Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5459–5498 · переход к 5464.
стр. 5459
الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ صَرِيحٌ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: شَبِّهْنِي، فَقَالَ: كَأَنَّكِ ظَبْيَةٌ، قَالَتْ: لَا.
قَالَ: كَأَنَّكِ حَمَامَةٌ قَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تَقُولَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ طَالِقٌ، فَقَالَهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: خُذْ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتُكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ خَلِيَّةٌ طَالِقٌ أَيْ نَاقَةٌ كَانَتْ مَعْقُولَةً ثُمَّ أُطْلِقَتْ مِنْ عِقَالِهَا وَخُلِّيَ عَنْهَا، فَتُسَمَّى خَلِيَّةً لِأَنَّهَا خُلِّيَتْ عَنِ الْعِقَالِ ; وَطَالِقٌ لِأَنَّهَا طَلُقَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنَّهَا تُشْبِهُ النَّاقَةَ وَلَمْ يَقْصِدِ الطَّلَاقَ بِمَعْنَى الْفِرَاقِ أَصْلًا، فَأَسْقَطَ عَنْهُ عُمَرُ الطَّلَاقَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يُرِدِ الْفِرَاقَ بَلْ أَرَادَ غَيْرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّ الْمُشْكِلَ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ كَوْنُهُ رُفِعَ إِلَيْهِ وَهُوَ حَاكِمٌ، فَإِنْ كَانَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْفُتْيَا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حُكْمٌ فَيُوَافَقُ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنَ النَّوَادِرِ. وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ الْخِلَافَ وَعَزَاهُ لِدَاوُدَ. وَفِي الْبُوَيْطِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ، وَلَكِنْ أَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ وَشَرَطُوا قَصْدَ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى الطَّلَاقِ لِيَخْرُجَ الْعَجَمِيُّ مَثَلًا إِذَا لُقِّنَ كَلِمَةَ الطَّلَاقِ فَقَالَهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا أَوِ الْعَرَبِيُّ بِالْعَكْسِ، وَشَرَطُوا مَعَ النُّطْقِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ تَعَمُّدَ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَمَّا يَسْبِقُ بِهِ اللِّسَانُ وَالِاخْتِيَارُ لِيَخْرُجَ الْمُكْرَهُ، لَكِنْ إِنْ أُكْرِهَ فَقَالَهَا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى الطَّلَاقِ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَفْظَ التَّسْرِيحِ بِمَعْنَى الْإِرْسَالِ لَا بِمَعْنَى الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ أَمَرَ مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْ يُمَتِّعَ ثُمَّ يُسَرِّحَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ تَطْلِيقُهَا بَعْدَ التَّطْلِيقِ قَطْعًا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ: وَأُسَرِّحْكُنَّ) يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ وَالتَّسْرِيحُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّطْلِيقِ وَالْإِرْسَالِ، وَإِذَا كَانَتْ صَالِحَةً لِلْأَمْرَيْنِ انْتَفَى أَنْ تَكُونَ صَرِيحَةً فِي الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِيمَا خَيَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ: هَلْ كَانَ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقَامَةِ، فَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ وَإِنِ اخْتَارَتِ الْإِقَامَةَ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ؟ أَوْ كَانَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا طَلَّقَهَا ثُمَّ مَتَّعَهَا ثُمَّ سَرَّحَهَا، وَمَنِ اخْتَارَتِ الْآخِرَةَ أَقَرَّهَا فِي عِصْمَتِهِ؟
قَوْلُهُ (وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِالتَّسْرِيحِ هُنَا وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّطْلِيقُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الْفِرَاقِ فِي مَوْضِعِ وُرُودِهَا فِي الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ السَّرَاحِ ; وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّلَاقَ بَلِ الْإِرْسَالَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ بِأَسَانِيدَ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ: الْبَرِيَّةُ وَالْخَلِيَّةُ وَالْبَائِنُ وَالْحَرَامُ وَالْبَتُّ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْخَلِيَّةِ إِنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَنَقَلَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةَ وَالْحَرَامِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ ثَلَاثٌ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْبَرِيَّةِ فَقَطْ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ يَتَضَمَّنُ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ مِنِّي طَلَاقًا تَبِينِينَ بِهِ مِنِّي، أَوْ تُبَتِّ أَيْ يُقْطَعُ عِصْمَتُكِ مِنِّي، وَالْبَتْلَةُ بِمَعْنَاهُ، أَوْ تَخْلِينَ بِهِ مِنْ زَوْجِيَّتِي أَوْ تَبْرِينَ مِنْهَا، قَالَ: وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا ثَلَاثًا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُلْعٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا وَالْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ لَا تُرْفَعُ بِالِاحْتِمَالِ، وَبِأَنَّ مَنْ يَقُولُ إِنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُلْعٌ أَنَّهَا تَقَعُ رَجْعِيَّةً مَعَ التَّصْرِيحِ كَيْفَ لَا يَقُولُ يَلْغُو مَعَ التَّقْدِيرِ
стр. 5460
وَبِأَنَّ كُلَّ لَفَظَّةٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ إِذَا قُصِدَ بِهَا الطَّلَاقُ وَوَقَعَ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ أَنَّهُ يَتِمُّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ، فَلَمْ يَنْحَصِرِ الْأَمْرُ فِيمَا ذَكَرُوا وَإِنَّمَا النَّظَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كِنَايَاتٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ أَفْهَمَ الْفُرْقَةَ وَلَوْ مَعَ دِقَّتِهِ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مَعَ الْقَصْدِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُفْهَمِ الْفُرْقَةُ مِنَ اللَّفْظِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَوْ قَصَدَ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ كُلِي أَوِ اشْرَبِي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَهُ قَبْلَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمْ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا
مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ وَحْدَهَا لَا تُؤَثِّرُ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ الْكَلَامِ أَوِ الْفِعْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا خَاطَبَهَا بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَقَصَدَ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ حَتَّى لَوْ قَالَ يَا فُلَانَةُ يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ.
قَوْلُهُ (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ) هَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ التَّخْيِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي إِسْنَادِهِ، وَأَرَادَتْ عَائِشَةُ بِالْفِرَاقِ هُنَا الطَّلَاقَ جَزْمًا، وَلَا نِزَاعَ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْإِطْلَاقِ إِذَا تَقَدَّمَ (١).
٧ - بَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: نِيَّتُهُ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ: حَرَامٌ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: لَا تَحِلُّ لَهُ من بعد حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
٥٢٦٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: عن نَافِعٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عليك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ.
٥٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلاَّ هَنَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الأَوَّلِ فَقال رسول الله ﷺ : "لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ"
قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: نِيَّتُهُ) أَيْ يُحْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا فِي جُزْءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْحَرَامِ إِنْ نَوَى يَمِينًا فَيَمِينٌ، وَإِنْ طَلَاقًا فَطَلَاقٌ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، стр. 5461
وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَكِنْ قَالَ: إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ مِثْلَهُ، لَكِنْ قَالُوا: إِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهِيَ يَمِينٌ وَيَصِيرُ مُولِيًا، وَهُوَ عَجِيبٌ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَمِينُ الْحَرَامِ تُكَفَّرُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ مُغَلَّظَةٍ وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا ظِهَارًا حَقِيقَةً، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ أَرَادَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْحَكَمِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: فِي الْحَرَامِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَرَبِيعَةَ: لَا شَيْءَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ عَنِ السَّلَفِ بَلَّغَهَا الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرَ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا، وَزَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهَا تَفَاصِيلُ أَيْضًا يَطُولُ اسْتِيعَابُهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: سَبَبُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا وَلَا فِي السُّنَّةِ نَصٌّ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَتَجَاذَبَهَا الْعُلَمَاءُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا يَمِينٌ أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وَمَنْ قَالَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ فَوَقَعَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَعْنَى، وَمَنْ قَالَ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِهِ الظَّاهِرَةِ، وَأَقَلُّ مَا تُحَرَّمُ بِهِ الْمَرْأَةُ طَلْقَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا، وَمَنْ قَالَ بَائِنَةٌ فَلِاسْتِمْرَارِ التَّحْرِيمِ بِهَا مَا لَمْ يُجَدِّدِ الْعَقْدَ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُنْتَهَى وُجُوهِهِ، وَمَنْ قَالَ ظِهَارٌ نَظَرَ إِلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الطَّلَاقِ فَانْحَصَرَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الظِّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ) أَيْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَائِلُ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَقْصِدَ إِلَيْهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى غَيْرَ الطَّلَاقِ فَهُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَّعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا خَفَّفَ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ كَانُوا إِذَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ ﵇، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أُحِلَّ لَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ اهـ. وَأَظُنُّ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَبَيْنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُمْ، فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَإِنِ اسْتَوَيَا مِنْ جِهَةٍ فَقَدْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَالزَّوْجَةُ إِذَا حَرَّمَهَا الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَطْلِيقَهَا حَرُمَتْ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِذَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهُكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي حَرَامًا، قَالَ: لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحِرَامٍ.
قَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ
стр. 5462
عَلَى نَفْسِهِ﴾ الْآيَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِسْرَائِيلَ كَانَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَلَمْ يَقْصِدِ الطَّلَاقَ وَلَا الظِّهَارَ وَلَا الْعِتْقَ فِعْلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ حَرَّمَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا فَلَغْوٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ فِي الْجَمِيعِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ بَقِيَّةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً قَالَ فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ لَفْظَ الْحَرَامِ لَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِهِ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا وَلَا يَمِينًا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، فَإِنْ طَلَّقتهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنْ طَلَّقَهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةِ تَطْلِيقِ ابْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّ هَذَا جُمْلَةُ الْخَبَرِ فَاسْتُشْكِلَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ بِدْعَةٌ، قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَأْمُرُ بِالْبِدْعَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِذَلِكَ إِلَى مَا أَمَرَهُ مِنِ ارْتِجَاعِ امْرَأَتِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ، فَفَصَّلَ لِسَائِلِهِ حَالَ الْمُطَلِّقِ.
وَقَدْ رُوِّينَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا عَالِيًا فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى الْبَاهِلِيِّ رِوَايَةَ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ عَنْهُ عَنِ اللَّيْثِ، وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَبَعْدَهُ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِلَخْ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ لَكِنْ لَيْسَ بِتَمَامِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ لَوْ طَلَّقْتَ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَكَانَ خَيْرًا أَوْ هُوَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلِ الْجَوَابُ: لَكَانَ لَكَ الرَّجْعَةُ لِقَوْلِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ، وَمُطَلِّقُ الْبِدْعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الرَّجْعَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا أَيْ بِالْمُرَاجَعَةِ لَمَّا طَلَّقْتُ الْحَائِضَ، وَقَسِيمُ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقْتَ ثَلَاثًا وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَلْحَقَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرَّتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَالَّذِي وَقَعَ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ وَاحِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ صَرِيحًا هُنَاكَ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا هُنَا الِاسْتِشْهَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَسَمَّاهَا حَرَامًا بِالتَّطْلِيقِ ثَلَاثًا كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ حَرَامًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى يُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ يُطَلِّقَهَا بَائِنًا، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى الشَّيْخِ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فَنَفَوْا مُنَاسَبَةَ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَلَكِنْ عَرَّجَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ تَلْوِيحًا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَشَرْتُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً هُوَ بِلَفْظِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالَّتِي بَعْدَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ تَشْدِيدَهَا وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ قَبْلَهُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ كَلِمَةٌ يُكَني بِهَا عَنِ الشَّيْءِ يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ مَعْنَاهُ لَمْ يَطَأْنِي إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يُقَالُ هَنَّ امْرَأَتَهُ إِذَا غَشِيَهَا. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ مَرَّةً، وَالَّذِي ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ السَّكَنِ قَالَ: وَعِنْدَ الْكَافَّةِ بِالنُّونِ، وَحَكَى فِي مَعْنَى هِبَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ،
стр. 5463
قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ الْوَقْعَةُ، يُقَالُ: حَدَرَ هِبَةَ السَّيْفِ أَيْ وَقَعَتْهُ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ هَبَّ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْجِمَاعِ، يُقَالُ: هَبَّ التَّيْسُ يَهُبُّ هَبِيبًا.
تَنْبِيهٌ:
زَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَشَرَحَ كَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَ أَنَّ سَاقَ الِاخْتِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ: وَفِي قَوْلِ مَسْرُوقٍ مَا أُبَالِي حَرَّمْتُ امْرَأَتِي أَوْ جَفْنَةَ ثَرِيدٍ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَهْوَنُ مِنْ فِعْلِي، هَذَا الْقَوْلُ شُذُوذٌ، وَعَلَيْهِ رَدَّ الْبُخَارِيُّ، قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا كَانَ التَّحْرِيمُ ثَلَاثًا، قَالَ: وَإِلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ حَدِيثِ رِفَاعَةَ لِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ امْرَأَتَهُ فَهُوَ كَمَنْ طَلَّقَهَا اهـ.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَرَامَ يَنْصَرِفُ إِلَى نِيَّةِ الْقَائِلِ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبَابَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ مَهْمَا صَدَّرَ بِهِ مِنَ النَّقْلِ عَنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ فَهُوَ اخْتِيَارُهُ، وَحَاشَا الْبُخَارِيُّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ تُحَرِّمُ أَنَّ كُلَّ تَحْرِيمٍ لَهُ حُكْمُ الثَّلَاثِ مَعَ ظُهُورِ مَنْعِ الْحَصْرِ، لِأَنَّ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ تُحَرِّمُ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا مُطْلَقًا وَالْبَائِنُ تُحَرِّمُ الْمَدْخُولَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَكَذَلِكَ الرَّجْعِيَّةُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّحْرِيمُ فِي الثَّلَاثِ، وَأَيْضًا فَالتَّحْرِيمُ أَعَمُّ مِنَ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ؟ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا تَعْقِيبُ الْبُخَارِيِّ الْبَابَ بِتَرْجَمَةِ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَسَاقَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨ - بَاب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾
٥٢٦٦ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الصَبَّاح، سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
٥٢٦٧ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا"
٥٢٦٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ
стр. 5464
فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتْ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لَا فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ وَسَأَقُولُ ذَلِكِ وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قَالَ لَا قَالَتْ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ قَالَ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقَالَتْ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي"
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ لَفْظُ بَابِ وَوَقَعَ بَدَلَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ ابْنُ الصَّبَّاحِ) هُوَ الْبَزَّارُ آخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ وَاسِطِيٌ نَزَلَ بَغْدَادَ، وَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَلَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ قَلِيلًا، وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يُكْثِرْ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيِّ، لَكِنْ إِذَا وَقَعَ هَكَذَا يَكُونُ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَفِي الرُّوَاةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَمَنْ فِي طَبَقَتِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَالْبُيُوعِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ هُوَ أَخًا لِلْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَرْجَرَائِيُّ أَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ غَيْرُ الدُّولَابِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَخًا لِلْآخَرِ.
قَوْلُهُ (سَمِعَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظُ أَنَّهُ يُحْذَفُ خَطًّا وَيُنْطَقُ بِهِ، وَقَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى لَفْظِ قَالَ. وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ أَبُو تَوْبَةَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، حَلَبِيٌّ نَزَلَ طَرَسُوسَ، أَخْرَجَ عَنْهُ السِّتَّةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ بِوَاسِطَةٍ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ فَأَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَأَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ أَيْضًا. وَأَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ لَهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ شَيْئًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ إِلَّا الْمَوْضِعَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا فَمَا أَدْرِي لَقِيَهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ إِلَّا هَذَانِ الْمَوْضِعَانِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَشَيْخُهُ يَحْيَى وَمِنْ فَوْقِهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ.
قَوْلُهُ (إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْأَكْثَرِ لَيْسَتْ أَيِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ مُحَرَّمَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ مُسْتَدِلًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قِصَّةِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ وَقَعَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وَذَكَرْتُ فِي بَابِ مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمُطَوَّلِ فِي ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ هَلِ الْمُرَادُ تَحْرِيمُ الْعَسَلِ أَوْ تَحْرِيمُ مَارِيَةَ وَأَنَّهُ قِيلَ فِي
стр. 5465
السَّبَبِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاسْتَوْعَبْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وَهَذَا أَصَحُّ طُرُقِ هَذَا السَّبَبِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ التَّابِعِيِّ الشَّهِيرِ قَالَ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِهِ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي، فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَامًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُحَرِّمُ عَلَيْكَ الْحَلَالَ! فَحَلَفَ لَهَا بِاللَّهِ لَا يُصِيبُهَا، فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: فَقَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَغْوٌ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ حَلَفَ.
وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّفْيِ التَّطْلِيقَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْضِعُهَا فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُبَارَكِ الصُّورِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَامٍ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّمَا هيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا فَعُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَيْ لَيْسَ بِطَلَاقٍ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا، قَالَ: كَذَبْتَ مَا هيَ بِحَرَامٍ، ثُمَّ تَلَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثُمَّ قَالَ لَهُ عَلَيْكَ رَقَبَةٌ اهـ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّقَبَةِ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ مُوسِرٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْأَغْلَظِ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَا أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ عِتْقُ الرَّقَبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَسَلَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَهَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ سَوْدَةَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ هُمَا اللَّتَانِ تَوَاطَأَتَا عَلَى وَفْقِ مَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صَاحِبَةِ الْعَسَلِ. وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ فَلَا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ السَّبَبِ لِلْأَمْرِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ جُنِحَ إِلَى التَّرْجِيحِ فَرِوَايَةُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَثْبَتُ لِمُوَافَقَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهَا عَلَى أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي الطَّلَاقِ مِنْ جَزْمِ عُمَرَ بِذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ حَفْصَةُ صَاحِبَةَ الْعَسَلِ لَمْ تُقْرَنْ فِي التَّظَاهُرِ بِعَائِشَةَ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ وَتَحْرِيمِهِ وَاخْتِصَاصُ النُّزُولِ بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ هُمَا الْمُتَظَاهِرَتَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا شُرْبُ الْعَسَلِ عِنْدَ حَفْصَةَ كَانَتْ سَابِقَةً.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ حَفْصَةَ تَعَرُّضٌ لِلْآيَةِ وَلَا لِذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ، وَالرَّاجِحُ أَيْضًا أَنَّ صَاحِبَةَ الْعَسَلِ زَيْنَبُ لَا سَوْدَةُ لِأَنَّ طَرِيقَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَثْبَتُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِكَثِيرٍ، وَلَا جَائِزَ أَنْ تَتَّحِدَ بِطَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ سَوْدَةَ كَانَتْ مِمَّنْ وَافَقَ عَائِشَةَ عَلَى قَوْلِهَا أَجِدُ رِيحَ مَغَافِيرَ وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ عَنْ عَائِشَةَ إنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ: أَنَا وَسَوْدَةُ، وَحَفْصَةُ، وَصَفِيَّةُ فِي حِزْبٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّ سَلَمَةَ وَالْبَاقِيَاتُ فِي حِزْبٍ فَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ زَيْنَبَ هِيَ صَاحِبَةُ الْعَسَلِ وَلِهَذَا غَارَتْ عَائِشَةُ مِنْهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ حِزْبِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْمِ الدَّاوُدِيِّ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الَّتِي شَرِبَتِ الْعَسَلَ حَفْصَةُ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ أَوْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى التَّرْجِيحِ عِيَاضٌ،
стр. 5466
وَمِنْهُ تَلَقَّفَ الْقُرْطُبِيُّ، وَكَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ عِيَاضٍ وَأَقَرَّهُ فَقَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّ فِيهِ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ فَهُمَا ثِنْتَانِ لَا أَكْثَرُ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: فَكَأَنَّ الْأَسْمَاءَ انْقَلَبَتْ عَلَى رَاوِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَتَعَقَّبَ الْكِرْمَانِيُّ مَقَالَةَ عِيَاضٍ فَأَجَادَ فَقَالَ: مَتَى جَوَّزْنَا هَذَا ارْتَفَعَ الْوُثُوقُ بِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْمُتَظَاهِرَاتِ عَائِشَةُ وَسَوْدَةُ، وَصَفِيَّةُ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ لِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلتِّلَاوَةِ لِمَجِيئِهَا بِلَفْظِ خِطَابِ الِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَجَاءَتْ بِخِطَابِ جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ. ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رِوَايَةَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَصَحُّ وَأَوْلَى، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ حَفْصَةَ سَابِقَةٌ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ تَرَكَ الشُّرْبَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِتَحْرِيمٍ وَلَمْ يَنْزِلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، ثُمَّ لَمَّا شَرِبَ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ تَظَاهَرَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ فَحَرَّمَ حِينَئِذٍ الْعَسَلَ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. قَالَ: وَأَمَّا ذِكْرُ سَوْدَةَ مَعَ الْجَزْمِ بِالتَّثْنِيَةِ فِيمَنْ تَظَاهَرَ مِنْهُنَّ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ كَالتَّابِعَةِ لِعَائِشَةِ وَلِهَذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لَهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهِبَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ بِدُخُولِهِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا يَمْتَنِعُ هِبَتُهَا يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ أَنْ يَتَرَدَّدَ إِلَى سَوْدَةَ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذِكْرَ سَوْدَةَ إِنَّمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ شُرْبِ الْعَسَلِ عِنْدَ حَفْصَةَ وَلَا تَثْنِيَةَ فِيهِ وَلَا نُزُولَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْعَسَلِ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ تَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ عُمَرُ مِنْ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَمُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَجَدَتْ لِقِصَّةِ شُرْبِ الْعَسَلِ عِنْدَ حَفْصَةَ شَاهِدًا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى غَالِبِ أَلْفَاظِهِ، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَرْجُوحٌ لِإِرْسَالِهِ وَشُذُوذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصِّيصِيُّ. قَوْلُهُ (زَعَمَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الزَّعْمَ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ثُمَّ يَمْكُثُ عِنْدَهَا وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ.
قَوْلُهُ (فَتَوَاصَيْتُ) كَذَا هُنَا بِالصَّادِ مِنَ الْمُوَاصَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَتَوَاطَيْتُ بِالطَّاءِ مِنَ الْمُوَاطَأَةِ، وَأَصْلُهُ تَوَاطَأْتُ بِالْهَمْزَةِ فَسُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ فَصَارَتْ يَاءً، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ (أَنْ أَيَّتُنَا دَخَلَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَيَّتُنَا مَا دَخَلَ بِزِيَادَةِ مَا وَهِيَ زَائِدَةٌ.
قَوْلُهُ (إِنِّي لِأَجِدُ رِيحُ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بِتَقْدِيمِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ وَتَأْخِيرِ إِنِّي أَجِدُ. وَأَكَلْتَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ، وَالْمَغَافِيرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَبِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنَ الْحَدِيثِ بِحَذْفِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الَّتِي فِي الْمُفْرَدِ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ اهـ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمَغَافِيرَ جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُقَالُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ حَكَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي النَّبَاتِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَفْعُولٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ إِلَّا مُغْفُورٌ وَمُغْزُولٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْكَمْأَةِ، وَمُنْخُورِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْفِ، وَمُغْلُوقٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَاحِدُ الْمَغَالِيقِ، قَالَ: وَالْمُغْفُورُ صَمْغٌ حُلْوٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُغْفُورَ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ يَكُونُ فِي الرِّمْثِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَهُوَ مِنَ الشَّجَرِ الَّتِي تَرْعَاهَا الْإِبِلُ وَهُوَ مِنَ الْحَمْضِ، وَفِي الصَّمْغِ الْمَذْكُورِ حَلَاوَةٌ، يُقَالُ أَغَفَرَ الرِّمْثُ إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فِيهِ. وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الْمُغْفُورَ يَكُونُ
стр. 5467
أَيْضًا فِي الْعُشَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي الثُّمَامِ وَالسِّلْمِ وَالطَّلْحِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مِيمِ مُغْفُورٍ فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مِغْفَارٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَمُغْفَرٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِهِ وَبِكَسْرِهِ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْفَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ رَائِحَةَ الْمَغَافِيرِ وَالْعُرْفُطِ حَسَنَةٌ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ وَخِلَافُ مَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ اهـ، وَلَعَلَّ الْمُهَلَّبَ قَالَ خَبِيثَةٌ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ فَتَصَحَّفَتْ أَوِ اسْتَنَدَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ، وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى الْعَيْنِ أَنَّ الْعُرْفُطَ شَجَرُ الْعِضَاهِ، وَالْعِضَاهُ كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وَإِذَا اسْتَيْكَ بِهِ كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ حَسَنَةٌ تُشْبِهُ رَائِحَةَ طَيِّبِ النَّبِيذِ اهـ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ رِيحُ عِيدَانِ الْعُرْفُطِ طَيِّبًا وَرِيحُ الصَّمْغِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَصْحِيفَ، وَقَدْ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ أَنَّ رَائِحَةَ وَرَقِ الْعُرْفُطِ طَيِّبَةٌ فَإِذَا رَعَتْهُ الْإِبِلُ خَبُثَتْ رَائِحَتُهُ، وَهَذَا طَرِيقٌ آخَرُ فِي الْجَمْعِ حَسَنٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا، وَأَظُنُّهَا حَفْصَةَ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ لَا بَأْسَ شَرِبْتُ عَسَلًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، وَوَقَعَ لِلْبَاقِينَ لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا وَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ لِلْجَمِيعِ حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَمُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَةَ بَأْسَ هُنَا مُغَيَّرَةٌ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.
قَوْلُهُ (وَلَنْ أَعُودَ لَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قَالَ عِيَاضٌ: حُذِفَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَصَارَ النَّظْمُ مُشْكِلًا، فَزَالَ الْإِشْكَالُ بِرِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ.
وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ حَلَفْتُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي أُشِيرُ إِلَيْهَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هِيَ عَنِ الْيَمِينِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ حَلَفْتُ فَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ لَا لِمُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ حَلَفْتُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ تَلَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أَيِ الْخِطَابُ لَهُمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) هَذَا الْقَدْرُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ، وكُنْتُ أَظُنُّهُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ عَلَى ظَاهِرِ مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَتَّى وَجَدْتُهُ مَذْكُورًا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى: وَأَمَّا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ فَهُوَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَاخِلَةٌ فِي الْآيَاتِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهَا قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا إِلَّا النَّسَفِيَّ فَوَقَعَ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مَا صُورَتُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا فَجَعَلَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةً لِلْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ لِمُوَافَقَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَيْرٍ.
قَوْلُهُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَى) قَدْ أَفْرَدَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي الْأَشْرِبَةِ وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَهُوَ عِنْدَهُ بِتَقْدِيمِ الْحَلْوَى عَلَى الْعَسَلِ، وَلِتَقْدِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ التَّقْدِيمِ، فَتَقْدِيمُ الْعَسَلِ لِشَرَفِهِ
стр. 5468
وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحَلْوَى وَلِأَنَّهُ مُفْرَدٌ وَالْحَلْوَى مُرَكَّبَةٌ، وَتَقْدِيمُ الْحَلْوَى لِشُمُولِهَا وَتَنَوُّعِهَا لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ مِنَ الْعَسَلِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا الْعَامُّ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَمِيعُ فِيهِ، الْحُلْوُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْوَاوِ شَيْءٌ، وَوَقَعَتِ الْحَلْوَاءُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِالْمَدِّ وَفِي بَعْضِهَا بِالْقَصْرِ وَهِيَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ هَذَا الْقَدْرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ تَمْهِيدًا لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ قِصَّةِ الْعَسَلِ، وَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَلْوَى وَالْعَسَلِ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَخَالَفَهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَالَ الْفَجْرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادٍ، وَيُسَاعِدُهُ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ امْرَأَةً امْرَأَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ إِحْدَاهُنَّ كَانَ عِنْدَهَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَلَامًا وَدُعَاءً مَحْضًا، وَالَّذِي فِي آخِرِهِ مَعَهُ جُلُوسٌ وَاسْتِئْنَاسٌ وَمُحَادَثَةٌ، لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ذِكْرُ الْعَصْرِ، وَرِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ شَاذَّةٌ.
قَوْلُهُ (دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ أَجَازَ إِلَى نِسَائِهِ أَيْ مَشَى، وَيَجِيءُ بِمَعْنَى قَطَعَ الْمَسَافَةَ وَمِنْهُ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ أَيْ أَوَّلَ مَنْ يَقْطَعُ مَسَافَةَ الصِّرَاطِ.
قَوْلُهُ (فَيَدْنُو مِنْهُنَّ) أَيْ فَيُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ (فَاحْتَبَسَ) أَيْ أَقَامَ، زَادَ أَبُو أُسَامَةَ عِنْدَهَا.
قَوْلُهُ (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةَ احْتِبَاسَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَتْ لجُوَيْرِيَة حَبَشِيَّةٍ عَنْدَهَا يُقَالُ لَهَا خَضْرَاءُ: إِذَا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَادْخُلِي عَلَيْهَا فَانْظُرِي مَا يَصْنَعُ.
قَوْلُهُ (أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أُهْدِيَتْ لِحَفْصَةَ عُكَّةٌ فِيهَا عَسَلٌ مِنَ الطَّائِفِ.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ وَقُلْتُ لَهَا: إِنَّهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ سَيَدْنُو مِنْكِ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ إِذَا دَخَلَ عَلَى إِحْدَاكُنَّ فَلْتَأْخُذْ بِأَنْفِهَا، فَإِذَا قَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ فَقُولِي: رِيحَ الْمَغَافِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَغَافِيرِ قَبْلُ.
قَوْلُهُ (سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ إِنَّمَا هيَ عُسَيْلَةٌ سَقَتْنِيهَا حَفْصَةُ.
قَوْلُهُ (جَرَسَتْ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ رَعَتْ نَحْلُ هَذَا الْعَسَلِ الَّذِي شَرِبْتُهُ الشَّجَرَ الْمَعْرُوفَ بِالْعُرْفُطِ، وَأَصْلُ الْجَرْسِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ صِفَةِ الْجَنَّةِ يَسْمَعُ جَرْسَ الطَّيْرِ وَلَا يُقَالُ جَرَسَ بِمَعْنَى رَعَى إِلَّا لِلنَّحْلِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ جَرَسَتِ النَّحْلُ الْعَسَلَ تَجْرُسُهُ جَرْسًا إِذَا لَحِسَتْهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ جَرَسَتْ نَحْلُهَا الْعُرْفُطَ إِذًا وَالضَّمِيرُ لِلْعُسَيْلَةِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ.
قَوْلُهُ (الْعُرْفُطُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الشَّجَرُ الَّذِي صَمْغُهُ الْمَغَافِيرُ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ نَبَاتٌ مُرٌّ لَهُ وَرَقَةٌ عَرِيضَةٌ تُفْرَشُ بِالْأَرْضِ وَلَهُ شَوْكَةٌ وَثَمَرَةٌ بَيْضَاءُ كَالْقُطْنِ مِثْلُ زِرِّ الْقَمِيصِ، وَهُوَ خَبِيثُ الرَّائِحَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حِكَايَةِ عِيَاضٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَائِحَةِ الْعُرْفُطِ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ قَبْلُ.
قَوْلُهُ (وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) أَيْ بِنْتُ حُيَيٍّ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ أَيْ قُولِي، الْكَلَامَ الَّذِي عَلَّمْتُهُ لِسَوْدَةَ، زَادَ أَبُو أُسَامَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ أَيِ الْغَيْرُ الطَّيِّبِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ رِيحٌ سَيِّئٌ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ لِأَنَّهُ يَأْتِيهِ الْمَلَكُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ الطَّيِّبُ.
قَوْلُهُ
стр. 5469
(قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِي أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ) أَيْ خَوْفًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِرَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي وَضُبِطَ أُبَادِئُهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْمُبَادَأَةِ وَهِيَ بِالْهَمْزَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالنُّونِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ مِنَ الْمُنَادَاةِ، وَأَمَّا أُبَادِرُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَمِنَ الْمُبَادَرَةِ، وَوَقَعَ فِيهَا عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَأَبِي الْوَقْتِ كَالْأَوَّلِ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ (فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ نَحْوَ عِنْدَ إِسْنَادِ الْقَوْلِ لِعَائِشَةَ وَبِلَفْظِ مِثْلَ عِنْدَ إِسْنَادِهِ لِصَفِيَّةَ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا كَانَتِ الْمُبْتَكِرَةَ لِذَلِكَ عَبَّرَتْ عَنْهُ بِأَيِّ لَفْظٍ حَسَنٍ بِبَالِهَا حِينَئِذٍ فَلِهَذَا قَالَتْ نَحْوَ وَلَمْ تَقُلْ مِثْلَ، وَأَمَّا صَفِيَّةُ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِقَوْلِ شَيْءٍ فَلَيْسَ لَهَا فِيهِ تَصَرُّفٌ، إِذْ لَوْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ لَخَشِيَتْ مِنْ غَضَبِ الْآمِرَةِ لَهَا، فَلِهَذَا عَبَّرَتْ عَنْهُ بِلَفْظِ مِثْلَ، هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي فِي الْفَرْقِ أَوَّلًا، ثُمَّ رَاجَعْتُ سِيَاقَ أَبِي أُسَامَةَ فَوَجَدْتُهُ عَبَّرَ بِالْمِثْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) كَأَنَّهُ اجْتَنَبَهُ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ تَوَارُدِ النِّسْوَةِ الثَّلَاثِ عَلَى أَنَّهُ نَشَأَتْ مِنْ شُرْبِهِ لَهُ رِيحٌ مُنْكَرَةٌ فَتَرَكَهُ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ.
قَوْلُهُ (تَقُولُ سَوْدَةُ) زَادَ ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي رِوَايَتِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ (وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ مَنَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ (قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي) كَأَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ يَفْشُوَ ذَلِكَ فَيَظْهَرَ مَا دَبَّرَتْهُ مِنْ كَيَدِهَا لِحَفْصَةَ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ، وَأَنَّ الْغَيْرَاءَ تُعْذَرُ فِيمَا يَقَعُ مِنْهَا مِنَ الِاحْتِيَالِ فِيمَا يَدْفَعُ عَنْهَا تَرَفُّعَ ضَرَّتِهَا عَلَيْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ مَا يُكْرَهُ مِنِ احْتِيَالِ الْمَرْأَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَالضَّرَائِرِ. وَفِيهِ الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ فِي الْأُمُورِ وَتَرْكُ مَا يَشْتَبِهُ الْأَمْرُ فِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ. وَفِيهِ مَا يَشْهَدُ بِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى كَانَتْ ضَرَّتُهَا تَهَابُهَا وَتُطِيعُهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ تَأْمُرُهَا بِهِ حَتَّى فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ مَعَ الزَّوْجِ الَّذِي هُوَ أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وَرَعِ سَوْدَةَ لِمَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنَ التَّنَدُّمِ عَلَى مَا فَعَلَتْ لِأَنَّهَا وَافَقَتْ أَوَّلًا عَلَى دَفْعِ تَرَفُّعِ حَفْصَةَ عَلَيْهِنَّ بِمَزِيدِ الْجُلُوسِ عِنْدَهَا بِسَبَبِ الْعَسَلِ، وَرَأَتْ أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى بُلُوغِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ لِحَسْمِ مَادَّةِ شُرْبِ الْعَسَلِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْإِقَامَةِ، لَكِنْ أَنْكَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَمْرٍ كَانَ يَشْتَهِيهِ وَهُوَ شُرْبُ الْعَسَلِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِرَافِ عَائِشَةَ الْآمِرَةِ لَهَا بِذَلِكَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ، فَأَخَذَتْ سَوْدَةُ تَتَعَجَّبُ مِمَّا وَقَعَ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ تَجْسُرْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْإِنْكَارِ، وَلَا رَاجَعَتْ عَائِشَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَالَتْ لَهَا اسْكُتِي بَلْ أَطَاعَتْهَا وَسَكَتَتْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِذَارِهَا فِي أَنَّهَا كَانَتْ تَهَابُهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَهَابُهَا لِمَا تَعْلَمُ مِنْ مَزِيدِ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا أَكْثَرَ مِنْهُنَّ، فَخَشِيَتْ إِذَا خَالَفَتْهَا أَنْ تُغْضِبَهَا، وَإِذَا أَغْضَبَتْهَا لَا تَأْمَنُ أَنْ تُغَيِّرَ عَلَيْهَا خَاطِرَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَهَذَا مَعْنَى خَوْفِهَا مِنْهَا.
وَفِيهِ أَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، وَأَنَّ النَّهَارَ يَجُوزُ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ بِالْجَمِيعِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَقَعَ الْمُجَامَعَةُ إِلَّا مَعَ الَّتِي هُوَ فِي نَوْبَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَاتِ فِيمَا يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ وَالْمُرَادُ فَيُقَبِّلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ لِسَوْدَةَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ إِنِّي أَجِدُ كَذَا وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِقُرْبِ الْفَمِ مِنَ الْأَنْفِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الرَّائِحَةُ طَافِحَةً، بَلِ الْمَقَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّائِحَةَ لَمْ تَكُنْ طَافِحَةً لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ طَافِحَةً لَكَانَتْ بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهَا عَدَمَ وُجُودِهَا مِنْهُ، فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهَا لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهَا لَكَانَتْ خَفِيَّةً وَإِذَا كَانَتْ خَفِيَّةً لَمْ تُدْرَكْ بِمُجَرَّدِ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُحَادَثَةِ
стр. 5470
مِنْ غَيْرِ قُرْبِ الْفَمِ مِنَ الْأَنْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٩ - بَاب لَا طَلَاقَ قَبْلَ نكَاحِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ، وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَشُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ. قَوْلُهُ (بَابُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ مَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَثَبَتَ عِنْدَهُ بَابُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَسَاقَ مِنَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾ وَحَذَفَ الْبَاقِيَ وَقَالَ: الْآيَةَ.
وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى قَوْلِهِ بَابُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: احْتِجَاجُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّهَا إِخْبَارٌ عَنْ صُورَةٍ وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ، وَلَا حَصْرَ هُنَاكَ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِيهِ. قُلْتُ: الْمُحْتَجُّ بِالْآيَةِ لِذَلِكَ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ) هَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنْ أَثَرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ حَرْبٌ مِنْ مَسَائِلِهِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وَقَالَ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَالَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنْ يَكُنْ قَالَهَا فَزَلَّةٌ مِنْ عَالِمٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ إِذَا تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وَلَمْ يَقُلْ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ ; وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَا مَلَكَ.
قَالُوا: فَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ إِذَا وَقَّتَ وَقْتًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَقَالَ اللَّهُ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَهُ مَرْوَانُ، عَنْ نَسِيبٍ لَهُ وَقَّتَ امْرَأَةً إِنْ أتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا طَلَاقَ حَتَّى تَنْكِحَ، وَلَا عِتْقَ حَتَّى تَمْلِكَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ مَوْلَى خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِنَحْوِهِ، وَرُوِّينَاهُ مَرْفُوعًا فِي فَوَائِدِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي أُمَيَّةَ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ، فَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ لِيَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ: هِيَ يَوْمُ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ الْبَتَّةَ، قَالَ: لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ عُقْدَتَهُ، يُؤْثَرُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ.
قَوْلُهُ (وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ
стр. 5471
بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَشُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ هَرَمٍ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ) قُلْتُ: اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْآثَارِ الَّتِي سَاقَهَا فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَبَرًا مَرْفُوعًا صَرِيحًا، رَمْزًا مِنْهُ إِلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ فِي ضِمْنِهَا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا قَالَ: قُلْتُ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ طَرِيقِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَيْضًا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ خَالَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحِ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ الْحَدِيثَ لَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ مُخْتَصَرَةٌ.
وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ مُطَوَّلًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ طَلَاقِ الرَّجُلِ مَا لَمْ يَنْكِحْ، فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ إِنْ سَمَّاهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَيَأْتِي لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مَعَ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ:، حَدَّثَنَا هُشَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: كَمْ أَصْدَقَهَا؟ قَالَ لَهُ: الرَّجُلُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا بَعْدُ، فَكَيْفَ يُصْدِقُهَا؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: فَكَيْفَ يُطَلِّقُ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ؟ وَأَمَّا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ قَبْلَ الْمِلْكِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ مَجْمُوعًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ وَزِيَادَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدِ بْنِ الْهَادِ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ خَطَبَ بِنْتَ عَمِّهِ فَتَشَاجَرُوا فِي بَعْضِ الْأَمْرِ. فَقَالَ الْفَتَى: هِيَ طَالِقٌ إِنْ نَكَحْتُهَا حَتَّى آكُلَ الْغَضِيضَ، قَالَ: وَالْغَضِيضُ طَلْعُ النَّخْلِ الذَّكَرِ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ: أَنَا آتِيكُمْ بِالْبَيَانِ مِنْ ذَلِكَ فَانْطَلَقَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، طَلَّقَ مَا لَمْ يَمْلِكْ. قَالَ: ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: هَلْ سَأَلْتَ أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَسَمَّاهُمْ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَأَخْبَرْتُهُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ مَرْفُوعًا فَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّهُ سَأَلَ الْبُخَارِيَّ: أَيُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ أَصَحُّ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قُلْتُ: إِنَّ الْبِشْرَ بْنَ السَّرِيِّ وَغَيْرَهُ قَالُوا: عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، قَالَ: فَإِنَّ حَمَّادَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ فَوَصَلَهُ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ كَذَلِكَ، وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ
стр. 5472
فَرَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، لَكِنَّ هِشَامَ بْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَا لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ فَفِيهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَنَاكِيرِهِ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرِ بْنِ بَكَّارٍ السَّعْدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى نَجْرَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً وَفِي آخِرِهِ فَكَانَ فِيهَا عَهْدٌ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَقَالَ: لَا يُطَلِّقَنَّ رَجُلٌ مَا لَمْ يَنْكِحْ، وَلَا يُعْتِقْ مَا لَمْ يَمْلِكْ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْمَرٌ لَيْسَ بِالْحَافِظِ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ الْأُرْدُنِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَالْوَلِيدُ وَاهٍ، وَلَمَّا أَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرْتُ في أَثْنَاء الْكَلَامِ عَلَى تَخْرِيجِ أَقْوَالِ مَنْ عَلَّقَ عَنْهُمُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَاتِ هَؤُلَاءِ الْمَرْفُوعَةَ.
وَفَاتَ التِّرْمِذِيَّ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي أَثَرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ شَامِيٍّ فِيهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَدْ عَنْعَنَهُ وَأَظُنُّ فِيهِ إِرْسَالًا أَيْضًا، وَأَمَّا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنِ عَلَى الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ فَرُوِّينَاهُ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَرُوِّينَا فِي فَوَائِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْمَخْرَمِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلُهُ وَكِلَا السَّنَدَيْنِ صَحِيحٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ تَأْتِي مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَلَاقٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: لَا أَرَى الطَّلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ. وَأَمَّا شُرَيْحٌ فَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قَالَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَفْظُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمُلْكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَلَاقٌ، قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى تَأْتِي مَعَ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ عَنِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَرَيَاهُ شَيْئًا وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَقَالَ: طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ وَفِي سَنَدِهِ أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ وَاهٍ. وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ: لَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً. قُلْتُ: اسْتَنْكَرُوهُ عَلَى ابْنِ صَاعِدٍ وَلَا ذَنْبَ لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا عِلَّتُهُ ضَعْفُ حِفْظِ عَاصِمٍ. وَأَمَّا الْقَاسِمُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَسَالِمٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ لَهُ عَنْ هُشَيْمٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَرَوْنَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرِ عَنْ سَالِمٍ، وَالْقَاسِمِ
стр. 5473
وُقُوعُهُ فِي الْمُعَيَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ:، حَدَّثَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ سُئِلَ الْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَا: هِيَ كَمَا قَالَ وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمًا، وَالْقَاسِمَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ، فَقَالَ كُلُّهُمْ: لَا يَتَزَوَّجُهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ، لِمَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَهُ، فَهَذَا طَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا طَاوُسٌ فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَيْهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَكَانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْيَمَنِ فَدَعَا ابْنَ طَاوُسٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ شَرُوسٍ، وَسِمَاكَ بْنَ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَهُمُ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ شَرُوسٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَسِمَاكُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
قَالَ سِمَاكٌ مِنْ عِنْدَهُ: إِنَّمَا النِّكَاحُ عُقْدَةٌ تُعْقَدُ وَالطَّلَاقُ يَحِلُّهَا، فَكَيْفَ يَحِلُّ عُقْدَةً قَبْلَ أَنْ تُعْقَدَ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ خَصِيفٍ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ جَمِيعًا، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَمَّنْ سَمِعَ طَاوُسًا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا طَلَاقَ لِمَنْ لَمْ يَنْكِحَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَهَذَا مُرْسَلٌ وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَقِيلَ فِيهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ طَاوُسٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ طَاوُسٍ وَمُعَاذٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَرَوَاهُ عَامِرٌ الْأَحْوَلُ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، وَحُسَيْنٌ الْمُعَلَّمُ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَالْأَرْبَعَةُ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي السُّنَنِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ مَنْ يُقَوِّي حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ قَوِيٌّ لَكِنْ فِيهِ عِلَّةُ الِاخْتِلَافِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ فَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ أَبِي عَرَضَ عَلَيَّ امْرَأَةً يُزَوِّجُنِيهَا، فَأَبَيْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا وَقُلْتُ: هِيَ
طَالِقٌ الْبَتَّةَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُهَا، ثُمَّ نَدِمْتُ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ سَلَكَ الْجَادَّةَ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لِمَا احْتَاجَ أَنْ يَرْحَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةَ وَيَكْتَفِي فِيهِ بِحَدِيثٍ مُرْسَلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَكَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَكَذَلِكَ نُقِلَ مَا هُنَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْحَسَنُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ قَالَا: لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ وَعَنْ هَشَّامٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَيُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ سَأَلْتُ مَنْصُورًا عَمَّنْ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَقَالَ: كَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَاهُ طَلَاقًا وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَجِيحٍ قَالَ سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ: رَجُلٌ قَالُوا لَهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ قَالَ هِيَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: إِنَّمَا الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَأَمَّا عَطَاءٌ فَتَقَدَّمَ مَعَ طَاوُسٍ وَيَأْتِي لَهُ طَرِيقٌ مَعَ مُجَاهِدٍ، وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِهِ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ، حَدَّثَنَا
стр. 5474
مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَوَكِيعٌ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ اهـ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَيْضًا وَصَرَّحَ فِيهِ بِتَحْدِيثِ عَطَاءٍ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ لَكِنْ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ضَعِيفٌ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ وَصَرَّحَ فِيهِ بِتَحْدِيثِ عَطَاءٍ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَتَحْدِيثِ جَابِرٍ، لِعَطَاءٍ وَفِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ الْعَنْعَنَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَمَّنْ سَمِعَ عَطَاءً، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو قُرَّةَ فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَرِوَايَةُ وَكِيعٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الطَّبَرَانِيُّ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جِئْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ وَأَنَا مُغْضَبٌ فَقُلْتُ: أَنْتَ أَحْلَلْتَ لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ أُمَّ سَلَمَةَ؟ قَالَ: مَا أَنَا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا طَلَاقَ لِمَنْ لَا يَنْكِحُ، وَلَا عِتْقَ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ وَأَمَّا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ فَهُوَ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّهُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْبَصْرِيُّ فَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِهِ وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ، وَأَمَّا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ أَيِ ابْنُ مُطْعِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أَيِ الْقُرَظِيُّ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُمَا قَالَا: لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ خَصِيفٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ حَلَفَ فِي امْرَأَةٍ إِنْ أَتَزَوَّجْهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ حَلَفْتَ فِي كَذَا ; قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تُخَلِّي سَبِيلَهَا؟ قَالَ: لَا، فَتَرَكَهُ عُمَرُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّمَّاحِ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدًا، وَعَطَاءً عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، زَادَ سَعِيدٌ: أَيَكُونُ سَيْلٌ قَبْلَ مَطَرٍ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ خِلَافُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ منْ طَرِيقِ خَصِيفٍ أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، قَالَ خَصِيفٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، طَلَّقَ مَا لَمْ يَمْلِكْ. قَالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَعَابَهُ. وَأَمَّا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ وَاصِلٍ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ هَرَمٍ وَهُوَ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَقَالَتِهِ مَوْصُولَةً، إِلَّا أَنَّ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَأَمَّا الشَّعْبِيُّ فَرَوَاهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِذَا وَقَّتَ لَزِمَهُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِذَا عَمَّمَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَمِمَّنْ رَأَى وُقُوعَهُ فِي الْمُعَيَّنَةِ دُونَ التَّعْمِيمِ - غَيْرُ مِنْ تَقَدَّمَ - إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْهُ قَالَ: إِذَا وَقَّتَ وَقَعَ، وَبِإِسْنَادِهِ إِذَا قَالَ كُلٌّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِثْلُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ
стр. 5475
عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. فَابْنُ مَسْعُودٍ أَقْدَمُ مَنْ أَفْتَى بِالْوُقُوعِ، وَتَبِعَهُ مَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِهِ كَالنَّخَعِيِّ ثُمَّ حَمَّادٍ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ هِيَ طَالِقٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قَالَ: لَا يَتَزَوَّجُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ وَالْعُمَرِيُّ ضَعِيفٌ وَالْقَاسِمُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ تَبِعَ أَحْمَدَ فِي تَكْثِيرِ النَّقْلِ عَنِ التَّابِعِينَ، فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْعِلَلِ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَحْفَظُ عَنْ أَحْمَدَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فَقَالَ: يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَنَيِّفٍ وَعِشْرِينَ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَنَا قُلْتُهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَجَوَّزَ الْبُخَارِيُّ فِي نِسْبَةِ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ عَنْهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ مُطْلَقًا، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُفَصِّلُ وَبَعْضَهُمْ يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ النُّكْتَةُ فِي تَصْدِيرِهِ النَّقْلَ عَنْهُمْ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْخِلَافِيَّاتِ الشَّهِيرَةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مَذَاهِبُ: الْوُقُوعُ مُطْلَقًا، وَعَدَمُ الْوُقُوعِ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا عَيَّنَ أَوْ عَمَّمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ: فَقَالَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ بِالْوُقُوعِ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ بِالتَّفْصِيلِ رَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَتْبَاعُهُ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُطْلَقًا وَلَوْ عَيَّنَ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ، وكَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ بِالتَّفْصِيلِ، فَإِنْ سَمَّى امْرَأَةً أَوْ طَائِفَةً أَوْ قَبِيلَةً أَوْ مَكَانًا أَوْ زَمَانًا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ إِلَيْهِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، وَجَاءَ عَنْ عَطَاءٍ مَذْهَبٌ آخَرُ مُفَصَّلٌ بَيْنَ أَنْ يَشْرِطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ نِكَاحِ امْرَأَتِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ شَرَطَهُ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ مَنْ عَيَّنَهَا وَإِلَّا صَحَّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَتَأَوَّلَ الزُّهْرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ قَوْلَهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا، فَإِذَا قِيلَ لَهُ مَثَلًا تَزَوَّجْ فُلَانَةَ فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ شَيْءٌ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا إِذَا قَالَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا يَقَعُ حِينَ تَزَوَّجَهَا، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ تَرُدُّهُ الْآثَارُ الصَّرِيحَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَشَايِخِ الزُّهْرِيِّ فِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَمَّنْ قَالَ إِنْ تَزَوَّجَتْ فَهِيَ طَالِقٌ سَوَاءٌ خَصَّصَ أَمْ عَمَّمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَلِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ كَرِهَ أَحْمَدُ مُطْلَقًا وَقَالَ إِنْ تَزَوَّجَ لَا آمُرُهُ أَنْ يُفَارِقَ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ فِي الْمُعَيَّنَةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ كَثِيرًا مِنَ الْأَخْبَارِ، ثُمَّ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ: هَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعْظَمَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَهِمُوا مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ الطَّلَاقَ أَوِ الْعَتَاقَ الَّذِي عَلَّقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ لَا يَعْمَلُ بَعْدَ وُقُوعِهِمَا، وَأَنَّ تَأْوِيلَ الْمُخَالِفِ فِي حَمْلِهِ عَدَمُ الْوُقُوعِ عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الْمِلْكِ، وَالْوُقُوعُ فِيمَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ قَبْلَ وُجُودِ عَقْدِ النِّكَاحِ أَوِ الْمِلْكِ فَلَا يَبْقَى فِي الْإِخْبَارِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ وَلَوْ بَعْدَ وُجُودِ الْعَقْدِ، فَهَذَا يُرَجِّحُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مِنْ حَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ قَوْمًا بِالْمَدِينَةِ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ حَنِثَ لَزِمَ إِذَا نَكَحَهَا، حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ: وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ عَلَى مَنْ يَقُولُ امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ، وَعُورِضَ مَنْ أَلْزَمَ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأْذَنِي لِوَلِيِّكِ أَنْ يُزَوِّجَنِيكِ، فَقَالَتْ: إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ أَذِنْتُ لِوَلِيِّي فِي ذَلِكَ، أَنَّ فُلَانًا إِذَا قَدِمَ لَمْ يَنْعَقِدِ التَّزْوِيجُ حَتَّى تُنْشِئَ عَقْدًا جَدِيدًا. وَعَلَى
стр. 5476
أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لَا يَمْلِكُهَا ثُمَّ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ الْبَيْعُ.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ طَلَّقْتُكِ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ فَطَلَّقَهَا لَا تَكُونُ مُرْتَجَعَةً، فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ: وَالتَّعْلِيقُ عَقْدٌ الْتَزَمَهُ بِقَوْلِهِ وَرَبَطَهُ بِنِيَّتِهِ وَعَلَّقَهُ بِشَرْطِهِ، فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ نَفَذَ. وَاحْتَجَّ آخَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وَآخَرُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْعُقُودِ، وَالنَّذْرُ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فَأَوْقَعَهُ فِي الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقٌ لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ طَلَاقٌ كَانَ لَغْوًا. وَالْوَصِيَّةُ إِنَّمَا تَنْفُذُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلَوْ عَلَّقَ الْحَيُّ الطَّلَاقَ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَنْفُذْ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ ; وَأَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ مِلْكُ الزَّوْجِ، فَلَهُ أَنْ يُنْجِزَهُ وَيُؤَجِّلَهُ وَأَنْ يُعَلِّقَهُ بِشَرْطٍ وَأَنْ يَجْعَلَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ الْمَالِكُ فِي مِلْكِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا فَأَيُّ شَيْءٍ مَلَكَ حَتَّى يَتَصَرَّفَ؟
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَنْكُوحَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِقَيْدِ النِّكَاحِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ اللَّفْظِ، لَكِنَّ الْوَرَعَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ تَجْوِيزَهُ وَإِلْغَاءَ التَّعْلِيقِ، قَالَ: وَنَظَرَ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي مَسْألَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إِذَا عَمَّ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابِ النِّكَاحِ الَّذِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَعَارَضَ عِنْدَهُ الْمَشْرُوعَ فَسَقَطَ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْأَدِلَّةِ بِالْمَصَالِحِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ هَذَا لَازِمًا فِي الْخُصُوصِ لَلَزِمَ فِي الْعُمُومِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠ - بَاب إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ (بابُ إذا قَالَ لِامْرأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهَيمُ لِسَارَّةَ: هَذِهِ أُخْتِي، وذَلِكَ فِي ذَاتِ الله) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ بِذَلِكَ رَدَّ مِنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتِي، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ مَرَّ النُّبي ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَزَجَرَهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَصِيرُ بِذَلِكَ مُظَاهِرًا إِذَا قَصَدَ ذلك، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اجْتِنَابِ اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ.
قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُعَارَضَةٌ، لِأَنَّ إِبَاهِيمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا أُخْتَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَنَوَى أُخُوَّةَ الدِّينِ لَمْ يَضُرَّهُ. قُلْتُ: حَدِيثُ أَبِي تَمِيمَةَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِقٍ مُرْسلة، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهَذَا مُتَّصِلٌ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ قَبْلَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ، فَكَأَنَّهُ وَافَقَ الْبُخَارِيَّ، وَقَدْ قَيَّدَ الْبُخَارِيُّ بِكَوْنِ قَائِلِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يَضُرَّهُ وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِكْرَاهٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا تَعَقُّبَ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ لَا يَضُرُّهُ قِيَاسًا عَلَى مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَغْلِبَهُ عَلَى سَارَّةَ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ لَا يَقْرَبُوا الْخَلِيَّةَ إِلَّا بِخِطْبَةٍ وَرِضًا، بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجَةِ فَكَانُوا يَغْتَصِبُونَهَا مِنْ زَوْجِهَا إِذَا أَحَبُّوا ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ فِي الْمَنَاقِبِ، فَلِخَوْفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى سَارَّةَ قَالَ إِنَّهَا أُخْتُهُ وَتَأَوَّلَ أُخُوَّةَ الدِّينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
تَنْبِيهٌ:
أَوْرَدَ النَّسَفِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعَ مَا فِي التَّرْجَمَةِ
стр. 5477
الَّتِي بَعْدَهُ، وَعَكَسَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١١ - بَاب الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَتَلَا الشَّعْبِيُّ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَأ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ، وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى. وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ.
٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ. قَالَ قَتَادَةُ: إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
٥٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ هَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ، حَتَّى أُدْرِكَ بِالْحَرَّةِ فَقُتِلَ.
[الحديث ٥٢٧٠ - أطرافه في: ٥٢٧٢، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨]
стр. 5478
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى يَعْنِي نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا، فَقال النبي ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ"
[الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]
٥٢٧٢ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ"
قَوْلُهُ (بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ، وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَحْكَامٍ يَجْمَعُهَا أَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ الْعَامِدِ الذَّاكِرِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَا نِيَّةَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ الْغَالِطُ وَالنَّاسِي وَالَّذِي يُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَوَصَلَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ الْإِغْلَاقُ هُوَ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَتَغَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ، وَقِيلَ هُوَ الْعَمَلُ فِي الْغَضَبِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي غِلَاقٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْغِلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبَ، وَتَرْجَمَ عَلَى الْحَدِيثِ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْظٍ وَوَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِغْلَاقُ بِالْأَلِفِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ هِيَ الرَّاجِحَةُ فَهُوَ غَيْرُ الْإِغْلَاقِ.
قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَوْلُهُمْ إِيَّاكَ وَالْغَلْقَ أَيِ الضَّجِرَ وَالْغَضَبَ، وَرَدَّ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ عَلَى مَنْ قَالَ الْإِغْلَاقُ الْغَضَبُ وَغَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَرَابِطِ: الْإِغْلَاقُ حَرَجُ النَّفْسِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ فَارَقَ عَقْلَهُ، وَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِيمَا جَنَاهُ: كُنْتُ غَضْبَانًا اهـ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْغَضَبِ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ مِنْ أَغْلَقْتُ الْبَابَ، وَقِيلَ الْغَضَبُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعُرِفَ بِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ إِطْلَاقُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَإِذَا أَطْلَقَهُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فَمُرَادُهُ مُقَابِلُ الْمَرَاوِزَةِ مِنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ النَّفْيُ عَنْ فِعْلِهِ لَا النَّفْيُ لِحُكْمِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ بَلْ يُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَالْكُرْهُ هُوَ فِي النُّسَخِ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفِي عَطْفِهِ
стр. 5479
عَلَى الْإِغْلَاقِ نَظَرٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْإِغْلَاقَ الْغَضَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْكَافِ مِيمٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ السَّكْرَانَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَابَ حُكْمِ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَحُكْمِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ إِلَخْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ، قَالَ: لِأَنَّهُ شَيْءٌ افْتَدَى بِهِ نَفْسَهُ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَفْصِيلٌ آخَرُ: إِنْ وَرَّى الْمُكْرَهُ لَمْ يَقَعْ وَإِلَّا وَقَعَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ وَقَعَ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَلَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اللُّصُوصَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يُخَالِفُهُمْ غَالِبًا بِخِلَافِ السُّلْطَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَقَعُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ عَطَاءٌ بِآيَةِ النَّحْلِ ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا وَضَعَ الْكُفْرَ عَمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ أَحْكَامَ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكْرَهِ مَا دُونَ الْكُفْرِ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا هُوَ دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِعَطْفِ الشِّرْكِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالسَّكْرَانُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ عُثْمَانَ فِي هَذا الْبَابِ، وَقَدْ يَأْتِي السَّكْرَانُ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ بِمَا لَا يَأْتِي بِهِ وَهُوَ صَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإِنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَا يَقُولُ لَا يَكُونُ سَكْرَانَ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَسَيَأْتِي فِي أَثَرِ عَلِيٍّ مَعَ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَهُمَا فَمَعْنَاهُ هَلْ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ يَخْتَلِفُ؟ وَقَوْلُهُ وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مَا يَقْتَضِي الشِّرْكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فَلْيَكُنِ الطَّلَاقُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَغَيْرِهِ أَيْ وَغَيْرِ الشِّرْكِ مِمَّا هُوَ دُونَهُ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشَّكِّ بَدَلَ الشِّرْكِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ أَلْيَقُ، وَكَأَنَّ مُنَاسَبَةَ لَفْظِ الشِّرْكِ خَفِيَتْ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا بِلَفْظِ الشَّكِّ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى النِّسْيَانِ لَا عَلَى الطَّلَاقِ. ثُمَّ رَأَيْتُ سَلَفَ شَيْخِنَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ وَالشَّكُّ مَكَانَ الشِّرْكِ اهـ، فَفَهِمَ شَيْخُنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَنَّ فِي بَعْضِهَا بلَفْظ الشَّكِّ فَجَزَمَ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ النَّاسِي فَكَانَ الْحَسَنُ يَرَاهُ كَالْعَمْدِ إِلَّا إِنِ اشْتَرَطَ فَقَالَ إِلَّا أَنْ أَنْسَى، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهُ شَيْئًا وَيَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْآتِي كَمَا سَأُقَرِّرُهُ بَعْدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ الْمُخْطِئِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ إِلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّجَاوُزِ، فَمَنْ حَمَلَ التَّجَاوُزَ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ خَاصَّةً دُونَ الْوُقُوعِ فِي الْإِكْرَاهِ لَزِمَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النِّسْيَانِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الْمُشْرِكِ فَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ، وَدَاوُدَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَعِتْقُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
قَوْلُهُ (وَتَلَا الشَّعْبِيُّ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سَلِيمٍ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ (وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْوَاوُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ
стр. 5480
هَلْ بِكَ جُنُونٌ وَأَوْرَدَهُ فِي الْحُدُودِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ السُّكْرِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) الْحَدِيثَ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ بَدْرِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَبَقَرَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ أَيْ شَقَّ، وَالْخَوَاصِرُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ جَمْعُ خَاصِرَةٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ إِنَّهُ ثَمِلٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ سَكْرَانُ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ مَنْ لَمْ يُؤَاخِذِ السَّكْرَانَ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَاعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْخَمْرَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مُبَاحَةً، قَالَ: فَبِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا نَطَقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، قَالَ: وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ اهـ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مُؤَاخَذَةِ السَّكْرَانِ بِمَا يُصْدَرُ مِنْهُ، وَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مُبَاحًا أَوْ لَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَاهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ قِصَّةَ الشَّارِفَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّ حَمْزَةَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ عِنْدَ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جَمَاعَةً اصْطَبَحُوا الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتُشْهِدُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَكَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بَعْدَ أُحُدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَبَابَةَ، وَرُوِّينَاهُ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَارِيخِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا سَكْرَانُ، فَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ رَأْيِنَا أَنْ يَجْلِدَهُ وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ وَلَا عَلَى السَّكْرَانِ طَلَاقٌ، قَالَ عُمَرُ: تَأْمُرُونَنِي وَهَذَا يُحَدِّثُنِي عَنْ عُثْمَانَ؟ فَجَلَدَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَثَرَ عُثْمَانَ ثُمَّ ابْنِ عَبَّاسٍ اسْتِظْهَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ، وَذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ أَيْضًا أَبُو الشَّعْثَاءَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَا يَقَعُ قَالَ: وَالسَّكْرَانُ مَعْتُوهٌ بِسُكْرِهِ. وَقَالَ بِوُقُوعِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: الْمُصَحَّحُ مِنْهُمَا وُقُوعُهُ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ: إِذَا تَيَقَّنَّا ذَهَابَ عَقْلِ السَّكْرَانِ. لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ، وَإِلَّا لَزِمَهُ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ حَدَّ السُّكْرِ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا يَقُولُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَأْبَاهُ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ طَلَاقِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ عَاصٍ بِفَعْلِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ، وَلَا الْإِثْمُ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فِي السُّكْرِ أَوْ فِيهِ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ فَاقِدِ الْعَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ عَقْلِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَنْ كَسَرَ رِجْلَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِيَامَ انْتَقَلَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ فَافْتَرَقَا. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِأَنَّ النَّائِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْأَصْلُ فِي السَّكْرَانِ الْعَقْلُ، وَالسُّكْرُ شَيْءٌ طَرَأَ عَلَى عَقْلِهِ، فَمَهْمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ كَلَامٍ مَفْهُومٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَهَابُ عَقْلِهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُزَنِيِّ، عَنْ
стр. 5481
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ الْمُضْطَهَدُ: بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْمَغْلُوبُ الْمَقْهُورُ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَيْ بِوَاقِعٍ، إِذْ لَا عَقْلَ لِلسَّكْرَانِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُسْتَكْرَهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ) أَيْ لَا يَقَعُ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَأَ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ) تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَبَيَّنْتُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَمَّا قَوْلُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا قَالَ النُّحَاةُ: قَطْعُ هَمْزَةِ الْبَتَّةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقِيَاسِ اهـ، وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا يُقَالُ بِالْقَطْعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَلِفَ الْبَتَّةَ أَلِفُ وَصْلٍ قَطْعًا، وَالَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبَتَّةَ الْقَطْعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهَا بِمُرَادِفِهَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُقَالُ بِالْقَطْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بُتَّتْ فَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا هُنَا - وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَتَّةِ تَقَدَّمَتْ - مُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عَطَاءٍ وَكَذَا مَا بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَتَّةِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أَيْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَحْلِفَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ عَلَى أَمْرٍ يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ: يَدِينَانِ وَيَحْمِلَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلَا. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ) أَيْ إِنْ قَصَدَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ قَالَ: نِيَّتُهُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا قَالَا: إِنْ نَوَى طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي إِدْرِيسَ، وَجَرِيرٌ فَالْأَوَّلُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَالثَّانِي عَنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: طَلَاقُ الْعَجَمِيِّ بِلِسَانِهِ جَائِزٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى تَطْهُرَ وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ يَغْشَاهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْشَاهَا حَتَّى تَحْمِلَ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ وَطِئَهَا مَرَّةً بَعْدَ التَّعْلِيقِ طَلُقَتْ سَوَاءٌ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلَهَا أَمْ لَا، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي قَالَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ طَلُقَتْ مَكَانَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ لَا يَقَعُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، قَالَ: فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ فَلْيَكُنْ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ هُوَ مَا نَوَى وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْرُجِي اسْتَبْرِئِي، اذْهَبِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ
стр. 5482
وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَالنُّشُوزِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ دَائِمًا، وَالْوَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الْحَاجَةُ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَلَا يُبْنَى مِنْهَا فِعْلٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتَهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ قَالَ: هُوَ مَا نَوَى وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ إِذَا وَاجَهَهَا بِهِ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ إِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا أَرَاهُ أَرَادَ إِلَّا الطَّلَاقَ وَعَنْ قَتَادَةَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَتَوَقَّفَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ اللَّيْثُ هِيَ كِذْبَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا ابْنَ عَبَّاسٍ، جَعَلَهُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ وَرُجِّحَ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَأَخَذَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ، فَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَلَ وَمَيَّزَ، وَحَدُّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يُطِيقَ الصِّيَامَ وَيُحْصِيَ الصَّلَاةَ، وَعِنْدَ عَطَاءٍ إِذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ إِذَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِسَمَاعِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَالْمُرَادُ بِالْمَعْتُوهِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَاءٌ - النَّاقِصُ الْعَقْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ ; وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُحَبِّرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ مَعْتُوهًا فَأَمَرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِالْعِدَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَعْتُوهٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ اسْتَثْنَى لِلْمَعْتُوهِ طَلَاقًا وَلَا غَيْرَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنْ زُرَارَةَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَوْلُهُ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ لَيْسَ عِنْدَ قَتَادَةَ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَلاقٌ وَنَوَى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ: لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِنِيَّةٍ لَا لَفْظَ مَعَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَةَ التَّامَّةَ فَهِيَ نِيَّةٌ صَحِبَهَا لَفْظٌ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَةُ وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ وَلَمْ
стр. 5483
يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَشَرْطُ مَالِكٍ فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ في نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ - وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا أَشْهَبُ عَنْهُ وَقَوَّاهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ، بِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ
عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَثِمَ وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ، وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَبِأَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْآثِمَ مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَلُ الْمَعْصِيَةِ لَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ. وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَارِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا قَالَ: وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ يُؤَثِّرُ لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْحَدِيثِ مَنْدُوبٌ فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُلْ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُمَرَ إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِالزِّنَا فَرُجِمَ، ذَكَرَهَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ هَلْ بِكَ جُنُونٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُعْمَلْ بِإِقْرَارِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ هَلْ كَانَ بِكَ جُنُونٌ أَوْ هَلْ تُجَنُّ تَارَةً وَتُفِيقُ تَارَةً؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْمُخَاطَبَةِ مُفِيقًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَّهَ لَهُ الْخِطَابَ وَالْمُرَادُ اسْتِفْهَامُ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا أَيْضًا فِي الْحُدُودِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْآخِرَ قَدْ زَنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ السَّعَادَةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ قَالَا: مَنْ طَلَّقَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ طَلَاقُهُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ شِهَابٍ فَقَالَا تَطْلُقُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ قَتَادَةَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ قَتَادَةَ الْمَرْفُوعِ الْمَذْكُورِ هُنَا بَعْدُ، فَلَمَّا سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ قَتَادَةُ فَذَكَرَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبْهَمَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعَيْبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَدْرُ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَبِي سَلَمَةَ فَأُدْرِجَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَذْلَقَتْهُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا، وَقَوْلُهُ (جَمَزَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِزَايٍ أَيْ أَسْرَعَ هَارِبًا.
١٢ - بَاب الْخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ. وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ
стр. 5484
٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[الحديث ٥٢٧٣ - أطرافه في: ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧]
٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِهَذَا وَقَالَ تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلِّقْهَا"
٥٢٧٥ - وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ فَقال رسول الله ﷺ : "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ"
٥٢٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقال رسول الله ﷺ : "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ فَقَالَتْ نَعَمْ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا"
٥٢٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ"
قَوْلُهُ (بَابُ الْخُلْعِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ فِرَاقُ الزَّوْجَةِ عَلَى مَالٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لِبَاسُ الرَّجُلِ مَعْنًى، وَضُمَّ مَصْدَرُهُ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ فِي أَمَالِيهِ أَنَّ أَوَّلَ خُلْعٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَنَّ عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الظَّرِبِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَفَرَتْ مِنْهُ، فَشَكَا إِلى أَبِيهَا فَقَالَ: لَا أَجْمَعُ عَلَيْكَ فِرَاقَ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَقَدْ خَلَعْتُهَا مِنْكَ بِمَا أَعْطَيْتَهَا، قَالَ: فَزَعَمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْعَرَبِ اهـ. وَأَمَّا أَوَّلُ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَيُسَمَّى أَيْضًا فِدْيَةً وَافْتِدَاءً.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ التَّابِعِيَّ الْمَشْهُورَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي مُقَابِلِ فِرَاقِهَا شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فَادَّعَى نَسْخَهَا بِآيَةِ النِّسَاءِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَتُعُقِّبَ مَعَ شُذُوذِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ أَيْضًا ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ وَبِقَوْلِهِ فِيهَا ﴿فَلا
стр. 5485
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ الْآيَةَ، وَبِالْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ مَخْصُوصَةٌ بِآيَةِ الْبَقَرَةِ وَبِآيَتَيِ النِّسَاءِ الْآخِرَتَيْنِ.
وَضَابِطُهُ شَرْعًا فِرَاقُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِبَذْلٍ قَابِلٍ لِلْعِوَضِ يَحْصُلُ لِجِهَةِ الزَّوْجِ. وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا فِي حَالِ مَخَافَةِ أَنْ لَا يُقِيمَا - أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا - مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ يَنْشَأُ ذَلِكَ عَنْ كَرَاهَةِ الْعِشْرَةِ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقٍ أَوْ خَلْقٍ، وَكَذَا تُرْفَعُ الْكَرَاهَةُ إِذَا احْتَاجَا إِلَيْهِ خَشْيَةَ حِنْثٍ يَئُولُ إِلَى الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى.
قَوْلُهُ (وَكَيْفُ الطَّلَاقُ فِيهِ) أَيْ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِهِ أَوْ لَا يَقَعُ حَتَّى يَذْكُرَ الطَّلَاقَ إِمَّا بِاللَّفْظِ وَإِمَّا بِالنِّيَّةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْخُلْعُ مُجَرَّدًا عَنِ الطَّلَاقِ لَفْظًا وَنِيَّةً ثَلَاثَةُ آرَاءٍ وَهِيَ أَقْوَالٌ لِلشَّافِعِيِّ:
أَحَدُهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، فَإِذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَمَا تُصُرِّفَ مِنْهُ نَقَصَ الْعَدَدُ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ مَقْرُونًا بِنِيَّتِهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَرَائِحِ الطَّلَاقِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا الزَّوْجُ فَكَانَ طَلَاقًا، وَلَوْ كَانَ فَسْخًا لَمَا جَازَ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ كَالْإِقَالَةِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِهِ بِمَا قَلَّ وَكَثُرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ.
وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ذَكَرَهُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنَ الْجَدِيدِ أَنَّهُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مَا يُقَوِّيهِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ أَمْرَ الْمَرْأَةِ بِيَدِهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَقَعْ لَفْظُ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّةٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ لَفْظُ الْخُلْعِ صَر يحًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَعَ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَسْخًا تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا إِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ الطَّلَاقَ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ فَسْخٌ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ لَا؟ وَرَجَّحَ الْإِمَامُ عَدَمَ الْوُقُوعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي بَابِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَصَرَّحَ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَنَقَلَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ عَنْ نَصِّ الْقَدِيمِ قَالَ: هُوَ فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَا بِهِ الطَّلَاقَ وَيَخْدِشُ فِيمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يَنْوِهِ.
وَالثَّالِثُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ أَصْلًا وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَوَّاهُ السُّبْكِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ آخِرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ الظَّالِمُونَ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ يَخَافَا الْآيَةَ وَبِذِكْرِ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ تَمَامُ الْمُرَادِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَتَمَسَّكَ بِالشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ مَنْ مَنَعَ الْخُلْعَ إِلَّا إِذَا حَصَلَ الشِّقَاقُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، وَسَأَذْكُرُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ طَاوُسٍ بَيَانَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ) أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَتَى بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ فِي خُلْعٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَلَمْ يُجِزْهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابِ الْخَوْلَانِيُّ: قَدْ أَتَى عُمَرُ فِي خُلْعٍ فَأَجَازَهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ دُونَ السُّلْطَانِ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: كَانُوا يَقُولُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ قَالَ: فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ خَافَا، وَقَوَّى ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي
стр. 5486
آيَةِ الْبَابِ إِلَّا أَنْ يُخَافَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ قَالَ: وَالْمُرَادُ الْوُلَاةُ، وَرَدَّهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُسَاعِدُهُ الْإِعْرَابُ وَلَا اللَّفْظُ وَلَا الْمَعْنَى، وَالطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّ الطَّلَاقَ جَائِزٌ دُونَ الْحَاكِمِ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ.
ثُمَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الشِّقَاقِ شَرْطٌ فِي الْخُلْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا جَرَتْ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ، وَقَدْ أَنْكَرَ قَتَادَةُ هَذَا عَلَى الْحَسَنِ فَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ قَتَادَةَ عنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: مَا أَخَذَ الْحَسَنُ هَذَا إِلَّا عَنْ زِيَادٍ، يَعْنِي حَيْثُ كَانَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ لِمُعَاوِيَةَ: قُلْتُ: وَزِيَادٌ لَيْسَ أَهْلًا أَنْ يُقْتَدَى بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا) الْعِقَاصُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ عِقْصَةٍ وَهُوَ مَا يُرْبَطُ بِهِ شَعْرُ الرَّأْسِ بَعْدَ جَمْعِهِ، وَأَثَرُ عُثْمَانَ هَذَا رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانِ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي فَأَجَازَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ مُطَوَّلًا وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَجَفْتُ الْبَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى دُونَ سِوَى، أَيْ أَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ مَا سِوَى عِقَاصِ رَأْسِهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ يُقَالُ الْخُلْعُ مَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا وَعَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ يَأْخُذُ مِنَ الْمُخْتَلِعَةِ حَتَّى عِقَاصَهَا وَمِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ إِذَا خَلَعَهَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا. ثُمَّ تَلَا: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَوَجَدْتُ أَثَرَ عُثْمَانَ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسَاءِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّي كَلَامٌ، وَكَانَ زَوْجَهَا، قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ: لَكَ كُلُّ شَيْءٍ وَفَارِقْنِي. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
فَأَخَذَ وَاللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى فِرَاشِي، فَجِئْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: الشَّرْطُ أَمْلَكُ، خُذْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى عِقَاصَ رَأْسِهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْخُلْعِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ. لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الزِّيَادَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَثَرٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ وَقُلْتُ لَهُ: مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي الْفِدَاءِ؟ قَالَ: كَانَ يَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ قَوْلَ السُّفَهَاءِ: لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ إِلَخْ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَكِنْ قَدْ نُقِلَ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ لَهُ مَا ظَهَرَ لِابْنِ جُرَيْجٍ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْأَثَرِ مَوْصُولًا فَتَكَلَّفَ مَا قَالَ، وَالَّذِي قَالَ وَلَمْ يَقُلْ هُوَ ابْنُ طَاوُسٍ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْهُ النَّفْيُ هُوَ أَبُوهُ طَاوُسٌ، وَأَشَارَ ابْنُ طَاوُسٍ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِ طَاوُسٍ وَأَنَّ الْفِدَاءَ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَعْصِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِيمَا يَرُومُهُ مِنْهَا حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا وَلَا أَبَرُّ لَكَ قَسَمًا وَلَا
стр. 5487
أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ، قَالَ: إِذَا كَرِهَتْهُ فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا وَلْيُخَلِّ عَنْهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ فِي الْخُلْعِ إِذَا قَالَتْ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ يَطِيبُ الْخُلْعُ إِذَا قَالَتْ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ. نَحْوُهُ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ نَحْوُهُ وَلَكِنْ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ مَا هُوَ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ وَلَا يَتَعَيَّنُ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْخُلْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ طَاوُسٍ نَحْوُ قَوْلِهِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قَالَ: فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمَا فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِدَاءُ حَتَّى يَكُونَ الْفَسَادُ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَقُولَ لَا أَبَرُّ لَكَ قَسَمًا وَلَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ) هُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ غَيْرَ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْهُ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي، لَكِنْ جَاءَ الْحَدِيثُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا خَالِدُ) هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ.
قَوْلُهُ (إنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) أَيِ ابْنِ شَمَّاسٍ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارُ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَأَبْهَمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ اسْمَ الْمَرْأَةِ وَفِي الطُّرُقِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَسُمِّيَتْ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا جَمِيلَةَ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَعْنِي كَبِيرَ الْخَزْرَجِ وَرَأْسَ النِّفَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيٍّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ جَاءَتْ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَسَلُولُ امْرَأَةٌ اخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ أُمُّ أُبَيٍّ أَوِ امْرَأَتُهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَكَانَتْ تَحْتَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، فَقُتِلَ عَنْهَا بِأُحُدٍ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَتَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، ثُمَّ خُبَيْبُ بْنُ أَسَافٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً فَكَرِهَتْهُ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَقَبٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِهَذَا الْجَمْعِ فَالْمَوْصُولُ أَصَحُّ، وَقَدِ اعْتُضِدَ بِقَوْلِ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ اسْمَهَا جَمِيلَةُ، وَبِهِ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ شَقِيقَةَ أُمِّهِمَا خَوْلَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ.
قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ وَالَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّهَا بِنْتُ أُبَيٍّ وَهْمٌ. قُلْتُ: وَلَا يَلِيقُ إِطْلَاقُ كَوْنِهِ وَهْمًا فَإِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بِلَا شَكٍّ، لَكِنْ نُسِبَ أَخُوهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى جَدِّهِ أُبَيٍّ كَمَا نُسِبَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ إِلَى جَدَّتِهَا سَلُولَ، فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلَفِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فَجَزَمَا بِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا بَلِ الْجَمْعُ أَوْلَى، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِاتِّحَادِ اسْمِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَأَنَّ ثَابِتًا خَالَعُ الثِّنْتَيْنِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ
стр. 5488
الْمَخْرَجِ. وَقَدْ كَثُرَتْ نِسْبَةُ الشَّخْصِ إِلَى جَدِّهِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ حَتَّى يَثْبُتَ صَرِيحًا.
وَجَاءَ فِي اسْمِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَوْلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَرْيَمُ الْمَغَالِيَّةُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي فَذَكَرَتْ قِصَّةً فِيهَا وَإِنَّمَا تَبِعَ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ، وَكَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: اضْطَرَبَ الْحَدِيثُ فِي تَسْمِيَةِ امْرَأَةِ ثَابِتٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ تَعَدَّدَ مِنْ ثَابِتٍ انْتَهَى. وَتَسْمِيَتُهَا مَرْيَمَ يُمْكِنُ رَدُّهُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَغَالِيَّةَ - وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - نِسْبَةٌ إِلَى مَغَالَةَ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَدَتْ لِعَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَلَدُهَ عَدِيًّا، فَبَنُو عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ يُعْرَفُونَ كُلُّهُمْ بِبَنِي مَغَالَةَ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَإِذَا كَانَ آلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنْ بَنِي مَغَالَةَ فَيَكُونُ الْوَهْمُ وَقَعَ فِي اسْمِهَا، أَوْ يَكُونُ مَرْيَمُ اسْمًا ثَالِثًا، أَوْ بَعْضُهَا لَقَبٌ لَهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي اسْمِهَا أَنَّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ [قَالَ]: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ. قَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتُلِفَ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَذَكَرَ الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيٍّ وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ لِشُهْرَةِ الْخَبَرَيْنِ وَصِحَّةِ الطَّرِيقِينَ وَاخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ، بِخِلَافِ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ جَمِيلَةَ وَنَسَبِهَا فَإِنَّ سِيَاقَ قِصَّتِهَا مُتَقَارِبٌ فَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَافِ فِيهِ إِلَى الْوِفَاقِ، وَسَأُبَيِّنُ اخْتِلَافَ الْقِصَّتَيْنِ عِنْدَ سِيَاقِ أَلْفَاظِ قِصَّةِ جَمِيلَةَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ أَوَّلُ مُخْتَلِعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الْحَدِيثَ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَدُّدِ يَقْتَضِي أَنَّ ثَابِتًا تَزَوَّجَ حَبِيبَةَ قَبْلَ جَمِيلَةَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا كَوْنَ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ جَمِيلَةَ لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ تَزَوُّجِ ثَابِتٍ بِجَمِيلَةَ.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي تَنْقِيحِهِ أَنَّهَا سَهْلَةُ بِنْتُ حَبِيبٍ، فَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا مَقْلُوبًا، وَالصَّوَابُ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: بِنْتُ سَهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَاقَ نَسَبَهَا إ لَى مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَأَخْرَجَ حَدِيثَهَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ لِغَيْرَةِ الْأَنْصَارِ وَكَرِهَ أَنْ يَسُوءَهُمْ فِي نِسَائِهِمْ.
قَوْلُهُ (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ هُنَا وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَتْ بِأَبِي وَأُمِّي أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ.
قَوْلُهُ (مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مِنَ الْعِتَابِ يُقَالُ عَتَبْتُ عَلَى فُلَانٍ أَعْتُبُ عَتْبًا وَالِاسْمُ الْمَعْتَبَةُ، وَالْعِتَابُ هُوَ الْخِطَابُ بِالْإِدْلَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْعَيْبِ وَهِيَ أَلْيَقُ بِالْمُرَادِ.
قَوْلُهُ (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، أَيْ لَا أُرِيدُ مُفَارَقَتَهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ وَلَا لِنُقْصَانِ دِينِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ
стр. 5489
الْمَذْكُورَةِ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ كَذَا فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مُمَيِّزَ عَدَمِ الطَّاقَةِ، وَبَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ بِهَا شَيْئًا يَقْتَضِي الشَّكْوَى مِنْهُ بِسَبَبِهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ كَسَرَ يَدَهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ سَيِّئُ الْخُلُقِ، لَكِنَّهَا مَا تَعِيبُهُ بِذَلِكَ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ.
وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا لَكِنْ لَمْ تَشْكُهُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، بَلْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ دَمِيمَ الْخِلْقَةِ، فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِي مِنَ الْجَمَالِ مَا تَرَى، وَثَابِتٌ رَجُلٌ دَمِيمٌ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوَّلُ خُلْعٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ رَأْسِي وَرَأْسُ ثَابِتٍ أَبَدًا، إِنِّي رَفَعْتُ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ، فَإِذَا هُوَ أَشَدُّهُمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَةً وَأَقْبَحُهُمْ وَجْهًا. فَقَالَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَإِنْ شَاءَ زِدْتُهُ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ أَكْرَهُ إِنْ أَقَمْتُ عِنْدَهُ أَنْ أَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ، وَانْتَفَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى الْكُفْرِ وَيَأْمُرَهَا بِهِ نِفَاقًا بِقَوْلِهَا لَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. وَرِوَايَةُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ وَكَأَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُهَا شِدَّةُ كَرَاهَتِهَا لَهُ عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ لِيَنْفَسِخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ، وَهِيَ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَكِنْ خَشِيَتْ أَنْ تَحْمِلَهَا شِدَّةُ الْبُغْضِ عَلَى الْوُقُوعِ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِالْكُفْرِ كُفْرَانُ الْعَشِيرِ إِذْ هُوَ تَقْصِيرُ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى أَخَافُ عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَامِ مَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ نُشُوزٍ وَفَرْكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّابَّةِ الْجَمِيلَةِ الْمُبْغِضَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ بِالضِّدِّ مِنْهَا، فَأَطْلَقَتْ عَلَى مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَامِ الْكُفْرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهَا إِضْمَارٌ، أَيْ أكرَهُ لَوَازِم الْكُفْرِ مِنَ الْمُعَادَاةِ وَالشِّقَاقِ وَالْخُصُومَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَلَكِنْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. قَوْلُهُ (أَتَرُدِّينَ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَتَرُدِّينَ وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ تَرُدِّينَ وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ (حَدِيقَتَهُ) أَيْ بُسْتَانَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ أَصْدَقَهَا الْحَدِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَفْظُهُ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَدِيقَةِ نَخْلٍ.
قَوْلُهُ (قَالَتْ نَعَمْ) زَادَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ فَقَالَ ثَابِتٌ: أَيَطِيبُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَوْلُهُ (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) هُوَ أَمْرُ إِرْشَادٍ وَإِصْلَاحٍ لَا إِيجَابٍ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ وَلَا مَا يَنْفِيهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ طَلِّقْهَا إِلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ طَلِّقْهَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ طَلَاقًا صَرِيحًا عَلَى عِوَضٍ، وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ، إِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إِذَا وَقَعَ لَفْظُ الْخُلْعِ أَوْ مَا كَانَ فِي حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِطَلَاقٍ بِصَرَاحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ، هَلْ يَكُونُ الْخُلْعُ طَلَاقًا وَفَسْخًا؟ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَكْسِ، نَعَمْ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمُرْسَلَةِ ثَانِيَةَ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ فَطَلَّقَهَا وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْدِيمِ الْعَطِيَّةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالطَّلَاقِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِنْ أَعْطَتْكَ طَلِّقْهَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ صِيغَةِ الْخُلْعِ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا وَفِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ
стр. 5490
فَأَخَذَهَا مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا لَكِنْ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِي الْبَابِ تُسَمِّيهِ خُلْعًا، فَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْبُخَارِيُّ.
قَوْلُهُ (لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ لَا يُتَابَعُ أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ خُصُوصُ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا ثُمَّ بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مُرْسَلًا وَعَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ الْمَوْصُولَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (لَا أُطِيقُهُ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِالْقَافِ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِهَا أُطِيعُهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
ثُمَّ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ أَيْضًا فِي وَصْلِ الْخَبَرِ وَإِرْسَالِهِ، فَاتَّفَقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَلَى وَصْلِهِ، وَخَالَفَهُمَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ إِخْرَاجِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحِ فَوَائِدُ:
مِنْهَا أَنَّ الْأَكْثَرَ إِذَا وَصَلُوا وَأَرْسَلَ الْأَقَلُّ قُدِّمَ الْوَاصِلُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَرْسَلَ أَحْفَظَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْوَاصِلِ عَلَى الْمُرْسِلِ دَائِمًا. وَمِنْهَا أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنَ الضَّبْطِ وَوَافَقَهُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ اعْتَضَدَ وَقَاوَمَتِ الرِّوَايَتَانِ رِوَايَةَ الضَّابِطِ الْمُتْقِنِ. وَمِنْهَا أَنَّ أَحَادِيثَ الصَّحِيحِ مُتَفَاوِتَةُ الْمَرْتَبَةِ إِلَى صَحِيحٍ وَأَصَحَّ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ - أَنَّ الشِّقَاقَ إِذَا حَصَلَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ جَازَ الْخُلْعُ وَالْفِدْيَةُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَأَنَّ ذَلِكَ يُشْرَعُ إِذَا كَرِهَتِ الْمَرْأَةُ عِشْرَةَ الرَّجُلِ وَلَوْ لَمْ يَكْرَهْهَا وَلَمْ يَرَ مِنْهَا مَا يَقْتَضِي فِرَاقَهَا.
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذَ الْفِدْيَةِ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَرَى عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْحَدِيثُ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ سِيرِينَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ فَسَّرَتِ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ تَوْجِيهٌ، وَهُوَ تَخْصِيصُهُ بِمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ بِأَنْ يَكْرَهَهَا وَهِيَ لَا تَكْرَهُهُ فَيُضَاجِرُهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ. فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرَاهَا عَلَى فَاحِشَةٍ وَلَا يَجِدُ بَيِّنَةً وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَفْضَحَهَا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْهَا وَيَأْخُذَ مِنْهَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَيُطَلِّقَهَا، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلْحَدِيثِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْكَرَاهَةُ مِنْ قِبَلِهَا، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ وَقَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَنْدَفِعُ الْإِثْمُ، وَهُوَ قَوِيٌّ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَتَيْنِ وَلَا يُخَالِفُ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ الَّتِي أُمِرَتْ بِهَا كَانَ ذَلِكَ مُنَفِّرًا لِلزَّوْجِ عَنْهَا غَالِبًا وَمُقْتَضِيًا لِبُغْضِهِ لَهَا فَنَسَبَتِ الْمَخَافَةَ إِلَيْهِمَا لِذَلِكَ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْسِرْ ثَابِتًا: هَلْ أَنْتَ كَارِهُهَا كَمَا كَرِهَتْكَ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ.
فَإِنْ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ صَرِيحًا وَلَا
стр. 5491
نَوَيَاهُ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ قَبْلُ. وَاسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ فَسْخٌ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ قَالَ وَتَبِعَ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ - فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ - خُذِ الَّذِي لَهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ، إِذْ لَوْ طَلَاقًا لَمْ تَكْتَفِ بِحَيْضَةٍ لِلْعِدَّةِ اهـ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا حَتَّى يَمْضِيَ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ. فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ فَسْخًا وَبَيْنَ النَّقْصِ مِنَ الْعِدَّةِ تَلَازُمٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَا أَعْطَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَيْنًا أَوْ قَدْرَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا وَلَا يَزْدَادُ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ أَيُّوبُ لَا أَحْفَظُ وَلَا تَزْدَدْ وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْهُ أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: وَوَصَلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخُ قَالَ: وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، يَعْنِي الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ. وَفِي مُرْسَلِ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَزِيَادَةً، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، وَلَكِنْ حَدِيقَتَهُ، قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخَذَ مَالَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا. وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ سَمِعَهُ أَبُو الزُّبَيْرُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَحَابِيٌّ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَيُعْتَضَدُ بِمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الشَّرْطِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ رِفْقًا بِهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَلِيٍّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا فَوْقَ مَا أَعْطَاهَا وَعَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ مَنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى لَمْ يُسَرِّحْ بِإِحْسَانٍ وَمُقَابِلُ هَذَا مَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَاهَا، لِيَدَعْ لَهَا شَيْئًا وَقَالَ مَالِكٌ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجُوزُ بِالصَّدَاقِ وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَلِحَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ، فَإِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا حَلَّ لِلزَّوْجِ مَا أَخَذَ مِنْهَا بِرِضَاهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهَا إِنْ أَخَذَ وَتَمْضِي الْفُرْقَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِحَقِّهِ كَارِهَةً لَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسًا بِغَيْرِ سَبَبٍ فَبِالسَّبَبِ أَوْلَى.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أَيْ بِالصَّدَاقِ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ فِي الْآيَةِ بِذَلِكَ.
وَفِيهِ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ فِي الْحَيْضِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا أَحَائِضٌ هِيَ أَمْ لَا؟ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذَلِكَ لِسَبْقِ الْعِلْمِ بِهِ أَوْ كَانَ قَبْلَ تَقْرِيرِهِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَنْ يَخُصُّهُ مِنْ مَنْعِ طَلَاقِ الْحَائِضِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي تَرْهِيبِ الْمَرْأَةِ مِنْ طَلَبِ طَلَاقِ زَوْجِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ رَوَاهُ
стр. 5492
أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ ; وَيَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُنْتَزِعَاتُ وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذَا مِنْهُ فَقَطْ وَصَارَ يُرْسِلُ عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَتَكُونُ قِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ كَقِصَّتِهِ مَعَ سَمُرَةَ فِي حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ.
وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَفْتَى بِخِلَافِ مَا رَوَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى قِصَّةَ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَكَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ شُذُوذَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَحَدٌ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ إِلَّا طَاوُسٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ طَاوُسًا ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ فَلَا يَضُرُّهُ تَفَرُّدُهُ، وَقَدْ تَلَقَّى الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ بِالْقَبُولِ. وَلَا أَعْلَمُ مَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا وَجَزَمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَاهُ فَسْخًا. نَعَمْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ طَاوُسًا لَمَّا قَالَ إِنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ، فَاعْتَذَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَهُ اهـ. وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي كَوْنِ قِصَّةِ ثَابِتٍ صَرِيحَةً فِي كَوْنِ الْخُلْعِ طَلَاقًا.
تَكْمِيلٌ:
نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ هِيَ الَّتِي اخْتَلَعَتْ مِنْ جَمِيعِ مَالِهَا، وَأَنَّ الْمُفْتَدِيَةَ الَّتِي افْتَدَتْ بِبَعْضِ مَالِهَا، وَأَنَّ الْمُبَارِئَةَ الَّتِي بَارَأَتْ زَوْجَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَعْضُ ذَلِكَ مَوْضِعَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا قُرَادٌ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَأَبُو نُوحٍ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَثَّقُوهُ، وَلَكِنْ خَطَّئُوهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ حَدَّثَ بِهِ عَنِ اللَّيْثِ خُولِفَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي آخِرِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا كَذَا فِيهِ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَالْمُرَادُ الْحَدِيقَةُ الَّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَاهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا.
١٣ - بَاب الشِّقَاقِ، وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿خَبِيرًا﴾
٥٢٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ فَلَا آذَنُ.
قَوْلُهُ (بَابُ الشِّقَاقِ، وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الْآيَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيُّ، وَلَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ الضَّرَرُ وَزَادَ غَيْرُهُمَا ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿خَبِيرًا﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الْحُكَّامُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا﴾ الْحَكَمَانِ، وَأَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ، إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْ أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَجَانِبِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا إِذَا اخْتَلَفَا لَمْ يَنْفُذْ قَوْلُهُمَا، وَإِنِ اتَّفَقَا نَفَذَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْفُرْقَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: يَنْفُذُ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ وَلَا إِذْنٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: يَحْتَاجَانِ إِلَى الْإِذْنِ، فَأَمَّا مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ فَأَلْحَقُوهُ بِالْعِنِّينِ وَالْمُولَى فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِمَا فَكَذَلِكَ هَذَا، وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْحُكَّامَ وَأَنَّ الْإِرْسَالَ إِلَيْهِمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ بُلُوغَ الْغَايَةِ مِنَ الْجَمْعِ أَوِ التَّفْرِيقِ إِلَيْهِمْ، وَجَرَى الْبَاقُونَ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ
стр. 5493
الزَّوْجِ فَإِنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ فِي خِطْبَةِ عَلِيٍّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَبْلَهَ عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: إِنَّمَا حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا آذَنُ خُلْعًا، وَلَا يَقْوَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي فَدَلَّ عَلَى الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْخُلْعِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَا آذَنُ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا يَتْرُكُ الْخِطْبَةَ، فَإِذَا سَاغَ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِعَدَمِ النِّكَاحِ الْتَحَقَ بِهِ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِقَطْعِ النِّكَاحِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ مِنْ كَوْنِ فَاطِمَةَ مَا كَانَتْ تَرْضَى بِذَلِكَ، فَكَانَ الشِّقَاقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَلِيٍّ مُتَوَقَّعًا، فَأَرَادَ ﷺ دَفْعَ وُقُوعِهِ بِمَنْعِ عَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ جَيِّدَةٌ.
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ وَمِنَ الْحَدِيثِ الْعَمَلُ بِسِدِّ الذَّرَائِعِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِبَعْثَةِ الْحُكْمَيْنِ عِنْدَ خَوْفِ الشِّقَاقِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كَذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ وُجُودَ عَلَامَاتِ الشِّقَاقِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِمْرَارِ النَّكَدِ وَسُوءِ الْمُعَاشَرَةِ
١٤ - بَاب لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا
٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.
قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي طَلَاقَهَا ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ بَرِيرَةَ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَأْتِ فِي الْبَابِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّبْوِيبُ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عِصْمَتُهَا عَلَيْهِ بَاقِيَةً مَا خُيِّرَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، لِأَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ كَانَ الْعِتْقُ بِإِزَائِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَجِيبٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابَقَةٌ فَإِنَّ الْعِتْقَ إِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الطَّلَاقَ فَالْبَيْعُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي جَرَّ إِلَى الْفِرَاقِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا بِسَبَبِ الْعِتْقِ لَا بِسَبَبِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ فَائِدَةٌ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يَرُدُّ أَوَّلِهِ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ مَا نَفَاهُ مِنَ الْمُطَابَقَةِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا، وَرَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ قَالُوا: يَكُونُ طَلَاقًا وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَهُوَ أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى. وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ بَيْعُ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ فَهُنَّ الْمُرَادُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا اهـ مُلَخَّصًا. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ فِيهَا انْقِطَاعٌ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَيْضًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنِ التَّابِعِينَ فِيهِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ
стр. 5494
ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا زَوْجٌ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِبَاقُ الْعَبْدِ طَلَاقُهُ.
وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَه الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَفِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَطَرِيقُ رَبِيعَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا هُنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا، وَلَا يَضُرُّ إِرْسَالُهُ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَأَتْقَنُ، وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اشْتِرَاطِ الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَيْمَنُ الْمَكِّيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى قِصَّةَ الْبُرْمَةِ وَاللَّحْمِ أَنَسٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْتِي، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ تَخْيِيرِهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ.
قَوْلُهُ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَضَبْطُ اسْمِهَا فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَيَّةٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ إِنَّ اسْمَ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَمَّاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِآلِ أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ، انْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَنَ أَحَدُ رُوَاةِ قِصَّةِ بَرِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى بَرِيرَةَ، وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَالٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ (ثَلَاثُ سُنَنٍ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاثٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرْتُ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَيُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ قَالَ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، وَهُنَا لَيْسَ اخْتِيَارُ الْعَتِيقَةِ نَفْسَهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِدَّةَ بَرِيرَةَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّ أَبَا مَعْشَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ يَصْلُحُ فِي الْمُتَابَعَاتِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرِينَ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْدٍ وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْعِتْقِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ صَنَّفُوا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ تَصَانِيفَ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَةٍ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلَ عَائِشَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ لِأَنَّ مُرَادَ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلُّ حُكْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْعِيدِ قَاعِدَةٍ يَسْتَنْبِطُ الْعَالِمُ الْفَطِنُ مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً وَقَعَ التَّكَثُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِدَ تُؤْخَذُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ
стр. 5495
أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي قِصَّتِهَا، وَمَا يَظْهَرُ فِيهَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَكَانَ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ قِصَّتِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ حَصْرٌ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِذَارَاتِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ سُؤَالَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (إنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فِي أَنْ تَقَرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقَهُ وَتَقَرُّ بِفَتْحٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ تَدُومُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبَرِيرَةَ: اذْهَبِي فَقَدْ عُتِقَ مَعَكِ بُضْعُكِ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَاخْتَارِي وَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) هَذِهِ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِهَا مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْقِ وَالشُّرُوطِ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ وَكَذَا في عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الْخَبَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ الْعِتْقِ فَيَنْتَفِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ أَحَدٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ، وَلَا لِمَنْ حَالَفَ إِنْسَانًا خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَيُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ وَلَاؤُهُ لَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ، وَخَالَفَ أَصْحَابَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لِلْعَتِيقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَوَلَّى مَنْ يَشَاءُ.
قَوْلُهُ (وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ بَيْتَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ (وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ.
قَوْلُهُ (أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَاكَ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الزَّكَاةِ وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقَالُوا: هَذَا مَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَكَذَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْهِبَةِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ عَنْهُ أُتِيَ بِهِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ هَذَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِبَرِيرَةَ فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا هَدِيَّةً لَهَا، وَإِنْ كَانَ لِعَائِشَةَ فَلِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمَّا تَصَدَّقُوا عَلَيْهَا بِاللَّحْمِ أَهْدَتْ مِنْهُ لِعَائِشَةَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ وَدَخَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمِرْجَلُ يَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ قُلْتُ: أَهْدَتْهُ لَنَا بَرِيرَةُ وَتُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا فَتُهْدِي لَنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَاللَّحْمُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ كَانَ لَحْمَ بَقَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاتِي بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، وَوَقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هدِيَّةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ فَكُلُوهُ، وَسَأَذْكُرُ فَوَائِدَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
١٥ - بَاب خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ
٥٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ.
[الحديث ٥٢٨٠ - أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣]
стр. 5496
٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا"
٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ"
قَوْلُهُ (بَابُ خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) يَعْنِي إِذَا عَتَقَتْ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَهُوَ جَزْمٌ مِنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا لَا يَدُلُّ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَدَّعِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وَقَدْ رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا فَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ، وَاقْتَضَتِ التَّرْجَمَةُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَعُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَتَقَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَمْ عَبْدٍ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى راويه هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ هُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَقارنِ مُسْلِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: خَالَفَ الْأَسْوَدُ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَعَقْدُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اهـ.
وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا بَعْدَ بَابَيْنِ وَحَاوَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا، فَقَالَ: الرِّقُّ تَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ بِلَا عَكْسٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مَحِلَّ طَرِيقِ الْجَمْعِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْقُوَّةِ أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِمَاعِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُنْفَرِدَةُ شَاذَّةً وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ مُحَقِّقِيهِمْ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَحِلَّ الْجَمْعِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْقُوَّةِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُكَافِئٍ لِلْحُرَّةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا عَتَقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ أَوِ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ بِأَنَّهَا عِنْدَ التَّزْوِيجِ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ لِمَوْلَاهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِذَا عَتَقَتْ تَجَدَّدَ لَهَا حَالٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُؤَثِّرًا لَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبِكْرِ إِذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا ثُمَّ بَلَغَتْ رَشِيدَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهَا بِالْعِتْقِ حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهِ عَنِ
стр. 5497
الْحُرِّ فَكَانَتْ كَالْكِتَابِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الَّتِي تَخْتَارُ الْفِرَاقَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَثَبَتَ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَكُونُ فَسْخًا لَا طَلَاقًا.
قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ لَفْظُ شُعْبَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مِرْبَعٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ شُعْبَةَ وَحْدَهُ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ رَأَيْتُهُ يَبْكِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتْبَعُهَا وَأَمَّا لَفْظُ هَمَّامٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَسَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ وَهَكَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ اسْمَهُ مُغِيثٌ، وَضُبِطَ فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ اسْمَ زَوْجِ بَرِيرَةَ مَقْسِمٌ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا.
قَوْلُهُ (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِيَّ الْمُغِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَانَ عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، مُغِيثٌ مَوْلَى أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِثْلَ مَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْلَى بَنِي مُطِيعٍ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَيَبْعُدُ الْجَمْعُ لِأَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ مِنْ آلِ مَخْزُومٍ كما فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَبَنِي جَحْشٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَبَنِي مُطِيعٍ مِنْ آلِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ عَلَى بُعْدِهِ، أَوِ انْتَقَلَ.
١٦ - بَاب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ
٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ رَاجَعْتِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
قَوْلُهُ (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) أَيْ عِنْدَ بَرِيرَةَ لِتَرْجِعَ إِلَى عِصْمَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ تَسْوِيغُ الشَّفَاعَةِ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَصْمِ فِي خَصْمِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ أَوْ يُسْقِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَقَعِ الشَّفَاعَةُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ; لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَافُعِ إِذْ رُؤْيَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزَوْجِهَا يَبْكِي، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ وَبَعْدَهُ لَوْ رَاجَعْتِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عِنْدَ التَّرَافُعِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ عَلَى مَا بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ،
стр. 5498
وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُو ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ الثَّقَفِيُّ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ لَكِنَّ رِوَايَةَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَتَمُّ سِيَاقًا كَمَا تَرَى، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَطَرِيقُ خَالِدٍ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا وَسَاقَهُ عَنْهُمَا نَحْوَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ (يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا وَالسِّكَكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ سِكَّةٍ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَأَنَّ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَرَضَّاهَا لِتخْتَاره فَلَمْ تَفْعَلْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ لَوْ رَاجَعْتِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ لَقَالَ لَوِ اخْتَرْتِهِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ سَعِيدٍ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْفَوْرَ فِي الْخِيَارِ هُنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ (يَا عَبَّاسُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالِدُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَطْلُبَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَيُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّتِهَا أَيْضًا - بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِفْكِ - أَنَّ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَيَبْعُدُ وُقُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَالْمُرَاجَعَةُ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الشِّرَاءِ وَالْعِتْقُ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ مَوَالِيكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمُ التَّوَسُّعُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ اسْتَشْكَلَ الْقِصَّةَ ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا، أَوِ اشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقَهَا إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، أَوْ دَامَ حُزْنُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ كَانَ حَصَلَ الْفَسْخُ وَطَلَبَ أَنْ تَرُدَّهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ كَانَتْ لِعَائِشَةَ ثُمَّ بَاعَتْهَا ثُمَّ اسْتَعَادَتْهَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ اهـ، وَأَقْوَى الِاحْتِمَالَاتِ الْأَوَّلُ كَمَا تَرَى.
قَوْلُهُ (لَوْ رَاجَعْتِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَوْ رَاجَعْتِيهِ بِإِثْبَاتِ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ.
قَوْلُهُ (تَأْمُرُنِي) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ لَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي صِيغَةِ افْعَلْ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ لَوْ رَاجَعْتِهِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي أَيْ تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَمْرَ فَيَجِبُ عَلَيَّ؟ وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا.
قَوْلُهُ (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا أَشْفَعُ أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ لَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ عَلَيْكِ.
قَوْلُهُ (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) أَيْ فَإِذَا لَمْ تُلْزِمْنِي بِذَلِكَ لَا أَخْتَارُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ عِنْدَهُ.
следующие страницы →