← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3919–3958 · переход к 3924.

стр. 3919

فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ يَعْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَمَّارًا قُلْتُ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ أَوْ السِّرَارِ قَالَ بَلَى قَالَ كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ قُلْتُ "وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى" قَالَ مَا زَالَ بِي هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَسْتَنْزِلُونِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ) أَمَّا عَمَّارٌ فَهُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، يُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ الْعَنْسِيُّ بِالنُّونِ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ قَدِيمًا، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ أَبُو جَهْلٍ أُمَّهُ فَكَانَتْ أَوَّلَ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَاتَ أَبُوهُ قَدِيمًا، وَعَاشَ هُوَ إِلَى أَنْ قُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ﵃، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْكُوفَةِ لِعُمَرَ فَلِهَذَا نَسَبَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَيْهَا. وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَهُوَ ابْنُ الْيَمَانِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ الْيَمَانِ كَمَا سَيَأْتِي، وَوَلِيَ حُذَيْفَةُ بَعْضَ أُمُورِ الْكُوفَةِ لِعُمَرَ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدَائِنِ، وَمَاتَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرٍ بِهَا، وَكَانَ عَمَّارٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَحُذَيْفَةُ مِنَ الْقُدَمَاءِ فِي الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِيهِ عَنْ عَمَّارٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْجَمَةِ لِوُقُوعِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ كَانَ ذُكِرَ مَعَهُمَا لِوُجُودِهِ مَا يُوَافِقُ شَرْطَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَقَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ حُذَيْفةَ فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا سَنَذْكُرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُهَذِّبْ تَرْتِيبَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِفْرَادُهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرَ تَرْجَمَةِ وَالِدِهِ الْيَمَانِ. قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّامِ، وَهَذَا الثَّانِي صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لَكِنْ قَالَ فِي أَثْنَائِهِ: قَالَ: قُلْتُ: بَلَى فَاقْتَضَى أَنَّهُ مَوْصُولٌ، وَوَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَسَمِعَ بِنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَأَتَانَا. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى جَنْبِي) أَيْ يَجْعَلَ غَايَةَ مَجِيئِهِ جُلُوسَهُ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ اسْتَجَابَ دَعْوَتِي. قَوْلُهُ: (قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمِ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَمُرَادُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِمُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُحَدِّثَ لَا يَرْحَلُ عَنْ بَلَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ مَا عِنْدَ مَشَايِخِهَا. قَوْلُهُ: (صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ) أَيْ نَعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَحْمِلُهُمَا وَيَتَعَاهَدُهُمَا. قَوْلُهُ: (وَالْوِسَادُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ صَاحِبُ السِّوَاكِ - بِالْكَافِ - أَوِ السَّوَادِ بِالدَّالِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا الْوِسَادُ وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ أَوْجَهُ، وَالسَّوَادُ السِّرَارُ بِرَاءَيْنِ، يُقَالُ: سَاوَدْتُهُ سَوَادًا أَيْ سَارَرْتُهُ سِرَارًا، وَأَصْلُهُ أَدْنَى السَّوَادِ وَهُوَ الشَّخْصُ مِنَ السَّوَادِ. قَوْلُهُ: (وَالْمِطْهَرَةُ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَالْمِطْهَرُ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ مِنَ الْجِهَازِ غَيْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَ ابْنُ التِّينِ كَلَامَهُ فَأَصَابَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ:

стр. 3920

إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَتَسْمَعَ سَوَادِي أَيْ سِرَارِي، وَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِهِ قَرِيبًا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى قَدِمْتُ أَنَا وَأُخْتِي مِنَ الْيَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِينًا لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَ غَيْرُ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِخِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ لِشِدَّةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَسْتَغْنِي طَالِبُهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أَفِيكُمْ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِيكُمْ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ بِالشَّكِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: (الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ يَعْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: يَعْنِي عَمَّارًا، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُمَا الْحَاكِمُ، فَكَوْنُهُ يَخْتَارُ أَرْشَدَ الْأَمْرَيْنِ دَائِمًا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الْأَمْرُ بِالْغَيِّ، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ. يَعْنِي عَمَّارًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَلِابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: نَزَلْنَا مَنْزِلًا فَأَخَذْتُ قِرْبَتِي وَدَلْوِي لِأَسْتَقِيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَيَأْتِيكَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ إِذَا رَجُلٌ أَسْوَدُ كَأَنَّهُ مُرْسٌ، فَصَرَعْتُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ذَاكَ الشَّيْطَانُ فَلَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِالْإِجَارةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى ثَبَاتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ لَمَّا أَكْرَهَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْمُشَاشُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا مِمَّنْ أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ فِي بَابِ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مُسْتَوْفًى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَوْلُهُ: (أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ وَالْمُرَادُ بِالسِّرِّ مَا أَعْلَمَهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي تَفْسِيرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ أَوْرَدَهُ المُصَنِّفُ وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُنَا. (تَنْبِيهٌ): تَوَارَدَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي وَصْفِ الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ وَزَادَ عَلَيْهِ، فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الْكُوفَةِ، جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ. قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَعْلَيْهِ، وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّهِ، وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، وَسَلْمَانُ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ. ٢١ - بَاب مَنَاقِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ ٣٧٤٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ

стр. 3921

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. [الحديث ٤٧٤٤ - طرفاه في: ٤٣٨٢، ٧٢٥٥] ٣٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: لَأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي عَلَيْكُمْ، يَعْنِي - أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁. [الحديث ٤٧٤٥ - طرفاه في: ٤٣٨٠، ٤٣٨١، ٧٣٥٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ) كَذَا أَخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ إِخْوَانِهِ مِنَ الْعَشَرَةِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ عَلَى تَرْجَمَةٍ لِمَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلَا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمَا مِنَ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَفْرَدَ ذِكْرَ إِسْلَامِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بِتَرْجَمَةٍ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ النَّاقِلِينَ لِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّهُ تَرَكَ الْكِتَابَ مُسْوَدَّةً، فَإِنَّ أَسْمَاءَ مَنْ ذَكَرَهُمْ هُنَا لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مُرَاعَاةُ الْأَفْضَلِيَّةِ وَلَا السَّابِقِيَّةِ وَلَا الْأَسَنِّيَّةِ، وَهَذِهِ جِهَاتُ التَّقْدِيمِ فِي التَّرْتِيبِ، فَلَمَّا لَمْ يُرَاعِ وَاحِدًا مِنْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَتَبَ كُلَّ تَرْجَمَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَضَمَّ بَعْضُ النَّقَلَةِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ حَسْبَمَا اتُّفِقَ. وَأَبُو عُبَيْدَةَ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَدَدُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآبَاءِ مُتَفَاوِتٌ جِدًّا بِخَمْسَةِ آبَاءٍ، فَيَكُونُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ فِي دَرَجَةِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَ فِي نَسَبِهِ بَيْنَ الْجَرَّاحِ، وَهِلَالِ رَبِيعَةَ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا فِي دَرَجَةِ هَاشِمٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سُمَيْعٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَأُمُّ أَبِي عُبَيْدَةَ هِيَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ أَبِيهِ، ذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ وَقُتِلَ أَبُوهُ كَافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبَ مُرْسَلًا، وَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الشَّامِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بِالطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ السَّامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ. قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ) صُورَتُهُ صُورَةُ النِّدَاءِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ أَيْ أُمَّتُنَا مَخْصُوصُونَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالْأَمِينُ هُوَ الثِّقَةُ الرَّضِيُّ وَهَذِهِ الصِّفَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ، لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا، فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ، وَالْقَضَاءِ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): أَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا الْحَدِيثُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا: إِنَّ الصَّوَابَ فِي أَوَّلِهِ الْإِرْسَالُ وَالْمَوْصُولُ مِنْهُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنْ صِلَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ هُوَ ابْنُ زُفَرَ، وَذَكَرَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، صِلَةُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ صِلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (لِأَهْلِ نَجْرَانَ) هُمْ أَهْلُ بَلَدٍ قَرِيبٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُمُ الْعَاقِبُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ

стр. 3922

وَمَنْ مَعَهُمَا، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَمَّاهُمْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي تَجَوَّزَ عَنْ أَهْلِ نَجْرَانَ بِقَوْلِهِ: أَهْلُ الْيَمَنِ لِقُرْبِ نَجْرَانَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِلَّا فَهُمَا وَاقِعَتَانِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (لَأَبْعَثَنَّ حَقَّ أَمِينٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: لَأَبْعَثَنَّ - يَعْنِي عَلَيْكُمْ - أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، وَلِمُسْلِمٍ: لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. قَوْلُهُ: (فَأَشْرَفَ أَصْحَابُهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: تَطَلَّعُوا لِلْوِلَايَةِ وَرَغِبُوا فِيهَا حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْأَمَانَةُ، لَا عَلَى الْوِلَايَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَعَرَّضْتُ أَنْ تُصِيبَنِي، فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ. بَابُ ذِكْرِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَوْلُهُ (ذِكْرِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ) أَيِ ابْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَعَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَكَأَنَّهُ بِيضُ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُشْهِدَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ بِهِ. ٢٢ - بَاب مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﵄ قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَانَقَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَسَنَ ٣٧٤٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، عَنْ الْحَسَنِ، سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٣٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا أَوْ كَمَا قَالَ" ٣٧٤٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ﵇ فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا فَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ" ٣٧٤٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ"

стр. 3923

٣٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَحَمَلَ الْحَسَنَ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ" ٣٧٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَصَدَقَةُ قَالَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ "قَالَ أَبُو بَكْرٍ ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ" ٣٧٥٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ "لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ" ٣٧٥٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَنْ الْمُحْرِمِ قَالَ شُعْبَةُ أَحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ فَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنْ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقال النبي ﷺ : "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا" [الحديث ٣٧٥٣ - طرفه في: ٥٩٩٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ) كَأَنَّهُ جَمَعَهُمَا لِمَا وَقَعَ لَهُمَا مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنَاقِبِ. وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَسَنِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ مَسْمُومًا سَنَةَ خَمْسِينَ، وَيُقَالُ قَبْلَهَا وَيُقَالُ بَعْدَهَا. وَكَانَ مَوْلِدُ الْحُسَيْنِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ بِكَرْبَلَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَاسْتَخْلَفَ يَزِيدَ كَاتَبُوا الْحُسَيْنَ بِأَنَّهُمْ فِي طَاعَتِهِ، فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِمْ، فَسَبَقَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَذَّلَ غَالِبَ النَّاسِ عَنْهُ، فَتَأَخَّرُوا رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَقُتِلَ ابْنُ عَمِّهِ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ قَدَّمَهُ قَبْلَهُ لِيُبَايِعَ لَهُ النَّاسَ، ثُمَّ جَهَّزَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا فَقَاتَلُوهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِشَرْحِهَا، وَعَسَى أَنْ يَقَعَ لَنَا إِلْمَامٌ بِهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) أَيِ ابْنُ مُطْعِمٍ، وَحَدِيثُهُ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْبُيُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ هُنَا: أَبُو مُوسَى اسْمُهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَزَلَ الْهِنْدَ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الْحَسَنِ غَيْرُهُ. الثَّانِي حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ أُسَامَةَ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَأَنَّ سُلَيْمَانَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عُثْمَانَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْتُ: بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ، فَإِنَّ لَفْظَ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا، وَلَفْظُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَأْخُذُنِي فَيَضَعُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيَضَعُ عَلَى الْفَخِذِ الْآخَرِ الْحَسَنَ بْنَ

стр. 3924

عَلِيٍّ ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا. الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ أَشْكَابَ أَخُو عَلِيٍّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. قَوْلُهُ: (أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ، وَزِيَادٌ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي إِمَارَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَأُتِيَ بِرَأْسِهِ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَنْكُتُ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ: فَجَعَلَ يَقُولُ بِقَضِيبٍ لَهُ فِي أَنْفِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدَ بْنِ أَرْقَمَ: فَجَعَلَ قَضِيبًا فِي يَدِهِ فِي عَيْنِهِ وَأَنْفِهِ، فَقُلْتُ ارْفَعْ قَضِيبَكَ فَقَدْ رَأَيْتُ فَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا. قَوْلُهُ: (كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ أَشْبَهَ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَزَادَ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْثِمُ حَيْثُ تَضَعُ قَضِيبَكَ، قَالَ: فَانْقَبَضَ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَخْضُوبًا) أَيِ الْحُسَيْنُ (بِالْوَسْمَةِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا - وَبِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا: نَبْتٌ يُخْتَضَبُ بِهِ يَمِيلُ إِلَى سَوَادٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ. قَوْلُهُ: (وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ بِالشَّكِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ شُعْبَةَ رَوَوْهُ فَقَالُوا: الْحَسَنُ بِغَيْرِ شَكٍّ، ثُمَّ عَدَّ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةً. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ النَّوْفَلِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ تُنَقِّزُ - بِالْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ تُرَقِّصُ - الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَيَحْتَمِلُ إِنْ كَانَ حَفِظَهُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ تَوَافَقَا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ عَرَفَ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تَقُولُ ذَلِكَ فَتَابَعَهَا عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ. قَوْلُهُ: (بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تُرَقِّصُ الْحَسَنَ وَتَقُولُ: ابْنِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ … لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَفِيهِ إِرْسَالٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهَا تَوَارَدَتْ فِي ذَلِكَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ تَلَقَّى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: (لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَذَا وَقَعَ بِرَفْعِ شَبِيهٌ عَلَى أَنَّ لَيْسَ حَرْفَ عَطْفٍ وَهُوَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبِيهٌ اسْمَ لَيْسَ، وَيَكُونَ خَبَرُهَا ضَمِيرًا مُتَّصِلًا حُذِفَ اسْتِغْنَاءً عَنْ لَفْظِهِ بِنِيَّتِهِ، وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ فِي خُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هُوَ مُفَدًّى بِأَبِي شَبِيهٌ، فَيَكُونُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ أَفْدِيهِ بِأَبِي وَشَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِعِلِّيَّةِ الشَّبَهِ لِلتَّفْدِيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ مَا قَدْ يُعَارِضُ قَوْلَ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَالْجَوَابُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْفِيُّ عَلَى عُمُومِ الشَّبَهِ وَالْمُثْبَتُ عَلَى مُعْظَمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، تَقَدَّمَ مَتْنًا وَسَنَدًا وَشَرْحًا قَرِيبًا قرابة فِي مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْحَدِيثُ السَّابِعُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَقَصَدَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ الزُّهْرِيِّ لَهُ مِنْ أَنَسٍ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) هَذَا يُعَارِضُ رِوَايَةَ ابْنِ سِيرِينَ الْمَاضِيَةَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ أَنَسٌ قَالَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَشَدَّ شَبَهًا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَخِيهِ الْحُسَيْنِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا

стр. 3925

هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِمَنْ فَضَّلَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ فِي الشَّبَهِ مَنْ عَدَا الْحَسَنَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَ أَشَدَّ شَبَهًا بِهِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الرَّأْسِ إِلَى الصَّدْرِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ: وَكَانَ أَشْبَهَهُمْ وَجْهًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُؤَيِّدُ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِينَ كَانُوا يُشَبَّهُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ:، جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَقُثَمُ - بِالْقَافِ - ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمُسْلِمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِنْ غَيْرِ بَنِي هَاشِمٍ: السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْمُطَّلِبِيُّ الْجَدُّ الْأَعْلَى لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ الْعَبْشَمِيُّ، وَكَابِسُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيٍّ، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ نَظَمَ مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ سَيِّدِ النَّاسِ خَمْسَةً، أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي عَنْهُ: بِخَمْسَةٍ أَشْبَهُوا الْمُخْتَارَ مِنْ مُضَرَ … يَا حُسْنَ مَا خَوَّلُوا مِنْ شَبَهِهِ الْحَسَنِ بِجَعْفَرٍ وَابْنِ عَمِّ الْمُصْطَفَى قُثَمٍ … وَسَائِبٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ وَزَادَهُمْ شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ اثْنَيْنِ، وَهُمَا الْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ، وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَأَنْشَدَنَاهُمَا وَهُمَا: وَسَبْعَةٌ شُبِّهُوا بِالْمُصْطَفَى فَسمَا … لَهُمْ بِذَلِكَ قَدْرٌ قَدْ زَكَا وَنَمَا سِبْطَا النَّبِيِّ أَبُو سُفْيَانَ، سَائِبُهُمْ … وَجَعْفَرٌ وَابْنُهُ ذُو الْجُودِ مَعْ قُثَمَا وَزَادَ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ثَامِنًا وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَنَظَمَ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ أَيْضًا، وَقَدْ زِدْتُ فِيهِمَا مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ، وَكَابِسَ بْنَ رَبِيعَةَ فَصَارُوا عَشَرَةً، وَنَظَمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا: شَبَهُ النَّبِيِّ لِعَشْرٍ سَائِبٍ وَأَبِي … سُفْيَانَ وَالْحَسَنَيْنِ الطَّاهِرَيْنِ هُمَا وَجَعْفَرٍ وَابْنِهِ ثُمَّ ابْنِ عَامِرِهِمْ … وَمُسْلِمٍ، كَابِسٍ يَتْلُوهُ مَعْ قُثَمَا وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ ﵍ كَانَتْ تُشْبِهُهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُغَيَّرَ مِنَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: لِعَشْرٍ فَيُجْعَلَ لِيَاءٍ وَهُوَ بِالْحِسَابِ أَحَدَ عَشَرَ، وَيُغَيَّرَ الطَّاهِرَيْنِ هُمَا فَيُجْعَلَ ثُمَّ أُمِّهِمَا. ثُمَّ وَجَدْتُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدَهُ ﵇ كَانَ يُشْبِهُهُ فَيُغَيَّرُ قَوْلُهُ: لِيَاءٍ فَيُجْعَلُ لِيَبٍّ وَبَدَلَ الطَّاهِرَيْنِ هُمَا الْخَالِ أُمَّهِمَا، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي قِصَّةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ وَلَدَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَوْفًا كَانَا يُشْبِهَانِهِ فَيُجْعَلُ أَوَّلُ الْبَيْتِ: شَبَهُ النَّبِيِّ لِيَجِّ وَالْبَيْتُ الثَّانِي وَجَعْفَرٌ وَلَدَاهُ وَابْنُ عَامِرِهِمْ إِلَخْ، وَوَجَدْتُ مِنْ نَظْمِ الْإِمَامِ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الشِّحْنَةِ قَاضِي حَلَبَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: وَخَمْسَ عَشَرٍ لَهُمْ بِالْمُصْطَفَى شَبَهٌ … سِبْطَاهُ وَابْنَا عَقِيلٍ، سَائِبٌ، قُثَمُ وَجَعْفَرٌ وَابْنُهُ عَبْدَانِ مُسْلِمُ أَبُو … سُفْيَانَ كَابِسٌ عُثْمَ ابْنُ النِّجَادِ هُمُ فَزَادَ ابْنَ عَقِيلٍ الثَّانِيَ وَعُثْمَانَ، وَابْنَ النِّجَادِ، وَأَخَلَّ ممَنْ ذَكَرْتُهُ بِابْنِ جَعْفَرٍ الثَّانِي، وَأَرَادَ هُوَ بِقَوْلِهِ: عَبْدَانِ تَثْنِيَةَ عَبْدٍ وَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَلَوْ كَانَ أَرَادَ اسْمًا مُفْرَدًا لَمْ يَتِمَّ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَقَدْ تُعُقِّبَ قَوْلُهُ:

стр. 3926

ابْنَا عَقِيلٍ بِالتَّثْنِيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: وَمُسْلِمٌ لِأَنَّ مُسْلِمًا هُوَ ابْنُ عَقِيلٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ الْجَوَابَ عَنْهُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ مُعَتِّبِ بْنِ أَبِي لَهَبٍ مِمَّنْ كَانَ يُشْبِهُهُ، وَمُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِهِ، وَذَكَرَ فِي الْمُحَبَّرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبِ بَبَّهْ كَانَ يُشْبِهُهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ أَيْضًا. وَأَرَادَ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِقَوْلِهِ: عُثْمَ تَرْخِيمَ عُثْمَانَ، وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ لَمَّا زَوَّجَهَا عُثْمَانَ: إِنَّهُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِجَدِّكِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِيكِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ الْأَزْهَرِ أَحَدَ رُوَاتِهِ. وَهُوَ وَشَيْخُهُ خَالِدُ بْنُ عَمْرٍو كَذَّبَهُمَا الْأَئِمَّةُ، وَانْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي صِفَةِ عُثْمَانَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَرَادَ بِابْنِ النِّجَادِ عَلِيَّ بْنَ عَلِيِّ بْنِ النِّجَادِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ، وَهَذَا تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فَلِذَلِكَ لَمْ أُعَوِّلْ عَلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِهِ يَكُونُ قَدْ فَاتَهُ مِمَّنْ وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ، فَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأَنْسَابِ أَنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ، حَتَّى إِنَّ يَحْيَى الْمَذْكُورَ كَانَ يُقَالُ لَهُ: الشَّبِيهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالْمَهْدِيُّ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ أَنَّهُ يُشْبِهُ وَيُوَاطِئُ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمَ أَبِيهِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: شَبِيهُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ سَلِمَ ابْنُ الشِّحْنَةِ مِنْهُ، وَقَدْ غَيَّرْتُ بَيْتَيَّ هَكَذَا: شَبَهُ النَّبِيِّ سَائِبٌ وَأَبِي … سُفْيَانَ وَالْحَسَنَيْنِ الْخَالُ أُمُّهُمَا وَجَعْفَرٌ وَلَدَيْهِ وَابْنُ عَامِرٍ كَا … بِسٌ وَنَجْلَيْ عَقِيلٍ بَبَّه قُثَمَا فَاقْتَصَرْتُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِمَّنْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الشِّحْنَةِ، وَأَبْدَلْتُهُمَا بِاثْنَيْنِ فَوَفَيْتُ عِدَّتَهُ مَعَ السَّلَامَةِ مِمَّا تُعُقِّبَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيَّ وَأَنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَأَمَرَهُ عُمَرُ بِأَنْ لَا يَمْشِيَ إِلَّا مُقَنَّعًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَ: وَكَانَ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ. وَفِي قِصَّةِ الْكَاهِنَةِ مَعَ أُوَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُمْ: أَشْبَهُ النَّاسِ بِصَاحِبِ الْمَقَامِ - أَيْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - هَذَا، تُشِيرُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الطبِّيُّ، وَيُقَالُ إِنَّهُ تَمِيمِيٌّ، وَقَالَ شُعْبَةُ مَرَّةً: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي تَمِيمٍ وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ الْبَجَلِيَّ. قَوْلُهُ: (وَسَأَلَهُ عَنِ الْمُحْرِمِ) فِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْقُوبَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ وَسَأَلْتُهُ فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَقَدْ عُرِفَ اسْمُ السَّائِلِ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَنَحْوَهَا فِي رِوَايَةِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَدَبِ. قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ: أَحْسَبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ) وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَذْكُورَةِ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ وَقَعَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنِ الذُّبَابِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، تَسْأَلُونَنِي

стр. 3927

عَنِ الذُّبَابِ أَوْرَدَ ابْنُ عُمَرَ هَذَا مُتَعَجِّبًا مِنْ حِرْصِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَتَفْرِيطِهِمْ فِي الشَّيْءِ الْجَلِيلِ. قَوْلُهُ: (رَيْحَانَتَايَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ رَيْحَانِي بِالْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ، وَشَبَهَهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُشَمُّ وَيُقَبَّلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: إِنَّ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَتَيِّ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: أَتُحِبُّهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَا وَهُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا أَشُمُّهُمَا. ٢٣ - بَاب مَنَاقِبِ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ ٣٧٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا. يَعْنِي: بِلَالًا. ٣٧٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْبُيُوعِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ شِرَائِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُوَلَدِي السَّرَاةِ، وَاسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةٌ وَكَانَتْ لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، وَجَاءَ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ حَبَشِيٌّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: نُوبِيٌّ. قَوْلُهُ: (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ، بِلَالًا بِخَمْسِ أَوَاقٍ، وَهُوَ مَدْفُونٌ بِالْحِجَارَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ فِي الْجَنَّةِ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. قَوْلُهُ: (كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سِيدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي: بِلَالًا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي أَنَّ بِلَالًا مِنَ السَّادَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّيِّدُ الْأَوَّلُ حَقِيقَةً، وَالثَّانِي قَالَهُ تَوَاضُعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، أَوْ أَنَّ السِّيَادَةَ لَا تُثْبِتُ الْأَفْضَلِيَّةَ، فَقد قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ مَعَ أَنَّهُ رَأَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ. قَوْلُهُ: (أنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ) كَان قَوْلهُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ: قَالَ بِلَالٌ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَعَمَلِي لِلَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: فَذَرْنِي أَعْمَلُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَفْضَلَ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ الْجِهَادَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِبِلَالٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَقِّي، فَأَقَامَ مَعَهُ بِلَالٌ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَلَمَّا مَاتَ أَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَتَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا فَمَاتَ بِهَا فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ سَنَةَ ثَمَان عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةً عِشْرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَقِيلَ: دُفِنَ بِبَابِ كَيْسَانَ، وَقِيلَ: بِدَارِيَّا، وَقِيلَ: بِحَلَبَ، وَرَدَّهُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ: الَّذِي مَاتَ بِحَلَبَ أَخُوهُ خَالِدٌ، وَزَعَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ

стр. 3928

أَنَّ بِلَالًا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَغَلَّطُوهُ. ٢٤ - بَاب ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ٣٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَقَالَ: اللهم عَلِّمْهُ الْكِتَابَ. حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ. . مِثْلَهُ. وَالْحِكْمَةُ الْإِصَابَةُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ. قَوْلُهُ: (ذِكْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ حَتَّى كَانَ عُمَرُ يُقَدِّمُهُ مَعَ الْأَشْيَاخِ وَهُوَ شَابٌّ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَهُ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَفِي لَفْظٍ: عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَنْ فَسَّرَ الْحِكْمَةَ هُنَا بِالْقُرْآنِ، وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَفِي الطَّهَارَةِ مَعَ بَيَانِ سَبَبِهِ وَبَيَانِ مَنْ زَادَ فِيهِ: وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ اشْتُهِرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ حَتَّى نَسَبَهَا بَعْضُهُمْ لِلصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، وَأَوَّلُهُ فِي هَذَا الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قَوْلِهِ: وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ وَأَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ: اللَّهُمَّ أَعْطِ ابْنَ عَبَّاسٍ الْحِكْمَةَ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ هُنَا فَقِيلَ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وَقِيلَ: نُورٌ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَسْوَاسِ، وَقِيلَ: سُرْعَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ وَكَانَ يَقُولُ: نِعْمَ تَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَى يَعْقُوبُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُورَةَ النُّورِ ثُمَّ جَعَلَ يُفَسِّرُهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ سَمِعَتْ هَذَا الدَّيْلَمُ لَأَسْلَمَتْ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمَوْسِمِ يَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، كَانَ عُثْمَانُ أَرْسَلَهُ لَمَّا حُصِرَ. ٢٥ - بَاب مَنَاقِبِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ ٣٧٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ - حَتَّى أَخَذَها سَيْفٌ

стр. 3929

مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) أَيِ ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْقَافِ وَالْمُشَالَةُ - ابْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ جَمِيعًا فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الصَّحَابَةِ، أَسْلَمَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ، وَيُقَالُ: قَبْلَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ بِشَهْرَيْنِ، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ مُغَلْطَايْ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَفَرٍ وَكَانَ الْفَتْحُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. وَحَكَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ أَسْلَمَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ طَلِيعَةً لِلْمُشْرِكِينَ وَهِيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ. زَادَ غَيْرُهُ: وَقبل عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَمَا وَافَقَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقَدَ قَلَنْسُوَةً فَقَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ شَعْرَهُ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي إِلَّا رُزِقْتُ النَّصْرَ، وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ مَشَاهِدَ ظَهَرَتْ فِيهَا نَجَابَتُهُ، ثُمَّ كَانَ قَتْلُ أَهْلِ الرِّدَّةِ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ فُتُوحُ الْبِلَادِ الْكِبَارِ، وَمَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِحِمْصَ. وَنُقِلَ عَنْ دُحَيْمٍ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَغَلَّطُوهُ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غَلَطٌ قَبِيحٌ أَشَدُّ مِنْ غَلَطِ دُحَيْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الصِّدِّيقُ لَمَّا احْتُضِرَ خَالِدٌ وَالنِّسْوَةُ تَبْكِينَ عَلَيْهِ: دَعْهُنَّ يُهْرِقْنَ دُمُوعَهُنَّ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، فَهَلْ تَأَيَّمَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ انْتَهَى. قُلْتُ: وَبَعْضُ هَذَا الْكَلَامِ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ فِي حَقِّ خَالِدٍ كَمَا مَضَى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّقْلَقَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي أَهْلِ مُؤْتَةَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: حَتَّى أَخَذَهَا - يَعْنِي الرَّايَةَ - سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ خَالِدٌ، وَمِنْ يَوْمِئِذٍ تَسَمَّى سَيْفَ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُؤْذُوا خَالِدًا فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٦ - بَاب مَنَاقِبِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ﵁ ٣٧٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَا أَدْرِي، بَدَأَ بِأُبَيٍّ أَوْ بِمُعَاذِ. [الحديث ٣٧٥٨ - أطرفه في: ٣٧٦٠، ٣٨٠٦، ٣٨٠٨، ٤٩٩٩] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) أَيِ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مَوْلَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقُتِلَ أَبُوهُ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ، لِمَا كُنْتُ أَرَى مِنْ عَقْلِهِ وَاسْتُشْهِدَ أَبُو حُذَيْفَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَأَمَّا سَالِمٌ فَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَقَدْ أُشِيرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِالْقُرْآنِ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ بِقُبَاءَ لَمَّا قَدِمُوا مِنْ مَكَّةَ،

стр. 3930

وَشَهِدَ سَالِمٌ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ أَبِيهِ مَعْقِلٌ، وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَتَبَنَّاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الرَّضَاعِ، وَاسْتُشْهِدَ سَالِمٌ بِالْيَمَامَةِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِالضَّمِّ وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ فَاعِلِهِ. قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَيِ ابْنُ الْعَاصِ. قَوْلُهُ: (فَبَدَأَ بِهِ) فِيهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ يُفِيدُ الِاهْتِمَامَ، وَقَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي بَدَأَ بِأُبَيٍّ أَوْ بِمُعَاذٍ) فِيهِ أَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ظَاهِرًا، وَتَخْصِيصُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ بِأَخْذِ الْقُرْآنِ عَنْهُمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ ضَبْطًا لَهُ وَأَتْقَنَ لِأَدَائِهِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ تَفَرَّغُوا لِأَخْذِهِ مِنْهُ مُشَافَهَةً وَتَصَدَّوْا لِأَدَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَلِذَلِكَ نَدَبَ إِلَى الْأَخْذِ عَنْهُمْ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ. ٢٧ - بَاب مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ٣٧٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا. ٣٧٦٠ - وَقَالَ اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. ٣٧٦١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: دَخَلْتُ الشَّامَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا، فَرَأَيْتُ شَيْخًا مُقْبِلًا، فَلَمَّا دَنَا قُلْتُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اسْتَجَابَ الله. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: أَفَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ؟ أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ الَّذِي أُجِيرَ مِنْ الشَّيْطَانِ؟ أَوَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟ كَيْفَ قَرَأَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ: وَاللَّيْلِ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَاهُ إِلَى فِيَّ، فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يَرُدُّونني. ٣٧٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ فَقَالَ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" [الحديث ٣٧٦٢ - طرفه في: ٦٠٩٧] ٣٧٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ ﵁ يَقُولُ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي

стр. 3931

مِنْ الْيَمَنِ فَمَكُثْنَا حِينًا مَا نُرَى إِلاَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ " [الحديث ٣٧٦٣ - طرفه في: ٤٣٨٤] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ شَمْخِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، مَاتَ أَبُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ وَصَحِبَتْ، فَلِذَلِكَ نُسِبَ إِلَيْهَا أَحْيَانًا، وَكَانَ هُوَ مِنَ السَّابِقِينَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ كَانَ سَادِسَ سِتَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ شُهُودُهُ إِيَّاهَا، وَوَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ بِالْكُوفَةِ لِعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَقَدِمَ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ الْمَدِينَةَ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمِمَّنِ انْتَشَرَ عِلْمُهُ بِكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ وَالْآخرينَ عَنْهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ سَمِعَهُ مَجْمُوعًا فَأَوْرَدَهُ كَذَلِكَ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْمَذْكُورَ فِي مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ آنِفًا. ثم حَدِيثَ حُذَيْفَةَ: مَا أَعْلَمُ أحدا أقرب سَمْتًا أَيْ خُشُوعًا وَهَدْيًا أَيْ طَرِيقَةً وَدَلًّا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ سِيرَةً وَحَالَةً وَهَيْئَةً، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمَّا يَدُلُّ ظَاهِرُ حَالِهِ عَلَى حُسْنِ فِعَالِهِ. قَوْلُهُ: (مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُكَنَّى أُمَّ عَبْدٍ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفِظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ أَقْرَبِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَسِيلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: (قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَوْلُهُ: (مَا نَرَى) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَكَثْنَا أَوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ حِينًا، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى مُلَازَمَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ فَضْلِهِ. ٢٨ - بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ ﵁ ٣٧٦٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . [الحديث ٣٧٦٤ - طرفه فى: ٣٧٦٥] ٣٧٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ، قَالَ: إِنَّهُ فَقِيهٌ. ٣٧٦٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ"

стр. 3932

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ) أَيِ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهُ صَخْرٌ، وَيُكَنَّى أَيْضًا أَبَا حَنْظَلَةَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَأَسْلَمَ أَبَوَاهُ بَعْدَهُ، وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَتَبَ لَهُ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ دِمَشْقَ عَنْ عُمَرَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ زَمَانَ مُحَارَبَتِهِ لِعَلِيٍّ، وَلِلْحَسَنِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَيْنَ إِمَارَةٍ وَمُحَارَبَةٍ وَمَمْلَكَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً مُتَوَالِيَةً. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمُعَافَى) هُوَ ابْنُ عِمْرَانَ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ يُكَنَّى أَبَا مَسْعُودٍ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ النُّبَلَاءِ، وَقَدْ لَقِيَ بَعْضَ التَّابِعِينَ، وَتَلْمَذَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكَانَ يُلَقَّبُ يَاقُوتَةَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ شَدِيدَ التَّعْظِيمِ لَهُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةً، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَوْضِعٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَفِي الرُّوَاةِ آخَرَ يُقَالُ لَهُ: الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ أَصْغَرُ مِنْ هَذَا، وَوَهَمَ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ التِّينِ، وَمَاتَ الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ وَحْدَهُ وَأَخْرَجَ لِلْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ مَعَ الْبُخَارِيِّ، أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ) هُوَ كُرَيْبٌ، رَوَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ كُرَيْبٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ مَعَ أَبِي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَرَأَيْتُهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، هُوَ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: دَعْهُ) فِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، تَقْدِيرُهُ: فَأَتَى ابْنُ عَبَّاسٍ فَحَكَى لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: دَعْهُ، وَقَوْلُهُ: دَعْهُ أَيِ اتْرُكِ الْقَوْلَ فِيهِ وَالْإِنْكَارَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ أَيْ فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا إِلَّا بِمُسْتَنَدٍ. وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ) مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ التِّينِ: إِنَّ الْوِتْرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْفُقَهَاءُ، لِأَنَّ الَّذِي نَفَاهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَثَبَتَ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، نَعَمُ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ وَأَقَلُّهُ رَكْعَتَانِ، وَاخْتُلِفَ أَيُّمَا الْأَفْضَلُ وَصْلُهُمَا بِهَا أَوْ فَصْلُهُمَا؟ وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى شَرْطِيَّةِ وَصْلِهِمَا وَأَنَّ الْوِتْرَ بِرَكْعَةٍ لَا يُجْزِئُ وَشُهْرَةُ ذَلِكَ تُغْنِي عَنِ الْإِطَالَةِ فِيهِ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَالْكَلَامُ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ تَقَدَّمَ فِي مَكَانِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. (تَنْبِيهٌ): عَبَّرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَةٌ وَلَا مَنْقَبَةٌ لِكَوْنِ الْفَضِيلَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ شَهَادَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَةِ دَالَّةٌ عَلَى الْفَضْلِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ جُزْءًا فِي مَنَاقِبِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرُوهَا ثُمَّ سَاقَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ، فَهَذِهِ النُّكْتَةُ فِي عُدُولِ الْبُخَارِيِّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ مَنْقَبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ، لَكِنْ بِدَقِيقِ نَظَرِهِ اسْتَنْبَطَ مَا يَدْفَعُ بِهِ رُءُوسَ الرَّوَافِضِ، وَقِصَّةُ النَّسَائِيِّ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ إِسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْحَاكِمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبِي مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ؟ فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِيرَ الْأَعْدَاءِ فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُلٍ قَدْ حَارَبَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لِعَلِيٍّ، فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا اخْتَلَقُوهُ لِمُعَاوِيَةَ مِنَ الْفَضَائِلِ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3933

٢٩ - بَاب مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ ﵍، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ٣٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ) أَيْ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رضي الله تعالى عنها -، وَأُمُّهَا خَدِيجَةُ ﵍، وُلِدَتْ فَاطِمَةُ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ ﵁ بَعْدَ بَدْرٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَلَدَتْ لَهُ وَمَاتَتْ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقِيلَ: بَلْ عَاشَتْ بَعْدَهُ ثَمَانِيَةً وَقِيلَ: ثَلَاثَةً. وَقِيلَ: شَهْرَيْنِ. وَقِيلَ: شَهْرًا وَاحِدًا، وَلَهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِحْدَى، وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَقِيلَ: تِسْعٍ، وَقِيلَ: عَاشَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي مِنْ مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ فِي ذِكْرِ أُمِّهَا خَدِيجَةَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ فَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَاءِ عَصْرِهَا وَمَنْ بَعْدَهُنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : إنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ إِلَّا مَرْيَمَ، وَأَنَّهَا رُزِئَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَنَاتِهِ فَإِنَّهُنَّ مُتْنَ فِي حَيَاتِهِ فَكُنَّ فِي صَحِيفَتِهِ وَمَاتَ هُوَ فِي حَيَاتِهَا فَكَانَ فِي صَحِيفَتِهَا، وَكُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ اسْتِنْبَاطًا إِلَى أَنْ وَجَدْتُهُ مَنْصُوصًا: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ آلَ عِمْرَانَ مِنَ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ جَدَّتَهَا فَاطِمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَنَاجَانِي فَبَكَيْتُ، ثُمَّ نَاجَانِي فَضَحِكْتُ، فَسَأَلَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتِ أَأُخْبِرُكِ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَرَكَتْنِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَأَلَتْ فَقُلْتُ: نَاجَانِي. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مُعَارَضَةِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّهُ قَالَ: أَحْسَبُ أَنِّي مَيِّتٌ فِي عَامِي هَذَا ; وَإنَّهُ لَمْ تُرْزَأِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِثْلَ مَا رُزِئْتِ، فَلَا تَكُونِي دُونَ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ فَضَحِكْتُ. قُلْتُ: وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَلَكٌ وَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ ذِكْرِ مَرْيَم ﵍ وَغَيْرِهَا مُشَارَكَةً لَهَا فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ وَغَيْرُهُمَا، رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ طَرِيقَ الْمِسْوَرِ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّ الْمِسْوَرَ قَدْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةً مُطَوَّلَةً قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ ﷺ . نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الزُّبَيْرِ سَمِعَ هَذِهِ الْقِطْعَةَ فَقَطْ أَوْ سَمِعَهَا مِنَ الْمِسْوَرِ فَأَرْسَلَهَا. قَوْلُهُ: (بَضْعَةٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا أَيْضًا وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي) اسْتَدَلَّ بِهِ السُّهَيْلِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهَا تَغْضَبُ مِمَّنْ سَبَّهَا، وَقَدْ سَوَّى بَيْنَ غَضَبِهَا وَغَضَبِهِ وَمَنْ أَغْضَبَهُ ﷺ يَكْفُرُ، وَفِي هَذَا التَّوْجِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِهَا فِي تَرْجَمَةِ وَالِدَتِهَا خَدِيجَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّهَا أَفْضَلُ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ مَجِيءِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هِيَ أَفْضَلُ

стр. 3934

بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ - فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ وَهَبَ اللَّهُ لِفَاطِمَةَ مِنَ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالْكَمَالِ مَا لَمْ يُشَارِكْهَا أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُطْلَقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ مَضَى تَقْرِيرُ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي تَرْجَمَةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ خَدِيجَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٣٠ - بَاب فَضْلِ عَائِشَةَ ﵂ ٣٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا أَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ٣٧٦٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ و حَدَّثَنَا عَمْرٌو أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" ٣٧٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. [الحديث ٣٧٧٠ - طرفاه في: ٥٤١٦، ٥٤٢٨] ٣٧٧١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ" [الحديث ٣٧٧١ - طرفاه فيك ٤٧٥٣، ٤٧٥٤] ٣٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا وَالْحَسَنَ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ إِنِّي لَاعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا" [الحديث ٣٧٧٢ - طرفاه في: ٧١٠٠، ٧١٠١] ٣٧٧٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ

стр. 3935

اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً" ٣٧٧٤ - "حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ" ٣٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ فَمُرِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ قَالَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا" قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ عَائِشَةَ ﵂ هِيَ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهَا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا. وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهَا نَحْوُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، وَقَدْ حَفِظَتْ عَنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا وَعَاشَتْ بَعْدَهُ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْأَخْذَ عَنْهَا، وَنَقَلُوا عَنْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ شَيْئًا كَثِيرًا حَتَّى قِيلَ: إِنَّ رُبْعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْقُولٌ عَنْهَا ﵂. وَكَانَ مَوْتُهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَلَمْ تَلِدْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا عَلَى الصَّوَابِ، وَسَأَلَتْهُ أَنْ تَكْتَنِيَ فَقَالَ: اكْتَنِّي بِابْنِ أُخْتِكِ فَاكْتَنَّتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَنَّاهَا بِذَلِكَ لَمَّا أُحْضِرَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِيُحَنِّكَهُ فَقَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَلَمْ أَزَلْ أُكَنَّى بِهَا، ثم ذكر المصنف ثمانية أحاديث: الأول. قَوْلُهُ: (يَا عَائِشُ) بِضَمِّ الشِّينِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي كُلِّ اسْمٍ مُرَخَّمٍ. قَوْلُهُ: (تَرَى مَا لَا أَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلَ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي حَقِّ خَدِيجَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ مِنْ رَبِّكِ وَأَطْلَقَ هُنَا السَّلَامَ مِنْ جِبْرِيلَ نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ خَدِيجَةَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي مُوسَى كَمُلَ - بِتَثْبيت الْمِيمِ - مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَتَقْرِيرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَفَضْلُ عَائِشَةَ إِلَخْ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلِيَّتَهَا الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ مُقَيَّدَةٌ بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِيهَا مِثْلُ فَاطِمَةَ ﵍ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ خَدِيجَةَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: كَفَضْلِ الثَّرِيدِ زَادَ مَعْمَرٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: مَرْثَدٍ بِاللَّحْمِ وَهُوَ اسْمُ الثَّرِيدِ الْكَامِلِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

стр. 3936

إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ … فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ مِنْهُ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: فَضْلُ عَائِشَةَ وَلَمْ يَقُلْ مَنَاقِبُ وَلَا ذِكْرٌ كَمَا قَالَ فِي غَيْرِهَا. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (إنَّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ) أَيْ ضَعُفَتْ. قَوْلُهُ: (تَقْدَمِينَ) بِفَتْحِ الدَّالِ (عَلَى فَرَطٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ أَنَّهُ قَطَعَ لَهَا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ إِذْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَقَوْلُهُ: عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَدَلٌ بِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عَمَّارٍ (إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ) أَيْ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ لَهَا: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَعَلَّ عَمَّارًا كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا قِيلَ: الضَّمِيرُ لِعِلِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ للَّهِ وَالْمُرَادُ بِاتِّبَاعِ اللَّهِ اتِّبَاعُ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فَإِنَّهُ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ خُوطِبَ بِهِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِهَذَا كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَقُولُ: لَا يُحَرِّكُنِي ظَهْرُ بَعِيرٍ حَتَّى أَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ . وَالْعُذْرُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً هِيَ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَكَانَ مُرَادُهُمْ إِيقَاعَ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَأَخْذَ الْقِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ رَأْيُ عَلِيٍّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَطَلَبَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْقِصَاصَ مِمَّنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِشُرُوطِهِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْقِلَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّيَمُّمِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةً، يَعْنِي أَنَّهُمْ أَتَوْا بِالْعِقْدِ، أَيْ أَنَّ الْمَحْفُوظَ قَوْلُهَا: فَأَثَرْنَا الْبَعِيرَ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ، قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ، الْحَدِيثَ) وَهَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، وَلَكِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَوْصُولٌ عَنْ عَائِشَةَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ وَسَيَأْتِي فِي الْوَفَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا كُلُّهُ، وَيَأْتِي سَائِرُ شَرْحِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَوْلُهَا: سَكَنَ أَيْ مَاتَ أَوْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ. قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْأَوَّلُ خَطَأٌ صَرِيحٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّهُنَّ أَذِنَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ هَذَا، وَيُجْمَعُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُنَّ أَذِنَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ إِلَى يَوْمِهَا، يَعْنِي فَيَتَعَلَّقُ الْإِذْنُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُهَا فِي أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، وَعَبْدُوسٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَالصَّوَابُ بِالتَّكْبِيرِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا، وَقَعَ فِي الْهِبَةِ: فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَائِشَةَ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: احْتِمَالُ أَنْ لَا يَكُونَ أَرَادَ إِدْخَالَ خَدِيجَةَ فِي هَذَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: مِنْكُنَّ الْمُخَاطَبَةُ وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ وَمَنْ أَرْسَلَهَا أَوْ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ مِنَ النِّسَاءِ. وَالثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ خُصُوصِيَّةِ شَيْءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ ثُبُوتُ الْفَضْلِ الْمُطْلَقِ كَحَدِيثِ: أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ، وَنَحْوَ

стр. 3937

ذَلِكَ، وَمِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِمَكَانِ أَبِيهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَارِقُ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَغْلَبِ أَحْوَالِهِ، فَسَرَى سِرُّهُ لِابْنَتِهِ مَعَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ مَزِيدِ حُبِّهِ ﷺ . وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ تُبَالِغُ فِي تَنْظِيفِ ثِيَابِهَا الَّتِي تَنَامُ فِيهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لَهَذا فِي تَرْجَمَةِ خَدِيجَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ، وَالْخِلَافُ شَهِيرٌ وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: جِهَاتُ الْفَضْلِ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَقَارِبَةٌ. وَكَأَنَّهُ رَأَى التَّوَقُّفَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ فَذَاكَ أَمْرٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ عَمَلَ الْقُلُوبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ الْعِلْمِ فَعَائِشَةُ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ أُرِيدَ شَرَفُ الْأَصْلِ فَفَاطِمَةُ لَا مَحَالَةَ، وَهِيَ فَضِيلَةٌ لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُ أَخَوَاتِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ شَرَفُ السِّيَادَةِ فَقَدْ ثَبَتَ النَّصُّ لِفَاطِمَةَ وَحْدَهَا. قُلْتُ: امْتَازَتْ فَاطِمَةُ عَنْ أَخَوَاتِهَا بِأَنَّهُنَّ مُتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَا امْتَازَتْ بِهِ عَائِشَةُ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ لِخَدِيجَةَ مَا يُقَابِلُهُ وَهِيَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَدَعَا إِلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَى ثُبُوتِهِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالتَّوَجُّهِ التَّامِّ ; فَلَهَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهَا، وَلَا يُقَدِّرُ قَدْرَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ فَاطِمَةَ، وَبَقِيَ الْخِلَافُ بَيْنَ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ. (فَرْعٌ): ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنِ اسْتَثْنَيْتَ فَاطِمَةَ لِكَوْنِهَا بَضْعَةً فَأَخَوَاتُهَا شَارَكْنَهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَقِّ زَيْنَبَ ابْنَتِهِ لَمَّا أُوذِيَتْ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنَ مَكَّةَ: هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي، أُصِيبَتْ فِيَّ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ خِطْبَةِ عُثْمَانَ حَفْصَةَ زِيَادَةٌ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى: تَزَوَّجَ عُثْمَانُ خَيْرًا مِنْ حَفْصَةَ، وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ خَيْرٌ مِنْ عُثْمَانَ وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ زَيْنَبَ تَقَدَّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّرَ مِنْ وَأَنْ يُقَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ لِفَاطِمَةَ جِهَةُ التَّفْضِيلِ الَّتِي امْتَازَتْ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ فِي النَّفَقَةِ بَلْ يُفَضِّلُ مَنْ شَاءَ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ لِلْأُخْرَى بِمَا يَلْزَمُهُ لَه، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا دَلِيلٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَمَا قِيلَ: إِنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَرَّعُ بِهِ.

стр. 3938

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار ١ - بَاب مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ ٣٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَرَأَيْتَ اسْمَ الْأَنْصَارِ كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ، أَمْ سَمَّاكُمْ اللَّهُ؟ قَالَ: بَلْ سَمَّانَا اللَّهُ. كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى أَنَسٍ فَيُحَدِّثُنَا بِمَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ وَمَشَاهِدِهِمْ، وَيُقْبِلُ عَلَيَّ أَوْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَزْدِ فَيَقُولُ: فَعَلَ قَوْمُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. [الحديث ٣٧٧٦ - طرفه فى: ٣٨٤٤] ٣٧٧٧ - حَدَّثَنِا- عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ" [الحديث ٣٧٧٧ - طرفاه في: ٣٨٤٦، ٣٩٣٠] ٣٧٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ "قَالَتْ الأَنْصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَأَعْطَى قُرَيْشًا وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ وَغَنَائِمُنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا الأَنْصَارَ قَالَ فَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ فَقَالُوا هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ قَالَ أَوَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالْغَنَائِمِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ لَوْ سَلَكَتْ الأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ) هُوَ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ، سَمَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ وَحُلَفَاءَهُمْ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالْأَوْسُ يُنْسَبُونَ إِلَى أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، وَالْخَزْرَجُ يُنْسَبُونَ إِلَى الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ، وَهُمَا ابْنَا قَيْلَةَ، وَهُوَ اسْمُ أُمِّهِمْ وَأَبُوهُمْ هُوَ حَارِثَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الَّذِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَنْسَابُ الْأَزْدِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الْآيَةَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ. وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ. قَوْلُهُ: (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) هُوَ الْمِعْوَلِيُّ بِكْسِرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ، وَمِعْوَلٌ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ حِبْيًا وَهُوَ وَهَمٌ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ شَيْءٌ إِلَّا فِي الْبُخَارِيِّ، وَتَقَدَّمَ لَهُ حَدِيثٌ فِي الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي لَهُ فِي آخِرِ الرِّقَاقِ.

стр. 3939

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَرَأَيْتَ اسْمَ الْأَنْصَارِ) يَعْنِي أَخْبِرْنِي عَنْ تَسْمِيَةِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ الْأَنْصَارَ. قَوْلُهُ: (كُنَّا نَدْخُلُ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِغَيْرِ أَدَاةِ الْعَطْفِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ غَيْلَانَ لَا مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ قَبْلَ بَابِ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَيُقْبِلُ عَلَيَّ) أَيْ مُخَاطِبًا لِي. قَوْلُهُ: (فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا) (١) أَيْ يَحْكِي مَا كَانَ مِنْ مَآثِرِهِمْ فِي الْمَغَازِي وَنَصْرِ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ وَحَكَى الْعَسْكَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَصَحَّفَهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ الَّذِي صَحَّفَهُ اللَّيْثُ الرَّاوِي عَنِ الْخَلِيلِ، وَحَكَى الْقَزَّازُ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ يُقَالُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْضًا، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ رَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ بِالْعَيْنِ المهملة وَالْمُعْجَمَةِ. وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَجْهًا وَاحِدًا. وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مَكَانٌ - وَيُقَالُ: حِصْنٌ. وَقِيلَ: مَزْرَعَةٌ - عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَتْ بِهِ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَقُتِلَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَكَانَ رَئِيسَ الْأَوْسِ فِيهِ حُضَيْرٌ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ وَبِهِ قُتِلَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْخَزْرَجِ يَوْمَئِذٍ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ فَقُتِلَ فِيهَا أَيْضًا، وَكَانَ النَّصْرُ فِيهَا أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ ثُمَّ ثَبَّتَهُمْ حُضَيْرٌ فَرَجَعُوا وَانْتَصَرَتِ الْأَوْسُ وَجُرِحَ حُضَيْرٌ يَوْمَئِذٍ فَمَاتَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ: بِأَرْبَعٍ. وَقِيلَ: بِأَكْثَرَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ أَنَّ الْأَصِيلَ لَا يُقْتَلُ بِالْحَلِيفِ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَوْسِ حَلِيفًا لِلْخَزْرَجِ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيدُوهُ فَامْتَنَعُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمُ الْحَرْبُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَقُتِلَ فِيهَا مِنْ أَكَابِرِهِمْ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ، أَيْ يَتَكَبَّرُ وَيَأْنَفُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يَكُونَ تَحْتَ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذَا النَّحْوِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (سَرَوَاتُهُمْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْوَاوِ أَيْ خِيَارُهُمْ، وَالسَّرَوَاتُ جَمْعُ سَرَاةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَالسَّرَاةُ جَمْعُ سَرِيٍّ وَهُوَ الشَّرِيفُ. قَوْلُهُ: (وَجُرِحُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا ثُمَّ مُهْمَلَةٌ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِجِيمَيْنِ مُخَفَّفًا أَيِ اضْطِرَابُ قَوْلِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَرِح الْخَاتَمُ إِذَا جَالَ فِي الْكَفِّ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ جِيمٍ مِنَ الْحَرَجِ وَهُوَ ضِيقُ الصَّدْرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَعَبْدُوسٍ وَالْقَابِسِيِّ وَخَرَجُوا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالرَّاءِ مِنَ الْخُرُوجِ، وَصَوَّبَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْأَوَّلَ وَصَوَّبَ غَيْرُهُ الثَّالِثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) أَيْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، لِأَنَّ الْغَنَائِمَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ بِشَهْرَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَأَعْطَى قُرَيْشًا) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ هُوَ مِنَ الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ: وَدِمَاؤُهُمْ تَقْطُرُ مِنْ سُيُوفِنَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَالَغَ فِي جَعْلِ الدَّمِ قَطْرَ السُّيُوفِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ. ٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ. قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 3940

٣٧٧٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا ظَلَمَ - بِأَبِي وَأُمِّي - آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ. أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى. [الحديث ٣٧٧٩ - طرفه في: ٧٣٤٤] قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ ﷺ بِذَلِكَ اسْتِطَابَةَ قُلُوبِ الْأَنْصَارِ حَيْثُ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْلَا مَا مَنَعَهُ مِنْ سِمَةِ الْهِجْرَةِ، وَأَطَالَ بِذَلِكَ بِمَا لَا طَائِلَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا ظَلَمَ) أَيْ مَا تَعَدَّى فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَلَا أَعْطَاهُمْ فَوْقَ حَقِّهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى) لَعَلَّ الْمُرَادَ وَوَاسَوْهُ وَوَاسَوْا أَصْحَابَهُ بِأَمْوَالِهِمْ، وَقَوْلُهُ: لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ، أَرَادَ بِذَلِكَ حُسْنَ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ حُسْنِ الْجِوَارِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِيرُ تَابِعًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمُطَاعُ الْمُفْتَرِضُ الطَّاعَةَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ. ٣ - بَاب إِخَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ٣٧٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَاقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْيَمْ؟ قَالَ: تَزَوَّجْتُ. قَالَ: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ شَكَّ إِبْرَاهِيمُ. ٣٧٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى النبي ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ - وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ - فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتْ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ. فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْيَمْ؟ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ - أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ - فَقَالَ:

стр. 3941

أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. ٣٧٨٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ النَّخْلَ، قَالَ: لَا. قَالَ: يَكْفُونَنَا الْمَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي الثمرِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِخَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ قُبَيْلَ الْمَغَازِي. قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَيْعِ مِنْ طَرِيقٍ ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ. قَوْلُهُ: (لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) أَيِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ، أَحَدِ النُّقَبَاءِ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي شَرْحُ قِصَّةِ تَزْوِيجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَكَذَا حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ) أَيْ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْأَنْصَارِ. قَوْلُهُ: (وَيَشْرَكُونَنَا فِي الثَّمَرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْأَمْرِ أَيِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَمِرَ مَالُهُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - أَيْ كَثُرَ. ٤ - بَاب حُبِّ الْأَنْصَارِ من الإيمان ٣٧٨٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حدثني عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ. ٣٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ. قَوْلُهُ: (بَابُ حُبِّ الْأَنْصَارِ) أَيْ فَضْلُهُ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ: آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ حُبُّ جَمِيعِهِمْ وَبُغْضُ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلدِّينِ، وَمَنْ أَبْغَضَ بَعْضَهُمْ لِمَعْنًى يُسَوِّغُ الْبُغْضَ لَهُ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. ٥ - بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: أَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ٣٧٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ عُرُسٍ - فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتُمْ

стр. 3942

مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ. قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ. [الحديث ٣٧٨٥ - طرفاه فى: ٥١٨٠] ٣٧٨٦ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة قال أخبرني هشام بن زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَرَّتَيْنِ" [الحديث ٣٧٨٦ - طرفاه في: ٥٢٣٤، ٦٦٤٥] قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: أَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) هُوَ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ، أَيْ مَجْمُوعُكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَجْمُوعِ غَيْرِكُمْ، فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي جَوَابِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ عُرْسٍ) الشَّكُّ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي. قَوْلُهُ: (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِية وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ رُبَاعِيًّا. وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ: مَثُلَ الرَّجُلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ مُثُولًا إِذَا انْتَصَبَ قَائِمًا، ثُلَاثِيٌّ، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ تَأْتِي فِي النِّكَاحِ مُمَثَّلًا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ مُكَلِّفًا نَفْسَهُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ عَدَّى فِعْلَهُ. قَالَ عِيَاضٌ، وَوَقَعَ فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ مُمْتِنًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ طَوِيلًا، أَوْ هُوَ مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ بِالتَّشْدِيدِ. قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا. قَوْلُهُ: (فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَجَابَهَا عَمَّا سَأَلَتْهُ، أَوِ ابْتَدَأَهَا بِالْكَلَامِ تَأْنِيسًا. ٦ - بَاب أَتْبَاعِ الْأَنْصَارِ ٣٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَتْ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ، وَإِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا. فَدَعَا بِهِ. فَنَمَيْتُ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ. [الحديث ٣٧٨٧ - طرفه في: ٣٧٨٨] ٣٧٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ قَالَتْ الأَنْصَارُ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ أَتْبَاعًا وَإِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا قال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ قَالَ عَمْرٌو فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَدْ زَعَمَ ذَاكَ زَيْدٌ قَالَ شُعْبَةُ أَظُنُّهُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَوْلُهُ: (بَابُ أَتْبَاعِ الْأَنْصَارِ) أَيْ مِنَ الْحُلَفَاءِ وَالْمَوَالِي. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ مُرَّةَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ اسْمُهُ طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَرَظَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ ابْنُ كَعْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ أَوْ عَامِرِ بْنِ زَيْدٍ مناة، أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، مَاتَ فِي وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لِمُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي حُدُودِ سَنَةِ خَمْسِينَ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا) أَيْ

стр. 3943

يُقَالُ لَهُمِ الْأَنْصَارُ حَتَّى تَتَنَاوَلَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَدَعَا بِهِ) أَيْ بِمَا سَأَلُوا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا بِلَفْظِ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (فَنَمَيْتُ ذَلِكَ) أَيْ نَقَلْتُهُ، وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ، وَأَمَّا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ فَمَعْنَاهُ أَبْلَغْتُهُ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا: قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَكَأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ: قَدْ زَعَمَ ذَلِكَ زَيْدٌ أَيْ زَيْدٌ آخَرُ غَيْرُ ابْنِ أَرْقَمَ كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، لَكِنَّ الَّذِي ظَنَّهُ شُعْبَةُ صَحِيحٌ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ جَازِمًا بِهِ. وَقَوْلُهُ: زَعَمَ أَيْ قَالَ كَمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ لُغَةَ أَهْلِ الْحِجَازِ تُطْلِقُ الزَّعْمَ عَلَى الْقَوْلِ. ٧ - بَاب فَضْلِ دُورِ الْأَنْصَارِ ٣٧٨٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجٍ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ. فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَرَى النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ. وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. [الحديث ٣٧٨٩ - أطرافه في: ٣٧٩٠، ٣٨٠٧، ٦٠٥٣] ٣٧٩٠ - ثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ الطَّلْحِيُّ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ أَبُو سَلَمَةَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُسَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ "خَيْرُ الأَنْصَارِ أَوْ قَالَ خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ وَبَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ وَبَنُو الْحَارِثِ وَبَنُو سَاعِدَةَ" ٣٧٩١ - حدثنا خالد بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ عَبْدِ الأَشْهَلِ ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبَا أُسَيْدٍ أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ الأَنْصَارَ فَجَعَلَنَا أَخِيرًا فَأَدْرَكَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُيِّرَ دُورُ الأَنْصَارِ فَجُعِلْنَا آخِرًا فَقَالَ أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْخِيَارِ"؟ قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ دُورِ الْأَنْصَارِ) أَيْ مَنَازِلُهُمْ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْمُعَلَّقَةِ هُنَا سَمِعْتُ أَنَسًا وَسَأَذْكُرُ مَنْ وَصَلَهَا. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ السَّاعِدِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ مَالِكٌ. قَوْلُهُ: (خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ) هُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَالنَّجَّارُ هُمْ تَيْمُ اللَّهِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا

стр. 3944

فَنَجَرَهُ فَقِيلَ لَهُ: النَّجَّارُ، وَهُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو مِنَ الْخَزْرَجِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ) هُمْ مِنَ الْأَوْسِ، وَهُوَ عَبْدُ الْأَشْهَلِ بْنُ جُشَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَصْغَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ - وَهُمْ رَهْطُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي ثَابِتٌ، وَقَتَادَةُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ دُونَ مَا بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مِثْلَ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فِي إِسْنَادِهِ هَلْ شَيْخُهُ فِيهِ أَبُو أُسَيْدٍ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَتْنُهُ هَلْ قُدِّمَ عَبْدُ الْأَشْهَلِ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَسٍ فِي تَقْدِيمِ بَنِي النَّجَّارِ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهَا رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَفِيهَا تَقْدِيمُ بَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَبَنُو النَّجَّارِ هُمْ أَخْوَالُ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ وَالِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَهُمْ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَكَانَ أَنَسٌ مِنْهُمْ فَلَهُ مَزِيدُ عِنَايَةٍ بِحِفْظِ فَضَائِلِهِمْ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) أَيِ الْأَكْبَرُ أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْمَذْكُورِ ابْنِ حَارِثَةَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ) هُمُ الْخَزْرَجُ أَيْضًا، وَسَاعِدَةُ هُوَ ابْنُ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَكْبَرِ. قَوْلُهُ: (خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ) خَيْرٌ الْأُولَى بِمَعْنَى أَفْضَلَ وَالثَّانِيَةُ اسْمٌ أَيِ الْفَضْلُ حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ الْأَنْصَارِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعْدٌ) أَيِ ابْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا، وَهُوَ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ أَيْضًا، وَكَانَ كَبِيرَهُمْ يَوْمَئِذٍ. قَوْلُهُ: (مَا أَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَهِيَ مِنْ إِطْلَاقِهَا عَلَى الْمَسْمُوعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ الْمَذْكُورَةِ فَوَجَدَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: خُلِّفْنَا فَكُنَّا آخِرَ الْأَرْبَعَةِ، وَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ - فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ: أَتَذْهَبُ لِتَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ أَعْلَمُ، أَوَلَيْسَ حَسْبَكَ أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ؟ فَرَجَعَ. قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ابْنَ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ إِلَخْ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: (بَنُو النَّجَّارِ وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ) كَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ وَرِوَايَةُ أَنَسٍ بِثُمَّ، وَكَذَا رِوَايَةُ ابْنِ حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَهَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْوَاوَ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهَا التَّرْتِيبُ، وَإِنَّمَا فُهِمَ التَّرْتِيبُ مِنْ جِهَةِ التَّقْدِيمِ لَا بِمُجَرَّدِ الْوَاوِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى أَيِ ابْنُ عُمَارَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ أَيِ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) هُوَ السَّاعِدِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ أَوْ أَبِي حُمَيْدٍ. بِالشَّكِّ، وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَحْدَهُ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَوْلُهُ: (فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَمَّادٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَبَا أُسَيْدٍ) هُوَ مُنَادًى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ. قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ أَوْجَهُ. قَوْلُهُ: (خُيِّرَ الْأَنْصَارَ) أَيْ فَضَّلَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. قَوْلُهُ: (خُيِّرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: فَجُعِلْنَا. قَوْلُهُ: (أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ) بِإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَافِيكُمْ، وَهَذَا يُعَارِضُ ظَاهِرَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ

стр. 3945

فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ سَعْدًا رَجَعَ عَنْ إِرَادَةِ مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ رَجَعَ حِينَئِذٍ عَنْ قَصْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ خَاصَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْتٍ آخَرَ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، أَوِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُورِدَهُ مَوْرِدَ الْإِنْكَارِ وَالَّذِي صَدَرَ مِنْهُ وَرَدَ مَوْرِدَ الْمُعَاتَبَةِ الْمُتَلَطِّفَةِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ فِي الْأَوَّلِ: أَتَرُدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَمْرَهُ. قَوْلُهُ: (مِنَ الْخِيَارِ) أَيِ الْأَفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ دُونَهُمْ أَفْضَلُ، وَكَأَنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَهُمْ وَقَعَتْ بِحَسَبِ السَّبَقِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبِحَسَبِ مَسَاعِيهِمْ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ٨ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٣٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵃ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ قَالَ: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ. [الحديث ٣٧٩٢ طرفه في: ٧٠٥٧] ٣٧٩٣ - حدثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ "ال النبي ﷺ : "لِلْأَنْصَارِ: إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمْ الْحَوْضُ" ٣٧٩٤ - ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا لَا إِلاَّ أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا قَالَ إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي أَثَرَةٌ" قَوْلُهُ: (بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) أي مخاطبا الأنصار بذلك. قَوْلُهُ: (قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) أَيِ ابْنُ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ، وَحَدِيثُهُ هَذَا وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُسَيْدٍ) مُصَغَّرٌ (ابْنُ حُضَيْرٍ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ، زَادَ مُسْلِمٌ: وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَهِشَامُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِدُونِ ذِكْرِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، لَكِنْ بِاخْتِصَارِ الْقِصَّةِ الَّتِي هُنَا، وَذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا قِصَّةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ، فَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ، وَحَدِيثُ هِشَامٍ يَأْتِي فِي الْمَغَازِي، وَوَقَعَ لِهَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةٌ أُخْرَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ إِلَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: طُلِبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَمَرَ لِكُلِّ بَيْتٍ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ وَشَطْرٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَقَالَ أُسَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا. فَقَالَ: وَأَنْتُمْ فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَإِنَّكُمْ لَأَعِفَّةٌ صُبُرٌ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً الْحَدِيثُ. وَقَوْلُهُ: إِنَّكُمْ لَأَعِفَّةٌ صُبُرٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ فَخَلَا

стр. 3946

بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي) أَيْ تَجْعَلُنِي عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ عَلَى بَلَدٍ. قَوْلُهُ: (كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدَّمَةِ أَنَّ السَّائِلَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَالْمُسْتَعْمَلُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَلَا أَدْرِي الْآنَ مِنْ أَيْنَ نَقَلْتُهُ. قَوْلُهُ: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَلِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ فِي غَيْرِهِمْ فَيَخْتَصُّونَ دُونَهُمْ بِالْأَمْوَالِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفَ ﷺ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْفِتَنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: (وَمَوْعِدُكُمُ الْحَوْضُ) أَيْ حَوْضُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. قَوْلُهُ: (حِينَ خَرَجَ مَعَهُ) أَيْ سَافَرَ. قَوْلُهُ: (إِلَى الْوَلِيدِ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ أَنَسٌ قَدْ تَوَجَّهَ مِنَ الْبَصْرَةِ حِينَ آذَاهُ الْحَجَّاجُ إِلَى دِمَشْقَ يَشْكُوهُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَنْصَفَهُ مِنْهُ. وَحُذِفَ فِعْلُ الشَّرْطِ وَتَقْدِيرُهُ تَقْبَلُوا أَوْ تَفْعَلُوا، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ هَمْزَةِ إِمَّا، وَهُوَ خَطَأٌ إِلَّا عَلَى لُغَةٍ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ فَإِنَّهُمْ يَفْتَحُونَ الْهَمْزَةَ مِنْ إِمَّا حَيْثُ وَرَدَتْ، قَالَ عِيَاضٌ: وَاللَّامُ مِنْ قَوْلِهِ: إمَّا لَا مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُيُوعِ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي مُسْلِمٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمَعْرُوفُ فَتْحُهَا، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ كَسْرِهَا أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَنَسَبُوهُ إِلَى تَغْيِيرِ الْعَامَّةِ، لَكِنْ هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الْإِمَالَةِ وَأَنْ يُجْعَلَ الْكَلَامُ كَأَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يَعُودُ عَلَى الْإِقْطَاعِ. ٩ - بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : أَصْلِحْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ ٣٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ … فَأَصْلِحْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ. ٣٧٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا فَأَجَابَهُمْ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ ٣٧٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. [الحديث ٣٧٩٧ - طرفاه فى: ٤٠٩٨، ٦٤١٤]

стр. 3947

قَوْلُهُ: (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : أَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ) أَيْ قَائِلًا ذَلِكَ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ شُيُوخِهِ عَنْهُ، وَفِي الْأَوَّلِ بِلَفْظِ فَأَصْلِحْ وَفِي الثَّانِي فَاغْفِرْ وَفِي الثَّالِثِ فَأَكْرِمْ وَبَيَّنَ فِي الثَّالِثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ سَهْلٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ بِلَفْظِ: وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ وَفِيهِ فَاغْفِرْ وَقَوْلُهُ: عَلَى أَكْتَادِنَا بِالْمُثَنَّاةِ جَمْعُ كَتَدٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْكَاهِلِ إِلَى الظَّهْرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: نَحْمِلُهُ عَلَى جُنُوبِنَا مِمَّا يَلِي الْكَبِدَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا. ١٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٣٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ - أَوْ عَجِبَ - مِنْ فَعَالِكُمَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحديث ٣٧٩٨ - طرفه في: ٤٨٨٩] قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ هُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِهَا. وَحَدِيثُ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ فَيُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ أَنْصَارِيٌّ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ فِي التَّفْسِيرِ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ أَيِ الْمَشَقَّةُ مِنَ الْجُوعِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أنِّي مَجْهُودٌ. قَوْلُهُ: (فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُنَّ مَا يُضَيِّفُهُ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَقُلْنَ مَا مَعَنَا) أَيْ مَا عِنْدَنَا (إِلَّا الْمَاءُ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مَا عِنْدِي وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُمْ خَيْبَرَ وَغَيْرَهَا. قَوْلُهُ: (مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضَيِّفُ) أَيْ مَنْ يُؤْوِي هَذَا فَيُضَيِّفُهُ، وَكَأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ ذَلِكَ ابْنُ بَشْكُوَالَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ النَّحَّاسِ بِسَنَد لَهُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّ سِيَاقَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَبَرَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ وَيُصْبِحُ صَائِمًا حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ

стр. 3948

يُقَالُ لَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فَقَصَّ الْقِصَّةَ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ فِي الصَّنِيعِ مَعَ الضَّيْفِ وَفِي نُزُولِ الْآيَةِ، قَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ: وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، وَرَوَى أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي أَحَدُ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ فِي كِتَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْجَزْمُ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَطِيبُ لَكِنَّهُ قَالَ: أَظُنُّهُ غَيْرَ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْمَشْهُورِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ زَيْدَ بْنَ سَهْلٍ مَشْهُورٌ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ وَالثَّانِي: أَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَعَشَّى بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى إِطْفَاءِ الْمِصْبَاحِ، وَأَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ كَانَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ التَّقَلُّلِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِبْعَادَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (إِلَّا قُوتَ صِبْيَانِي) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ تَعَشَّيَا وَكَانَ صِبْيَانُهُمْ حِينَئِذٍ فِي شُغْلِهِمْ أَوْ نِيَامًا فَأَخَّرُوا لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ، أَوْ نَسَبُوا الْعَشَاءَ إِلَى الصِّبْيَةِ لِأَنَّهُمْ إِلَيْهِ أَشَدُّ طَلَبًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، وَفِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا: فَأَصْبَحَا طَاوِيَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ. قَوْلُهُ: (وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَوْقِدِيهِ. قَوْلُهُ: (نَوِّمِي صِبْيَانَكِ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَا يُرَيَانِهِ كَأَنَّهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْكَافِ مِنْ كَأَنَّهُمَا، وَقَوْلُهُ: طَاوِيَيْنِ أَيْ بِغَيْرِ عَشَاءٍ. قَوْلُهُ: (ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مِنْ صَنِيعِكَ وَفِي رِوَايَةِ التَّفْسِيرِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ وَنِسْبَةُ الضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرِّضَا بِصَنِيعِهِمَا (١)، وَقَوْلُهُ: فَعَالِكُمَا فِي رِوَايَةٍ فِعْلِكُمَا بِالْإِفْرَادِ، قَالَ فِي الْبَارِعِ: الْفَعَالُ بِالْفَتْحِ اسْمُ الْفِعْلِ الْحَسَنِ مِثْلُ الْجُودِ وَالْكَرْمِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْفَعَالُ بِالْفَتْحِ فِعْلُ الْوَاحِدِ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً يُقَالُ: هُوَ كَرِيمُ الْفَعَالِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ، وَالْفِعَالُ بِالْكَسْرِ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ مَصْدَرُ فَاعِلٍ مِثْلَ قَاتَلَ قِتَالًا. قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَخْ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أُهْدِيَ لِرَجُلٍ رَأْسُ شَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي وَعِيَالَهُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى هَذَا فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ وَاحِدٌ إِلَى آخَرَ حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ سَبْعَةٍ، فَنَزَلَتْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كُلِّهِ، قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ فِعْلِ الْأَبِ فِي الِابْنِ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مَطْوِيًّا عَلَى ضَرَرٍ خَفِيفٍ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا عُرِفَ بِالْعَادَةِ مِنَ الصَّغِيرِ الصَّبْرُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ١١ - بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ٣٧٩٩ - حَدَّثَنِي مُحمودُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، وَالْعَبَّاسُ ﵄ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ

стр. 3949

الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَّا. فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ، قَالَ: فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ. [الحديث: ٣٧٩٩ - طرفه في: ٣٨٠١] ٣٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ "أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ" ٣٨٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَالنَّاسُ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ" قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ) يَعْنِي الْأَنْصَارَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ) هُوَ الْيَشْكُرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ الصَّائِغُ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ، مَاتَ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ أَخِيهِ عَبْدَانَ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدَانَ وَأَدْرَكَ شَاذَانَ، لَكِنَّهُ رَوَى هُنَا عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ. قَوْلُهُ: (مَرَّ أَبُو بَكْرٍ) أَيِ الصِّدِّيقُ (وَالْعَبَّاسُ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَبْكُونَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ)؟ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ، هَلْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، أَوِ الْعَبَّاسُ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ الْعَبَّاسُ. قَوْلُهُ: (ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ أَيِ الَّذِي كَانُوا يَجْلِسُونَهُ مَعَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَشَوْا أَنْ يَمُوتَ مِنْ مَرَضِهِ فَيَفْقِدُوا مَجْلِسَهُ، فَبَكَوْا حُزْنًا عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ) كَذَا أَفْرَدَ بَعْدَ أَنْ ثَنَّى، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ خَاطَبَهُمْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ رُجْحَانَ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ لِكَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (حَاشِيَةُ بُرْدٍ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي حَاشِيَةُ بُرْدَةٍ بِزِيَادَةِ هَاءِ التَّأْنِيثِ. قَوْلُهُ: (أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ) اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ فِي الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِيهِمُ الْخِلَافَةُ يُوصُونَ وَلَا يُوصَى بِهِمْ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (كَرِشِي وَعَيْبَتِي) أَيْ بِطَانَتِي وَخَاصَّتِي قَالَ الْقَزَّازُ: ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْكَرِشِ لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ نَمَاؤُهُ، وَيُقَالُ: لِفُلَانِ كَرِشٌ مَنْثُورَةٌ أَيْ عِيَالٌ كَثِيرَةٌ، وَالْعَيْبَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَا يُحْرِزُ فِيهِ الرَّجُلُ نَفِيسَ مَا عِنْدَهُ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَأَمَانَتِهِ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هَذَا مِنْ كَلَامِهِ ﷺ الْمُوجِزِ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْكَرِشُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْعَيْبَةُ

стр. 3950

مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ وَالْأَوَّلُ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَالثَّانِي أَمْرٌ ظَاهِرٌ، فَكَأَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا فِي إِرَادَةِ اخْتِصَاصِهِمْ بِأُمُورِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَوْدَعٌ لِمَا يُخْفَى فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ) يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مِنَ الْمُبَايَعَةِ، فَإِنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى أَنْ يُؤْوُوا النَّبِيَّ ﷺ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، فَوَفَوْا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَحَنْظَلَةُ هُوَ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ. قَوْلُهُ: (مِلْحَفَةٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (مُتَعَطِّفًا بِهَا) أَيْ مُتَوَشِّحًا مُرْتَدِيًا، وَالْعِطَافُ الرِّدَاءُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَضْعِهِ عَلَى الْعِطْفَيْنِ وَهُمَا نَاحِيَتَا الْعُنُقِ، وَيُطْلَقُ عَلَى أَرْدِيَةِ مَعَاطِفُ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهِيَ مَا يُشَدُّ بِهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهَا، وَقِيلَ فِي الرَّأْسِ بِالتَّاءِ، وَفِي غَيْرِ الرَّأْسِ يُقَالُ عِصَابٌ فَقَطْ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ. قَوْلُهُ: (دَسْمَاءَ) أَيْ لِكَوْنِهَا كَلَوْنِ الدَّسَمِ وَهُوَ الدُّهْنُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ لَكِنْ لَيْسَتْ خَالِصَةَ السَّوَادِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْعَرَقِ أَوْ مِنَ الطِّيبِ كَالْغَالِيَةِ. وَوَقَعَ فِي الْجُمُعَةِ دَسِمَةٌ بِكَسْرِ السِّينِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهَا كَانَتْ حَاشِيَةَ الْبُرْدِ، وَالْحَاشِيَةُ غَالِبًا تَكُونُ مِنْ لَوْنٍ غَيْرِ لَوْنِ الْأَصْلِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ مَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ سَبَبُ ذَلِكَ، وَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ وَصَرَّحَ بِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ وَكَانَ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ) أَيْ أَنَّ الْأَنْصَارَ يَقِلُّونَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُخُولِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ قَبِيلَةِ الْأَنْصَارِ، فَمَهْمَا فُرِضَ فِي الْأَنْصَارِ مِنَ الْكَثْرَةِ كَالتَّنَاسُلِ فُرِضَ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أُولَئِكَ، فَهُمْ أَبَدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ قَلِيلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُمْ يَقِلُّونَ مُطْلَقًا فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ نَسَبُهُ إِلَيْهِ أَضْعَافُ مَنْ يُوجَدُ مِنْ قَبِيلَتَيْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجُ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ نَسَبُهُ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ أَيْ فِي الْقِلَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ قِلَّتِهِمُ الِانْتِهَاءَ إِلَى ذَلِكَ، وَالْمِلْحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَةِ الطَّعَامِ جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُعْتَدِلُ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ) قِيلَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ فِي الْأَنْصَارِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ التَّوْصِيَةُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَقَعَ الْجَوْرُ، وَلَا التَّوْصِيَةُ لِلْمَتْبُوعِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ) أَيْ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَحُقُوقِ النَّاسِ. ١٢ - بَاب مَنَاقِبُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ ٣٨٠٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَيْرٌ مِنْهَا أَوْ أَلْيَنُ. رَوَاهُ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ سَمِعَا أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . ٣٨٠٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ خَتَنُ أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ

стр. 3951

الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَعَنْ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. ٣٨٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ قال النبي ﷺ : "قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ فَقَالَ يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) أَيِ ابْنُ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَهُوَ كَبِيرُ الْأَوْسِ، كَمَا أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ كَبِيرُ الْخَزْرَجِ، وَإِيَّاهُمَا أَرَادَ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحٌ مُحَمَّدٌ … بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ قَوْلُهُ: (أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةٌ حَرِيرٌ) الَّذِي أَهْدَاهَا لَهُ أُكَيْدِرُ دَوْمَةَ، كَمَا بَيَّنَهُ أَنَسٌ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. قَوْلُهُ: (رَوَاهُ قَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ سَمِعَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا رِوَايَةُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْهِبَةِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهَا فِي اللِّبَاسِ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ، هُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا الْمُسَاوِرِ، وَكَانَ خَتَنَ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ. قَوْلُهُ: (خَتَنَ أَبِي عَوَانَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَنَّاةِ أَيْ صِهْرُهُ زَوْج ابْنَتِهِ، وَالْخَتَنُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (وَعَنِ الْأَعْمَشِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا مِنْ شَأْنِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ صَاحِبُ جَابِرٍ لَا يُخْرِجُ لَهُ إِلَّا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ أَوِ اسْتِشْهَادًا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ) أَيِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ) أَيِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. قَوْلُهُ: (ضَغَائِنُ) بِالضَّادِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ ضَغِينَةٍ وَهِيَ الْحِقْدُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا قَالَ جَابِرٌ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْبَرَاءَ خَزْرَجِيٌّ، وَالْخَزْرَجُ لَا تُقِرُّ لِلْأَوْسِ بِفَضْلٍ، كَذَا قَالَ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ أَيْضًا أَوْسِيٌّ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مُجَدَّعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، يَجْتَمِعُ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْخَزْرَجُ وَالِدُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَلَيْسَ هُوَ الْخَزْرَجَ الَّذِي يُقَابِلُ الْأَوْسَ وَإِنَّمَا سميَ عَلَى اسْمِهِ. نَعَمُ الَّذِي مِنَ الْخَزْرَجِ الَّذِينَ هُمْ مُقَابِلُو الْأَوْسِ جَابِرٌ ; وَإِنَّمَا قَالَ جَابِرٌ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْحَقِّ وَاعْتِرَافًا بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنَ الْبَرَاءِ كَيْفَ قَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَوْسِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَإِنْ كُنْتُ خَزْرَجِيًّا وَكَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مَا كَانَ، لَا يَمْنَعُنِي ذَلِكَ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَالْعُذْرُ لِلْبَرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَغْطِيَةَ فَضْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَإِنَّمَا فَهِمَ ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ، هَذَا الَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ تَعَصُّبِهِ. وَلَمَّا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا تَقَدَّمَ احْتَاجَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَمَّا صَدَرَ مِنْ جَابِرٍ فِي حَقِّ الْبَرَاءِ وَقَالُوا فِي ذَلِكَ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ الْبَرَاءَ مَعْذُورٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَاوَةِ لِسَعْدٍ، وَإِنَّمَا فَهِمَ شَيْئًا مُحْتَمَلًا فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَالْعُذْرُ لِجَابِرٍ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ

стр. 3952

الْبَرَاءَ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْ سَعْدٍ فَسَاغَ لَهُ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ مَا أَنْكَرَهُ الْبَرَاءُ فَقَالَ: إِنَّ الْعَرْشَ لَا يَهْتَزُّ لِأَحَدٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِاهْتِزَازِ الْعَرْشِ اسْتِبْشَارُهُ وَسُرُورُهُ بِقُدُومِ رُوحِهِ، يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ فَرِحَ بِقُدُومِ قَادِمٍ عَلَيْهِ: اهْتَزَّ لَهُ، وَمِنْهُ اهْتَزَّتِ الْأَرْضُ بِالنَّبَاتِ إِذَا اخْضَرَّتْ وَحَسُنَتْ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِلَفْظِ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا بِهِ لَكِنَّهُ تَأَوَّلَهُ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَقَالَ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا بِلِقَاءِ اللَّهِ سَعْدًا حَتَّى تَفَسَّخَتْ أَعْوَادُهُ عَلَى عَوَاتِقِنَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَعْنِي عَرْشَ سَعْدٍ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ مَقَالٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَيُعَارِضُ رِوَايَتَهُ أَيْضًا مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جِنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جِنَازَتَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُصَرِّحُ بِاهْتِزَازِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ لِمُعَارِضِهَا فِي الصَّحِيحِ ذِكْرٌ، انْتَهَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِاهْتِزَازِ الْعَرْشِ اهْتِزَازُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُهَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَامَةٌ نَصَبَهَا اللَّهُ لِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ لِيُشْعِرَ مَلَائِكَتَهُ بِفَضْلِهِ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: إِذَا عَظَّمُوا الْأَمْرَ نَسَبُوهُ إِلَى عَظِيمٍ كَمَا يَقُولُونَ قَامَتْ لِمَوْتِ فُلَانٍ الْقِيَامَةُ وَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي هَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِسَعْدٍ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْبَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَرْشِ السَّرِيرَ الَّذِي حَمَل عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَضْلًا لَهُ لِأَنَّهُ يَشْرَكُهُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَيِّتٍ، إِلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ اهْتَزَّ حَمَلَةُ السَّرِيرِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ عَلَى رَبِّهِ فَيُتَّجَهُ. وَوَقَعَ لِمَالِكٍ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِابْنِ عُمَرَ أَوَّلًا، فَذَكَرَ صَاحِبُ الْعُتْبِيَّةِ فِيهَا أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: أَنْهَاكَ أَنْ تَقُولَهُ، وَمَا يَدْعُو الْمَرْءَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا يَدْرِي مَا فِيهِ مِنَ الْغُرُورِ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْعُتْبِيَّةِ إِنَّمَا نَهَى مَالِكٌ لِئَلَّا يَسْبِقُ إِلَى وَهَمِ الْجَاهِلِ أَنَّ الْعَرْشَ إِذَا تَحَرَّكَ يَتَحَرَّكُ اللَّهُ بِحَرَكَتِهِ كَمَا يَقَعُ لِلْجَالِسِ مِنَّا عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَلَيْسَ الْعَرْشُ بِمُوضَعِ اسْتِقْرَارِ اللَّهِ، تَبَارَكَ اللَّهُ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَالِكًا مَا نَهَى عَنْهُ لِهَذَا، إِذْ لَوْ خَشِيَ مِنْ هَذَا لَمَا أَسْنَدَ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الْحَرَكَةِ مِنِ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمُعْتَقَدُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ مِنَ الْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالتَّحَوُّلِ وَالْحُلُولِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنِ التَّحَدُّثِ بِهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ النُّزُولِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فَرَوَاهُ وَوَكَّلَ أَمْرَهُ إِلَى فَهْمِ أُولِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فِي الْقُرْآنِ: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ) هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ أَيِ الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيَّامَ مُحَاصَرَتِهِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي لِظَنِّهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الصَّوَابَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: فَلَمَّا دَنَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَافٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ كَذَلِكَ. ١٣ - بَاب مَنْقَبَةُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ ﵄ ٣٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁:

стр. 3953

أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا فَتَفَرَّقَ النُّورُ مَعَهُمَا، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ حَمَّادٌ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْقَبَةِ أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ) هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ الْأَشْهَلِيُّ، يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَمَاتَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ هُوَ ابْنُ وَقْشٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْتَدُّ عَلَيْهِمْ فَضْلًا كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ. قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلَيْنِ) ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ أَحَدُهُمَا، وَمِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ أَنَّ الثَّانِيَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثِهِمَا، فَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فَوَصَلَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ تَحَدَّثَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ عَصَا الْآخَرُ فَمَشَى كُلٌّ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ وَأَمَّا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِلَفْظِ أنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ كَانَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ، فَلَمَّا خَرَجَا أَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا فَمَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، فَلَمَّا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ عَصَا الْآخَرِ. قَوْلُهُ: (عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ بَشِيرٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ وَهُوَ غَلَطٌ، وَفِي الصَّحَابَةِ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ قَيْظِيِّ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ نَهِيكٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ هَذَا الثَّالِثُ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ خِلَافَ ذَلِكَ. ١٤ - بَاب مَنَاقِبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ ٣٨٠٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَوْلُهُ: (مَنَاقِبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، مِنَ بَنِي أَسَدِ بْنِ شَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ابْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْخَزْرَجِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْعَقَبَةَ، وَكَانَ أَمِيرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ، وَرَجَعَ بَعْدَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا فَمَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعَهُ: نِعْمَ الرَّجُلِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، كَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ:

стр. 3954

أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ - وَفِيهِ - وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَأْتِ مُعَاذًا، وَسَيَأْتِي لَهُ ذِكْرٌ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ، وَعَاشَ مُعَاذٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ. ١٥ - بَاب مَنْقَبَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁، وقالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ٣٨٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ -: أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى نَاسٍ كَثِيرٍ. قَوْلُهُ: (مَنْقَبَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) أَيِ ابْنُ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ يُكَنَّى أَبَا ثَابِتٍ، وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَحَدُ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ سَعْدٌ كَبِيرَ الْخَزْرَجِ وَأَحَدَ الْمَشْهُورِينَ بِالْجُودِ، وَمَاتَ بِحَوْرَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي أُسَيْدٍ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ الطَّوِيلِ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ فِيهِ مَا دَارَ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلَهُ فَثَارَ بَيْنَهُمُ الْكَلَامُ إِلَى أَنْ أَسْكَتَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَشَارَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَعَرُّضٌ لِمَا بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُ ثُبُوتِ تِلْكَ الصِّفَةِ لَهُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا مُتَأَوِّلًا، فَلِذَلِكَ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِهِ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ مَا يُعَابُ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَعُذْرُ سَعْدٍ فِيهَا ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ تَخَيَّلَ أَنَّ الْأَوْسِيَّ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْ قَبِيلَةِ الْخَزْرَجِ لِمَا كَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَقَعْ مِنْ سَعْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ يُعَابُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا يُقَالُ وَتَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، وَالْعُذْرُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ لِلْأَنْصَارِ فِي الْخِلَافَةِ اسْتِحْقَاقًا فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْذُورٌ وَإِنْ كَانَ مَا اعْتَقَدَهُ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً. ١٦ - بَاب مَنَاقِبُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ ٣٨٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

стр. 3955

٣٨٠٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَكَى. [الحديث ٣٨٠٩ - أطرافه في: ٤٦٩١، ٤٩٦٠، ٤٩٥٩] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيِ ابْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْد بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ النَّجَّارِيِّ، يُكَنَّى أَبَا الْمُنْذِرِ وَأَبَا الطُّفَيْلِ، كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهُمَا، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمَ قَرِيبًا فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ زَادَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ وَقَرَأَ فِيهَا: إِنَّ ذَاتَ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، لَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْمَجُوسِيَّةُ، مَنْ يَفْعَلْ خَيْرًا فَلَمْ يُكْفَرْهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) أَيْ هَلْ نَصَّ عَلَيَّ بِاسْمِي، أَوْ قَالَ: اقْرَأْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ فَاخْتَرْتَنِي أَنْتَ؟ فَلَمَّا قَالَ لَهُ: نَعَمْ بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَسُرُورًا بِذَلِكَ، وَإِمَّا خُشُوعًا وَخَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: نَعَمْ بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَعَجَّبَ أُبَيٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ لَهُ وَنَصَّهُ عَلَيْهِ لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَلِذَلِكَ بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَإِمَّا خُشُوعًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْعَرْضِ عَلَى أُبَيٍّ لِيَتَعَلَّمَ أُبَيٌّ مِنْهُ الْقِرَاءَةَ وَيَتَثَبَّتَ فِيهَا، وَلِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْآنِ السُنَّةً، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضِيلَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَتَقَدُّمِهِ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَسْتَذْكِرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا بِذَلِكَ الْعَرْضِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوَاضُعِ فِي أَخْذِ الْإِنْسَانِ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانوا دُونَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِالذِّكْرِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالصُّحُفِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْمَعَادِ وَبَيَانِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ وِجَازَتِهَا. ١٧ - بَاب مَنَاقِبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ ٣٨١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ: أُبَيٌّ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي. [الحديث ٣٨١٠ - أطرافه في ٥٠٠٤، ٥٠٠٣، ٣٩٩٦] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أَيِ ابْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ، مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، كَاتِبُ الْوَحْيِ وَأَحَدُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. قَوْلُهُ: (جَمَعَ الْقُرْآنَ) أَيِ اسْتَظْهَرَهُ حِفْظًا. قَوْلُهُ: (وَأَبُو زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ أَنَسٌ: هُوَ أَحَدُ عُمُومَتِي) ذَكَرَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّ اسْمَهُ أَوْسٌ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ هُوَ ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ، وَقِيلَ: هُوَ

стр. 3956

سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: الْقَارِئُ وَكَانَ عَلَى الْقَادِسِيَّةِ وَاسْتُشْهِدَ بِهَا، وَهُوَ وَالِدُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: هُوَ قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعْوَرِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ أَنَسٍ: أَحَدُ عُمُومَتِي فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي حَرَامٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: واسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرَ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِأَخْذِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمُ اسْتَظْهَرُوهُ جَمِيعَهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ أَنَسٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: جَمَعَهُ أَرْبَعَةٌ أَنْ لَا يَكُونَ جَمَعَهُ غَيْرُهُمْ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ جَمْعُهُ لِأَرْبَعَةٍ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا لِهَذِهِ الْقَبِيلَةِ وَهِيَ الْأَنْصَارُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. ١٨ - بَاب مَنَاقِبُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ ٣٨١١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ الْقِدِّ يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنْ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: انْثرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ منهم مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَد أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي طَلْحَةَ) هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ النَّجَّارِيُّ، هُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ وَفَاتِهِ وَتَارِيخِهَا فِي الْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (مُجَوِّبٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُتَرِّسٌ عَلَيْهِ يَقِيهِ بِهَا، وَيُقَالُ لِلتُّرْسِ جَوْبَةٌ، وَالْحَجَفَةُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ: التُّرْسُ. قَوْلُهُ: (شَدِيدًا لِقِدٍّ يُكْسَرُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ شَدِيدًا وَبَعْدَهَا لِقِدٍّ بِلَامٍ ثُمَّ قِدٍّ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْإِضَافَةِ شَدِيدِ الْقِدِّ بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَالْقِدُّ سَيْرٌ مِنْ جِلْدٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، يُرِيدُ أَنَّهُ شَدِيدُ وَتَرِ الْقَوْسِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ بَدَلَ الْقَافِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٩ - بَاب مَنَاقِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ ٣٨١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ: الْآيَةَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ.

стр. 3957

٣٨١٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِي ارْقَ قُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لَهُ اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ" وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ ابْنِ سَلَامٍ قَالَ "وَصِيفٌ" مَكَانَ "مِنْصَفٌ" [الحديث ٣٨١٣ - طرفاه في: ٧٠١٤، ٧٠١٠] ٣٨١٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁ فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا" وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ. [الحديث ٣٨١٤ - طرفه في: ٧٣٤٢] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيِ ابْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْحُصَيْن فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَكَانَ مِنْ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَسْلَمَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو عَرُوبَةَ وَتَفَرَّدَ بِذَلِكَ وَلَا يَثْبُتُ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَامَيْنِ، وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (مَا سَمِعْتُ إِلَخْ) اسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ ﷺ قَدْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَيَبْعُدُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ سَعْدٌ عَلَى ذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَرِهَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ

стр. 3958

لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ يَنْفِيَ سَمَاعَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيَظْهَرُ لِي فِي جَوَابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُبَشَّرِينَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ عَاشَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ مَعَهُ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَعْدٍ، وَسَعِيدٍ، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثُ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ حَيٍّ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ مَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: لَا أَقُولُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ لَكِنَّ هَذَا السِّيَاقَ مُنْكَرٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يُبَشِّرَ غَيْرَهُ بِالْجَنَّةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سبب هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُضَعِّفُ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ. قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ الْآيَةَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ) أَيْ لَا أَدْرِي هَلْ قَالَ مَالِكٌ إِنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَوْ هُوَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ؟ وَهَذَا الشَّكُّ فِي ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْقَعْنَبِيِّ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلْقَعْنَبِيِّ هُنَا، وَلَمْ أَرَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ إِلَّا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَقَّبِ سَمَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ مُقْتَصِرًا عَلَى الزِّيَادَةِ دُونَ الْحَدِيثِ وَقَالَ: إِنَّهُ وَهَمٌ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْحَدِيثَ وَالزِّيَادَةَ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ: إِنَّ أَبَا مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: إِنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ بِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ، وَكَانَتْ مَعِي أَلْوَاحِي فَكَتَبْتُ. انْتَهَى. وَظَهَرَ بِهَذَا سَبَبُ قَوْلِهِ لِلْبُخَارِيِّ مَا أَدْرِي إِلَخْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُسْهِرٍ، وَعَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَسَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، وَإِسْحَاقَ الْفَرْوِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ مَالِكٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، قَالَ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ نَفْسِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ نَفْسِهِ، وَقَدِ اسْتَنْكَرَ الشَّعْبِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْهُ نُزُولَهَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وَبَعْضُهَا مَدَنِيٌّ وَبِالْعَكْسِ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَقَامَاتِ التَّنْزِيلِ فَقَالَ: الْأَحْقَافُ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ. انْتَهَى. وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُهَا مَكِّيَّةً وَتَقَعُ الْإِشَارَةُ فِيهَا إِلَى مَا سَيَقَعُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ شَهَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَيْمُونِ بْنِ يَامِينَ. وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ سَلَامٍ، وَعُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ يَامِينَ النَّضْرِيِّ. وَفِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ اسْمُهُ يَامِينُ بْنُ يَامِينَ وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَقَيْسُ بْنُ عُبَادٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ
следующие страницы →