Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4444–4483 · переход к 4449.
стр. 4444
قَوْلُهُ: (بَابُ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَمَعَ ذَلِكَ ظَهَرَ لي أَنَّ فِي الْمُرَادِ بِأَهْلِ الْيَمَنِ خُصُوصًا آخَرَ، وَهُوَ مَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ وَافِدًا فِي نَفَرٍ مِنْ حِمْيَرَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ، أَوَّلُهُ: أنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ جَمَعُوا ثُمَّ اقْتَسَمُوا بَيْنَهُمْ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الشَّرِكَةِ وَشُرِحَ هُنَاكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُمْ مِنِّي الْمُبَالَغَةُ فِي اتِّصَالِ طَرِيقِهِمَا وَاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الطَّاعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ سِوَى شَيْخَيِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَسْوَدِ) فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى.
قَوْلُهُ: (قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِ أَخِيهِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
قَوْلُهُ: (مَا نُرَى) بِضَمِّ النُّونِ.
قَوْلُهُ: (ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ) اسْمُ أُمِّهِ أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدِّ بْنِ سَوَاءَ، وَلَهَا صُحْبَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ) أَيْ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي مَنَاقِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ شَيْخَا الْبُخَارِيِّ مِنْ أَوَّلِ هَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَابْتِدَاءُ الْإِسْنَادِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَثَبَتَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَمْ يُدْرِكِ الْبُخَارِيُّ، يَحْيَى بْنَ آدَمَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ بِالْكُوفَةِ، وَالْبُخَارِيُّ يَوْمَئِذٍ بِبُخَارَى وَلَمْ يَرْحَلْ مِنْهَا وَعُمْرُهُ يَوْمئِذٍ تِسْعُ سِنِينَ، وَإِنَّمَا رَحَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْمُقَدَّمَةِ. (تَنْبِيهٌ آخَرُ): كَانَ قُدُومُ أَبِي مُوسَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الْأُولَى، ثُمَّ قَدِمَ الثَّانِيَةَ صُحْبَةَ جَعْفَرٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَرَجَ طَالِبًا الْمَدِينَةَ فِي سَفِينَةٍ فَأَلْقَتْهُمُ الرِّيحُ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَاجْتَمَعُوا هُنَاكَ بِجَعْفَرٍ ثُمَّ قَدِمُوا صُحْبَتَهُ. وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا لَيَجْمَعُ مَا وَقَعَ عَلَى شَرْطِهِ مِنَ الْبُعُوثِ وَالسَّرَايَا وَالْوُفُودِ وَلَوْ تَبَايَنَتْ تَوَارِيخُهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ غَزْوَةَ سِيفِ الْبَحْرِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَكَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِمُدَّةٍ. وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَهْلُ الْيَمَنِ بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ لِهَذَا الْعَامِّ خُصُوصًا أَيْضًا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَهُمْ وَفْدُ حِمْيَرَ، فَوَجَدْتُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْن شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ عُمَيْرٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ وَافِدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ حِمْيَرَ فَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فَوَائِدَهُ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَحَاصِلُهُ: أن التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَةٌ عَلَى طَائِفَتَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الْوِفَادَةِ، فَإِنَّ قُدُومَ الْأَشْعَرِيِّينَ كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي سَنَةِ سَبْعٍ عِنْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَقُدُومَ وَفْدِ حِمْيَرَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ، وَلِأَجْلِ هَذَا اجْتَمَعُوا مَعَ بَنِي تَمِيمٍ. وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنَ الطَّبَقَاتِ لِلْوُفُودِ بَابًا وَذَكَرَ فِيهِ الْقَبَائِلَ مِنْ مُضَرَ، ثُمَّ مِنْ رَبِيعَةَ، ثُمَّ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَادَ يَسْتَوْعِبُ ذَلِكَ بِتَلْخِيصٍ حَسَنٍ. وَكَلَامُهُ أَجْمَعُ مَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ وَفْدَ حِمْيَرَ لَمْ يَقَعْ لَهُ قِصَّةُ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا.
٤٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ وَهُوَ يَتَغَدَّى دَجَاجًا، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَقَالَ له: هَلُمَّ، فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ
стр. 4445
لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنْ يَمِينِكَ، إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ يَحْمِلَنَا، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا: تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ) هُوَ ابْنُ حَرْبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَهْدَمٍ) بِزَايٍ وَزْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرِّبٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى) أَيْ إِلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا عَلَيْهَا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: أَرَادَ قَدِمَ الْيَمَنَ؛ لِأَنَّ زَهْدَمًا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: (أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ بِرَاءٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ ابْنِ ثَعْلَبَةَ بن حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَذِرْتُهُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَعَلَى بَاقِي الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ الْوَقْتُ الَّذِي طَلَبَ فِيهِ الْأَشْعَرِيُّونَ الْحُمْلَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ إِرَادَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
٤٣٨٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ، قَالُوا: أَمَّا إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ، قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عِمْرَانَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ قُدُومَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقُدُومَ الْأَشْعَرِيِّينَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ عَقِبَ فَتْحِ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ قَدِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
٤٣٨٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْإِيمَانُ هَا هُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ؛ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ.
٤٣٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ.
стр. 4446
وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
٤٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِتْنَةُ هَا هُنَا، هَا هُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
٤٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ (الْإِيمَانُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ) أَيْ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ ; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَهْلَ الْبَلَدِ لَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَذَكْوَانُ هُوَ ابن صَالِحٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ إِلَخْ) أَوْرَدَهُ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِ الْأَعْمَشِ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الْمَدَنِيُّ، وَأَمَّا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ فَأَبُوهُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَأَبُو الْغَيْثِ اسْمُهُ سَالِمٌ.
قَوْلُهُ: (الْإِيمَانُ يَمَانٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الَّتِي بَعْدَهَا الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَفِيهَا وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ وَفِي أَوَّلِهَا وَأَوَّلِ رِوَايَةِ ذَكْوَانَ أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُوَ خِطَابٌ لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ إِلَخْ وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَزَادَ فِيهَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْغَيْثِ وَالْفِتْنَةُ هاهُنَا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ السَّادِسُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ سَائِرِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ الْأَنْصَارُ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ أَنَّ مَبْدَأَ الْإِيمَانِ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ مِنْ تِهَامَةَ، وَتِهَامَةُ مِنَ الْيَمَنِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ صَدَرَ وَهُوَ ﷺ بِتَبُوكَ، فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَمَانِيَّةٌ، وَالثَّالِثُ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ؛ لِأَنَّهُمْ يَمَانِيُّونَ فِي الْأَصْلِ فَنَسَبَ الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَارَهُ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَوْ تَأَمَّلُوا أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ خِطَابٌ لِلنَّاسِ وَمِنْهُمُ الْأَنْصَارُ، فَيَتَعَيَّنَ أَنَّ الَّذِي جَاءُوا غَيْرُهُمْ، قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيثَ وَصْفُ الَّذِينَ جَاءُوا بِقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، قَالَ: ثُمَّ الْمُرَادُ الْمَوْجُودُونَ حِينَئِذٍ مِنْهُمْ لَا كُلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي كُلِّ زَمَانٍ انْتَهَى. وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: يَمَانٍ يَشْمَلُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْيَمَنِ بِالسُّكْنَى وَبِالْقَبِيلَةِ، لَكِنْ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ مَنْ يُنْسَبُ بِالسُّكْنَى أَظْهَرُ.
بَلْ هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَحْوَالِ سُكَّانِ جِهَةِ الْيَمَنِ وَجِهَةِ الشِّمَالِ، فَغَالِبُ مَنْ يُوجَدُ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ رِقَاقُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَغَالِبُ مَنْ يُوجَدُ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ غِلَاظُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَقَدْ قَسَمَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ أَهْلَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثَةِ: الْيَمَنَ وَالشَّامَ وَالْمَشْرِقَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَغْرِبِ
стр. 4447
فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاوِي إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَطْعًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ نَقِيَّةٌ قُلُوبُهُمْ، حَسَنَةٌ طَاعَتُهُمْ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، كَأَنَّهُمُ السَّحَابُ، هُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ: أَيُّ الرِّجَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: رِجَالُ أَهْلِ نَجْدٍ. قَالَ: كَذَبْتَ بَلْ هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا أَيْ لِأَنَّ الْفُؤَادَ غِشَاءُ الْقَلْبِ، فَإِذَا رَقَّ نَفَذَ الْقَوْلُ، وَخَلَصَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ ; وَإِذَا غَلُظَ بَعُدَ وُصُولُهُ إِلَى دَاخِلٍ، وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ لَيِّنًا عَلِقَ كُلُّ مَا يُصَادِفُهُ.
٤٣٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ خَبَّابٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ، قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: اقْرَأْ يَا عَلْقَمَةُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَتَأْمُرُ عَلْقَمَةَ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ، فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَأَلْقَاهُ. رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. الحديث السابع: قَوْلُهُ: (فَجَاءَ خَبَّابٌ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ، وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ كُنْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ فَيَقْرَأُ عَلَيْكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَرَأَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ) بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، وَزِيَادُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَدْرَكَ عُمَرَ وَلَهُ رِوَايَةٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَوَلِيَ إِمْرَتَهَا مَرَّةً، وَهُوَ أَسَدِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَأَمَّا أَخُوهُ زَيْدٌ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ رِوَايَةً.
قَوْلُهُ: (أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْمِكَ وَفِي قَوْمِهِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ثَنَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّخَعِ لِأَنَّ عَلْقَمَةَ نَخَعِيٌّ، وَإِلَى ذَمِّ بَنِي أَسَدٍ وَزِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ أَسَدِيٌّ، فَأَمَّا ثَنَاؤُهُ عَلَى النَّخَعِ فَفِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو لِهَذَا الْحَيِّ مِنَ النَّخَعِ أَوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي رَجُلٌ مِنْهُمْ وَأَمَّا ذَمُّهُ لِبَنِي أَسَدٍ فَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ إِنَّ جُهَيْنَةَ وَغَيْرَهَا خَيْرٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، وَأَمَّا النَّخَعِيُّ فَمَنْسُوبٌ إِلَى النَّخَعِ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَاسْمُ النَّخَعِ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُلَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ابْنِ جَلْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَدَدَ بْنِ زَيْدٍ، وَقِيلَ لَهُ النَّخَعُ؛ لِأَنَّهُ نَخَعَ عَنْ قَوْمِهِ أَيْ بَعُدَ. وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَتَسْكُتَنَّ أَوْ لَأُحَدِّثَنَّكَ
стр. 4448
بِمَا قِيلَ فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَتِّلْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى؟) هُوَ مَوصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَخَاطَبَ عَبْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ خَبَّابًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ أَوَّلًا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ فَفِيهِ قَالَ خَبَّابٌ: أَحْسَنْتَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ يَقْرَؤُهُ) يَعْنِي: عَلْقَمَةُ، وَهِيَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَلْقَمَةَ حَيْثُ شَهِدَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ يُرْمَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، وَكَأَنَّهُ فِي الزُّهْدِ لِأَحْمَدَ، وَإِلَّا فَلَمْ أَرَهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَوَهَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ مُعَادٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأَنَّ مَحَلَّهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا إِعَادَةَ، وَأَنَّهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ صَوَابٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي أَنَّ شُعْبَةَ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رِوَايَةَ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُسْنِ تَأَنِّيهِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا نُبِّهَ عَلَيْهَا رَجَعَ، وَلَعَلَّ خَبَّابًا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لِبْسِ الرِّجَالِ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلتَّنْزِيهِ، فَنَبَّهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا.
٧٥ - بَاب قِصَّةُ دَوْسٍ وَالطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ
٤٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ، عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهِمْ.
٤٣٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
وَأَبَقَ غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقْتُهُ.
قَوْلُهُ: (قِصَّةُ دَوْسٍ وَالطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ نَسَبُهُمْ فِي غَزْوَةِ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَيِ ابْنِ طَرِيفِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ آخِرُهُ رَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَسْلَمَ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: اجْعَلْ لِي آيَةً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَوِّرْ لَهُ.
стр. 4449
فَسَطَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَخَافُ أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ مُثْلَةٌ، فَتَحَوَّلَ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ، وَكَانَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ ; ذَكَرَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَفِيهَا: أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ أَبُوهُ وَلَمْ تُسْلِمْ أُمُّهُ، وَأَجَابَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَنَّهُ قَدِمَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِخَيْبَرَ وَكَأَنَّهَا قَدْمَتُهُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو الزِّنَادِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ) وَقَعَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَثْمَةَ الدَّوْسِيَّ كَانَ حَاكِمًا عَلَى دَوْسٍ، وَكَذَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَعَمَّرَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ حَبِيبٌ يَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ لِلْخَلْقِ خَالِقًا لَكِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمُوا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لِيُحْرِقَ صَنَمَ عَمْرِو بْنِ حَثْمَةَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْكَفِينِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، فَأَحْرَقَهُ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو اسْتُشْهِدَ بَأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ، وَقِيلَ بِالْيَرْمُوكِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ (عَنْ قَيْسٍ) وهُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا قَدِمْتُ) أَيْ أَرَدْتُ الْقُدُومَ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَأَبَقَ غُلَامٌ لِي لَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي الْعِتْقِ فَأَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبَقَ فَسَرَّتْ وَجْهَ الْإِضْلَالِ، وَأَنَّ الَّذِي أَضَلَّ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، بِخِلَافِ غُلَامِهِ فَإِنَّهُ أَبَقَ (١) أَبُو هُرَيْرَةَ مَكَانَهُ لِهَرَبِهِ، فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ أَنَّهُ أَضَلَّهُ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِنْكَارِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ أَبَقَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَادَ فَحَضَرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِبَاقِ وَعَادَ إِلَى سَيِّدِهِ بِبَرَكَةِ الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ أَبَقَ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَضَلَّ الطَّرِيقَ فَلَا تَتَنَافَى الرِّوَايَتَانِ.
٧٦ - بَاب قِصَّةِ وَفْدِ طَي وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
٤٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا.
قَوْلُهُ: (وَفْدُ طَيِّئٍ وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ جِيمٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ابْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ الطَّائِيِّ، مَنْسُوبٌ إِلَى طَيِّئٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ابْنِ أَدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عُرَيْبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، يُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ جَلْهَمَةَ فَسُمِّيَ طَيِّئًا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ طَوَى بِئْرًا، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ طَوَى الْمَنَاهِلَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئْتُ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: أَتَيْتُ عُمَرَ فِي أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِي، فَجَعَلَ يُعْرِضُ عَنِّي، فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي؟ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا أَوْرَدَهُ стр. 4450
الْبُخَارِيُّ وَنَحْوَ مَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ الْمَخْزُومِيُّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ عُمَرَ) أَيْ فِي خِلَافَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا يُسَمِّيهِمْ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَلى أَسْلَمْتُ إِذْ كَفَرُوا إِلَخْ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى وَفَاءِ عَدِيٍّ بِالْإِسْلَامِ وَالصَّدَقَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ مَنَعَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنَ الرِّدَّةِ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفُتُوحِ
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا) أَيْ إِذَا كُنْتَ تَعْرِفَ قَدْرِيَ فَلَا أُبَالِي إِذَا قَدِمْتَ عَلَى غَيْرِي، وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَدِيٍّ: حَيَّاكَ اللَّهُ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي سَبَبِ إِسْلَامِ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَرِهْتُهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، ثُمَّ كَرِهْتُ مَكَانِي فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُهُ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَقُلْتُ: إِنَّ لِي دِينًا وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَذَكَرَ إِسْلَامَهُ. وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ أَنَّ خَيْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَصَابَتْ أُخْتَ عَدِيٍّ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ عَلَيْهَا فَأَطْلَقَهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَعْطَفَتْهُ بِإِشَارَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ: هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ فَلَمَّا قَدِمَتْ بِنْتُ حَاتِمٍ عَلَى عَدِيٍّ أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ فِي يَدِي.
٧٧ - بَاب حَجَّةِ الْوَدَاعِ
٤٣٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَقَدِمْتُ مَعَهُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ حِجَّةِ الْوَدَاعِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا، وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا، ذَكَرَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي صِفَتِهَا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ - أَيْ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ - لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ ﷺ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ غَيْرَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَفْظُهُ (١). стр. 4451
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ ثَلَاثَ حِجَجٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَدِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى الْعَقَبَةِ بِمِنًى بَعْدَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا أَوَّلًا فَتَوَاعَدُوا، ثُمَّ قَدِمُوا ثَانِيًا فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الْأُولَى، ثُمَّ قَدِمُوا ثَالِثًا فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الثَّوْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حِجَجًا وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَجَّ حِجَجًا لَا يُعْرَفُ عَدَدُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ خُرُوجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنْ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَطْعًا لِمَا ثَبَتَ وَتَوَاتَرَ أَنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ يَوْمُ الْخَمِيسِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ صَلَّيْنَا الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُمْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لِخَمْسٍ بَقِينَ أَيْ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ فَاتَّفَقَ أَنْ جَاءَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ يَوْمُ الْخَمِيسِ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لَا خَمْسٍ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ، هَكَذَا جَمَعَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَقَوِيَ هَذَا الْجَمْعُ بِقَوْلِ جَابِرٍ: إِنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ أَرْبَعٍ وَكَانَ دُخُولُهُ ﷺ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ خُرُوجَهُ مِنَ الْمَدِينَة كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ مَكَثه فِي الطَّرِيقِ ثَمَانِ لَيَالٍ، وَهِيَ الْمَسَافَةُ الْوُسْطَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا تَقَدَّمَ غَالِبُهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَشْرُوحَةً، وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ مَعَ مَزِيدِ فَائِدَةٍ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
٤٣٩٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي، قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالْمَقُولُ لَهُ عَطَاءٌ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَرَّفِ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَنِ اعْتَمَرَ مُطْلَقًا سَوَاءَ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَبْوَابِ الطَّوَافِ فِي بَابِ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
٤٣٩٧ - حَدَّثَنِي بَيَانٌ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقًا، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: أَحَجَجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ أَهْلَلْتَ؟
стр. 4452
قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي.
٤٣٩٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: فَمَا يَمْنَعُكَ؟ فَقَالَ: لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَسْتُ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا بَيَانٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْبُخَارِيُّ، وَالنَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَطَارِقٌ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ فِي بَابِ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ حَفْصَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
٤٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ:، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ: نَعَمْ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ الْحَدِيثَ، فِي أَمْرِهَا بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَفِيهِ الْكَلَامُ عَلَى اسْمِهَا وَاسْمِ أَبِيهَا. وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ شُعَيْبٍ فَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَهُوَ أَتَمُّ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ.
٤٤٠٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ عَلَى الْقَصْوَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ حَتَّى أَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: لِعُثْمَانَ ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتَحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ ثُمَّ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا ثُمَّ خَرَجَ وَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ فَوَجَدْتُ بِلَالًا قَائِمًا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: صَلَّى بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَكَانَ
стр. 4453
الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنْ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ حِينَ تَلِجُ الْبَيْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟ وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ الْكَعْبَةَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ مِنْ أَبْوَابِ الطَّوَافِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ رَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: سَطْرَيْنِ بِالْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالْمُعْجَمَةِ وَخَطَّأَهُ عِيَاضٌ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمِيمَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَاحِدَةُ الْمَرْمَرِ، وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الرُّخَامِ نَفِيسٌ مَعْرُوفٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ غُيِّرَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ بَعْدَهُ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَقَدْ أُشْكِلَ دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَامُ الْفَتْحِ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ جَمِيعِهَا التَّصْرِيحُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبِحَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ حِجَّةُ الْوَدَاعِ.
٤٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَلْتَنْفِرْ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
٤٤٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَقَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ أَنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ.
٤٤٠٣ - أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثًا وَيْلَكُمْ - أَوْ وَيْحَكُمْ - انْظُرُوا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ
стр. 4454
وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُنَّا نَسْمَعُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَدْرِي مَا حِجَّةُ الْوَدَاعِ) كَأَنَّهُ شَيْءٌ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ وَمَا فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَدَاعِ وَدَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى وَقَعَتْ وَفَاتُهُ ﷺ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ فَعَرَفُوا الْمُرَادَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ وَدَّعَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَاهُمْ بِهَا أَنْ لَا يَرْجِعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا، وَأَكَّدَ التَّوْدِيعَ بِإِشْهَادِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِهِ، فَعَرَفُوا حِينَئِذٍ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: حِجَّةُ الْوَدَاعِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَجِّ فِي بَابِ الْخُطْبَةِ بِمِنًى مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَدَّعَ النَّاسَ وَقَدَّمْتُ هُنَاكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ سُورَةَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ نَزَلَتْ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، فَرَكِبَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَذَكَرَ الْخُطْبَةَ.
قَوْلُهُ: (فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الدَّجَّالِ وَفِيهِ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ كُلَّهَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قِصَّةَ الدَّجَّالِ فِيهَا إِلَّا ابْنُ عُمَرَ، بَلِ اقْتَصَرَ الْجَمِيعُ عَلَى حَدِيثِ إِنَّ أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا حَدِيثَ جَرِيرٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ هُنَا وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِدُونِهَا، وَزِيَادَةُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ، وَكَأَنَّهُ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَقَوْلُهُ: وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حِجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا حِجَّةَ الْوَدَاعِ يَعْنِي وَلَا حَجَّ قَبْلَهَا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ فَلَا، فَإِنَّهُ اعْتَمَرَ قَبْلَهَا قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَغَرَضُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ لِقَوْلِهِ: بَعْدَمَا هَاجَرَ مَفْهُومًا، وَأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ كَانَ قَدْ حَجَّ لَكِنِ اقْتِصَارُهُ عَلَى قَوْلِهِ أُخْرَى قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَّا وَاحِدَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ مِرَارًا، بَلِ الَّذِي لَا أَرْتَابُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْحَجَّ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَطُّ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَتْرُكُونَ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ مِنْهُمْ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَوْ عَاقَهُ ضَعْفٌ، وَإِذَا كَانُوا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ دِينٍ يَحْرِصُونَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ وَيَرَوْنَهُ مِنْ مَفَاخِرِهِمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَتْرُكُهُ؟ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ، وَثَبَتَ دُعَاؤُهُ قَبَائِلَ الْعَرَبِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِمِنًى ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
٤٤٠٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِجَرِيرٍ: اسْتَنْصِتْ النَّاسَ، فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.
стр. 4455
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ نَخَعِيٌّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَوَاضِعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وَهْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ حِجَّةَ الْوَدَاعِ كَانَتْ قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِأَكْثَرِ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا، وَقَدْ ذَكَرَ جَرِيرٌ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِجَّةَ الْوَدَاعِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ.
٤٤٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ - ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ - وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ - فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ أَبِي بَكْرَةَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثَ فِي الْعِلْمِ وَفِي الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْمُحَرَّمِ أَوَّلَ السَّنَةِ أَنْ يَحْصُلَ الِابْتِدَاءُ بِشَهْرٍ حَرَامٍ وَيُخْتَمَ بِشَهْرٍ حَرَامٍ، وَتُتَوَسَّطَ السَّنَةُ بِشَهْرٍ حَرَامٍ وَهُوَ رَجَبٌ، وَإِنَّمَا تَوَالَى شَهْرَانِ فِي الْآخِرِ لِإِرَادَةِ تَفْضِيلِ الْخِتَامِ، وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ.
٤٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْيَهُودِ قَالُوا: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالُوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ: أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (إنَّ أُنَاسًا مِنَ الْيَهُودِ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَبَيَّنْتُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ صَدَرَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ، فَإِنْ ثَبَتَ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَأَلُوا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ
стр. 4456
اجْتَمَعُوا مَعَ كَعْبٍ عَلَى السُّؤَالِ وَتَوَلَّى هُوَ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ.
٤٤٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، وَقَالَ: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا، مَالِكٌ مِثْلَهُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ الْحَدِيثَ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ فِي طَرِيقَيْنِ، مِنْهَا حِجَّةُ الْوَدَاعِ وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ لِمَالِكٍ بِأَتَمَّ مِنَ السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ هُنَا.
٤٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؟ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.
٤٤١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
٤٤١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَخْبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
٤٤١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ
стр. 4457
شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَسَارَ الْحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ.
٤٤١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا شَاهِدٌ عَنْ سَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
٤٤١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ سَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْوَصَايَا، وَتَقْرِيرُ كَوْنِ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيَانُ تَوْجِيهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَلْقِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْحَجِّ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ بِمِنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَانَ يَسِيرُ فِي حَجَّتِهِ الْعَنَقَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْقَافِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا.
٧٨ - بَاب غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ
٤٤١٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَبْتُهُ فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ
стр. 4458
اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ
مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ تَبُوكَ) هَكَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ خَطَأٌ وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ إِلَّا مِنَ النُّسَّاخِ، فَإِنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الطَّائِفِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي رَجَبٍ إِذَا حَذَفْنَا الْكُسُورَ ; لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ رُجُوعِهِ مِنَ الطَّائِفِ فِي ذِي الْحَجَّةِ. وَتَبُوكُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ هُوَ نِصْفُ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إِلَى دِمَشْقٍ، وَيُقَالُ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً. وَذَكَرَهَا فِي الْمُحْكَمِ فِي الثُّلَاثِيِّ الصَّحِيحِ، وَكَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنَ الْمُعْتَلِّ فَإِنَّهُ قَالَ: جَاءَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يَبْكُونَ مَكَانَ مَائِهَا بِقَدَحٍ فَقَالَ: مَا زِلْتُمُ تَبُوكُونَهَا، فَسُمِّيَتْ حِينَئِذٍ تَبُوكَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ) وَفِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ قَوْلُ أَبِي مُوسَى: فِي جَيْشِ الْعُمرَةِ بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَبَعْدهَا سُكُونٌ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لِعُمَرَ: حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ، قَالَ: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ فَأَصَابَنَا عَطَشٌ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ قَالَ: خَرَجُوا فِي قِلَّةٍ مِنَ الظَّهْرِ وَفِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَعِيرَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِي كَرِشِهِ مِنَ الْمَاءِ، فَكَانَ ذَلِكَ عُسْرَةً مِنَ الْمَاءِ وَفِي الظَّهْرِ وَفِي النَّفَقَةِ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ الْعُسْرَةِ. وَتَبُوكُ الْمَشْهُورُ فِيهَا عَدَمُ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَمَنْ صَرَفَهَا أَرَادَ الْمَوْضِعَ. وَوَقَعَتْ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: مِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ: إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا عَيْنَ تَبُوكَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقَاهُ إِلَى الْعَيْنِ: مَا زِلْتُمَا تَبُوكَانِهَا مُنْذُ الْيَوْمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَيْنَ تَبُوكَ ; وَالْبَوْكُ كَالْحَفْرِ انْتَهَى، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٍ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي عَامِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَيْنَ تَبُوكَ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا.
فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا رَجُلَانِ وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَائِهَا ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ فَاسْتَقَى النَّاسُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرْحَلَةً، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَشَيْخُهُ وَغَيْرُهُ قَالُوا: بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْبَاطِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ بِالزَّيْتِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَّ الرُّومَ جَمَعَتْ جُمُوعًا، وَأَجْلَبَتْ مَعَهُمْ لَخْمَ وَجُذَامَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُتَنَصِّرَةِ الْعَرَبِ، وَجَاءَتْ مُقَدِّمَتُهُمْ إِلَى الْبَلْقَاءِ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ، وَأَعْلَمَهُمْ بِجِهَةِ غَزَوِهُمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ نَصَارَى الْعَرَبِ كَتَبَتْ إِلَى هِرَقْلَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ هَلَكَ وَأَصَابَتْهُمْ سُنُونَ فَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ، فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ: قُبَاذُ وَجَهَّزَ مَعَهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ قُوَّةٌ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ جَهَّزَ عِيرًا إِلَى الشَّامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا وَأَحْلَاسِهَا، وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَضُرُّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَهَا وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ
стр. 4459
مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا. يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَالْحَقْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ، فَغَزَا تَبُوكَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الشَّامَ، فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الْآيَةَ انْتَهَى، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ مَعَ كَوْنِهِ مُرْسَلًا.
قَوْلُهُ: (أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الشَّيْءَ الَّذِي يَرْكَبُونَ عَلَيْهِ وَيَحْمِلُهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: وَجَاءَ نَفَرٌ كُلُّهُمْ مُعْسِرٌ يَسْتَحْمِلُونَهُ لَا يُحِبُّونَ التَّخَلُّفَ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ. قَالَ: وَمِنْ هَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنْ بَنِي مُزَيْنَةَ وَفِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْبَكَّائِينَ سَبْعَةُ نَفَرٍ (١): سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبُو لَيْلَى بْنُ كَعْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحِمَامِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَقِيلَ ابْنُ غَنْمَةَ، وَعُلَيَّةُ بْنُ زَيْدٍ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، وَسَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ. قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا يَاسِرٍ الْيَهُودِيَّ وَقِيلَ: ابْنُ يَامِينَ - جَهَّزَ أَبَا لَيْلَى، وَابْنَ مُغَفَّلٍ، وَقِيلَ: كَانَ فِي الْبَكَّائِينَ بَنُو مُقَرِّنٍ السَّبْعَةُ مَعْقِلٌ وَإِخْوَتُهُ.
قَوْلُهُ: (خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ) أَيِ الْجَمَلَيْنِ الْمَشْدُودَيْنِ، أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: النَّظِيرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي: هَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ أَيِ النَّاقَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ لَهُمْ بِخَمْسِ ذَوْدٍ وَقَالَ: هَذَا بِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ، فَإِمَّا تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ أَوْ زَادَهُمْ عَلَى الْخَمْسِ وَاحِدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ وَهَاتَيْنِ الْقَرِينَتَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي أَوْ كَانَتِ الْأُولَى اثْنَتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الْقَرِينَ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْأَكْثَرِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا: هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ فَذَكَّرَ ثُمَّ أَنَّثَ فَالْأُولَى عَلَى إِرَادَةِ الْبَعِيرِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى إِرَادَةِ الِاخْتِصَاصِ لَا عَلَى الْوَصْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (ابْتَاعَهُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ابْتَاعَهُمْ وَكَذَا انْطَلَقَ بِهِنَّ فِي رِوَايَتِهِ: بِهِمْ وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعَ مَا لَا يَعْقِلُ.
قَوْلُهُ: (حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ) لَمْ يَتَعَيَّنْ لِي مَنْ هُوَ سَعْدٌ إِلَى الْآنَ، إِلَّا أَنَّهُ يَهْجِسُ فِي خَاطِرِي أَنَّهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَانْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي الْغَضَبِ، وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ بَقِيَّةَ فَوَائِدِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٤١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ:، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، سَمِعْتُ مُصْعَبًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مُرْسَلًا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اخْلُفْنِي فِي أَهْلِي، وَاضْرِبْ وَخُذْ وَعِظْ. ثُمَّ دَعَا نِسَاءَهُ فَقَالَ: اسْمَعْنَ لِعَلِيٍّ وَأَطِعْنَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ إِلَخْ) أَرَادَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ فِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبٍ، وَطَرِيقُ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِهِ.
٤٤١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُخْبِرُ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعُسْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ стр. 4460
الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي قَالَ عَطَاءٌ: فَقَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ فَنَسِيتُهُ قَالَ: فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَفهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ قَالَ عَطَاءٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَأَنَّهَا فِي فِي فَحْلٍ يَقْضَمُهَا.
قَوْلُهُ: (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعُسْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَفِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيُّ: الْعُسَيْرَةَ بِالتَّصْغِيرِ. قَالَ: (كَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي) تَقَدَّمَ فِي الْإِجَازةِ بِلَفْظٍ إِجْمَالِيٍّ، وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَطَاءٌ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدهُمَا يَدَ الْآخَرِ، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيَّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ فَنَسِيتُهُ) سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَتَتِمَّةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧٩ - بَاب حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾
٤٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ
سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 4461
ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ: وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ
عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ، فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ: لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 4462
الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ
تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي
امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ
стр. 4463
سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي
وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ لَقَدْ ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ قَوْلُهُ: (حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: خُلِّفُوا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ) كَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ،
стр. 4464
وَوَقَعَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ هُنَا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ نَفْسِهِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوْيهِ: كَأَنَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ نَفْسِهِ، وَسَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِنْ وَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ وَهُوَ يُرِيدُ نَصَارَى الْعَرَبِ وَالرُّومِ بِالشَّامِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ تَبُوكَ أَقَامَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَلَقِيَهُ بِهَا وَفْدُ أَذَرْحَ وَوَفْدُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ قَفَلَ مِنْ تَبُوكَ وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الْآيَةَ وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا رَهْطٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي بِضْعَةٍ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا رَجَعَ صَدَّقَهُ أُولَئِكَ وَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَكَذَبَ سَائِرُهُمْ فَحَلَفُوا مَا حَبَسَهُمْ إِلَّا الْعُذْرُ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَنُهِى عَنْ كَلَامِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ هُنَا وَكَذَا لِابْنِ السَّكَنِ فِي الْجِهَادِ مِنْ بَيْتِهِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْقِلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لِأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: (حِينَ تَخَلَّفَ) أَيْ زَمَانَ تَخَلُّفِهِ. وَقَوْلُهُ: عَنْ قِصَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُحَدِّثُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَوَاهَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، وَمِثْلُهُ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي لِيُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَمْ يُعَاتِبِ اللَّهُ أَحَدًا.
قَوْلُهُ: (تَوَاثَقْنَا) بِمُثَلَّثَةٍ وَقَافٍ أَيْ أَخَذَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ الْمِيثَاقَ لَمَّا تَبَايَعْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ) أَيْ أَنَّ لِي بَدَلَهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ) أَيْ أَعْظَمَ ذَكَرًا. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَكْثَرَ ذِكْرًا فِي النَّاسِ مِنْهَا وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَدْرٌ.
قَوْلُهُ: (أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ) زَادَ مُسْلِمٌ: مِنِّي.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) أَيْ أَوْهَمَ غَيْرَهَا، وَالتَّوْرِيَةُ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظًا يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَقْرَبُ مِنَ الْآخَرِ فَيُوهِمُ إِرَادَةَ الْقَرِيبِ وَهُوَ يُرِيدُ الْبَعِيدَ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَكَانَ يَقُولُ: الْحَرْبُ خَدْعَةٌ.
(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحَدِيثِ أُفْرِدَتْ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَلَّمَا كَانَ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ: فِي سَفَرِ جِهَادٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَخَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدُوًّا كَثِيرًا) فِي رِوَايَةٍ: وَغَزْوَ عَدُوٍّ كَبِيرٍ.
قَوْلُهُ: (فَجَلَّى) بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ أَوْضَحَ.
قَوْلُهُ: (أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أُهْبَةَ عَدُوِّهُمْ وَالْأُهْبَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ) بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْإِضَافَةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْقِلٍ: يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا يَجْمَعُ دِيوَانٌ حَافِظٌ وَلِلْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَبِهَذِهِ الْعِدَّةِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ
стр. 4465
وَأَوْرَدَهُ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ آخَرَ مَوْصُولٍ وَزَادَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ مَعْقِلٍ عَلَى إِرَادَةِ عَدَدِ الْفُرْسَانِ. وَلِابْنِ مَرْدَوْيهِ: وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ حَافِظٌ يَعْنِي كَعْبٌ بِذَلِكَ الدِّيوَانِ يَقُولُ: لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ مَكْتُوبٌ، وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ التَّنْوِينَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَلَا تُخَالِفُ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي الْإِكْلِيلِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا جَبَرَ الْكَسْرَ، وَقَوْلُهُ: يُرِيدُ الدِّيوَانَ هُوَ كَلَامُ الزُّهْرِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ الدِّيوَانَ عُمَرُ ﵁.
قَوْلُهُ: (قَالَ كَعْبٌ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَلَّ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا ظَنَّ أَنَّهُ سَيَخْفَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ سَيَخْفَى بِتَخْفِيفِ النُّونِ بِلَا هَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ فِي لَيَالِي الْخَرِيفِ وَا نَّاسُ خَارِفُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: وَأَنَا أَقْدَرُ شَيْءٍ فِي نَفْسِي عَلَى الْجِهَازِ وَخِفَّةِ الْحَاذِ، وَأَنَا فِي ذَلِكَ أَصْغُو إِلَى الظِّلَالِ وَالثِّمَارِ وَقَوْلُهُ: الْحَاذِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْحَالُ وَزْنًا وَمَعْنًى. وَقَوْلُهُ: أَصْغُو بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَمِيلُ، وَيُرْوَى: أَصْعُرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: فَالنَّاسُ إِلَيْهَا صُعُرٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى اشْتَدَّ النَّاسُ الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ الْجِدُّ فِي الشَّيْءِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ، وَضَبَطُوا النَّاسَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ وَالْجِدَّ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: اشْتَدَّ النَّاسُ الِاشْتِدَادَ الْجِدَّ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ: اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ بِرَفْعِ الْجِدِّ وَزِيَادَةِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بِالنَّاسِ الْجِدُّ وَالْجِدُّ عَلَى هَذَا فَاعِلٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: حَتَّى شَمَّرَ النَّاسُ الْجِدَّ وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّوْجِيهَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبِكَسْرِهَا وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنِ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كَعْبٍ: فَأَخَذْتُ فِي جَهَازِي، فَأَمْسَيْتُ وَلَمْ أَفْرُغْ، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ فِي غَدٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَسْرَعُوا) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى شَرَعُوا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: وَلَمْ أَفْعَلْ.
قَوْلُهُ: (وَتَفَارَطَ) بِالْفَاءِ وَالطَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيْ فَاتَ وَسَبَقَ، وَالْفَرْطُ السَّبْقُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَتَّى أَمْعَنَ الْقَوْمُ وَأَسْرَعُوا، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِلتَّجْهِيزِ وَتَشْغَلُنِي الرِّجَالُ، فَأَجْمَعْتُ الْقُعُودَ حِينَ سَبَقَنِي الْقَوْمُ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ كَعْبٍ: فَقُلْتُ أَيْهَاتَ، سَارَ النَّاسُ ثَلَاثًا، فَأَقَمْتُ.
قَوْلُهُ: (مَغْمُوصًا) بَالِغِينِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَطْعُونًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ مُتَّهَمًا بِالنِّفَاقِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُسْتَحْقَرًا، تَقُولُ: غَمَصْتُ فُلَانًا إِذَا اسْتَحْقَرْتُهُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ) بِغَيْرِ صَرْفٍ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَبُوكًا عَلَى إِرَادَةِ الْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مِنْ قَوْمِي وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَهَذَا غَيْرُ الْجُهَنِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَنِ اسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ السَّلَمِيَّ بِفَتْحَتَيْنِ فَهُوَ هَذَا، وَالَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ اتِّفَاقًا إِلَّا مَا حَكَى الْوَاقِدِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ.
قَوْلُهُ: (حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفِهِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ حُسَنِهِ وَبَهْجَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الرِّدَاءَ بِصِفَةِ الْحُسْنِ وَتُسَمِّيهِ عِطْفًا لِوُقُوعِهِ عَلَى عِطْفَيِ الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُنْتَصِبًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ. فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ
стр. 4466
الْأَنْصَارِيُّ. قُلْتُ: وَاسْمُ أَبِي خَيْثَمَةَ - هَذَا - سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، كَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ، وَلَفْظُهُ: تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلْتُ حَائِطًا فَرَأَيْتُ عَرِيشًا قَدْ رُشَّ بِالْمَاءِ، وَرَأَيْتُ زَوْجَتِي فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِإِنْصَافٍ، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّمُومِ وَالْحَرُورِ وَأَنَا فِي الظِّلِّ وَالنَّعِيمِ، فَقُمْتُ إِلَى نَاضِحٍ لِي وَتَمَرَاتٍ فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا طَلَعْتُ عَلَى الْعَسْكَرِ فَرَآنِي النَّاسُ قَالَ النَّبِيُّ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ. فَجِئْتُ، فَدَعَا لِي وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ مُرْسَلًا، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَ فِي رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (حَضَرَنِي هَمِّي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: هَمَّنِي وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَثِّي بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: فَطَفِقْتُ أَعُدُّ الْعُذْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَ وَأُهَيِّئُ الْكَلَامَ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ) أَيْ: جَزَمْتُ بِذَلِكَ وَعَقَدْتُ عَلَيْهِ قَصْدِي، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يُنْجِينِي مِنْهُ إِلَّا الصِّدْقُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ) هَذِهِ الْقِطْعَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أُفْرِدَتْ فِي الْجِهَادِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا فِي الضُّحَى فَيَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عِنْدَ … (١) والطَّبَرَانِيُّ: كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُثَنِّي بِفَاطِمَةَ ثُمَّ يَأْتِي أَزْوَاجَهُ وَفِي لَفْظٍ: ثُمَّ بَدَأَ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ ثُمَّ أَتَى بُيُوتَ نِسَائِهِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ كَانَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ، وَأَنَّ الْمُعَذِّرِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا أَيْضًا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَوْمِهِ كَانُوا مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ) وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي: فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِمَ تُعْرِضْ عَنِّي؟ فَوَاللَّهِ مَا نَافَقْتُ وَلَا ارْتَبْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، قَالَ: فَمَا خَلَّفَكَ؟ قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا) أَيْ فَصَاحَةً وَقُوَّةَ كَلَامٍ بِحَيْثُ أَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ مَا يُنْسَبُ إِلَيَّ بِمَا يُقْبَلُ وَلَا يُرَدُّ.
قَوْلُهُ: (تَجِدُ عَلَيَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ تَغْضَبُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ، فَقُمْتُ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَمَضَيْتُ.
قَوْلُهُ: (وَثَارَ رِجَالٌ) أَيْ وَثَبُوا.
قَوْلُهُ: (كَافِيكَ ذَنْبَكَ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْضًا، وَاسْتِغْفَارُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فَقَالَ كَعْبٌ: مَا كُنْتُ لِأَجْمَعُ أَمْرَيْنِ. أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَكْذِبُهُ. فَقَالُوا: إِنَّكَ شَاعِرٌ جَرِيءٌ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى الْكَذِبِ فَلَا زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: كَمَا صَنَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِكَ فَقَبِلَ مِنْهُمْ عُذْرَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: وَقَالَ لَهُمَا: مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ.
قَوْلُهُ: (يُؤَنِّبُونِي) بِنُونٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مِنَ التَّأْنِيبِ وَهُوَ اللَّوْمُ الْعَنِيفُ.
قَوْلُهُ: (مُرَارَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَرَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَقَوْلُهُ: (الْعَمْرِيُّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمُ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ.
وَقَوْلُهُ: (ابْنُ الرَّبِيعِ) هُوَ الْمَشْهُورُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لمُسْلِمٍ: ابْنُ رَبِيعَةَ وَفِي حَدِيثِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: مُرَارَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَهُوَ خَطَأٌ، وَكَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ رَبِيعَ بْنَ مُرَارَةَ وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَذُكِرَ فِي هَذَا الْمُرْسَلِ أَنَّ سَبَبَ تَخَلُّفِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَائِطٌ حِينَ زُهِيَ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: قَدْ стр. 4467
غَزَوْتُ قَبْلَهَا، فَلَوْ أَقَمْتُ عَامِي هَذَا. فَلَمَّا تَذَكَّرَ ذَنْبَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ فِي سَبِيلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْآخَرَ يَعْنِي هِلَالًا كَانَ لَهُ أَهْلٌ تَفَرَّقُوا ثُمَّ اجْتَمَعُوا فَقَالَ: لَوْ أَقَمْتُ هَذَا الْعَامَ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا تَذَكَّرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي وَاقِفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَرَّرْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّهُمَا شَهِدَا بَدْرًا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَلَطِ فَلَمْ يُصِبْ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِكَوْنِهِمَا لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَهْجُرْهُ وَلَا عَاقَبَهُ مَعَ كَوْنِهِ جَسَّ عَلَيْهِ، بَلْ قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. قَالَ: وَأَيْنَ ذَنْبُ التَّخَلُّفِ مِنْ ذَنْبِ الْجَسِّ؟ قُلْتُ: وَلَيْسَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَدْرِيَّ عِنْدَهُ إِذَا جَنَى جِنَايَةً وَلَوْ كَبُرَتْ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَهَذَا عُمَرُ مَعَ كَوْنِهِ الْمُخَاطَبَ بِقِصَّةِ حَاطِبٍ فَقَدْ جَلَدَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ الْحَدَّ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ وَهُوَ بَدْرِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبِ النَّبِيُّ ﷺ حَاطِبًا وَلَا هَجَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ عُذْرَهُ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَاتَبَ قُرَيْشًا خَشْيَةً عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ عِنْدَهُمْ يَدًا فَعَذَرَهُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ تَخَلُّفِ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لِي فِيهِمَا أسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: التَّأَسِّي بِالنَّظِيرِ يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْآخِرَةِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا أَبَدًا.
قَوْلُهُ: (وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) بِالرَّفْعِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَيْ مُتَخَصِّصِينَ بِذَلِكَ دُونَ بَقِيَّةِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ بِالَّتِي أَعْرِفُ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْحِيطَانُ حَتَّى مَا هِيَ بِالْحِيطَانِ الَّتِي نَعْرِفُ، وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاسُ حَتَّى مَا هُمُ الَّذِينَ نَعْرِفُ وَهَذَا يَجِدُهُ الْحَزِينُ وَالْمَهْمُومُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى قَدْ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ يَمُوتُ فَأَكُونُ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلَّى عَلَيَّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ: حَتَّى وَجِلُوا أَشَدَّ الْوَجَلِ وَصَارُوا مِثْلَ الرُّهْبَانِ.
قَوْلُهُ: (هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ) لَمْ يَجْزِمْ كَعْبٌ بِتَحْرِيكِ شَفَتَيْهِ ﵇، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَجَلِ.
قَوْلُهُ: (فَأُسَارِقُهُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ أَيْ: أَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي خُفْيَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ إِعْرَاضِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَطَفِقْنَا نَمْشِي فِي النَّاسِ، لَا يُكَلِّمُنَا أَحَدٌ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا سَلَامًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَسَوَّرْتُ) أَيْ: عَلَوْتُ سُوَرَ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) ذَكَرَ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لِكَوْنِهِمَا مَعًا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنَ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ الْأَقْرَبِ.
قَوْلُهُ: (أَنْشُدُكَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ أَسْأَلُكَ. وَقَوْلُهُ: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) لَيْسَ هُوَ تَكْلِيمًا لِكَعْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْحَائِطَ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَلَمْ أَمْلِكُ نَفْسِي أَنْ بَكَيْتُ، ثُمَّ اقْتَحَمْتُ الْحَائِطَ خَارِجًا.
قَوْلُهُ: (إِذَا نَبَطِيٌّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ) نِسْبَةٌ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَاءِ وَاسْتِخْرَاجِهِ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَهْلَ الْفِلَاحَةِ وَهَذَا النَّبَطِيُّ الشَّامِيُّ كَانَ نَصْرَانِيًّا كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: إِذَا نَصْرَانِيٌّ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعُهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّصْرَانِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّ النَّبَطَ يُنْسَبُونَ إِلَى
стр. 4468
نَبَطِ بْنِ هَانِبَ بْنِ أُمَيْمِ بْنِ لَاوِذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ هُوَ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ عَائِذٍ. وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ، الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شَمِرٍ، وَيُقَالُ: جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: فَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، أَيْ حَيْثُ يَضِيعُ حَقُّكَ. وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ: فَإِنَّ لَكَ مُتَحَوَّلًا بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ مَكَانًا تَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْمُوَاسَاةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي أَمْوَالِنَا. فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، قَدْ طَمِعَ فِيَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ مَرْدَوْيهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَيَمَّمْتُ) أَيْ قَصَدْتُ، وَالتَّنُّورُ مَا يُخْبَزُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: فَسَجَرْتُهُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ أَيْ: أَوْقَدْتُهُ، وَأَنَّثَ الْكِتَابَ عَلَى مَعْنَى الصَّحِيفَةِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوْيهِ: فَعَمَدْتُ بِهَا إِلَى تَنُّورٍ بِهِ فَسَجَرْتُهُ بِهَا. وَدَلَّ صَنِيعُ كَعْبٍ هَذَا عَلَى قُوَّةِ إِيمَانِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَإِلَّا فَمَنْ صَارَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الْهَجْرِ وَالْإِعْرَاضِ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ احْتِمَالِ ذَلِكَ وَتَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ فِي الْجَاهِ وَالْمَالِ عَلَى هِجْرَانِ مَنْ هَجَرَهُ وَلَا سِيَّمَا مَعَ أَمْنِهِ مِنَ الْمَلِكِ الَّذِي اسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكْرِهُهُ عَلَى فِرَاقِ دِينِهِ، لَكِنْ لَمَّا احْتُمِلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنَ الِافْتِتَانِ حَسَمَ الْمَادَّةَ وَأَحْرَقَ الْكِتَابَ وَمَنَعَ الْجَوَابَ، هَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ طُبِعَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى الرَّغْبَةِ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ الِاسْتِدْعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَلَا سِيَّمَا وَالَّذِي اسْتَدْعَاهُ قَرِيبُهُ وَنَسِيبُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَقَوِيَ عِنْدَهُ يَقِينُهُ، وَرَجَّحَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النَّكَدِ وَالتَّعْذِيبِ عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنَ الرَّاحَةِ وَالنَّعِيمِ حُبًّا فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ ﷺ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ شَكَا حَالَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: مَا زَالَ إِعْرَاضُكَ عَنِّي حَتَّى رَغِبَ فِيَّ أَهْلُ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: وَهُوَ الرَّسُولُ إِلَى هِلَالٍ، وَمُرَارَةَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ) هِيَ عُمَيْرَةُ بِنْتُ جُبَيْرِ بْنِ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةُ أُمُّ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ الله وَمَعْبَدٍ، وَيُقَالُ: اسْمُ امْرَأَتِهِ الَّتِي كَانَتْ يَوْمَئِذٍ عِنْدَهُ خَيْرَةُ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَلَحِقَتْ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالٍ) هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَيُشْكَلْ مَعَ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلَامِ الثَّلَاثَةِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ بَعْضُ وَلَدِهِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَقَعِ النَّهْيُ عَنْ كَلَامِ الثَّلَاثَةِ لِلنِّسَاءِ اللَّائِي فِي بُيُوتِهِمْ، أَوِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَخْدُمُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ.
قَوْلُهُ: (فَأَوْفَى) بِالْفَاءِ مَقْصُورٌ أَيْ أَشْرَفَ وَاطَّلَعَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مِنْ ذُرْوَةِ سَلْعٍ أَيْ أَعْلَاهُ، وَزَادَ ابْنُ مَرْدَوْيهِ: وَكُنْتُ ابْتَنَيْتُ خَيْمَةً فِي ظَهْرِ سَلْعٍ فَكُنْتُ أَكُونُ فِيهَا وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَائِذٍ وَزَادَ: أَكُونُ فِيهَا نَهَارًا.
قَوْلُهُ: (يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ) فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ كَعْبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِذْ سَمِعْتُ رَجُلًا عَلَى الثَّنِيَّةِ يَقُولُ: كَعْبًا، كَعْبًا، حَتَّى دَنَا مِنِّي فَقَالَ: بَشِّرُوا كَعْبًا.
قَوْلُهُ: (فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ جَاءَ فَرَجٌ) وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ: فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي فَرِحًا بِالتَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَآذَنَ) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْلَمَ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ مَدٍّ وَبِالْكَسْرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مُعْتَنِيَةً بِأَمْرِي فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ. قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يُحَطِّمُكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُوكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ
стр. 4469
اللَّيْلَةِ. حَتَّى إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ.
قَوْلُهُ: (وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ) هُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ أَنَّ اللَّذَيْنِ سَعَيَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، لَكِنَّهُ صَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ: زَعَمُوا وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ وَكَانَ الَّذِي أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَصَاحَ: قَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى كَعْبٍ. وَالَّذِي خَرَجَ عَلَى فَرَسِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. قَالَ: وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَنِي فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ. قَالَ: وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ بِتَوْبَتِهِ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: وَخَرَجْتُ إِلَى بَنِي وَاقِفٍ فَبَشَّرْتُهُ فَسَجَدَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا ظَنَنْتُهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ يَعْنِي لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى كَانَ يُوَاصِلُ الْأَيَّامَ صَائِمًا وَلَا يَفْتُرُ مِنَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ الَّذِي بَشَّرَ مُرَارَةَ بِتَوْبَتِهِ سِلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ أَوْ سَلَمَةَ بْنَ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) يُرِيدُ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَاحِلَتَانِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فَفِيهَا: وَوَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ ثَوْبَيْنِ غَيْرَهُمَا وَزَادَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَلَبِسَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ: مِنْ أَبِي قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: (فَوْجًا فَوْجًا) أَيْ جَمَاعَةً جَمَاعَةً.
قَوْلُهُ: (لِيَهْنِكَ بِكَسْرِ النُّونِ) وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِفَتْحِهَا، بَلْ قَالَ السَّفَاقُسِيُّ: إِنَّهُ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْهَنَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ) قَالُوا: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلْحَةَ لَمَّا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ أَخَا الزُّبَيْرِ لَكِنْ كَانَ الزُّبَيْرُ أَخَا طَلْحَةَ فِي أُخُوَّةِ الْمُهَاجِرِينَ فَهُوَ أَخُو أَخِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ) اسْتُشْكِلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِيَوْمِ إِسْلَامِهِ فَإِنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مُسْتَثْنًى، تَقْدِيرًا وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِعَدَمِ خَفَائِهِ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ يَوْمَ تَوْبَتِهِ مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إِسْلَامِهِ، فَيَوْمُ إِسْلَامِهِ بِدَايَةُ سَعَادَتِهِ وَيَوْمُ تَوْبَتِهِ مُكَمِّلٌ لَهَا فَهُوَ خَيْرُ جَمِيعِ أَيَّامِهِ، وَإِنْ كَانَ يَوْمُ إِسْلَامِهِ خَيْرَهَا فَيَوْمُ تَوْبَتِهِ الْمُضَافُ إِلَى إِسْلَامِهِ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ إِسْلَامِهِ الْمُجَرَّدِ عَنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: إِنَّكُمْ صَدَقْتُمُ اللَّهَ فَصَدَقَكُمْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ وَيُسْأَلُ عَنِ السِّرِّ فِي التَّقْيِيدِ بِالْقِطْعَةِ مَعَ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ مِنْ تَشْبِيهِ الْوَجْهِ بِالْقَمَرِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ تَشْبِيهُهُمْ لَهُ بِالشَّمْسِ طَالِعَةً وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَائِلَ هَذَا مِنْ شُعَرَاءِ الصَّحَابَةِ وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورة، فَلَا بُدَّ فِي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ مِنْ حِكْمَةٍ. وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِرَازِ مِنَ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُهُ بِمَا فِي الْقَمَرِ مِنَ الضِّيَاءِ وَالِاسْتِنَارَةِ، وَهُوَ فِي تَمَامِهِ لَا يَكُونُ فِيهَا أَقَلَّ مِمَّا فِي الْقِطْعَةِ الْمُجَرَّدَةِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ تَوْجِيهَاتٍ: وَمِنْهَا أَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَوْضِعِ الِاسْتِنَارَةِ وَهُوَ الْجَبِينُ وَفِيهِ يَظْهَرُ السُّرُورُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَكَأَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ عَلَى بَعْضِ الْوَجْهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُشَبَّهَ بِبَعْضِ الْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: (وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِيهِ وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنْ كَمَالِ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ وَالْفَرَحِ بِمَا يَسُرُّهُمْ. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرُكْبَتَهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي) أَيْ أَخْرَجَ مِنْ جَمِيعِ مَالِي.
قَوْلُهُ: (صَدَقَةً) هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُتَصَدِّقًا، أَوْ ضَمَّنَ أَنْخَلِعُ مَعْنَى أَتَصَدَّقُ وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ
стр. 4470
فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً. قَالَ: لَا، قُلْتُ: نِصْفُهُ. قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ. قَالَ: نَعَمْ وَلِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَجْزِي عَنْكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ فِي قِصَّةِ أَبِي لُبَابَةَ حِينَ قَالَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ) أَيْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُذْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِي قَوْلِهِ: أَحْسَنَ وَأَعْظَمَ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ يُورَدُ وَيُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْأَفْضَلِيَّةِ لَا الْمُسَاوَاةُ؛ لِأَنَّ كَعْبًا شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ رَفِيقَانِ، وَقَدْ نَفَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ حَصَلَ لَهُ أَحْسَنُ مِمَّا حَصَلَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْمُسَاوَاةَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) لَا زَائِدَةٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ.
قَوْلُهُ: (وَكُنَّا تُخُلِّفْنَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: خُلِّفْنَا بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَرْجَأَ) مَهْمُوزًا أَيْ أَخَّرَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَعْبًا فَسَّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أَيْ: أُخِّرُوا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ خُلِّفُوا عَنِ الْغَزْوِ، وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَالَ: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ، وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوُهُ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَمَعْنَى الْكَلَامِ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى الَّذِينَ أُخِّرَتْ تَوْبَتُهُمْ. وَفِي قِصَّةِ كَعْبٍ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، جَوَازُ طَلَبِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ ذَوِي الْحَرْبِ، وَجَوَازُ الْغَزْوِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَالتَّصْرِيحُ بِجِهَةِ الْغَزْوِ إِذَا لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ سَتْرَهُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا اسْتَنْفَرَ الْجَيْشَ عُمُومًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ وَلَحِقَ اللَّوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ أَنْ لَوْ تَخَلَّفَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنَّمَا اشْتَدَّ الْغَضَبُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ وَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْأَنْصَارِ خَاصَّةً فَرْضُ عَيْنٍ لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
فَكَانَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّهَا كَالنَّكْثِ لِبَيْعَتِهِمْ، كَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي قَالَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَعَلَّهُ أَقْعَدُ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ: أَنَّ الْجِهَادَ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى هَذَا فَيَتَوَجَّهُ الْعِتَابُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ مُطْلَقًا. وَفِيهَا: أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ، وَاسْتِخْلَافُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَهْلِهِ وَالضَّعَفَةِ، وَفِيهَا تَرْكُ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ تَرْكُ قَتْلِ الزِّنْدِيقِ إِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ. وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّ التَّرْكَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَفِيهَا عِظَمُ أَمْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكَلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مَالًا حَرَامًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، أَصَابَهُمْ مَا سَمِعْتُمْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُوَاقِعُ الْفَوَاحِشَ وَالْكَبَائِرَ؟ وَفِيهَا أَنَّ الْقَوِيَّ فِي الدِّينِ يُؤَاخَذُ بِأَشَدِّ مِمَّا يُؤَاخَذُ الضَّعِيفُ فِي الدِّينِ، وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءِ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ تَحْذِيرًا وَنَصِيحَةً لِغَيْرِهِ، وَجَوَازُ مَدْحِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا أُمِنَ الْفِتْنَةَ وَتَسْلِيَةُ نَفْسَهُ بِمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِمَا وَقَعَ لِنَظِيرِهِ، وَفَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْعَقَبَةِ، وَالْحَلِفُ لِلتَّأْكِيدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ، وَالتَّوْرِيَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ، وَرَدُّ الْغَيْبَةِ، وَجَوَازُ تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ مُدَّةً.
стр. 4471
وَفِيهِ: أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا لَاحَتْ لَهُ فُرْصَةٌ فِي الطَّاعَةِ فَحَقُّهُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهَا وَلَا يُسَوِّفُ بِهَا لِئَلَّا يُحْرَمَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا الْمُبَادَرَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ لَا يَسْلُبَنَا مَا خَوَّلَنَا مِنْ نِعْمَتِهِ.
وَفِيهَا: جَوَازُ تَمَنِّي مَا فَاتَ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُهْمِلُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ بَلْ يَذْكُرُهُ لِيُرَاجِعَ التَّوْبَةَ. وَجَوَازُ الطَّعْنِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطَّاعِنِ عَنْ حَمِيَّةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَفِيهَا جَوَازُ الرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ وَهْمُ الطَّاعِنِ أَوْ غَلَطُهُ. وَفِيهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْقَادِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ قَبْلَ بَيْتِهِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَجْلِسُ لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ عَلَى الْقَادِمِ وَتَلَقِّيهِ، وَالْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ، وَقَبُولُ الْمَعَاذِيرِ، وَاسْتِحْبَابُ بُكَاءِ الْعَاصِي أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ. وَفِيهَا إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ وَوُكُولُ السَّرَائِرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَذْنَبَ، وَجَوَازُ هَجْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ الثَّلَاثِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ هِجْرَانُهُ شَرْعِيًّا، وَأَنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَضَبٍ كَمَا يَكُونُ عَنْ تَعَجُّبٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالسُّرُورِ. وَمُعَاتَبَةُ الْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَفِيهَا: فَائِدَةُ الصِّدْقِ وَشُؤْمُ عَاقِبَةِ الْكَذِبِ.
وَفِيهَا: الْعَمَلُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ إِذَا حَفَّتْهُ قَرِينَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا حَدَّثَهُ كَعْبٌ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَنْ سِوَاهُ كَذَبَ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ مُرَارَةَ، وَهِلَالًا أَيْضًا قَدْ صَدَقَا، فَيَخْتَصُّ الْكَذِبُ بِمَنْ حَلَفَ وَاعْتَذَرَ، لَا بِمَنِ اعْتَرَفَ، وَلِهَذَا عَاقَبَ مَنْ صَدَقَ بِالتَّأْدِيبِ الَّذِي ظَهَرَتْ فَائِدَتُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَأَخَّرَ مَنْ كَذَبَ لِلْعِقَابِ الطَّوِيلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فَيَرِدُ الْقِيَامَةَ بِذُنُوبِهِ قِيلَ: وَإِنَّمَا غُلِّظَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُ الْأَنْصَارِ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَفِيهَا: تَبْرِيدُ حَرِّ الْمُصِيبَةِ بِالتَّأَسِّي بِالنَّظِيرِ، وَفِيهَا: عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ، وَأَنَّ مِنْ عُوقِبَ بِالْهَجْرِ يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ مُرَارَةَ، وَهِلَالًا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ بُيُوتِهِمَا تِلْكَ الْمُدَّةَ. وَفِيهَا: سُقُوطُ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْمَهْجُورِ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَقُلْ كَعْبٌ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ. وَفِيهَا جَوَازُ دُخُولِ الْمَرْءِ دَارَ جَارِهِ وَصَدِيقِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ الْبَابِ إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ. وَفِيهَا: أَنَّ قَوْلَ الْمَرْءِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ لَيْسَ بِخِطَابٍ وَلَا كَلَامٍ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ الْآخَرَ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ مُكَالَمَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ذَلِكَ لَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ كَعْبٌ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ مَلِكِ غَسَّانَ لَمَّا سَأَلَ عَنْ كَعْبٍ جَعَلَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَى كَعْبٍ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِقَوْلِهِمْ مَثَلًا هَذَا كَعْبٌ مُبَالَغَةً فِي هَجْرِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَفِيهَا: أَنَّ مُسَارَقَةَ النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهَا، وَإِيثَارُ طَاعَةِ الرَّسُولِ عَلَى مَوَدَّةِ الْقَرِيبِ، وَخِدْمَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، وَالِاحْتِيَاطُ لِمُجَانَبَةِ مَا يُخْشَى الْوُقُوعُ فِيهِ، وَجَوَازُ تَحْرِيقِ مَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَفِيهَا: مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ الشُّكْرِ، وَالِاسْتِبَاقُ إِلَى الْبِشَارَةِ بِالْخَيْرِ، وَإِعْطَاءُ الْبَشِيرِ أَنْفَسَ مَا يَحْضُرُ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْبِشَارَةِ، وَتَهْنِئَةُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ، وَالْقِيَامُ إِلَيْهِ إِذَا أَقْبَلَ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَسُرُورُهُ بِمَا يَسُرُّ أَتْبَاعَهُ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْعَارِيَةِ، وَمُصَافَحَةُ الْقَادِمِ وَالْقِيَامُ لَهُ، وَالْتِزَامُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وَاسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ
стр. 4472
بِكُلِّ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ النَّذْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ كَعْبٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ.
٨٠ - بَاب نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ الْحِجْرَ
٤٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِجْرِ قَالَ: لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ.
٤٤٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.
قَوْله: (بَاب نُزُول النَّبِيّ ﷺ الْحِجْر) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم، وَهِيَ مَنَازِل ثَمُود. زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ وَلَمْ يَنْزِل، وَيَرُدّهُ التَّصْرِيح فِي حَدِيث اِبْن عُمَر بِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْر أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عُمَر فِي بِئْر ثَمُود، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء. وَقَوْله: أَنْ يُصِيبكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَفْعُول لَهُ، أَيْ كَرَاهَة الْإِصَابَة. وَقَوْله: أَجَازَ الْوَادِي أَيْ قَطَعَهُ. وقَوْله في الرواية الثانية: قَالَ النَّبِيّ ﷺ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ لَا تَدْخُلُوا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَيْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع، وَأُضِيفَ إِلَى الْحِجْر لِعُبُورِهِمْ عَلَيْهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَتَعَسَّفَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ اللَّام فِي قَوْله: لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ بِمَعْنَى عَنْ، وَحَذَفَ الْمَقُول لَهُمْ لِيَعُمّ كُلّ سَامِع، وَالتَّقْدِير: قَالَ لِأُمَّتِهِ عَنْ أَصْحَاب الْحِجْر وَهُمْ ثَمُود: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ، أَيْ ثَمُود: وَهَذَا وَاضِح لَا خَفَاء بِهِ.
٨١ - بَاب
٤٤٢١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ عَلَيْهِ كُمُّا الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
٤٤٢٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ.
стр. 4473
قَوْلُهُ: (سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ هلَالٍ، (وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى) هُوَ الْمَازِنِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ وَفِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ.
٤٤٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ تَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ قِصَّةِ تَبُوكَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) كَذَا فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيَانَ مَنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَسْحِ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ. فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ.
٨٢ - بَاب كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ
٤٤٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
٤٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة".
[الحديث ٤٤٢٥ - طرفه في: ٧٠٩٩]
٤٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ "أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ"
٤٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ السَّائِبِ، أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ
стр. 4474
الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مَقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ) أَمَّا كِسْرَى فَهُوَ ابْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشَرْوَانَ. وَهُوَ كِسْرَى الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ أَنُوشَرْوَانُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ زُرْبَانَ ابْنَهُ يَقْتُلُهُ، وَالَّذِي قَتَلَهُ ابْنُهُ هُوَ كِسْرَى بْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ. وَكِسْرَى بِفَتْح الْكَافِ وَبِكَسْرِهَا لَقَبُ كُلِّ مَنْ تَمَلَّكَ الْفُرْسَ، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُظَفَّرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ضَبْطِ كَافِهِ فِي: عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا قَيْصَرُ فَهُوَ هِرَقْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنِ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِلْمِ عَالِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَنَّهُ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَاتَ بِأُحُدٍ فَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ وَبَعْثُ الرُّسُلِ كَانَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى أَخِي كَامِلِ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ: وَبَعَثَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ بَعَثَ بِهِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَذَا قَالَ، وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَتَبَ إِلَى مَلِكِ فَارِسَ مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.
قَوْلُهُ: (إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَدَفَعَهُ) الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ فَأَعْطَاهُ لِقَاصِدِهِ عِنْدَهُ فَتَوَجَّهَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى كِسْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْذِرُ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَاصِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاصِدُ لَمْ يُبَاشِرْ إِعْطَاءَ كِسْرَى بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ الْمُلُوكِ فَيَزْدَادُ التَّقْدِيرُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَرَأَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَمَّا قَرَأَهُ وَفِيهِ مَجَازٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مَزَّقَهُ) أَيْ قَطَّعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ مُرْسَلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ صَاحِبِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ عَلَى كِسْرَى وَجُنُودِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ وَكَتَبَ إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ: ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ، فَكَتَبَ بَاذَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ، وَإِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ابْعَثْ بِرَأْسِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ بَاذَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفُرْسِ.
(تَنْبِيهٌ) جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ بَعْثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ حَدِيثِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَصَنِيعُ الْبُخَارِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَكَرَ فِي آخَرِ الْبَابِ حَدِيثَ السَّائِبِ أَنَّهُ تَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنَ تَبُوكَ إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْتُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُ ﷺ لَمَّا كَانَ بِتَبُوكَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَرَّةِ الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ.
وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجَ
стр. 4475
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِلنَّاسِ كَافَّةً، فَأَدُّوا عَنِّي وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى، وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْيَمَامَةِ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى بِهَجَرَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ، وَعَبَّادٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدِيِّ بِعُمَانَ، وَدِحْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ، وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى ابْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، غَيْرَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: وَزَادَ أَصْحَابُ السِّيَرِ أَنَّهُ بَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ، وَجرِيرًا إِلَى ذِي الْكَلَاعِ، وَالسَّائِبِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّجَاشِيَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ هَؤُلَاءِ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ (وَالْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الصُّلْحِ.
قَوْلُهُ: (نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامَ الْجَمَلِ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: نَفَعَنِي اللَّهُ أَيَّامَ الْجَمَلِ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَـ أَيَّامَ يَتَعَلَّقُ بِـ نَفَعَنِي لَا بِـ سَمِعْتُهَا فَإِنَّهُ سَمِعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، وَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَمَا كِدْتُ أَلْحَقُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ) يَعْنِي عَائِشَةَ ﵂ وَمَنْ مَعَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُحَصَّلُهَا أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدَا عَائِشَةَ وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ يَسْتَنْفِرُونَ النَّاسَ لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلَ، وَنُسِبَتْ إِلَى الْجَمَلِ الَّذِي كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ رَكِبَتْهُ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَالْقَائِلُ: لَمَّا بَلَغَ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكَلَامِ الْكَثِيرِ.
قَوْلُهُ: (مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) هِيَ بُورَانُ بِنْتُ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى بْنِ بَرْوِيزَ، وَذَلِكَ أَنَّ شِيرَوَيْهِ لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ أَبُوهُ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ احْتَالَ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَمِلَ فِي بَعْضِ خَزَائِنِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ حُقًّا مَسْمُومًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ: حُقُّ الْجِمَاعِ، مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ كَذَا جَامَعَ كَذَا. فَقَرَأَهُ شِيرَوَيْهِ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّفْ أَخًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حِرْصًا عَلَى الْمُلْكِ وَلَمْ يُخَلِّفْ ذَكَرًا، وَكَرِهُوا خُرُوجَ الْمُلْكِ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَمَلَّكُوا الْمَرْأَةَ وَاسْمُهَا بُورَانُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَغَازِي. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا أَنَّ أُخْتَهَا أَرْزَمِيدَخْتَ مَلَكَتْ أَيْضًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي الْإِمَارَةَ وَلَا الْقَضَاءَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَلَا تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَتِمَّةُ قِصَّةِ كِسْرَى الَّذِي مَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ابْنَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى تَأْمِيرِ الْمَرْأَةِ، فَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى ذَهَابِ مُلْكِهِمْ وَمُزِّقُوا كَمَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ) هُوَ مَوْصُولٌ، وَلَكِنْ بَيَّنَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّةً الْغِلْمَانَ وَمَرَّةً الصِّبْيَانَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى. ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ لَا مِنْ جِهَةِ تَبُوكَ، بَلْ هِيَ مُقَابِلُهَا كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَنِيَّةٌ أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَالثَّنِيَّةُ مَا ارْتَفَعَ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ. قُلْتُ: لَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْمُسَافِرِ إِلَى الشَّامِ مِنْ جِهَتِهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا فِي دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةٍ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنْ أُخْرَى، وَيَنْتَهِي
стр. 4476
كِلَاهُمَا إِلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ رُوِّينَا بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ فِي الْحَلَبِيَّاتِ قَوْلَ النِّسْوَةِ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ فِي الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
(تَنْبِيهٌ): فِي إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ آخِرَ هَذَا الْبَابِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِرْسَالَ الْكُتُبِ إِلَى الْمُلُوكِ كَانَ فِي سَنَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَاتَبَ الْمُلُوكَ فِي سَنَةِ الْهُدْنَةِ كَقَيْصَرَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ كَاتَبَ قَيْصَرَ مَرَّتَيْنِ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَا فِي: مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَكَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي أَسْلَمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ، ثُمَّ كَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ وَكَانَ كَافِرًا، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَسَمَّى مِنْهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ، قَالَ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.
٨٣ - بَاب مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لِهَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ مَرَضِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَكَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي. وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِأَبِي مَعْشَرٍ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِي السِّيرَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَيْتِ رَيْحَانَةَ ; وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِنَقْصِهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَصَدَرَ بِالثَّانِي، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَادَ يَكُونُ إِجْمَاعًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْخَوَارِزْمِيِّ، وَابْنِ زَبْرٍ: مَاتَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي مِخْنَفٍ، وَالْكَلْبِيِّ: فِي ثَانِيهِ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَنَزَّلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا.
وَقِيلَ: أَحَدًا وَثَمَانِينَ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ تِسْعِينَ يَوْمًا أَوْ أَحَدًا وَتِسْعِينَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحَجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوْامٌ أَوْ نَوَاقِصُ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَأَجَابَ الْبَارِزِيُّ ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ كَوَامِلَ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَرَآهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَلَتِ الْوَقْفَةُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَّخُوا بِرُؤْيَةِ أَهْلِهَا فَكَانَ أَوَّلُ ذِي الْحَجَّةِ الْجُمُعَةَ وَآخِرُهُ السَّبْتَ، وَأَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الْأَحَدَ وَآخِرُهُ الِاثْنَيْنِ، وَأَوَّلُ صَفَرٍ الثُّلَاثَاءَ وَآخِرُهُ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الْخَمِيسَ فَيَكُونُ ثَانِي عَشَرَهُ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا الْجَوَابُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ تَوَالِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ، وَقَدْ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ صَفَرٌ نَاقِصًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ السَّبْتَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ نَاقِصَيْنِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ
стр. 4477
مُتَوَالِيَةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اثْنَانِ نَاقِصَيْنِ وَوَاحِدٌ كَامِلًا، وَلِهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ.
وَفِي الْمَغَازِي لِأَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمُقْتَضِي لِأَنَّ أَوَّلَ صَفَرٍ كَانَ السَّبْتَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَرِدُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ الْأَحَدَ فيَكُونَ تَاسِعُ عِشْرِينِهِ الْأَرْبِعَاءَ؟ وَالْغَرَضُ أَنَّ ذَو الْحَجَّةِ أَوَّلُهُ الْخَمِيسُ، فَلَوْ فُرِضَ هُوَ وَالْمُحَرَّمُ كَامِلَيْنِ لَكَانَ أَوَّلُ صَفَرٍ الِاثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ إِلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، وَكَأَنَّ سَبَبَ غَلَطِ غَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَتَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ ثَانِي عَشَرَ، وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ. يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيُفْرَضُ الشُّهُورُ كَوَامِلَ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْجُمْهُورُ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ مُخَالَفَةِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِمْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهَا إِلَّا مُضِيَّ اللَّيَالِي، وَيَكُونُ مَا أُرِّخَ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.
٤٤٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) هِيَ وَالِدَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
٤٤٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ عُمَرُ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) هُوَ مِنْ إِقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَتَمَّ سِيَاقًا وَأَكْثَرَ فَوَائِدَ، وَأَطَلْنَا بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 4478
لِجِبْرِيلَ: نَعَيْتَ إِلَيَّ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى.
٤٤٢٨ - وقال يُونُسُ: عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: (وَقَالَ يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَهَذَا قَدْ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: تَفَرَّدَ بِهِ عَنْبَسَةُ، عَنْ يُونُسَ، أَيْ بِوَصْلِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ، وَلَهُ شَاهِدَانِ مُرْسَلَانِ أَيْضًا أَخْرَجَهُمَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرَائِبُ الْحَدِيثِ لَهُ أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَالْآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَلِلْحَاكِمِ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ بِابْنِي إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ بِخَيْبَرَ ; وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ، فَقَالَ: وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهَا، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَجِدُ أَلَمَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا بِخَيْبَرَ عِدَادًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ وَتُوُفِّيَ شَهِيدًا انْتَهَى وَقَوْلُهُ: عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَتُوُفِّيَ شَهِيدًا وَقَوْلُهُ: مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ أَيْ أَحُسُّ الْأَلَمَ فِي جَوْفِي بِسَبَبِ الطَّعَامِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ لَذَّةِ ذَوْقِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ.
وَقَوْلُهُ: أَوَانَ بِالْفَتْحِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ بِالظَّهْرِ مُتَّصِلٌ بِالْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَالُ إِنَّ الْقَلْبَ مُتَّصِلٌ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ بِخَيْبَرَ فِي غَزْوِهِ خَيْبَرَ مُفَصَّلًا.
٤٤٣٩ - حَدَّثَنِي حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ.
[الحديث ٤٤٣٩ - أطرافه في: ٥٠١٦، ٥٧٣٥، ٥٧٥١]
الْحَدِيثُ الْرَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (اشْتَكَى) أَيْ مَرِضَ، وَنَفَثَ أَيْ تَفَلَ بِغَيْرِ رِيقٍ أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُعَوِّذَاتِ) أَيْ يَقْرَؤُهَا مَاسِحًا لِجَسَدِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِلَفْظِ: فَقَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُعَوِّذَاتِ وَسَيَأْتِي فِي الطِّبِّ قَوْلُ مَعْمَرٍ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفُثُ؟ قَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ. هَذِهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا ثُمَّ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَجَمَعَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يَقَعُ التَّعَوُّذُ بِهَا مِنَ السُّورَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَوِّذَاتِ هَاتَانِ السُّورَتَانِ مَعَ سُورَةِ
стр. 4479
الْإِخْلَاصِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ: فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَحُ صَدْرَهُ وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَسَأَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ.
٤٤٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عيينة، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ نَزاعٌ فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِني إِلَيْهِ وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا للْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا.
٤٤٣٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقال النبي ﷺ : "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ" فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ قال رسول الله ﷺ : "قُومُوا" قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِم"
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ
قَوْلُهُ: (يَوْمُ الْخَمِيسِ) هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ عَكْسُهُ، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ إِرَادَةِ تَفْخِيمِ الْأَمْرِ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ، زَادَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَّبَ دَمْعُهُ الْحَصَى وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُهَا عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ وَبُكَاءُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْتَمَلُ لِكَوْنِهِ تَذَكَّرَ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَجَدَّدَ لَهُ الْحُزْنُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَاتَ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ رَزِيَّةٌ، ثُمَّ بَالَغَ فِيهَا فَقَالَ: كُلَّ الرَّزِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ الْجَوَابُ عَمَّنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ ﵁.
قَوْلُهُ: (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِهِ، كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا حُضِرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَفِي إِطْلَاقِ
стр. 4480
ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كِتَابًا) قِيلَ: هُوَ تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ تَضِلُّوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَضِلُّونَ وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ) بِهَمْزَةٍ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: فَقَالُوا هَجَرَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ فَقَالُوا: هَجَرَ، هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعَادَ هَجَرَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى أَهَجَرَ أَفَحَشَ، يُقَالُ: هَجَرَ الرَّجُلُ إِذَا هَذَى، وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَطَالُوا، وَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيُّ تَلْخِيصًا حَسَنًا ثُمَّ لَخَّصْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ هَجَرَ، الرَّاجِحُ فِيهِ إِثْبَاتُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، قَالَ: وَلِبَعْضِهِمْ أَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمِرٍ أَيْ قَالَ: هُجْرًا، وَالْهُجْرُ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ الْهَذَيَانُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَنْتَظِمُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ.
وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي لَا أَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَتَوَقَّفُ أَتَظُنُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ يَقُولُ الْهَذَيَانَ فِي مَرَضِهِ؟ امْتَثِلْ أَمْرَهُ وَأَحْضِرْهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، قَالَ: هَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ عَرَضَ لَهُ، وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ أَنْ لَا يُنْكِرَهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ لَنُقِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ صَدَرَ عَنْ دَهْشَ وَحَيْرَةٍ كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ، لِأَنَّ الْهَذَيَانَ الَّذِي يَقَعُ لِلْمَرِيضِ يَنْشَأُ عَنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ سُكُوتِ الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَيُفْضِي فِي الْعَادَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَهَجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنَ الْهَجْرِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَيَاةَ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ.
قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي تَرْجِيحُ ثَالِثِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَيَكُونُ قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ قَرُبَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَعْهَدُ أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ قَدْ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ تَحْرِيرِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ يَهْجُرُ، اسْتَفْهِمُوهُ وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَيَهْجُرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ ذَلِكَ: اسْتَفْهِمُوهُ (١) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِفْهَامِ أَيِ اخْتَبِرُوا أَمْرَهُ بِأَنْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ وَابْحَثُوا مَعَهُ فِي كَوْنِهِ الْأَوْلَى أَوْ لَا. وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى الِامْتِثَالِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَلَمَّا وَقَعَ مِنْهُمُ الِاخْتِلَافُ ارْتَفَعَتِ الْبَرَكَةُ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُرِ.
وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَامِ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُهُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَرُفِعَتْ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنَّمَا جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ صَرِيحِ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ قَدْ стр. 4481
يُقَارِنُهَا مَا يَنْقُلُهَا مِنَ الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرِينَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى التَّحَتُّمِ بَلْ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ، وَصَمَّمَ عُمَرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَازِمٍ، وَعَزْمُهُ ﷺ كَانَ إِمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُهُ إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ فَبِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَبِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ قُوَّةِ فِقْهِهِ وَدَقِيقِ نَظَرِهِ، لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُبَ أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لِكَوْنِهَا مَنْصُوصَةً، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْعُلَمَاءِ.
وَفِي تَرْكِهِ ﷺ الْإِنْكَارَ عَلَى عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى تَصْوِيبِهِ رَأْيَهُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّخْفِيفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، وَقَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ بِأَنَّ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَتَهُ لَيْسَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَمْ يَتْرُكْهُ ﷺ لِأَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ إِلَخْ، لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ قَطْعًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَتَوَهَّمْ عُمَرُ الْغَلَطَ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ كِتَابَتَهُ، بَلِ امْتِنَاعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَرْبِ وَحُضُورِ الْمَوْتِ خَشِيَ أَنْ يَجِدَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَإِلَى حَمْلِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهَا بِوُقُوعِ بَعْضِ مَا يُخَالِفُ الِاتِّفَاقَ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَقُّفِ عُمَرَ، لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا جَوَازَ وُقُوعِ الْغَلَطِ عَلَيْهِ حَاشَا وَكَلَّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ ذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَيْ يُعِيدُونَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ وَيَسْتَثْبِتُونَهُ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَنْهُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ دَعُونِي: فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: دَعُونِي فَالَّذِي أُعَايِنُهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِي بَعْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِمَّا أَنَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ وَالتَّأَهُّبِ لِلِقَاءِ اللَّهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي تَسْأَلُونَنِي فِيهِ مِنَ الْمُبَاحَثَةِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ عَدَمِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَإِنَّ امْتِنَاعِي مِنْ أَنْ أَكْتُبَ لَكُمْ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ أَيِ الَّذِي أَشَرْتُ عَلَيْكُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِهَا بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ اخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا فَهَدَى اللَّهُ عُمَرَ لِمُرَادِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ بَطَّالٍ: عُمَرُ أَفْقَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ اكْتَفَى بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عَنْ بَيَانِ السُّنَّةِ، بَلْ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرِينَةِ، وَخَشِيَ مِنَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى كِتَابَةِ الْكِتَابِ مِمَّا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، فَرَأَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا خَشِيَهُ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ لَمْ يَكْتَفِ بِالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ حَبْرَ الْقُرْآنِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلَكِنَّهُ أَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْبَيَانِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَشَرْحُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُهُ لِوُقُوعِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَعَاقَبَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَبْلِيغِهِ، وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ لَفْظًا كَمَا أَوْصَاهُمْ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَيَّامًا وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ لَفْظًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَوْلُهُ: أَجِيزُوا
стр. 4482
الْوَفْدَ أَيْ أَعْطُوهُمْ، وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَقَالَ: أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُلَ وَيُطْلِقُونَهُ فَيَجُوزُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ مُتَوَجِّهًا فَسُمِّيَتْ عَطِيَّةُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَى الْكَبِيرِ جَائِزَةً، وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي إِعْطَاءِ الشَّاعِرِ عَلَى مَدْحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ: مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ أَيْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَكَانَتْ جَائِزَةُ الْوَاحِدِ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وُقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا) يُحْتمُل أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ أَيِ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّالِثَةُ لِلْوَصِيَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: بَلْ هُوَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ قَوْلُهُ: وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهَا قَوْلُهُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
قَوْلُهُ في الرواية الثانية: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ) أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ فِيهَا (فَقَالَ: قُومُوا) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي.
٤٤٣٣، ٤٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ﵍ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَضَحِكَتْ فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَوَالِدُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ) وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا مَضَتْ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَرْحَبًا بِبِنْتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَرِضَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ تُقَبِّلُهُ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي سَارَّهَا بِهِ أَوَّلًا فَبَكَتْ هُوَ إِعْلَامُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا سَارَّهَا بِهِ ثَانِيًا فَضَحِكَتْ فَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ كَوْنَهَا أَوَّلَ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّ حَدِيثَ مَسْرُوقٍ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَاتٍ لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ فَمَا زَادَهُ مَسْرُوقٌ قَوْلُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي
стр. 4483
الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَأَنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجْلَي وَأَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي.
وَقَوْلُهَا: كَأَنَّ مِشْيَتَهَا هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ. وَقَوْلُهَا: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكُسُوفِ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَا رَأَيْتُ كَفَرَحِ الْيَوْمِ فَرَحًا أَوْ مَا رَأَيْتُ فَرَحًا كَفَرَحٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَقَوْلُهَا: حَتَّى تُوُفِّيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ تَقُلْ لِي شَيْئًا حَتَّى تُوُفِّيَ. وَقَدْ طَوَى عُرْوَةُ هَذَا كُلَّهُ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَضَحِكَتْ: فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَن عَائِشَةَ لَمَّا رَأَتْ بُكَاءَهَا وَضَحِكَهَا قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَعْقَلُ النِّسَاءِ فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ. وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ الْجَزْمُ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ، فَفِيهَا أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ سَبَبًا لِبُكَائِهَا أَوْ ضَحِكِهَا مَعًا بِاعْتِبَارَيْنِ، فَذَكَرَ كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ الْبُكَاءِ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَفِي سَبَبِ الضَّحِكِ الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ أَنَّهَا سَيِّدَةُ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ لِحَاقُهَا بِهِ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَيْسَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ ذُرِّيَّةً مِنْكِ فَلَا تَكُونِي أَدْنَى امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا. وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ ﷺ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ حَتَّى مِنْ أَزْوَاجِهِ.
٤٤٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ.
[الحديث ٤٤٣٥ - أطرافه في: ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٥٨٦، ٦٣٤٨، ٦٥٠٩]
٤٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى.
٤٤٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فَقُلْتُ: إِذًا لَا يُختارُنَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدٍ، وَهُوَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، أَوْرَدَهُ عَالِيًا مُخْتَصَرًا وَنَازِلًا تَامًّا ثُمَّ أَوْرَدَهُ أَتَمَّ مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ النَّازِلَةُ فَإِنَّهُ سَاقَهَا مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ،
следующие страницы →