Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4479–4518 · переход к 4484.
стр. 4479
الْإِخْلَاصِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَمْسَحَ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ: فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَأَفَاقَ وَهِيَ تَمْسَحُ صَدْرَهُ وَتَدْعُو بِالشِّفَاءِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَسَأَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ.
٤٤٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عيينة، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ نَزاعٌ فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِني إِلَيْهِ وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا للْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا.
٤٤٣٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقال النبي ﷺ : "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ" فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ قال رسول الله ﷺ : "قُومُوا" قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِم"
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ
قَوْلُهُ: (يَوْمُ الْخَمِيسِ) هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ عَكْسُهُ، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ إِرَادَةِ تَفْخِيمِ الْأَمْرِ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ، زَادَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَّبَ دَمْعُهُ الْحَصَى وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُهَا عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ وَبُكَاءُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْتَمَلُ لِكَوْنِهِ تَذَكَّرَ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَجَدَّدَ لَهُ الْحُزْنُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَاتَ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ رَزِيَّةٌ، ثُمَّ بَالَغَ فِيهَا فَقَالَ: كُلَّ الرَّزِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ الْجَوَابُ عَمَّنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ ﵁.
قَوْلُهُ: (اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِهِ، كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا حُضِرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَفِي إِطْلَاقِ
стр. 4480
ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كِتَابًا) قِيلَ: هُوَ تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ تَضِلُّوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَضِلُّونَ وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ) بِهَمْزَةٍ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: فَقَالُوا هَجَرَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ فَقَالُوا: هَجَرَ، هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعَادَ هَجَرَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى أَهَجَرَ أَفَحَشَ، يُقَالُ: هَجَرَ الرَّجُلُ إِذَا هَذَى، وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَطَالُوا، وَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيُّ تَلْخِيصًا حَسَنًا ثُمَّ لَخَّصْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ هَجَرَ، الرَّاجِحُ فِيهِ إِثْبَاتُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، قَالَ: وَلِبَعْضِهِمْ أَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمِرٍ أَيْ قَالَ: هُجْرًا، وَالْهُجْرُ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ الْهَذَيَانُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَنْتَظِمُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ.
وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي لَا أَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَتَوَقَّفُ أَتَظُنُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ يَقُولُ الْهَذَيَانَ فِي مَرَضِهِ؟ امْتَثِلْ أَمْرَهُ وَأَحْضِرْهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، قَالَ: هَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ عَرَضَ لَهُ، وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ أَنْ لَا يُنْكِرَهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ لَنُقِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ صَدَرَ عَنْ دَهْشَ وَحَيْرَةٍ كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ، لِأَنَّ الْهَذَيَانَ الَّذِي يَقَعُ لِلْمَرِيضِ يَنْشَأُ عَنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ سُكُوتِ الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَيُفْضِي فِي الْعَادَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَهَجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنَ الْهَجْرِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَيَاةَ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ.
قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي تَرْجِيحُ ثَالِثِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَيَكُونُ قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ قَرُبَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَعْهَدُ أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ قَدْ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ تَحْرِيرِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ يَهْجُرُ، اسْتَفْهِمُوهُ وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَيَهْجُرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ ذَلِكَ: اسْتَفْهِمُوهُ (١) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِفْهَامِ أَيِ اخْتَبِرُوا أَمْرَهُ بِأَنْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ وَابْحَثُوا مَعَهُ فِي كَوْنِهِ الْأَوْلَى أَوْ لَا. وَفِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى الِامْتِثَالِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَلَمَّا وَقَعَ مِنْهُمُ الِاخْتِلَافُ ارْتَفَعَتِ الْبَرَكَةُ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُرِ.
وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَامِ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُهُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَرُفِعَتْ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنَّمَا جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ صَرِيحِ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ قَدْ стр. 4481
يُقَارِنُهَا مَا يَنْقُلُهَا مِنَ الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرِينَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى التَّحَتُّمِ بَلْ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ، وَصَمَّمَ عُمَرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَازِمٍ، وَعَزْمُهُ ﷺ كَانَ إِمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُهُ إِنْ كَانَ بِالْوَحْيِ فَبِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَبِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ قُوَّةِ فِقْهِهِ وَدَقِيقِ نَظَرِهِ، لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُبَ أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لِكَوْنِهَا مَنْصُوصَةً، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْعُلَمَاءِ.
وَفِي تَرْكِهِ ﷺ الْإِنْكَارَ عَلَى عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى تَصْوِيبِهِ رَأْيَهُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّخْفِيفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، وَقَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ بِأَنَّ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَتَهُ لَيْسَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَمْ يَتْرُكْهُ ﷺ لِأَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ إِلَخْ، لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ قَطْعًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَتَوَهَّمْ عُمَرُ الْغَلَطَ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ كِتَابَتَهُ، بَلِ امْتِنَاعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَرْبِ وَحُضُورِ الْمَوْتِ خَشِيَ أَنْ يَجِدَ الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَإِلَى حَمْلِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهَا بِوُقُوعِ بَعْضِ مَا يُخَالِفُ الِاتِّفَاقَ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَقُّفِ عُمَرَ، لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا جَوَازَ وُقُوعِ الْغَلَطِ عَلَيْهِ حَاشَا وَكَلَّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ ذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَيْ يُعِيدُونَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ وَيَسْتَثْبِتُونَهُ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرُدُّونَ عَنْهُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ دَعُونِي: فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: دَعُونِي فَالَّذِي أُعَايِنُهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِي بَعْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِمَّا أَنَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ وَالتَّأَهُّبِ لِلِقَاءِ اللَّهِ وَالتَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي تَسْأَلُونَنِي فِيهِ مِنَ الْمُبَاحَثَةِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ عَدَمِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَإِنَّ امْتِنَاعِي مِنْ أَنْ أَكْتُبَ لَكُمْ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ أَيِ الَّذِي أَشَرْتُ عَلَيْكُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِهَا بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ اخْتِبَارًا وَامْتِحَانًا فَهَدَى اللَّهُ عُمَرَ لِمُرَادِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ بَطَّالٍ: عُمَرُ أَفْقَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ اكْتَفَى بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عَنْ بَيَانِ السُّنَّةِ، بَلْ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرِينَةِ، وَخَشِيَ مِنَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى كِتَابَةِ الْكِتَابِ مِمَّا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، فَرَأَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا خَشِيَهُ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ لَمْ يَكْتَفِ بِالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ حَبْرَ الْقُرْآنِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلَكِنَّهُ أَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْبَيَانِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَشَرْحُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُهُ لِوُقُوعِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَعَاقَبَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَبْلِيغِهِ، وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ لَفْظًا كَمَا أَوْصَاهُمْ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَيَّامًا وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ لَفْظًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَوْلُهُ: أَجِيزُوا
стр. 4482
الْوَفْدَ أَيْ أَعْطُوهُمْ، وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَقَالَ: أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُلَ وَيُطْلِقُونَهُ فَيَجُوزُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ مُتَوَجِّهًا فَسُمِّيَتْ عَطِيَّةُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَى الْكَبِيرِ جَائِزَةً، وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي إِعْطَاءِ الشَّاعِرِ عَلَى مَدْحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ: مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ أَيْ بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَكَانَتْ جَائِزَةُ الْوَاحِدِ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وُقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا) يُحْتمُل أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ أَيِ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّالِثَةُ لِلْوَصِيَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: بَلْ هُوَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ قَوْلُهُ: وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهَا قَوْلُهُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
قَوْلُهُ في الرواية الثانية: (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ) أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ فِيهَا (فَقَالَ: قُومُوا) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي.
٤٤٣٣، ٤٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ﵍ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَضَحِكَتْ فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَوَالِدُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ) وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا مَضَتْ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَرْحَبًا بِبِنْتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَرِضَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ تُقَبِّلُهُ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي سَارَّهَا بِهِ أَوَّلًا فَبَكَتْ هُوَ إِعْلَامُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا سَارَّهَا بِهِ ثَانِيًا فَضَحِكَتْ فَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ كَوْنَهَا أَوَّلَ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّ حَدِيثَ مَسْرُوقٍ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَاتٍ لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ فَمَا زَادَهُ مَسْرُوقٌ قَوْلُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي
стр. 4483
الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَأَنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجْلَي وَأَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي.
وَقَوْلُهَا: كَأَنَّ مِشْيَتَهَا هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ. وَقَوْلُهَا: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكُسُوفِ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَا رَأَيْتُ كَفَرَحِ الْيَوْمِ فَرَحًا أَوْ مَا رَأَيْتُ فَرَحًا كَفَرَحٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَقَوْلُهَا: حَتَّى تُوُفِّيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ تَقُلْ لِي شَيْئًا حَتَّى تُوُفِّيَ. وَقَدْ طَوَى عُرْوَةُ هَذَا كُلَّهُ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَضَحِكَتْ: فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: سَارَّنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَن عَائِشَةَ لَمَّا رَأَتْ بُكَاءَهَا وَضَحِكَهَا قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَعْقَلُ النِّسَاءِ فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ. وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ الْجَزْمُ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بِأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ، فَفِيهَا أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارُهُ بِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ سَبَبًا لِبُكَائِهَا أَوْ ضَحِكِهَا مَعًا بِاعْتِبَارَيْنِ، فَذَكَرَ كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ الْبُكَاءِ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَفِي سَبَبِ الضَّحِكِ الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ أَنَّهَا سَيِّدَةُ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْهَا أَنَّ سَبَبَ الْبُكَاءِ مَوْتُهُ، وَسَبَبَ الضَّحِكِ لِحَاقُهَا بِهِ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَيْسَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ ذُرِّيَّةً مِنْكِ فَلَا تَكُونِي أَدْنَى امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا. وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ ﷺ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ حَتَّى مِنْ أَزْوَاجِهِ.
٤٤٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ.
[الحديث ٤٤٣٥ - أطرافه في: ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٥٨٦، ٦٣٤٨، ٦٥٠٩]
٤٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى.
٤٤٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فَقُلْتُ: إِذًا لَا يُختارُنَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدٍ، وَهُوَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، أَوْرَدَهُ عَالِيًا مُخْتَصَرًا وَنَازِلًا تَامًّا ثُمَّ أَوْرَدَهُ أَتَمَّ مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ النَّازِلَةُ فَإِنَّهُ سَاقَهَا مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ،
стр. 4484
عَنْ شُعْبَةَ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْعَالِيَةُ فَأَخْرَجَهَا عَنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَلَفْظُهُ مُغَايِرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ: الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَهَذَا الْقَدْرُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَصَابَتْهُ بُحَّةٌ فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اقْتَصَرَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، وَقَدِ اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى تَخْرِيجِ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ دُونَ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: مِثْلُ غُنْدَرٍ قَوْلُهَا.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَمْ تُصَرِّحْ عَائِشَةُ بِذِكْرِ مَنْ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَصَرَّحَتْ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُحَيَّى أَوْ يُخَيَّرُ وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ: يُحَيَّى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُخَيَّرُ كَمَا فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَضُ إِلَّا يَرَى الثَّوَابَ ثُمَّ يُخَيَّرُ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوَيْهِبَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدَ ثُمَّ الْجَنَّةَ فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ رَفَعَهُ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ فَاخْتَرْتُ التَّعْجِيلَ.
(تَنْبِيهٌ): فَهْمُ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى أَنَّهُ خُيِّرَ، نَظِيرُ فَهْمِ أَبِيهَا ﵁ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُرَادَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَكَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ: شَيْءٌ يَعْرِضُ فِي الْحَلْقِ فَيَتَغَيَّرُ لَهُ الصَّوْتُ فَيَغْلُظُ، تَقُولُ: بَحِحْتُ بِالْكَسْرِ بُحًّا، وَرَجُلٌ أَبَحُّ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهِ خِلْقَةً.
قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَفِيقًا﴾ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى الْأَسْعَدَ، مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّفِيقَ الْمَكَانُ الَّذِي تَحْصُلُ الْمُرَافَقَةُ فِيهِ مَعَ الْمَذْكُورِينَ. وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادٍ عَنْ عَائِشَةَ بَعْدَ هَذَا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّفِيقَ تَغْيِيرٌ مِنَ الرَّاوِي وَأَنَّ الصَّوَابَ الرَّقِيعُ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى الْجَنَّةُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ: الرَّفِيقُ الْأَعْلَى الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: بَلِ الرَّفِيقُ هُنَا اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَمَا فَوْقَهُ، وَالْمُرَادُ: الْأَنْبِيَاءُ وَمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ.
وَقَدْ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَنُكْتَةُ الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالْإِفْرَادِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى اللَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ فَعَزْوُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى. قَالَ:
стр. 4485
وَالرَّفِيقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ كَالْحَكِيمِ، أَوْ صِفَةَ فِعْلٍ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَضْرَةُ الْقُدْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ. وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ رَفِيقًا تَعَاوُنُهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَارْتِفَاقُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ. وَقَدْ غَلَّطَ الْأَزْهَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَلَا وَجْهَ لِتَغْلِيطِهِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي غَلَّطَهُ بِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: مَعَ الرَّفِيقِ أَوْ فِي الرَّفِيقِ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ سَائِغٌ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اخْتِتَامِ كَلَامِ الْمُصْطَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ كَوْنُهَا تَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ وَالذِّكْرَ بِالْقَلْبِ حَتَّى يُسْتَفَادَ مِنْهُ الرُّخْصَةُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَمْنَعُهُ مِنَ النُّطْقِ مَانِعٌ فَلَا يَضُرُّهُ إِذَا كَانَ قَلْبُهُ عَامِرًا بِالذِّكْرِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَقُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَخَيَّرَهُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا ﷺ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَآخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: جَلَالُ رَبِّي الرَّفِيعُ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي السِّوَاكِ.
٤٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَضَى وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي.
٤٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ.
[الحديث ٤٤٤٠ - طرفه في: ٥٦٧٤]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) جَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَسَقَطَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَفَّانَ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَعَفَّانُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَنُّ بِهِ) أَيْ يَسْتَاكُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُهُ مِنَ السَّنِّ أَيْ بِالْفَتْحِ، وَمِنْهُ الْمِسَنُّ الَّذِي يُسَنُّ عَلَيْهِ الْحَدِيدُ.
قَوْلُهُ: (فَأَبَدَّهُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مَدَّ نَظَرُهُ إِلَيْهِ، يُقَالُ: أَبْدَدْتُ فُلَانًا النَّظَرَ إِذَ طَوَّلْتُهُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَمَدَّهُ بِالْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَقَضِمْتُهُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَضَغْتُهُ، وَالْقَضْمُ الْأَخْذُ بِطَرَفِ الْأَسْنَانِ، يُقَالُ: قَضِمَتِ الدَّابَّةُ بِكَسْرِ الضَّادِ شَعِيرَهَا تَقْضَمُ بِالْفَتْحِ إِذَا مَضَغَتْهُ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَسَرَتْهُ أَوْ قَطَعَتْهُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ رِوَايَةً بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنْ كَانَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهَا: فَطَيَّبْتُهُ تَكْرَارًا
стр. 4486
وَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَلَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى كَسَرْتُهُ لِطُولِهِ، أَوْ لِإِزَالَةِ الْمَكَانِ الَّذِي تَسَوَّكَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَيَّنْتُهُ ثُمَّ طَيَّبْتُهُ) أَيْ بِالْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: طَيَّبْتُهُ تَأْكِيدًا لِلَيَّنْتُهُ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَدْخَلْتُهُ فِي فِيهِ فَاشْتَدَّ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَقُوَّةُ فِطْنَةِ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (وَنَفَضْتُهُ) بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ: (فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ) أَيْ مِنَ السِّوَاكِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ وَرَأْسُهُ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي) وَفِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ: تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَإِنَّ اللَّهَ جَمَعَ رِيقِي وَرِيقَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَاقِنَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ: مَا سَفَلَ مِنَ الذَّقَنِ، وَالذَّاقِنَةُ مَا عَلَا مِنْهُ. أَوِ الْحَاقِنَةُ: نُقْرَةُ التَّرْقُوَةِ، هُمَا حَاقِنَتَانِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَاقِنَةَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ التَّرْقُوَةِ وَالْحَلْقِ. وَقِيلَ: مَا دُونَ التَّرْقُوَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: هِيَ تَحْتَ السُّرَّةِ. وَقَالَ ثَابِتٌ: الذَّاقِنَةُ طَرَفُ الْحُلْقُومِ: وَالسَّحْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّدْرُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرِّئَةُ. وَالنَّحْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ النَّحْرِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هُوَ مَا بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بَيْنَ الْحَاقِنَةِ وَالذَّاقِنَةِ هُوَ مَا بَيْنَ السَّحْرِ وَالنَّحْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَاتَ وَرَأْسُهُ بَيْنَ حَنَكِهَا وَصَدْرِهَا ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا.
وَهَذَا لَا يُغَايِرُ حَدِيثَهَا الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ رَأْسَهُ كَانَ عَلَى فَخِذِهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا رَفَعَتْهُ مِنْ فَخِذِهَا إِلَى صَدْرِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ وَكُلُّ طَرِيقٍ مِنْهَا لَا يَخْلُو مِنْ شِيعِيٍّ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ رَأَيْتُ بَيَانَ حَالِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ التَّعَصُّبِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ذِكْرُ مَنْ قَالَ: تُوُفِّيَ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ وَسَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: سَأَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، عَلِيًّا مَا كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَقَالَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي سَنَدِهِ الْوَاقِدِيُّ، وَحَرَمُ بْنُ عُثْمَانَ وَهُمَا مَتْرُوكَانِ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ادْعُوا إِلَيَّ أَخِي، فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَنِدًا إِلَيَّ وَإِنَّهُ لِيُكَلِّمُنِي حَتَّى نَزَلَ بِهِ، وَثَقُلَ فِي حِجْرِي فَصِحْتُ: يَا عَبَّاسُ أَدْرِكْنِي فإِنِّي هَالِكٌ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ، فَكَانَ جَهْدُهُمَا جَمِيعًا أَنْ أَضْجَعَاهُ. فِيهِ انْقِطَاعٌ مَعَ الْوَاقِدِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ فِيهِ لِينٌ.
وَبِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: قُبِضَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فِيهِ انْقِطَاعٌ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: مَاتَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ وَالِانْقِطَاعُ، وَأَبُو الْحُوَيْرِثِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْمَدَنِيُّ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَأَبُوهُ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ. وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ تُوُفِّيَ وَإِنَّهُ لَمُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَخِي الْفَضْلُ، وَأَبَى أَبِي أَنْ يَحْضُرَ. فِيهِ الْوَاقِدِيُّ، وَسُلَيْمَانُ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَأَبُو غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ سَعْدٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي فَسَالَتْ نَفْسُهُ. وَحَبَّةُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَلِيٌّ آخِرُهُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ آخِرَ الرِّجَالِ بِهِ عَهْدًا. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ آخِرَهُمْ عَهْدًا بِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى مَالَ فَلَمَّا مَالَ ظَنَّ أَنَّهُ مَاتَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ فَأَسْنَدَتْهُ عَائِشَةُ بَعْدَهُ إِلَى صَدْرِهَا فَقُبِضَ.
وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ
стр. 4487
بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ الْمَفْتُوحَةِ نُونٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ: فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى مَنْكِبِي إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُقْطَةٌ بَارِدَةٌ فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ نَحْرِي فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا.
٤٤٤١ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ الْوَزَّانِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ والنصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
٤٤٤٣، ٤٤٤٤ - وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
٤٤٤٥ - أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا وَلَا كُنْتُ أُرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
٤٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، لَا إِلَى جَمِيعِ الْحَدِيثِ. فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَصَلَهُ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْإِمَامَةِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
الْحَدِيثُ العَاشَرَ.
قَوْلهَا: (فَلَا أَكْرَه شِدَّة الْمَوْت لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْد النَّبِيّ ﷺ سَيَأْتِي بَيَان الشِّدَّة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث الْآتِي أَوَاخِر الْبَاب مِنْ رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَة وَلَفْظه: بَيْن يَدَيْهِ رَكْوَة أَوْ عُلْبَة بِهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِل يَدَيْهِ فِي الْمَاء فَيَمْسَح بِهَا وَجْهه يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَات وَعِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ طَرِيق الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: رَأَيْته وَعِنْده قَدَح فِيهِ مَاء وَهُوَ يَمُوت، فَيُدْخِل يَده فِي الْقَدَح ثُمَّ يَمْسَح وَجْهه بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَات الْمَوْت وَفِي رِوَايَة شَقِيق عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: مَا رَأَيْت الْوَجَع عَلَى أَحَد أَشَدّ مِنْهُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَسَيَأْتِي فِي الطِّبّ. وَبَيَّنَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود فِي الطِّبّ أَنَّ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَجْرَيْنِ. وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد: إِنَّا مَعَاشِر الْأَنْبِيَاء يُضَاعَف لَنَا الْبَلَاء كَمَا يُضَاعَف لَنَا الْأَجْر.
стр. 4488
٤٤٤٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيُّ وَكَانَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ: هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: (لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي وَجَعِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ هِيَ الَّتِي خَاطَبَتْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُنَّ: أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ دُخُولَهُ بَيْتَهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَدْ مَضَى شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ وَفِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَذَكَرْتُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ طَرَفًا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ الَّذِي كَانَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْعَبَّاسِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: فَخَرَجَ بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ وَفِي أُخْرَى: رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أُسَامَةُ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أُسَامَةُ، وَالْفَضْلُ وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي آخِرِهِ: بَرِيرَةُ وَنُوبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اسْمُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَجَزَمَ سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: الْفَضْلُ، وَثَوْبَانُ وَجَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنَّ خُرُوجَهُ تَعَدَّدَ فَيَتَعَدَّدُ مَنِ اتَّكَأَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: تَنَاوَبُوا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي بَيْتِي) وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بُيُوتَكُنَّ، فَإِذَا شِئْتُنَّ أَذِنْتُنَّ لِي، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ وَكَانَ أَوَّلُ مَا بَدَأَ مَرَضُهُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْعَدَدِ أَنَّ لَهُ خَاصِّيَّةً فِي دَفْعِ ضَرَرِ السُّمِّ وَالسِّحْرِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ نَجَاسَةَ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مِنْهُ سَبْعًا إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ السُّمَيَّةِ الَّتِي فِي رِيقِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُصَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الْقَوْلُ لِمَنْ بِهِ وَجَعٌ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَفِي النَّسَائِيِّ: مَنْ قَالَ عِنْدَ مَرِيضٍ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي
стр. 4489
شَيْبَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: أَيْنَ أَكُونُ غَدًا؟ كَرَّرَهَا، فَعَرَفَتْ أَزْوَاجُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَهَبْنَا أَيَّامَنَا لِأُخْتِنَا عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا؟ حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ، وَأَذِنَ لَهُ نِسَاؤُهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُحَدِّثُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مَوْصُولٌ: وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي مَرَضِهِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ -: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّهُ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُهُمْ وَلَغَطُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا، فَلَعَلَّهُ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِفَّةً فَخَرَجَ. وَقَوْلُهُ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ إِلَخْ. هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا وَمَوْصُولٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا فَصَلَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ مَا هُوَ عِنْدَ شَيْخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ مَعًا وَعَنْ عَائِشَةَ فَقَطْ.
٤٤٤٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ؟ إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
[الحديث ٤٤٤٧ - طرفه في: ٦٢٦٦]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ) هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ أَخَوَيْهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ الدِّمْيَاطِيِّ فِيهِ فَإِنَّ الْإِسْنَادَ صَحِيحٌ وَسَمَاعُ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ثَابِتٌ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ شُعَيْبٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَصَرَّحَ أَيْضًا بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَفِي الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ وَصَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.
قَوْلُهُ: (بَارِئًا) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَأَ بِمَعْنَى أَفَاقَ مِنَ
стр. 4490
الْمَرَضِ.
قَوْلُهُ: (أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا) هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّنْ يَصِيرُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَصِيرُ أَنْتَ مَأْمُورًا عَلَيْكَ، وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ فِرَاسَةِ الْعَبَّاسِ ﵁.
قَوْلُهُ: (لَأَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَبِضَمِّهَا بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَهَذَا قَالَهُ الْعَبَّاسُ مُسْتَنِدًا إِلَى التَّجْرِبَةِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (هَذَا الْأَمْرُ) أَيِ الْخِلَافَةُ. وَفِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فَنَسْأَلُهُ مَنْ يَسْتَخْلِفُ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ مِنَّا فَذَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَوْصَى بِنَا) فِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ وَإِلَّا أَوْصَى بِنَا فَحُفِظْنَا مِنْ بَعْدِهِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ عَلِيٌّ: وَهَلْ يَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُنَا. قَالَ: أَظُنُّ وَاللَّهِ سَيَكُونُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ) أَيْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ لَا أَطْلُبُهَا مِنْهُ، وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ فِي آخِرِهِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ، لِعَلِيٍّ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ تُبَايِعْكَ النَّاسُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَهُ عَنْهَا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَقِيَنِي الْعَبَّاسُ - فَذَكَرَ نَحْوَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِاخْتِصَارٍ وَفِي آخِرهَا - قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا لَيْتَنِي أَطَعْتُ عَبَّاسًا، يَا لَيْتَنِي أَطَعْتُ عَبَّاسًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يَقُ لُ لَنَا: أَيُّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ رَأْيًا؟ فَنَقُولُ الْعَبَّاسُ. فَيَأْبَى وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ أَعْطَاهَا عَلِيًّا فَمَنَعَهُ النَّاسُ لَكَفَرُوا.
٤٤٤٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ، لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَسٌ: وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَنَسٍ (أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْقَوْمِ الْحَدِيثَ، وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَلَا يَصِحُّ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ صَلَاةَ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ) زَادَ أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ وَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَكَى النَّاسُ، فَقَامَ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَلَا لَا أَسْمَعَنَّ أَحَدًا يَقُولُ: مَاتَ مُحَمَّدٌ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهِيَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) يَخْدِشُ فِي جَزْمِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخِرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ وَذَلِكَ عِنْدَ
стр. 4491
الزَّوَالِ، وَاشْتِدَادُ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَتَحَقَّقُ زَوَالُ الشَّمْسِ. وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ.
٤٤٤٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَرُ - فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ.
٤٤٥٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا" يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ثُمَّ قَالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي"
٤٤٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً فَأَخَذْتُهَا فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا فَسَقَطَتْ يَدُهُ أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الْآخِرَةِ.
الحديث الرابع عشر، قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ) سَيَأْتِي بَعْدَ حَدِيثٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي
стр. 4492
مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ، لَكِنْ فِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيَّنْتُهُ) أَيْ لَيَّنْتُ السِّوَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَّهُ) بِفَاءٍ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ أَمَرَّهُ عَلَى أَسْنَانِهِ فَاسْتَاكَ بِهِ. وللْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ بِأَمْرِهِ بِمُوَحَّدَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا. الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ، تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.
٤٤٥٢، ٤٤٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، وَبَكَى ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا.
٤٤٥٤ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنْ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ مَسْكَنُ زَوْجَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَةِ الْأُخْرَى مَوْتَةُ الشَّرِيعَةِ أَيْ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَكَ وَمَوْتَ شَرِيعَتِكَ. قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا لِأَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ ابْنِ السَّكَنِ قَدْ أَوْضَحَتِ الْمُرَادَ فَإِنَّهُ زَادَ لَفْظَ: عَلِمْتُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ) أَيْ يَقُولُ لَهُمْ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرْتُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّامِنِ شَيْءٌ دَارَ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ،
стр. 4493
وَعُمَرَ. فَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهَا: فَسَجَّيْت هُ ثَوْبًا: فَجَاءَ عُمَرُ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْتُ لَهُمَا، وَجَذَبْتُ الْحِجَابَ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَاغَشْيَتَاهْ. ثُمَّ قَامَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْبَابِ قَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا عُمَرُ مَاتَ. قَالَ: كَذَبْتَ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوشُكَ فِتْنَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَرَفَعْتُ الْحِجَابَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعُمَرَ: هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَارَبَ وَسَالَمَ وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى مَحَجَّةٍ وَاضِحَةٍ وَهَذِهِ مِنْ مُوَافَقَاتِ الْعَبَّاسِ، لِلصِّدِّيقِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقْتُلَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَارَ وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ، أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ثُمَّ أَتَى الْمِنْبَرَ فَصَعِدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ زَادَ يَزِيدُ بْنُ بَابَنُوسُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُمَرُ. أَوَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا شَعَرْتُ أَنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَزَادَ: ثُمَّ نَزَلَ، فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخَذَ الْمُنَافِقِينَ الْكَآبَةُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَأَنَّمَا عَلَى وُجُوهِنَا أَغْطِيَةٌ فَكُشِفَتْ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ، وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: مَا أَدْرِي: الْقَائِلُ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الزُّهْرِيُّ أَوْ شَيْخُهُ أَبُو مَسْلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: صَرَّحَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَثَرُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ هَذَا أَهْمَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ.
قَوْلُهُ: (فَعُقِرْتُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ هَلَكْتُ، وَفِي رِوَايَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ دَهَشْتُ وَتَحَيَّرْتُ، وَيُقَالُ: سَقَطْتُ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ بِالْفَاءِ مِنَ الْعَفَرِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقُعِرْتُ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْعَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (مَا تُقِلُّنِي) بِضَمِّ أَوَّلُهُ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَا تَحْمِلُنِي.
قَوْلُهُ: (وَحَتَّى أَهْوَيْتُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: هَوَيْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَقَوْلُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ تَلَاهَا: أَيْ تَلَا الْآيَةَ الَّتِي مَعْنَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَكَذَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَعُقِرْتُ وَأَنَا قَائِمٌ حَتَّى خَرَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَيْقَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتَ وَفِي الْحَدِيثِ قُوَّةُ جَأْشِ أَبِي بَكْرٍ وَكَثْرَةُ عِلْمِهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبَّاسُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُغِيرَةُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَمَا فِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَقَلَّ عَدَدًا فِي الِاجْتِهَادِ قَدْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ الْأَكْثَرَ فَلَا يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ بِالْأَكْثَرِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَلَّدَ بَعْضًا.
٤٤٥٥، ٤٤٥٦ - ، ٤٤٥٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 4494
بَعْدَ مَوْتِهِ.
[الحديث ٤٤٥٦ - طرفه في: ٥٧٠٩]
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا مَاتَ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ عَنْهَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاخَلِيلَاهْ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَوَضَعَ فَاهُ عَلَى جَبِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَسَّهُ فَقَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٤٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَزَادَ قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟ قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٤٤٥٨ - أطرافه في: ٥٧١٢، ٦٨٨٦، ٦٨٩٧]
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ) أَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّةَ اللُّدُودِ.
قَوْلُهُ: (لَدَدْنَاهُ) أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا هُوَ اللُّدُودُ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ: الْوُجُورُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - فلَّدُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) قَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الِامْتِنَاعُ كَرَاهِيَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَةَ الدَّوَاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: الرَّفْعُ أَوْجَهُ مِنَ النَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسُ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) قِيلَ: فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَمْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ لِتَرْكِهِمُ امْتِثَالَ نَهْيهِ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لَا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَةِ النَّهْيِ - قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: - أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ حَقُّهُ فَيَقَعُوا فِي خَطْبٍ عَظِيمٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْعَفْوُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا، فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا انْتِقَامًا. قِيلَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ، وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
стр. 4495
فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سْعَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ تَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَاصِرَةُ، فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا مِنْ فِعْلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيَّ ذَاتَ الْجَنْبِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا، وَاللَّهِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ. فَمَا يبَقِى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ، وَلَدَدْنَا مَيْمُونَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: إِنَّ أَوَّلَ مَا اشْتَكَى كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ مِنْهُنَّ فَقَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ.
قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ: أَحَدُهُمَا وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ، وَالْآخَرُ رِيحٌ مُحْتَقِنٌ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْفِيُّ هُنَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ كَالْأَوَّلِ.
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
٤٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَي أَزْهَرُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ فَمَاتَ فَمَا شَعَرْتُ فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَزْهَرُ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ بَصْرِيٌّ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخْعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ فَكُوفِيَّانِ.
قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: ذَكَرُوا وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: وَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ رَأَيْتُهُ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَتْفُلَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هُنَاكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْبَابِ.
٤٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
٤٤٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ
стр. 4496
السَّبِيلِ صَدَقَةً.
٤٤٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ نفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَاكَرْبَ أَبَاهُ) فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَاكَرْبَاهْ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ لِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ صَوْتَهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا لَكَانَ يَنْهَاهَا.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَتَاهْ) كَأَنَّهَا قَالَتْ: يَا أَبِي، وَالْمُثَنَّاةُ بَدَلٌ مِنَ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْأَلِفُ لِلنُّدْبَةِ وَلِمَدِّ الصَّوْتِ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَحَكَى الطَّيِّبِيُّ عَنْ نُسْخَةٍ مِنْ الْمَصَابِيحِ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ) قِيلَ: الصَّوَابُ إِلَى جِبْرِيلَ نَعَاهُ، جَزَمَ بِذَلِكَ سِبْطُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِرْآةِ، وَالْأَوَّلُ مُوَجَّهٌ فَلَا مَعْنَى لِتَغْلِيطِ الرُّوَاةِ بِالظَّنِّ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَارِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: يَا أَبَتَاهُ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ وَمِثْلُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﵊: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ وَالِاخْتِلَافِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ تَنْقَطِعَ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَوْتِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَأَعْمَالُهُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرْبِ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ، وَكَانَ فِيمَا يُصِيبُ جَسَدَهُ مِنَ الْآلَامِ كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَفَ لَهُ الْأَجْرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ إِلَخْ) وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ، وَأَشَارَتْ ﵍ بِذَلِكَ إِلَى عِتَابِهِمْ عَلَى إِقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَسَكَتَ أَنَسٌ عَنْ جَوَابِهَا رِعَايَةً لَهَا وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: لَمْ تَطِبْ أَنْفُسُنَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْلِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا تَغَيَّرَتْ عَمَّا عَهِدُوهُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالصَّفَاءِ وَالرِّقَّةِ؛ لِفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ بِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّوَجُّعِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ احْتِضَارِهِ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ ﵍ وَاكَرْبَ أَبَاهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النِّيَاحَةِ، لِأَنَّهُ ﷺ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهَا بَعْدَ أَنْ قُبِضَ وَاأَبَتَاهْ إِلَخْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُتَّصِفًا بِهَا لَا يُمْنَعُ ذِكْرُهُ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ أَوْ لَا يَتَحَقَّقُ اتِّصَافُهُ بِهَا فَيَدْخُلُ فِي الْمَنْعِ، وَنُبِّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ كَلَامَ فَاطِمَةَ هَذَا فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ فِي مُسْنَدِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ
стр. 4497
أَنَّهُ حَضَرَهُ، لَكِنِ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ فَاطِمَةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْهَا.
٨٤ - بَاب آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ
٤٤٦٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ يُونُسُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، فَقُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَتْ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَقَدْ شُرِحَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي رِجَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَأَنَّ عَائِشَةَ أَشَارَتْ إِلَى مَا أَشَاعَتْهُ الرَّافِضَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ وَأَنْ يُوَفِّيَ دُيُونَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَةِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا بَيَّنَ لَهُ مَنْ يَلِي بَعْدَهُ فَهَلْ بَيَّنَ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَمَنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ عَنْ سَلْمَانَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ وَصِيُّكَ؟ قَالَ: وَصِيِّي وَمَوْضِعُ سِرِّي وَخَلِيفَتِي عَلَى أَهْلِي وَخَيْرُ مَنْ أُخَلِّفُهُ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَمَنْ طَرِيقِ أَبِي رَبِيعَةَ الْإِيَادِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ: لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ وَإِنَّ عَلِيًّا وَصِيِّي وَوَلَدِي. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَعَلِيٌّ خَاتَمُ الْأَوْصِيَاءِ. أَوْرَدَهَا وَغَيْرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
٨٥ - بَاب وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ
٤٤٦٤ - ٤٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
[الحديث ٤٤٦٤ - طرفه في: ٤٩٧٨]
٤٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ "قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِثْلَه"
قَوْلُهُ: (بَابُ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ فِي أَيِّ السِّنِينَ وَقَعَتْ؟
قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا) هَذَا يُخَالِفُ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَائِشَةَ عَقِبَهُ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، إِلَّا
стр. 4498
أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ. وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي عُمْرِهِ أَنَّهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِثْلُهُ لِأَحْمَدَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ سِتِّينَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إِلْغَاءَ الْكَسْرِ، أَوْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بُعِثَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمَاتَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَبِثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَبُعِثَ لِأَرْبَعِينَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُ الْمَشْهُورَ - وَهُوَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ - جَاءَ عَنْهُ الْمَشْهُورُ، وَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَأَنَسٌ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَبِهِ جَزَمَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ الثَّبْتُ عِنْدنَا.
وَقَدْ جَمَعَ السُّهَيْلِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ: مَكَثَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ عَدَّ مِنْ أَوَّلِ مَا جَاءَهُ الْمَلَكُ بِالنُّبُوَّةِ، وَمَنْ قَالَ: مَكَثَ عَشْرًا أَخَذَ مَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَمَجِيءِ الْمَلَكِ بِيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ خَبَرِ الشَّعْبِيِّ الَّذِي نَقَلْتُهُ مِنْ تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مَا يُخَالِفُهُ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ الْمُخَرَّجِ فِي (١) مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا الزُّهْرِيُّ، وَمِنَ الشُّذُوذِ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّهُ عَاشَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَلَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَنِصْفًا، وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ وُلِدَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ شَاذٌّ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: خَمْسٌ وَسِتُّونَ جَبَرَ الْكَسْرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ فَقَطْ وَقَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: مِثْلَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ أَرْسَلَهُ، وَالْقَصْدُ بِالْمِثْلِ الْمَتْنُ فَقَطْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَقَدْ جَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا لَمَّا شَرَحْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ظَفِرْتُ بِهِ الْآنَ كَمَا حَرَّرْتُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
٨٦ - باب
٤٤٦٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ يعني صاعا من شعير.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمُمَيَّزِ وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ ثَلَاثِينَ صَاعًا وَوَجْهُ إِيرَادِهِ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ، وَهُوَ يُنَاسِبُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا.
٨٧ - بَاب بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ стр. 4499
٤٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ فَقَالُوا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي أُسَامَةَ وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.
٤٤٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمَارَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) إِنَّمَا أَخَّرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِمَا جَاءَ أَنَّهُ كَانَ تَجْهِيزُ أُسَامَةَ يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَوْمَيْنِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ قَبْلَ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَدَبَ النَّاسَ لِغَزْوِ الرُّومِ فِي آخِرِ صَفَرٍ، وَدَعَا أُسَامَةَ فَقَالَ: سِرْ إِلَى مَوْضِعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ، وَأَغِرْ صَبَاحًا عَلَى أُبْنَى، وَحَرِّقْ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرِعِ الْمَسِيرَ تَسْبِقِ الْخَبَرَ، فَإِنْ ظَفَّرَكَ اللَّهُ بِهِمْ فَأَقِلَّ اللُّبْثَ فِيهِمْ. فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَعَقَدَ لِأُسَامَةَ لِوَاءً بِيَدِهِ، فَأَخَذَهُ أُسَامَةُ فَدَفَعَهُ إِلَى بُرَيْدَةَ وَعَسْكَرَ بِالْجُرْفِ، وَكَانَ مِمَّنْ انُتدِبَ مَعَ أُسَامَةَ كِبَارُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ، فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُمَرُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ، فَجَهَّزَهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنِ اسْتُخْلِفَ، فَسَارَ عِشْرِينَ لَيْلَةً إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، وَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ، وَرَجَعَ بِالْجَيْشِ سَالِمًا وَقَدْ غَنِمُوا.
وَقَدْ قَصَّ أَصْحَابُ الْمَغَازِي قِصَّةً مُطَوَّلَةً فَلَخَّصْتُهَا، وَكَانَتْ آخِرَ سَرِيَّةٍ جَهَّزَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَوَّلَ شَيْءٍ جَهَّزَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْمُطَهَّرِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ كَانَا فِي بَعْثِ أُسَامَةَ ; وَمُسْتَنَدُ مَا ذَكَرَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ فِي الْمَغَازِي وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعدٍ أَوَاخِرَ التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَفْظُهُ بَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَعَقَدَ لِأُسَامَةَ فَقَالَ: اغْزُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسِرْ إِلَى مَوْضِعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَّا انْتُدِبَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَلَمَّا جَهَّزَهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنِ اسْتُخْلِفَ سَأَلَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَأْذَنَ لَعمر بِالْإِقَامَةِ فَأَذِنَ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظِمِ جَازِمًا بِهِ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، أَبَا عُبَيْدَةَ، وَسَعْدًا، وَسَعِيدًا، وَسَلَمَةَ بْنَ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَالَّذِي بَاشَرَ الْقَوْلَ مِمَّنْ نُسِبَ إِلَيْهِمُ الطَّعْنُ فِي إِمَارَتِهِ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَيْضًا أَنَّ عِدَّةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ كَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فِيهِمْ سبعمِائَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَتْ عِدَّةُ الْجَيْشِ سَبْعَمِائَةٍ.
стр. 4500
٨٨ - باب
٤٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو، عَنْ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَتَى هَاجَرْتَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مِنْ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَقُلْتُ لَهُ: الْخَبَرَ؟ فَقَالَ: دَفَنَّا النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ خَمْسٍ، قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فِي السَّبْعِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ) هُوَ يَزِيدُ، وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالصُّنَابِحِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ ﷺ خَلَّفَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ.
قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ)؟ الْقَائِلُ هُوَ أَبُو الْخَيْرِ وَالْمَقُولُ لَهُ الصُّنَابِحِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ بِمَا لَا مَزِيدَ فِي التَّتَبُّعِ عَلَيْهِ.
٨٩ - بَاب كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ ؟
٤٤٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁ كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ.
٤٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ.
٤٤٧٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
قَوْلُهُ: (بَابُ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْمَغَازِي بِنَحْوِ مَا ابْتَدَأَهُ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ الْمَغَازِي عَلَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَزَادَ هُنَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى مَعْرِفَةِ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَالْبَرَاءَ وَغَيْرَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ) هُوَ ابْنُ جُنَيْدِبٍ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا التِّرْمِذِيُّ الْحَافِظُ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ كَهْمَسٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَزْنَ جَعْفَرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ كَهْمَسَ بْنَ الْحَسَنِ وَابْنُ بُرَيْدَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ نَفْسَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ شُيُوخٍ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ بِعَيْنِهَا عَنْ أُولَئِكَ الشُّيُوخِ بِوَاسِطَةٍ. وَوَقَعَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ لِلْبُخَارِيِّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ حَدِيثٍ، وَقَدْ جَرَّدْتُهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَاتَلَ مِنْهَا فِي ثَمَانٍ،
стр. 4501
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَغَازِي تَوْجِيهُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُ عَدَدِ الْغَزَوَاتِ. وَأَمَّا السَّرَايَا فَتَقْرُبُ مِنْ سَبْعِينَ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَهَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغْلَطَاي أَنَّ مَجْمُوعَ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا مِائَةٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَغَازِي مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعُمِائَةِ حَدِيثٍ وَعَشَرَةُ أَحَادِيثَ، وَالْخَالِصُ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا وَهِيَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ شَهِدَ عَلِيٌّ بَدرًا وَبَارَزَ وَظَاهَرَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي تَوْجِيهِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَحَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فِي فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ وَعَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ يَوْمَ بَدْرٍ وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي أَبِي زَيْدٍ الْبَدْرِيِّ، وَحَدِيثُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْأَضَاحِي، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ فِي قَتْلِهِ الْعَاصَي بْنَ سَعِيدٍ بِبَدْرٍ، وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فِي الضَّرْبِ بِالدُّفِّ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي تَكْبِيرِهِ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَحَدِيثُ عُمَرَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَعَ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ نَسَخَ الْمَصَاحِفَ، وَحَدِيثُ وَحْشِيٌّ فِي قَتْلِ حَمْزَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَحَدِيثُ بِنْتِ الْحَارِثِ فِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَعَ حَفْصَةَ وَفِيهِ مُرَاجَعَتُهُ مَعَ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَلَّى الْخَوْفَ بِذِي قَرَدٍ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِيهِ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِيهِ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ فِي أَنْمَارٍ مُعَلَّقٌ مُرْسَلٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْوَلْقِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَدِيثُ مِرْدَاسَ يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ وَحَدِيثُ بِنْتِ خُفَافٍ، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَعَهَا فِي شُهُودِ أَبِيهَا، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ لَا نَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا وَحَدِيثُ زَاهِرٍ فِي لُحُومِ الْحُمُرِ، وَحَدِيثُ أُهْبَانَ بْنِ أَوْسٍ فِي السُّجُودِ، وَحَدِيثُ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو فِي نَقْضِ الْوِتْرِ، وَحَدِيثُ قَتَادَةَ فِي الْمُثَلَّثَةِ بَلَاغًا، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ فِي الضَّرْبِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الطَّيَالِسَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي تَمْرِ خَيْبَرَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي مُؤْتَةَ، وَحَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ فِي الْبُكَاءِ، وَحَدِيثُ عُرْوَةَ فِي قِصَّةِ الْفَتْحِ مُرْسَلٌ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي مَسْحِ وَجْهِهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ حَدِيثُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي ضَرْبَةِ حُنَيْنٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ بَنِي جَذِيمَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ الْمُرْتَدِّ مُرْسَلٌ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ مَعَ الْجَارِيَةِ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ فِي بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَفِيهِ رِوَايَتُهُ عَنْ ذِي عَمْرٍو، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَحَدِيثُ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ فِي رَجَبٍ، وَحَدِيثُهُ فَرَرْنَا إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ خَبَّابٍ وَفِيهِ قِرَاءَةُ عَلْقَمَةَ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ مَعَ عُمَرَ أَسْلَمْتُ إِذْ كَفَرُوا وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مَعَ الْعَبَّاسِ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ مَعَ فَاطِمَةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ بِلَالٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْنَدِ مِمَّا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4502
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٥ - كِتَاب التَفْسِيرِ
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسْمَانِ مِنْ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ التَّفْسِيرِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَر: كِتَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَأَخَّرَ غَيْرُهُ الْبَسْمَلَةَ. وَالتَّفْسِيرُ تَفْعِيلٌ مِنَ الْفَسْرِ وَهُوَ الْبَيَانُ، تَقُولُ: فَسَرْتُ الشَّيْءَ، بِالتَّخْفِيفِ، أَفْسِرُهُ فَسْرًا، وَفَسَّرْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ أُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا: إِذَا بَيَّنْتَهُ. وَأَصْلُ الْفَسْرِ: نَظَرُ الطَّبِيبِ إِلَى الْمَاءِ لِيَعْرِفَ الْعِلَّةَ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ فَسَرَتِ الْفَرَسَ إِذَا رَكَضْتَهَا مَحْصُورَةً لِيَنْطَلِقَ حَصْرُهَا. وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ سَفَرَ كَجَذَبَ وَجَبَذَ، تَقُولُ: سَفَرَ إِذَا كَشَفَ وَجْهَهَ، وَمِنْهُ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٌ: هُمَا بِمَعْنًى. وَقِيلَ: التَّفْسِيرُ هو بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، وَالتَّأْوِيلُ هُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْمَعْنَى، وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْتُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ)، أَيْ: مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ لُغَةً الرِّقَّةُ وَالِانْعِطَافُ، وَعَلَى هَذَا فَوَصْفُهُ بِهِ تَعَالَى مَجَازٌ عَنْ إِنْعَامِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ لَا صِفَةُ ذَاتٍ. وَقِيلَ: لَيْسَ الرَّحْمَنُ مُشْتَقًّا، لِقَوْلِهِمْ: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ جَهِلُوا الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُولُوا: وَمَنِ الرَّحْمَنُ؟ وَقِيلَ: هُوَ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ لِأَنَّهُ جَاءَ غَيْرَ تَابِعٍ لِمَوْصُوفٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَجِيئِهِ غَيْرَ تَابِعٍ أَنْ لَا يَكُونَ صِفَةً، لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ إِذَا عُلِمَ جَازَ حَذْفُهُ وَإِبْقَاءُ صِفَتِهِ.
قَوْلِهِ: (الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ) هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَصِيغَةُ فَعِيلٍ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، فَمَعْنَاهَا زَائِدٌ عَلَى مَعْنَى الْفَاعِلِ، وَقَدْ تَرِدُ صِيغَةُ فَعِيلٍ بِمَعْنَى الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَفِيهَا أَيْضًا زِيَادَةٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الثُّبُوتِ، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ لَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فَاحْتُرِزَ عَنْهُ.
وَاخْتُلِفَ هَلِ الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالنَّدْمَانِ وَالنَّدِيمِ، فَجُمِعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا؟ أَوْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقِ فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا تَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَفِي الْآخِرَةِ تَخُصُّ الْمُؤْمِنَ، أَوِ التَّغَايُرُ بِجِهَةٍ أُخْرَى فَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَلَائِلَ النِّعَمِ وَأُصُولَهَا؛ تَقُولُ: فُلَانٌ غَضْبَانُ إِذَا امْتَلَأَ غَضَبًا، وَأَرْدَفَ بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ. وَقِيلَ: الرَّحِيمُ أَبْلَغُ لِمَا يَقْتَضِيهِ صِيغَةُ فَعِيلٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِهَةَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا مُخْتَلِفَةٌ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَمَّا تَسَمَّى بِالرَّحْمَنِ كَمُسَيْلِمَةَ جِيءَ بِلَفْظِ الرَّحِيمِ لِقَطْعِ التَّوَهُّمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِهِمَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: الرَّحْمَنُ إِذَا سُئِلَ أَعْطَى وَالرَّحِيمُ إِذَا لَمْ يُسْأَلْ يَغْضَبُ، وَمِنَ الشَّاذِّ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُبَرِّدِ، وَثَعْلَبٍ أَنَّ الرَّحْمَنَ عِبْرَانِيٌّ وَالرَّحِيمَ عَرَبِيٌّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَالزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ وُجِدَ فِي اللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ لَكِنْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ
стр. 4503
وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ بِالْحِسَابِ، ﴿مَدِينِينَ﴾ مُحَاسَبِينَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أَيْ: مِنَ الْفَضْلِ، أَوْ مِنَ التَّفْسِيرِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِهِ فِي كُلِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَوَّلِ مَجَازِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ: مِنْهَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُسَمَّى أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ، وَتُعَادُ قِرَاءَتُهَا فَيُقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ السُّورَةِ، وَيُقَالُ لَهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا فِي الْمَصَاحِفِ فَتُكْتَبُ قَبْلَ الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِمَّا اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّ أُمَّ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ وَأَصْلُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: التَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا يُبْدَأُ بِهَا يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَا أُمَّ الْكِتَابِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُتَّجَهُ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ مَبْدَأُ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْفِعْلِ. وَاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَوَافَقَهُمَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَةِ الْفَاتِحَةِ أُمَّ الْكِتَابِ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَسْمِيَتِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأُمِّ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ ذَلِكَ وَقَفَ عِنْدَ لَفْظِ الْأُمِّ، وَإِذَا ثَبَتَ النَّصُّ طَاحَ مَا دُونَهُ. وَلِلْفَاتِحَةِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى جُمِعَتْ مِنْ آثَارٍ أُخْرَى: الْكَنْزُ، وَالْوَافِيَةُ، وَالشَّافِيَةُ، وَالْكَافِيَةُ، وَسُورَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةُ الصَّلَاةِ، وَسُورَةُ الشِّفَاءِ، وَالْأَسَاسُ، وَسُورَةُ الشُّكْرِ، وَسُورَةُ الدُّعَاءِ.
قَوْلُهُ: (الدِّينُ: الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: الدِّينُ: الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. انْتَهَى، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا، وَأَبُو قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيِّ وَضَعَّفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ. مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قَالَ: بِالْحِسَابِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ. وَالْأَثَرُ الْأَوَّلُ جَاءَ مَوْقُوفًا عَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ. وَلِلدِّينِ مَعَانٍ أُخْرَى: مِنْهَا الْعَادَةُ، وَالْحُكْمُ، وَالْحَالُ، وَالْخَلْقُ، وَالطَّاعَةُ، وَالْقَهْرُ، وَالْمِلَّةُ، وَالشَّرِيعَةُ، وَالْوَرَعُ، وَالسِّيَاسَةُ، وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ:
стр. 4504
لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ.
[٤٤٧٤ - أطرافه في: ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خُبَيْبٌ) بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ أَيِ: ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى) بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ سَمَاعَ خُبَيْبٍ لَهُ مِنْ حَفْصِ، وَحَفْصٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: رَافِعٌ، وَقِيلَ: الْحَارِثُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَوَهَّى الَّذِي قَبْلَهُ. وَقِيلَ: أَوْسٌ. وَقِيلَ: بَلْ أَوْسٌ اسْمُ أَبِيهِ وَالْمُعَلَّى جَدُّهُ. وَمَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَرَّخَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَاتَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) يَتَعَلَّقَانِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ: (أَحَدُهُمَا) نَسَبَ الْغَزَالِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِّيُّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى. (ثَانِيهِمَا) رَوَى الْوَاقِدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَالْوَاقِدِيُّ شَدِيدُ الضَّعْفِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ. وَشَيْخُهُ مَجْهُولٌ.
وَأَظُنُّ الْوَاقِدِيَّ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ فَإِنَّ مَالِكًا أَخْرَجَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ ذِكْرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَاهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ شَيْخَ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَدَنِيٌّ، وَذَلِكَ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَحْمَدُ من طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ) زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: أَيْ أُبَيُّ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ لَا تُجِيبَنِي؟ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (تَنْبِيهٌ)
نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ قَبْلَ قَوْلِ أَبِي سَعِيدِ: كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْخِطَابِ قَالَ: وَالَّذِي تَأَوَّلَ الْقَاضِيَانِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ
стр. 4505
حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ الدَّاوُدِيُّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عِنْدَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ) فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟ قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ، وَأَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامَهُ لَا نَقْصَ فِيهَا، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أَيْ: فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْقِ وَالرِّفْعَةِ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ لَكِنْ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَابِ: أَوْ مِثْلِهَا، يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي قَدْ وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: فَقَالَ: هِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هِيَ الْفَاتِحَةُ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ، أَيِ: السُّوَرُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٌ، وَقِيلَ: يُونُسُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْآيُ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَثَانِيَ فَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى في كُلَّ رَكْعَةٍ، أَيْ: تُعَادُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَذَا قَالَ، وعَكْسَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الْآيَةَ لَمْ يَقُلْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُقَالُ لَهَا سَبْعٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا السُّورَةَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَسْمَائِهَا، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرَادَ السُّورَةَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا تُسَمَّى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ لِأَنَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابِيَّ عَلَى تَأْخِيرِ إِجَابَتِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ حُكْمَ لَفْظِ الْعُمُومِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُصَلِّي دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا سَوَاءَ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ فَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ
стр. 4506
الْمُجِيبُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعُمُّ حَتَّى تَجِبَ إِجَابَتُهُ إِذَا سَأَلَ؟ فِيهِ بَحْثٌ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَةَ الصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي قَوْلِهِ: هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ بِالْعَاطِفَةِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَجِيءُ بِمَعْنَى التَّفْصِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) مَحْذُوفَ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا، فَيَكُونُ وَصْفُ الْفَاتِحَةِ انْتَهَى بِقَوْلِهِ: هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهَ: وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، أَيْ: مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِنَظْمِ الْآيَةِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ هُوَ الَّذِي أُوتِيتُهُ زِيَادَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ.
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَنْبَطُ مِنْ تَفْسِيرِ السَّبْعِ الْمَثَانِي بِالْفَاتِحَةِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ امْتَنَّ عَلَى رَسُولِهِ بِهَا، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا فَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ نُزُولِ الْفَاتِحَةِ عَلَيْهَا. قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذِهِ هَفْوَةٌ مِنْ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَسَبَ الْقَوْلَ بِذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَنَقَلُوا فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ جَاءَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ أَنَّهَا سِتُّ آيَاتٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الْبَسْمَلَةَ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهَا ثَمَانُ آيَاتٍ، لِأَنَّهُ عَدَّهَا وَعَدَّ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وَقِيلَ: لَمْ يَعُدَّهَا وَعَدَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وَهَذَا أَغْرَبُ الْأَقْوَالِ.
٢ - بَاب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
٤٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: لَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ الْمَفْهُومِ مِنْ غَيْرِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُ الضَّالِّينَ عَلَى الَّذِينَ أَنْعَمْتَ. وَقِيلَ: لَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عُمَرَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَهِيَ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ، وَلَا الضَّالِّينَ النَّصَارَى. هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْيَهُودِ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ وَفِي النَّصَارَى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾
ثم أورد المصنف حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ فِي التَّأْمِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: آمِينَ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 4507
٢ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ
١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي - ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ: - ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ - فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ؛ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.
فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثالثة، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِهَا. وَسَيَأْتِي قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ ﷺ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ: وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ: فَقِيلَ: أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْقَصْعَةِ. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إِلَى كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْرٌ. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِيرِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
стр. 4508
٢ - بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ، ﴿لا شِيَةَ﴾ لَا بَيَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ، ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا، ﴿رَاعِنَا﴾ مِنْ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا: رَاعِنًا ﴿لا يَجْزِي﴾ لَا يُغْنِي، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مِنْ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى: آثَارَهُ، ﴿ابْتَلَى﴾ اخْتَبَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قَالَ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَذَكَرَهُ. وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ. وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ: خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ: فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ.
(تَنْبِيهٌ)
قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ وَجُمْلَةِ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾
قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ﴾ دِينٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: دِينَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِطْرَتَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَإِنَّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ، انْتَهَى.
وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صِبْغَةَ﴾ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمُوا، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْقُوَّةُ: الطَّاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أَبُو الْعَالِيَةِ: مَرَضٌ: شَكٌّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرِّيَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: نِفَاقًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قَالَ: رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ
стр. 4509
أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ﴾ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. وَقَالَ: الطَّبَرِيُّ مَعْنَى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُورِدُونَكُمْ، أَوْ: يُذِيقُونَكُمْ، أَوْ: يُولُونَكُمْ.
قَوْلُهُ: (الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً) أَيْ: مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ (مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ، وَبِالْكَسْرِ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ قَالَ: الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا: فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (شَرَوْا بَاعُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بَاعُوا،، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿رَاعِنَا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا) قُلْتُ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَيْوَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، أَيْ: قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الرَّاعِنُ: السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ، أَيْ: لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا. الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا: أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ. إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ: لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا
стр. 4510
الْأَنْصَارُ فَنُهُوا عَنْهَا. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ لَهُ: ارْعُنِي سَمْعَكَ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَنُهُوا عَنْهُ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَاعِنَا بِلِسَانِ الْيَهُودِ السَّبُ الْقَبِيحُ، فَسَمِعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ خَاطَبُوا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ لَأَضَرِبَنَّ عُنُقَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تَجْزِي﴾ لَا تُغْنِي) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أَيْ: لَا تُغْنِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: يَعْنِي لَا تُغْنِي نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ عَنْ نَفْسٍ كَافِرَةٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (خُطُوَاتِ مِنَ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى آثَارُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ هِيَ الْخُطَا وَاحِدَتُهَا خُطْوَةٌ وَمَعْنَاهَا آثَارُ الشَّيْطَانِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ نَزَغَاتُ الشَّيْطَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ: خُطَاهُ. وَمَنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ: قُلْتُ لِقَتَادَةَ فَقَالَ: كُلُّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهِيَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي. كَذَا قَالَ، وَاللَّفْظُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَمِنْ فِي كَلَامِهِ مُقَدَّرَةٌ.
قَوْلُهُ: (ابْتَلَى اخْتَبَرَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَكْثَرِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَمَرَهُ، وَثَبَتَ هَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ.
٣ - بَاب قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
٤٤٧٧ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ.
[الحديث ٤٤٧٧ - أطرافه في: ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨١١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الْأَنْدَادُ: جَمْعُ نِدٍّ، بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ النَّظِيرُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: النِّدُّ: الْعِدْلُ. وَمَنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَنْدَادُ الْأَشْبَاهُ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ لِأَبِي ذَرٍّ.
ثم ذكر المصنف حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ صَمْغَةٌ، وَالسَّلْوَى الطَّيْرُ.
٤٤٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ.
[الحديث ٤٤٧٨ - طرفاه في: ٤٦٣٩، ٥٧٠٨]
стр. 4511
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ - إِلَى - ﴿يَظْلِمُونَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لَهُ لَفْظُ: بَابُ وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ صَمْغَةٌ) أَيْ: بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونُ الْمِيمِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، (وَالسَّلْوَى: الطَّيْرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا. وَمَنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ مِثْلُ الرُّبِّ الْغَلِيظِ أَيْ: بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. وَمَنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: كَانَ مِثْلَ التّرنجبيلِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْمَنُّ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ سُقُوطَ الثَّلْجِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا لَا تَنَافِيَ فِيهَا. وَمِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: الْمَنُّ خُبْزُ الرِّقَاقِ. وَهَذَا مُغَايِرٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّلْوَى طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. وَمِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هُوَ السُّمَانَى. وَعَنْهُ قَالَ: هُوَ طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: طَيْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ.
ثم ذكر المصنف حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا وَجْهَ لِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَنِّ الْمُنَزَّلِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ ذَاكَ شَيْءٌ كَانَ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ كَالتّرنجبيلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا شَجَرَةٌ تَنْبُتُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِنْبَاتٍ وَلَا مُؤْنَةٍ انْتَهَى. وَقَدْ عُرِفَ وَجْهُ إِدْخَالِهِ هُنَا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * رَغَدًا﴾ وَاسِعٌ كَثِيرٌ.
٤٤٧٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿رَغَدًا﴾ وَاسِعًا كَثِيرًا) هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: الرَّغَدُ: الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُتْعِبُ يُقَالُ: قَدْ أَرْغَدَ فُلَانٌ إِذَا أَصَابَ عَيْشًا وَاسِعًا كَثِيرًا. وَعَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ قَالَ: الرَّغَدُ سَعَةُ الْمَعِيشَةِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ رِجَالِهِ قَالَ: الرَّغَدُ الْهَنِيءُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الرَّغَدُ الَّذِي لَا حِسَابَ فِيهِ.
ثم ذكر المصنف حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَسَأَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْإِسْنَادِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ لَمْ يَقَعْ مَنْسُوبًا إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ، فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ
стр. 4512
أَيْضًا، وَأَمَّا أَبُو عَلَيٍّ الْجَيَّانِيُّ فَقَالَ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ.
٦ - بَاب قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: جَبْرَ، وَمِيكَ، وَسَرَافِ: عَبْدٌ، إِيلْ: اللَّهُ
٤٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ، لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَام أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي. فَجَاءَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ فَقَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قِيلَ: سَبَبُ عَدَاوَةِ الْيَهُودِ لِجِبْرِيلَ أَنَّهُ أُمِرَ بِاسْتِمْرَارِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ فَنَقَلَهَا لِغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَطَّلِعُ عَلَى أَسْرَارِهِمْ. قُلْتُ: وَأَصَحُّ مِنْهُمَا مَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ لِكَوْنِهِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَذَابِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: عِكْرِمَةُ: جِبْرُ وَمِيكُ وَسِرَافُ: عَبْدُ، إِيلُ: اللَّهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ من طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْهُ، قَالَ: جِبْرِيلُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمِيكَائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ، إِيلُ: اللَّهُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ: جِبْرُ عَبْدٌ، وَمِيكَ عَبْدٌ، وَإِيلُ اللَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ الْأَوَّلِ وَزَادَ: وَكُلُّ اسْمٍ فِيهِ إِيلُ فَهُوَ اللَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْبَصْرِيِّ أَحَدُ التَّابِعِينَ قَالَ: إيلُ اللَّهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: اسْمُ جِبْرِيلَ عَبْدُ اللَّهِ، وَمِيكَائِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ - وَإِسْرَافِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكُلُّ اسْمٍ فِيهِ إِيلُ فَهُوَ مُعَبَّدٌ لِلَّهِ. وَذُكِرَ عَكْسَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ إِيلَ مَعْنَاهُ عَبْدٌ وَمَا قَبْلَهُ مَعْنَاهُ اسْمُ لِلَّهِ كَمَا تَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ، فَلَفْظُ عَبْدٍ لَا يَتَغَيَّرُ وَمَا بَعْدَهُ يَتَغَيَّرُ لَفْظُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الِاسْمَ الْمُضَافَ فِي لُغَةِ غَيْرِ الْعَرَبِ غَالِبًا يَتَقَدَّمُ فِيهِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي جِبْرِيلَ لُغَاتٌ، فَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَعَلَى ذَلِكَ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ، وَبَنُو أَسَدٍ مِثْلُهُ لَكِنْ آخِرُهُ نُونٌ، وَبَعْضُ أَهْلِ نَجْدٍ وَتَمِيمٍ وَقَيْسٍ
стр. 4513
يَقُولُونَ: جَبْرَئِيلُ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَخَلَفٍ وَاخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَقِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَعَلْقَمَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ، وَقِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُمَا قَرَآ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهَذَا الْوَزْنُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَزَعَمَ بَعْضَهُمْ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ: جَبْرَئلُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ وَتَشْدِيدُ اللَّامِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قُبَيْلَ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَتَقَدَّمَ مُعْظَمُ شَرْحِهَا هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ من الْمَلَائِكَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي قَرَأَ الْآيَةَ رَدًّا لِقَوْلِ الْيَهُودِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نُزُولَهَا حِينَئِذٍ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ قِصَّةً غَيْرَ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَأَخْرَجُوا مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّا نَسْأَلَكُ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأْتَنَا بِهَا عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَنْ عَلَامَةِ النُّبُوَّةِ، وَعَنِ الرَّعْدِ وَصَوْتِهِ وَكَيْفَ تُذَكَّرُ الْمَرْأَةُ وَتُؤَنَّثُ، وَعَمَّنْ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ لَئِنْ أَنَا أَنْبَأْتُكُمْ لَتُبَايِعُنِّي؟ فَأَعْطَوْهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ السُّؤَالُ عَنِ الرَّعْدِ.
وَفِي رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: لَمَّا سَأَلُوهُ عَمَّنْ يَأْتِيهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ وَلِيُّهُ. فَقَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ، لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَبَايَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ. قَالَ: فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ عَدُوُّنَا. فَنَزَلَتْ.
وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ شِهَابٍ: قَالُوا: جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْعَذَابِ، لَوْ كَانَ مِيكَائِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ فَنَزَلَتْ.
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْتِي الْيَهُودَ فَيَسْمَعُ مِنَ التَّوْرَاةِ فَيَتَعَجَّبُ كَيْفَ تُصَدِّقُ مَا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَالِمُهُمْ: نَعَمْ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: فَلِمَ لَا تَتَّبِعُونَهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا، وَإِنَّهُ قَرَنَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَدُوَّنَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَنَّهُ لَحِقَ النَّبِيَّ ﷺ فَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ. وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَأَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ يَهُودِيًّا لَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي يَذْكُرُهُ صَاحِبُكُمْ عَدُوٌّ لَنَا. فَقَالَ: عُمَرُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فَنَزَلَتْ عَلَى وَفْقِ مَا قَالَ.
وَهَذِهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ قَوْلُ الْيَهُودِيِّ الْمَذْكُورِ لَا قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّ الْيَهُودِ، تَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ مُذَكِّرًا لَهُ سَبَبَ نُزُولِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ من ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ عَدَاوَةِ الْيَهُودِ لِجِبْرِيلَ أَنَّ نَبِيَّهُمْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ سَيُخَرِّبُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَبَعَثُوا رَجُلًا لِيَقْتُلَهُ فَوَجَدَهُ شَابًّا ضَعِيفًا فَمَنَعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ قَتْلِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرَادَ هَلَاكَكُمْ عَلَى يَدِهِ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَعَلَى أَيِّ حَقٍّ تَقْتُلُهُ؟ فَتَرَكَهُ، فَكَبِرَ بُخْتَنَصَّرَ وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَتَلَهُمْ وَخَرَّبَهُ، فَصَارُوا يَكْرَهُونَ جِبْرِيلَ لِذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا.
وَقَوْلُهُ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ يَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 4514
٧ - بَاب قَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِأهَا
٤٤٨١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وَذَاكَ أَنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسأها.
[الحديث ٤٤٨١ - طرفه في: ٥٠٠٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ: نُنْسِهَا، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ السِّينِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَلِغَيْرِهِ نَنْسَأْهَا وَالْأَوَّلُ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَالثَّانِيَةُ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو وَطَائِفَةٍ، وَسَأَذْكُرُ تَوْجِيهَهُمَا، وَفِيهَا قِرَاءاتٌ أُخْرَى فِي الشَّوَاذِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حَبِيبٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَوَرَدَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ صَدَقَةَ ابْنِ الْفَضْلِ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَلَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ) كَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا فِي ذِكْرِ أُبَيٍّ، وَفِيهِ ذِكْرُ جَمَاعَةٍ وَأَوَّلُهُ: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ - وَفِيهِ - وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ الصَّوَابَ إِرْسَالُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ، فَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَقْضَى أُمَّتِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيّ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا: أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ، الْحَدِيثَ، وَرُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ نَجِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِثْلَهُ، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَقْضَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ) فِي رِوَايَةِ صَدَقَةَ: مِنْ لَحْنِ أُبَيٍّ، وَاللَّحْنُ اللُّغَةُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خَلَّادٍ: وَإِنَّا لَنَتْرُكُ كَثِيرًا مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ صَدَقَةَ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ بِسَمَاعِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ غَيْرَهُ عَنْهُ بِخِلَافِهِ لَمْ يَنْتَهِضْ مُعَارِضًا لَهُ حَتَّى يَتَّصِلَ إِلَى دَرَجَةِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ غَالِبًا.
(تَنْبِيهٌ)
هَذَا الْإِسْنَادُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ: ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَخْ) هُوَ مَقُولُ عُمَرَ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا قَرَأَ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَاحْتَجَّ عُمَرُ لِجَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ي قُولُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا أَيْ نُؤَخِّرْهَا وَهَذَا يُرَجِّحُ رِوَايَةَ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِالْهَمْزِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَمِنَ النِّسْيَانِ، وَكَذَلِكَ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقْرَؤُهَا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَكَانَتْ قِرَاءَةُ سَعْدٍ: أَوْ ننْسَاهَا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُبَّمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ بِاللَّيْلِ وَنَسِيَهُ بِالنَّهَارِ فَنَزَلَتْ وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَمَنَعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ السِّيَاقَ وَسَبَبَ
стр. 4515
النُّزُولِ كَانَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
٨ - بَاب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾
٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: قَالُوا بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ) إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتْمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْقِيصِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ وَالِدَةٍ تَحْمِلُهُ ثُمَّ تَضَعُهُ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ سَبْقَ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ يَسْتَدْعِي بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
٩ - بَاب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى * مَثَابَةً﴾ يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ.
٤٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ - أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ كَذَا لَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْخَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ مَنِ اتَّبَعَ إِبْرَاهِيمَ. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْنَا فَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: عَلَى وَإِذْ جَعَلْنَا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ إِذْ وَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَثَابُوا، أَيْ: رَجَعُوا وَاتَّخَذُوا. وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَثَابَةً كَأَنَّهُ قَالَ: ثُوبُوا وَاتَّخِذُوا، أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَقُلْنَا اتَّخِذُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ.
قَوْلُهُ: (مَثَابَةً
стр. 4516
يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَابَةً﴾ مَصْدَرُ يَثُوبُونَ أَيْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَمُرَادُهُ بِالْمَصْدَرِ اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْمُ مَكَانٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَابَةً﴾ قَالَ: يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَثَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْمُقَامِ وَالْمُقَامَةِ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ لِمَا كَثُرَ مِنْ يَثُوبُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: سَيَّارَةٌ لِمَنْ يُكْثِرُ السَّيْرَ، وَالْأَصْلُ فِي مَثَابٍ مَثُوبَةٌ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ وَالْقَلْبِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَتَأْتِي قِصَّةُ الْحِجَابِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَالتَّخْيِيرِ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ في بَابُ غَيْرَةِ النِّسَاءِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا تَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ.
تَكْمِلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ الِاسْتِنَانَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مَعَ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فَعَلِمَ أَنَّ الِائْتِمَامَ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَلِكَوْنِ الْبَيْتِ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَأَنَّ أَثَرَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ كَرَقْمِ الْبَانِي فِي الْبِنَاءِ لِيُذْكَرَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَرَأَى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْمَقَامِ كَقِرَاءَةِ الطَّائِفِ بِالْبَيْتِ اسْمَ مَنْ بَنَاهُ. انْتَهَى، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَطِيفَةٌ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ آثَارُ قَدَمَيْ إِبْرَاهِيمَ حَاضِرَةً فِي الْمَقَامِ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحَرَمِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً … قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. قَالَ: وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَرَ عَقِبِهِ وَأَصَابِعِهِ فِيهَا فَمَا زَالُوا يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اخْلَوْلَقَ وَانْمَحَى. وَكَانَ الْمَقَامُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ لِزْقَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ أَخَّرَهُ عُمَرُ ﵁ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي حَوَّلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَ الْمَقَامُ فِي سَقْعِ الْبَيْتِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَهُ عُمَرُ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِ فَرَدَّهُ عُمَرُ إِلَيْهِ. قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ أَمْ لَا. انْتَهَى. وَلَمْ تُنْكِرِ الصَّحَابَةُ فِعْلَ عُمَرَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَكَانَ عُمَرُ رَأَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْيِيقُ عَلَى الطَّائِفِينَ أَوْ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى، وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْمَقْصُورَةَ الْمَوْجُودَةَ الْآنَ.
١٠ - بَاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ.
стр. 4517
٤٤٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنْ قَوْمَكِ بَنَوْا الْكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ سَاقَ إِلَى - الْعَلِيمِ.
قَوْلُهُ: (الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قَالَ: قَوَاعِدُهُ: أَسَاسُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: الْقَوَاعِدُ أَسَاسُ الْبَيْتِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ أَهُمَا أَحْدَثَاهَا أَمْ كَانَتْ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ رَوَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قَوَاعِدُ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ آدَمُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ابْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ. فَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بَعْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَاحِدَتُهَا قَاعِدٌ) أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مُشْتَرَكٌ، وَتَظْهَرُ التَّفْرِقَةُ بِالْوَاحِدِ، فَجَمْعُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِمْتَاعِ: قَاعِدٌ، بِلَا هَاءٍ وَلَوْلَا تَخْصِيصُهُنَّ بِذَلِكَ لَثَبَتَ الْهَاءُ نَحْوُ قَاعِدَةٍ مِنَ الْقُعُودِ الْمَعْرُوفِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْبَيْتَ، وَقَدْ سَبَقَ بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
١١ - بَاب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾
٤٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ٤٤٨٥ - طرفاه في: ٧٢٦٢، ٧٥٤٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ سَقَطَ لَفْظُ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أَيْ: الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ: (لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) أَيْ: إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا لِئَلَّا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ، أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ فَتَقَعُوا فِي الْحَرَجِ. وَلَمْ يَرِدِ النَّهْيُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ فِيمَا وَرَدَ بِخِلَافِهِ. وَلَا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعُنَا بِوَفَائِهِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ﵀.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّوَقُّفُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَالْجَزْمِ فِيهَا بِمَا يَقَعُ فِي الظَّنِّ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الْآيَةَ) زَادَ فِي الِاعْتِصَامِ: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى،
стр. 4518
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
١٢ - بَاب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
٤٤٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى - أَوْ صَلَّاهَا - صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ وَهُوَ خَفِيفُ الْعَقْلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ خَفِيفُ النَّسْجِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالسُّفَهَاءِ فَقَالَ الْبَرَاءُ كما فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالْمُرَادُ بِالسُّفَهَاءِ الْكُفَّارُ وَأَهْلُ النِّفَاقِ وَالْيَهُودُ، أَمَّا الْكُفَّارُ فَقَالُوا لَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى قِبْلَتِنَا وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا، فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ، وَأَمَّا أَهْلُ النِّفَاقِ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ أَوَّلًا عَلَى الْحَقِّ فَالَّذِي انْتَقَلَ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَأَمَّا الْيَهُودُ فَقَالُوا: خَالَفَ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمَا خَالَفَ، فَلَمَّا كَثُرَتْ أَقَاوِيلُ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
١٣ - بَاب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
٤٤٨٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ح. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَيشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
следующие страницы →