← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3884–3923 · переход к 3889.

стр. 3884

مِنْهُ مَالًا، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَاخْتَصَمَا، فَبَلَغَ عُثْمَانَ فَغَضِبَ عَلَيْهِمَا وَعَزَلَ سَعْدًا، وَاسْتَحْضَرَ الْوَلِيدَ وَكَانَ عَامِلًا بِالْجَزِيرَةِ عَلَى عُسْرٍ بِهَا فَوَلَّاهُ الْكُوفَةَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ) أَيْ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ، أَيْ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيمَا فَعَلَ بِهِ، أَيْ مِنْ تَرْكِهِ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَإِنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ عَزْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِهِ مَعَ كَوْنِ سَعْدٍ أَحَدَ الْعَشَرَةِ وَمِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَالسُّنَنِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّبْقِ إِلَى الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَتَّفِقْ شَيْءٌ مِنْهُ لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَالْعُذْرُ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ عَزَلَ سَعْدًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الصَّلَاةِ وَأَوْصَى عُمَرُ مَنْ يَلِي الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ أَنْ يُوَلِّيَ سَعْدًا قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ خِيَانَةٍ وَلَا عَجْزٍ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مَقْتَلِ عُمَرَ قَرِيبًا، فَوَلَّاهُ عُثْمَانُ امْتِثَالًا لِوَصِيَّةِ عُمَرَ، ثُمَّ عَزَلَهُ لِلسَّبَبِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَوَلَّى الْوَلِيدَ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ كِفَايَتِهِ لِذَلِكَ وَلِيَصِلَ رَحِمَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ سُوءُ سِيرَتِهِ عَزَلَهُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ لِيَكْشِفَ عَنْ حَالِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا وَضَحَ لَهُ الْأَمْرُ أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا شَهِدُوا عِنْدَهُ عَلَى الْوَلِيدِ حَبَسَهُ. قَوْلُهُ: (فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حَتَّى خَرَجَ) أَيْ أَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ الْقَصْدِ خُرُوجَ عُثْمَانَ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حِينَ خَرَجَ وَهِيَ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْقَصْدَ صَادَفَ وَقْتَ خُرُوجِهِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهَا تُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَصَدَ إِلَيْهِ ثُمَّ انْتَظَرَهُ حَتَّى خَرَجَ، يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ: فَانْتَصَبْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ. قَوْلُهُ: (إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ مِنْكَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ. قَوْلُهُ: (قَالَ مَعْمَرٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ) هَذَا تَعْلِيقٌ أَرَادَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ الْخِلَافِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ قَدْ وَصَلَهَا فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَلَفْظُهُ هُنَاكَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَلِّمَهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَعْذُورٌ فَيَضِيقُ بِذَلِكَ صَدْرُهُ. قَوْلُهُ: (فَانْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَحَدَّثْتُهُمَا بِالَّذِي قُلْتُ لِعُثْمَانَ وَقَالَ لِي، فَقَالَا: قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُمَا إِذْ جَاءَنِي رَسُولُ عُثْمَانَ، فَقَالَا لِي: قَدْ ابْتَلَاكَ اللَّهُ، فَانْطَلَقْتُ وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّسُولِ. قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ) هُوَ بِفَتْحِ كُنْتَ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ وَكَذَا هَاجَرْتَ وَصَحِبْتَ، وَأَرَادَ بِالْهِجْرَتَيْنِ الْهِجْرَةَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَالْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُمَا قَرِيبًا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ أَيْ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الطَّرِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ: وَكُنْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ) زَادَ مَعْمَرٌ ابْنِ عُقْبَةَ فَحَقَّ عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قَوْلُهُ: (قَالَ: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: لَا) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أُخْتِي، وَفِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ: قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ؟ قَالَ: لَا، وَمُرَادُهُ بِالْإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ السَّمَاعِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ، وَبِالرُّؤْيَةِ رُؤْيَةُ الْمُمَيِّزِ لَهُ، وَلَمْ يُرِدْ هُنَا الْإِدْرَاكَ بِالسِّنِّ فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي قِصَّةِ مَقْتَلِ حَمْزَةَ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَبَاهُ عَدِيُّ بْنُ الْخِيَارِ قُتِلَ كَافِرًا وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَهُ فِي طَبَقَةِ الْفَتْحِيِّيِّنَ، وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمَحْكِيَّةَ هُنَا وَقَعَتْ لِعَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ نَفْسِهِ مَعَ عُثْمَانَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اسْتَثْبَتَ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ لِيُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي ظَنَّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ عُثْمَانَ لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ. قُلْتُ: وَيُفَسِّرُ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ زَاهِرٍ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 3885

فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَإِنَّ نَاسًا يُعَلِّمُونِي سُنَّتَهُ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ. قَوْلُهُ: (خَلُصَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ وَصَلَ، وَأَرَادَ ابْنُ عَدِيٍّ بِذَلِكَ أَنَّ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَكْتُومًا وَلَا خَاصًّا بَلْ كَانَ شَائِعًا ذائعا حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْعَذْرَاءِ الْمُسْتَتِرَةِ، فَوُصُولُهُ إِلَيْهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ) يَعْنِي قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَمَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (أَفَلَيْسَ لِي مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَهَمٌ يَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ) كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي سَبَبِ تَأْخِيرِهِ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْوَلِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ يَجْلِدَهُ. قَوْلُهُ: (فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَجَلَدَ الْوَلِيدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَالْوَهَمُ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ شُبَيْبُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَاسَانِ قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ أَتَى بِالْوَلِيدِ وَقَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانَ يَعْنِي مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ انْتَهَى، وَالشَّاهِدُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قِيلَ هُوَ الصَّعْبُ بْنُ جُثَامَةَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَيْفٍ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَدُ الصَّعْبِ وَاسْمُهُ جُثَامَةُ كَاسْمِ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَبَا زَيْنَبَ ابْنَ عَوْفٍ الْأَسَدِيَّ، وَأَبَا مُوَرِّعٍ الْأَسَدِيَّ، وَكَذَلِكَ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي الضُّحَى وَقَالَ: لَمَّا بَلَغَ عُثْمَانَ قِصَّةُ الْوَلِيدِ اسْتَشَارَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَحْضِرَهُ فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ حَدَدْتَهُ، فَفَعَلَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَبُو زَيْنَبَ، وَأَبُو مُوَرِّعٍ، وَجُنْدَبُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، فَذَكَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي سَاسَانَ، وَفِيهِ فَضَرَبَهُ بِمِخْصَرَةٍ لَهَا رَأْسَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ الْحُطَيْئَةُ فِي ذَلِكَ: شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ … أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ … أَأَزِيدُكُمْ سَفَهًا وَمَا يَدْرِي فَأَتَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا … لَقَرَنْتُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ … تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي وَذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ فِي الْمُرُوجِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلَّذَيْنِ شَهِدُوا: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ؟ قَالُوا: هِيَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْوَلِيدَ وَلِيَ الْكُوفَةَ خَمْسَ سِنِينَ، قَالُوا: وَكَانَ جَوَادًا، فَوَلَّى عُثْمَانُ بَعْدَهُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةً عَادِلَةً فَكَانَ بَعْضُ الْمَوَالِي يَقُولُ: يَا وَيْلَنَا قَدْ عُزِلَ الْوَلِيدُ … وَجَاءَنَا مُجَوِّعًا سَعِيدُ … يُنْقِصُ فِي الصَّاعِ وَلَا يَزِيدُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ اسْكُنْ أُحُدُ بِضَمِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُفْرَدٌ وَحُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَقَدْ

стр. 3886

تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ حِرَاءٍ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ، ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُؤَيِّدُهُ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَسَعْدٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَآخَرُ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَاذَانُ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُمَرَ، عَلِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي زَمَانِهِ ﷺ حَدِيثَ السِّنِّ. قَالَ: وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ الِازْدِرَاءَ بِهِ، وَلَا تَأْخِيرَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ، انْتَهَى. وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ السِّنِّ بَعِيدٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي التَّفْضِيلِ الْمَذْكُورِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَأْوِيلِ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً مِنْ تَقْدِيمِ عَلِيٍّ بَعْدَ عُثْمَانَ، وَمِنْ تَقْدِيمِ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَمِنَ تَقْدِيمِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا النَّفْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي التَّفْضِيلِ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ فَضَائِلُ الثَّلَاثَةِ ظُهُورًا بَيِّنًا فَيَجْزِمُونَ بِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ اطَّلَعُوا عَلَى التَّنْصِيصِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ، وَقَدْ حُمِلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْتِيبِ فِي التَّفْضِيلِ، وَاحْتَجَّ فِي التَّرْبِيعِ بِعَلِيٍّ بِحَدِيثِ سَفِينَةِ مَرْفُوعًا: الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ كُنَّا نَتْرُكُ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّيِّنَ اخْتَلَفُوا فِي صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ لَا فِي صِيغَةِ كُنَّا لَا نَفْعَلُ لِتَصَوُّرِ تَقْرِيرِ الرَّسُولِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فَمَا هُوَ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ حَتَّى يَكْفِيَ فِيهِ الظَّنُّ، وَلَوْ سَلَّمْنَا فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقَعَ لَهُمْ فِي بَعْضِ أَزْمِنَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَقَدْ مَضَتْ تَتِمَّةُ هَذَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَيِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَابْنُ صَالِحٍ هَذَا هُوَ الْجُهَنِيُّ كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعِجْلِيُّ وَالِدُ أَحْمَدَ صَاحِبِ كِتَابِ الثِّقَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَةِ إِثْبَاتَ الطَّرِيقِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ؛ لِأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَاذَانَ فَقَالَ: عَنِ الْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ فَكَأَنَّ لِشَاذَانِ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمَّارٍ، وَالرَّمَادِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدَةُ أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، وَحُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ. قَوْلُهُ: (عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ) نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ مِنْ طَبَقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَفِي الرُّوَاةِ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْ هَذَا، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، رَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَحْدَهُ أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَحَجَّ الْبَيْتَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلَا عَلَى اسْمِ مَنْ أَجَابَهُ مِنَ الْقَوْمِ وَلَا عَلَى أَسْمَاءِ الْقَوْمِ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَا قَدْ يُقَرِّبُ أَنَّهُ الْعَلَاءُ بْنُ عَيْزَارَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ، وَكَذَا فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ بَعْدَ هَذَا، وَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ

стр. 3887

أَنَّ الَّذِي بَاشَرَ السُّؤَالَ اسْمُهُ حَكِيمٌ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ) أَيِ الْكَبِيرُ (فِيهِمْ) الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِ. قَوْلُهُ: (هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ إِلَخْ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مِمَّنْ يَتَعَصَّبُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَرَادَ بِالْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ أَنْ يُقَرِّرَ مُعْتَقَدَهُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَبَّرَ مُسْتَحْسِنًا لِمَا أَجَابَهُ بِهِ ابْنُ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ) كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْهُ مُرَادَهُ لَمَّا كَبَّرَ، وَإِلَّا لَوْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ سُؤَالِهِ لَقَرَنَ الْعُذْرَ بِالْجَوَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَابَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَأَظْهَرَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ الْعُذْرَ عَنْ جَمِيعِهَا: أَمَّا الْفِرَارُ فَبِالْعَفْوِ، وَأَمَّا التَّخَلُّفُ فَبِالْأَمْرِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُ مَنْ شَهِدَ مِنْ تَرَتُّبِ الْأَمْرَيْنِ الدُّنْيَوِيِّ وَهُوَ السَّهْمُ وَالْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ الْأَجْرُ، وَأَمَّا الْبَيْعَةُ فَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ لِعُثْمَانَ مِنْ يَدِهِ. كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ نَفْسِهِ فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ عَاتَبَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ عَلَيَّ؟ فَذَكَرَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ، فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ. قَالَ فِي هَذِهِ: فَشِمَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ لِي مِنْ يَمِينِي. قَوْلُهُ: (فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ) يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِيَ رُقَيَّةُ، فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عُثْمَانَ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى رُقَيَّةَ فِي مَرَضِهَا لَمَّا خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ، فَمَاتَتْ رُقَيَّةُ حِينَ وَصَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِالْبِشَارَةِ، وَكَانَ عُمْرُ رُقَيَّةَ لَمَّا مَاتَتْ عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ مَاتَ بَعْدَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ بِبَطْنِ مَكَّةَ أَعَزَّ مِنْ عُثْمَانَ) أَيْ عَلَى مَنْ بِهَا (لَبَعَثَهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (مَكَانَهُ) أَيْ بَدَلَ عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُثْمَانَ لِيُعْلِمَ قُرَيْشًا أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا لَا مُحَارِبًا، فَفِي غَيْبَةِ عُثْمَانَ شَاعَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَعَرَّضُوا لِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَعَدَّ الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ وَبَايَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ عُثْمَانَ. وَقِيلَ: بَلْ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَيْعَةِ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أَيْ أَشَارَ بِهَا. قَوْلُهُ: (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) أَيْ بَدَلَهَا، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، فَقَالَ: هَذِهِ - أَيِ الْبَيْعَةُ - لِعُثْمَانَ أَيْ: عَنْ عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ) أَيِ اقْرِنْ هَذَا الْعُذْرَ بِالْجَوَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَكَ فِيمَا أَجَبْتُكَ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَا كُنْتَ تَعْتَقِدُهُ مِنْ غَيْبَةِ عُثْمَانَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ تَهَكُّمًا بِهِ، أَيْ تَوَجَّهْ بِمَا تَمَسَّكْتَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ بَعْدَمَا بَيَّنْتُ لَكَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةٌ لِمَا دَارَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ قَبْلَ بحَدِيثَيْنِ، وَالَّذِي أَوْرَدْنَاهُ هُوَ تَرْتِيبُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ. ٨ - بَاب قِصَّةِ الْبَيْعَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَفِيهِ مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ ٣٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ ووَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ

стр. 3888

قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ. قَالَ: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ. قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا. قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ. قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ - وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوْ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ - فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ، حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا، فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي، فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَامُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: الصَّنَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ - أَيْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا -. قَالَ: كَذَبْتَ، بَعْدَمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ، وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ؟ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: لَا بَأْسَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: أَخَافُ عَلَيْهِ، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاءَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ. قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ، قَالَ: إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ، انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، وَلَا تَقُلْ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ

стр. 3889

وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلَأُوثِرَنَّه بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ، قَالَ: ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ، فَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلًا لَهُمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنْ الدَّاخِلِ، فَقَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ. قَالَ: مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ - أَوْ الرَّهْطِ - الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى: عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ - كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ - فَإِنْ أَصَابَتْ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ. وَقَالَ: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَامِ، وَجُبَاةُ الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَعْرَابِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ، وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ، فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قَالَتْ: أَدْخِلُوهُ، فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُ عَنْ أَفْضَلِكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ. فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ

стр. 3890

وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ الْبَيْعَةِ) أَيْ بَعْدَ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ) زَادَ السَّرَخْسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: وَمَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَيْضًا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ ابن أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَارِثِ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ زَوَائِدُ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ. وَرَوَى بَعْضَ قِصَّةِ مَقْتَلِ عُمَرَ أَيْضًا أَبُو رَافِعٍ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ حِبَّانَ، وَجَابِرٌ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَمَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ (بِأَيَّامٍ) أَيْ أَرْبَعَةٍ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (بِالْمَدِينَةِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ، وَفِيهِ قِصَّةُ صُهَيْبٍ، وَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِالِاتِّفَاقِ. قَوْلُهُ: (وَوَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ) الْأَرْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هِيَ أَرْضُ السَّوَادِ، وَكَانَ عُمَرُ بَعَثَهُمَا يَضْرِبَانِ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ وَعَلَى أَهْلِهَا الْجِزْيَةُ، بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ انْظُرَا أَيْ فِي التَّحْمِيلِ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَذَرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ. قَوْلُهُ: (قَالَا حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوْ شِئْتُ لَأَضْعَفْتُ أَرْضِي أَيْ: جَعَلْتُ خَرَاجَهَا ضِعْفَيْنِ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: لَقَدْ حَمَّلْتُ أَرْضِي أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: لَئِنْ زِدْتُ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ دِرْهَمَيْنِ وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ لَأَطَاقُوا ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ. قَوْلُهُ: (إِنِّي لَقَائِمٌ) أَيْ فِي الصَّفِّ نَنْتَظِرُ صَلَاةَ الصُّبْحِ. قَوْلُهُ: (مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أَيْ عُمَرَ (إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ: إِلَّا رَجُلَانِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ) أَيْ فِي الصُّفُوفِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِمْ أَيْ فِي أَهْلِهَا (خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ) وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ: وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ تَأَخَّرَ بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ، فَقَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى لَا يَرَى خَلَلًا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ وَيُكَبِّرُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: شَهِدْتُ عُمَرَ يَوْمَ طُعِنَ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إِلَّا هَيْبَتُهُ، وَكَانَ رَجُلًا مَهِيبًا، وَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَانَ عُمَرُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ رَأَى رَجُلًا مُتَقَدِّمًا مِنَ الصَّفِّ أَوْ مُتَأَخِّرًا ضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنِي مِنْهُ. قَوْلُهُ: (قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: فَتَقَدَّمَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، فَقَالَ: قَتَلَنِي الْكَلْبُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ: فَعَرَضَ لَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَتَأَخَّرَ عُمَرُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ طَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ، فَرَأَيْتُ عُمَرَ قَائِلًا بِيَدِهِ هَكَذَا يَقُولُ: دُونَكُمُ الْكَلْبُ فَقَدْ قَتَلَنِي، وَاسْمُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ، فَيْرُوزُ كَمَا سَيَأْتِي، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ لَا يَأْذَنُ لِسَبْيٍ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ

стр. 3891

صَانِعًا وَيَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْمَدِينَةَ وَيَقُولُ: إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا تَنْفَعُ النَّاسَ، إِنَّهُ حَدَّادٌ نَقَّاشٌ نَجَّارٌ، فَأَذِنَ لَهُ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً، فَشَكَا إِلَى عُمَرَ شِدَّةَ الْخَرَاجِ، فَقَالَ لَهُ: مَا خَرَاجُكَ بِكَثِيرٍ فِي جَنْبِ مَا تَعْمَلُ، فَانْصَرَفَ سَاخِطًا، فَلَبِثَ عُمَرُ لَيَالِيَ، فَمَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فَقَالَ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عَابِسًا فَقَالَ: لَأَصْنَعَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ: تَوَعَّدَنِي الْعَبْدُ، فَلَبِثَ لَيَالِيَ ثُمَّ اشْتَمَلَ عَلَى خِنْجَرٍ ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابُهُ وَسَطُهُ فَكَمَنَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ حَتَّى خَرَجَ عُمَرُ يُوقِظُ النَّاسَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَرُ وَثَبَ إِلَيْهِ فَطَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ السُّرَّةِ قَدْ خَرَقَتِ الصِّفَاقَ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ، وَكَانَ يَسْتَغِلُّهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ - أَيْ كُلَّ يَوْمٍ - فَلَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ أَثْقَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ إِلَيْهِ، وَمِنْ نِيَّةِ عُمَرَ أَنْ يَلْقَى الْمُغِيرَةَ فَيُكَلِّمَهُ فَيُخَفِّفَ عَنْهُ، فَقَالَ الْعَبْدُ: وَسِعَ النَّاسَ عَدْلُهُ غَيْرِي، وَأَضْمَرَ عَلَى قَتْلِهِ، فَاصْطَنَعَ لَهُ خِنْجَرًا لَهُ رَأْسَانِ وَسَمَّهُ، فَتَحَرَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ حَتَّى قَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَلَمَّا كَبَّرَ طَعَنَهُ فِي كَتِفِهِ وَفِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ: رَأَيْتُ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَمَا مَرَّ إِلَّا تِلْكَ الْجُمْعَةُ حَتَّى طُعِنَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فَحَدَّثْتُهَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهُ يَقْتُلُنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ بِأَبِي لُؤْلُؤَةَ الْبَيْتَ لِيُصْلِحَ لَهُ ضَبَّةً لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مُرِ الْمُغِيرَةَ أَنْ يَضَعَ عَنِّي مِنْ خَرَاجِي، قَالَ: إِنَّكَ لَتَكْسِبُ كَسْبًا كَثِيرًا فَاصْبِرْ الْحَدِيثُ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، عُمَرَ طَعْنَتَيْنِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَةَ الَّتِي قَتَلَتْهُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ: اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَهُ، وَهُوَ ثَالِثُ عَشَرَ، زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: وَعَلَى عُمَرَ إِزَارٌ أَصْفَرُ قَدْ رَفَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَلَمَّا طُعِنَ قَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. قَوْلُهُ: (مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ) أَيْ وَعَاشَ الْبَاقُونَ، وَوَقَفْتُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ عَلَى كُلَيْبِ بْنِ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ وَلَهُ وَلِإِخْوَتِهِ عَاقِلٍ، وَعَامِرٍ، وَإِيَاسٍ صُحْبَةٌ، فَرُوِّينَا فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عُمَرَ صَادِرًا مِنَ الْحَجِّ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فَدَفَنَهَا كُلَيْبٌ اللَّيْثِيُّ فَشَكَرَ لَهُ ذَلِكَ عُمَرُ، وَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ لَمَّا طَعَنَ عُمَرَ فَمَاتَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ: طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَكُلَيْبٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ عُمَرَ: فَطَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، كُلَيْبَ بْنَ الْبُكَيْرِ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا) وَقَعَ فِي ذَيْلِ الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ فَتْحُونَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ لَهُ: حِطَّانُ التَّمِيمِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ: طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ نَفَرًا فَأَخَذَ أَبَا لُؤْلُؤَةَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ، وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الزُّهْرِيَّانِ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَطَرَحَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ خَمِيصَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ اشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ. وَرَوَى سَعْدٌ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْفٍ الْمَذْكُورَ احْتَزَّ رَأْسَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ. قَوْلُهُ: (وَتَنَاوَلَ عمر يد

стр. 3892

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ) أَيْ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ. قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ بِأَقْصَرَ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ: ثُمَّ غَلَبَ عُمَرَ النَّزْفُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَاحْتَمَلْتُهُ فِي رَهْطٍ حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَهُ فَلَمْ يَزَلْ فِي غَشْيَتِهِ حَتَّى أَسْفَرَ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَا إِسْلَامَ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصبح، فَقَرَأَ فِي الْأُولَى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ: وَتَسَانَدَ إِلَيَّ وَجُرْحُهُ يَثْعبُ دَمًا، إِنِّي لِأَضَعُ إصْبعِي الْوُسْطَى فَمَا تَسُدُّ الْفَتْقَ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَعَنْ مَلَأٍ مِنْكُمْ كَانَ هَذَا؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ، مَا عَلِمْنَا وَلَا اطَّلَعْنَا، وَزَادَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ: فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّ لَهُ ذَنْبًا إِلَى النَّاسِ لَا يَعْلَمُهُ فَدَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ - وَكَانَ يُحِبُّهُ وَيُدْنِيهِ - فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ عَنْ مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ هَذَا؟ فَخَرَجَ لَا يَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَهُمْ يَبْكُونَ، فَكَأَنَّمَا فَقَدُوا أَبْكَارَ أَوْلَادِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ الْبِشْرَ فِي وَجْهِهِ. قَوْلُهُ: (الصَّنَعَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ سَعْدٍ: الصَّنَاعُ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ صَنَعُ الْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعُ الْيَدِ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ: الصَّنَاعُ وَالصَّنَعُ: يَقَعَانِ مَعًا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَجْعَلٌ مِيتَتِي) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ قِتْلَتِي، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَنِيَّتِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ. قَوْلُهُ: (رَجُلٌ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ: فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ قَاتِلِي يُحَاجُّنِي عِنْدَ اللَّهِ بِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لَهُ قَطُّ، وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ: يُحَاجُّنِي بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا تُرْجَى لَهُ الْمَغْفِرَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ أَبَدًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَاتَلَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَحِفْ عَلَيْهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَعْجَلُوا عَلَى الَّذِي قَتَلَنِي، فَقِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَاسْتَرْجَعَ عُمَرُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَوْلُهُ: (قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا مِنْ عَمَلِ أَصْحَابِكَ، كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا عِلْجٌ مِنَ السَّبْيِ فَغَلَبْتُمُونِي، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ أَصَابَنِي؟ قَالُوا: أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ. قَالَ: قَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْهَا مِنْ عُلُوجِهِمْ أَحَدًا فَعَصَيْتُمُونِي، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا قَالَ: لَا تُدْخِلُوا عَلَيْنَا مِنَ السَّبْيِ إِلَّا الْوُصَفَاءَ: إِنَّ عَمَلَ الْمَدِينَةِ شَدِيدٌ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالْعُلُوجِ. قَوْلُهُ: (إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ عُمَرَ لَا يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ. قَوْلُهُ: (كَذَبْتَ) هُوَ عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ شِئْتَ فَعَلْنَا أَيْ قَتَلْنَاهُمْ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: كَذَبْتَ فِي مَوْضِعِ أَخْطَأْتَ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: بَعْدَ أَنْ صَلَّوْا لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا أَرَادَ قَتْلَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ: لِيَنْظُرَ مَا قَدْرُ جُرْحِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَقَالَ: أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: النَّبِيذُ، فَدَعَا بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ: هَذَا صَدِيدٌ ائْتُونِي بِلَبَنٍ، فَأُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ الطَّبِيبُ: أَوْصِ فَإِنِّي لَا أَظُنُّكَ إِلَّا مَيِّتًا مِنْ يَوْمِكَ أَوْ مِنْ غَدٍ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ:

стр. 3893

مِنْ جُرْحِهِ وَهِيَ أَصْوَبُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: فَخَرَجَ النَّبِيذُ فَلَمْ يُدْرَ أَهُوَ نَبِيذٌ أَمْ دَمٌ، وَفِي رِوَايَتِهِ: فَقَالُوا: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنِ الْقَتْلُ بَأْسًا فَقَدْ قُتِلْتُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ: فَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرْسِلُوا إِلَى طَبِيبٍ يَنْظُرُ إِلَى جُرْحِي، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى طَبِيبٍ مِنَ الْعَرَبِ فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَشُبِّهَ النَّبِيذُ بِالدَّمِ حِينَ خَرَجَ مِنَ الطَّعْنَةِ الَّتِي تَحْتَ السُّرَّةِ، قَالَ: فَدَعَوْتُ طَبِيبًا آخَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ اللَّبَنُ مِنَ الطَّعْنَةِ أَبْيَضَ، فَقَالَ: اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقَنِي، وَلَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَذَّبْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ: ثُمَّ دَعَا بِشَرْبَةٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهَا فَخَرَجَ مُشَاشُ اللَّبَنِ مِنَ الْجُرْحَيْنِ فَعَرَفَ أَنَّهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: الْآنَ لَوْ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا كُلَّهَا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، وَمَا ذَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُ إِلَّا خَيْرًا. (تَنْبِيهٌ): الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ الْمَذْكُورِ تَمَرَاتٌ نُبِذَتْ فِي مَاءٍ أَيْ نُقِعَتْ فِيهِ، كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ لِاسْتِعْذَابِ الْمَاءِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ. قَوْلُهُ: (وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَنَّهُ أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ غَيْرَهُ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، وَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ حِينَ طُعِنَ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ ثُمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ بَكَوْا وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْجِزْيَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: وَأَتَاهُ كَعْبٌ - أَيْ كَعْبُ الْأَحْبَارِ - فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَا تَمُوتُ إِلَّا شَهِيدًا، وَإِنَّكَ تَقُولُ: مِنْ أَيْنَ وَإِنِّي فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ السَّابِقَةِ فِي الْجَنَائِزِ: وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ هُنَا لِلشَّابِّ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ لَسَاغَ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُبْهَمُ بِابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُثْنِينَ مَعَ اتِّحَادِ جَوَابِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ فِي قِصَّةِ هَذَا الشَّابِّ أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ رَأَى عُمَرُ إِزَارَهُ يَصِلُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِنْكَارِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَوْلُهُ: مَا قَدْ عَلِمْتُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِهِ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَزَادَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: (وَقَدَمٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا فَالْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْفَضْلِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى السَّبْقِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَهَادَةٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى صُحْبَةٍ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. قَوْلُهُ: (لَا عَلَيَّ وَلَا لِي) أَيْ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. قَوْلُهُ: (أَنْقَى لِثَوْبِكَ) بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ، وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَلَيْسَ قَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِزَّ اللَّهُ بِكَ الدِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ إِذْ يَخَافُونَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا أَسْلَمْتَ كَانَ إِسْلَامُكَ عِزًّا، وَظَهَرَ بِكَ الْإِسْلَامُ، وَهَاجَرْتَ فَكَانَتْ هِجْرَتُكَ فَتْحًا، ثُمَّ لَمْ تَغِبْ عَنْ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قُبِضَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَوَازَرْتَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ عَلَى مِنْهَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبْتَ مَنْ أَدْبَرَ بِمَنْ أَقْبَلَ، ثُمَّ قُبِضَ الْخَلِيفَةُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ وُلِّيتَ بِخَيْرِ مَا وَلِيَ النَّاسُ: مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الْأَمْصَارَ، وَجَبَا بِكَ الْأَمْوَالَ، وَنَفَى بِكَ الْعَدُوَّ، وَأَدْخَلَ بِكَ عَلَى أَهْلِ

стр. 3894

بَيْتٍ مَنْ سَيُوسِعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، ثُمَّ خَتَمَ لَكَ بِالشَّهَادَةِ، فَهَنِيئًا لَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الْمَغْرُورَ مَنْ تَغُرُّونَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ. وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ أَيْضًا: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - وَذَكَرَ لَهُ فِعْلَ عُمَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَخَشْيَتِهِ مِنْ رَبِّهِ فَقَالَ -: هَكَذَا الْمُؤْمِنُ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَالْمُنَافِقُ جَمْعَ إِسَاءَةً وَعِزَّةً، وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ إِنْسَانًا ازْدَادَ إِحْسَانًا إِلَّا وَجَدْتُهُ ازْدَادَ مَخَافَةً وَشَفَقَةً، وَلَا ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ عِزَّةً. قَوْلُهُ: (يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، انْظُرْ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عُمَرَ إِذَا مُتُّ فَدَفَنْتَنِي أَنْ لَا تَغْسِلَ رَأْسَكَ حَتَّى تَبِيعَ مِنْ رِبَاعِ آلِ عُمَرَ بِثَمَانِينَ أَلْفًا فَتَضَعَهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَنْفَقْتُهَا فِي حِجَجٍ حَجَجْتُهَا، وَفِي نَوَائِبَ كَانَتْ تَنُوبُنِي، وَعُرِفَ بِهَذَا جِهَةُ دَيْنِ عُمَرَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَدْ عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَرَامَةُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ مِنْ عَمَلِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا. وَوَقَعَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ أَنَّ دَيْنَ عُمَرَ كَانَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (إِنْ وَفَّى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ، وَمِثْلُهُ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ رَهْطَهُ. وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ هُمُ الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، وَقُرَيْشٌ قَبِيلَتُهُ، وَقَوْلُهُ: لَا تَعْدُهُمْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ لَا تَتَجَاوَزُهُمْ، وَقَدْ أَنْكَرَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمَرَ دَيْنٌ، فَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ نَافِعًا قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ عَلَى عُمَرَ دَيْنٌ وَقَدْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ وَرَثَتِهِ مِيرَاثَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ؟ انْتَهَى. وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الدَّيْنِ عَنْهُ، فَلَعَلَّ نَافِعًا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ لَمْ يُقْضَ. قَوْلُهُ: (فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَمَا أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، إِشَارَةً بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ حَتَّى لَا تُحَابِيهِ لِكَوْنِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ هَذَا النَّفْيُ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا بِطَرِيقِ الطَّلَبِ لَا بِطَرِيقِ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ: (وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي) اسْتُدِلَّ بِهِ وَبِاسْتِئْذَانِ عُمَرَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ الْبَيْتَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ بِالسُّكْنَى فِيهِ وَالْإِسْكَانِ وَلَا يُورَثُ عَنْهَا، وَحُكْمُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ كَالْمُعْتَدَّاتِ لِأَنَّهُنَّ لَا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي وَبَيْنَ قَوْلِهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ: لَا تَدْفِنِّي عِنْدَهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ وُسْعٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهَا إِمْكَانُ ذَلِكَ بَعْدَ دَفْنِ عُمَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا بِقَوْلِهَا لَأُ ثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهَا لَوْ أَذِنَتْ فِي ذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهَا الدَّفْنُ هُنَاكَ لِمَكَانِ عُمَرَ لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا بِخِلَافِ أَبِيهَا وَزَوْجِهَا، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَكَانِ سَعَةٌ أَمْ لَا، وَلِهَذَا كَانَتْ تَقُولُ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ عُمَرُ: لَمْ أَضَعْ ثِيَابِي عَنِّي مُنْذُ دُفِنَ عُمَرُ فِي بَيْتِي أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ، وَرُوِيَ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ لَا يَثْبُتُ أَنَّهَا اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ إِنْ عَاشَتْ بَعْدَهُ أَنْ تُدْفَنَ إِلَى جَانِبِهِ فَقَالَ، لَهَا: وَأَنَّى لَكِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا قَبْرِي وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَفِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: إِنَّ قُبُورَ الثَّلَاثَةِ فِي صُفَّةِ بَيْتِ عَائِشَةَ، وَهُنَاكَ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى ﵇. قَوْلُهُ: (ارْفَعُونِي) أَيْ مِنَ الْأَرْضِ، كَأَنَّهُ كَانَ مُضْطَجِعًا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْعِدُوهُ. قَوْلُهُ: (فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْمُبَارَكِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ

стр. 3895

عُمَرُ: أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَضَعْتُهُ مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي، فَقَالَ: أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ، فَوَضَعْتُهُ حَتَّى وَضَعَ لِحْيَتَهُ وَخَدَّهُ بِالْأَرْضِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ. قَوْلُهُ: (مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ) وَقَوْلُهُ: (إِذَا مُتُّ فَاسْتَأْذِنْ) (١) ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ أَذِنَتْ فِي حَيَاتِهِ حَيَاءً مِنْهُ وَأَنْ تَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُكْرِهَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ. قَوْلُهُ: (وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ) أَيْ بِنْتُ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ) أَيْ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ فَمَكَثَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَبَكَتْ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَا صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا صَبْرَ لِي عَلَى مَا أَسْمَعُ، أُحَرِّجُ عَلَيْكِ بِمَا لِيَ عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَنْدُبِينَنِي بَعْدَ مَجْلِسِكِ هَذَا، فَأَمَّا عَيْنَيْكِ فَلَنْ أَمْلِكَهُمَا. قَوْلُهُ: (فَوَلَجْتُ دَاخِلًا لَهُمْ) أَيْ مَدْخَلًا كَانَ فِي الدَّارِ. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَرَوَى ابْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ لِعُمَرَ حِينَ وَقَفَ لَمْ يُوَلِّ أَحَدًا بَعْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَنَ: إِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ. قَوْلُهُ: (مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ أَوِ الرَّهْطِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. قَوْلُهُ: (فَسَمَّى عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ إِلَخْ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَفِيهِ قُلْتُ لِسَالِمٍ: أَبَدَأُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَبْلَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الرُّوَاةَ تَصَرَّفُوا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ، وَاقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى السِّتَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَمَّا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَرَ فَلَمْ يُسَمِّهِ عُمَرُ فِيهِمْ مُبَالَغَةً فِي التَّبَرِّي مِنَ الْأَمْرِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَايِنِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ عُمَرَ عَدَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فِيمَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُدَايِنِيُّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَرَبَ لِي فِي أُمُورِكُمْ فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِي. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُدَايِنِيِّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اسْتَخْلِفْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ اللَّهَ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا، أَسْتَخْلِفُ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ. قَوْلُهُ: (كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ) أَيْ لِابْنِ عُمَرَ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى فِي الْخِلَافَةِ أَرَادَ جَبْرَ خَاطِرِهِ بِأَنْ جَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْمُشَاوَرَةِ فِي ذَلِكَ. وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَا مِنْ كَلَامِ عُمَرَ، فَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ تَهَيَّأَ لَهُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ مَعَ الِاحْتِمَالِ. وَذَكَرَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُمْ: إِذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ عَلَى رَأْيٍ، وثلاثة على رأي، فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَوْا بِحُكْمِهِ فَقَدِّمُوا مَنْ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: الْإِمَارَةُ، (سَعْدًا) يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَادَ الْمُدَايِنِيُّ: وَمَا أَظُنُّ أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا عَلِيٌّ، أَوْ عُثْمَانُ، فَإِنْ وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَجُلٌ فِيهِ لِينٌ، وَإِنْ وَلِيَ عَلِيٌّ فَسَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَإِنْ وَلِيَ سَعْدٌ وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ

стр. 3896

بِهِ الْوَالِي. ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَ بِكُمُ الْإِسْلَامَ، فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَاسْتَحِثَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: فَقَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدًا، وَالزُّبَيْرَ، وَكَانَ طَلْحَةُ غَائِبًا قَالَ: فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ غَيْرَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَعْلَمُونَ لَكَ حَقَّكَ وَقَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِهْرَكَ وَمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فَإِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ فَذَكَرَ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ: فَإِنْ وَلَّوْكَ هَذَا الْأَمْرَ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيهِ وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي صُهَيْبًا فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ: صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثًا، وَلْيَحُلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي بَيْتٍ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَمَنْ خَالَفَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: إِنْ تُوَلُّوهَا الْأَجْلَحَ يَسْلُكْ بِهِمُ الطَّرِيقَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: مَا يَمْنَعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا. وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى فَوَائِدَ عَدِيدَةٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: دَخَلَ الرَّهْطُ عَلَى عُمَرَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَ النَّاسِ شِقَاقًا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ فِيكُمْ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَيْكُمْ - وَكَانَ طَلْحَةُ يَوْمَئِذٍ غَائِبًا فِي أَمْوَالِهِ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ قَوْمُكُمْ لَا يُؤَمِّرُونَ إِلَّا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ فَلَا يَحْمِلْ قَرَابَتَهُ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَمْهِلُوا فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَثٌ فَلْيُصَلِّ لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلَاثًا، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ. قَوْلُهُ: (بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ) هُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَالْأَنْصَارُ سَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أَيْ سَكَنُوا الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَوْلُهُ: (وَالْإِيمَانَ) ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ ضُمِّنَ تَبَوَّءُوا مَعْنَى لَزِمَ أَوْ عَامِلُ نَصْبِهِ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ وَاعْتَقَدُوا، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ لِشِدَّةِ ثُبُوتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ كَأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ نَزَلُوهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَامِ) أَيْ عَوْنُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ (وَغَيْظُ الْعَدُوِّ) أَيْ يَغِيظُونَ الْعَدُوَّ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ) أَيْ إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ: (مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ) أَيِ الَّتِي لَيْسَتْ بِخِيَارٍ، وَالْمُرَادُ بِذِمَّةِ اللَّهِ: أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِتَالِ مِنْ وَرَائِهِمْ أَيْ إِذَا قَصَدَهُمْ عَدُوٌّ لَهُمْ. وَقَدِ اسْتَوْفَى عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُسْلِمٌ وَإِمَّا كَافِرٌ، فَالْكَافِرُ إِمَّا حَرْبِيٌّ وَلَا يُوصَى بِهِ، وَإِمَّا ذِمِّيُّ وَقَدْ ذَكَرَهُ، وَالْمُسْلِمُ إِمَّا مُهَاجِرِيٌّ وَإِمَّا أَنْصَارِيٌّ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَكُلُّهُمْ إِمَّا بَدَوِيٌّ وَإِمَّا حَضَرِيٌّ، وَقَدْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَايِنِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَأَحْسِنُوا مُؤَازَرَةَ مَنْ يَلِي أَمْرَكُمْ وَأَعِينُوهُ وَأَدُّوا إِلَيْهِ الْأَمَانَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ) أَيْ مِنَ الْجِزْيَةِ. قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَانْقَلَبْنَا أَيْ رَجَعْنَا. قَوْلُهُ: (فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ) اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْقُبُورِ الْمُكَرَّمَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ. وَقِيلَ: إِنَّ قَبْرَهُ ﷺ مُقَدَّمٌ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ. وَقَبْرَ عُمَرَ حِذَاءَ مَنْكِبَيْ أَبِي بَكْرٍ. وَقِيلَ: قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرُ عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. وَقِيلَ: قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ رِجْلَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرُ عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْ أَبِي بَكْرٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَذِكْرُ أَدِلَّتِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ عَوْفٍ. قَوْلُهُ: (اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ) أَيْ فِي الِاخْتِيَارِ لِيَقِلَّ الِاخْتِلَافُ، كَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَصَرَّحَ الْمُدَايِنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ.

стр. 3897

قَوْلُهُ: (فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا عِنْدَ وَصِيَّةِ عُمَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَضَرَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ وَقَبْلَ أَنْ يَتِمَّ أَمْرُ الشُّورَى، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ بُويِعَ عُثْمَانُ. قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ) (١) بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلَيْهِ رَقِيبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ) أَيْ مُعْتَقَدِهِ، زَادَ الْمُدَايِنِيُّ فِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَضِيَ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَعْطِنِي مَوْثِقًا لَتُؤْثِرَنَّ الْحَقَّ وَلَا تَخُصَّنَّ ذَا رَحِمٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُونِي مَوَاثِيقَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَعِيَ عَلَى مَنْ خَالَفَ. قَوْلُهُ: (فَأُسْكِتَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ كَأَنَّ مُسْكِتًا أَسْكَتَهُمَا، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَهُوَ بِمَعْنَى سَكَتَ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخَيْنِ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ. قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) هُوَ عَلِيٌّ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ. قَوْلُهُ: (وَالْقِدَمُ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ، زَادَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ صُرِفَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْكَ فَلَمْ تَحْضُرْ مَنْ كُنْتَ تَرَى أَحَقَّ بِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ؟ قَالَ: عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (مَا قَدْ عَلِمْتَ) صِفَةٌ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الْقِدَمِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) زَادَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: عَلِيٌّ. وَزَادَ فِيهِ أَنَّ سَعْدًا أَشَارَ عَلَيْهِ بِعُثْمَانَ، وَأَنَّهُ دَارَ تِلْكَ اللَّيَالِيَ كُلَّهَا عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ وَافَى الْمَدِينَةَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ لَا يَخْلُو بِرَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَمَرَهُ بِعُثْمَانَ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ الشُّورَى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَسَاقَهَا نَحْوَ هَذَا وَأَتَمَّ مِمَّا هُنَا، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَ مَا فِيهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي قِصَّةِ عُمَرَ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ: شَفَقَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَنَصِيحَتُهُ لَهُمْ، وَإِقَامَتُهُ السُّنَّةَ فِيهِمْ، وَشِدَّةُ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَاهْتِمَامُهُ بِأَمْرِ الدِّينِ أَكْثَرَ مِنِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ غُلُوٌّ مُفْرِطٌ أَوْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَنْهَ عُمَرُ الشَّابَّ عَنْ مَدْحِهِ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ أَمَرَهُ بِتَشْمِيرِ إِزَارِهِ، وَالْوَصِيَّةُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ، وَالِاعْتِنَاءُ بِالدَّفْنِ عِنْدَ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَالْمَشُورَةُ فِي نَصْبِ الْإِمَامِ وَتَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ، وَأَنَّ الْإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِالْبَيْعَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ بِالتَّأَمُّلِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ شُورَى إِلَى سِتَّةِ أَنْفُسٍ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ عُمَرَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ جَعْلُ عُمَرَ الْخِلَافَةَ فِي سِتَّةٍ وَوَكَلَ ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَصْنَعْ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي اجْتِهَادِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ فَصَنِيعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَا السِّتَّةِ كَانَ عِنْدَهُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَفْضَلِيَّةُ بَعْضِ السِّتَّةِ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ فَمَنْ وَلَّاهُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ مُمْكِنًا، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ يَدْخُلُ فِيهِ الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ صَنِيعُ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْتِخْلَافِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَصَنِيعُ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ صَرَّحَ، فَتِلْكَ طَرِيقٌ تَجْمَعُ التَّنْصِيصَ وَعَدَمَ التَّعْيِينِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْ تَجْمَعُ الِاسْتِخْلَافَ وَتَرْكَ تَعْيِينِ الْخَلِيفَةِ، وَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: لَا أَتَقَلَّدُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ مِمَّنْ يَسْتَخْلِفُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ لَا بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ، فَعَيَّنَهُمْ وَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ فِي ذَلِكَ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيهِ لِتَقَعَ وِلَايَةُ مَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْ مُعْظَمِ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ بِبَلَدِهِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ وَبِهَا مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ سَاكِنًا غَيْرَهُمْ فِي بَلَدٍ غَيْرِهَا كَانَ تَبَعًا لَهُمْ فِيمَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ.

стр. 3898

٩ - بَاب مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ ﵁ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ وَقَالَ عُمَرُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ ٣٧٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ. ٣٧٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قال رسول الله ﷺ : "لَاعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ" ٣٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ هَذَا فُلَانٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ يَدْعُو عَلِيًّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ يَقُولُ لَهُ أَبُو تُرَابٍ" فَضَحِكَ قَالَ وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلاَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ سَهْلًا وَقُلْتُ يَا أَبَا عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَلِكَ" قَالَ دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ ثُمَّ خَرَجَ فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقال النبي ﷺ : "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ قَالَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ رِدَاءَهُ قَدْ سَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ وَخَلَصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ فَيَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ مَرَّتَيْنِ" ٣٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَال: فَأَرْغَمَ

стр. 3899

اللَّهُ بِأَنْفِكَ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ أَجَلْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ" ٣٧٠٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا، وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثً، ا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ" ٣٧٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي ﷺ : "لِعَلِيٍّ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"؟ [الحديث ٣٧٠٦ - طرفه في ٤٤١٦] ٣٧٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ) وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقِيقُ أَبِيهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وُلِدَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الرَّاجِحِ وَكَانَ قَدْ رَبَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ صِغَرِهِ لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَازَمَهُ مِنْ صِغَرِهِ فَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَتِ ابْنَةَ عَمَّةِ أَبِيهِ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ لِهَاشِمِيٍّ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَصَحِبَتْ وَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي زَمَانِهِ وَخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ مَنَاقِبِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، فَكَانَ النَّاسُ طَائِفَتَيْنِ، لَكِنِ الْمُبْتَدَعَةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ مَا كَانَ فَنَجَمَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حَارَبُوهُ، ثُمَّ اشْتَدَّ الْخَطْبُ فَتَنَقَّصُوهُ وَاتَّخَذُوا لَعْنَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ سُنَّةً، وَوَافَقَهُمُ الْخَوَارِجُ عَلَى بُغْضِهِ وَزَادُوا حَتَّى كَفَّرُوهُ، مَضْمُومًا ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَصَارَ النَّاسُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ ثَلَاثَةً: أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالْمُبْتَدِعَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُحَارِبِينَ لَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَاحْتَاجَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى بَثِّ فَضَائِلِهِ فَكَثُرَ النَّاقِلُ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْفَضَائِلِ إِذَا حُرِّرَ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَصْلًا. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ

стр. 3900

عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَشْرُ سِنِينَ وَهَذَا أَرْجَحُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصُّلْحِ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ. أَوَّلُهَا: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي. ثَانِيهَا: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي الْمَعْنَى وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثَيْنِ: إِنَّ عَلِيًّا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُودَ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَشْتَرِكُ مَعَ عَلِيٍّ فِي مُطْلَقِ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا تَامُّ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اتَّصَفَ بِصِفَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ مَحَبَّتُهُ عَلَامَةَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا يُحِبَّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَكَ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ. (وَقَالَ عُمَرُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ) تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مَوْصُولًا، وَكَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ عَقِبَ قَتْلِ عُثْمَانَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ، وَكَتَبَ بَيْعَتَهُ إِلَى الْآفَاقِ فَأَذْعَنُوا كُلُّهُمْ إِلَّا مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ مَا كَانَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (هَذَا فُلَانٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ) أَيْ عَنَى أَمِيرَ الْمَدِينَةِ، وَفُلَانٌ الْمَذْكُورُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: هَذَا فَكَانَ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ. قَوْلُهُ: (يَدْعُو عَلِيًّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، قَالَ: فَيَقُولُ مَاذَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ يَدْعُوكَ لِتَسُبَّ عَلِيًّا. قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي أَبَا تُرَابٍ. قَوْلُهُ: (فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ سَهْلًا) أَيْ سَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي، وَاسْتَعَارَ الِاسْتِطْعَامَ لِلْكَلَامِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الذَّوْقِ، لِلطَّعَامِ الذَّوْقُ الْحِسِّيُّ، وَلِلْكَلَامِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ. قَوْلُهُ: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ قَالَتْ: فِي الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي. قَوْلُهُ: (وَخَلُصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ) أَيْ وَصَلَ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَتَّى تَخَلَّصَ ظَهْرُهُ إِلَى التُّرَابِ وَكَانَ نَامَ أَوَّلًا عَلَى مَكَانٍ لَا تُرَابَ فِيهِ ثُمَّ تَقَلَّبَ فَصَارَ ظَهْرُهُ عَلَى التُّرَابِ أَوْ سَفَى عَلَيْهِ التُّرَابُ. قَوْلُهُ: (اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ. مَرَّتَيْنِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: نِمْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ فِي غَزْوَةِ الْعَسِيرَةِ فِي نَخْلٍ فَمَا أَفَقْنَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ ﷺ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ الْأُخْرَى. وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ غَضَبِ عَلِيٍّ كَانَ لِمَا آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُؤَاخِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ فَذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قُمْ فَأَنْتَ أَخِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَصَحُّ، وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قِصَّةَ الْمُؤَاخَاةِ كَانَتْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَتَزْوِيجُ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ وَدُخُولُهُ عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَابِعُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ) كَأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَكَرَ مَعْنَى أَخْبَرَ فَعَدَّاهَا بِعَنْ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَذَكَرَ أَحْسَنَ عَمَلِهِ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ إِنْفَاقَهُ فِي جَيْشِ

стр. 3901

الْعُسْرَةِ وَتَسْبِيلِهِ بِئْرَ رُومَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ أَعْمَالِهِ) كَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ شُهُودَهُ بَدْرًا وَغَيْرَهَا، وَفَتْحَ خَيْبَرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَتْلَهُ مَرْحَبًا، وَنَحْوَ ذَاكَ. قَوْلُهُ: (هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ أَحْسَنُهَا بِنَاءً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي وَسَطِهَا وَهُوَ أَصَحُّ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَيْزَارَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ بَيْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ بَابِهِ غَيْرَ مَسْدُودٍ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. قَوْلُهُ: (فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ، مَعْنَاهُ أَوْقَعَ اللَّهُ بِكَ السُّوءَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ فَيُلْصَقُ الْوَجْهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ. قَوْلُهُ: (فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ) أَيِ ابْلُغْ عَلَى غَايَتِكَ فِي حَقِّي، فَإِنَّ الَّذِي قُلْتُهُ لَكَ الْحَقُّ، وَقَائِلُ الْحَقِّ لَا يُبَالِي بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أُبْغِضُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَبْغَضَكَ اللَّهُ تَعَالَى. خَامِسُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ: إِنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى الْحَدِيثُ، وَفِيهِ مَا يُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ مَنْزِلَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَدُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ ابْنَتُهُ ﷺ وَمِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ مَا اخْتَارَ لِابْنَتِهِ مِنْ إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَرِضَاهُمَا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَارَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى فُقَرَاءِ الصُّفَّةِ بِمَا قَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَأَى لِأَهْلِهِ الصَّبْرَ بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الثَّوَابِ. سَادِسُهَا حَدِيثُ عَبِيدَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ اقْضُوا كَمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى (مَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ) قَبْلُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَوْلِ عَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى هُوَ وَعُمَرُ أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ، وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَرَأَى أَنْ يُبَعْنَ. قَالَ عَبِيدَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ مَا قَالَ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ، وَعِنْدَهُ: قَالَ لِي عَبِيدَةُ: بَعَثَ إِلَيَّ عَلِيٌّ وَإِلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْغِضُ الِاخْتِلَافَ فَاقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ أَصْحَابِي قَالَ: فَقَبِلَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ) أَيِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي مُخَالَفَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْفِتْنَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَمُوتَ) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ. قَوْلُهُ: (كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي) أَيْ لَا أَزَالُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَمُوتَ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَيُّوبَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ لِأَبِي مَعْشَرٍ: إِنِّي أَتَّهِمُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا تَقُولُونَ عَنْ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمَذْكُورُ هُوَ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ مُخَرَّجٌ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ سِيرِينَ تُهْمَةَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ زِيَادٌ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ مِثْلِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ. قَوْلُهُ: (يَرَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَعْتَقِدُ - (أَنَّ عَامَّةَ) أَيْ أَكْثَرَ (مَا يُرْوَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ - (عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ) وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا تَرْوِيهِ الرَّافِضَةُ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثَنَا ثِقَةٌ عَنْ عَلِيٍّ بِفُتْيَا لَمْ نجَاوَزْهَا سَابِعُهَا حَدِيثُ سَعْدٍ قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدٍ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ)

стр. 3902

أَيِ ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِلِّيٍّ) بَيَّنَ سَعْدٌ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) أَيْ نَازِلًا مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَضِيتُ رَضِيتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ كَذَلِكَ. وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِهِمَا أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِعَلِيٍّ: لَابُدَّ أَنْ أُقِيمَ أَوْ تُقِيمَ، فَأَقَامَ عَلِيٌّ فَسَمِعَ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّمَا خَلَّفَهُ لِشَيْءٍ كَرِهَهُ مِنْهُ، فَاتَّبَعَهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ، الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ، لِسَعْدٍ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَوْلَهُ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَوْلَهُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى عَنْ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ: لَوْ وُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِي عَلَى أَنْ أَسُبَّ عَلِيًّا مَا سَبَبْتُهُ أَبَدًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ - أَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ غَيْرِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَعْنَى حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَاتِلُكَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ عَلِيٍّ لِلْخِلَافَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ هَارُونَ كَانَ خَلِيفَةَ مُوسَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَارُونَ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ مُوسَى إِلَّا فِي حَيَاتِهِ لَا بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِاتِّفَاقٍ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي نَازِلٌ مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ مُبْهَمٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَعُرِفَ أَنَّ الِاتِّصَالَ الْمَذْكُورَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا دُونَهَا وَهُوَ الْخِلَافَةُ، وَلَمَّا كَانَ هَارُونُ الْمُشَبَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ خَلِيفَةً فِي حَيَاةِ مُوسَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَخْصِيصِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِحَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ أَشْيَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْبُغَاةَ وَهُوَ في حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَكَانَ عَمَّارٌ مَعَ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّتَبُّعِ، وَأَوْعَبُ مَنْ جَمَعَ مَنَاقِبَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَهُوَ كَثِيرُ الطُّرُقِ جِدًّا، وَقَدِ اسْتَوْعَبَهَا ابْنُ عُقْدَةَ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَحِسَانٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: مَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ حَدِيثُ سَعْدٍ مُؤَخَّرًا عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3903

١٠ - بَاب مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ ﵁ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي ٣٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لَا آكُلُ الْخَمِيرَ وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنْ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمساكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا. [الحديث ٣٧٠٨ - طرفه في: ٥٤٣٢] ٣٧٠٩ حدثنا- عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ" أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ: قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ" قال أبو عبد الله: الجناحان كل ناحيتين [الحديث ٣٧٠٩ - طرفه في: ٤٢٦٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ) سَقَطَتِ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبْقَى التَّرَاجِمَ بِغَيْرِ لَفْظِ بَابُ وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ. وَجَعْفَرٌ هُوَ أَخُو عَلِيٍّ شَقِيقُهُ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَاسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي وَقَدْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي) هُوَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) هُوَ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لَكِنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْوِي فِي حَدِيثِ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَاعْتِرَافُ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ بِالْحِفْظِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيُّ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْكُمْ، أَوْ هُوَ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ؟ قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا أَقْوَامًا لَنَا بُيُوتَاتُ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا أَهْلَ، إِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ،

стр. 3904

فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ عَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسًا، فَمَرَّ رَجُلٌ بِطَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي بَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّكَ لَتُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قَالَ: شَغَلَكِ عَنْهُ يَا أُمَّهْ الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ، وَمَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (بِشَبَعِ بَطْنِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَبَعَ أَيْ لِأَجْلِ الشَّبَعِ. قَوْلُهُ: (حِينَ لَا آكُلُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ) بِالْمُوَحَّدَةِ قَبْلَهَا مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْحَرِيرَ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَالْحَبِيرُ مِنَ الْبُرْدِ مَا كَانَ مُوَشًّى مُخَطَّطًا، يُقَالُ: بُرْدٌ حَبِيرٌ وَبُرْدٌ حِبَرَةٌ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ. قَوْلُهُ: (لَأَسْتَقْرِي الرَّجُلَ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ الْقِرَى فَيَظُنُّ أَنِّي أَطْلُبُ مِنْهُ الْقِرَاءَةَ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَجَدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَقْرِينِي، فَظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَأَخَذَ يُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يُطْعِمْهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَدْتُ مِنْهُ الطَّعَامَ. قَوْلُهُ: (كَيْ يَنْقَلِبَ بِي) أَيْ يَرْجِعَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنْ كُنْتُ لَأَسْأَلُ الرَّجُلَ عَنِ الْآيَةِ أَنَا أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ، مَا أَسْأَلُهُ إِلَّا لِيُطْعِمَنِي شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَكُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَخْيَرَ) بِوَزْنِ أَفْضَلَ وَمَعْنَاهُ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ خَيْرَ. قَوْلُهُ: (لِلْمَسَاكِينِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ الَّذِي جَاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: مَا احْتَذَى النِّعَالَ وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. قَوْلُهُ: (الْعُكَّةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ: ظَرْفُ السَّمْنِ، وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) مَعَ قَوْلِهِ: (فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا) لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَيْ لَا شَيْءَ فِيهَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْهَا بِغَيْرِ قَطْعِهَا، وَبِالْإِثْبَاتِ مَا يَبْقَى فِي جَوَانِبِهَا. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: لَيَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: أَطْعِمِينَا. فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي، وَكَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَسْكُنُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ انْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ يُجِيبُهُ عَنْ سُؤَالِهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيُطْعِمَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ وَقَعَ مِنْهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْنَا لِلشَّعْبِيِّ: كَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ ذِي الْجَنَاحَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَاهُ يَوْمًا أَوْ لَقِيَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ. (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَنِيئًا لَكَ أَبُوكَ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلَةَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مُخَضَّبُ الْجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا جَعْفَرًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّ جَعْفَرًا يَطِيرُ مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْ يَدَيْهِ وَإِسْنَادُ هَذِهِ جَيِّدٌ، وَطَرِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الثَّانِيَةِ قَوِيٌّ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَدِ ادَّعَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ

стр. 3905

الْجَنَاحَيْنِ وَالطَّيَرَانِ أَنَّهُمَا كَجَنَاحَيِ الطَّائِرِ لَهُمَا رِيشٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَحْدَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ: يُقَالُ لِكُلِّ ذِي نَاحِيَتَيْنِ جَنَاحَانِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَذَا حَمْلَ الْجَنَاحَيْنِ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ دُونَ الْحِسِّيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١١ - بَاب ذِكْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ ٣٧١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. [الحديث ٣٧١٠ - طرفه في: ١٠١٠] قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ كَانُوا إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا سَقَطَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مَعَ شَرْحِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ أَوْ بِثَلَاثٍ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي رَافِعٍ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: كَأَنَّ الْإِسْلَامَ دَخَلَ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَفَدَى نَفْسَهُ وَعَقِيلًا ابْنَ أَخِيهِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَلِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ يُدْخِلْهُ عُمَرُ فِي أَهْلِ الشُّورَى مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ وَاسْتِسْقَائِهِ بِهِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي إِجْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَكُنْيَةُ الْعَبَّاسِ أَبُو الْفَضْلِ، وَمَاتَ الْعَبَّاسُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. ١٢ - بَاب مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ ﵍ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ ٣٧١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حدثنا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ممَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ. ٣٧١٢ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ - يَعْنِي مَالَ اللَّهِ - لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ رسول

стр. 3906

الله ﷺ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ - وَذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَقَّهُمْ - فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. ٣٧١٣ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵃ قَالَ ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" [الحديث ٣٧١٣ طرفة في: ٣٧٥١] ٣٧١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي" ٣٧١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهَا، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ قَالَتْ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ" ٣٧١٦ - "فَقَالَتْ سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَمَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ تَرْجَمَتُهُ: مَنْقَبَةُ فَاطِمَةَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو ذَرٍّ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ: قَرَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ الْأَقْرَبِ وَهُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُمْ، أَوْ مَنْ رَآهُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَهُمْ عَلِيٌّ وَأَوْلَادُهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُحْسِنٌ وَأُمُّ كُلْثُومٍ مِنْ فَاطِمَةَ ﵍، وَجَعْفَرٌ وَأَوْلَادُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَوْنٌ، وَمُحَمَّدٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ابْنٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَوَلَدُهُ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادُهُ يَعْلَى، وَعُمَارَةُ، وَأُمَامَةُ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادُهُ الذُّكُورُ عَشَرَةٌ وَهُمُ: الْفَضْلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَقُثَمُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَالْحَارِثُ، وَمَعْبَدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَثِيرٌ، وَعَوْنٌ، وَتَمَّامٌ، وَفِيهِ يَقُولُ الْعَبَّاسُ: تَمُّوا بِتَمَّامٍ فَصَارُوا عَشَرَهْ … يَا رَبِّ فَاجْعَلْهُمْ كِرَامًا بَرَرَهْ وَيُقَالُ: إِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ رِوَايَةً، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْإِنَاثِ أُمُّ حَبِيبٍ وَآمِنَةُ وَصَفِيَّةُ وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ لُبَابَةَ أُمِّ الْفَضْلِ، وَمُعَتِّبُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَكَانَ زَوْجَ آمِنَةَ بِنْتِ الْعَبَّاسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُخْتُهُ ضُبَاعَةُ وَكَانَتْ زَوْجَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَابْنُهُ جَعْفَرٌ،

стр. 3907

وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَابْنَاهُ الْمُغِيرَةُ، وَالْحَارِثُ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هَذَا رِوَايَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّهْ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ، وَأُمَيْمَةُ وَأَرْوَى وَعَاتِكَةُ وَصَفِيَّةُ بَنَاتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسْلَمَتْ صَفِيَّةُ وَصَحِبَتْ، وَفِي الْبَاقِيَاتِ خِلَافٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأ تَمَّ مِنْ هَذَا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي آخِرِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَيَأْتِي هُنَاكَ بَيَانُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الِاخْتِصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي وَهَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ عَنْ مَنْعِهِ إِيَّاهَا مَا طَلَبَتْهُ مِنْ تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ. قَوْلُهُ: (ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ) يُخَاطِبُ بِذَلِكَ النَّاسَ وَيُوصِيهِمْ بِهِ، وَالْمُرَاقَبَةُ لِلشَّيْءِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: احْفَظُوهُ فِيهِمْ فَلَا تُؤْذُوهُمْ وَلَا تُسِيئُوا إِلَيْهِمْ. ثم ذكر حَدِيثُ الْمِسْوَرِ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ قضية خِطْبَةِ عَلِيٍّ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَرِيبًا. وحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَقَعَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا النَّسَفِيُّ أَيْضًا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ الْمِسْوَرِ يَأْتِي بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فِي مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَضَى بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَمِعْتُ أَبِي. ١٣ - بَاب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﷺ . وَسُمِّيَ الْحَوَارِيُّونَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ ٣٧١٧ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: أَصَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ رُعَافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعَافِ حَتَّى حَبَسَهُ عَنْ الْحَجِّ وَأَوْصَى، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: اسْتَخْلِفْ، قَالَ: وَقَالُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ؟ فَسَكَتَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ - أَحْسِبُهُ الْحَارِثَ - فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ. فَقَالَ: عُثْمَانُ وَقَالُوا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا إنه الزُّبَيْرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ مَا عَلِمْتُ، وَإِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٣٧١٨ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، سَمِعْتُ مَرْوَانَ بن الحكم كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ. قَالَ: وَقِيلَ ذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، الزُّبَيْرُ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيْرُكُمْ. ثَلَاثًا. ٣٧١٩ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ

стр. 3908

﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ" ٣٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أنبأنا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ" كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ؟ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" ٣٧٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ عُرْوَةُ فَكُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ" [الحديث ٣٧٢١ - طرفاه في: ٣٩٧٣، ٣٩٧٥] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ) أَيِ ابْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، وَعَدَدُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآبَاءِ سَوَاءٌ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ مِنْ أَغْرَبِهَا مَا أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الْخَيْرِ، مَرْثَدِ بْنِ الْيَزَنِيِّ بِلَفْظِ: حَوَارِي مِنَ الرِّجَالِ الزُّبَيْرُ وَمِنَ النِّسَاءِ عَائِشَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ الْحَوَارِيُّونَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ وَزَادَ إِنَّهُمْ كَانُوا صَيَّادِينَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَأَخْرَجَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْحَوَارِيَّ هُوَ الْغَسَّالُ بِالنَّبَطِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْحَاءَ هَاءَ. وَعَنْ قَتَادَةَ: الْحَوَارِيُّ هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، وَعَنْهُ: هُوَ الْوَزِيرُ، وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: هُوَ النَّاصِرُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ. وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ مِثْلُهُ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ مُتَقَارِبَةٌ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ: سَأَلْتُ يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ عَنِ الْحَوَارِيِّ، قَالَ: الْخَالِصُ. وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ: الْحَوَارِيُّ: الْخَلِيلُ. قَوْلُهُ: (سَنَةَ الرُّعَافِ) كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ وَأَفَادَ أَنَّ عُثْمَانَ كَتَبَ الْعَهْدَ بَعْدَهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَاسْتَكْتَمْ ذَلِكَ حُمْرَانَ كَاتِبَهُ، فَوَشَى حُمْرَانُ بِذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَعَاتَبَ عُثْمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَغَضِبَ عُثْمَانُ عَلَى حُمْرَانَ فَنَفَاهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ أَحْسِبُهُ الْحَارِثَ) أَيِ ابْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ أَخُو مَرْوَانَ رَاوِي الْخَبَرِ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ فِي مَشْيَخَةِ يُوسُفَ بْنِ خَلِيلٍ الْحَافِظِ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ

стр. 3909

بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ شَهِدَ الْحَارِثُ بْنُ الْحَكَمَ الْمَذْكُورُ حِصَارَ عُثْمَانَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَفِي نَسَبِ قُرَيْشٍ لِلزُّبَيْرِ أَنَّهُ تَحَاكَمَ مَعَ خَصْمٍ لَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (فَلَعَلَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ الزُّبَيْرُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (إِنَّهُ مَا عَلِمْتُ) سَيَأْتِي مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ لَخَيْرَهُمْ مَا عَلِمْتُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ فِي عِلْمِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْخَيْرِيَّةَ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَهُوَ عُثْمَانُ فِي حَقِّ الزُّبَيْرِ. قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ قَيَّدَهُ بِحَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُعَارِضُ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ الْحَوَارِيِّ، وَتَقَدَّمَ سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الطَّلِيعَةِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ. قَوْلُهُ: (كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ) أَيْ لَمَّا حَاصَرَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ مَعَهَا الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ وَحُفِرَ الْخَنْدَقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ. قَوْلُهُ: (فِي النِّسَاءِ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أُطُمِ حَسَّانَ وَلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي الْأُطُمِ الَّذِي فِيهِ النِّسْوَةُ يَعْنِي نِسْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ، وَأُطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً فَيَنْظُرُ، فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ. قَوْلُهُ: (يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) أَيْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ) بَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِدْرَاجًا، فَإِنَّهُ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: فَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ، وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ الْقِصَّةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) فِيهِ صِحَّةُ سَمَاعِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرٍ أَوْ ثَلَاثٍ وَأَشْهُرٍ بِحَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ مَوْلِدِهِ وَفِي تَارِيخِ الْخَنْدَقِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وُلِدَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ الْخَنْدَقُ سَنَةَ خَمْسٍ فَيَكُونُ ابْنَ أَرْبَعٍ وَأَشْهُرٍ، وَإِنْ قُلْنَا: وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَكَانَتِ الْخَنْدَقُ سَنَةَ أَرْبَعٍ فَيَكُونُ ابْنَ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرٍ، وَإِنْ عَجَّلْنَا إِحْدَاهُمَا وَأَخَّرْنَا الْأُخْرَى فَيَكُونُ ابْنَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَسَأُبَيِّنُ الْأَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ حَفِظَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسْتَغْرَبُ حِفْظُ مِثْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: (جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) وَسَيَأْتِي مَا يُعَارِضُهُ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدٍ قَرِيبًا وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْجِهَادِ (أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ أَيِ الَّذِينَ شَهِدُوا وَقْعَةَ الْيَرْمُوكِ (قَالُوا لِلزُّبَيْرِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (يَوْمَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكَ) هُوَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَآخِرُهُ كَافٌ: مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّومِ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ: (أَلَا تَشُدُّ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ

стр. 3910

أَيْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ: (إِنْ شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ (١)) أَيْ تَتَأَخَّرُونَ عَمَّا أُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيَخْتَلِفُ مَوْعِدُكُمْ هَذَا، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ عَلَى مَا يُذْكَرُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ. قَوْلُهُ: (فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي الْمَغَازِي مَا يُغَايِرُ ذَلِكَ وَيَأْتِي شَرْحُهُ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ قَتْلُ الزُّبَيْرِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، انْصَرَفَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ تَارِكًا لِلْقِتَالِ فَقَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزَ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ زَايٌ - التَّمِيمِيّ غِيلَةً، وَجَاءَ إِلَى عَلِيٍّ مُتَقَرِّبًا إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَبَشَّرَهُ بِالنَّارِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا مَرْفُوعٌ. (تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَرِكَةِ الزُّبَيْرِ وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ بَعْدَهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ. ١٤ - بَاب ذِكْرِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ عُمَرُ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ ٣٧٢٢، ٣٧٢٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ، وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا. [الحديث ٣٧٢٢ - طرفه في: ٤٠٦٠] [الحديث ٣٧٢٣ - طرفه في: ٤٠٦١] ٣٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ"رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَلَّتْ" [الحديث ٣٧٢٤ - طرفه في: ٤٠٦٣] قَوْلُهُ: (ذِكْرُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَدَدُ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْآبَاءِ سَوَاءٌ. يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَأُمُّهُ الصَّعْبَةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ أُخْتُ الْعَلَاءِ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ أَبِيهَا قَلِيلًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَسْلَمَتْ أُمُّ أَبِي بَكْرٍ وَأُمُّ عُثْمَانَ وَأُمُّ طَلْحَةَ وَأُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقُتِلَ طَلْحَةُ يَوْمَ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، رُمِيَ بِسَهْمٍ، جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ رَمَاهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِفُ الدَّمُ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَاخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَكْثَرُهَا أَنَّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ، وَأَقَلُّهَا ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ. قَوْلُهُ: (مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ. قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ) يُرِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ: (عَنْ حَدِيثِهِمَا) يَعْنِي أَنَّهُمَا حَدَّثَا بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: هُمَا أَخْبَرَانِي بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ. قَوْلُهُ: (الَّتِي وَقَى بِهَا) أَيْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي يَدِهِ سَهْمٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: وَقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَضْرِبَهُ وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ

стр. 3911

أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ جِرَاحَةً، وَإِذَا قَدْ قُطِعَتْ إِصْبَعُهُ وَفِي الْجِهَادِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ إِصْبَعَهُ الَّتِي أُصِيبَتْ هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَجَاءَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُصِيبَتْ إِصْبَعُ طَلْحَةَ الْبِنْصِرُ مِنَ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِهَا الْأَسْفَلِ فَشَلَّتْ، تَرَّسَ بِهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ). قَوْلُهُ: (قَدْ شَلَّتْ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا فِي لُغَةٍ ذَكَرَهَا اللِّحْيَانِيُّ، وَقَالَ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ: هِيَ خَطَأٌ. وَالشَّلَلُ نَقْصٌ فِي الْكَفِّ وَبُطْلَانٌ لِعَمَلِهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ قَيْسٌ: كَانَ يُقَالُ إِنَّ طَلْحَةَ مِنْ حُكَمَاءِ قُرَيْشٍ وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي الْفَوَائِدِ مِنْ وَجْهٍ أَخْرَجَهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْطَى لِجَزِيلِ مَالٍ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ. ١٥ - بَاب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ وَبَنُو زُهْرَةَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ ٣٧٢٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: جَمَعَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ. [الحديث ٣٧٢٥ - أطرافه في: ٤٠٥٥، ٤٠٥٦، ٤٠٥٧] ٣٧٢٦ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثُلُثُ الْإِسْلَامِ. [الحديث: ٣٧٢٦ - طرفاه في: ٣٧٢٧، ٣٨٠٨] ٣٧٢٧ - ثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلاَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ٣٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ يَقُولُ "إِنِّي لَاوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوْ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي" [الحديث ٣٧٢٨ - طرفاه في: ٥٤١٢، ٦٤٥٣] قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ) أَيْ أَحَدُ الْعَشَرَةِ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ. قَوْلُهُ: (وَبَنُو زُهْرَةَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ لِأَنَّ أُمَّهُ آمِنَةَ مِنْهُمْ، وَأَقَارِبُ الْأُمِّ أَخْوَالٌ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) أَيِ اسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنِ

стр. 3912

وُهَيْبٍ - وَيُقَالُ أُهَيْبٌ - بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَدَدُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآبَاءِ مُتَقَارِبٌ، وَأُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ لَمْ تُسْلِمْ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ، وَعَاشَ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ سَنَةً. قَوْلُهُ: (جَمَعَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ) أَيْ فِي التَّفْدِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَبَيَّنَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. وَفِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ بِقَيْدِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ أَحَدٌ قَبْلَهُ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ) سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ) قَالَ ذَلِكَ بِحَسَبِ اطِّلَاعِهِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ خَدِيجَةَ وَأَبَا بَكْرٍ، أَوِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ خَدِيجَةُ أَسْلَمَتْ قَطْعًا فَلَعَلَّهُ خَصَّ الرِّجَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الصِّدِّيقِ حَدِيثُ عَمَّارٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ سَعْدٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُ سَعْدٍ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ لِيَخْرُجَ الْأَعْبُدُ الْمَذْكُورُونَ وَعَلِيٌّ ﵁، أَوْ لَمْ يَكُن أطلعه عَلَى أُولَئِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، عَنْ هَاشِمٍ بِلَفْظِ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ قَبْلِي. وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ جَمَاعَةٌ، لَكِنْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَا كَانَ اتَّصَلَ بِعِلْمِهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَدْرٍ عَنْ هَاشِمٍ بِلَفْظِ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ يَوْمَ أَسْلَمَ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فَأَثْبَتَ فِيهِ إِلَّا كَبَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا قُلْتُهُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ إِسْلَامِ سَعْدٍ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى) كَانَ ذَلِكَ فِي سَرِيَّةِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الْقِتَالُ فِيهَا أَوَّلَ حَرْبٍ وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ أَوَّلُ سَرِيَّةٍ بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، بَعَثَ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَابِغَ لِيَلْقَوْا عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَتَرَامَوْا بِالسِّهَامِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُسَايَفَةٌ، فَكَانَ سَعْدٌ أَوَّلَ مَنْ رَمَى، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِسَنَدٍ لَهُ وَقَالَ فِيهِ عَنْ سَعْدٍ إِنَّهُ أَنْشَدَ يَوْمَئِذٍ: أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي … حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي وَذَكَرَهَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَةِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ سِتِّينَ رَاكِبًا. قَوْلُهُ: (مَا لَهُ خِلْطٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ جَفَافِهِ وَتَفَتُّتِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ) أَيِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَكَانُوا مِمَّنْ شَكَاهُ لِعُمَرَ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ عَرَّضَ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، فَإِنَّ عُمَرَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ لَيْسَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ

стр. 3913

الْعُزَّى يَعْنِي رَهْطَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ، وَهُوَ وَهَمٌ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ) أَيْ تُؤَدِّبُنِي، وَالْمَعْنَى تُعَلِّمُنِي الصَّلَاةَ، أَوْ تُعَيِّرُنِي بِأَنِّي لَا أُحْسِنُهَا. قَوْلُهُ: (خِبْتُ) أَيْ: إِنْ كُنْتُ مُحْتَاجًا إِلَى تَعْلِيمِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (وَضَلَّ عَمَلِي) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَضَلَّ عَمَلِيهْ بِزِيَادَةِ هَاءِ السَّكْتِ. ١٦ - بَاب ذِكْرِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ ٣٧٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُه حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مِسْوَرٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي. قَوْلُهُ: (ذِكْرُ أَصْهَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَيِ الَّذِينَ تَزَوَّجُوا إِلَيْهِ، وَالصِّهْرُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّهُ بِأَقَارِبِ الْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ) أَيِ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيُقَالُ بِإِسْقَاطِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَثْبَتُهَا عِنْدَ الزُّبَيْرِ، مِقْسَمٌ. وَأُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ فَكَانَ ابْنَ أُخْتِهَا، وَأَصْلُ الْمُصَاهَرَةِ الْمُقَارَبَةُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الصِّهْرُ: الْخَتَنُ، وَأَهْلُ بَيْتِ الْمَرْأَةِ يُقَالُ لَهُمْ: الْأَصْهَارُ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْأَصْهَارُ مَا يُتَحَرَّمُ بِجِوَارٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ تَزَوُّجٍ، وَكَأَنَّهُ لَمَّحَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي وَلَا أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِ إِلَّا كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ، فَأَعْطَانِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ وَاهٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصِّهْرُ يُطْلَقُ عَلَى أَقَارِبِ الزَّوْجَيْنِ، وَالْمُصَاهَرَةُ مُقَارَبَةٌ بَيْنَ الْمُتَبَاعِدَيْنِ. وَعَلَى هَذَا عَمَلَ الْبُخَارِيُّ فَإِنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ لَيْسَ مِنْ أَقَارِبِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ ابْنَ أُخْتِ خَدِيجَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا نِسْبَتَهُ إِلَيْهَا بَلْ إِلَى تَزَوُّجِهِ بِابْنَتِهَا، وَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أُسِرَ أَبُو الْعَاصِ بِبَدْرٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَفَدَتْهُ زَيْنَبُ فَشَرَطَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْسِلَهَا إِلَيْهِ فَوَفَى لَهُ بِذَلِكَ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، ثُمَّ أُسِرَ أَبُو الْعَاصِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَجَارَتْهُ زَيْنَبُ فَأَسْلَمَ، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى نِكَاحِهِ، وَوَلَدَتْ أُمَامَةَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْمِلُهَا وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَوَلَدَتْ لَهُ أَيْضًا ابْنًا اسْمُهُ عَلِيٌّ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرَاهِقًا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا أَبُو الْعَاصِ فَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مِنْهُمْ إِلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ مِمَّنْ تَزَوَّجَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَت تَرْجَمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا،

стр. 3914

وَلَمْ يَتَزَوَّجْ أَحَدٌ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، إِلَّا ابْنُ أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ قَبْلَ عُثْمَانَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِمُفَارَقَتِهَا فَفَارَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عُثْمَانُ. وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ فَلَمْ يَقْصِدْهُ الْبُخَارِيُّ بِالذِّكْرِ هُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ) اسْمُهَا جُوَيْرِيَةُ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُقَالُ: الْعَوْرَاءُ. وَيُقَالُ: جَمِيلَةٌ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَخَذَ بِعُمُومِ الْجَوَازِ، فَلَمَّا أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْرَضَ عَلِيٌّ عَنِ الْخِطْبَةِ، فَيُقَالُ: تَزَوَّجَهَا عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُشِيعَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَأْخُذُوا بِهِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَوِيَّةِ. . وَغَفَلَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ (١) فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمِسْوَرِ وَكَانَ فِيهِ انْحِرَافٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَاءَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَشَدُّ فِي ذَلِكَ، وَرُدَّ كَلَامُهُ بِإطْبَاقِ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ عَلَى تَخْرِيجِهِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا بِالنَّصْبِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ اسْمَ نَاكِحٍ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَصَدَ يَفْعَلُ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ جُوَيْرِيَةُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ اسْمُهَا الْعَوْرَاءُ أَخْرَجَهُ ابْنُ طَاهِرٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ، وَقِيلَ: اسْمُهَا الْحَنْفَاءُ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ: جُرْهُمَةُ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهَا جَمِيلَةٌ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ. وَكَانَ لِأَبِي جَهْلٍ بِنْتٌ تُسَمَّى صَفِيَّةُ تَزَوَّجَهَا سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو سَمَّاهَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: هِيَ الْحَنْفَاءُ الْمَذْكُورَةُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي) لَعَلَّهُ كَانَ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَى زَيْنَبَ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا نَسِيَ ذَلِكَ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَلَى الْخِطْبَةِ، أَوْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَرْطٌ إِذْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالشَّرْطِ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ هَذَا الْقَدْرَ فَلِذَلِكَ وَقَعَتِ الْمُعَاتَبَةُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَلَّ أَنْ يُوَاجِهَ أَحَدًا بِمَا يُعَابُ بِهِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا جَهَرَ بِمُعَاتَبَةِ عَلِيٍّ مُبَالَغَةً فِي رِضَا فَاطِمَةَ ﵍، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَأَخَّرَ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُهَا، وَكَانَتْ أُصِيبَتْ بَعْدَ أُمِّهَا بِإِخْوَتِهَا، فَكَانَ إِدْخَالُ الْغَيْرَةِ عَلَيْهَا مِمَّا يَزِيدُ حُزْنَهَا، وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ - بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ ذِكْرُ بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ١٧ - بَاب مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ الْبَرَاءُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ٣٧٣٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ. [الحديث ٣٧٣٠ - أطرافه في: ٤٢٥٠، ٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٦٦٢٧، ٧١٨٧]

стр. 3915

٣٧٣١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ، فَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، أُسِرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ فَاسْتَوْهَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا، وذَكَرَ قِصَّتَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ، وَأَنَّ أَبَاهُ وَعَمَّتَهُ أَتَيَا مَكَّةَ فَوَجَدَاهُ فَطَلَبَا أَنْ يَفْدِيَاهُ فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِمَا أَوْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ فَاخْتَارَ أَنْ يَبْقَى عِنْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَتَمَامِ فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ مُسْتَغْرَبٍ عَنْ آلِ بَيْتِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ حَارِثَةَ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ شُرَحْبِيلَ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْكَلْبِيُّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا. قَالَ: إِنِ انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ. فَقَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا. وَاسْتُشْهِدَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَمَاتَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِوَادِي الْقُرَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ سَكَنَ الْمُزَّةَ مِنْ عَمَلِ دِمَشْقَ مُدَّةً. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا) هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ. قَوْلُهُ: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْثًا) هُوَ الْبَعْثُ الَّذِي أَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ، وَقَالَ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ) سَمَّى مِمَّنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ عَيَّاشَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ. كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (تَطْعَنُونَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، يُقَالُ: طَعَنَ يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ فِي الْعِرْضِ وَالنَّسَبِ، وَبِالضَّمِّ بِالرُّمْحِ وَالْيَدِ، وَيُقَالُ: هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ) يُشِيرُ إِلَى إِمَارَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ جَوَازُ إِمَارَةِ الْمَوْلَى، وَتَوْلِيَةِ الصِّغَارِ عَلَى الْكِبَارِ، وَالْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ - الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةُ - أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْقَائِفِ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْقَائِفِ الْمَذْكُورِ. ١٨ - بَاب ذِكْرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ٣٧٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشيا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٣٧٣٣ - وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ فَصَاحَ بِي، قُلْتُ: لِسُفْيَانَ: فَلَمْ تَحْمِلْهُ عَنْ أَحَدٍ قَالَ: وَجَدْتُهُ فِي كِتَابٍ كَانَ كَتَبَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا

стр. 3916

سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. ٣٧٣٤ - حَدَّثَنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا الْمَاجِشُونُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: نَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - إِلَى رَجُلٍ يَسْحَبُ ثِيَابَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: انْظُرْ مَنْ هَذَا؟ لَيْتَ هَذَا عِنْدِي. قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ. قَالَ: فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ وَنَقَرَ بِيَدَيْهِ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّهُ. ٣٧٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ حَدَّثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا" [الحديث ٣٧٣٥ - طرفه في: ٦٠٠٣] ٣٧٣٦ - وَقَالَ نُعَيْمٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ وَكَانَ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ أَخَا أُسَامَةَ لِأُمِّهِ-وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ" [الحديث ٣٧٣٦ - طرفه في: ٣٧٣٧] ٣٧٣٧ - قالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ و حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ مَوْلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ دَخَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ أَعِدْ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ مَنْ هَذَا قُلْتُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَوْ رَأَى هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَاحَبَّهُ فَذَكَرَ حُبَّهُ وَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ" قَالَ: و حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي عَنْ سُلَيْمَانَ وَكَانَتْ حَاضِنَةَ النَّبِيِّ ﷺ ". قَوْلُهُ: (ذِكْرُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحُدُودِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَمَنْ يَجْتَرِئُ أَنْ يُكَلِّمَهُ إِلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا يُسَمُّونَ أُسَامَةَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَحْبُوبُهُ لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَبَاهُ قَبْلَهُ حَتَّى تَبَنَّاهُ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هِيَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي وَكَانَ يُجْلِسُهُ عَلَى فَخِذِهِ بَعْدَ أَنْ كَبُرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ عَنْ قَرِيبٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ وَأَبُو عَبَّادٍ هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاجِشُونِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ. قَوْلُهُ: (لَيْتَ هَذَا عِنْدِي) أَيْ قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى أَنْصَحَهُ وَأَعِظَهُ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ عَلَى مَا قِيلَ كَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ. قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ إِنْسَانٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّهُ) إِنَّمَا جَزَمَ ابْنُ

стр. 3917

عُمَرَ بِذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُمِّ أَيْمَنَ وَذُرِّيَّتِهِمَا فَقَاسَ ابْنَ أُسَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ﷺ مَا كَانَ يُحِبُّ إِلَّا لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ، وَلِذَلِكَ رَتَّبَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مَنْقَبَةٍ لِأُسَامَةَ وَالْحَسَنِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِأُسَامَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا أَخْبَرَنِي ابْنُ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ وَابْنُ حَرْمَلَةَ هُوَ إِيَاسٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ حَرْمَلَةُ بْنُ إِيَاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَبُوهُ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هِلَالٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا مِنْ مَوَالِي الْخَزْرَجِ وَتَزَوَّجَ أُمَّ أَيْمَنَ قَبْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ، وَاسْتُشْهِدَ أَيْمَنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنُسِبَ أَيْمَنُ إِلَى أُمِّهِ لِشَرَفِهَا عَلَى أَبِيهِ وَشُهْرَتِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أُمَّ أَيْمَنَ، وَكَانَتْ حَاضِنَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَعَاشَتْ أُمُّ أَيْمَنَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَلِيلًا. قَوْلُهُ: (فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَيْمَنَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَعِدْ) أَيْ أَعِدْ صَلَاتَكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: أَيِ ابْنَ أَخِي، أتَحْسَبُ أَنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ؟ إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَأَعِدْ صَلَاتَكَ. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا هُوَ) فِيهِ تَجْرِيدٌ، كَأَنَّ حَرْمَلَةَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا، فَجَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا فَقَالَ: بَيْنَمَا هُوَ. قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ حُبَّهُ وَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ) كَذَا ثَبَتَ بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا لِأُسَامَةَ فِي قَوْلِهِ فَذَكَرَ حُبَّهُ أَيْ مَيْلَهُ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَذَكَرَ حُبَّهُ مَا وَلَدَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَا وَلَدَتْهُ إِلَخْ هُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْمُرَادُ بِمَا وَلَدَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ مَا وَلَدَتْهُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. قَوْلُهُ: (وَزَادَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي) وَهُوَ إِمَّا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَزَادَ فِيهِ وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ سُلَيْمَانَ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَبِي عَامِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّورِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَمْ يَسْمَعْهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ سُلَيْمَانَ فَحَمَلَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَبَيَّنَ مَا سَمِعَهُ مِمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ. ١٩ - بَاب مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ ٣٧٣٨ - حدثنا محمد، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلَامًا أَعْزَبَ، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيْ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ ٣٧٣٩ - فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْلِ. قَالَ

стр. 3918

سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. ٣٧٤٠، ٣٧٤١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ. قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) وَهُوَ أَحَدُ الْعَبَادِلَةِ وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَالْمُكْثِرِينَ مِنْهُمْ، وَأُمُّهُ زَيْنَبُ، وَيُقَالُ: رَائِطَةُ بِنْتُ مَظْعُونٍ أُخْتُ عُثْمَانَ وَقُدَامَةَ ابْنَيْ مَظْعُونٍ، لِلْجَمِيعِ صُحْبَةٌ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ بَدْرٌ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ وَفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ بِسَبَبِ مَنْ دَسَّهُ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ فَمَسَّ رِجْلَهُ بِحَرْبَةٍ مَسْمُومَةٍ فَمَرِضَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ أَوَائِلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. ثَمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَاهُ وَفِيهِ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي بَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْمُصَنِّفُ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ وَحْدَهُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقَوْلُهُ: لَنْ تُرَعْ كَذَا لِلْقَابِسَيِّ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: هِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، يَعْنِي الْجَزْمَ بِلَنْ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَلَا أَحْفَظُ لَهَا شَاهِدًا. وَرَوَى الْأَكْثَرُ بِلَفْظِ لَنْ تُرَاعَ وَهُوَ الْوَجْهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِمُسْنَدِ حَفْصَةَ، وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ: لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ ذَلِكَ فِي التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٠ - بَاب مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ ﵄ ٣٧٤٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَكَ لِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمْ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ؟ أفِيكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ؟ أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ. ٣٧٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ "ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّأْمِ،

стр. 3919

فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَمَّارًا قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ أَوْ السِّرَارِ قَالَ بَلَى قَالَ كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ قُلْتُ "وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى" قَالَ مَا زَالَ بِي هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَنْزِلُونِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ) أَمَّا عَمَّارٌ فَهُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، يُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ الْعَنْسِيُّ بِالنُّونِ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ قَدِيمًا، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ أَبُو جَهْلٍ أُمَّهُ فَكَانَتْ أَوَّلَ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَاتَ أَبُوهُ قَدِيمًا، وَعَاشَ هُوَ إِلَى أَنْ قُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ﵃، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْكُوفَةِ لِعُمَرَ فَلِهَذَا نَسَبَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَيْهَا. وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَهُوَ ابْنُ الْيَمَانِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ الْيَمَانِ كَمَا سَيَأْتِي، وَوَلِيَ حُذَيْفَةُ بَعْضَ أُمُورِ الْكُوفَةِ لِعُمَرَ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدَائِنِ، وَمَاتَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرٍ بِهَا، وَكَانَ عَمَّارٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَحُذَيْفَةُ مِنَ الْقُدَمَاءِ فِي الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِيهِ عَنْ عَمَّارٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْجَمَةِ لِوُقُوعِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ كَانَ ذُكِرَ مَعَهُمَا لِوُجُودِهِ مَا يُوَافِقُ شَرْطَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَقَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ حُذَيْفةَ فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا سَنَذْكُرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُهَذِّبْ تَرْتِيبَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِفْرَادُهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرَ تَرْجَمَةِ وَالِدِهِ الْيَمَانِ. قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّامِ، وَهَذَا الثَّانِي صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لَكِنْ قَالَ فِي أَثْنَائِهِ: قَالَ: قُلْتُ: بَلَى فَاقْتَضَى أَنَّهُ مَوْصُولٌ، وَوَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَسَمِعَ بِنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَأَتَانَا. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى جَنْبِي) أَيْ يَجْعَلَ غَايَةَ مَجِيئِهِ جُلُوسَهُ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ اسْتَجَابَ دَعْوَتِي. قَوْلُهُ: (قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمِ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَمُرَادُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِمُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُحَدِّثَ لَا يَرْحَلُ عَنْ بَلَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ مَا عِنْدَ مَشَايِخِهَا. قَوْلُهُ: (صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ) أَيْ نَعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَحْمِلُهُمَا وَيَتَعَاهَدُهُمَا. قَوْلُهُ: (وَالْوِسَادُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ صَاحِبُ السِّوَاكِ - بِالْكَافِ - أَوِ السَّوَادِ بِالدَّالِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا الْوِسَادُ وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ أَوْجَهُ، وَالسَّوَادُ السِّرَارُ بِرَاءَيْنِ، يُقَالُ: سَاوَدْتُهُ سَوَادًا أَيْ سَارَرْتُهُ سِرَارًا، وَأَصْلُهُ أَدْنَى السَّوَادِ وَهُوَ الشَّخْصُ مِنَ السَّوَادِ. قَوْلُهُ: (وَالْمِطْهَرَةُ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَالْمِطْهَرُ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ مِنَ الْجِهَازِ غَيْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَ ابْنُ التِّينِ كَلَامَهُ فَأَصَابَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ:

стр. 3920

إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَتَسْمَعَ سَوَادِي أَيْ سِرَارِي، وَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِهِ قَرِيبًا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى قَدِمْتُ أَنَا وَأُخْتِي مِنَ الْيَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِينًا لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَ غَيْرُ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِخِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ لِشِدَّةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَسْتَغْنِي طَالِبُهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أَفِيكُمْ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِيكُمْ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ بِالشَّكِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: (الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ يَعْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: يَعْنِي عَمَّارًا، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُمَا الْحَاكِمُ، فَكَوْنُهُ يَخْتَارُ أَرْشَدَ الْأَمْرَيْنِ دَائِمًا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الْأَمْرُ بِالْغَيِّ، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ. يَعْنِي عَمَّارًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَلِابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَخَذْتُ قِرْبَتِي وَدَلْوِي لِأَسْتَقِيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَيَأْتِيكَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ إِذَا رَجُلٌ أَسْوَدُ كَأَنَّهُ مُرْسٌ، فَصَرَعْتُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاكَ الشَّيْطَانُ فَلَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِالْإِجَارةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى ثَبَاتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ لَمَّا أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْمُشَاشُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا مِمَّنْ أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ فِي بَابِ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مُسْتَوْفًى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَوْلُهُ: (أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ وَالْمُرَادُ بِالسِّرِّ مَا أَعْلَمَهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي تَفْسِيرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ أَوْرَدَهُ المُصَنِّفُ وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُنَا. (تَنْبِيهٌ): تَوَارَدَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي وَصْفِ الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ، فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الْكُوفَةِ، جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ. قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَعْلَيْهِ، وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّهِ، وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَسَلْمَانُ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ. ٢١ - بَاب مَنَاقِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ ٣٧٤٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ

стр. 3921

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. [الحديث ٤٧٤٤ - طرفاه في: ٤٣٨٢، ٧٢٥٥] ٣٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: لَأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي عَلَيْكُمْ، يَعْنِي - أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁. [الحديث ٤٧٤٥ - طرفاه في: ٤٣٨٠، ٤٣٨١، ٧٣٥٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ) كَذَا أَخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ إِخْوَانِهِ مِنَ الْعَشَرَةِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ عَلَى تَرْجَمَةٍ لِمَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلَا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمَا مِنَ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ إِسْلَامِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بِتَرْجَمَةٍ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ النَّاقِلِينَ لِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّهُ تَرَكَ الْكِتَابَ مُسْوَدَّةً، فَإِنَّ أَسْمَاءَ مَنْ ذَكَرَهُمْ هُنَا لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مُرَاعَاةُ الْأَفْضَلِيَّةِ وَلَا السَّابِقِيَّةِ وَلَا الْأَسَنِّيَّةِ، وَهَذِهِ جِهَاتُ التَّقْدِيمِ فِي التَّرْتِيبِ، فَلَمَّا لَمْ يُرَاعِ وَاحِدًا مِنْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَتَبَ كُلَّ تَرْجَمَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَضَمَّ بَعْضُ النَّقَلَةِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ حَسْبَمَا اتُّفِقَ. وَأَبُو عُبَيْدَةَ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَدَدُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآبَاءِ مُتَفَاوِتٌ جِدًّا بِخَمْسَةِ آبَاءٍ، فَيَكُونُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ فِي دَرَجَةِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَ فِي نَسَبِهِ بَيْنَ الْجَرَّاحِ، وَهِلَالِ رَبِيعَةَ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا فِي دَرَجَةِ هَاشِمٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سُمَيْعٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَأُمُّ أَبِي عُبَيْدَةَ هِيَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ أَبِيهِ، ذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ وَقُتِلَ أَبُوهُ كَافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبَ مُرْسَلًا، وَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الشَّامِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بِالطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ. قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ) صُورَتُهُ صُورَةُ النِّدَاءِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ أَيْ أُمَّتُنَا مَخْصُوصُونَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالْأَمِينُ هُوَ الثِّقَةُ الرَّضِيُّ وَهَذِهِ الصِّفَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ، لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا، فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ، وَالْقَضَاءِ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا الْحَدِيثُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا: إِنَّ الصَّوَابَ فِي أَوَّلِهِ الْإِرْسَالُ وَالْمَوْصُولُ مِنْهُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنْ صِلَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ هُوَ ابْنُ زُفَرَ، وَذَكَرَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، صِلَةُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ صِلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (لِأَهْلِ نَجْرَانَ) هُمْ أَهْلُ بَلَدٍ قَرِيبٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُمُ الْعَاقِبُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ

стр. 3922

وَمَنْ مَعَهُمَا، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَمَّاهُمْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي تَجَوَّزَ عَنْ أَهْلِ نَجْرَانَ بِقَوْلِهِ: أَهْلُ الْيَمَنِ لِقُرْبِ نَجْرَانَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِلَّا فَهُمَا وَاقِعَتَانِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (لَأَبْعَثَنَّ حَقَّ أَمِينٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: لَأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي عَلَيْكُمْ - أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، وَلِمُسْلِمٍ: لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. قَوْلُهُ: (فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: تَطَلَّعُوا لِلْوِلَايَةِ وَرَغِبُوا فِيهَا حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْأَمَانَةُ، لَا عَلَى الْوِلَايَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَعَرَّضْتُ أَنْ تُصِيبَنِي، فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ. بَابُ ذِكْرِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَوْلُهُ (ذِكْرِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ) أَيِ ابْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَعَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَكَأَنَّهُ بِيضُ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُشْهِدَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ بِهِ. ٢٢ - بَاب مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﵄ قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَانَقَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَسَنَ ٣٧٤٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، عَنْ الْحَسَنِ، سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٣٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ" ٣٧٤٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ﵇ فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ" ٣٧٤٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ"

стр. 3923

٣٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَحَمَلَ الْحَسَنَ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ" ٣٧٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَصَدَقَةُ قَالَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ "قَالَ أَبُو بَكْرٍ ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" ٣٧٥٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ "لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ" ٣٧٥٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِمِ قَالَ شُعْبَةُ أَحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ فَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنْ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقال النبي ﷺ : "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا" [الحديث ٣٧٥٣ - طرفه في: ٥٩٩٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ) كَأَنَّهُ جَمَعَهُمَا لِمَا وَقَعَ لَهُمَا مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنَاقِبِ. وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَسَنِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ مَسْمُومًا سَنَةَ خَمْسِينَ، وَيُقَالُ قَبْلَهَا وَيُقَالُ بَعْدَهَا. وَكَانَ مَوْلِدُ الْحُسَيْنِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ بِكَرْبَلَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَاسْتَخْلَفَ يَزِيدَ كَاتَبُوا الْحُسَيْنَ بِأَنَّهُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِمْ، فَسَبَقَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَذَّلَ غَالِبَ النَّاسِ عَنْهُ، فَتَأَخَّرُوا رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَقُتِلَ ابْنُ عَمِّهِ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ قَدَّمَهُ قَبْلَهُ لِيُبَايِعَ لَهُ النَّاسَ، ثُمَّ جَهَّزَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا فَقَاتَلُوهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِشَرْحِهَا، وَعَسَى أَنْ يَقَعَ لَنَا إِلْمَامٌ بِهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) أَيِ ابْنُ مُطْعِمٍ، وَحَدِيثُهُ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْبُيُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ هُنَا: أَبُو مُوسَى اسْمُهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَزَلَ الْهِنْدَ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الْحَسَنِ غَيْرُهُ. الثَّانِي حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ أُسَامَةَ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَأَنَّ سُلَيْمَانَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عُثْمَانَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْتُ: بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ، فَإِنَّ لَفْظَ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا، وَلَفْظُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَأْخُذُنِي فَيَضَعُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيَضَعُ عَلَى الْفَخِذِ الْآخَرِ الْحَسَنَ بْنَ
следующие страницы →