ بَيْتَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَمُحَصَّلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْأَمْرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، فَفِي الْأُولَى اسْتُثْنِيَ عَلِيٌّ لِمَا ذَكَرَهُ، وَفِي الْأُخْرَى اسْتُثْنِيَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُحْمَلَ مَا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ عَلَى الْبَابِ الْحَقِيقِيِّ وَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْبَابِ الْمَجَازِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَوْخَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِسَدِّ الْأَبْوَابِ سَدُّوهَا وَأَحْدَثُوا خِوَخًا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْهَا فَأُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِسَدِّهَا، فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لَا بَأْسَ بِهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَبِهَا جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ، وَهُوَ فِي أَوَائِلِ الثُّلُثِ الثَّالِثِ مِنْهُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي
الْأَخْبَارِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لَهُ بَابٌ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَخَوْخَةٌ إِلَى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، وَبَيْتُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ إِلَّا مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَنَّهُ كَانَ مُتَأَهِّلًا لِأَنْ يَتَّخِذَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَلِيلًا لَوْلَا الْمَانِعُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ لِلْخَلِيلِ صِفَةً خَاصَّةً تَقْتَضِي عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ تُصَانُ عَنِ التَّطَرُّقِ إِلَيْهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُهِمَّةٍ، وَالْإِشَارَةُ بِالْعِلْمِ الْخَاصِّ دُونَ التَّصْرِيحِ لِإِثَارَةِ أَفْهَامِ
стр. 3844
السَّامِعِينَ وَتَفَاوُتِ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَهْمِ وَأَنَّ مَنْ كَانَ أَرْفَعَ فِي الْفَهْمِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أَعْلَمُ، وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي اخْتِيَارِ مَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ شُكْرُ الْمُحْسِنِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضْلِهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْمُرَشَّحَ لِلْإِمَامَةِ يُخَصُّ بِكَرَامَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
٤ - بَاب فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ
٣٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃.
[الحديث: ٣٦٥٥ - طرفه في: ٣٦٩٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ - بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي رُتْبَةِ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْبَعْدِيَّةَ الزَّمَانِيَّةَ فَإِنَّ فَضْلَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ ثَابِتًا فِي حَيَاتِهِ ﷺ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ نَقُولُ: فُلَانٌ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ إِلَخْ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةِ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ كُنَّا لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ وَقَوْلُهُ: لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَيْ لَا نَجْعَلُ لَهُ مِثْلًا، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ فَيَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرُهُ وَرَوَى خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَقُولُ: إِذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ اسْتَوَى النَّاسُ، فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرُهُ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ آخِرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى تَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيُقَالُ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَطَائِفَةٌ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ حَزْمٍ، وَحَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا حَكَاهُ عَنْ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقِيَّتَهُ وَفَضْلَهُ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، قَالَ فَذَكَرْتُ لَهُ مَنْ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمْرُ، وَعُثْمَانُ وَيَسْكُتُونَ فَتَكَلَّمَ فِيهِمْ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ مَعِينٍ أَنْكَرَ رَأْيَ قَوْمٍ وَهُمُ الْعُثْمَانِيَّةُ الَّذِينَ يُغَالُونَ فِي حُبِّ عُثْمَانَ وَيَنْتَقِصُونَ عَلِيًّا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَضْلَهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ، وَدَلَّ هَذَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ السَّنَدُ إِلَيْهِ صَحِيحًا، وَتُعُقِّبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُكُوتِهِمْ إِذْ ذَاكَ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَدَمُ تَفْضِيلِهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي قَيَّدَهُ ابْنُ عُمَرَ فَيَخْرُجُ
حَدِيثُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّمَا أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ الَّتِي
стр. 3845
وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا نَافِعٌ، فَقَدْ تَابَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَقُولُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ثُمَّ نَدَعُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِمُ التَّفَاضُلَ إِذْ ذَاكَ أَنْ لَا يَكُونُوا اعْتَقَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ تَفْضِيلَ عَلِيٍّ عَلَى مَنْ سِوَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اعْتَرَفَ ابْنُ عُمَرَ بِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَقْيِيدُ الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَا كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، يَعْنِي فِي الْخِلَافَةِ كَذَا فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ. وَمِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَقُولُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَكُونُ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ؟ فَنَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ مَنِ اسْتُشْهِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَيَّنَ بَعْضَهُمْ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْعَبَّاسِ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ لَيْسَ قَائِلُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بَلْ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَفْضَلُهُمْ مُطْلَقًا عُمَرُ مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الْآتِي فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْمَنَامِ الَّذِي فِيهِ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ: وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ تَمَسُّكٌ وَاهٍ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الِاعْتِقَادِ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ عَلِيٍّ.
٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ
٣٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي.
٣٦٥٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ .. مِثْلَهُ.
٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْجَدِّ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي قال رسول الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ أَنْزَلَهُ أَبًا يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ"
٣٦٥٩ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ قَالَ ﷺ "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْر"
[الحديث ٣٦٥٩ - طرفاه في: ٧٢٢٠، ٧٣٦٠]
стр. 3846
٣٦٦٠ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ"
[الحديث ٣٦٦٠ - طرفاه في: ٣٨٥٧]
٣٦٦١ - حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقال النبي ﷺ : "أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ" فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ" ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالُوا لَا فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ "مَرَّتَيْنِ" فَقال النبي ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي" مَرَّتَيْنِ. فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا"
[الحديث ٣٦٦١ - طرفه في: ٤٦٤٠]
٣٦٦٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ فَقُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ فَقَالَ أَبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَعَدَّ رِجَالًا
[الحديث ٣٦٦٢ - طرفة في: ٤٣٥٨]
٣٦٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ" قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ قال النبي ﷺ : "فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵄"
٣٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
стр. 3847
﵁ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"
[الحديث ٣٦٦٤ - أطرافه في: ٧٠٢١، ٧٠٢٢، ٧٤٧٥]
٣٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ
فَقال رسول الله ﷺ : "إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ" قَالَ مُوسَى فَقُلْتُ لِسَالِمٍ أَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلاَّ ثَوْبَهُ"
[الحديث ٣٦٦٥ - أطرافه في: ٥٧٨٣، ٥٧٨٤، ٥٧٩١، ٦٠٦٢،]
٣٦٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ يَعْنِي الْجَنَّةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ وَبَابِ الرَّيَّانِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ"
٣٦٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ وَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلاَّ ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ "
٣٦٦٨ - "فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ [٣٠ الزمر]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وقال [١٤٤ آل
стр. 3848
عمران] ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ قَالَ وَاجْتَمَعَتْ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَالَ عُمَرُ بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ اللَّهُ"
٣٦٦٩ - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ" شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى (ثَلَاثًا) وَقَصَّ الْحَدِيثَ قَالَتْ فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلاَّ نَفَعَ اللَّهُ بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ"
٣٦٧٠ - " ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ "
٣٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ "قُلْتُ لِأَبِي أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ عُمَرُ وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ ثُمَّ أَنْتَ قَالَ: مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"
٣٦٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ فَعَاتَبَنِي وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا
стр. 3849
يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [٤٣ النساء]، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ"
٣٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَاضِرٌ عَنْ الأَعْمَشِ
٣٦٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقُلْتُ: لَالْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَاكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا قَالَ فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا، فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ- وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ- حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ لَاكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة". فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يُرِيدُ- أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" فَجِئْتُ فَقُلْتُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ إِنْ يُرِدْ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ" فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُ مِنْ الشَّقِّ الْآخَرِ قَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
стр. 3850
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ"
[الحديث ٣٦٧٤ - أطرافه في: ٣٦٩٣، ٣٦٩٥، ٦٢١٦، ٧٠٩٧، ٧٢٦٢،]
٣٦٧٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ.
[الحديث ٣٦٧٥، طرفاه في: ٣٦٨٦، ٣٦٩٩،]
٣٦٧٦ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا صَخْرٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَمَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا جَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ فَنَزَعَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ" قَالَ وَهْبٌ: الْعَطَنُ مَبْرَكُ الإِبِلِ يَقُولُ: حَتَّى رَوِيَتْ الإِبِلُ، فَأَنَاخَتْ "
٣٦٧٧ - حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَكِّيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوْا اللَّهَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتُ لَارْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" فَإِنْ كُنْتُ لَارْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ"
[الحديث ٣٦٧٧ - طرفه في: ٣٦٨٥]
٣٦٧٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر ٢٨]
[الحديث ٣٦٧٨ - طرفاه في: ٣٨٥٦، ٤٨١٥]
стр. 3851
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ السَّابِقِ قَبْلُ بِبَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأُولَى: قَوْلُهُ: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرَ رَبِّي وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا. وَقَدْ تَوَارَدَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى نَفْيِ الْخُلَّةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ أَحْدَثَ عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَقَدِ اتَّخَذَ مِنْ أُمَّتِهِ خَلِيلًا، وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ. أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَخْرَجَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ فِي فَوَائِدِهِ، وَهَذَا يُعَارِضُهُ مَا فِي رِوَايَةِ جُنْدَبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ: إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ أُبَيٍّ أَمْكَنَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمَّا بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ وَإِعْظَامًا لَهُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِمَا رَأَى مَنْ تَشَوُّفِهِ إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَلَا يَتَنَافَى الْخَبَرَانِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ دُونَ التَّقْيِيدِ بِالْخَمْسِ، أَخْرَجَهُ الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْخَبَرَانِ وَاهِيَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي) فِي رِوَايَةِ خَيْثَمَةَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا قَبْلَ بَابٍ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ التَّنُوخِيُّ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخَلِيلِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّدَاقَةِ هلْ هِيَ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخُلَّةُ أَرْفَعُ رُتْبَةً، وَهُوَ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَلِيلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَدْ ثَبَتَتْ مَحَبَّتُهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ كَأَبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا اتِّصَافُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِالْخُلَّةِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ بِالْمَحَبَّةِ فَتَكُونُ الْمَحَبَّةُ أَرْفَعَ رُتْبَةً مِنَ الْخُلَّةِ، لِأَنَّهُ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا فَيَكُونُ رُجْحَانُهُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخَلِيلُ هُوَ الَّذِي يُوَافِقُكَ فِي خِلَالِكَ وَيُسَايِرُكَ فِي طَرِيقِكَ، أَوِ الَّذِي يَسُدُّ خَلَلَكَ وَتَسُدُّ خَلَلَهُ، أَوْ يُدَاخِلُكَ خِلَالَ مَنْزِلِكَ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهُ مِمَّا ذُكِرَ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْخُلَّةِ انْقِطَاعُ الْخَلِيلِ إِلَى خَلِيلِهِ، وَقِيلَ: الْخَلِيلُ مَنْ يَتَخَلَّلُهُ سِرُّكَ، وَقِيلَ: مَنْ لَا يَسَعُ قَلْبُهُ غَيْرَكَ، وَقِيلَ: أَصْلُ الْخُلَّةِ الِاسْتِصْفَاءُ، وَقِيلَ: الْمُخْتَصُّ بِالْمَوَدَّةِ، وَقِيلَ: اشْتِقَاقُ الْخَلِيلِ مِنَ الْخَلَّةِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُخَالُّهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، أَمَّا خُلَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ فَبِمَعْنَى نَصْرِهِ لَهُ وَمُعَاوَنَتِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَعْنَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْجَدِّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْضُ أَهْلِهَا وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَعَلَهُ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَعَلَهُ عَلَى الْقَضَاءِ فَجَاءَهُ كِتَابُهُ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْجَدِّ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنَّهُ أَخِي فِي الدِّينِ، وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فِي هَذَا
стр. 3852
الْحَدِيثِ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا سِوَى اللَّهِ حَتَّى أَلْقَاهُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ مُحَمَّدَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَتَتِ امْرَأَةٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا.
قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي.
قَوْلُهُ: (إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ، كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الْبِلَاذَرِيِّ قَالَتْ: فَإِنْ رَجَعْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ، تُعَرِّضُ بِالْمَوْتِ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ يُقَوِّي جَزْمَ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّهُ كَلَامٌ جَيِّدٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْأَحْكَامِ كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ وَمُرَادُهَا: إِنْ جِئْتُ فَوَجَدْتُكَ قَدْ مِتَّ مَاذَا أَعْمَلُ؟ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ قَائِلِ كَأَنَّهَا فَجَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ مَنْ دُونَهُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَنْ نَدْفَعُ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا بَعْدَكَ؟ قَالَ: إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ أَصْرَحَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، لَكِنْ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ: بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْرَابِيًّا فَسَأَلَهُ إِنِ أَتَى عَلَيْهِ أَجَلُهُ مَنْ يَقْضِيهِ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ سَأَلَهُ مَنْ يَقْضِيهِ بَعْدَهُ؟ قَالَ: عُمَرُ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوَاعِيدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ تَنْجِيزُهَا. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الحديث الخامس.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ) هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، بَغْدَادِيُّ الْأَصْلِ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ وَاسْمُ أَبِيهِ سُلَيْمَانُ، وَصَفَهُ أَبُو زُرْعَةَ بِالْحِفْظِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ ; وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ) بِالْجِيمِ هُوَ الْكُوفِيُّ، قَوَّاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَجَمَاعَةٌ، وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَبَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هَمَّامٍ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَمهْوَرِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ هَمَّامَ بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَعَمَّارَ هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، وَالْإِسْنَادُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (وَمَا مَعَهُ) أَيْ مِمَّنْ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا خَمْسَةَ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ) أَمَّا الْأَعْبُدُ فَهُمْ: بِلَالٌ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا مَعَ أَبِي بَكْرٍ - وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْتَقَهُ - وَأَبُو فُكَيْهَةَ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَ بِلَالٌ فَعَذَّبَهُ أُمَيَّةُ فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهُ. وَأَمَّا الْخَامِسُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِشُقْرَانَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ السَّكَنِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَهُ مِنْ أَبِيهِ هُوَ وَأُمَّ أَيْمَنَ، وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا بَدَلَ أَبِي فُكَيْهَةَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَبُوهُ وأمه فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ وَأُمُّهُ أَوَّلُ مَنِ اسْتُشْهِدَتْ فِي الْإِسْلَامِ طَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ فِي قلبهَا بِحَرْبَةٍ فَمَاتَتْ، وَأَمَّا الْمَرْأَتَانِ فَخَدِيجَةُ وَالْأُخْرَى أُمُّ أَيْمَنَ أَوْ سُمَيَّةُ، وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا تَبَعًا للدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهَا أُمُّ الْفَضْلِ زَوْجِ الْعَبَّاسِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي السَّابِقِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَعُدَّ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى الْعَبَّاسِ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ.
كَذَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَحْرَارِ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّ مُرَادَ عَمَّارٍ بِذَلِكَ مِمَّنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقَارِبِهِمْ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ سَعْدٍ إِنَّهُ كَانَ ثُلُثَ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَى إِسْلَامِهِ مِمَّنْ سَبَقَ إِسْلَامُهُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ)
стр. 3853
هُوَ الدِّمَشْقِيُّ، ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَكُلُّهُمْ دِمَشْقِيُّونَ، وَبُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ سَأَلْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا صَاحِبُكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمَّا صَاحِبُكَ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ غَامَرَ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خَاصَمَ، وَالْمَعْنَى دَخَلَ فِي غَمْرَةِ الْخُصُومَةِ، وَالْغَامِرُ الَّذِي يَرْمِي بِنَفْسِهِ فِي الْأَمْرِ الْعَظِيمِ كَالْحَرْبِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْغِمْرِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحِقْدُ، أَيْ صَنَعَ أَمْرًا اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَحْقِدَ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ مَعَهُ وَيَحْقِدُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ: غَامَرَ أَيْ سَبَقَ بِالْخَيْرِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُسْتَغْرَبٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدْ عَزَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْمُثَنَّى أَيْضًا، فَهُوَ سَلَفُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَقَسِيمُ قَوْلِهِ: أَمَّا صَاحِبُكُمْ مَحْذُوفٌ أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا.
قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ السَّلَامِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ حَتَّى سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الرَّدِّ وَهُوَ مِمَّا يُحْذَفُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي التَّفْسِيرِ مُحَاوَرَةٌ وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مُرَاجَعَةٌ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى مُعَاتَبَةٌ وَفِي لَفْظٍ مُقَاوَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ) فِي التَّفْسِيرِ فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ، عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ مُغْضَبًا فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَدِمْتُ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ مُبَارَكِ عَلَى مَا كَانَ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَبَى عَلَيَّ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ فَتَبِعْتُهُ إِلَى الْبَقِيعِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ دَارِهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْهِسِنْجَانِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَتَحَرَّزَ مِنِّي بِدَارِهِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا) أَيْ أَعَادَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (يَتَمَعَّرُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَذْهَبُ نَضَارَتُهُ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَرِّ وَهُوَ الْجَرَبُ يُقَالُ: أَمْعَرَ الْمَكَانُ إِذَا أَجْرَبَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَمَغَّرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَحْمَرُّ مِنَ الْغَضَبِ فَصَارَ كَالَّذِي صُبِغَ بِالْمَغْرَةِ، وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَجَلَسَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ - أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ تَحَوَّلَ فَجَلَسَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى إِعْرَاضَكَ إِلَّا لِشَيْءٍ بَلَغَكَ عَنِّي، فَمَا خَيْرُ حَيَاتِي وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنِّي؟ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْكَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَقْبَلْ مِنْهُ؟ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: يَسْأَلُكَ أَخُوكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا مِنْ مَرَّةٍ يَسْأَلُنِي إِلَّا وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ بَعْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُمَرَ مَا يَكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَجَثَا) بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَيْ بَرَكَ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ) فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي بَدَأَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَرَّتَيْنِ) أَيْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ كُنْتُ أَظْلَمَ.
قَوْلُهُ: (وَوَاسَانِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ وَاسَانِي وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَهُوَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ وَهِيَ بِلَفْظِ الْمُفَاعَلَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَجْعَلُ يَدَهُ وَيَدَ صَاحِبِهِ فِي مَالِهِ سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (تَارِكُو لِي صَاحِبِي) فِي التَّفْسِيرِ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي وَهِيَ الْمُوَجَّهَةُ حَتَّى قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: إِنَّ حَذْفَ النُّونِ مِنْ خَطَإِ الرُّوَاةِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ
следующие страницы →