← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5494–5533 · переход к 5499.

стр. 5494

ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا زَوْجٌ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِبَاقُ الْعَبْدِ طَلَاقُهُ. وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَه الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَفِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَطَرِيقُ رَبِيعَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا هُنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا، وَلَا يَضُرُّ إِرْسَالُهُ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَأَتْقَنُ، وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اشْتِرَاطِ الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَيْمَنُ الْمَكِّيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى قِصَّةَ الْبُرْمَةِ وَاللَّحْمِ أَنَسٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْتِي، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ تَخْيِيرِهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَضَبْطُ اسْمِهَا فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَيَّةٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ إِنَّ اسْمَ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَمَّاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِآلِ أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ، انْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَنَ أَحَدُ رُوَاةِ قِصَّةِ بَرِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى بَرِيرَةَ، وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَالٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ (ثَلَاثُ سُنَنٍ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاثٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرْتُ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَيُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ قَالَ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، وَهُنَا لَيْسَ اخْتِيَارُ الْعَتِيقَةِ نَفْسَهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِدَّةَ بَرِيرَةَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّ أَبَا مَعْشَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ يَصْلُحُ فِي الْمُتَابَعَاتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرِينَ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْدٍ وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْعِتْقِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ صَنَّفُوا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ تَصَانِيفَ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَةٍ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلَ عَائِشَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ لِأَنَّ مُرَادَ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلُّ حُكْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْعِيدِ قَاعِدَةٍ يَسْتَنْبِطُ الْعَالِمُ الْفَطِنُ مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً وَقَعَ التَّكَثُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِدَ تُؤْخَذُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ

стр. 5495

أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي قِصَّتِهَا، وَمَا يَظْهَرُ فِيهَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَكَانَ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ قِصَّتِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ حَصْرٌ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِذَارَاتِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ سُؤَالَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ (إنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فِي أَنْ تَقَرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقَهُ وَتَقَرُّ بِفَتْحٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ تَدُومُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبَرِيرَةَ: اذْهَبِي فَقَدْ عُتِقَ مَعَكِ بُضْعُكِ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَاخْتَارِي وَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) هَذِهِ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِهَا مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْقِ وَالشُّرُوطِ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ وَكَذَا في عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الْخَبَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ الْعِتْقِ فَيَنْتَفِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ أَحَدٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ، وَلَا لِمَنْ حَالَفَ إِنْسَانًا خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَيُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ وَلَاؤُهُ لَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ، وَخَالَفَ أَصْحَابَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لِلْعَتِيقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَوَلَّى مَنْ يَشَاءُ. قَوْلُهُ (وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ بَيْتَ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ (وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ. قَوْلُهُ (أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَاكَ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الزَّكَاةِ وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقَالُوا: هَذَا مَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَكَذَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْهِبَةِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ عَنْهُ أُتِيَ بِهِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ هَذَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِبَرِيرَةَ فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا هَدِيَّةً لَهَا، وَإِنْ كَانَ لِعَائِشَةَ فَلِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمَّا تَصَدَّقُوا عَلَيْهَا بِاللَّحْمِ أَهْدَتْ مِنْهُ لِعَائِشَةَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ وَدَخَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمِرْجَلُ يَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ قُلْتُ: أَهْدَتْهُ لَنَا بَرِيرَةُ وَتُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا فَتُهْدِي لَنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَاللَّحْمُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ كَانَ لَحْمَ بَقَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاتِي بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، وَوَقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هدِيَّةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ فَكُلُوهُ، وَسَأَذْكُرُ فَوَائِدَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ١٥ - بَاب خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ٥٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ. [الحديث ٥٢٨٠ - أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣]

стр. 5496

٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا" ٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ" قَوْلُهُ (بَابُ خِيَارِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) يَعْنِي إِذَا عَتَقَتْ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ وَهُوَ جَزْمٌ مِنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا لَا يَدُلُّ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَدَّعِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَتَعَدَّدْ، وَقَدْ رَجَحَ عِنْدَهُ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا فَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ، وَاقْتَضَتِ التَّرْجَمَةُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَعُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَتَقَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَمْ عَبْدٍ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى راويه هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ هُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَحَدُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَقارنِ مُسْلِمٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: خَالَفَ الْأَسْوَدُ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَعَقْدُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اهـ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا بَعْدَ بَابَيْنِ وَحَاوَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا، فَقَالَ: الرِّقُّ تَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ بِلَا عَكْسٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مَحِلَّ طَرِيقِ الْجَمْعِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْقُوَّةِ أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِمَاعِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُنْفَرِدَةُ شَاذَّةً وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ مُحَقِّقِيهِمْ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مَحِلَّ الْجَمْعِ إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْقُوَّةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُكَافِئٍ لِلْحُرَّةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا عَتَقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ أَوِ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ بِأَنَّهَا عِنْدَ التَّزْوِيجِ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ لِمَوْلَاهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَإِذَا عَتَقَتْ تَجَدَّدَ لَهَا حَالٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُؤَثِّرًا لَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبِكْرِ إِذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا ثُمَّ بَلَغَتْ رَشِيدَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهَا بِالْعِتْقِ حَالٌ تَرْتَفِعُ بِهِ عَنِ

стр. 5497

الْحُرِّ فَكَانَتْ كَالْكِتَابِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ. وَاخْتُلِفَ فِي الَّتِي تَخْتَارُ الْفِرَاقَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَثَبَتَ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَكُونُ فَسْخًا لَا طَلَاقًا. قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ لَفْظُ شُعْبَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مِرْبَعٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ شُعْبَةَ وَحْدَهُ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ رَأَيْتُهُ يَبْكِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتْبَعُهَا وَأَمَّا لَفْظُ هَمَّامٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَسَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ وَهَكَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ اسْمَهُ مُغِيثٌ، وَضُبِطَ فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ اسْمَ زَوْجِ بَرِيرَةَ مَقْسِمٌ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا. قَوْلُهُ (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِيَّ الْمُغِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَانَ عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، مُغِيثٌ مَوْلَى أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِثْلَ مَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْلَى بَنِي مُطِيعٍ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَيَبْعُدُ الْجَمْعُ لِأَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ مِنْ آلِ مَخْزُومٍ كما فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَبَنِي جَحْشٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَبَنِي مُطِيعٍ مِنْ آلِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ عَلَى بُعْدِهِ، أَوِ انْتَقَلَ. ١٦ - بَاب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ ٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ رَاجَعْتِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَوْلُهُ (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) أَيْ عِنْدَ بَرِيرَةَ لِتَرْجِعَ إِلَى عِصْمَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ تَسْوِيغُ الشَّفَاعَةِ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَصْمِ فِي خَصْمِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ أَوْ يُسْقِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَقَعِ الشَّفَاعَةُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ; لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَافُعِ إِذْ رُؤْيَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزَوْجِهَا يَبْكِي، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ وَبَعْدَهُ لَوْ رَاجَعْتِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عِنْدَ التَّرَافُعِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ عَلَى مَا بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ،

стр. 5498

وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا. قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُو ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ الثَّقَفِيُّ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ لَكِنَّ رِوَايَةَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَتَمُّ سِيَاقًا كَمَا تَرَى، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَطَرِيقُ خَالِدٍ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا وَسَاقَهُ عَنْهُمَا نَحْوَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ. قَوْلُهُ (يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا وَالسِّكَكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ سِكَّةٍ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَأَنَّ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَرَضَّاهَا لِتخْتَاره فَلَمْ تَفْعَلْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ لَوْ رَاجَعْتِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ لَقَالَ لَوِ اخْتَرْتِهِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ سَعِيدٍ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْفَوْرَ فِي الْخِيَارِ هُنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ. قَوْلُهُ (يَا عَبَّاسُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالِدُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَطْلُبَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَيُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّتِهَا أَيْضًا - بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِفْكِ - أَنَّ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَيَبْعُدُ وُقُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَالْمُرَاجَعَةُ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الشِّرَاءِ وَالْعِتْقُ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ مَوَالِيكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمُ التَّوَسُّعُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ. ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ اسْتَشْكَلَ الْقِصَّةَ ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا، أَوِ اشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقَهَا إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، أَوْ دَامَ حُزْنُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ كَانَ حَصَلَ الْفَسْخُ وَطَلَبَ أَنْ تَرُدَّهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ كَانَتْ لِعَائِشَةَ ثُمَّ بَاعَتْهَا ثُمَّ اسْتَعَادَتْهَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ اهـ، وَأَقْوَى الِاحْتِمَالَاتِ الْأَوَّلُ كَمَا تَرَى. قَوْلُهُ (لَوْ رَاجَعْتِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَوْ رَاجَعْتِيهِ بِإِثْبَاتِ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ. قَوْلُهُ (تَأْمُرُنِي) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ لَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي صِيغَةِ افْعَلْ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ لَوْ رَاجَعْتِهِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي أَيْ تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَمْرَ فَيَجِبُ عَلَيَّ؟ وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا. قَوْلُهُ (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا أَشْفَعُ أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ لَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ عَلَيْكِ. قَوْلُهُ (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) أَيْ فَإِذَا لَمْ تُلْزِمْنِي بِذَلِكَ لَا أَخْتَارُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ عِنْدَهُ.

стр. 5499

١٧ - باب ٥٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ. حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَزَادَ: فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِها. قَوْلُهُ (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ مَا قَبْلَهُ، وَأَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ بَرِيرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ وَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَسَاقَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَصُورَةُ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ مُخْتَصَرًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي الْفَرَائِضِ عَنْ حَفْصِ، بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ الْحَكَمُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ثُمَّ أَوْرَدَهُ بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ: أَنَّ عَائِشَةَ فَسَاقَ نَحْوَ سِيَاقِ الْبَابِ وَزَادَ فِيهِ وَخُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ، قَالَ الْأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ. وَقَالَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِ الْحَكَمِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ هَذِهِ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ لَكِنْ قَالَ وَزَادَ: فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الزَّكَاةِ عَنْ آدَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَفْظُهُ فِي آخِرِهِ قَالَ الْحَكَمُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ وَحَذَفَهَا فِي الزَّكَاةِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا مُشِيرًا إِلَى أَنَّ أَصْلَ التَّخْيِيرِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ ثَابِتٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَكَذَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ. قُلْتُ: وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فِيهِ غَلَطٌ، فَأَخْرَجَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُعَلَّمُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ أَحْمَدَ، فَإِنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ وَمِنْ أَصْحَابِ جَرِيرٍ قَالُوا: كَانَ عَبْدًا، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَحَدِيثُهُ عَنِد النَّسَائِيِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَعَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَكَذَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: كَانَ حُرًّا، ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَا أَدْرِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ حُرًّا وَهُوَ وَهْمٌ، قُلْتُ: فِي شَيْئَيْنِ: فِي قَوْلُهُ حُرٌّ، وَفِي قَوْله عَائِشَةُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا

стр. 5500

وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَوْلُ عَائِشَةَ كَانَ عَبْدًا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، فَأَخْبَرَتْ وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، ثُمَّ عَلَّلَتْ بِقَوْلِهَا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَهِيَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ. نَعَمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ بَرِيرَةُ مُكَاتَبَةً لِأُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأُسَامَةُ فِيهِ مَقَالٌ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ فَمَرْدُودَةٌ فَإِنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا تَوْجِيهُهُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَيْضًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ حُرًّا. قُلْتُ: وَأَصْرَحُ مَا رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا فَلَمَّا عُتِقَتْ خُيِّرَتْ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ فَدَلَّتِ الرِّوَايَاتُ الْمُفَصَّلَةُ الَّتِي قَدَّمْتُهَا آنِفًا عَلَى أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ، أَوْ مَنْ دُونَهُ فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا أُدْرِجَ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ، وَهُوَ نَادِرٌ فَإِنَّ الْأَكْثَرَ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهِ وَدُونَهُ أَنْ يَقَعَ فِي وَسَطِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَتُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا بِالْكَثْرَةِ، وَأَيْضًا فَآلُ الْمَرْءِ أَعْرَفُ بِحَدِيثِهِ، فَإِنَّ الْقَاسِمَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ ابْنُ أُخْتِهَا وَتَابَعَهُمَا غَيْرُهُمَا فَرِوَايَتُهُمَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ، فَإِنَّهُمَا أَقْعَدُ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ بِحَدِيثِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ لَا خِيَارَ لَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهَا فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِهَا وَيَدَعُوا مَا رُوِيَ عَنْهَا لَا سِيَّمَا وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِيهِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ قَوْلِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا عَلَى اعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُعْتِقَ، فَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا، وَيَرُدُّ هَذَا الْجَمْعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ تُخَيَّرْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يَوْمَ أُعْتِقَتْ فَهَذَا يُعَارِضُ الرِّوَايَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ، وَيُعَارِضُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ كَانَ حُرًّا أَرَادَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَإِذَا تَعَارَضَا إِسْنَادًا وَاحْتِمَالًا احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ يُرَجَّحُ بِهَا وَكَذَلِكَ الْأَحْفَظُ وَكَذَلِكَ الْأَلْزَمُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي جَانِبِ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا. وَفِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا فِي الْعِتْقِ: جَوَازُ الْمُكَاتَبَةِ بِالسُّنَّةِ تَقْرِيرًا لِحُكْمِ الْكِتَابِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْأَوَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا أَوَّلُ كِتَابَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ سَلْمَانَ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَوَّلِيَّتَهُ فِي الرِّجَالِ وَأَوَّلِيَّةَ بَرِيرَةَ فِي النِّسَاءِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مُكَاتَبٍ فِي الْإِسْلَامِ أَبُو أُمَيَّةَ عَبْدُ عُمَرَ، وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخُولِفَ. وَيُؤْخَذُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ وَالِاسْتِقْرَاضُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِلْحَاقُ الْإِمَاءِ بِالْعَبِيدِ لِأَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي الذُّكُورِ، وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ، وَيُلْحَقُ بِهِ جَوَازُ بَيْعِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَجَوَازُ كِتَابَةِ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِهَا مِنْ عَائِشَةَ الْإِعَانَةُ عَلَى حَالِهَا أَنْ يَكُونَ لَا مَالَ لَهَا وَلَا حِرْفَةَ، وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ وَلَمْ يُعَجِّزْ نَفْسَهُ إِذَا وَقَعَ التَّرَاضِي بِذَلِكَ، وَحَمَلَهُ مَنْ مَنَعَ عَلَى أَنَّهَا عَجَّزَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ

стр. 5501

بَعِيدٌ جِدًّا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيَتَفَرَّعُ مِنْهُ إِجْرَاءُ أَحْكَامِ الرَّقِيقِ كُلِّهَا فِي النِّكَاحِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ أَكْثَرَ بِسَرْدِهَا مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْفَوَائِدَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدَّى أَكْثَرَ نُجُومِهِ لَا يَعْتِقُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَكْثَرِ، وَأَنَّ مَنْ أَدَّى مِنَ النُّجُومِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ يُعْتَقُ، وَأَنَّ مَنْ أَدَّى بَعْضَ نُجُومِهِ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِي شِرَاءِ بَرِيرَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ. وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَالرَّقِيقِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ لَيْسَ طَلَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا وَأَنَّ عِتْقَهَا لَيْسَ طَلَاقًا وَلَا فَسْخًا لِثُبُوتِ التَّخْيِيرِ، فَلَوْ طَلُقَتْ بِذَلِكَ وَاحِدَةً لَكَانَ لِزَوْجِهَا الرَّجْعَةُ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إِذْنِهَا، أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يَقُلْ لَهَا لَوْ رَاجَعْتِهِ لِأَنَّهَا مَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، وَأَنَّ بَيْعَهَا لَا يُبِيحُ لِمُشْتَرِيهَا وَطَأْهَا لِأَنَّ تَخْيِيرَهَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عُلْقَةِ الْعِصْمَةِ وَأَنَّ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِاكْتِسَابِ وَأَنَّ اكْتِسَابَهُ مِنْ حِينِ الْكِتَابَةِ يَكُونُ لَهُ جَوَازُ سُؤَالِ الْمُكَاتَبِ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ نُجُومِهِ وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَعْجِيزَهُ، وَجَوَازُ سُؤَالِ مَا لَا يُضْطَرُّ السَّائِلُ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَجَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَجَوَازُ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَبَذْلِ الْمَالِ فِي طَلَبِ الْأَجْرِ حَتَّى فِي الشِّرَاءِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ بِالْعِتْقِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ شِرَاءِ مَنْ يَكُونُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ السِّلْعَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لِأَنَّ عَائِشَةَ بَذَلَتْ نَقْدًا مَا جَعَلُوهُ نَسِيئَةً فِي تِسْعِ سِنِينَ لِحُصُولِ الرَّغْبَةِ فِي النَّقْدِ أَكْثَرَ مِنَ النَّسِيئَةِ، وَجَوَازُ السُّؤَالِ فِي الْجُمْلَةِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ الِاحْتِيَاجَ إِلَيْهِ فَتُحْمَلُ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي الزَّجْرِ عَنِ السُّؤَالِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ سَعْيِ الْمَرْقُوقِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ وَلَوْ كَانَ بِسُؤَالِ مَنْ يَشْتَرِي لِيَعْتِقَ وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِسَيِّدِهِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَى الْعِتْقِ، وَفِيهِ بُطْلَانُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَصِحَّةُ الشُّرُوطِ الْمَشْرُوعَةِ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الشُّرُوطِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنِ اسْتَثْنَى خِدْمَةَ الْمَرْقُوقِ عِنْدَ بَيْعِهِ لَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ، وَأَنَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةَ إِلَّا إِنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ السَّعْي فِي تَحْصِيلِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ فِي الْخِدْمَةِ ثَابِتًا، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَدَّى نُجُومَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ لَمْ يَرُدَّهَا السَّيدُ وَإِذَا أَدَّى نُجُومَهُ قَبْلَ حُلُولِهَا كَذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ مَوَالِي بَرِيرَةَ إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ فِي قَبُولِ تَعْجِيلِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى تَأْجِيلِهِ وَمِنْ لَازِمِهِ حُصُولُ الْعِتْقِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ بِمَا عَلَيْهِ عَتَقَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوَضْعِ عَنِ الْمُكَاتَبِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ أَعُدُّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُنْكَرْ، وَأُجِيبَ بِجَوَازِ قَصْدِ دَفْعِهِمْ لَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَفِيهِ جَوَازُ إِبْطَالِ الْكِتَابَةِ وَفَسْخِ عَقْدِهَا إِذَا تَرَاضَى السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ التَّحْرِيرِ لِتَقْرِيرِ بَرِيرَةَ عَلَى السَّعْيِ بَيْنَ عَائِشَةَ وَمَوَالِيهَا فِي فَسْخِ كِتَابَتِهَا لِتَشْتَرِيَهَا عَائِشَةُ. وَفِيهِ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ عِدَّةُ مَسَائِلَ كَعِتْقِ السَّائِبَةِ، وَاللَّقِيطِ، وَالْحَلِيفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَثُرَ بِهَا الْعَدَدُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْخُطْبَةِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ وَالْقِيَامُ فِيهَا، وَتَقْدِمَةُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَقَوْلُ أَمَّا بَعْدُ، عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فِي الْحَاجَةِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَا يُنْكَرُ اسْتُحِبَّ عَدَمُ تَعْيِينِهِ ; وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ السَّجْعِ فِي الْكَلَامِ لَا يُكْرَهُ إِلَّا إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ وَوَقَعَ مُتَكَلَّفًا. وَفِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ فِيمَا لَا تَجِبُ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، وَأَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِأَنَّ عَائِشَةَ حَلَفَتْ أَنْ لَا تَشْتَرِطَ ثُمَّ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اشْتَرِطِي، وَلَمْ يَنْقُلْ كَفَّارَةً. وَفِيهِ مُنَاجَاةُ الِاثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ الثَّالِثِ فِي الْأَمْرِ يَسْتَحِي مِنْهُ الْمُنَاجِي وَيَعْلَمُ أَنَّ مَنْ نَاجَاهُ يُعْلِمُ الثَّالِثَ بِهِ، وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَفِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الثَّالِثِ عَنِ الْمُنَاجَاةِ الْمَذْكُورَةِ إِذَا ظَنَّ أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ وَجَوَازُ

стр. 5502

إِظْهَارِ السِّرِّ فِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُنَاجِي. وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَاوَمَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالتَّوْكِيلِ فِيهَا وَلَوْ لِلرَّقِيقِ، وَاسْتِخْدَامُ الرَّقِيقِ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَوَالِيهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ. وَفِيهِ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمَرْأَةِ الْمُعْتِقَةِ فَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْوَلَاءِ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِرْثِ بِخِلَافِ النَّسَبِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ وَلَاءَ عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُ قَرِيبَهُ الْمُسْلِمَ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي الْعِتْقِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْطَى الْمَالِكُ لَا مَنْ بَاشَرَ الْإِعْطَاءَ مُطْلَقًا فَلَا يَدْخُلُ الْوَكِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ وَفِيهِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّ خِيَارَهَا يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنَّهَا عَتَقَتْ فَدَعَاهَا فَخَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَنْهُ يَمْتَدُّ خِيَارُهَا ثَلَاثًا، وَقِيلَ: بِقِيَامِهَا مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَقِيلَ: مِنْ مَجْلِسِهَا، وَهُمَا عَنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ أَبَدًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا سَقَطَ خِيَارُهَا، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِهِ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ إِنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ وَرَوَى مَالِكٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا أَفْتَتْ بِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ عِلْمِهَا بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ هَلْ يَسْقُطُ أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَا فَرْقَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: إِنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا وَجَدَتْ بِزَوْجِهَا عَيْبًا ثُمَّ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ بَطَلَ خِيَارُهَا. وَفِيهِ أَنَّ الْخِيَارَ فَسْخٌ لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِيهِ رَجْعَةٌ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَهُ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ رَاجَعْتِهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لَهَا اخْتِيَارٌ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْمُرَاجَعَةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَالْمُرَادُ رُجُوعُهَا إِلَى عِصْمَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ مَعَ أَنَّهَا فِي الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا. وَفِيهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ اسْتِحَالَةَ أَنْ يُحِبَّ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ الْآخَرَ وَالْآخَرُ يُبْغِضُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّعَجُّبُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ كَثْرَةِ اسْتِمَالَةِ مُغِيثٍ لَهَا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الِاسْتِمَالَاتِ كَإِظْهَارِهِ حُبَّهَا وَتَرَدُّدِهِ خَلْفَهَا وَبُكَائِهِ عَلَيْهَا مَعَ مَا يَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ مِنِ اسْتِمَالَتِهِ لَهَا بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْوَعْدِ الْجَمِيلِ، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَمِيلَ الْقَلْبُ وَلَوْ كَانَ نَافِرًا فَلَمَّا خَالَفَتِ الْعَادَةَ وَقَعَ التَّعَجُّبُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا خُيِّرَ بَيْنَ مُبَاحَيْنِ فَآثَرَ مَا يَنْفَعُهُ لَمْ يُلَمْ وَلَوْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِرَفِيقِهِ. وَفِيهِ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي الْحُرِّيَّةِ. وَفِيهِ سُقُوطُ الْكَفَاءَةِ بِرِضَا الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا وَلِيَّ لَهَا، وَأَنَّ مَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ وَقَعَ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَنَّهَا لَوِ اخْتَارَتِ الْبَقَاءَ مَعَهُ لَمْ يَنْقُصْ عَدَدُ الطَّلَاقِ. وَكَثُرَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ هُنَا فِي سَرْدِ تَفَارِيعِ التَّخْيِيرِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ الْفِرَاقِ، كَذَا قِيلَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا الْفِرَاقَ وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا بِهَذَا الْكَلَامِ وَفِيهِ مِنَ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ بَيْتَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ أَمْ لَا. وَفِيهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا يَلْحَقُهَا فِي الْعِتْقِ وَلَدُهَا وَلَا زَوْجُهَا. وَفِيهِ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ

стр. 5503

ﷺ مُطْلَقًا، وَجَوَازُ التَّطَوُّعِ مِنْهَا عَلَى مَا يَلْحَقُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ صَدَقَةِ الْفَرْضِ كَأَزْوَاجِهِ وَمَوَالِيهِ، وَأَنَّ مَوَالِيَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَجَوَازُ أَكْلِ الْغَنِيِّ مَا تُصَدِّقُ بِهِ عَلَى الْفَقِيرِ إِذَا أَهْدَاهُ لَهُ وَبِالْبَيْعِ أَوْلَى، وَجَوَازُ قَبُولِ الْغَنِيِّ هَدِيَّةَ الْفَقِيرِ. وَفِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ فِي الْحُكْمِ. وَفِيهِ نُصْحُ أَهْلِ الرَّجُلِ لَهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا وَجَوَازُ أَكْلِ الْإِنْسَانِ مِنْ طَعَامِ مَنْ يُسَرُّ بِأَكْلِهِ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ، وَبِأَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عَتَقَتْ جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ بِنَفْسِهَا فِي أُمُورِهَا وَلَا حَجْرَ لِمُعْتِقِهَا عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً، وَأَنَّهَا تَتَصَرَّفُ فِي كَسْبِهَا دُونَ إِذْنِ زَوْجِهَا إِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ. وَفِيهِ جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَمُونُهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمُونُ بَرِيرَةَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا قَبُولَهَا الصَّدَقَةَ، وَأَنَّ لِمَنْ أُهْدِيَ لِأَهْلِهِ شَيْءٌ أَنْ يُشْرِكَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ وَهُوَ لَنَا هدِيَّةٌ وَأَنَّ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ جَازَ لَهُ أَكْلُ عَيْنِهَا إِذَا تَغَيَّرَ حُكْمُهَا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخِلَ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا مَا لَا يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَأَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِهِ بِالطَّبْخِ وَغَيْرِهِ بَآلَاتِهِ وَوُقُودِهِ، وَجَوَازُ أَكْلِ الْمَرْءِ مَا يَجِدُهُ فِي بَيْتِهِ إِذَا غَلَبَ الْحِلُّ فِي الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَعْرِيفُهُ بِمَا يَخْشَى تَوَقُّفَهُ عَنْهُ، وَاسْتِحْبَابُ السُّؤَالِ عَمَّا يُسْتَفَادُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ أَدَبٌ أَوْ بَيَانُ حُكْمٍ أَوْ رَفْعُ شُبْهَةٍ وَقَدْ يَجِبُ، وَسُؤَالُ الرَّجُلِ عَمَّا لَمْ يَعْهَدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّ هَدِيَّةَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِثَابَةَ مُطْلَقًا، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِنْ نَزَرَ قَدْرُهَا جَبْرٌ لِلْمُهْدِي، وَأَنَّ الْهَدِيَّةَ تُمْلَكُ بِوَضْعِهَا فِي بَيْتِ الْمُهْدِي لَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّصْرِيحِ بِالْقَبُولِ، وَأَنَّ لِمَنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا شَاءَ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْمُتَصَدِّقِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْ أَصْلِ الْمَالِ الْوَاصِلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَا عَنِ الذَّبِيحَةِ إِذَا ذُبِحَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مَنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ قَلِيلٌ لَا يَتَسَخَّطُهُ. وَفِيهِ مُشَاوَرَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي التَّصَرُّفَاتِ، وَسُؤَالُ الْعَالِمِ عَنِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَإِعْلَامُ الْعَالِمِ بِالْحُكْمِ لِمَنْ رَآهُ يَتَعَاطَى أَسْبَابَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْ وَمُشَاوَرَةُ الْمَرْأَةِ إِذَا ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ التَّخْيِيرِ فِي فِرَاقِ زَوْجِهَا أَوِ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ، وَأَنَّ عَلَى الَّذِي يُشَاوِرُ بَذْلَ النَّصِيحَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ مُخَالَفَةِ الْمُشِيرِ فِيمَا يُشِيرُ بِهِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ، وَاسْتِحْبَابُ شَفَاعَةِ الْحَاكِمِ فِي الرِّفْقِ بِالْخَصْمِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَلَا إِلْزَامَ، وَلَا لَوْمَ عَلَى مَنْ خَالَفَ وَلَا غَضَبَ وَلَوْ عَظُمَ قَدْرُ الشَّافِعِ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ شَفَاعَةُ الْحَاكِمِ فِي الْخُصُومِ قَبْلَ فَصْلِ الْحُكْمِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ الْقَبُولُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّصْمِيمَ فِي الشَّفَاعَةِ لَا يَسُوغُ فِيمَا تَشُقُّ الْإِجَابَةُ فِيهِ عَلَى الْمَسْئُولِ بَلْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْعَرْضِ وَالتَّرْغِيبِ. وَفِيهِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا الْمَشْفُوعُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ مُغِيثًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّ الْعَبَّاسَ هُوَ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُغِيثٌ سَأَلَ الْعَبَّاسَ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبَّاسُ ابْتَدَأَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ شَفَقَةً مِنْهُ عَلَى مُغِيثٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: فِيهِ أَنَّ الشَّافِعَ يُؤْجَرُ وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ إِجَابَتُهُ، وَأَنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ دُونَ قَدْرِ الشَّافِعِ لَمْ تَمْتَنِعِ الشَّفَاعَةُ، قَالَ: وَفِيهِ تَنْبِيهُ الصَّاحِبِ صَاحِبَهُ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ لِتَعْجِيبِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَبَّاسَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نَظَرَهُ ﷺ كَانَ كُلُّهُ بِحُضُورٍ وَفِكْرٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَ الْعَادَةَ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَيُعْتَبَرُ بِهِ. وَفِيهِ حُسْنُ أَدَبِ بَرِيرَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْصِحْ بِرَدِّ الشَّفَاعَةِ وَإِنَّمَا قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. وَفِيهِ أَنَّ فَرْطَ الْحُبِّ يُذْهِبُ الْحَيَاءَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ حَالِ مُغِيثٍ وَغَلَبَةِ الْوَجْدِ عَلَيْهِ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ كِتْمَانَ حُبِّهَا، وَفِي تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ بَيَانُ جَوَازِ قَبُولِ عُذْرِ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ إِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا مَعْذِرَةُ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ إِذَا حَصَلَ لَهُمُ الْوَجْدُ مِنْ سَمَاعِ مَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إلى أَحْوَالَهَمْ حَيْثُ

стр. 5504

يَظْهَرُ مِنْهُمْ مَا لَا يَصْدُرُ عَنِ اخْتِيَارٍ مِنَ الرَّقْصِ وَنَحْوِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَنَافِرَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا زَوْجَيْنِ أَمْ لَا، وَتَأْكِيدُ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشَّافِعَ يَذْكُرُ لِلْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ مَا يَبْعَثُ على قَبُولِهِ مِنْ مُقْتَضَى الشَّفَاعَةِ وَالْحَامِلِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ جَوَازُ شِرَاءِ الْأَمَةِ دُونَ وَلَدِهَا وَأَنَّ الْوَلَدَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ وَالْحُكْمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ بَرِيرَةَ، وَالْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ أَبُو وَلَدِهَا بِالْقُوَّةِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الْوَلَدِ إِلَى أُمِّهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الثَّيِّبَ لَا إِجْبَارَ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ مَعْتُوقَةً، وَجَوَازُ خِطْبَةِ الْكَبِيرِ وَالشَّرِيفِ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ. وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الْمُخَاطَبَةِ حَتَّى مِنَ الْأَعْلَى مَعَ الْأَدْنَى، وَحُسْنُ التَّلَطُّفِ فِي الشَّفَاعَةِ. وَفِيهِ أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْطُبَ مُطَلَّقَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّده، وَأَنَّ خِطْبَةَ الْمُعْتَدَّةِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إِذَا خَطَبَهَا لِمُطَلَّقِهَا، وَأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ لَا رَجْعَةَ فِيهِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَا لَوْمَ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَجَوَازُ بُكَاءِ الْمُحِبِّ عَلَى فِرَاقِ حَبِيبِهِ وَعَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَمِنَ الدِّينِيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَنَّهُ لَا عَارَ عَلَى الرَّجُلِ فِي إِظْهَارِ حُبِّهِ لِزَوْجَتِهِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَبْغَضَتِ الزَّوْجَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهَا إِكْرَاهُهَا عَلَى عِشْرَتِهِ، وَإِذَا أَحَبَّتْهُ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَجَوَازُ مَيْلِ الرَّجُلِ إِلَى امْرَأَةٍ يَطْمَعُ فِي تَزْوِيجِهَا أَوْ رَجَعْتِهَا، وَجَوَازُ كَلَامِ الرَّجُلِ لِمُطَلَّقَتِهِ فِي الطُّرُقِ وَاسْتِعْطَافِهِ لَهَا وَاتِّبَاعِهَا أَيْنَ سَلَكَتْ كَذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ الْجَوَازِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَجَوَازُ الْإِخْبَارِ عَمَّا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْمَرْءِ وَإِنْ لَمْ تُفْصِحْ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ مَا قَالَ. وَفِيهِ جَوَازُ رَدِّ الشَّافِعِ الْمِنَّةَ عَلَى الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ بِقَبُولِ شَفَاعَتِهِ، لِأَنَّ قَوْلَ بَرِيرَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَتَأْمُرُنِي ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ لَقَبِلَتْ شَفَاعَتَهُ، فَلَمَّا قَالَ لَا عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهَا مَا فُهِمَ مِنَ الْمِنَّةِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ، كَذَا قِيلَ وَهُوَ مُتَكَلَّفٌ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ عَلِمَتْ أَنَّ أَمْرَهُ وَاجِبُ الِامْتِثَالِ، فَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهَا مَا عَرَضَ اسْتَفْصَلَتْ هَلْ هُوَ أَمْرٌ فَيَجِبُ عَلَيْهَا امْتِثَالُهُ، أَوْ مَشُورَةٌ فَتَتَخَيَّرُ فِيهَا؟ وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي مَشُورَةٍ وَشَفَاعَةٍ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ حُكْمًا. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ سُئِلَ قَضَاءَ حَاجَةٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الطَّالِبِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ، لِأَنَّ عَائِشَةَ شَرَطَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا الْوَلَاءُ إِذَا أَدَّتِ الثَّمَنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَفِيهِ جَوَازُ أَدَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَدِينِ، وَأَنَّهُ يَبْرَأُ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَإِفْتَاءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فِيمَا لَهَا حَظٌّ وَغَرَضٌ إِذَا كَانَ حَقًّا، وَجَوَازُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِزَوْجَتِهِ بِالْحَقِّ، وَجَوَازُ قَوْلِ مُشْتَرِي الرَّقِيقِ اشْتَرَيْتُهُ لِأُعْتِقَهُ تَرْغِيبًا لِلْبَائِعِ فِي تَسْهِيلِ الْبَيْعِ، وَجَوَازُ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَدَدًا إِذَا كَانَ قَدْرُهَا بِالْكِتَابَةِ مَعْلُومًا لِقَوْلِهَا أَعُدُّهَا وَلِقَوْلِهَا تِسْعُ أَوَاقٍ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ. وَفِيهِ جَوَازُ عَقْدِ الْبَيْعِ بِالْكِتَابَةِ لِقَوْلِهِ خُذِيهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ. وَفِيهِ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ لِقَوْلِهِ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى وَفِيهِ جَوَازُ الِاشْتِرَاكِ فِي الرَّقِيقِ لِتَكَرُّرِ ذِكْرِ أَهْلِ بَرِيرَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَانَتْ لِنَاسٍ من الْأَنْصَارِ وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ الْوَحْدَةُ وَإِطْلَاقُ مَا فِي الْخَبَرِ عَلَى الْمَجَازِ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْدِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ، وَأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ لَا يُسْأَلُ عَنْ أَصْلِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ رِيبَةً. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِظْهَارِ أَحْكَامِ الْعَقْدِ لِلْعَالِمِ بِهَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ يَجْهَلُهَا. وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فَلَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا عَكْسَهُ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ وَخَبَرِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَرِوَايَتَهُمَا. وَفِيهِ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِذَا اقْتَضَتْ بَيَانَ حُكْمٍ عَامٍّ وَجَبَ إِعْلَانُهُ أَوْ نُدِبَ بِحَسَبِ الْحَالِ. وَفِيهِ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَالِاخْتِصَارِ مِنَ الْحَدِيثِ،

стр. 5505

وَالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ أَحَدِ من الْعُلَمَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، وَلَوْ كَانَ بِالرِّجَالِ لَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِعِدَّةِ الْإِمَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ أَصْلَهُ تَعْتَدُّ بِحَيْضٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ جِنْسَ مَا تَسْتَبْرِئُ بِهِ رَحِمَهَا لَا الْوَحْدَةُ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْأَحْكَامِ سُنَنًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَاجِبًا، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ مَا دُونَ الْوَاجِبِ سُنَّةً اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ. وَفِيهِ جَوَازُ جَبْرِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ عَلَى تَزْوِيجِ مَنْ لَا تَخْتَارُهُ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ وَهِيَ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ جَمِيلَةً غَيْرَ سَوْدَاءَ بِخِلَافِ زَوْجِهَا وَقَدْ زُوِّجَتْ مِنْهُ وَظَهَرَ عَدَمُ اخْتِيَارِهَا لِذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهَا. وَفِيهِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ يُبْغِضُ الْآخَرَ وَلَا يُظْهِرُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ مَعَ بُغْضِهَا مُغِيثًا كَانَتْ تَصِبرُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا تُعَامِلُهُ بِمَا يَقْتضِيهِ الْبُغْضُ إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّهِ عَنْهَا. وَفِيهِ تَنْبِيهُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ إِذَا جَهِلَهُ، وَاسْتِقْلَالُ الْمُكَاتَبِ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى السَّادَةِ وَإِطْلَاقُ الْعَبِيدِ عَلَى الْأَرِقَّاءِ، وَجَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ مُغِيثًا، وَأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ وَأَنَّ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ مُعْتِقِهِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي ثَوَابِ الْعِتْقِ، وَجَوَازُ الْهَدِيَّةِ لِأَهْلِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ، وَقَبُولُ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا رِيبَةَ، وَفِيهِ سُؤَالُ الرَّجُلِ عَمَّا لَمْ يَعْهَدْهُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ حَيْثُ وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ عَهِدَهُ وَفَاتَ فَلَا يَقُولُ لِأَهْلِهِ أَيْنَ ذَهَبَ؟ وَهُنَا سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَعَايَنَهُ ثُمَّ أُحْضِرَ لَهُ غَيْرُهُ فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ إِحْضَارَهُ لَهُ شُحًّا عَلَيْهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ تَحْرِيمِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الْجَوَازَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَبْسِيطِ الْإِنْسَانِ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْزِلِهِ وَمَا عَهِدَهُ فِيهِ قَبْلُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعِنْدِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي اللَّحْمِ وَأَنَّهُ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَالثَّانِي بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ أَيْنَ هُوَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُهْدِيَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَعْضِ إِلْزَامِهَا كَأَقَارِبِهَا مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْأَوَّلُ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْ أَصْلِ الْمَالِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يُظَنَّ تَحْرِيمُهُ أَوْ تَظْهَرُ فِيهِ شُبْهَةٌ، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ ﷺ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَرِيرَةَ وَلَا عَنْ حَالِهِ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَى بَرِيرَةَ بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَتِمَّ هَذَا. ١٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ; وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ وَلَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ عِنْدَهُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّهَا خُصَّتْ

стр. 5506

بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ هُنَا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوسُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَقَوْلَهُ: لَا أَعْلَمُ مِنَ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ عُمُومِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخَةٌ وَبِهِ جَزَمَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَرَدَّهُ النَّحَّاسُ فَحَمَلَهُ عَلَى التَّوَرُّعِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ خُصَّ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَبَقِيَ سَائِرُ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ عُمُومَ آيَةِ الْبَقَرَةِ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ شَذَّ بِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ اهـ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عَطَاءً كَرِهَ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمَاتُ قَلِيلٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ خَصَّ الْإِبَاحَةَ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ عَلَى الرُّخْصَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُنَّ. وَزَعَمَ ابْنُ الْمُرَابِطِ تَبَعًا لِلنَّحَّاسِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا مُرَادُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ السِّيَاقِ، لَكِنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَنْ يُشْرِكُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا مَنْ يُوَحِّدُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ آيَةَ الْحِلِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ فَصَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ آبَاؤُهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَوِ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ بَحْثٌ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ هِرَقْلَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَحْرِيمِ النِّسَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ، وَجَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَسَرَّى بِمَجُوسِيَّةٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَوْرَدَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْجُوجٌ بِالْجَمَاعَةِ وَالتَّنْزِيلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ مَعَ ثُبُوتِ الْخِلَافِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّا التَّنْزِيلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ لَكِنْ لَمَّا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تجْرِيَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِيِّينَ، لَكِنْ أُجِيبَ عَنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا فِيهِمُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالذَّبَائِحِ، وَسَيَأْتِي تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٩ - بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ ٥٢٨٦ - حَدَّثَنَي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ.

стр. 5507

٥٢٨٧ - وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَرِيبَةُ ابِنْة أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِيِّ، فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ. قَوْلُهُ (بَابُ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ) أَيْ قَدْرِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَكْفِي أَنْ تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ. قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ حَدَّثَ بِهَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ كَمَا قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَدِيثِ: قَالَ وَقَالَ عَطَاءٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ بَعْدَ سِيَاقِهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ مِثْلُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِلَّةٌ كَالَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْهَا، وَحَاصِلُهَا أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ جَزَمُوا بِأَنَّ عَطَاءً الْمَذْكُورَ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَأَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ التَّفْسِيرَ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ عَنْهُ، وَعُثْمَانُ ضَعِيفٌ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَاصِلُ الْجَوَابُ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيِّ مَعَ تَشَدُّدِهِ فِي شَرْطِ الِاتِّصَالِ، مَعَ كَوْنِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الْمَشْهُورُ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُعَوَّلُ غَالِبًا فِي هَذَا الْفَنِّ خُصُوصًا عِلَلَ الْحَدِيثِ. وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَلَمْ يُخْرِجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: (لَمْ تُخْطَبْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ) تَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَحِيضُ ثَلَاثَ حِيَضٍ، لِأَنَّهَا صَارَتْ بِإِسْلَامِهَا وَهِجْرَتِهَا مِنَ الْحَرَائِرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سُبِيَتْ. وَقَوْلُهُ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا مَعَهَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْنِيَ بِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ الَّذِي وَصَفَهُ بِالْمِثْلِيَّةِ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إِلَخْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَلَامًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِنِسَاءِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ قَسَمَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَهْلُ حَرْبٍ، وَأَهْلُ عَهْدٍ. وَذَكَرَ حُكْمَ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ حُكْمَ أَرِقَّائِهِمْ، فَكَأَنَّهُ أَحَالَ بِحُكْمِ نِسَاءِ أَهْلِ الْعَهْدِ عَلَى حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ حُكْمِ أَرِقَّائِهِمْ. وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ أَيْ إِنْ أَصَبْتُمْ مَغْنَمًا مِنْ قُرَيْشٍ فَأَعْطُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا عِوَضًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هـ وَمَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ. قَوْلُهُ: (كَانَتْ قُرَيْبَةُ) بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرَةٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَضَبَطَهَا الدِّمْيَاطِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيُّ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ. وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي الشُّرُوطِ. وَلِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْعِيرِ كَالَّذِي هُنَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِي هَذَا الِاسْمِ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ بِالتَّصْغِيرِ وَقَدْ تُفْتَحُ. قَوْلُهُ: (ابْنَةُ أَبِي أُمَيَّةَ) أَيِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَسْلَمَتْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا فَفِيهِ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ

стр. 5508

تُرْضِعُ زَيْنَبَ بِنْتَهَا فَجَاءَ عَمَّارٌ فَأَخَذَهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ زُنَابُ؟ فَقَالَتْ قُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ صَادَفَهَا عِنْدَهَا: أَخَذَهَا عَمَّارٌ الْحَدِيثَ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا هَاجَرَتْ قَدِيمًا لِأَنَّ تَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ كَانَ بَعْدَ أُحُدٍ وَقَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَاءَتْ إِلَى الْمُدِينَةِ زَائِرَةً لِأُخْتِهَا قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، أَوْ كَانَتْ مُقِيمَةً عِنْدَ زَوْجِهَا عُمَرَ عَلَى دِينِهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ، وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهَا كَانَتْ حَاضِرَةً عِنْدَ تَزْوِيجِ أُخْتِهَا أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ مُسْلِمَةً. لَكِنْ يَرُدُّهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا: فَطَلَّقَ عُمَرُ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ بِمَكَّةَ فَهَذَا يَرُدُّ أَنَّهَا كَانَتْ مُقِيمَةً وَلَا يَرُدُّ أَنَّهَا جَاءَتْ زَائِرَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأُمِّ سَلَمَةَ أُخْتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَمَّى قُرَيْبَةَ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ إِحْدَاهِمَا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةً عِنْدَ تَزْوِيجِ أُمِّ سَلَمَةَ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ الْأُخْرَى وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ قَالَ فِي الطَّبَقَاتِ قُرَيْبَةُ الصُّغْرَى بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَحَفْصَةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ، وَسَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ قُرَيْبَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ: لَقَدْ حَذَّرُونِي مِنْكَ، قَالَ: فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، قَالَتْ: لَا أَخْتَارُ عَلَى ابْنِ الصِّدِّيقِ أَحَدًا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: وَبَلَغْنَا أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ قُرَيْبَةَ وَابْنَةَ أَبِي جَرْوَلٍ، فَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا هُنَا وَزَائِدٌ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَزَوَّجَ قَبْلَ الْآخِرِ، وَأَمَّا بِنْتُ أَبِي جَرْوَلٍ فَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي الْكُبْرَى لِابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ جَرْوَلٍ فَكَأَنَّ أَبَاهَا كَنَّى بِاسْمِ وَالِدِهِ، وَجَرْوَلٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الشُّرُوطِ أَنَّ الْقَائِلَ: وَبَلَغْنَا هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ مِنَ الرُّوَاةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ بَنِي طَلْحَةَ مُسَلْسَلًا بِهِمْ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَطَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ طَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَطَلَّقَ طَلْحَةُ أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي. وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ رَدِّ النِّسَاءِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ وُقُوعِ الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهُ وَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْمَلِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ هَلْ نُسِخَ حُكْمُ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ، فَمُنِعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَدِّهِنَّ أَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي أَصْلِ الصُّلْحِ، أَوْ هُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ؟ وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا رَدَدْتَهُ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانِ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : رُدَّ عَلَيْنَا مَنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَائِنَا، فَإِنَّ شَرْطَنَا أَنَّ مَنْ أَتَاكَ مِنَّا أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْنَا. فَقَالَ: كَانَ الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاءِ، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لَمَّا هَاجَرَتْ جَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَدَّهَا فَلَمْ يَرُدَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ فِيهَا: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وَذَكَرَ ابْنُ الطِّلَاعِ فِي أَحْكَامِهِ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ هَاجَرَتْ فَأَقْبَلَ زَوْجُهَا فِي طَلَبِهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَرَدَّ عَلَى زَوْجِهَا

стр. 5509

مَهْرَهَا وَالَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ مَاتَ عَنْهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهَا وَهِجْرَةُ زَوْجِهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ هَاجَرَتْ، وَيَكُونُ الزَّوْجُ الَّذِي جَاءَ فِي طَلَبِهَا وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ آخَرَ لَمْ يُسْلِمْ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ أَسْمَاءً عِدَّةً مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَاءِ الْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ. ٢٠ - بَاب إِذَا أَسْلَمَتْ الْمُشْرِكَةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيِّ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ دَاوُدُ عَنْ إِبْراهِيمَ الصَّائِغِ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي مَجُوسِيَّيْنِ أَسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَبَى الْآخَرُ بَانَتْ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ قَالَ: لَا، إِنَّمَا كَانَ ذَلكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ. ٥٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. ح. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ، وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ، كَلَامًا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَسْلَمَتِ الْمُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الْحَرْبِيِّ) كَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ النَّصْرَانِيَّةِ وَهُوَ مِثَالٌ وَإِلَّا فَالْيَهُودِيَّةُ كَذَلِكَ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْكِتَابِيَّةِ لَكَانَ أَشْمَلَ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى لَفْظَ الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ لِإِشْكَالِهِ، بَلْ أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ مَوْرِدَ السُّؤَالِ فَقَطْ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لَا يَجْزِمُ بِالْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَانُ حُكْمِ إِسْلَامِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ زَوْجِهَا هَلْ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِهَا، أَوْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، أَوْ يُوقَفُ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا؟ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَتَفَاصِيلُ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَمَيْلُ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ) هُوَ

стр. 5510

الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَقَعْ لِي مَوْصُولًا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَامِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: (إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: حَرُمَتْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْمُرَادِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَهِيَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ فَتُسْلِمُ فَقَالَ: يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ، يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ دَاوُدُ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، وَاسْمُ أَبِي الْفُرَاتِ عَمْرُو بْنُ الْفُرَاتِ، وَإِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ. قَوْلُهُ: (سُئِلَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا تَنْتَظِرُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ إِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ إِلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِهِ الْقَوْلَ الْمَاضِيَ فَإِنَّهُ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ مِنْهُ لِتَقْوِيَةِ قَوْلِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مُعَارِضٌ فِي الظَّاهِرِ لِرِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ انْتِظَارَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّ تَأْخِيرَ الْخِطْبَةِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ الْمُعْتَدَّةِ لَا تُخْطَبُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَعَلَى هَذَا الثَّانِي لَا يَبْقَى بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ تَعَارُضٌ، وَبِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا وَعَطَاءٍ قَالَ طَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ، وَشَرَطَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى زَوْجِهَا الْإِسْلَامَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَمْتَنِعُ إِنْ كَانَا مَعًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِقَوْلِ مُجَاهِدٍ قَالَ قَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فِي لَيْلَةِ دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ مَكَّةَ فِي الْفَتْحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي، فَإِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَخَذَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُقبَةَ بِلِحْيَتِهِ وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ إِسْلَامَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَتْ بَعْدُ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَا ذَكَرَ تَجْدِيدَ عَقْدٍ، وَكَذَا وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَسْلَمَتْ نِسَاؤُهُمْ قَبْلَهُمْ كَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جُدِّدَتْ عُقُودُ أَنْكِحَتِهِمْ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ الرَّجُلِ وَقَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ وَزَوْجُهَا مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، فَهَذَا مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً وَأَخْرَجَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ فَخَيَّرَهَا عُمَرُ إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ فِي مَجُوسِيَّيْنِ أَسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بِالْإِسْلَامِ (لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا). أَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَقَدِ انْقَطَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ النِّكَاحِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَأَمَّا أَثَرُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِخِطْبَةٍ وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ وَكِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَحْوُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ

стр. 5511

إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ أَيُعَاضُ بِغَيْرِ وَاوٍ. وَقَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ قَالَ: لَا إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ). وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ الْيَوْمَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ فَذَكَرَهُ سَوَاءً، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ الْآتِي وَزَادَ: وَقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَلَا يُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا بِشَيْءٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ قَالَ: مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَزْوَاجِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْكُفَّارِ فَلْيُعْطِهِمُ الْكُفَّارُ صَدُقَاتِهِنَّ وَلْيُمْسِكُوهُنَّ، وَمَنْ ذَهَبَ مِنْ أَزْوَاجِ الْكُفَّارِ إِلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَذَلِكَ، هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الشُّرُوطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغْنَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا أَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِمَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَيْ أَبَوْا أَنْ يَعْمَلُوا بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا جَاءَتْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمَةً لَمْ يَرُدَّهَا الْمُسْلِمُونَ إِلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ بَلْ يُعْطُونَهُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ صَدَاقٍ وَنَحْوِهِ وَكَذَا بِعَكْسِهِ، فَامْتَثَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَأَعْطَوْهُمْ، وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ فَحَبَسُوا مَنْ جَاءَتْ إِلَيْهِمْ مُشْرِكَةً وَلَمْ يُعْطُوا زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَلِهَذَا نَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ قَالَ: وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْكُفَّارِ. وَأَخْرَجَ هَذَا الْأَثَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ: فَلَوْ ذَهَبَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ رَدَّ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى زَوْجِهَا النَّفَقَةَ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَقَبِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَرُدُّوهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ نَفَقَاتِهِمُ الَّتِي أَنْفَقُوا عَلَى أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي آمَنَّ وَهَاجَرْنَ، ثُمَّ رَدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَضْلًا إِنْ كَانَ بَقِيَ لَهُمْ وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ: فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّاتِي هَاجَرْنَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقَبَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أَيْ أَصَبْتُمْ مِنْ صَدَقَاتِ الْمُشْرِكَاتِ عِوَضَ مَا فَاتَ مِنْ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمَاتِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْ أَصَبْتُمْ غَنِيمَةً فَأَعْطُوا مِنْهَا، وَبِهِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، لَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنَ الْجِهَةِ الْأَوْلَى شَيْءٌ، وَهُوَ حَمْلٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ: وَمَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا وَهَذَا النَّفْيُ لَا يَرُدُّهُ ظَاهِرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْقِصَّةُ، لِأَنَّ مَضْمُونَ الْقِصَّةِ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ الْمُسْلِمِينَ ذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا الْكَافِرِ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً فَالنَّفْيُ مَخْصُوصٌ بِالْمُهَاجِرَاتِ فَيَحْتَمِلُ كَوْنُ مَنْ وَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُهَاجِرَاتِ كَالْأَعْرَابِيَّاتِ مَثَلًا، أَوِ الْحَصْرِ عَلَى عُمُومِهِ فَتَكُونُ نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ الْمُشْرِكَةِ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ مَثَلًا فَهَرَبَتْ مِنْهُ إِلَى الْكُفَّارِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ يُونُسَ الْمَاضِيَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمِّ الْحَكَمِ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ارْتَدَّتْ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثَقَفِيٌّ، وَلَمْ تَرْتَدَّ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُهَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أَسْلَمُوا، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، لِأَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ هِيَ أُخْتُ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ مُشْرِكَةً وَأَنَّ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ فَارَقَهَا لِذَلِكَ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ، فَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَطْرَدَ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَصْلِ تَرْجَمَةِ الْبَابِ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ آيَةِ الِامْتِحَانِ، فَذَكَرَ أَثَرَ عَطَاءٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَاوَضَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ

стр. 5512

مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ أَثَرَ مُجَاهِدٍ الْمُقَوِّيَ لِدَعْوَى عَطَاءٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَهْدِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ وَأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْمُشْرِكِ لِانْتِظَارِ إِسْلَامِهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ مَنْسُوخٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ مِنِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِأُولَئِكَ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَنْ أَسْلَمَتْ أَنْ لَا تُقَرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ أَصْلًا وَلَوْ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ: أَحَدُهُمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ وَكَانَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَفِي أُخْرَى بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ جُمِعَ بَيْنَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّتِّ مَا بَيْنَ هِجْرَةِ زَيْنَبَ وَإِسْلَامِهِ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْمَغَازِي، فَإِنَّهُ أُسِرَ بِبَدْرٍ فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ مِنْ مَكَّةَ فِي فَدَائِهِ فَأُطْلِقَ لَهَا بِغَيْرِ فَدَاءٍ، وَشَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ لَهُ زَيْنَبَ فَوَفَّى لَهُ بِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّهِ: حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي وَالْمُرَادُ بِالسَّنَتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ مَا بَيْنَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَقُدُومِهِ مُسْلِمًا فَإِنَّ بَيْنَهُمَا سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا. الْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ حَدَّثَ بِالْحَدِيثَيْنِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ثُمَّ قَالَ يَزِيدُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْوَى إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، يُرِيدُ عَمَلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رَدَّهَا إِلَيْهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مُشْكِلٌ لِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَبْقَى فِي الْعِدَّةِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْمُشْرِكِ إِذَا تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ عَنْ إِسْلَامِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ بِجَوَازِهِ وَرَدِّهِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِ قَدِيمًا وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا بِطُرُقٍ قَوِيَّةٍ، وَبِهِ أَفْتَى حَمَّادٌ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مُمْكِنٌ وَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ غَالِبًا بِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ إِنَّمَا هيَ سَنَتَانِ وَأَشْهُرٌ فَإِنَّ الْحَيْضَ قَدْ يُبْطِئُ عَنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ لِعَارِضِ عِلَّةٍ أَحْيَانًا. وَبِحَاصِلِ هَذَا أَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعِلَّتُهُ تَدْلِيسُ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَلَهُ عِلَّةٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ أَنَّ حَجَّاجًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَنِ الْعَزْرَمِيِّ، وَالْعَزْرَمِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ، قَالَ: وَالْعَزْرَمِيُّ لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ. وَجَنَحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُخَالِفُهُ قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، فَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ بِشُرُوطِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا أَيْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، قَالَ: وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِوُقُوعِ عَقْدٍ جَدِيدٍ وَمَهْرٍ جَدِيدٍ وَالْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُحْتَمَلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُحْكَى

стр. 5513

عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الْمُخَرَّجَةُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ ثَابِتَةً فَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى تَخْصِيصَ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي الْعَاصِ بِذَلِكَ الْعَهْدِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ كَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَلِهَذَا أَفْتَى بِخِلَافِ ظَاهِرِ مَا جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّ الْخَطَّابِيَّ قَالَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ نُسْخَةٌ ضَعَّفَهَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، غَيْرَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ رَجَّحُوا إِسْنَادَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ تَرْجِيحُ إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِإِمْكَانِ حَمْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى وَجْهٍ مُمْكِنٍ. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ بَدْرٍ لَمَّا أُسِرَ فِيهَا ثُمَّ افْتَدَى وَأُطْلِقَ، وَأَسْنَدَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَهُ بِمَكَّةَ، وَهِيَ الَّتِي أَرْسَلَتْ فِي افْتِدَائِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْمَغَازِي، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ رَدَّهَا أَقَرَّهَا، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وَالثَّابِتُ أَنَّهُ لَمَّا أُطْلِقَ اشْتُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهَا فَفَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا رَدَّهَا عَلَيْهِ حَقِيقَةً بَعْدَ إِسْلَامِهِ. ثُمَّ حَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَائِزًا فَلِذَلِكَ قَالَ: رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يَطَّلِعِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قَالَ: رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ بِالصَّحَابَةِ أَنْ يَجْزِمُوا بِحُكْمٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ نُزُولُ آيَةِ الْمُمْتَحِنَةِ وَالْمَنْقُولُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْهُ يَقْتَضِي اطْلَاعَهُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ تَحْرِيمُ اسْتِقْرَارِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْكَافِرِ، فَلَوْ قُدِّرَ اشْتِبَاهُهُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَجُزِ اسْتِمْرَارُ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ حَتَّى يُحَدِّثَ بِهِ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ، وَهُوَ يَوْمُ حَدَّثَ بِهِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ عَصْرِهِ. وَأَحْسَنُ الْمَسَالِكِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَرْجِيحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَئِمَّةُ وَحَمْلُهُ عَلَى تَطَاوُلِ الْعِدَّةِ فِيمَا بَيْنَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ فَضْلًا عَنْ مُطْلَقِ الْجَوَازِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ قَوْلَهُ: رَدَّهَا إِلَيْهِ بَعْدَ كَذَا مُرَادُهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَإِسْلَامُ أَبِي الْعَاصِ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْمُشْرِكِ. هَكَذَا زَعَمَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ فِي الْهُدْنَةِ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ. وَقَدْ سَلَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ مَسْلَكًا آخَرَ فَقَرَأْتُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلْعِمَادِ بْنِ كَثِيرٍ بعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الظَّاهِرُ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، وَضَعَّفَ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: جَدَّدَ عَقْدَهَا، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ زَوْجِهَا أَنَّ نِكَاحَهَا لَا يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ تَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ أَوْ تَتَرَبَّصَ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ فَيَسْتَمِرَّ عَقدُهُ عَلَيْهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الِامْتِحَانِ وَبَيَانِهِ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ) ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ وَسَيَأْتِي اللَّفْظُ فِي الْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ يُونُسَ، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَفْظُ رِوَايَةِ عَقِيلٍ فَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ، وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ عَقِيلٍ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ لَا تُخَالِفُهَا. قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ) أَيْ مِنْ

стр. 5514

مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ عَامِ الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ يَخْتَبِرُهُنَّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ظَاهِرِ الْحَالِ دُونَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ قَوْلُهُ: (مُهَاجِرَاتٌ) جَمْعُ مُهَاجِرَةٍ وَالْمُهَاجَرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُغَاضَبَةُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُ الْهِجْرَةِ خُرُوجُ الْبَدْوِيِّ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ وَإِقَامَتُهُ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا هَهُنَا خُرُوجُ النِّسْوَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْلِمَاتٍ. قَوْلُهُ: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) يَحْتَمِلُ الْآيَةَ بِعَيْنِهَا وَآخِرُهَا: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْآيَةِ الْقِصَّةَ وَآخِرُهَا: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الشُّرُوطِ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ وَحْدَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَقِبَ حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ - إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ. قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ) يُشِيرُ إِلَى شَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ امْتِحَانُهُنَّ أَنْ يَشْهَدْنَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ رَغْبَةً عَنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ الْتِمَاسَ دُنْيَا، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْو هَذَا وَلَفْظُهُ: فَاسْأَلُوهُنَّ عَمَّا جَاءَ بِهِنَّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَضَبٍ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ سُخْطِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُؤْمِنَّ فَأَرْجِعُوهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَتْ مِحْنَتُهُنَّ أَنْ يُسْتَحْلَفْنَ بِاللَّهِ مَا أَخْرَجَكُنَّ نُشُوزٌ، وَمَا أَخْرَجَكُنَّ إِلَّا حُبُّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَإِذَا قُلْنَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُنَّ فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي رِوَايَةَ الْعَوْفِيِّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا. قَوْلُهُ: (انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ) بَيَّنَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلَامًا أَيْ كَلَامًا يَقُولُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ الْمَذْكُورَةِ كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ وَلَا يُبَايِعُ بِضَرْبِ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ، كَمَا كَانَ يُبَايِعُ الرِّجَالُ وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ زَادَ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي الْمُبَايَعَةِ: غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ - الْآيَةَ كُلَّهَا. ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ -: أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: نَعَمْ وَقَدْ وَرَدَ مَا قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهَا أَشَارَتْ إِلَى رَدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِمْرَارِ حُكْمِ امْتِحَانِ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ: فَقِيلَ: مَنْسُوخٌ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَسْخِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ - إلى قوله - ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ رَجَعُوا ٥٢٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ.

стр. 5515

٥٢٩٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلاَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ . ٥٢٩١ - وقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ" وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ: بَابُ الْإِيلَاءِ وقَوْله تَعَالَى إِلَخْ. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾: رَجَعُوا، وَهَذَا تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أَيْ رَجَعُوا عَنْ الْيَمِينِ، فَاءَ يَفِيءُ فَيْئًا وَفُيُوءًا اهـ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْفَيْءُ الرُّجُوعُ بِاللِّسَانِ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ: الْفَيْءُ الرُّجُوعُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِمَنْ بِهِ مَانِعٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَفِي غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ عَلْقَمَةُ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا: إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَهُوَ إِيلَاءٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ يُجَامِعُهَا وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهَا فَلَيْسَ بِمُولٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْفَيْءُ الْجِمَاعُ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ، وَالْأَسَانِيدُ بِكُلِّ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَوِيَّةٌ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْإِيلَاءِ، فَمَنْ خَصَّهُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ قَالَ: لَا يَفِيءُ إِلَّا بِفِعْلِ الْجِمَاعِ، وَمَنْ قَالَ: الْإِيلَاءُ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ كَلَامِهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَغِيظَهَا أَوْ يَسُوءَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْفَيْءِ الْجِمَاعَ، بَلْ رُجُوعُهُ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ الْإِيلَاءُ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِاللَّهِ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُضَارَّ بِهِ امْرَأَتَهُ مِنِ اعْتِزَالِهَا، فَإِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْإِضْرَارَ لَمْ يَكُنْ إِيلَاءٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ وَطَائِفَةٍ: لَا إِيلَاءَ إِلَّا فِي غَضَبٍ، فَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا بِسَبَبٍ كَالْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي يَرْضَعُ مِنْهَا مِنَ الْغِيلَةِ فَلَا إِيلَاءَ. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: كُلُّ يَمِينٍ حالت بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَهِيَ إِيلَاءٌ، وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إِنْ كَلَّمْتُكِ سَنَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ: إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يُكَلِّمِهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ كَلَّمَهَا قَبْلَ سَنَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ. وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَتِ امْرَأَتُكَ، لَعَهْدِي بِهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ؟ قَالَ: لَقَدْ خَرَجْتُ وَمَا أُكَلِّمُهَا. قَالَ: أَدْرِكْهَا قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَإِنْ مَضَتْ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ يُقْسِمُونَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: التَّقْدِيرُ عَلَى نِسَائِهِمْ، وَمِنْ بِمَعْنَى عَلَى. وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقْسِمُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَالْإِيلَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَلِيَّةِ بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ الْيَمِينُ، وَالْجَمْعُ أَلَايَا بِالتَّخْفِيفِ وَزْنَ عَطَايَا، قَالَ الشَّاعِرُ: قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ الْحَدِيثَ، وَإِدْخَالُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْإِيلَاءِ ذِكْرَ الْجِمَاعِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي مِنَ

стр. 5516

الْمَرْفُوعِ - سِوَى هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثِ. اهـ، وَأَنْكَرَ شَيْخُنَا فِي التَّدْرِيبِ إِدْخَالَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: الْإِيلَاءُ الْمَعْقُودُ لَهُ الْبَابُ حَرَامٌ يَأْثَمُ بِهِ مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ فَلَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اهـ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ تَرْكِ الْجِمَاعِ فِيهِ، وَقَدْ كُنْتُ أَطْلَقْتُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ وَالْمَظَالِمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ أَنَسٍ آلَى أَيْ حَلَفَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيلَاءَ الْعُرْفِيَّ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ اتِّفَاقًا، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ فِيهِ الْخِلَافَ قَدِيمًا فَلْيُقَيَّدْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى رَأْيِ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْإِيلَاءَ يَنْعَقِدُ حُكْمُهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ تَرْكِ الْجِمَاعِ إِلَّا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ شَيْخِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي كَوْنِهِ حَرَامًا أَيْضًا خِلَافٌ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَجَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ ﷺ امْتَنَعَ مِنْ جِمَاعِ نِسَائِهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا تَدْخُلَ إِحْدَاهُنَّ عَلَيْهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اعْتَزَلَ فِيهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيَتِمُّ اسْتِلْزَامُ عَدَمِ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ لِامْتِنَاعِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ مِثْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَنَّهُ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، لَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَهُ عَلَى وَصْلِهِ. وَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ: حَرَّمَ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ جِمَاعِهِنَّ، لَكِنْ تَقَدَّمَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ تَحْرِيمُ شُرْبِ الْعَسَلِ أَوْ تَحْرِيمُ وَطْءِ مَارِيَةَ سُرِّيَّتَهُ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لَفْظُ اعْتَزَلَ مَعَ مَا فِيهِ. قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَحِيُّ ابْنُ عَمِّ مَالِكٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِالنِّسْبَةِ لِحُمَيْدٍ دَرَجَتَيْنِ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَدَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ فِي الصِّيَامِ وَفِي النِّكَاحِ كَذَلِكَ، وَالنُّكْتَةُ فِي اخْتِيَارِ هَذَا الْإِسْنَادِ النَّازِلِ التَّصْرِيحُ فِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ قَوْلِهِ: آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَشَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ زِيَادَةُ قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ سُقُوطُهُ ﷺ عَنِ الْفَرَسِ وَصَلَاتُهُ بِأَصْحَابِهِ جَالِسًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الزِّيَادَةِ هُنَاكَ. وَمِنْ أَحْكَامِ الْإِيلَاءِ أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنْقَصَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ عَلَى يَوْمٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ لَمْ يَطَأْ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَانَ إِيلَاءً، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُ، وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ التِّرْمِذِيِّ فِي إِدْخَالِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي، فَإِنْ فَاءَ بَعْدَهَا وَإِلَّا أُلْزِمَ بِالطَّلَاقِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ - سَمَّى أَجَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ - فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يَعْنِي أُلْزِمَ حُكْمَ الْإِيلَاءِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا اللَّيْلَةَ، فَتَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ أَجَلِ يَمِينِهِ تِلْكَ فَهُوَ إِيلَاءٌ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللَّهُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَمَنْ كَانَ إِيلَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ.

стр. 5517

قَوْلُهُ: (إِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ فِي الْإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْأَجَلِ) الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ زَوْجَتِهِ (إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يَعْزِمَ بالطلاق كَمَا أَمَرَ اللَّهُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْمُدَّةَ إِذَا انْقَضَتْ يُخَيَّرُ الْحَالِفُ: فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاءَ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ اسْتَمَرَّتْ عِصْمَتُهُ، وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ لَا تَرَبُّصَ عَلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ التَّفْصِيلُ فِي الْإِيلَاءِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ فِي الْأَصْلِ لِلْبَائِنَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ عِصْمَتِهَا لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ تَفْصِيلٌ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِسَنَدٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَفِئْ طَلُقَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ كَابْنِ الْحَنَفِيَّةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَبِيعَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ تَطْلُقُ لَكِنْ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ إِذَا آلَى فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ طَلُقَتْ بَائِنًا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ بَانَتْ بِطَلْقَةٍ وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ. (تَنْبِيهٌ): سَقَطَ أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَأَثَرُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ مُجَرَّدًا وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فَعَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُوقِفُهُ (حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ) كَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ أَخَصْرُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ أَوْ يَفِيءَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إِذَا مَضَتْ حَتَّى يُوقَفَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ وَزَادَ فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ مِنِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِ هَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ كَمَا نَقَلَهُ الْحَاكِمُ، فَيَكُونُ فِيهِ تَرْجِيحٌ لِمَنْ قَالَ يُوقَفُ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ ذَلِكَ) أَيِ الْإِيقَافُ (عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ فَوَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ: إنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يُوقِفُ الْمُولِيَ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَفِي سَمَاعِ طَاوُسٍ مِنْ عُثْمَانَ نَظَرٌ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْإِيلَاءَ شَيْئًا وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوقَفَ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ أَيْضًا، وَالطَّرِيقَانِ عَنْ عُثْمَانَ يُعَضِّدُ أَحَدُهُمَا الْآخِرَ. وَجَاءَ عَنْ عُثْمَانَ خِلَافُهُ: فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ فَرَجَّحَ رِوَايَةَ طَاوُسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا وَقَّفَ الْمُولِيَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ

стр. 5518

عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُوقَفَ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ يَعْتَضِدُ بِالَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: شَهِدْتُ عَلِيًّا أَوْقَفَ رَجُلًا عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ بِالرَّحْبَةِ إِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءَ قَالَ يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَإمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِنْ ثَبَتَ سَمَاعُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَعَائِشَةَ قَالَا فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى الْإِيلَاءَ شَيْئًا حَتَّى يُوقَفَ وَلِلشَّافِعِيِّ عَنْهَا نَحْوُهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: الْإِيلَاءُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يُوقَفَ وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: بِضْعَةَ عَشَرَ وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: الْإِيلَاءُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يُوقَفَ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي، فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ، وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْنَا النَّاسَ يَقِفُونَ الْإِيلَاءَ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ تَفَارِيعُ يَطُولُ شَرْحُهَا: مِنْهَا أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ فِيهِ رَجْعِيًّا، لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ إِلَّا إِنْ جَامَعَ فِي الْعِدَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَجَلًا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ، فَإِذَا انْقَضَتْ فِعْلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ، فَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ حَتَّى يُحْدِثَ رُجُوعًا أَوْ طَلَاقًا، ثُمَّ رَجَّحَ قَوْلَ الْوَقْفِ بِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ قَالَ بِهِ، وَالتَّرْجِيحُ قَدْ يَقَعُ بِالْأَكْثَرِ مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ قَالَ: لَمْ يَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى الطَّلَاقِ تَكُونُ طَلَاقًا، وَلَوْ جَازَ لَكَانَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَيْءِ يَكُونُ فَيْئًا وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَةِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا يَنْوِي بِهَا الطَّلَاقَ تَقْتَضِي طَلَاقًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَطْفُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِالْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ التَّرَبُّصِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِيَقَعَ التَّخْيِيرُ بَعْدَهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَعَلَ اللَّهُ الْفَيْءَ وَالطَّلَاقَ مُعَلَّقَيْنِ بِفِعْلِ الْمُولِي بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا * وَإِنْ عَزَمُوا﴾ فَلَا يَتَّجِهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٢ - بَاب حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً، وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ فَإِنْ أَتَى فُلَانٌ فَلِي وَعَلَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ

стр. 5519

الزُّهْرِيُّ فِي الْأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ. ٥٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَغَضِبَ، وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا، وَسُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا وَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ، قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ يَحْيَى: وَيَقُولُ رَبِيعَةُ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ) كَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُفْصِحْ بِالْحُكْمِ، وَدُخُولُ حُكْمِ الْأَهْلِ يَتَعَلَّقُ بِأَبْوَابِ الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْمَالِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ مَعَهُ اسْتِطْرَادًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَتَمَّ مِنْهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ قَالَ: إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ تَرَبَّصَتِ امْرَأَتُهُ سَنَةً، وَإِذَا فُقِدَ فِي غَيْرِ الصَّفِّ فَأَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصْلِ تَرَبَّصُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَاتَّفَقَتِ النُّسَخُ وَالشُّرُوحُ وَالْمُسْتَخْرَجَاتُ عَلَى قَوْلِهِ سَنَةً إِلَّا ابْنَ التِّينِ قَوْقَعَ عِنْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَلَفْظُ سِتَّةَ تَصْحِيفٌ وَلَفْظُ أَشْهُرٍ زِيَادَةٌ، وَإِلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ، لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا إِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً فَالْتَمَسَ صَاحِبُهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ فَإِنْ أَتَى فُلَانٌ فَلِي وَعَلَيَّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ أَتَى بِالْمُثَنَّاةِ بِمَعْنَى جَاءَ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَسَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ بِسَنَدٍ لَهُ جَيِّدٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِمَّا غَابَ صَاحِبُهَا وَإِمَّا تَرَكَهَا، فَنَشَدَهُ حَوْلًا فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى مَسَاكِينَ عِنْدَ سُدَّةِ بَابِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُ وَيُعْطِي وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَتَى فَمِنِّي وَعَلَيَّ الْغُرْمُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا وَفِيهِ أَبَى بِالْمُوَحَّدَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ انْتَزَعَ فِعْلَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللُّقَطَةِ لِلْأَمْرِ بِتَعْرِيفِهَا سَنَةً وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ، فَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يَجْعَلَ التَّصَرُّفَ صَدَقَةً فَإِنْ أَجَازَهَا صَاحِبُهَا إِذَا جَاءَ حَصَلَ لَهُ أَجْرُهَا وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا كَانَ الْأَجْرُ لِلْمُتَصَدِّقِ وَعَلَيْهِ الْغُرْمُ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلِي وَعَلَيَّ أَيْ فَلِيَ الثَّوَابُ وَعَلَيَّ الْغَرَامَةُ، وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلِي وَعَلَيَّ: لِيَ الثَّوَابُ، وَعَلَيَّ الْعِقَابُ، أَيْ أَنَّهُمَا مُكْتَسَبَانِ لَهُ بِفِعْلِهِ. وَالَّذِي قُلْتُهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا تَرَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ فَلِي فَمَعْنَاهُ فَلِي ثَوَابُ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا حَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ) ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَقَطْ عَنِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ خَاصَّةً، وَقَدْ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ابْتَاعَ ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ بِمَكَّةَ فَضَلَّ مِنْهُ فِي الزِّحَامِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ فَانْشُدِ الرَّجُلَ فِي

стр. 5520

الْمَكَانِ الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْهُ، فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ وَإِلَّا تَصَدَّقْ بِهَا ; فَإِنْ جَاءَ فَخَيِّرْهُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَإِعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ وَأَخْرَجَ دَعْلَجٌ فِي مُسْنَدٍ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْظُرْ هَذِهِ الضَّوَالَّ فَشُدَّ يَدَكَ بِهَا عَامًا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَجَاهِدْ بِهَا وَتَصَدَّقْ، فَإِنْ جَاءَ فَخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْمَالِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ الْأَسِيرِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مَتَى تُزَوَّجُ امْرَأَتُهُ؟ فَقَالَ: لَا تُزَوَّجُ مَا عَلِمَتْ أَنَّهُ حَيٌّ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: يُوقَفُ مَالُ الْأَسِيرِ وَامْرَأَتُهُ حَتَّى يُسْلِمَا أَوْ يَمُوتَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ فَإِنَّ مَذْهَبَ الزُّهْرِيِّ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُمَرَ، مِنْهَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ قَضَيَا بِذَلِكَ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَا: تَنْتَظِرُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْ جَمْعٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالشَّعْبِيِّ وَاتَّفَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْجِيلَ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ، وَعَلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعِ سِنِينَ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا إِنْ تَزَوَّجَتْ فَجَاءَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَبَيْنَ الصَّدَاقَ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إِذَا اخْتَارَ الْأَوَّلُ الصَّدَاقَ غَرِمَهُ لَهُ الثَّانِي، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَكْثَرُهُمْ بَيْنَ أَحْوَالِ الْفَقْدِ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ مَنْ فُقِدَ فِي الْحَرْبِ فَتُؤَجَّلُ الْأَجَلَ الْمَذْكُورَ، وَبَيْنَ مَنْ فُقِدَ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ فَلَا تُؤَجَّلُ بَلْ تَنْتَظِرُ مُضِيَّ الْعُمْرَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: مَنْ غَابَ عَنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ لَا تَأْجِيلَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُؤَجَّلُ مَنْ فُقِدَ فِي الْحَرْبِ أَوْ فِي الْبَحْرِ أَوْ فِي نَحْوِ ذَلِكَ. وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ: إِذَا فَقَدَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا لَمْ تُزَوَّجُ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يَمُوتَ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَافَقَ عَلِيًّا فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا تَنْتَظِرُهُ أَبَدًا. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ: لَوْ تَزَوَّجَتْ فَهِيَ امْرَأَةُ الْأَوَّلِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: إِذَا تَزَوَّجَتْ فَبَلَغَهَا أَنَّ الْأَوَّلَ حَيٌّ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي وَاعْتَدَّتْ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ اعْتَدَّتْ مِنْهُ أَيْضًا وَوَرِثَتْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ النَّخَعِيِّ: لَا تُزَوَّجُ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ التَّأْجِيلَ لِاتِّفَاقِ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ سَمِعْتُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثَ اللُّقَطَةِ، وَهَذَا صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَتْنِ: قَالَ سُفْيَانُ فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الَّذِي حَدَّثَهُ مُرْسَلًا، وَيَقُولُ رَبِيعَةُ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زِيدَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ، أَيْ قُلْتُ لَهُ الْكَلَامَ الَّذِي تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ إِلَخْ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَ بِهِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ مُرْسَلًا، ثُمَّ ذَكَرَ لِسُفْيَانَ أَنَّ رَبِيعَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فَيُوصِلُهُ فَحَمَلَ ذَلِكَ سُفْيَانُ عَلَى أَنْ لَقِيَ رَبِيعَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ لَهُ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ

стр. 5521

الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ مُرْسَلًا وَعَنْ رَبِيعَةَ مَوْصُولًا وَسَاقَهُ بِسِيَاقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ مِنَ التَّفْصِيلِ أَتْقَنُ وَأَضْبَطُ، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيَاقَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يُحَدِّثْ سُفْيَانَ إِلَّا بِإِسْنَادِهِ فَقَطْ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِهِ يَزِيدُ عَنْ زَيْدٍ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِيهَامٌ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَوْضَحُ وَقَدْ وَافَقَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَلَفْظُهُ: قَالَ سُفْيَانُ فَأَتَيْتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ: الْحَدِيثُ الَّذِي يُحَدِّثُهُ يَزِيدُ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِي اللُّقَطَةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سُفْيَانُ: وكُنْتُ أَكْرَهُهُ لِلرَّأْيِ، أَيْ لِأَجْلِ كَثْرَةِ فَتْوَاهُ بِالرَّأْيِ، قَالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ أَسْأَلْهُ إِلَّا عَنْ إِسْنَادِهِ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ أَوْلَى مِنَ السَّبَبِ الَّذِي أَبَدَاهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: كَانَ قَصْدُ سُفْيَانَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ قَصْدِهِ لِطَلَبِ الْفِقْهِ، وَكَانَ الْفِقْهُ عِنْدَ رَبِيعَةَ أَكْثَرَ مِنْهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ فَلِذَلِكَ أَكْثَرَ عَنْهُ سُفْيَانُ دُونَ رَبِيعَةَ، مَعَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ عَلَى وَفَاةِ رَبِيعَةَ بِنَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ بَلْ أَكْثَرَ اهـ. وَاقْتَضَى قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ مَوْصُولًا وَإِنَّمَا وَصَلَهُ لَهُ رَبِيعَةُ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدٍ مَوْصُولًا، فَلَعَلَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ لِمَا حَدَّثَ بِهِ ابْنَ عُيَيْنَةَ مَا كَانَ يَتَذَكَّرُ وَصَلَهُ أَوْ دَلَّسَهُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ حِينَ حَدَّثَهُ بِهِ مَوْصُولًا وَإِنَّمَا سَمِعَ وَصْلَهُ مِنْ رَبِيعَةَ فَأَسْقَطَ رَبِيعَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ مَوْصُولًا أَيْضًا، وَمِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدٍ مَوْصُولًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ اللُّقَطَةِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِهَا، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِهِ هَهُنَا الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْغَيْرِ إِذَا غَابَ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ مِمَّا لَا يُخْشَى ضَيَاعُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ فَكَانَ فِيهِ أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ تَحَقُّقِ وَفَاةِ صَاحِبِهَا، فَكَانَ إِلْحَاقُ الْمَالِ الْمَفْقُودِ بِهَا مُتَّجَهًا. وَفِيهِ أَنَّ ضَالَّةَ الْإِبِلِ لَا يُتَعَرَّضُ لَهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِأَمْرِ نَفْسِهَا فَاقْتَضَى أَنَّ الزَّوْجَةَ كَذَلِكَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ خَبَرُ وَفَاتِهِ، فَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْشَى ضَيَاعُهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ صَوْنًا لَهُ عَنِ الضَّيَاعِ، وَمَا لَا فَلَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ ضَالَّةِ الْغَنَمِ حُكْمُ الْمَالِ فِي وُجُوبِ تَعْوِيضِهِ لِصَاحِبِهِ إِذَا حَضَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٣ - بَاب الظِّهَارِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ فَقَالَ نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ، قَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ: ظِهَارُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنْ النِّسَاءِ، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا: أَيْ فِيمَا قَالُوا، وَفِي نقضِ مَا قَالُوا، وَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ تعالى لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ. قَوْلُهُ (بَابُ الظِّهَارِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَإِنَّمَا خُصَّ الظَّهْرُ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَرْكُوبُ ظَهْرًا، فَشُبِّهَتِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَرْكُوبُ الرَّجُلِ،

стр. 5522

فَلَوْ أَضَافَ لِغَيْرِ الظَّهْرِ - كَالْبَطْنِ مثلًا - كَانَ ظِهَارًا عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْأُمَّ كَأَنْ قَالَ: كَظَهْرِ أُخْتِي مَثَلًا فَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا بَلْ يَخْتَصُّ بِالْأُمِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَوْلَةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْسٌ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَكُونُ ظِهَارًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَى التَّأْبِيدِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَعَنْ مَالِكٍ هُوَ ظِهَارٌ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: كَظَهْرِ أَبِي مَثَلًا، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةُ أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهُ حَتَّى فِي الْبَهِيمَةِ. وَيَقَعُ الظِّهَارُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ اقْتِرَانِهِ بِالنِّيَّةِ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَائِلِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ بِشَرْطِ الْعَوْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ حَرَامٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ آثَارًا اقْتَصَرَ عَلَى الْآيَةِ وَعَلَيْهَا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْوَارِدِ فِي سَبَبِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ طُرُقِهِ تَعْلِيقًا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْمُظَاهِرِ، وَتَسْمِيَةُ الْمُجَادِلَةِ وَهِيَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ; وَأَنَّهُ أَوَّلُ ظِهَارٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الظِّهَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُ النِّسَاءَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ظَاهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَوْلَةَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ بِثَلَاثٍ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَالطَّلَاقُ، فَأَقَرَّ اللَّهُ الطَّلَاقَ طَلَاقًا وَحَكَمَ فِي الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ بِمَا بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ انْتَهَى. وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ نَفْسِهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْكُو إِلَيْهِ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ نَهَارًا. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ، وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حِسَانٌ. وَحُكْمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَنْصُوصٌ بِالْقُرْآنِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَحْكَامِهِ فِي مَوَاضِعَ أَلَمَّ الْبُخَارِيُّ بِبَعْضِهَا فِي الْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْبَابِ، وَاسْتَدَلَّ بِآيَةِ الظِّهَارِ وَبِآيَةِ اللِّعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَلَوْ وَرَدَ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى دُخُولِ السَّبَبِ، وَأَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ شَمَلَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ، لَكِنِ اسْتَشْكَلَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ جِهَةِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ وَتَأَخُّرِ النُّزُولِ فَكَيْفَ يَنْعَطِفُ عَلَى مَا مَضَى مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَشْمَلُ إِلَّا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الظِّهَارُ بَعْدَ نُزُولِهَا، لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ تَضَمَّنَ مَعْنَى الشُّرَطِ وَالْخَبَرَ تَضَمَّنَ مَعْنَى الْجَزَاءِ وَمَعْنَى الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ يَسْتَدْعِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ مُظَاهِرٍ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْحَاضِرَ وَالْمُسْتَقْبَلَ، قَالَ: وَأَمَّا دَلَالَةُ الْفَاءِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَفِيهِ نَظَرٌ، كَذَا قَالَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ لِلْإِلْحَاقِ بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بِدُونِ حَرْفِ الْجَرِّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ مَوْصُولٌ، فَعِنْدَ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِيمَا تَحْمِلُهُ عَنْ شُيُوخِهِ مُذَاكَرَةً، وَالَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ فِيمَا

стр. 5523

يُورِدُهُ مَوْصُولًا مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ أَوْ مِمَّا لَا يَكُونُ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ بْنَ شِهَابٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ مَالِكٌ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ الَّذِي نَقَلَ مَالِكٌ عَنْهُ أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ نَحْوُ ظِهَارِ الْحُرِّ كَأَنْ يُعْطَى الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْحُرِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالتَّشْبِيهِ مُطْلَقَ صِحَّةِ الظِّهَارِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا يَصِحُّ مِنَ الْحُرِّ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى جَمِيعَ أَحْكَامِهِ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا ظَاهَرَ لَزِمَهُ، وَأَنَّ كَفَّارَتَهُ بِالصِّيَامِ شَهْرَانِ كَالْحُرِّ، نَعَمِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِطْعَامِ وَالْعِتْقِ، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الصِّيَامُ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: إِنْ أَطْعَمَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَجْزَأَهُ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الرِّقَابَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ يَجِدُهَا فَكَانَ كَالْمُعْسِرِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَدْرِ صِيَامِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَوْ صَامَ شَهْرًا أَجْزَأَ عَنْهُ. وَعَنِ الْحَسَنِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَةٍ أَمَةٍ قَالَ: شَطْرُ الصَّوْمِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ الْحَسَنُ فَقَطْ، فَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ فَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ابْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا في هَذَا الْمَوْضِعَ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ نُسِبَ لِجَدِّ أَبِيهِ وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَاسْمُ حَيٍّ حَيَّانُ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنْ طَبَقَةِ سُفْيَانَ، الثَّوْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِيهِ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْأَثَرَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الظِّهَارُ مِنَ الْأَمَةِ كَالظِّهَارِ مِنَ الْحُرَّةِ وَقَدْ وَقَعَ لَنَا الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ سُرِّيَّتِهِ، فَقَالَ: قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: مِثْلُ ظِهَارِ الْحُرَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَرَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ فَرْجٌ حَلَالٌ فَيَحْرُمُ بِالتَّحْرِيمِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْحَسَنِ: إِنْ وَطِئَهَا فَهُوَ ظِهَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا فَلَا ظِهَارَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهِرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ) وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَجَاءَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ الظِّهَارِ مِنَ الْأَمَةِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أَفَلَيْسَتْ مِنَ النِّسَاءِ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أَوَلَيْسَ الْعَبِيدُ مِنَ الرِّجَالِ؟ أَفَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ؟ وَقَدْ جَاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ خِلَافُهُ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُكَفَّرُ عَنْ ظِهَارِ الْأَمَةِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْحُرَّةِ، وَبِقَوْلِ عِكْرِمَةَ الْأَوَّلِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وَلَيْسَتِ الْأَمَةُ مِنَ النِّسَاءِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا ثُمَّ أُحِلُّ بِالْكَفَّارَةِ، فَكَمَا لَا حَظَّ لِلْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ لَا حَظَّ لَهَا فِي الظِّهَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَ قَوْلَيْهِ اخْتِلَافٌ. قَوْلُهُ: (وَفِي الْعَرَبِيَّةِ لِمَا قَالُوا أَيْ فِيمَا قَالُوا) أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ

стр. 5524

عَادَ لِكَذَا بِمَعْنَى أَعَادَ فِيهِ وَأَبْطَلَهُ. قَوْلُهُ: (وَفِي نَقْضِ مَا قَالُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونٍ وَقَافٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ بَعْضِ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَأْتِي بِفِعْلٍ يَنْقُضُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُشْتَرَطُ الْفِعْلُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ، أَوْ يَكْفِي الْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا، أَوِ الْعَزْمُ عَلَى إِمْسَاكِهَا وَتَرْكِ فِرَاقِهَا؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ الْوَطْءُ بِعَيْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَحُكِيَ عَنْهُ الْعَزْمُ عَلَى الْإِمْسَاكِ وَالْوَطْءِ مَعًا وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالثَّالِثُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ سَنَذْكُرُهُ هُنَا. قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ) هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَوْدِ هُنَا أَنْ يَقَعَ بِالْقَوْلِ وَهُوَ إِعَادَةُ لَفْظِ الظِّهَارِ، فَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ مِنَ التَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ النَّحْوِيُّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أَيْ إِلَى قَوْلِ مَا قَالُوا: وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِهِ وَنَسَبَ قَائِلَهُ إِلَى الْجَهْلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَكَيْفَ يُقَالُ إِذَا أَعَادَ الْقَوْلَ الْمُحَرَّمَ الْمُنْكَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ الْمَرْأَةُ؟ انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: لَمَّا وَقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ * فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وُقُوعُ ضِدِّ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ الْمُظَاهَرَةِ، فَإِنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَمَسَّ فَأَعْتِقْ رَقَبَةً قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ، لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إِذَا لَمْ تُرِدْ أَنْ تَمَسَّ فَأَعْتِقَ رَقَبَةً قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ. وَقَدْ جَرَى بَحْثٌ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَنْكَرَهُ ابْنُ دَاوُدَ وَقَالَ: الَّذِينَ خَالَفُوا الْقُرْآنَ لَا أَعُدُّ خِلَافَهُمْ خِلَافًا. وَأَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَصِحَّ عَنْ بُكَيْرٍ بن الْأَشَجِّ، وَاخْتَلَفَ الْمُعْرِبُونَ فِي مَعْنَى اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ فَقِيلَ: مَعْنَاهَا ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى الْجِمَاعِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِمَا قَالُوا، أَيْ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ أَجْلِ مَا قَالُوا، فَادَّعَوْا أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْذُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى الَّذِينَ كَانُوا يُظَاهِرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا، أَيْ إِلَى الْمُظَاهَرَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ يَرْجِعُونَ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَهَذَا مُوَافِقٌ قَوْلَ مَنْ يُوَجِّبُ الْكَفَّارَةَ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ كَلِمَةِ الظِّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى مِنْ، أَيِ اللَّوَاتِي قَالُوا لَهُنَّ: أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظُهُورِ أُمَّهَاتِنَا، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالُوا بِتَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ أَيْ يَعُودُونَ لِلْقَوْلِ فَسَمَّى الْمَقُولَ فِيهِنَّ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْقَوْلُ كَمَا قَالُوا: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمَيرِ وَهُوَ مَضْرُوبُ الْأَمَيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ٢٤ - بَاب الْإِشَارَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْأُمُورِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ أَن خُذْ النِّصْفَ، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا وهي تصلي، أي نَعَمْ، وَقَالَ أَنَسٌ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ لَا حَرَجَ، وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ آحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا.

стр. 5525

٥٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ وَقَالَتْ زَيْنَبُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فُتِحَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَعَقَدَ تِسْعِينَ. ٥٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصِرِ قُلْنَا يُزَهِّدُهَا" ٥٢٩٥ - وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا وَرَضَخَ رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَتَلَكِ فُلَانٌ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا قَالَ فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ أَنْ لَا فَقَالَ فَفُلَانٌ لِقَاتِلِهَا فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ" ٥٢٩٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ الْفِتْنَةُ مِنْ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ" ٥٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ ثُمَّ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا ثُمَّ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" ٥٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ أَوْ قَالَ أَذَانُهُ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّمَا يُنَادِي أَوْ قَالَ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ كَأَنَّهُ يَعْنِي الصُّبْحَ أَوْ الْفَجْرَ وَأَظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنْ الأُخْرَى" ٥٢٩٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قال رسول

стр. 5526

مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلَّا مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، فَهُوَ يُوسِعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ، وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِشَارَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْأُمُورِ) أَيِ الْحُكْمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ وَمَوْصُولَةٍ: أَوَّلُهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْجَنَائِزِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَفِيهَا وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. ثَانِيهَا وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمُلَازَمَةِ وَفِيهَا وَأَشَارَ إِلَى أَنْ خُذِ النِّصْفَ. ثَالِثُهَا وَقَالَتْ أَسْمَاءُ هِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ) الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَفِيهِ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِمَعْنَاهُ، وَفِي صَلَاةِ السَّهْوِ بِاخْتِصَارٍ. رَابِعُهَا وَقَالَ أَنَسٌ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. خَامِسُهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْعِلْمِ فِي بَابِ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ. وَفِيهِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَا حَرَجَ، سَادِسُهَا وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَفِيهِ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا. الحديث السابع. قَوْلُهُ: (أَبُو عَامِرٍ) هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ شَيْخُهُ جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ طَهْمَانَ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ الْحَذَّاءُ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَفِيهِ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. الثَّامِنُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ زَيْنَبُ) هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ: (مِثْلُ هَذِهِ وَهَذِهِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مَوْصُولًا، وَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ لَكِنْ بِلَفْظِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ صُورَةُ عَقْدِ التِّسْعِينَ وَسَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ وَوَجْهُ إِدْخَالِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِإِرَادَةِ عَدَدٍ مَعْلُومٍ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، فَإِذَا اكْتَفَى بِهَا عَنِ النُّطْقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشَارَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. التَّاسِعُ. قَوْلُهُ (سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ شَيْخٌ ثِقَةٌ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَكَذَا سَائِرُ رَوَاةِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِمَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ أَيْضًا لَكِنْ فِي أَوَّلِ اسْمِهِ زِيَادَةُ مِيمٍ وَالْمُهْمَلَةُ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ دُونَ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ فِي الطَّبَقَةِ وَالثِّقَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بِيَدِهِ) أَيْ أَشَارَ بِهَا وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ. قَوْلُهُ: (وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ قُلْنَا يُزَهِّدُهَا) أَيْ يُقَلِّلُهَا، بَيَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ رَاوِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، فَعَلَ هَذَا فَفِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ إِدْرَاجٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ الْأُنْمُلَةِ فِي وَسَطِ الْكَفِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ سَاعَةَ الْجُمُعَةِ فِي وَسَطِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَبِوَضْعِهَا عَلَى الْخِنْصَرِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ لِأَنَّ الْخِنْصَرَ آخِرُ أَصَابِعِ الْكَفِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْأَقَاوِيلِ فِي تَعْيِينِ وَقْتِهَا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ. الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ فِي الْعِلْمِ وَفِي غَيْرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْهُ، وَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ مَعَ شَرْحِهِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ أَوْضَاحًا

стр. 5527

جَمْعُ وَضَحٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَيَاضُ، وَالْمُرَادُ هُنَا حُلِيٌّ مِنْ فِضَّةٍ. وَقَوْلُهُ: رَضَخَ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ ضَادٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ كَسَرَ رَأْسَهَا، وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ أَيْ نَفَسٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ: أُصْمِتَتْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ وَقَعَ بِهَا الصَّمْتُ أَيْ خَرَسٌ فِي لِسَانِهَا مَعَ حُضُورِ ذِهْنِهَا، وَفِيهِ فَأَشَارَتْ أَنْ لَا وَفِيهِ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ. حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذِكْرِ الْفِتَنِ، يَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْفِتَنِ، وَفِيهِ وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى. قَوْلُهُ: (فَاجْدَحْ لِي) بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيْ حَرِّكِ السَّوِيقَ بِعُودٍ لِيَذُوبَ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي عُثْمَانَ وَهُوَ النَّهْدِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (لِيَرْجِعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَائِمَكُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: ولَيْسَ أَنْ يَقُولَ هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: كَأَنَّهُ يَعْنِي الصُّبْحَ أَوِ الْفَجْرَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ يَقُولُ: الْفَجْرُ بِغَيْرِ شَكٍّ. قَوْلُهُ: (وَأَظْهَرَ يَزِيدُ) هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ رَاوِيهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى) تَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ لَيْسَ الْفَجْرَ الْمُعْتَرِضَ وَلَكِنِ الْمُسْتَطِيلُ وَبِهِ يَظْهَرُ الْمُرَادُ مِنَ الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ الحديث الرابع عشر. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى إِسْنَادِهِ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ مَعَ شَرْحِهِ، وَقَوْلُهُ هُنَا جُبَّتَانِ بِجِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا مَادَّتْ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ الْمَدِّ، وَأَصْلُهُ مَادَدَتْ فَأُدْغِمَتْ وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِلَفْظِ مَارَتْ بِرَاءٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ الدَّالِ، وَنُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ مَارَ الشَّيْءُ يَمُورُ مَوْرًا إِذَا تَرَدَّدَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالتَّثْنِيَةِ وَلِغَيْرِهِ ثُدِيِّهِمَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ ثَدْيَيْنِ فَيَكُونُ لَهُمَا أَرْبَعَةٌ، كَذَا قَالَ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ بِالتَّثْنِيَةِ خَطَأً بَلْ هِيَ مُوَجَّهَةٌ وَالتَّقْدِيرُ ثَدْيَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَوْلُهُ: (تَجُنُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْجِيمِ قَيَّدَهُ ابْنُ التِّينِ قَالَ: وَيَجُوزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، قُلْتُ: وَهُوَ الثَّابِتُ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إِذَا كَانَتْ مُفْهِمَةً تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ، وَخَالَفَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَعَلَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الْإِشَارَةَ قَائِمَةً مَقَامَ النُّطْقِ، وَإِذَا جَازَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الدِّيَانَةِ فَهِيَ لِمَنْ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ أَجَوْزُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْرَسِ وَغَيْرِهِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْأَصْلُ وَالْعَدَدُ نَافِذ كَاللَّفْظِ اهـ. وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ وَأَحَادِيثَهَا تَوْطِئَةً لِمَا يَذْكُرُهُ مِنَ الْبَحْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَعَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ لِعَانِ الْأَخْرَسِ وَطَلَاقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، فَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَقَالُوا: يَكْفِي وَلَوْ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ، وَأَمَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، ثَالِثُهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ. وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَعَنِ لْأَوْزَاعِيِّ: إِنْ سَبَقَهُ كَلَامٌ، وَنُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ إِنْ قَالَ فُلَانٌ حُرٌّ ثُمَّ أُصْمِتَ فَقِيلَ لَهُ: وَفُلَانٌ؟ فَأَوْمَأَ صَحَّ. وَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى النُّطْقِ فَلَا تَقُومُ إِشَارَتُهُ مَقَامَ نُطْقِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ طَلْقَةً؟ فَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ. ٢٥ - بَاب اللِّعَانِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ -

стр. 5528

إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَإِذَا قَذَفَ الْأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ فَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الْإِشَارَةَ فِي الْفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِلا رَمْزًا﴾ إِشَارَةً، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلَاقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ: الْقَذْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَلَامٍ، قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِكَلَامٍ، وَإِلَّا بَطَلَ الطَّلَاقُ وَالْقَذْفُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ الْأَصَمُّ يُلَاعِنُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ، وَقَالَ حَمَّادٌ: الْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جَازَ. ٥٣٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو سَاعِدَةَ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ. ٥٣٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَبُو حَازِمٍ سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" ٥٣٠٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قال النبي ﷺ : "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي ثَلَاثِينَ ثُمَّ قَالَ وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَقُولُ مَرَّةً ثَلَاثِينَ وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ" ٥٣٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ الإِيمَانُ هَا هُنَا مَرَّتَيْنِ أَلَا وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ" ٥٣٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قال رسول الله ﷺ : "وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" [الحديث ٥٣٠٤ - طرفه في: ٦٠٠٥]

стр. 5529

قَوْلُهُ: (بَابُ اللِّعَانِ) هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعْنِ، لِأَنَّ الْمُلَاعِنَ يَقُولُ: لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللَّعْنِ دُونَ الْغَضَبِ فِي التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ، وَهُوَ الَّذِي بُدِئَ بِهِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ أَيْضًا يَبْدَأُ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَسْقُطُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، وَقِيلَ: سُمِّيَ لِعَانًا لِأَنَّ اللَّعْنَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْمَرْأَةُ بِلَفْظِ الْغَضَبِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَصِلْ ذَنْبُهُ إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الْقَذْفِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ كَاذِبَةٌ فَذَنْبُهَا أَعْظَمُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَلْوِيثِ الْفِرَاشِ وَالتَّعَرُّضِ لِإِلْحَاقِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الزَّوْجِ بِهِ، فَتَنْتَشِرُ الْمَحْرَمِيَّةُ، وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ وَالْمِيرَاثُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُمَا. وَاللِّعَانُ وَالِالْتِعَانُ وَالْمُلَاعَنَةُ بِمَعْنًى، وَيُقَالُ: تَلَاعَنَا وَالْتَعَنَا وَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَالرَّجُلُ مُلَاعِنٌ وَالْمَرْأَةُ مُلَاعِنَةٌ لِوُقُوعِهِ غَالِبًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ التَّحَقُّقِ. وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ، لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ قَوِيَ الْوُجُوبُ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْمُونَ﴾ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ غَيْرُهُ لِلْجُمْهُورِ بِهَا فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِالْتِعَانِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي، وَلَا أَنْ يَنْفِيَ حَمْلَهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ وَلَدَهَا إِنْ كَانَتْ وَضَعَتْ خِلَافًا لِمَالِكٍ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا زَانِيَةٌ أَوْ زَنَتْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِرَمْيِ الْمُحْصَنَةِ، ثُمَّ شَرَعَ اللِّعَانَ بِرَمْيِ الزَّوْجَةِ، فَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا قَالَ: يَا زَانِيَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللِّعَانِ. وَأَوْرَدُوا عَلَى الْمَالِكِيَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ لِلْأَعْمَى فَانْفَصَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَصَّارِ بِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَقُولَ: لَمَسْتُ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا قَذَفَ الْأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِكِتَابٍ بِلَا هَاءٍ. قَوْلُهُ: (أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ فَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ الْإِشَارَةَ فِي الْفَرَائِضِ) أَيْ فِي الْأُمُورِ الْمَفْرُوضَةِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ) أَيْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: لَمَّا قَالُوا لِمَرْيَمَ: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا إِلَخْ، أَشَارَتْ إِلَى عِيسَى أَنْ كَلِّمُوهُ، فَقَالُوا: تَأْمُرُنَا أَنْ نُكَلِّمَ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ مِنَ الدَّاهِيَةِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْأَخْرَسِ فَأَشَارَتْ إِشَارَةً مُفْهِمَةً اكْتَفَوْا بِهَا عَنْ مُعَاوَدَةِ سُؤَالِهَا وَإِنْ كَانُوا أَنْكَرُوا عَلَيْهَا مَا أَشَارَتْ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أَيْ صَمْتًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الضَّحَّاكُ) أَيِ ابْنُ مُزَاحِمٍ (إِلَّا رَمْزًا إِشَارَةٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ، الثَّوْرِيِّ، وَلَفْظُهُمَا عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ فَاسْتَثْنَى الرَّمْزَ مِنَ الْكَلَامِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمَهُ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الضَّحَّاكُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ الْهَمْدَانِيُّ، فَلَمْ يُصِبْ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ بِالتَّفْسِيرِ هُوَ ابْنُ مُزَاحِمٍ، وَقَدْ وُجِدَ الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْهُ مُصَرِّحًا أَنَّهُ ابْنُ مُزَاحِمٍ، وَأَمَّا ابْنُ شَرَاحِيلَ وَيُقَالُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ فَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ لَكِنْ لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهُ شَيْئًا مِنَ التَّفْسِيرِ، بَلْ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَانِ فَقَطْ أَحَدُهُمَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَالْآخَرُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَكِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: الرَّمْزُ الْإِشَارَةُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسُ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ مِنَ الْأَخْرَسِ وَغَيْرِهِ (ثُمَّ زَعَمَ إِنْ طَلَّقَ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ

стр. 5530

أَوْ إِيمَاءٍ جَازَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِكِتَابَةٍ إِلَخْ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ الْقَذْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَلَامٍ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَلَامٍ) أَيْ وَأَنْتَ وَافَقَتْ عَلَى وُقُوعِهِ بِغَيْرِ الْكَلَامِ فَلَزِمَكَ مِثْلُهُ فِي اللِّعَانِ وَالْحَدِّ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا بَطَلَ الطَّلَاقُ وَالْقَذْفُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ) يَعْنِي إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ الْإِشَارَةِ فِيهَا كُلِّهَا أَوْ بِتَرْكِ اعْتِبَارِهَا فَتَبْطُلُ كُلُّهَا بِالْإِشَارَةِ، وَإِلَّا فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ، وَقَدْ وَافَقَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ وَقَالَ: الْقِيَاسُ بُطْلَانُ الْجَمِيعِ، لَكِنْ عَمِلْنَا بِهِ فِي غَيْرِ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ اسْتِحْسَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَنَعْنَاهُ فِي اللِّعَانِ وَالْحَدِّ لِلشُّبْهَةِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ كَالْقَذْفِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ صَرِيحَةٍ، وَهَذِهِ عُمْدَةُ مَنْ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَدَّهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مُفْهِمَةً إِفْهَامًا وَاضِحًا لَا يَبْقَى مَعَهُ رِيبَةٌ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ الْقَذْفَ يَتَعَلَّقُ بِصَرِيحِ الزِّنَا دُونَ مَعْنَاهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: وَطِئْتَ وَطْئًا حَرَامًا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَطِئَ وَطْءَ شُبْهَةٍ فَاعْتَقَدَ الْقَائِلُ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالْإِشَارَةُ لَا يَتَّضِحُ بِهَا التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ، وَأَجَابَ ابْنُ الْقَصَّارِ بِالنَّقْضِ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ الْقَذْفِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَنَقَضَ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَيَتَمَيَّزُ بِالْإِشَارَةِ وَهُوَ قَوِيٌّ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَشَهَادَةُ الْأَخْرَسِ مَرْدُودَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَالِكًا ذَكَرَ قَبُولَهَا فَلَا إِجْمَاعَ، وَبِأَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ يَمِينٌ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الْأَصَمُّ يُلَاعِنُ) أَيْ إِذَا أُشِيرَ إِلَيْهِ حَتَّى فَهِمَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي أَمْرِهِ إِشْكَالٌ، لَكِنْ قَدْ يَرْتَفِعُ بِتَرْدَادِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنْ تُفْهَمَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَنْهُ. قُلْتُ: وَالْإِطْلَاعُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ سَهْلٌ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ نُطْقِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ فَقَالَ: سُئِلَ رَجُلٌ مَرَّةً: أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَفَارَقَ امْرَأَتَهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَبَّرَ عَمَّا نَوَاهُ مِنَ الْعَدَدِ بِالْإِشَارَةِ فَاعْتَدُّوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ الرَّجُلِ يَكْتُبُ الطَّلَاقَ وَلَا يَلْفِظُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ لَازِمًا، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَخْرَسَ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ أَوْ نَوَاهُ لَزِمَهُ ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ طَلَاقًا، يَعْنِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، أَمَّا لَوْ جَمَعَهُمَا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِالْوُقُوعِ سَوَاءً كَانَ نَاطِقًا أَمْ أَخْرَسَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ: الْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ جَازَ) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ إِلْزَامَ الْكُوفِيِّينَ بِقَوْلِ شَيْخِهِمْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ الْجَوَازِ حَيْثُ يَسْبِقُ مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ الْجَوَابُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِشَارَةِ أَيْضًا: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي فَضْلِ دُورِ الْأَنْصَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَالطَّرِيقَانِ صَحِيحَانِ، وَفِي زِيَادَةِ أَنَسٍ هَذِهِ الْإِشَارَةُ وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ قِصَّةٌ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَا قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مَقْرُونَةً بِالنُّطْقِ، وَقَوْلُهُ: كَالرَّامِي بِيَدِهِ أَيْ كَالَّذِي يَكُونُ بِيَدِهِ الشَّيْءُ قَدْ ضَمَّ أَصَابِعَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَمَاهُ فَانْتَشَرَتْ. الثَّانِي حَدِيثُ سَهْلٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو حَازِمٍ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ وَصَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ،

стр. 5531

عَنْ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ حَدثنَا أَبُو حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلًا أَخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ. قَوْلُهُ: (كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ) شَك مِنَ الرَّاوِي، وَاقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ عَلَى قَوْلِهِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (وَفَرَّقَ وَأَشَارَ سُفْيَانُ بِالسَّبَّابَةِ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَدِ انْقَضَى مِنْ يَوْمِ بَعْثَتِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا - يَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعمِائَةٍ - سَبْعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ الْمُقَارَبَةُ؟ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى قَدْرَ فَضْلِ الْوُسْطَى إِلَى السَّبَّابَةِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ أَشَرْتُ إِلَيْهِ. الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَالرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ - وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهْمٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَالْمَنَاقِبِ وَالْمَغَازِي مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَصَرَّحَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِاسْمِهِ وَلَفْظِهِ حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرِو أَبِي مَسْعُودٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ الْجِنِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَبَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ. الْخَامِسُ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي فَضْلِ كَافِلِ الْيَتِيمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِيهِ بِالسَّبَّابَةِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالسَّبَّاحَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى. ٢٦ - بَاب إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ ٥٣٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّعْرِيضِ، وَهُوَ ذِكْرُ شَيْءٍ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ لَمْ يُذْكَرْ، وَيُفَارِقُ الْكِنَايَةَ بِأَنَّهَا ذِكْرُ شَيْءٍ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحُدُودِ مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ، وَقَدِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: ذَكَرَ تَرْجَمَةَ التَّعْرِيضِ عَقِبَ تَرْجَمَةِ الْإِشَارَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إِفْهَامِ الْمَقْصُودِ، لَكِنَّ كَلَامَهُ يُشْعِرُ بِإِلْغَاءِ حُكْمِ التَّعْرِيضِ فَيَتَنَاقَضُ مَذْهَبُهُ فِي الْإِشَارَةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الَّتِي لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إِلَّا الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ، بِخِلَافِ التَّعْرِيضِ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَ فِيهِ إِمَّا رَاجِحٌ وَإِمَّا مُسَاوٍ فَافْتَرَقَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ اتَّهَمَ امْرَأَتَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِقَوْلِهِ وَجْهٌ غَيْرُ الْقَذْفِ لَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِحُكْمِ الْقَذْفِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ لَا يُعْطِي حُكْمَ التَّصْرِيحِ الْإِذْنَ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ بِالتَّعْرِيضِ لَا بِالتَّصْرِيحِ فَلَا يَجُوزُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْرَجَهُ أَبُو مُصْعَبٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَا الزُّهْرِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَمَالِكٌ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَطَرِيقُ ابْنِ وَهْبٍ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ. قَوْلُهُ: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ) كَذَا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ فَقَالَ

стр. 5532

عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ مَعًا، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ أَطْلَقَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظَ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، وَأَمَّا طَرِيقُ الْجَمْعِ فَهُوَ مَا صَنَعَهُ الْبُخَارِيُّ، وَيَتَأَيَّدُ أَيْضًا بِأَنَّ عَقِيلًا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ عَنْ وَاحِدٍ فَقَطْ كَسَعِيدٍ مَثَلًا لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَلِلنَّسَائِيِّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ الَّتِي عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَاسْمُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ ضَمْضَمُ بْنُ قَتَادَةَ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ قُطْبَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ هَرَمٍ أَنَّ مَدْلُوكًا حَدَّثَهَا إنَّ ضَمْضَمَ بْنَ قَتَادَةَ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ أَسْوَدُ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عِجْلٍ فَشَكَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَوْلُهُ: (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ صَرَخَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى اسْمِ الْغُلَامِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ أَيِ اسْتَنْكَرْتُهُ بِقَلْبِي وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنَهُ ابْنَهُ بِلِسَانِهِ وَإِلَّا لَكَانَ تَصْرِيحًا بِالنَّفْيِ لَا تَعْرِيضًا، وَوَجْهُ التَّعْرِيضِ، أَنَّهُ قَالَ غُلَامًا أَسْوَدَ أَيْ وَأَنَا أَبْيَضُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنِّي؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ شَرْحِهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفْتِي بِلَفْظٍ لَا يَقْتَضِي الْقَذْفَ وَبِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، فَمِنَ الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: إِذَا كَانَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَبْيَضَ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ: مَا الْحُكْمُ؟ وَمِنَ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: إِنَّ امْرَأَتِي أَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ وَأَنَا أَبْيَضُ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا، أَوْ يَزِيدُ فِيهِ مَثَلًا زَنَتْ فَيَكُونُ تَصْرِيحًا، وَالَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هُوَ الثَّانِي فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَقَدْ نَبَّهَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَضَعَتْهُ امْرَأَتُهُ لَيْسَ مِنْهُ حَدُّ قَذْف لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا وُطِئَتْ بشبهة أَوْ وَضَعَتْهُ مِنَ الزَّوْجِ الَّذِي قَبْلَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا. قَوْلُهُ: (قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ رُمْكٌ وَالْأَرْمَكُ الْأَبْيَضُ إِلَى حُمْرَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَمَلِ جَابِرٍ فِي الشَّروطِ. قَوْلُهُ: (فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ) بِوَزْنِ أَحْمَرَ. قَوْلُهُ: (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بِضَمِّ الْوَاوِ بِوَزْنِ حُمْرٍ، وَالْأَوْرَقُ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ لَيْسَ بِحَالِكٍ بَلْ يَمِيلُ إِلَى الْغَبَرَةِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ وَرْقَاءُ. قَوْلُهُ: (فَأَنَّى ذَلِكَ) بِفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْنُ الَّذِي خَالَفَهَا، هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْلٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ؟. قَوْلُهُ: (لَعَلَّ نَزَعَهُ عِرْقٌ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ لَعَلَّهُ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَجَزَمَ جَمْعٌ بِأَنَّ الصَّوَابَ النَّصْبُ أَيْ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ، وَقَالَ الصَّغَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ لَعَلَّهُ فَسَقَطَتِ الْهَاءِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وَيُؤَيِّدُ تَوْجِيهَهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْمَعْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أُصُولِهَا مَا هُوَ بِاللَّوْنِ الْمَذْكُورِ فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى لَوْنِهِ، وَادَّعَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ لَعَلَّ هُنَا لِلتَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ: (وَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ

стр. 5533

بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَلِغَيْرِهِ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَكَذَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ شَبَّهَهُ بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ أَيْ أَنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ، وَكَذَا مُعْرِقٌ فِي الْكَرْمِ أَوِ اللُّؤْمِ، وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ: نَزَعَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمَثَلِ، وَتَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ السَّائِلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصْلٌ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارُ بِالنَّظِيرِ ; وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: هُوَ تَشْبِيهٌ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ قَوِيَّةٍ. وَفِيهِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاءُ مِنْ وَلَدِهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ، وَأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَ أُمِّهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَةِ، وَلَا فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِتَفْصِيلٍ فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ قَرِينَةُ زِنًا لَمْ يَجُزِ النَّفْيُ، فَإِنِ اتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْنِ الرَّجُلِ الَّذِي اتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْيُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي اللِّعَانِ مَا يُقَوِّيهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّفْيِ مَعَ الْقَرِينَةِ مُطْلَقًا، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهُوَ عَكْسُ تَرْتِيبِ الْخِلَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ تَقْدِيمُ حُكْمِ الْفِرَاشِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ مُخَالَفَةَ الشَّبَهِ. وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ لِلْأَنْسَابِ وَإِبْقَائِهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَالزَّجْرُ عَنْ تَحْقِيقِ ظَنِّ السُّوءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ التَّسَلْسُلِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ بِحَادِثٍ. وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُثْبِتُ حُكْمَ الْقَذْفِ حَتَّى يَقَعَ التَّصْرِيحُ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةَ أَنَّ التَّعْرِيضَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَذْفُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنِ الْحُكْمِ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الرِّيبَةِ، فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَلُ أَذْعَنَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: التَّعْرِيضُ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ السُّؤَالِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي التَّعْرِيضِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَقْصِدُ الْأَذِيَّةَ الْمَحْضَةَ، وَالزَّوْجُ قَدْ يُعْذَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِيَانَةِ النَّسَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٧ - بَاب إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ ٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ فَأَحْلَفَهُمَا وَكَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْإِحْلَافِ هُنَا النُّطْقُ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: شَهَادَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ الْيَمِينِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا شَهَادَةٍ، وَانْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ اللِّعَانَ يُشْرَعُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ
следующие страницы →