Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3954–3993 · переход к 3959.
стр. 3954
أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ - وَفِيهِ - وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَأْتِ مُعَاذًا، وَسَيَأْتِي لَهُ ذِكْرٌ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ، وَعَاشَ مُعَاذٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ.
١٥ - بَاب مَنْقَبَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁، وقالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحا
٣٨٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ -: أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى نَاسٍ كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْقَبَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) أَيِ ابْنُ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ يُكَنَّى أَبَا ثَابِتٍ، وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَحَدُ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ سَعْدٌ كَبِيرَ الْخَزْرَجِ وَأَحَدَ الْمَشْهُورِينَ بِالْجُودِ، وَمَاتَ بِحَوْرَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي أُسَيْدٍ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: وَكَانَ ذَا قِدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ الطَّوِيلِ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ فِيهِ مَا دَارَ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلَهُ فَثَارَ بَيْنَهُمُ الْكَلَامُ إِلَى أَنْ أَسْكَتَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَشَارَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَعَرُّضٌ لِمَا بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُ ثُبُوتِ تِلْكَ الصِّفَةِ لَهُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا مُتَأَوِّلًا، فَلِذَلِكَ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِهِ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُ مَا يُعَابُ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَعُذْرُ سَعْدٍ فِيهَا ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ تَخَيَّلَ أَنَّ الْأَوْسِيَّ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْ قَبِيلَةِ الْخَزْرَجِ لِمَا كَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَقَعْ مِنْ سَعْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ يُعَابُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا يُقَالُ وَتَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، وَالْعُذْرُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ لِلْأَنْصَارِ فِي الْخِلَافَةِ اسْتِحْقَاقًا فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْذُورٌ وَإِنْ كَانَ مَا اعْتَقَدَهُ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً.
١٦ - بَاب مَنَاقِبُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁
٣٨٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
стр. 3955
٣٨٠٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَكَى.
[الحديث ٣٨٠٩ - أطرافه في: ٤٦٩١، ٤٩٦٠، ٤٩٥٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيِ ابْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْد بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ النَّجَّارِيِّ، يُكَنَّى أَبَا الْمُنْذِرِ وَأَبَا الطُّفَيْلِ، كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهُمَا، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمَ قَرِيبًا فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ زَادَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ وَقَرَأَ فِيهَا: إِنَّ ذَاتَ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، لَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْمَجُوسِيَّةُ، مَنْ يَفْعَلْ خَيْرًا فَلَمْ يُكْفَرْهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) أَيْ هَلْ نَصَّ عَلَيَّ بِاسْمِي، أَوْ قَالَ: اقْرَأْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ فَاخْتَرْتَنِي أَنْتَ؟ فَلَمَّا قَالَ لَهُ: نَعَمْ بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَسُرُورًا بِذَلِكَ، وَإِمَّا خُشُوعًا وَخَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: نَعَمْ بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَعَجَّبَ أُبَيٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ لَهُ وَنَصَّهُ عَلَيْهِ لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَلِذَلِكَ بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَإِمَّا خُشُوعًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْعَرْضِ عَلَى أُبَيٍّ لِيَتَعَلَّمَ أُبَيٌّ مِنْهُ الْقِرَاءَةَ وَيَتَثَبَّتَ فِيهَا، وَلِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْآنِ السُنَّةً، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضِيلَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَتَقَدُّمِهِ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَسْتَذْكِرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا بِذَلِكَ الْعَرْضِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوَاضُعِ فِي أَخْذِ الْإِنْسَانِ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانوا دُونَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِالذِّكْرِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالصُّحُفِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْمَعَادِ وَبَيَانِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعَ وِجَازَتِهَا.
١٧ - بَاب مَنَاقِبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁
٣٨١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ: أُبَيٌّ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قُلْتُ لِأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي.
[الحديث ٣٨١٠ - أطرافه في ٥٠٠٤، ٥٠٠٣، ٣٩٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أَيِ ابْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ، مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، كَاتِبُ الْوَحْيِ وَأَحَدُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (جَمَعَ الْقُرْآنَ) أَيِ اسْتَظْهَرَهُ حِفْظًا.
قَوْلُهُ: (وَأَبُو زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ أَنَسٌ: هُوَ أَحَدُ عُمُومَتِي) ذَكَرَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّ اسْمَهُ أَوْسٌ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ هُوَ ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ، وَقِيلَ: هُوَ
стр. 3956
سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: الْقَارِئُ وَكَانَ عَلَى الْقَادِسِيَّةِ وَاسْتُشْهِدَ بِهَا، وَهُوَ وَالِدُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: هُوَ قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعْوَرِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ أَنَسٍ: أَحَدُ عُمُومَتِي فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي حَرَامٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: واسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرَ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِأَخْذِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمُ اسْتَظْهَرُوهُ جَمِيعَهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ أَنَسٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: جَمَعَهُ أَرْبَعَةٌ أَنْ لَا يَكُونَ جَمَعَهُ غَيْرُهُمْ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ جَمْعُهُ لِأَرْبَعَةٍ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا لِهَذِهِ الْقَبِيلَةِ وَهِيَ الْأَنْصَارُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
١٨ - بَاب مَنَاقِبُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁
٣٨١١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ الْقِدِّ يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنْ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: انْثرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ منهم مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَد أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي طَلْحَةَ) هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ النَّجَّارِيُّ، هُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةِ أَنَسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ وَفَاتِهِ وَتَارِيخِهَا فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (مُجَوِّبٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُتَرِّسٌ عَلَيْهِ يَقِيهِ بِهَا، وَيُقَالُ لِلتُّرْسِ جَوْبَةٌ، وَالْحَجَفَةُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ: التُّرْسُ.
قَوْلُهُ: (شَدِيدًا لِقِدٍّ يُكْسَرُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ شَدِيدًا وَبَعْدَهَا لِقِدٍّ بِلَامٍ ثُمَّ قِدٍّ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْإِضَافَةِ شَدِيدِ الْقِدِّ بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَالْقِدُّ سَيْرٌ مِنْ جِلْدٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، يُرِيدُ أَنَّهُ شَدِيدُ وَتَرِ الْقَوْسِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ بَدَلَ الْقَافِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٩ - بَاب مَنَاقِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁
٣٨١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ: الْآيَةَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ.
стр. 3957
٣٨١٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِي ارْقَ قُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لَهُ اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ" وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ ابْنِ سَلَامٍ قَالَ "وَصِيفٌ" مَكَانَ "مِنْصَفٌ"
[الحديث ٣٨١٣ - طرفاه في: ٧٠١٤، ٧٠١٠]
٣٨١٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁ فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا" وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ.
[الحديث ٣٨١٤ - طرفه في: ٧٣٤٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيِ ابْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْحُصَيْن فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَكَانَ مِنْ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَسْلَمَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو عَرُوبَةَ وَتَفَرَّدَ بِذَلِكَ وَلَا يَثْبُتُ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَامَيْنِ، وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (مَا سَمِعْتُ إِلَخْ) اسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ ﷺ قَدْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَيَبْعُدُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ سَعْدٌ عَلَى ذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَرِهَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ
стр. 3958
لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ يَنْفِيَ سَمَاعَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيَظْهَرُ لِي فِي جَوَابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُبَشَّرِينَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ عَاشَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ مَعَهُ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَعْدٍ، وَسَعِيدٍ، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثُ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ حَيٍّ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ مَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: لَا أَقُولُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ لَكِنَّ هَذَا السِّيَاقَ مُنْكَرٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يُبَشِّرَ غَيْرَهُ بِالْجَنَّةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سبب هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُضَعِّفُ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ الْآيَةَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ) أَيْ لَا أَدْرِي هَلْ قَالَ مَالِكٌ إِنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَوْ هُوَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ؟ وَهَذَا الشَّكُّ فِي ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْقَعْنَبِيِّ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلْقَعْنَبِيِّ هُنَا، وَلَمْ أَرَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ إِلَّا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَقَّبِ سَمَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ مُقْتَصِرًا عَلَى الزِّيَادَةِ دُونَ الْحَدِيثِ وَقَالَ: إِنَّهُ وَهَمٌ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْحَدِيثَ وَالزِّيَادَةَ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ: إِنَّ أَبَا مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: إِنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ بِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ، وَكَانَتْ مَعِي أَلْوَاحِي فَكَتَبْتُ. انْتَهَى.
وَظَهَرَ بِهَذَا سَبَبُ قَوْلِهِ لِلْبُخَارِيِّ مَا أَدْرِي إِلَخْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُسْهِرٍ، وَعَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَسَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، وَإِسْحَاقَ الْفَرْوِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ مَالِكٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، قَالَ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ نَفْسِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ نَفْسِهِ، وَقَدِ اسْتَنْكَرَ الشَّعْبِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْهُ نُزُولَهَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وَبَعْضُهَا مَدَنِيٌّ وَبِالْعَكْسِ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَقَامَاتِ التَّنْزِيلِ فَقَالَ: الْأَحْقَافُ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ. انْتَهَى.
وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُهَا مَكِّيَّةً وَتَقَعُ الْإِشَارَةُ فِيهَا إِلَى مَا سَيَقَعُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ شَهَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَيْمُونِ بْنِ يَامِينَ. وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ سَلَامٍ، وَعُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ يَامِينَ النَّضْرِيِّ. وَفِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ اسْمُهُ يَامِينُ بْنُ يَامِينَ وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَقَيْسُ بْنُ عُبَادٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ
стр. 3959
الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَنْبَغِي) هُوَ إِنْكَارٌ مِنَ ابْنِ سَلَامٍ عَلَى مَنْ قَطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ مَا سَمِعَ حَدِيثَ سَعْدٍ وَكَأَنَّهُمْ هُمْ سَمِعُوهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا سَمِعَهُ لَكِنَّهُ كَرِهَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَوَاضُعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارًا مِنْهُ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فَهِمَ مِنْهُ التَّعَجُّبَ مِنْ خَبَرِهِمْ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا عَجَبَ فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ لَهُ مِنْ قِصَّةِ الْمَنَامِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ إِنْكَارُ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لِي: ارْقَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ارْقَهْ بِزِيَادَةِ هَاءٍ وَهِيَ هَاءُ السَّكْتِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَانِي مِنْصَفٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَهُوَ الْخَادِمُ.
قَوْلُهُ: (فَرَقِيتُ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (وَصِيفٌ مَكَانَ مِنْصَفٍ) يُرِيدُ أَنَّ مُعَاذًا وَهُوَ ابْنُ مُعَاذٍ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كَمَا رَوَاهُ أَزْهَرُ السَّمَّانُ فَأَبْدَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَالْوَصِيفُ: الْخَادِمُ الصَّغِيرُ غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي) أَيْ أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ كَانَ حَالَ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَثَرَهَا بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَأَنْ يُصْبِحُ فَيَرَى يَدَهُ مَقْبُوضَةً.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ وَيُرِيدُ نَفْسَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي بَيْتٍ) التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ وَوَجْهُ تَعْظِيمِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ فِيهِ وَكَانَ هَذَا الْقَدْرُ الْمُقْتَضِي لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ ابْنِ سَلَامٍ، أَوْ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِتَرْكِ قَبُولِهِ هَدِيَّةَ الْمُسْتَقْرِضِ مِنَ الْوَرَعِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّكَ بأَرْضٍ) يَعْنِي أَرْضَ الْعِرَاقِ (الرِّبَا بِهَا فَاشٍ) أَيْ شَائِعٌ.
قَوْلُهُ: (حِمْلُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ (تِبْنٍ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: (حِمْلُ قَتٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَهُوَ عَلَفُ الدَّوَابِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ رِبًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَإِلَّا فَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ رِبًا إِذَا شَرَطَهُ، نَعَمِ الْوَرَعُ تَرْكُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ) أَيِ ابْنُ شُمَيْلٍ (وَأَبُو دَاوُدَ) أَيِ الطَّيَالِسِيُّ (وَوَهْبٌ) أَيِ ابْنُ جُرَيْجٍ (عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ) أَيْ قَوْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَيَدْخُلُ فِي بَيْتٍ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ: انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَسْقِيكَ مِنْ قَدَحٍ شَرِبَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثُ.
٢١ - بَاب ذِكْرُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵁
٣٨٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.
٣٨٢٣ - وَعَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ أَوْ الْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ قَالَ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ قَالَ فَكَسَرْنَا وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ"
стр. 3960
قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ) أَيِ ابْنُ جَابِرِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي أَنْمَارِ بْنِ أَرَاشٍ، نُسِبُوا إِلَى أُمِّهِمْ بَجِيلَةَ، يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي سَنَةِ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا، وَكَانَ مَوْتُ جَرِيرٍ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ: بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ مَا مَنَعَنِي مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَا حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَقَالَ: كَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مُحَرَّمٍ بِغَيْرِ حِجَابٍ؟ ثُمَّ تَكَلَّفَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ مَجْلِسُهُ الْمُخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِجَابِ مَنْعُ مَا يَطْلُبُهُ مِنْهُ.
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: مَا حَجَبَنِي يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ مَعَ بُعْدِ إِرَادَةِ الْأَخِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي فَدَخَلْتُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ، فَقُلْتُ: هَلْ ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ذَكَرَكَ بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ. فَقَالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ قَيْسٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (ذُو الْخَلَصَةِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَحُكِيَ إِسْكَانُ اللَّامِ. وَقَوْلُهُ: الْيَمَانِيَةُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَحُكِيَ تَشْدِيدُهَا، وَقَوْلُهُ: أَوِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ اسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ، وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ مَعَ شَرْحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مَعَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةِ أَوِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٢ - بَاب ذِكْرُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الْعَبْسِيِّ ﵁
٣٨٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ مع أُخْرَاهمْ. فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ، فَنَادَى: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي، فَقَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ أَبِي: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ .
قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الْعَبْسِيِّ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَاسْمُ الْيَمَانِ حِسْلٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِية ثُمَّ لَامٍ، ابْنُ جَابِرٍ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا هُزِمَ) (١) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَقَوْلُهُ: وَأُخْرَاكُمْ أَيِ اقْبَلُوا أُخْرَاكُمْ أَوِ احْذَرُوا أُخْرَاكُمْ أَوِ انْصُرُوا أُخْرَاكُمْ، وَقَوْلُهُ: احْتَجِزُوا أَيِ انْفَصِلُوا مِنَ الْقِتَالِ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبِي) الْقَائِلُ هُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فعله عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ وَفَصَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَصَارَ مُرْسَلًا، وَقَوْلُهُ: مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا أَيْ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَيْ بِسَبَبِهَا، وَقَوْلُهُ: بَقِيَّةُ خَيْرٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ تَعُودُ بَرَكَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي طُولِ حَيَاتِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ ذِكْرُ جَرِيرٍ، وَحُذَيْفَةَ مُؤَخَّرًا عَنْ стр. 3961
ذِكْرِ خَدِيجَةَ ﵍، وَفِي بَعْضِهَا مُقَدَّمًا وَهُوَ أَلْيَقُ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَخَّرَ ذِكْرَ خَدِيجَةَ عَمْدًا لِكَوْنِ غَالِبِ أَحْوَالِهَا مُتَعَلِّقَةً بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْمَبْعَثِ فَوَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ حُسْنُ التَّخَلُّصِ مِنَ الْمَنَاقِبِ الَّتِي اسْتَطْرَدَ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا رَجَعَ إِلَى بَقِيَّةِ سِيرَتِهِ وَمَغَازِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٠ - بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا ﵂
٣٨١٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حدثنا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ.
وحَدَّثَنِي صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ بن عروة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ.
٣٨١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ".
[الحديث ٣٨١٦ - أطرافه في: ٧٤٨٤، ٦٠٠٤، ٥٢٢٩، ٣٨١٨، ٣٨١٧]
٣٨١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا قَالَتْ وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَأَمَرَهُ رَبُّهُ أَوْ جِبْرِيلُ ﵇ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ"
٣٨١٨ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ "مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلاَّ خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"
٣٨١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةَ "قَالَ نَعَمْ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ"
٣٨٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 3962
عَنْهُ قَالَ "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ"
[الحديث ٣٨٢٠ - طرفه في ٧٤٩٧]
٣٨٢١ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا"
قَوْلُهُ: (بَابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا) كَذَا فِي النُّسَخِ تَزْوِيجِ، وَتَفْعِيلٌ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى تَفَعُّلٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ تَزْوِيجُهُ مِنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (خَدِيجَةُ) هِيَ أَوَّلُ مَنْ تَزَوَّجَهَا ﷺ وَهِيَ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، تَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، وَهِيَ مِنْ أَقْرَبِ نِسَائِهِ إِلَيْهِ فِي النَّسَبِ ; وَلَمْ يَتَزَوَّجْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قُصَيٍّ غَيْرَهَا إِلَّا أُمَّ حَبِيبَةَ، وَتَزَوَّجَهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، زَوَّجَهُ إِيَّاهَا أَبُوهَا خُوَيْلِدٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَقِيلَ: عَمُّهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ، وَقِيلَ: أَخُوهَا عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي هَالَةَ بْنِ النَّبَّاشِ بْنِ زُرَارَةَ التَّمِيمِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي هَالَةَ فَقِيلَ: مَالِكٌ قَالَهُ الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ: زُرَارَةُ حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَقِيلَ: هِنْدٌ جَزَمَ بِهِ الْعَسْكَرِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ النَّبَّاشُ جَزَمَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُهُ هِنْدٌ رَوَى عنْد الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي خَالِي لِأَنَّهُ أَخُو فَاطِمَةَ لِأُمِّهَا، وَلِهِنْدٍ هَذَا وَلَدٌ اسْمُهُ هِنْدٌ ذَكَرَهُ الدُّولَابِيُّ وَغَيْرُهُ، فَعَلَى قَوْلِ الْعَسْكَرِيِّ فَهُوَ مِمَّنِ اشْتَرَكَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ فِي الِاسْمِ، وَمَاتَ أَبُو هَالَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَهُ عِنْدَ عَتِيقِ بْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ قَدْ سَافَرَ فِي مَالِهَا مُقَارِضًا إِلَى الشَّامِ، فَرَأَى مِنْهُ مَيْسَرَةُ غُلَامُهَا فِي تَزَوُّجِهِ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ تُدْعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الطَّاهِرَةَ، وَمَاتَتْ عَلَى الصَّحِيحِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِعَشْرِ سِنِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: بِثَمَانٍ، وَقِيلَ: بِسَبْعٍ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا يُؤَيِّدُ الصَّحِيحَ فِي أَنَّ مَوْتَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ عَلَى الصَّوَابِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ بَدْءِ الْوَحْيِ بَيَانُ تَصْدِيقِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَمِنْ ثَبَاتِهَا فِي الْأَمْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِهَا وَوُفُورِ عَقْلِهَا وَصِحَّةِ عَزْمِهَا، لَا جَرَمَ كَانَتْ أَفْضَلَ نِسَائِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ مَرْيَمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بَيَانُ شَيْءٍ مِنْ هَذَا.
وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى خَدِيجَةَ فَأَذِنَ لَهُ، وَبَعَثَ بَعْدَهُ جَارِيَةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: نَبْعَةُ فَقَالَ لَهَا: انْظُرِي مَا تَقُولُ لَهُ خَدِيجَةُ؟ قَالَتْ نَبْعَةُ: فَرَأَيْتُ عَجَبًا، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَتْ بِهِ خَدِيجَةُ فَخَرَجَتْ إِلَى الْبَابِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَضَمَّتْهَا إِلَى صَدْرِهَا وَنَحْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا أَفْعَلُ هَذَا لِشَيْءٍ، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَنْتَ النَّبِيُّ الَّذِي سَتُبْعَثُ، فَإِنْ
стр. 3963
تَكُنْ هُوَ فَاعْرِفْ حَقِّي وَمَنْزِلَتِي وَادْعُ الْإِلَهَ الَّذِي يَبْعَثُكَ لِي. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ أَنَا هُوَ قَدِ اصْطَنَعْتِ عِنْدِي مَا لَا أُضَيِّعُهُ أَبَدًا، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرِي فَإِنَّ الْإِلَهَ الَّذِي تَصْنَعِينَ هَذَا لِأَجْلِهِ لَا يُضَيِّعُكِ أَبَدًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ لَا تَصْرِيحَ فِيهَا بِمَا فِي التَّرْجَمَةِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ وَمِنْ قَوْلِهِ ﷺ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الْأولُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ السَّكَنِ، وَعَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ لِتَصْرِيحِ عَبْدَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِسَمَاعِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ.
قوله: (سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِالْكُوفَةِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ فِيهِ، وَقَصَرَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَرَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ لَكِنْ بِلَفْظٍ مُغَايِرٍ لِهَذَا اللَّفْظِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ، وَفِي الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَمِّهِ.
قَوْلُهُ: (خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ الْحَالُ وَالْمُشَاهَدَةُ، يَعْنِي بِهِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ يَعُودُ عَلَى الْأُمَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا مَرْيَمُ، وَالثَّانِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ: وَلِهَذَا كَرَّرَ الْكَلَامَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا غَيْرُ حُكْمِ الْأُخْرَى. قُلْتُ: وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نِسَاءُ الدُّنْيَا، وَأَنَّ الضَّمِيرَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى الدُّنْيَا، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُمَا خَيْرُ مَنْ تَحْتَ السَّمَاءِ وَفَوْقَ الْأَرْضِ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: نِسَائِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَعُودَ إِلَى السَّمَاءِ، كَذَا قَالَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الضَّمِيرَ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ إِلَى السَّمَاءِ وَالثَّانِيَ إِلَى الْأَرْضِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ فِي حَيَاةِ خَدِيجَةَ وَتَكُونُ النُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ مَاتَتْ فَعُرِجَ بِرُوحِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ إِذْ ذَاكَ فِي الْحَيَاةِ فَكَانَتْ فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا ذَكَرَهَا أَشَارَ إِلَى الْأَرْضِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا خَيْرُ مَنْ صُعِدَ بِرُوحِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ وَخَيْرُ مَنْ دُفِنَ جَسَدُهُنَّ فِي الْأَرْضِ، وَتَكُونُ الْإِشَارَةُ عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَهُ: خَيْرُ نِسَائِهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَرْيَمُ خَيْرُ نِسَائِهَا أَيْ نِسَاءُ زَمَانِهَا، وَكَذَا فِي خَدِيجَةَ. وَقَدْ جَزَمَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ نِسَاءُ زَمَانِهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَذِكْرِ آسِيَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ وَآسِيَةُ. فَقَدْ أَثْبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَمَالَ لِآسِيَةَ كَمَا أَثْبَتَهُ لِمَرْيَمَ، فَامْتَنَعَ حَمْلُ الْخَيْرِيَّةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَجَاءَ مَا يُفَسِّرُ الْمُرَادَ صَرِيحًا، فَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَفَعَهُ: لَقَدْ فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي كَمَا فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَكُونَ عَائِشَةُ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَ لَهَا عِنْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ ثَلَاثُ سِنِينَ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ النِّسَاءُ الْبَوَالِغُ. كَذَا قَالَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ النِّسَاءِ أَعَمُّ مِنَ الْبَوَالِغِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ أَعَمُّ مِمَّنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَمِمَّنْ سَتُوجَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَخْرَجَه الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ وَمَرْيَمُ وَآسِيَةُ. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
стр. 3964
لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَرْبَعِ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ إِلَّا مَرْيَمُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ. قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ وَغَيْرَهُ بِأَنَّ مِنْ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ فَهِيَ مُرَادَةٌ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الثَّانِي الدَّالُّ عَلَى التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ بِغَيْرِ صِيغَةِ تَرْتِيبٍ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِحَدِيثِ الْبَابِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ لِتَسْوِيَتِهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِخَدِيجَةَ، وَلَيْسَتْ خَدِيجَةُ بِنَبِيَّةٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي الْخَيْرِيَّةِ التَّسْوِيَةُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا قِيلَ فِي مَرْيَمَ فِي تَرْجَمَتِهَا مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَلَعَلَّ اللَّيْثَ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ أَنْ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ فَحَدَّثَهُ بِهِ، أَوْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ إِطْلَاقُ حَدَّثَنَا فِي الْكِتَابَةِ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ ثُبُوتُ الْغَيْرَةِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وُقُوعُهَا مِنْ فَاضِلَاتِ النِّسَاءِ فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُنَّ، وَأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ خَدِيجَةَ أَكْثَرَ، وَقَدْ بَيَّنَتْ سَبَبَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ فِيهَا: مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا وَأَصْلُ غَيْرَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ تُخَيَّلِ مَحَبَّةِ غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَحَبَّةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُرَادُهَا بِالذِّكْرِ لَهَا مَدْحُهَا وَالثَّنَاءُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ هِشَامٍ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا فَعَطْفُ الثَّنَاءِ عَلَى الذِّكْرِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَهُوَ يَقْتَضِي حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى أَعَمَّ مِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ قَدْرَ الْمُدَّةِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهَا لَكَانَتْ غَيْرَتُهَا مِنْهَا أَشَدَّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا إِلَخْ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ هَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْغَيْرَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ خَدِيجَةَ بِهَذِهِ الْبُشْرَى مُشْعِرٌ بِمَزِيدِ مَحَبَّةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ مَا حُسِدَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ مَا حُسِدَتْ خَدِيجَةُ حِينَ بَشَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ إِلَخْ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَيُرَادُ بِهَا تَأْكِيدُ الْكَلَامِ، وَلِهَذَا أَتَتْ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهَا لَيَذْبَحُ.
قَوْلُهُ: (فِي خَلَائِلِهَا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَلِيلَةٍ أَيْ صَدِيقَةٌ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الْغَيْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِاسْتِمْرَارِ حُبِّهِ لَهَا حَتَّى كَانَ يَتَعَاهَدُ صَوَاحِبَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الشَّاةِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَسَعُهُنَّ) أَيْ مَا يَكْفِيهِنَّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ مَا يَتَّسِعُهُنَّ أَيْ يَتَّسِعُ لَهُنَّ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يُشْبِعُهُنَّ مِنَ الشِّبَعِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الرُّؤَاسِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ وَعَلَى الْوَاوِ هَمْز وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَةٌ. ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَرَادَتْ بِذَلِكَ زَمَنَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَقْدُ فَتَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةِ سَنَةٍ وَنِصْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ تَزْوِيجِ عَائِشَةَ مَا يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُدَّةَ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَالدُّخُولِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَهُ رَبُّهُ أَوْ جِبْرِيلُ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْبِشَارَةَ بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كَانَتْ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ الْأَسَدِيُّ الَّذِي يُعْرَفُ بِالتَّلِّ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَاسْمُ وَالِدِ الْحَسَنِ، الزُّبَيْرُ، وَعُمَرُ كُوفِيٌّ
стр. 3965
مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الزَّكَاةِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ. وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ دَرَجَةً، فَإِنَّهُ يَرْوِي الْكَثِيرَ عَنْ وَلَدِهِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ حَفْصٍ، وَهُنَا لَمْ يَصِلْ لِحَفْصٍ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ دَرَجَتَيْنِ فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَأَخْرَجَ هَذَا فِي الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي ذَرٍّ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِيَارِهِ إِيرَادَ هَذِهِ الطَّرِيقَ النَّازِلَةَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا رَأَيْتُهَا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ أُدْرِكْهَا وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، نَعَمْ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ وَرُؤْيَةُ عَائِشَةَ لِخَدِيجَةَ كَانَتْ مُمْكِنَةً، وَأَمَّا إِدْرَاكُهَا لَهَا فَلَا نِزَاعَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا عِنْدَ مَوْتِهَا سِتُّ سِنِينَ، كَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَالْإِدْرَاكِ النَّفْيَ بِقَيْدِ اجْتِمَاعِهِمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ لَمْ أَرَهَا وَأَنَا عِنْدَهُ وَلَا أَدْرَكْتُهَا كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَسْأَمْ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهَا وَاسْتِغْفَارٍ لَهَا.
قَوْلُهُ: (فَرُبَّمَا قُلْتُ إِلَخْ) هَذَا كُلُّهُ زَائِدٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ بِدُونِهَا.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَأَنْ لَمْ بِحَذْفِ الْهَاءِ مِنْ كَأَنَّهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ) أَيْ كَانَتْ فَاضِلَةً وَكَانَتْ عَاقِلَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ) وَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ، وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَادِهِ مِنْهَا الْقَاسِمُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَبَنَاتُهُ الْأَرْبَعُ: زَيْنَبُ ثُمَّ رُقْيَةُ ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ، وَقِيلَ: كَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ أَصْغَرَ مِنْ فَاطِمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وُلِدَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الطَّاهِرُ، وَالطَّيِّبُ، وَيُقَالُ: هُمَا أَخَوَانِ لَهُ، وَمَاتَتِ الذُّكُورُ صِغَارًا بِاتِّفَاقٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ هَذِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا فَقُلْتُ: خَدِيجَةُ، فَقَالَ: إِنِّي رُزِقْتُ حُبَّهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَانَ حُبُّهُ ﷺ لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَادِ الْمَحَبَّةِ. وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ خَدِيجَةَ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ فِي حَيَاتِهَا غَيْرَهَا، فَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَهُ وَعَلَى مَزِيدِ فَضْلِهَا؛ لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرِهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرُهَا مَرَّتَيْنِ، لِأَنَّهُ ﷺ عَاشَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا انْفَرَدَتْ خَدِيجَةُ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا وَهِيَ نَحْوَ الثُّلُثَيْنِ مِنَ الْمَجْمُوعِ، وَمَعَ طُولِ الْمُدَّةِ فَصَانَ قَلْبَهَا مِنَ الْغَيْرَةِ وَمِنْ نَكَدِ الضَّرَائِرِ الَّذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهِيَ فَضِيلَةٌ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا. وَمِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ سَبْقُهَا نِسَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدَهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِنَّ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وَقَدْ شَارَكَهَا فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الثَّوَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِحُسْنِ الْعَهْدِ، وَحِفْظِ الْوُدِّ، وَرِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِبِ وَالْمُعَاشِرِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِكْرَامِ مَعَارِفِ ذَلِكَ
стр. 3966
الصَّاحِبِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى إِلَخْ) هَذَا مِمَّا حَمَلَهُ التَّابِعِيُّ عَنِ الصَّحَابِيِّ عَرَضًا، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّلْقِينِ ; لِأَنَّ التَّلْقِينَ لَا اسْتِفْهَامَ فِيهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ الطَّالِبُ لِلشَّيْخِ: قُلْ حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِكَذَا. فَيُحَدِّثُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِه حَدِيثِهِ وَلَا بِعَدَالَةِ الطَّالِبِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الطَّالِبُ ضَابِطًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ فَيَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِ الشَّيْخِ، فَلِذَلِكَ عَابُوهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ.
قَوْلُهُ: (بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: نَعَمْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، قَالَ: نَعَمْ إِلَخْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: حَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ: قَالَ: قَالَ: بَشِّرُوا خَدِيجَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، هَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ قَصَبٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ بِهِ لُؤْلُؤَةٌ مُجَوَّفَةٌ وَاسِعَةٌ كَالْقَصْرِ الْمَنِيفِ. قُلْتُ: عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى يَعْنِي قَصَبَ اللُّؤْلُؤِ، وَعِنْدَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيْتٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَعِنْدَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أُمِّي خَدِيجَةُ؟ قَالَ: فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ. قُلْتُ: أَمِنْ هَذَا الْقَصَبِ؟ قَالَ: لَا، مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: النُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ قَصَبٍ وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ لُؤْلُؤٍ؛ أَنَّ فِي لَفْظِ الْقَصَبِ مُنَاسَبَةً لِكَوْنِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبْقِ بِمُبَادَرَتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ فِي جَمِيعِ ألفاظ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى. وَفِي الْقَصَبِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى مِنْ جِهَةِ اسْتِوَاءِ أَكْثَرِ أَنَابِيبِهِ، وَكَذَا كَانَ لِخَدِيجَةَ مِنَ الِاسْتِوَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، إِذْ كَانَتْ حَرِيصَةً عَلَى رِضَاهُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا مَا يُغْضِبُهُ قَطُّ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِبَيْتٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأسْكَافُ فِي فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ: الْمُرَادُ بِهِ بَيْتٌ زَائِدٌ عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهَا مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: لَا نَصَبَ فِيهِ أَيْ لَمْ تَتْعَبْ بِسَبَبِهِ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لِذِكْرِ الْبَيْتِ مَعْنًى لَطِيفٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ثُمَّ صَارَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ مُنْفَرِدَةً بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَوْمِ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْتُ إِسْلَامٍ إِلَّا بَيْتُهَا، وَهِيَ فَضِيلَةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا أَيْضًا غَيْرُهَا. قَالَ: وَجَزَاءُ الْفِعْلِ يُذْكَرُ غَالِبًا بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ، فَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ دُونَ لَفْظِ الْقَصْرِ. انْتَهَى. وَفِي ذِكْرِ الْبَيْتِ مَعْنًى آخَرُ ; لِأَنَّ مَرْجِعَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهَا، لِمَا ثَبَتَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت﴾ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا، وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَرْجِعُ أَهْلِ الْبَيْتِ هَؤُلَاءِ إِلَى خَدِيجَةَ، لِأَنَّ الْحَسَنَيْنِ مِنْ فَاطِمَةَ وَفَاطِمَةُ بِنْتُهَا، وَعَلِيٌّ نَشَأَ فِي بَيْتِ خَدِيجَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَهَا بَعْدَهَا، فَظَهَرَ رُجُوعُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ إِلَى خَدِيجَةَ دُونَ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ) الصَّخَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: الصِّيَاحُ وَالْمُنَازَعَةُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَالنَّصَبُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدُهَا مُوَحَّدَةٌ التَّعَبُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الصَّخَبُ: الْعَيْبُ، وَالنَّصَبُ: الْعِوَجُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَا تُسَاعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: مُنَاسَبَةُ نَفْيِ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ - أَعْنِي الْمُنَازَعَةَ وَالتَّعَبَ - أَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ أَجَابَتْ خَدِيجَةُ طَوْعًا فَلَمْ تُحْوِجْهُ إِلَى رَفْعِ صَوْتٍ وَلَا مُنَازَعَةٍ وَلَا تَعَبٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلَّ نَصَبٍ، وَآنَسَتْهُ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ، وَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهَا الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبُّهَا بِالصِّفَةِ الْمُقَابِلَةِ لِفِعْلِهَا.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عُمَارَةَ) هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (أَتَى جِبْرِيلُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ
стр. 3967
أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بِحِرَاءَ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ أَتَتْكَ وَمَعْنَاهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيْكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا: فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَمَعْنَاهُ وَصَلَتْ إِلَيْكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ حَيْسًا.
قَوْلُهُ: (فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَتْ: هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُقْرِي خَدِيجَةَ السَّلَامَ - يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا - فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَامُ، إِلَّا الشَّيْطَانَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُو السَّلَامُ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ لِصِحَّةِ فَهْمِهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ ﵇ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ أَيْضًا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ، وَكلاها لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ: ﵇ وَالسَّلَامُ اسْمُهُ، وَمِنْهُ يُطْلَبُ وَمِنْهُ يَحْصُلُ؟ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْنَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ: وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَامَ وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ جَوَابِهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالتَّخْصِيصِ وَمَرَّةً بِالتَّعْمِيمِ، ثُمَّ أَخْرَجَتِ الشَّيْطَانَ مِمَّنْ سَمِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ. قِيلَ: إِنَّمَا بَلَّغَهَا جِبْرِيلُ ﵇ مِنْ رَبِّهَا بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ احْتِرَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِالسَّلَامِ بَلْ رَاسَلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ وَاجَهَ مَرْيَمَ بِالْخِطَابِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهَا نَبِيَّةٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ يُحْتَرَمُ مَعَهُ مُخَاطَبَتُهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَخَدِيجَةُ أَبْلَغَهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا. وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ بِهَذَا وَبِمَا تَقَدَّمَ. قُلْتُ: وَمِنْ صَرِيحِ مَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ: لِعَائِشَةَ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ.
وَاسْتَدَلَّ لِفَضْلِ فَاطِمَةَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ أَوْلَى، وَأَنْ لَا نُفَضِّلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ أَحَدًا مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: قَالَ بِهِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ مِنْ فَضْلِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُنَّ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ. انْتَهَى. وَقَائِلُهُ هُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْفَضْلِ، وَهُنَّ أَفْضَلُ النِّسَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الْآيَةَ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ كَمَرْيَمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَقَعَ لَهَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِخَدِيجَةَ مِنَ السَّلَامِ وَالْجَوَابِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الحديث السابع:
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ
стр. 3968
خَلِيلٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي اتَّصَلَتْ إِلَيْنَا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ، لَكِنَّ صَنِيعَ الْمِزِّيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ) هِيَ أُخْتُ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ زَوْجَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرُوهَا فِي الصَّحَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا كَانَ بِهَا أَيْ بِالْمَدِينَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ حَيْثُ كَانَتْ عَائِشَةُ مَعَهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا السَّنَدِ قَدِمَ ابْنٌ لِخَدِيجَةَ يُقَالُ لَهُ هَالَةُ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَائِلَتِهِ كَلَامَ هَالَةَ، فَانْتَبَهَ وَقَالَ: هَالَةُ، هَالَةُ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ: الصَّوَابُ هَالَةُ أُخْتُ خَدِيجَةَ، انْتَهَى.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَالَةَ، عَنْ أَبِي هَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاقِدٌ فَاسْتَيْقَظَ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: هَالَةُ، هَالَةُ وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ هَالَةَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيَّ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لِخَدِيجَةَ أَيْضًا ابْنٌ اسْمُهُ هَالَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ) أَيْ صِفَتَهُ لِشَبَهِ صَوْتِهَا بِصَوْتِ أُخْتِهَا فَتَذَكَّرَ خَدِيجَةَ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ارْتَاعَ مِنَ الرَّوْعِ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ فَزِعَ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْفَزَعِ لَازِمُهُ وَهُوَ التَّغَيُّرُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ارْتَاحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اهْتَزَّ لِذَلِكَ سُرُورًا، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ هَالَةَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ اجْعَلْهَا هَالَةَ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ هَالَةُ وَعَلَى هَذَا هُوَ مَرْفُوعٌ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ مَحْبُوبَاتِهِ وَمَا يُشْبِهُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ) بِالْجَرِّ، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: يَجُوزُ فِي حَمْرَاءَ الرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ وَالنَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْحَالِ، ثُمَّ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِي مُسْلِمٍ حَمْرَاءُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قِيلَ: مَعْنَى حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ: بَيْضَاءُ الشَّدْقَيْنِ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى الْأَبْيَضِ الْأَحْمَرَ كَرَاهَةَ اسْمِ الْبَيَاضِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الْبَرَصَ، وَلِهَذَا كَانَ ﷺ يَقُولُ لِعَائِشَةَ: يَا حُمَيْرَاءُ. ثُمَّ اسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا لِكَوْنِ عَائِشَةَ أَوْرَدَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَوْرِدَ التَّنْقِيصِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ لَنَصَّتْ عَلَى الْبَيَاضِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي مُرَادِهَا. قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نِسْبَتُهَا إِلَى كِبَرِ السِّنِّ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ مَعَ قُوَّةٍ فِي بَدَنِهِ يَغْلِبُ عَلَى لَوْنِهِ غَالِبًا الْحُمْرَةُ الْمَائِلَةُ إِلَى السُّمْرَةِ، كَذَا قَالَ. وَالَّذِي يَتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّدْقَيْنِ مَا فِي بَاطِنِ الْفَمِ فَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ سُقُوطِ أَسْنَانِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى دَاخِلَ فَمِهَا إِلَّا اللَّحْمُ الْأَحْمَرُ مِنَ اللِّثَةِ وَغَيْرِهَا، وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ دَلِيلٍ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ هُنَا حُسْنَ الصُّورَةِ وَصِغَرَ السِّنِّ. انْتَهَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلَيْهَا عَدَمُ ذَلِكَ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ رَدٌّ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِكَبِيرَةِ السِّنِّ حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَغَضِبَ حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا بِخَيْرٍ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ التِّينِ فِي الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ ﷺ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ الْحَدِيثَ، قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْغَيْرَةُ مُسَامَحٌ لِلنِّسَاءِ مَا يَقَعُ فِيهَا وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِمَا جُبِلْنَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُرِ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 3969
عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَةَ صغر سِنِّهَا وَأَوَّل شَبِيبَتِهَا، فَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَظَرٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا تَدُلُّ قِصَّةُ عَائِشَةَ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْغَيْرَى لَا تُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْغَيْرَةَ هُنَا جُزْءُ سَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ اجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ الْغَيْرَةُ وَصِغَرُ السِّنِّ وَالْإِدْلَالُ، قَالَ فَإِحَالَةُ الصَّفْحِ عَنْهَا عَلَى الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا تَحَكُّمٌ، نَعَمُ الْحَامِلُ لَهَا عَلَى مَا قَالَتِ الْغَيْرَةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا: فَغِرْتُ وَأَمَّا الصَّفْحُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنَ الشَّبَابِ وَالْإِدْلَالِ. قُلْتُ: الْغَيْرَةُ مُحَقَّقَةٌ بِتَنْصِيصِهَا، وَالشَّبَابُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ الْبُلُوغِ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَقَعَ فِي أَوَائِلِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ. وَأَمَّا إِدْلَالُ الْمَحَبَّةِ فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلصَّفْحِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ الْغَيْرَةِ فَإِنَّمَا يَقَعُ الصَّفْحُ بِهَا لِأَنَّ مَنْ يَحْصُلُ لَهَا الْغَيْرَةُ لَا تَكُونُ فِي كَمَالِ عَقْلِهَا، فَلِهَذَا تَصْدُرُ مِنْهَا أُمُورٌ لَا تَصْدُرُ مِنْهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْغَيْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٣ - بَاب ذِكْرُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ ﵂
٣٨٢٥ - وَقَالَ عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: لَا أُرَاهُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهِيَ وَالِدَةُ مُعَاوِيَةَ، قُتِلَ أَبُوهَا بِبَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي، وَشَهِدَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ أُحُدًا، وَحَرَّضَتْ عَلَى قَتْلِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِ قَتَلَ عَمَّهَا شَيْبَةَ وَشَرَكَ فِي قَتْلِ أَبِيهَا عُتْبَةَ، فَقَتَلَهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَحْشِيٍّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِنْدُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَتْ مِنْ عُقَلَاءِ النِّسَاءِ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي قِصَّةٍ جَرَتْ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو سُفْيَانَ فَأَنْتَجَتْ عِنْدَهُ، وَهِيَ الْقَائِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا شَرَطَ عَلَى النِّسَاءِ الْمُبَايَعَةَ وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ وَمَاتَتْ هِنْدُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ، وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا عَنْ عَبْدَانَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُوَجِّهِ، عَنْ عَبْدَانَ.
قَوْلُهُ: (خِبَاءٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ الْمَدِّ هِيَ خَيْمَةٌ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْتِ كَيْفَ مَا كَانَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ تَصْدِيقٌ لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكِ مِثْلُ ذَلِكَ. وتُعُقِّبَ مِنْ جِهَةِ طَرَفَيِ الْبُغْضِ وَالْحُبِّ، فَقَدْ كَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ كَانَ أَشَدَّ أَذًى لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ هِنْدَ وَأَهْلِهَا، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْهَا وَمِنْ أَهْلِهَا، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَأَيْضًا سَتَزِيدِينَ فِي الْمَحَبَّةِ كُلَّمَا تَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِكِ وَتَرْجِعِينَ عَنِ الْبُغْضِ الْمَذْكُورِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، فَأَيْضًا خَاصٌّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا: إنِّي كُنْتُ فِي حَقِّكِ كَمَا
стр. 3970
ذَكَرْتِ فِي الْبُغْضِ ثُمَّ صِرْتُ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْحُبِّ بَلْ سَاكِتٌ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَأَنَا إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِنْدَ وَحُسْنِ تَأَتِّيهَا فِي الْمُخَاطَبَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ اعْتِذَارًا إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الَّذِي يُخَاطِبُهُ عَلَيْهِ مُوجِدَةٌ، وَأَنَّ الْمُعْتَذِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ صِدْقُهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ هِنْدًا قَدَّمَتِ الِاعْتِرَافَ بِذِكْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْبُغْضِ لِيُعْلَمَ صِدْقُهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَقَدْ كَانَتْ هِنْدُ فِي مَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ بِنْتُ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ.
٢٤ - بَاب حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ
٣٨٢٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ.
[الحديث ٣٨٢٦ - طرفه في: ٥٤٩٩]
٣٨٢٧ - قَالَ مُوسَى حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ تَحَدَّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي فَقَالَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ زَيْدٌ مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ زَيْدٌ وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّهَ فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ قَالَ مَا أَفِرُّ إِلاَّ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قَالَ مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا قَالَ وَمَا الْحَنِيفُ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلاَّ اللَّهَ فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَرَجَ فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ"
стр. 3971
٣٨٢٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ "رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا"
قوله: (بَابُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) هُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ. وَهُوَ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ ; وَكَانَ مِمَّنْ طَلَبَ التَّوْحِيدَ وَخَلَعَ الْأَوْثَانَ وَجَانَبَ الشِّرْكَ، لَكِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو: إِنِّي خَالَفْتُ قَوْمِي، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَمَا كَانَا يَعْبُدَانِ، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ إِلَى هَذِهِ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ يُبْعَثُ، وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَنَا أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ.
قَالَ عَامِرٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَعْلَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَبَرِهِ قَالَ: فَرَدَّ ﵇ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا.
وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَطْلُبَانِ الدِّينَ، حَتَّى أَتَيَا الشَّامَ، فَتَنَصَّرَ وَرَقَةُ وَامْتَنَعَ زَيْدٌ، فَأَتَى الْمُوصِلَ فَلَقِيَ رَاهِبًا فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَامْتَنَعَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي تَرْجَمَتِهِ وَفِيهِ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: فَسَأَلْتُ أَنَا وَعُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ زَيْدٍ فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، فَإِنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدًا كَانَ بِالشَّامِ، فَبَلَغَهُ مَخْرَجَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَلَ يُرِيدُهُ فَقُتِلَ بِمَضْيَعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا تَوَسَّطَ بِلَادَ لَخْمٍ قَتَلُوهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِخَمْسِ سِنِينَ عِنْدَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (بِأَسْفَلَ بَلْدَحَ) هُوَ مَكَانٌ فِي طَرِيقِ التَّنْعِيمِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَيُقَالُ هُوَ وَادٍ.
قَوْلُهُ: (فَقُدِّمَتْ) بِضَمِّ الْقَافِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سُفْرَةً قَالَ عِيَاضٌ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ، قُلْتُ: رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرْجَانِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَالْفَاكِهِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَتِ السُّفْرَةُ لِقُرَيْشٍ قَدَّمُوهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فَقَدَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَقَالَ مُخَاطِبًا لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قَدَّمُوهَا أَوَّلًا: إِنَّا لَا نَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ، فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ. وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْصَابِكُمْ) بِالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ نُصُبٍ بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ أَحْجَارٌ كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَأْكُلُ مِمَّا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ، وَيَأْكُلُ مَا عَدَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ، بَلْ لَمْ يَنْزِلِ الشَّرْعُ بِمَنْعِ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ أَوْلَى مِمَّا ارْتَكَبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ زيد بن حَارِثَةُ ذَبَحَ عَلَى الْحَجْرِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا ذَبَحَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْأَصْنَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ذُبِحَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ، ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقِيلَ: لَمْ يَنْزِلْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ شَيْءٌ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ فَهُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَكَانَ ابْنُ
стр. 3972
زَيْدٍ يَقُولُ: عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا لِلْكَعْبَةِ، قَالَ: فَمَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا فَدَعَيَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، قَالَ: فَمَا رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَالْبَزَّارِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُرْدِفِي، فَذَبَحْنَا شَاةً عَلَى بَعْضِ الْأَنْصَابِ فَأَنْضَجْنَاهَا، فَلَقِينَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: فَقَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا لِمَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ الْمَبْعَثِ يُجَانِبُ الْمُشْرِكِينَ فِي عَادَاتِهِمْ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الذَّبْحِ، وَكَانَ زَيْدٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَوْلَى مِنْ زَيْدٍ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَكَلَ فَزَيْدٌ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرَأْيٍ يَرَاهُ لَا بِشَرْعٍ بَلَغَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَقَايَا مِنْ دَيْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ فِي شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ لَا تَحْرِيمُ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ الشَّرْعِ لَا تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا بِحُرْمَةٍ، مَعَ أَنَّ الذَّبَائِحَ لَهَا أَصْلٌ فِي تَحْلِيلِ الشَّرْعِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا بَعْدَ الْمَبْعَثِ كَفَّ عَنِ الذَّبَائِحِ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ. قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: إِنَّ زَيْدًا فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ إِنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ بَيَّنَ فِيمَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَالَهُ زَيْدٌ بِاجْتِهَاده لَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَزَيْدٌ يُصَرِّحُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمِلَّةِ الْمَشْهُورَةِ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ: إِنَّهَا كَالْمُمْتَنِعِ لِأَنَّ النَّوَاهِيَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَعَلَى هَذَا فَالنَّوَاهِي إِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: ذَبَحْنَا شَاةً عَلَى بَعْضِ الْأَنْصَابِ يَعْنِي الْحِجَارَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ وَلَا مَعْبُودَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ آلَاتِ الْجَزَّارِ الَّتِي يَذْبَحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ النُّصُبَ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ كَبِيرٌ، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْنَامِ فَيَذْبَحُونَ لَهُ وَعَلَى اسْمِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُعْبَدُ بَلْ يَكُونُ مِنْ آلَاتِ الذَّبْحِ فَيَذْبَحُ الذَّابِحُ عَلَيْهِ لَا لِلصَّنَمِ، أَوْ كَانَ امْتِنَاعُ زَيْدٍ مِنْهَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُوسَى) هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَالْخَبَرُ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ شَكَّ فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: مَا أَدْرِي هَذِهِ الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْفُضَيْلِ بْنِ مُوسَى أَمْ لَا. ثُمَّ سَاقَهَا مُطَوَّلَةً مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَكَذَا أَوْرَدَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَالْفَاكِهِيُّ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا.
قَوْلُهُ: (لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) قَدْ سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بِغَيْرِ شَكٍّ، وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الثَّانِيَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورِ بِالشَّكِّ أَيْضًا فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ مِنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
قَوْلُهُ: (يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ) أَيْ دِينِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَّبِعُهُ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ يَطْلُبُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْمَذْكُورِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو: مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا عَلَيْكَ أَيْ أَبْغَضُوكَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ قَالَ: خَرَجْتُ أَبْتَغِي الدِّينَ فَقَدِمْتُ عَلَى الْأَحْبَارِ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ لِي شَيْخٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ دِينٍ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا
стр. 3973
يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخًا بِالْجَزِيرَةِ. قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ قَدْ ظَهَرَ بِبِلَادِكَ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتَهُمْ فِي ضَلَالٍ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ خَرَجَ فِي أَرْضِكَ نَبِيٌّ، أَوْ هُوَ خَارِجٌ، فَارْجِعْ وَصَدِّقْهُ وَآمِنْ بِهِ. قَالَ زَيْدٌ: فَلَمْ أَحُسَّ بِشَيْءٍ بَعْدُ. قُلْتُ: وَهَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا رَجَعَ إِلَى الشَّامِ فَبُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعَ بِهِ فَرَجَعَ وَمَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَسْتَطِيعُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ لِي قُدْرَةً عَلَى عَدَمِ حَمْلِ ذَلِكَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ضَمِيرِ الْقَائِلِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِمَعْنَى الِاسْتِبْعَادِ، وَالْمُرَادُ بِغَضَبِ اللَّهِ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْعِقَابِ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ الْإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَرَزَ) أَيْ خَارِجَ أَرْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَانْطَلَقَ زَيْدٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا. ثُمَّ يَخِرُّ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ) أَيِ ابْنُ عُرْوَةَ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي حَدِيثِ زُغْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِزُغْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي) زَادَ أَبُو أُسَامَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَكَانَ يَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَدِينِي دَيْنُ إِبْرَاهِيمَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ وَكَانَ قَدْ تَرَكَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَتَرَكَ أَكْلَ مَا يُذْبَحُ عَلَى النُّصُبِ وفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ لَعَبَدْتُكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ بِرَاحَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ) هُوَ مَجَازٌ، وَالْمُرَادُ بِإِحْيَائِهَا إِبْقَاؤُهَا. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ وَكَانَ يَفْتَدِي الْمَوْءُودَةَ أَنْ تَقْتُلَ وَالْمَوْءُودَةُ مَفْعُولَةٌ مِنْ وَأَدَ الشَّيْءَ إِذَا أَثْقَلَ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَ الْوَأْدِ اعْتِبَارًا بِمَا أُرِيدَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ وَهُنَّ بِالْحَيَاةِ، وَيُقَالُ: كَانَ أَصْلُهَا مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَيْهِنَّ لِمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْعَرَبِ حَيْثُ سَبَى بِنْتَ آخَرَ فَاسْتَفْرَشَهَا، فَأَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا مِنْهُ فَخَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ الَّذِي سَبَاهَا، فَحَلَفَ أَبُوهَا لَيَقْتُلَنَّ كُلَّ بِنْتٍ تُولَدُ لَهُ، فَتُبِعَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ شَرَحْتُ ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِي فِي الْأَوَائِلِ وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ مِنَ الْإِمْلَاقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وَقِصَّةُ زَيْدٍ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ سَبَبًا.
قَوْلُهُ: (أَكْفِيكَ مُؤْنَتَهَا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ أَكْفِيكَهَا مُؤْنَتَهَا زَادَ أَبُو أُسَامَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَيْدٍ فَقَالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَسَاقَ لَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَشْعَارًا قَالَهَا فِي مُجَانَبَةِ الْأَوْثَانِ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.
٢٥ - بَاب بُنْيَانُ الْكَعْبَةِ
٣٨٢٩ - حَدَّثَنا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِكَ مِنْ الْحِجَارَةِ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ
стр. 3974
أَفَاقَ فَقَالَ: إِزَارِي إِزَارِي فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ.
٣٨٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَا "لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ الْبَيْتِ حَائِطٌ كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ الْبَيْتِ حَتَّى كَانَ عُمَرُ فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ جَدْرُهُ قَصِيرٌ فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ) أَيْ عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ بَعْثَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْإِسْلَامِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادَتْ قُرَيْشٌ رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إنَّ امْرَأَةً جَمَّرَتِ الْكَعْبَةَ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَأَحْرَقَتْهَا فَذَكَرَ قِصَّةَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ لَهَا، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ تَتِمَّةُ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا بَنَتِ الْكَعْبَةَ كَانَ عُمْرُ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْتَ قَالَ: فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ فَانْهَدَمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ شَابٌّ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا الْحَجْرَ الْأَسْوَدَ اخْتَصَمُوا فِيهِ فَقَالُوا: نُحَكِّمُ بَيْنَنَا أَوَّلَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا، فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا: نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ، فَأَمَرَ بِثَوْبٍ فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ، وَأَمَرَ كُلَّ فَخِذٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِطَائِفَةٍ مِنَ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَكِّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ أَخُو الْوَلِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ قِصَّةُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ مُطَوَّلًا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: لَا تَجْعَلُوا فِيهَا مَالًا أُخِذَ غَصْبًا، وَلَا قُطِعَتْ فِيهِ رَحِمٌ، وَلَا انْتُهِكَتْ فِيهِ ذِمَّةٌ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ هُوَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: (لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ) هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّ جَابِرًا سَمِعَهُ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ: يَقِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلَ ذَلِكَ فَخَرَّ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ مَعَهُمْ إِذِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ غَطِّ عَوْرَتَكَ، فَذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا نُودِيَ، فَمَا رُئِيَتْ لَهُ عَوْرَةٌ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَقَوْلُهُ: طُمِحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ أَيِ ارْتَفَعَتْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَبْعَثِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذُكِرَ لِي يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ فِي صِغَرِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي غِلْمَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضٍ مِمَّا تَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَارَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، إِذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ مَا أَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إِزَارَكَ. قَالَ: فَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أَحْمِلُ وَإِزَارِي عَلَيَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنَّمَا وَرَدَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صِغَرِهِ فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى: مَرَّةً فِي الصِّغَرِ وَمَرَّةً فِي حَالِ الِاكْتِهَالِ. قُلْتُ: وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْكَبِيرِ
стр. 3975
غُلَامٌ إِذَا فَعَلَ فِعْلَ الْغِلْمَانِ فَلَا يَسْتَحِيلُ اتِّحَادُ الْقِصَّةِ اعْتِمَادًا عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ.
قَوْلُهُ: (قَالَا: لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ الْبَيْتِ حَائِطٌ) هَذَا مُرْسَلٌ، وَقِيلَ: مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ مِنْ أَصَاغِرِ التَّابِعِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: حَتَّى كَانَ عُمَرُ فَمُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عُمَرَ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: جَدْرُهُ قَصِيرٌ هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَالْجُدُرُ وَالْجِدَارُ بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ: فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَوْصُولُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِتَمَامِهِ وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْحَائِطَ عَلَى الْبَيْتِ عُمَرَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَكَانَ جَدْرُهُ قَصِيرًا حَتَّى كَانَ زَمَنُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَزَادَ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ مُحَاطًا بِالدُّورِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، فَوَسَّعَهُ عُمَرُ وَاشْتَرَى دُورًا فَهَدَمَهَا، وَأَعْطَى مَنْ أَبَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَنَ دَارِهِ، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ قَصِيرٍ دُونَ الْقَامَةِ، وَرَفَعَ الْمَصَابِيحَ عَلَى الْجُدُرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ فَزَادَ فِي سَعَتِهِ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ وَلَدُهُ الْمَهْدِيُّ قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ سَقَّفَهُ أَوْ سَقَّفَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَفَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ جُدْرَانَهُ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ، وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ وَلَدُهُ الْوَلِيدُ وَهُوَ أَثْبَتُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. ٥٧٥٠
٢٦ - بَاب أَيَّامُ الْجَاهِلِيَّةِ
٣٨٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قال هِشَامٌ: حَدَّثَنا أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ.
٣٨٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ"
٣٨٣٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ إِذَا بَرَا الدَّبَرْ وَعَفَا الأَثَرْ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ قَالَ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ رَابِعَةً مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ قَالَ الْحِلُّ كُلُّهُ"
٣٨٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ "جَاءَ سَيْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ قَالَ سُفْيَانُ وَيَقُولُ إِنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شَأْنٌ"
٣٨٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ فَقَالَ مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ قَالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ مَنْ أَنْتَ قَالَ امْرُؤٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَالَتْ أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَتْ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ قَالَ إِنَّكِ لَسَئُولٌ أَنَا
стр. 3976
أَبُو بَكْرٍ قَالَتْ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ قَالَتْ وَمَا الأَئِمَّةُ قَالَ أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُءُوسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ قَالَتْ بَلَى قَالَ فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ"
٣٨٣٥ - حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ الْعَرَبِ وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ:
وَيَوْمُ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي
فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَمَا يَوْمُ الْوِشَاحِ قَالَتْ خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِي وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِنْ أَدَمٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ الْحُدَيَّا وَهِيَ تَحْسِبُهُ لَحْمًا فَأَخَذَتْهُ فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَعَذَّبُونِي حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي فَبَيْنَاهُمْ حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي إِذْ أَقْبَلَتْ الْحُدَيَّا حَتَّى وَازَتْ بِرُءُوسِنَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فَأَخَذُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ"
٣٨٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلَا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"
٣٨٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ الْجَنَازَةِ وَلَا يَقُومُ لَهَا وَيُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا يَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهَا كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ"
٣٨٣٨ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ "إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ فَخَالَفَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ"
٣٨٣٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قَالَ: مَلْأَى مُتَتَابِعَةً"
стр. 3977
٣٨٤٠ - قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ "اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا"
٣٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ"
[الحديث ٣٨٤١ - طرفاه في: ٦٤٨٩، ٦١٤٧]
٣٨٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ أَتَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ".
٣٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ "كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ قَالَ وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ"
٣٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ قَالَ غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ "كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَيُحَدِّثُنَا عَنْ الأَنْصَارِ وَكَانَ يَقُولُ لِي فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَفَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا"
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مِمَّا كَانَ بَيْنَ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ وَالْمَبْعَثِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا، وَيُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَمِنْهُ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ وَمِنْهُ أَكْثَرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَمَّا جَزْمُ النَّوَوِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ حَيْثُ أَتَى فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ الْجَاهِلِيَّةُ يُطْلَقُ عَلَى مَا مَضَى وَالْمُرَادُ مَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَضَابِطُ آخِرِهِ غَالِبًا فَتْحُ مَكَّةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُسْلِمٍ فِي مُقَدَّمَةِ صَحِيحِهِ: أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ، وَأَبَا رَافِعٍ أَدْرَكَا الْجَاهِلِيَّةَ وَقَوْلُ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ: رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرَدَةً زَنَتْ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا وُلِدَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمُحْتَمَلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعِرَاقِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُخَضْرَمِينَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ، قَوْلُهُ: (كَانَ عَاشُورَاءُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ احْتِمَالًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُمْ
стр. 3978
فَصَامُوهُ شُكْرًا.
الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: (كَانُوا يَرَوْنَ) أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ لَا يُنْسَكُ فِيهَا إِلَّا بِالْحَجِّ وَأَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَشْهُرِ لِلْعُمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (كَانَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ) هُوَ حَزْنٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَهْبٍ الَّذِي قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَشَارَ عَلَى قُرَيْشٍ بِأَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ سَيْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَطَبَّقَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ) أَيْ مَلَأَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جَانِبَيِ الْكَعْبَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ شَأْنٌ) أَيْ قِصَّةٌ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ السَّيْلَ كَانَ يَأْتِي مِنْ فَوْقِ الرَّدْمِ الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّةَ فَيُجْرِيهِ، فَتَخَوَّفُوا أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءُ الْكَعْبَةَ فَأَرَادُوا تَشْيِيدَ بُنْيَانَهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَهَا وَهَدَمَ مِنْهَا شَيْئًا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ وَهُوَ يَعْمَلُ بِنَاءَ مَكَّةَ: اشْدُدْهُ وَأَوْثِقْهُ، فَإِنَّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ السُّيُولَ سَتَعْظُمُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ اهـ. فَكَانَ الشَّأْنُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِنْ ذَلِكَ السَّيْلِ الَّذِي لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ أَنَّهُ مَبْدَأُ السُّيُولِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (دَخَلَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَزْنَ أَحْمَدَ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ بَجِيلَةَ. وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: الْمُرَادُ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَمَسِ وَهِيَ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ بِنْتُ الْمُهَاجِرِ) رَوَى حَدِيثَهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ الْمُهَاجِرِ قَالَتْ: خَرَجْتُ حَاجَّةً فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِ الصَّحَابَةِ أَنَّ ابْنَ مَنْدَهْ ذَكَرَ فِي تَارِيخِ النِّسَاءِ لَهُ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَابِرٍ أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَتْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ وَهِيَ عَمَّتُهُ قَالَ: وَقِيلَ: هِيَ بِنْتُ الْمُهَاجِرِ بْنِ جَابِرٍ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ عَوْفٍ، قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهَا جَدَّةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُمْكِنٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: بِنْتُ الْمُهَاجِرِ نَسَبَهَا إِلَى أَبِيهَا أَوْ بِنْتُ جَابِرٍ نَسَبَهَا إِلَى جَدِّهَا الْأَدْنَى أَوْ بِنْتُ عَوْفٍ نَسَبَهَا إِلَى جَدٍّ لَهَا أَعْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مُصْمَتَةٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ سَاكِتَةٌ يُقَالُ: أَصَمْتَ وَصَمَتَ بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ) يَعْنِي تَرْكَ الْكَلَامِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ لَهُ: كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَرٌّ، فَحَلَفْتُ إِنِ اللَّهُ عَافَانَا مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا أُكَلِّمَ أَحَدًا حَتَّى أَحُجَّ. فَقَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ ذَلِكَ، فَتَكَلَّمِي وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ نَحْوَهُ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا مَنْ قَالَ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْكَفَّارَةِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَطْلَقَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هَدَمَ ذَلِكَ، وَلَا يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ مِثْلَ هَذَا إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْكَبَ وَيَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمَ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ: كَانَ مِنْ نُسُكِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الصَّمْتُ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْتَكِفُ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ وَيَصْمُتُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِالنُّطْقِ بِالْخَيْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: لَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ الصَّمْتُ عَنِ الْكَلَامِ، وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ، وَاحْتَجَّ
стр. 3979
بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَبِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا اهـ.
وَكَلَامُ الشَّافِعِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ مَسْأَلَةَ النَّذْرِ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً، فَإِنَّ الرَّافِعِيَّ ذَكَرَ فِي كِتَابِ النَّذْرِ أَنَّ فِي تَفْسِيرِ أَبِي نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ الْقَفَّالِ قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ الْآدَمِيِّينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْعِنَا، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْوُقُوفَ فِي الشَّمْسِ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَذْرُ الصَّمْتِ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لَا فِي شَرِيعَتِنَا، ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهَا: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وَفِي التَّتِمَّةِ لِأَبِي سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: مَنْ قَالَ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا؛ جَعَلَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي التَّنْبِيهِ: وَيُكْرَهُ لَهُ صَمْتُ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: إِذْ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ بَلْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ النَّهْيُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ وَرَدَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلنَا، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ شَرْعٌ لَنَا؛ لَمْ يُكْرَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا صَمْتُ الصَّائِمِ تَسْبِيحٌ، قَالَ: فَإِنْ صَرح دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّمْتِ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الْكَرَاهَةُ. قَالَ: وَحَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، فَذَاكَ إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ انْتَهَى. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي إِسْنَادِهِ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ وَهُوَ سَاقِطٌ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمَا أَفَادَ الْمَقْصُودَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: صَمْتُ الصَّائِمِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُهُ عِبَادَةٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ فَالْحَدِيثُ مُسَاقٌ فِي أَنَّ أَفْعَالَ الصَّائِمِ كُلَّهَا مَحْبُوبَةٌ، لَا أَنَّ الصَّمْتَ بِخُصُوصِهِ مَطْلُوبٌ.
وَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي آخِرِ الصِّيَامِ: فَرْعٌ: جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِتَرْكِ الْكَلَامِ فِي رَمَضَانَ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي شَرْعِنَا بَلْ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، فَيَخْرُجُ جَوَازُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى. وَلْيُتَعَجَّبْ مِمَّنْ نَسَبَ تَخْرِيجَ مَسْأَلَةِ النَّذْرِ إِلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الصَّمْتِ وَفَضْلِهِ كَحَدِيثِ: مَنْ صَمَتَ نَجَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَدِيثِ: أَيْسَرُ الْعِبَادَةِ الصَّمْتُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يُعَارِضُ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ فِي ذَلِكَ، فَالصَّمْتُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ تَرْكُ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَكَذَا الْمُبَاحُ إِنْ جَرَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّمْتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي الْحَقِّ لِمَنْ يَسْتَطِيعُهُ، وَكَذَا الْمُبَاحُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ.
قَوْلُهُ: (لَسَئُولٌ) أَيْ كَثِيرَةُ السُّؤَالِ، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ) أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَوَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (أَئِمَّتُكُمْ) أَيْ لِأَنَّ النَّاسَ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ، فَمَنْ حَادَ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنِ الْحَالِ مَالَ وَأَمَالَ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي طَرِيقٍ لَهُ أَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ وَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ لَهَا ذَلِكَ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْبَيْتُ الضَّيِّقُ الصَّغِيرُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحِفْشُ هُوَ الدَّرَجُ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الضِّيقِ.
قَوْلُهُ: (وَازَتْ) أَيْ قَابَلَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَوَجْهُ دُخُولِهَا هُنَا مِنْ جِهَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْجَفَاءِ فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ.
السَّادِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
السَّابِعُ: قَوْلُهُ: (إَنَّ الْقَاسِمَ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقُومُ لَهَا) أَيِ الْجِنَازَةُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ
стр. 3980
لَمْ يَبْلُغْهَا أَمْرُ الشَّارِعِ بِالْقِيَامِ لَهَا، فَرَأَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْجَنَائِزِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهَلْ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نُسِخَ هَلْ نُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ أَمْ لَا؟ أَوْ مُطْلَقُ الْجَوَازِ؟ وَاخْتَارَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْأَخِيرَ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ على الْكَرَاهَةَ، وَادَّعَى فيه الْمَحَامِلِيُّ الِاتِّفَاقَ، وَخَالَفَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَدْرَكَتْهَا عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ لَكِنْ كَانَ جَانِبُهُمْ فِيهَا أَرْجَحَ.
قَوْلُهُ: (كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ) أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَبَعْضُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: كُنْتِ فِي أَهْلِكِ الَّذِي كُنْتِ فِيهِ أَيِ الَّذِي أَنْتِ فِيهِ الْآنَ كُنْتِ فِي الْحَيَاةِ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَلْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ تَطِيرُ طَيْرًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ كَانَ رُوحُهُ مِنْ صَالِحِي الطَّيْرِ وَإِلَّا فَبِالْعَكْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ هَذَا دُعَاءً لِلْمَيِّتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً وَلَفْظُ مَرَّتَيْنِ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ أَيْ لَا تَكُونِي فِي أَهْلِكِ مَرَّتَيْنِ: الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي كُنْتِ فِيهِمُ انْقَضَتْ وَلَسَتْ بِعَائِدَةٍ إِلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً أَيْ كُنْتِ فِي أَهْلِكِ شَرِيفَةً فَأَيُّ شَيْءٍ أَنْتِ الْآنَ؟ يَقُولُونَ ذَلِكَ حُزْنًا وَتَأَسُّفًا عَلَيْهِ.
الثَّامِنُ: حَدِيثُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِمْ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ: حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَالْمَعْرُوفُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهَا.
التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَكُمْ يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ) هُوَ الْبَجَلِيُّ يُكَنَّى أَبَا كُدَيْنَةَ بِالتَّصْغِيرِ وَالنُّونِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مُوَثَّقٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: (مَلْأَى مُتَتَابِعَةً) كَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ تَقُولُ: أَدْهَقْتَ الْكَأْسَ إِذَا مَلَأْتَهَا، وَأَدْهَقْتَ لَهُ إِذَا تَابَعْتَ لَهُ السَّقْيَ، وَقِيلَ: أَصْلُ الدَّهَقِ الضَّغْطُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَأَ الْيَدَ بِالْكَأْسِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مُتَّسَعٌ لِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) الْقَائِلُ هُوَ عِكْرِمَةُ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ وَقَعَ سَمَاعِي لِذَلِكَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا جَاهِلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ لَا الْمُطْلَقَةُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكْ مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، بَلْ لَمْ يُولَدْ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْثِ بِنَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسَ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.
قَوْلُهُ: (اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ لِغُلَامِهِ: ادْهَقْ لَنَا، أَيِ امْلَأْ لَنَا، أَوْ تَابِعْ لَنَا انْتَهَى. وَهُوَ بِمَعْنَى مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَلِمَةِ الْبَيْتَ الَّذِي ذَكَرَ شَطْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَزَائِدَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَفْظِ: إِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِنَّ وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ فَلَوْلَا أَنَّ فِي حِفْظِ شَرِيكٍ مَقَالًا لَرَفَعَ هَذَا اللَّفْظُ الْإِشْكَالَ الَّذِي أَبَدَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ أَشْعَرُ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ، نَعَمْ، السُّؤَالُ بَاقٍ فِي التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ كُلِّ شَيْءٍ بِالْبُطْلَانِ مَعَ انْدِرَاجِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ فِي دُعَائِهِ بِاللَّيْلِ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكُ الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ إِلَخْ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَا عَدَا اللَّهَ؛ أَيْ: مَا عَدَاهُ وَعَدَا صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ
стр. 3981
وَالْفِعْلِيَّةَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَعَذَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، أَوِ الْمُرَادُ فِي الْبَيْتِ بِالْبُطْلَانِ الْفِنَاءُ لَا الْفَسَادُ، فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ لِذَاتِهِ حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَإِنَّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا وَخَلْقِ الدَّوَامِ لِأَهْلِهِمَا، وَالْحَقُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوَالُ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَحَذْفِهِمَا عِنْدَ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ تَلْمِيحٌ بِمَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْتِ مَعَ نَاظِمِهِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ وَقُرَيْشٌ فِي غَايَةِ الْأَذِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ دَخَلَ مَكَّةَ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ آمِنٌ رَدَّ عَلَى الْوَلِيدِ جِوَارَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ لِقُرَيْشٍ وَقَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَعَدَ يُنْشِدُهُمْ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ لَبِيدٌ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: صَدَقْتَ، فَقَالَ لَبِيدٌ:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. فَقَالَ لَبِيدٌ: مَتَى كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَلَطَمَ عُثْمَانَ فَاخْضَرَّتْ عَيْنُهُ، فَلَامَهُ الْوَلِيدُ عَلَى رَدِّ جِوَارِهِ فَقَالَ: قَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ عَيْنِيَ الْأُخْرَى لِمَا أَصَابَ أُخْتَهَا لَفَقِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: فَعُدْ إِلَى جِوَارِكَ، فَقَالَ: بَلْ أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ لَبِيدٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ الْكِلَابِيُّ ثُمَّ الْجَعْفَرِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عَقِيلٍ. وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ لِعُمَرَ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا قَالَهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي الْإِسْلَامِ: قَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِالشِّعْرِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَعَاشَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ أَكْثَرُ. وَهُوَ الْقَائِلُ:
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا … وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ
وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا مُنْذُ أَسْلَمَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقِطَعَ الْمُطَوَّلَةَ لَا الْبَيْتَ وَالْبَيْتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ) اسْمُ أَبِي الصَّلْتِ رَبِيعَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَقِدَةَ بْنِ غِيَرَةَ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ - ابْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ الثَّقَفِيُّ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، أَبُو عُثْمَانَ. كَانَ مِمَّنْ طَلَبَ الدِّينَ وَنَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَأَكْثَرَ فِي شِعْرِهِ مِنْ ذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَزَعَمَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ فإنَّهُ سَافَرَ مَعَ أُمَيَّةَ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَنْ سِنِّهِ وَرِيَاسَتِهِ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَزَرَى بِهِ ذَلِكَ، فَغَضِبَ أَبُو سُفْيَانَ، فَأَخْبَرَهُ أُمَيَّةُ أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ أَظَلَّ زَمَانُهُ، قَالَ: فَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَهُ قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَنَظَرْتُ فِيهِمْ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ عُتْبَةَ، فَلَمَّا قُلْتَ لِي: إِنَّهُ رَئِيسٌ وَإِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا مَضَتِ الْأَيَّامُ حَتَّى ظَهَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَقُلْتُ لِأُمَيَّةَ، قَالَ: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ. قُلْتُ: أَفَلَا نَتَّبِعُهُ؟ قَالَ: أَسْتَحْيِي مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ، إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ لَهُنَّ: إِنَّنِي أَنَا هُوَ. ثُمَّ أَصِيرُ تَابِعًا لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الشَّكَّ يُدَاخِلُنِي فِي مُحَمَّدٍ.
وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَارِعَةَ بِنْتَ أَبِي الصَّلْتِ أُخْتَ أُمَيَّةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْشَدَتْهُ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ:
стр. 3982
آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ كَادَ أَنْ يُسْلِمَ فِي شِعْرِهِ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ. وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَلْعَامَ الْإِسْرَائِيلِيِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَعَاشَ أُمَيَّةُ حَتَّى أَدْرَكَ وَقْعَةَ بَدْرٍ وَرَثَى مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنَ الْكُفَّارِ كَمَا سَيَأْتِي شيء مِنْ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَ أُمَيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ذَكَرَهُ سَبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنَ الطَّائِفِ وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ فِي طَرِيقِهِ بِبَدْرٍ، قِيلَ لَهُ: أَتَدْرِي مَنْ فِي الْقَلِيبِ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فِيهِ عُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ وَهُمَا ابْنَا خَالِكَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَشَقَّ ثِيَابَهُ وَجَدَعَ نَاقَتَهُ وَبَكَى وَرَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ فَمَاتَ بِهَا. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَاتَ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَاتَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. وَأَغْرَبَ الْكَلَابَاذِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَلِمَوْتِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْقَرِينِ عَنِ الْقَرِينِ وَرِوَايَةُ الْأَكْبَرِ سِنًّا عَنِ الْأَصْغَرِ مِنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ بِهَذَا السَّنَدِ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ بَدَلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، فَلَعَلَّ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ مَعَ النُّعَيْمَانِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدِ الْأَحْرَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ قِصَّةٌ ذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِمَاءٍ، فَجَعَلَ النُّعَيْمَانُ يَقُولُ لَهُمْ: يَكُونُ كَذَا، فَيَأْتُونَهُ بِالطَّعَامِ فَيُرْسِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَبَلَغَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: أَرَانِي آكُلَ كِهَانَةَ النُّعَيْمَانِ مُنْذُ الْيَوْمِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ فَاْسَتَقَاءَهُ وَفِي الْوَرَعِ لِأَحْمَدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا اسْتَقَاءَ مِنْ طَعَامٍ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: جَاءَ بِهِ ابْنُ النُّعَيْمَانِ، قَالَ: فَأَطْعَمْتُمُونِي كِهَانَةَ ابْنِ النُّعَيْمَانِ. ثُمَّ اسْتَقَاءَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلِأَبِي بَكْرٍ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي نَحْوِ هَذَا أَخْرَجَهَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ نُبَيْحٍ الْعَنْزِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نَنْزِلُ رِفَاقًا، فَنَزَلْتُ فِي رُفْقَةٍ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ حُبْلَى وَمَعَنَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: أُبَشِّرُكِ أَنْ تَلِدِي ذَكَرًا. قَالَتْ: نَعَمْ. فَسَجَعَ لَهَا أَسْجَاعًا. فَأَعْطَتْهُ شَاةً فَذَبَحَهَا وَجَلَسْنَا نَأْكُلُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ بِالْقِصَّةِ قَامَ فَتَقَايَأَ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ.
قَوْلُهُ: (يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ) أَيْ يَأْتِيهِ بِمَا يَكْسِبُهُ، وَالْخَرَاجُ مَا يُقَرِّرُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ يُحْضِرُهُ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ.
قَوْلُهُ: (يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ، فَكَانَ يَجِيءُ بِكَسْبِهِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ لَيْلَةً بِكَسْبِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ) أَيْ عِوَضَ تَكَهُّنِي لَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْرٍ تَنَزُّهًا ; لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وُضِعَ وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ لَغَرِمَ مِثْلَ مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَتَهُ وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْءُ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كِهَانَتِهِ، وَالْكَاهِنُ مَنْ يُخْبِرُ بِمَا سَيَكُونُ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خُصُوصًا قَبْلَ ظُهُورِ
стр. 3983
النَّبِيِّ ﷺ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبُيُوعِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَأَدْخَلَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ: فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا يَوْمَ كَذَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى وَقَائِعِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى وَقَائِعِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَخَاطَبَ أَنَسٌ غَيْلَانَ بِأَنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ النِّسْبِيَّةِ الْأَعَمِّيَّةِ إِلَى الْأَزْدِ فَإِنَّهَا تَجْمَعُهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥٧٦٤
٢٧ - بَاب الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
٣٨٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَطَنٌ أَبُو الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِي إِبِلِهِ، فَمَرَّ به رَجُلٌ بِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَقَالَ: أَغِثْنِي بِعِقَالٍ أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ، فَأَعْطَاهُ عِقَالًا فَشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتْ الْإِبِلُ إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ، قَالَ: فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ: فَحَذَفَهُ بِعَصًا كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ. فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟ قَالَ: مَا أَشْهَدُ وَرُبَّمَا شَهِدْتُهُ. قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنْ الدَّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَتَبَ، إِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ فَنَادِ يَا آلَ قُرَيْشٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ فَنَادِ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاسَألْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ. وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: مَرِضَ فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فَوَلِيتُ دَفْنَهُ. قَالَ: قَدْ كَانَ أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ. فَمَكُثَ حِينًا ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبْلِغَ عَنْهُ وَافَى الْمَوْسِمَ، فَقَالَ: يَا آلَ قُرَيْشٍ، قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ.
قَالَ: يَا بَنِي هَاشِمٍ، قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ، قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو طَالِبٍ. قَالَ: أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبْلِغَكَ رِسَالَةً أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ. فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، وَإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ إِنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ، وإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ. فَأَتَى قَوْمَهُ، فَقَالُوا: نَحْلِفُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا بِرَجُلٍ مِنْ الْخَمْسِينَ وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلًا أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ، هَذَانِ بَعِيرَانِ فَاقْبَلْهُمَا منِّي
стр. 3984
وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا. وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ"
٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلاَّ شَدًّا"
٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ"
٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ "رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ"
٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ قَالَ سُفْيَانُ وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ"
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِطُولِهِ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَيرِيِّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْجَهُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ تَرْجَمَةِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قَطَنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ هُوَ ابْنُ كَعْبٍ الْقُطَعِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَشَيْخُهُ أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ بَصْرِيٌّ أَيْضًا وَيُقَالُ لَهُ: الْمَدِينِيُّ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَلَا لَهُ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْيَمِينُ، وَهِيَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ حَلِفٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ التُّهْمَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِسْمَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَالِفِينَ.
стр. 3985
وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: (لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَبَنِي هَاشِمٍ مَجْرُورٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى التَّمْيِيزِ، أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَأَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازًا لِمَا كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، وَسَمَّاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، عَامِرًا.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَالْفَخِذُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ. وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ الْمَذْكُورَ هُوَ خِدَاشٌ - بِمُعْجَمَتَيْنِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَمَرَّ بِهِ) أَيْ بِالْأَجِيرِ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. وَقَوْلُهُ: (عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْوِعَاءُ مِنْ جُلُودٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَأَصْلُهُ كَوَالِهِ: وَجَمْعُهُ جَوَالِيقُ وَحُكِيَ جُوَالِقُ بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالْعِقَالُ الْحَبْلُ.
قَوْلُهُ: (فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ فَحَذَفَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَفِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْفَاكِهِيِّ فَقَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَ عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ، وَاسْتَغَاثَ بِي فَأَعْطَيْتُهُ، فَحَذَفَهُ أَيْ رَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ) أَيْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ. وَقَوْلُهُ: فَمَاتَ أَيْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ (١)، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمَارِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ) أَيْ مَوْسِمَ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (فَكَتَبَ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ: فَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَمَاتَ مِنْهَا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ:
أَفِي فَضْلِ حَبْلٍ لَا أَبَا لَكَ ضَرَبَهُ … بِمِنْسَأَةٍ، قَدْ جَاءَ حَبْلٌ وَأَحْبُلُ
قَوْلُهُ: (يَا آلَ قُرَيْشٍ) بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ) أَيْ بِسَبَبِ عِقَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَوْصَى الْيَمَانِيَّ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوَلِيتُ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: أَصَابَهُ قَدَرُهُ، فَصَدَّقُوهُ وَلَمْ يَظُنُّوا بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَافَى الْمَوْسِمَ أَيْ أَتَاهُ.
قَوْلُهُ: (يَا بَنِي هَاشِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَبُو طَالِبٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ، زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ، وَخِدَاشٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَا يَعْلَمُ بِمَا كَانَ، فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى خِدَاشٍ فَضَرَبُوهُ وَقَالُوا: قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، فَجَحَدَ.
قَوْلُهُ: (اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الثَّلَاثُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا اخْتَرَعَهُ أَبُو طَالِبٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَافَعُوا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقَسَامَةَ قَبْلَ ذَلِكَ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَوَّلُ قَسَامَةٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوُقُوعُ وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَضَى أَنْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ عِنْدَ الْبَيْتِ مَا قَتَلَهُ خِدَاشٌ، وَهَذَا стр. 3986
يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِيَّةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ أُخْتُ الْمَقْتُولِ (كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ) هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ، وَاسْمُ وَلَدِهَا مِنْهُ حُوَيْطِبٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ. وَقَدْ عَاشَ حُوَيْطِبٌ بَعْدَ هَذَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَنِسْبَتُهَا إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَتْ زَوْجًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا أَيْ غَيْرَ حُوَيْطِبٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُجِيزَ ابْنِي) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، أَيْ تَهَبُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْيَمِينِ. وَقَوْلُهَا: (وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، أَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ، وَمَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ الْإِلْزَامُ، تَقُولُ: صَبَّرْتُهُ أَيْ أَلْزَمْتُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِأَعْظَمِ الْأَيْمَانِ حَتَّى لَا يَسْعَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ)؛ أَيْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَمِنْ هُنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصَابِ الزَّكَاةِ، كَذَا قَالَ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ). لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ الْخَمْسِينَ إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: ثُمَّ حَلَفُوا عِنْدَ الرُّكْنِ أَنَّ خِدَاشًا بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ.
قَوْلُهُ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى صِدْقِهِمْ حَتَّى وَسِعَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْقَسَامَةِ لَمْ يُولَدْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ أَمْكَنُ فِي دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا حَالَ الْحَوْلُ) أَيْ: مِنْ يَوْمِ حَلَفُوا.
قَوْلُهُ: (وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَفِي الثَّمَانِيَةِ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ: وَالْأَرْبَعِينَ وَقَوْلُهُ: عَيْنٌ تَطْرِفُ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَتَحَرَّكُ. زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ رِبَاعُ الْجَمِيعِ لِحُوَيْطِبٍ، فَبِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ بِمَكَّةَ رِبَاعًا. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَ نَاسٌ عِنْدَ الْبَيْتِ قَسَامَةً عَلَى بَاطِلٍ، ثُمَّ خَرَجُوا فَنَزَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ فَانْهَدَمَتْ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُصِيبُونَ فِي الْحَرَم شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُمْ عُقُوبَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ أَمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَاذَتْ بِالْبَيْتِ، فَجَاءَتْهَا سَيِّدَتُهَا فَجَبَذَتْهَا فَشَلَّتْ يَدُهَا وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ مُجَابِي الدَّعْوَةِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي مَعْنَى سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِالْحَرَمِ لِلْمَظْلُومِ فِيمَنْ ظَلَمَهُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: كَانَ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَتَنَاهَوْا عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْبَعْثَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَخَّرَ الْقِصَاصَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ لَا يُصِيبَ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قَبْضِ الْعِلْمِ، وَتَنَاسِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ بُعَاثٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَجُرِحُوا بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ ثُمَّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ: وَخَرَجُوا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ وَالِدُ أُسَيْدٍ فَمَاتَ مِنْهَا.
الحديث السادس عشر.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ … إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ السَّعْيُ) أَيْ شِدَّةُ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُنَّةٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ: خُولِفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ فَرِيضَةٌ. قُلْتُ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْلَ السَّعْيِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شِدَّةَ الْعَدْوِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرِيضَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ أَنَّ مَبْدَأَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَانَ مِنْ
стр. 3987
هَاجَرَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ هِيَ شِدَّةُ الْعَدْوِ. نَعَمْ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فَهُوَ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ نَظِيرُ إِنْكَارِهِ اسْتِحْبَابَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْمَفْرُوضِ، وَلَمْ يُرِدِ السُّنَّةَ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ دَلِيلُ مَطْلُوبِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيمِ تَارِكِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا نُجِيزُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا نَقْطَعُ. وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلُ الْوَادِي، تَقُولُ: جُزْتُ الْمَوْضِعَ: إِذَا سِرْتَ فِيهِ، وَأَجَزْتُهُ إِذَا خَلَّفْتَهُ وَرَاءَكَ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ: إِلَّا شَدًّا أَيْ لَا نَقْطَعُهَا إِلَّا بِالْعَدْوِ الشَّدِيدِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْكُوفِيُّ، وَأَبُو السَّفَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يُحْمَدَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ كُوفِيٌّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، أَيْ: أَعِيدُوا عَلَيَّ قَوْلِي لِأَعْرِفَ أَنَّكُمْ حَفِظْتُمُوهُ، كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا مَا أَرَادَ فَيُخْبِرُوا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي سَمَاعَ ضَبْطٍ وَإِتْقَانٍ، وَلَا تَقُولُوا: قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَضْبِطُوا.
قَوْلُهُ: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ وَرَاءِ الْجَدْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحِجْرُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَلِي الْبَيْتَ إِلَى جِهَةِ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَمَا قِيلَ فِي مِقْدَارِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا الْحَطِيمُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَا حَطِيمَ، كَانَ الرَّجُلُ إِلَخْ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ عَنْ مُطَرِّفٍ: فَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَمُّونَهُ - أَيْ الْحِجْرَ - الْحَطِيمُ، كَانَتْ فِيهِ أَصْنَامُ قُرَيْشٍ وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ نَحْوَهُ وَقَالَ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ وَضَعَ مِحْجَنَهُ ثُمَّ حَلَفَ، فَمَنْ طَافَ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَحْلِفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ إِذَا حُلِّفَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَالَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَلْقَى الْحَلِيفُ فِي الْحِجْرِ نَعْلًا أَوْ سَوْطًا أَوْ قَوْسًا أَوْ عَصًا عَلَامَةً لِقَصْدِ حَلِفِهِمْ فَسَمَّوْهُ الْحَطِيمَ لِذَلِكَ، لِكَوْنِهِ يُحَطِّمُ أَمْتِعَتَهُمْ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ شَأْنَهُمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَطِيمُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ هَلَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: سُمِّيَ الْحِجْرُ حَطِيمًا لِمَا تَحَجَّرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ قُصِرَ بِهِ عَنِ ارْتِفَاعِ الْبَيْتِ وَأُخْرِجَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْطِمُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الزِّحَامِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَطِيمُ هُوَ بِئْرُ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا. وَقِيلَ: الْحَطِيمُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ. وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَوَّلِ الْحِجْرِ يُسَمَّى الْحَطِيمَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ فِي رَدِّ أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ: وَلَكِنَّهُ الْجَدْرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْتِ.
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْبَرْقَانِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَيُّمَا صَبِيٌّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَحَذَفَهَا مِنْهُ عَمْدًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ، وَلِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً، وَأَمَّا أَوَّلُ الْحَدِيثِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ حَاصِلٌ بِالنَّسَبَةِ لِنَقْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَقَرَّهُ أَوْ أَزَالَهُ، فَمَهْمَا لَمْ يُنْكِرْهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَمَهْمَا أَنْكَرَ فَالشَّرْعُ بِخِلَافِهِ.
الحديث الثامن عشر.
стр. 3988
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ) فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ: حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَقَلَّ أَنْ يُخَرِّجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا، بَلْ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُصَيْنٍ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، فَأَمِنَ بِذَلِكَ مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ هُشَيْمٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَرَنَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ حُصَيْنٍ، أَبَا الْمَلِيحِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْقُرُودِ، وَقَوْلُهُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ، وَقَدْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلَةً مِنْ طَرِ قِ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْيَمَنِ فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَفٍ، فَجَاءَ قِرْدٌ مَعَ قِرَدَةٍ فَتَوَسَّدَ يَدَهَا، فَجَاءَ قِرْدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَغَمَزَهَا، فَسَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ الْقِرْدِ الْأَوَّلِ سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُرُ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّ الْأَوَّلِ بِرِفْقٍ، فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا، فَشَمَّهَا فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْقُرُودُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيُومِئُ إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذَهَبَ الْقُرُودُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْدِ أَعْرِفُهُ، فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَةً فَرَجَمُوهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْمُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ، قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلًا. وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إِلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنَ الْقِرَدَةِ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ اعْتَمَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ: لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ. وَقَالَ فِي الْفَأْرِ: فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْجَزْمُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقُرُودُ الْمَذْكُورَةُ مِنَ النَّسْلِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَةِ الْقِرَدَةِ مَعَ بَقَاءِ أَفْهَامِهِمْ عَاشَرَتْهُمُ الْقِرَدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْلِ فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْضَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ، وَاخْتُصَّ الْقِرْدُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ لِكُلِّ صِنَاعَةٍ مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَرِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ خِصَالِهِ أَنَّهُ يَضْحَكُ وَيَطْرَبُ وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ، وَفِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ مَا يُوَازِي الْآدَمِيَّ، وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدُهُمْ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يَدَعُ فِي الْغَالِبِ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى عُقُوبَةِ مَنِ اعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأُنْثَى، وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْدُ عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَيَأْكُلُ بِيَدِهِ، وَلَهُ أَصَابِعُ مُفَصَّلَةٌ إِلَى أَنَامِلَ وَأَظْفَارَ، وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَابٌ.
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِصَّةَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ هَذِهِ وَقَالَ: فِيهَا إِضَافَةُ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْبَهَائِمِ، وَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَسْبُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا حَدًّا، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إِيقَاعَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا، فَلَعَلَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُقْحَمَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ.
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَذْكُورٌ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا،
стр. 3989
وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرٍّ الْحَافِظِ لَهُ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَئِمَّةِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حُجَّةً، وَكَذَا إِيرَادُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُودٍ لَهُ فِي أَطْرَافِهِ، نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا تَجْوِيزُهُ أَنْ يُزَادَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهَذَا يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَخَيُّلٌ فَاسِدٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِجَمِيعِ مَا فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ جَازَ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ الْوُثُوقُ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَاتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ دَافِعَةٌ لِتَضْعِيفِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِلطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَدْ أَطْنَبْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ ضَعِيفٌ بِكَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ فَيَعْتَمِدُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْخَيْلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ مُهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمِّهِ فَامْتَنَعَ، فَأُدْخِلَتْ فِي بَيْتٍ وَجُلِّلَتْ بِكِسَاءٍ وَأُنْزِيَ عَلَيْهَا فَنَزَا، فَلَمَّا شَمَّ رِيحَ أُمِّهِ عَمَدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَهْمُ فِي الْخَيْلِ مَعَ كَوْنِهَا أَبْعَدَ فِي الْفِطْنَةِ مِنَ الْقِرْدِ فَجَوَازُهَا فِي الْقِرْدِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ الْمَكِّيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (١) فِي نُسْخَةٍ: أَنَسٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مِنْ خِصَالِ.
قَوْلُهُ: (الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أَيِ الْقَدْحُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فِي نَسَبِ بَعْضٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّيَاحَةُ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ: وَنَسِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ الثَّالِثَةَ، فَعَيَّنَ النَّاسِيَ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ). أَيْ: يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُرَيْحِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجًا، وَلَفْظُهُ: وَالْأَنْوَاءُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَنَسِيَ إِلَخْ. وَمَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ وَالتَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُمَا، لِمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عُمَرَ. وَعَلِيٌّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ذِكْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الطَّعْنُ وَالنِّيَاحَةُ وَالِاسْتِسْقَاءُ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَ فِيهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ ; وَالنِّيَاحَةُ.
(خَاتِمَةٌ):
اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْمَنَاقِبِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ مَا وَقَعَ قَبْلَ الْبَعْثِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى стр. 3990
مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْغَارِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نُخَيَّرُ، وَحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمَّارٍ: وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ، وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَدْ غَامَرَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي طَرَفٍ مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ: خَيْرُ النَّاسِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَشَدُّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي شَأْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ عُثْمَانَ: مَا بَايَعْتُ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جَعْفَرٍ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: ارْقُبُوا، وَحَدِيثِهِ: لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَحَدِيثِ عُثْمَانَ فِي الزُّبَيْرِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَحَدِيثِ الزُّبَيْرِ فِي الْيَرْمُوكِ، وَحَدِيثِ طَلْحَةَ، وَسَعْدٍ، وَحَدِيثِ مَسِّ يَدِ طَلْحَةَ، وَحَدِيثِ سَعْدٍ فِي إِسْلَامِهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي ابْنِ أُسَامَةَ، وَحَدِيثِ أُسَامَةَ: إِنِّي أُحِبُّهُمَا، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْحُسَيْنِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْحَسَنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِمَا، وَحَدِيثِ عُمَرَ فِي بِلَالٍ، وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ فِي الْوِتْرِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ عَمَّارٍ فِيهَا، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَنْصَارِ، وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِيهِمْ، وَحَدِيثِ سَعْدٍ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَحَدِيثِ ابْنِ سَلَامٍ مَعَ أَبِي بُرْدَةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ فِيهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَدِيثِ جَدِّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كَأْسًا دِهَاقًا، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الَّذِي تَكَهَّنَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْقَسَامَةِ، وَحَدِيثِهِ فِي السَّعْيِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْحَطِيمِ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي الْقِرَدَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَلَاثٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَجُمْلَةُ ذَلِكَ اثْنَانِ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا مَا بَيْنَ مُعَلَّقٍ وَمَوْصُولٍ، فَوَافَقَهُ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا فَقَطْ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهَا صُورَتُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُتَمَحَّلُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَمُسْلِمٌ فِي الْغَالِبِ يَحْرِصُ عَلَى تَخْرِيجِ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي الرَّفْعِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٨ - بَاب مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ .
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ
٣٨٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ .
[الحديث ٣٨٥١ - أطرافه في ٤٩٧٩، ٤٤٦٥، ٣٩٠٣، ٣٩٠٢]
стр. 3991
قَوْلُهُ: (بَابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ) الْمَبْعَثُ مِنَ الْبَعْثِ، وَأَصْلُهُ الْإِثَارَةُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّوْجِيهِ فِي أَمْرٍ مَا، رِسَالَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، وَمِنْهُ: بَعَثْتُ الْبَعِيرَ إِذَا أَثَرْتُهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَبَعَثْتُ الْعَسْكَرَ إِذَا وَجَّهْتُهُمْ لِلْقِتَالِ، وَبَعَثْتُ النَّائِمَ مِنْ نَوْمِهِ إِذَا أَيْقَظْتُهُ. قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَثِيرٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا النَّسَبَ الشَّرِيفَ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدٌ) ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَمِلَ لَهُ مَأْدُبَةً، فَلَمَّا أَكَلُوا سَأَلُوا: مَا سَمَّيْتَهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدًا. قَالُوا: فَمَا رَغِبْتَ بِهِ عَنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلْقُهُ فِي الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) لَمْ يُخْتَلَفْ فِي اسْمِهِ، وَاخْتُلِفَ مَتَى مَاتَ؟ فَقِيلَ: مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ دُونَ السَّنَةِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) اسْمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ اسْمَهُ عَامِرٌ، وَسُمِّيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَاشْتُهِرَ بِهَا؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمَّا مَاتَ بِغَزَّةَ كَانَ خَرَجَ إِلَيْهَا تَاجِرًا، فَتَرَكَ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَقَامَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا مِنَ الْخَزْرَجِ فَكَبُرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَاءَ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ فَأَخَذَهُ وَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ فَرَآهُ النَّاسُ مُرْدِفَهُ فَقَالُوا: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَغَلَبَتْ عَلَيْهِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ هَاشِمٍ) اسْمُهُ عَمْرٌو، وَقِيلَ لَهُ: هَاشِمٌ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَمَ الثَّرِيدَ بِمَكَّةَ لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ وَلِقَوْمِهِ أَوَّلًا فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ … وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافِ
قَوْلُهُ: (ابْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ، رَوَى السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: اسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، شَيْبَةُ الْحَمْدِ، وَاسْمُ هَاشِمٍ، عَمْرٌو، وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ، الْمُغِيرَةُ، وَاسْمُ قُصَيٍّ، زَيْدٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ قُصَيٍّ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، تَلَقَّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعُدَ عَنْ دِيَارِ قَوْمِهِ فِي بِلَادِ قُضَاعَةَ فِي قِصَّةٍ طَوِيلٍ ذِكْرُهَا ابْنِ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ كِلَابٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ مَنْقُولٌ مِنَ الْمَصْدَرِ الَّذِي فِي مَعْنَى الْمُكَالَبَةِ، تَقُولُ: كَالَبْتُ فُلَانًا مُكَالَبَةً وَكِلَابًا، أَوْ هُوَ بِلَفْظِ جَمْعِ كَلْبٍ كَمَا تَسَمَّتِ الْعَرَبُ بِسِبَاعٍ وَأَنْمَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ اسْمَهُ الْمُهَذَّبُ، وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ اسْمَهُ حَكِيمٌ، وَقِيلَ: عُرْوَةُ وَأَنَّهُ لُقِّبَ كِلَابًا لِمَحَبَّتِهِ كِلَابَ الصَّيْدِ وَكَانَ يَجْمَعُهَا فَمَنْ مَرَّتْ بِهِ فَسَأَلَ عَنْهَا قِيلَ لَهُ: هَذِهِ كِلَابُ ابْنِ مُرَّةَ فَلُقِّبَ كِلَابًا.
قَوْلُهُ: (ابْنِ مُرَّةَ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ: مَنْقُولٌ مِنْ وَصْفِ الْحَنْظَلَةِ، أَوِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ كَعْبٍ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ: قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسَتْرِهِ عَلَى قَوْمِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ لَهُمْ، مَنْقُولٌ مِنْ كَعْبِ الْقَدَمِ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ عَلَى قَوْمِهِ وَشَرَفِهِ فِيهِمْ فَلِذَلِكَ كَانُوا يَخْضَعُونَ لَهُ حَتَّى أَرَّخُوا بِمَوْتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ قَوْمَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ لُؤَيٍّ) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هُوَ تَصْغِيرُ لَأًى بِوَزْنِ عَصًا، وَاللَّأْيُ هُوَ الثَّوْرُ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ عِنْدِي لَأْيٌ بِوَزْنِ عَبْدٍ وَهُوَ الْبُطْءُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَدُونَكُمُ بَنِي لَأْيٍ أَخَاكُمْ … وَدُونَكِ مَالِكًا يَا أُمَّ عَمْرِو
انْتَهَى. وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَيْضًا احْتِمَالًا. وَقَدْ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ تَصْغِيرُ لِوَاءِ الْجَيْشِ زِيدَتْ فِيهِ هَمْزَةٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ غَالِبٍ) لَا إِشْكَالَ فِيهِ كَمَا لَا إِشْكَالَ فِي مَالِكٍ وَالنَّضْرِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ فِهْرٍ) قِيلَ: هُوَ قُرَيْشٌ، نَقَلَ الزُّبَيْرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أُمَّهُ سَمَّتْهُ بِهِ، وَسَمَّاهُ أَبُوهُ فِهْرًا، وَقِيلَ: فِهْرٌ لَقَبُهُ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَالْفِهْرُ الْحَجَرُ الصَّغِيرُ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ
стр. 3992
كِنَانَةَ) هُوَ بِلَفْظِ وِعَاءِ السِّهَامِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جُلُودٍ. قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعُدْوَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ كِنَانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ شَيْخًا مُسِنًّا عَظِيمَ الْقَدْرِ تَحُجُّ إِلَيْهِ الْعَرَبُ لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ بَيْنَهُمْ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ خُزَيْمَةَ) تَصْغِيرُ خَزَمَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وَهِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَزَمِ وَهُوَ شَدُّ الشَّيْءِ وَإِصْلَاحُهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَزْمِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ تَقُولُ: خَزَمْتُهُ فَهُوَ مَخْزُومٌ إِذَا أَدْخَلْتَ فِي أَنْفِهِ الْخِزَامُ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ مُدْرِكَةَ) اسْمُهُ عَمْرٌو عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَامِرٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ إِلْيَاسَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، قَالَ: وَهُوَ إِفْعَالٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَلْيَسَ الشُّجَاعُ الَّذِي لَا يَفِرُّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلْيَسَ كَالنَّشْوَانِ وَهْوَ صَاحِي
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَهُوَ ضِدُّ الرَّجَاءِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ، قَالَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنْشَدَ قَوْلَ قُصَيٍّ:
أُمَّهَتِي خُنْدَفٌ وَالْيَأْسُ أَبِي
قَوْلُهُ: (ابْنِ مُضَرَ) قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ شُرْبَ اللَّبَنِ الْمَاضِرِ وَهُوَ الْحَامِضُ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبَيَاضِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ يُمَضِّرُ الْقُلُوبَ لِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ نِزَارٍ) هُوَ مِنَ النَّزْرِ أَيِ الْقَلِيلِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرِيدَ عَصْرِهِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ مَعَدٍّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعَلًا مِنَ الْعَدِّ، أَوْ هُوَ مَنْ مَعَدَ فِي الْأَرْضِ إِذَا أَفْسَدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَخَارِبِينَ خَرَبًا فَمَعَدَا
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ عَدْنَانَ) بِوَزْنِ فَعْلَانَ مِنَ الْعَدْنِ، تَقُولُ: عَدَنَ أَقَامَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَبِيبٍ فِي تَارِيخِهِ الْمُحَبَّرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَدْنَانُ، وَمَعَدٍّ وَرَبِيعَةُ وَمُضَرُ وَخُزَيْمَةُ وَأَسَدٌ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَا تَذْكُرُوهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا لَا تَسُبُّوا مُضَرَ وَلَا رَبِيعَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
(تَنْبِيهٌ): اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ مِنَ النَّسَبِ الشَّرِيفِ عَلَى عَدْنَانَ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِي التَّارِيخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَعِيشَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِثْلَ هَذَا النَّسَبِ، وَزَادَ بَعْدَ عَدْنَانَ ابْنَ أَدَدَ بْنِ الْمُقَوِّمِ بْنِ تَارِحِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَفِيمَنْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَآدَمَ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نَسَبِهِ مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عِكْرِمَةَ) فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ، عَنْ هِشَامٍ الْآتِيَةِ فِي الْهِجْرَةِ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ) هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَضَى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَكُونُ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَلَامُ ابْنِ الْكَلْبِيِّ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ وُلِدَ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: مَاتَ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً وَنِصْفُ سَنَةٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وُلِدَ فِي رَمَضَانَ، وَبِهِ جَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَهُوَ شَاذٌّ، وَفِي مَوْلِدِهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى أَشَدُّ شُذُوذًا مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ: (بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً) هَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٩ - بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمكَّةَ
٣٨٥٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ:
стр. 3993
أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ المِيشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ.
زَادَ بَيَانٌ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ.
٣٨٥٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ فَسَجَدَ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلاَّ سَجَدَ إِلاَّ رَجُلٌ رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًا فَرَفَعَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا يَكْفِينِي فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا بِاللَّهِ"
٣٨٥٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵍ فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ فَقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَا مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ شُعْبَةُ الشَّاكُّ فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَوْ أُبَيٍّ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ"
٣٨٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا [الأنعام ١٥١، الإسراء ٣٣]: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [٩٣ النساء]: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَمَّا أُنْزِلَتْ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ [الفرقان ٧٠] ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الْآيَةَ فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ [٩٣] الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ إِلاَّ مَنْ نَدِمَ"
[الحديث ٣٨٥٥ - أطرافه في: ٤٧٦٦، ٤٧٦٥، ٤٧٦٤، ٤٧٦٣، ٤٧٦٢، ٤٥٩٠]
٣٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ
следующие страницы →