← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7209–7248 · переход к 7214.

стр. 7209

أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ: عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ كَذَلِكَ، وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ مُخْتَصَرَةٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَفِيهَا مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ، بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ. وَقَدِ اعْتَرَضَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي تَخْرِيجِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَتَخْرِيجِهِ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُتَابَعَاتِ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَمُنْيَةُ الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا يَعْلَى هُنَا هِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَأَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا بَعْدَهَا كَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ، وَمُنْيَةُ أُمُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ هِيَ بِنْتُ جَابِرٍ عَمَّةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَقِيلَ أُخْتُهُ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ صَحَّفَهَا وَقَالَ: مُنَبِّهٌ بِفَتَخِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَأَغْرَبَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَقَالَ: منبه بِسُكُونِ النُّونِ أُمُّهُ، وَبِفَتْحِهَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَبُوهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي غَزَاةٍ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ بِلَفْظِ: جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ بِأَنَّ فِي بَابِ مَنْ أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ صُفْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ، وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَانَ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فَأَوْرَدَهُمَا مَعًا عَاطِفًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ غَالِبًا. قَوْلُهُ: (فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَا بِهَذَا الِاخْتِصَارِ الْمُجْحِفِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ: قَاتَلَ رَجُلٌ آخَرَ فَعَضَّ يَدَهُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَانْتَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ طُرُقِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَرَ سِلَاحًا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَذَا لَا يَضْمَنُ سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا، قَالُوا وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوضُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَشَرْطُ الْإِهْدَارِ أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَعْضُوضُ وَأَنْ لَا يُمْكِنَهُ تَخْلِيصُ يَدِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ فِي شِدْقَيْهِ أَوْ فَكِّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلَهَا، وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيصُ بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَلِ لَمْ يُهْدَرْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِنْذَارِ شِدَّةَ الْعَضِّ لَا النَّزْعَ فَيَكُونُ سُقُوطُ ثَنِيَّةِ الْعَاضِّ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمَعْضُوضِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِ الْيَدِ لَأَمْكَنَهُ أَنْ يُخَلِّصَ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ قَلْعٍ، وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْأَثْقَلِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَخَفِّ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَاضُّ قَصَدَ الْعُضْوَ نَفْسَهُ وَالَّذِي

стр. 7210

اسْتُحِقَّ فِي إِتْلَافِ ذَلِكَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَا فَعَلَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا مَا جَنَاهُ عَلَى الْآخَرِ، كَمَنْ قَلَعَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ أَسْنَانَهُ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَسَقَطَتْ عَقِبَ النَّزْعِ، وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ لَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي الْإِجَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ يَعْلَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْيِيدِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَكَذَا إِلْحَاقُ عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْفَمِ بِهِ فَإِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَوْ بَلَغَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا خَالَفَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَقَعْ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ. قُلْتُ: وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَأَمَّا طَرِيقُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَرَوَاهَا أَهْلُ الْحِجَازِ وَحَمَلَهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ، قَالَ وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَكَأَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يَتَكَلَّمِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا إِجْرَاءُ الْقِصَاصِ فِي الْعَضَّةِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعَضَّ هُنَا إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْقِصَاصِ فِي قَلْعِ السِّنِّ، لَكِنَّ الْجَوَابَ السَّدِيدَ فِي هَذَا أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لَا تَقْرِيرَ شَرْعٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْظِمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِأَنَّهُ أَدَّى إِلَى سُقُوطِ ثَنِيَّةِ الْغَضْبَانِ، لِأَنَّ يَعْلَى غَضِبَ مِنْ أَجِيرِهِ فَضَرَبَهُ فَدَفَعَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَضَّهُ يَعْلَى فَنَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّةُ الْعَاضِّ، وَلَوْلَا الِاسْتِرْسَالُ مَعَ الْغَضَبِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ اسْتِئْجَارُ الْحُرِّ لِلْخِدْمَةِ وَكِفَايَةُ مُؤْنَةِ الْعَمَلِ فِي الْغَزْوِ لَا لِيُقَاتِلَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجِهَادِ. وَفِيهِ رَفْعُ الْجِنَايَةِ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَقْتَصُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ بِالْجِنَايَةِ يَسْقُطُ مَا ثَبَتَ لَهُ قَبْلَهَا مِنْ جِنَايَةٍ إِذَا تَرَتَّبَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى. وَفِيهِ جَوَازُ تَشْبِيهِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ إِذَا وَقَعَ فِي مَقَامِ التَّنْفِيرِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَنْ صَحَّفَ قَوْلَهُ: كَمَا يَقْضَمُ الْفُجْلُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَقْلِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ. وَفِيهِ دَفْعُ الصَّائِلِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يَأْنَفُهُ أَوْ يَحْتَشِمُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ إِذَا حَكَاهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: فَعَلَ رَجُلٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذَا، وَكَذَا كَمَا وَقَعَ لِيَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكَمَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ حَيْثُ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: هَلْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَتَبَسَّمَتْ. ١٩ - بَاب ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ ٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ.

стр. 7211

قَوْلُهُ: (بَابُ السِّنِّ بِالسِّنِّ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى قَلْعِ السِّنِّ بِالسِّنِّ فِي الْعَمْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ عِظَامِ الْجَسَدِ فَقَالَ مَالِكٌ: فِيهَا الْقَوَدُ إِلَّا مَا كَانَ مُجَوَّفًا أَوْ كَانَ كَالْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا بِغَيْرِ إِنْكَارٍ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: السِّنُّ بِالسِّنِّ عَلَى إِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْعَظْمِ؛ لِأَنَّ السِّنَّ عَظْمٌ إِلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قِصَاصَ فِيهِ إِمَّا لِخَوْفِ ذَهَابِ النَّفْسِ وَإِمَّا لِعَدَمِ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ غَيْرِ السِّنِّ لِأَنَّ دُونَ الْعَظْمِ حَائِلًا مِنْ جِلْدٍ وَلَحْمٍ وَعَصَبٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُمَاثَلَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَتْ لَحَكَمْنَا بِالْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْعَظْمِ حَتَّى يَنَالَ مَا دُونَهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمِ الرَّأْسِ فَلْيَلْتَحِقْ بِهَا سَائِرُ الْعِظَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهَا كَسَرَتِ الثَّنِيَّةَ فَأُمِرَتْ بِالْقِصَاصِ مَعَ أَنَّ الْكَسْرَ لَا تَطَّرِدُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ. قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ) تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ عَمَّتُهُ، وَفِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ عَمَّةُ أَنَسٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ. قَوْلُهُ: (لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ امْرَأَةً بَدَلَ جَارِيَةٍ، وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ لَا الْأَمَةَ الرَّقِيقَةَ. قَوْلُهُ: (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ زَادَ فِي الصُّلْحِ: وَمِثْلُهُ لِابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ: فَطَلَبُوا إِلَيْهِمُ الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْأَرْشَ فَأَبَوْا، أَيْ: طَالَبَ أَهْلُ الرُّبَيِّعِ إِلَى أَهْلِ الَّتِي كُسِرَتْ ثَنِيَّتُهَا أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْكَسْرِ الْمَذْكُورِ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَامْتَنَعُوا، زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ . قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ) زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ إِلَى آخِرِ مَا حَكَيْتُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَقَبِلُوا الْأَرْشَ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ فَرَضَوْا بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَرَضِيَ أَهْلُ الْمَرْأَةِ بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ فَعَفَوْا فَعُرِفَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَعَفَوْا أَيْ عَلَى الدِّيَةِ، زَادَ مُعْتَمِرٌ فَعَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَيْ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ كَمْ مِنْ رَجُلٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ وَوَجْهُ تَعَجُّبِهِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ أَقْسَمَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ مَعَ إِصْرَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى إِيقَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَكَانَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ الْغَيْرَ الْعَفْوَ فَبَرَّ قَسَمُ أَنَسٍ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاتِّفَاقَ إِنَّمَا وَقَعَ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ لِأَنَسٍ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ وَيُعْطِيهِمْ أَرَبَهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قَوْلِهِ ﷺ : كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا وُضِعَ فِيهِ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ الْفِعْلِ أَيْ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ، أَوْ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالْقِصَاصُ بَدَلٌ مِنْهُ فَيُنْصَبُ، أَوْ يُنْصَبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ: الْمُرَادُ حُكْمُ كِتَابِ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْحُكْمُ أَيْ حُكْمُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ

стр. 7212

قِصَاصٌ﴾ فَعَاقِبُوا) وَقِيلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَقِيلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَرْفَعُهُ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِنْكَارُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ كَسْرَ سِنِّ الرُّبَيِّعِ مَعَ سَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الْأَمْرَ بِالْقِصَاصِ ثُمَّ قَالَ أَتُكْسَرُ سِنُّ الرُّبَيِّعِ؟ ثُمَّ أَقْسَمَ أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى التَّأْكِيدِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَعْفُوا عَنْهَا، وَقِيلَ كَانَ حَلِفُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَتْمٌ فَظَنَّ أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ أَوِ الْعَفْوِ، وَقِيلَ لَمْ يُرِدِ الْإِنْكَارَ الْمَحْضَ وَالرَّدَّ بَلْ قَالَهُ تَوَقُّعًا وَرَجَاءً مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنْ يُلْهِمَ الْخُصُومَ الرِّضَا حَتَّى يَعْفُوا أَوْ يَقْبَلُوا الْأَرْشَ، وَبِهَذَا جَزَمَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: لَمْ يَقُلْهُ رَدًّا لِلْحُكْمِ بَلْ نَفَى وُقُوعَهُ لِمَا كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِ فِي أُمُورِهِ وَالثِّقَةِ بِفَضْلِهِ أَنْ لَا يُخَيِّبَهُ فِيمَا حَلَفَ بِهِ وَلَا يُخَيِّبَ ظَنَّهُ فِيمَا أَرَادَهُ بِأَنْ يُلْهِمَهُمُ الْعَفْوَ، وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَرَادَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ فِيمَا يَظُنُّ وُقُوعَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْبَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، وَالشَّفَاعَةُ فِي الْعَفْوِ، وَأَنَّ الْخِيرَةَ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتُ الْقِصَاصِ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَفِي الْأَسْنَانِ. وَفِيهِ الصُّلْحُ عَلَى الدِّيَةِ، وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ فِي كَسْرِ السِّنِّ، وَمَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ التَّمَاثُلُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَكْسُورُ مَضْبُوطًا فَيَبْرُدُ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مَا يُقَابِلُهُ بِالْمِبْرَدِ مَثَلًا، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ كَيْفَ؟ فَقَالَ: يَبْرُدُ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْكَسْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْقَلْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. ٢٠ - بَاب دِيَةِ الْأَصَابِعِ ٦٨٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . . نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ دِيَةِ الْأَصَابِعِ) أَيْ هَلْ مُسْتَوِيَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ؟. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ، وَحَذَفَ لَفْظَةَ يَعْنِي وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَشْرٌ عَشْرٌ وَلِعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ: دِيَتُهُمَا سَوَاءٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ الْأَصَابِعُ وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ الْأَسْنَانُ وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَفِي لَفْظٍ أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ بَعَثَهُ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْأَصَابِعِ فَقَالَ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْيَدِ خَمْسِينَ وَكُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ، وَكَذَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ وَسَأَذْكُرُ سَنَدَهُ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ كُلُّهُنَّ فِيهِ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفَرَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَيْنِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) نَزَلَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا السَّنَدِ دَرَجَةً مِنْ أَجْلِ وُقُوعِ

стр. 7213

التَّصْرِيحِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: نَحْوَهُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ أَيْضًا لَكِنْ مَقْرُونًا بِهِ غُنْدَرٌ، وَالْقَطَّانُ بِلَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَلَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْخِنْصَرِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى عَشْرٌ عَشْرٌ وَفِي الْبِنْصِرِ تِسْعٌ وَفِي الْخِنْصَرِ سِتٌّ، وَمِثْلُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَفِي جَامِعِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: حَتَّى وَجَدَ عُمَرُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَكِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِيهِ: وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُطَوَّلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا نِصْفُ دِيَةِ الْيَدِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَ أَثَرِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبِنْصِرِ ثَمَانٍ وَفِي الْخِنْصَرِ سَبْعٌ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ كُنْتُ عِنْدَ شُرَيْحٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ الْإِبْهَامُ وَالْخِنْصَرُ، قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ السُّنَّةَ مَنَعَتِ الْقِيَاسَ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ أَنَّ مَرْوَانَ بَعَثَ أَبَا غَطَفَانَ الْمُزَنِيَّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: مَاذَا فِي الضِّرْسِ؟ فَقَالَ: خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، قَالَ: فَرَدَّنِي إِلَيْهِ: أَتَجْعَلُ مُقَدَّمَ الْفَمِ مِثْلَ الْأَضْرَاسِ؟ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَعْتَبِرْ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَصَابِعِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا خِلَافَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَرْوَانَ فِي الْأَصَابِعِ وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ لَا تُضْبَطُ كَمِّيَّتُهَا، فَإِذَا فَاقَ ضَبْطُهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى اعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ الِاسْمُ فَتَتَسَاوَى دِيَتُهَا وَإِنِ اخْتَلَفَ حَالُهَا وَمَنْفَعَتُهَا وَمَبْلَغُ فِعْلِهَا، فَإِنَّ لِلْإِبْهَامِ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِلْخِنْصَرِ وَمَعَ ذَلِكَ فَدِيَتُهُمَا سَوَاءٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْموَاضِحِ دِيَتُهَا سَوَاءٌ وَلَوِ اخْتَلَفَت فِي الْمِسَاحَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَسْنَانُ نَفْعُ بَعْضِهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَدِيَتُهَا سَوَاءٌ نَظَرًا لِلِاسْمِ فَقَطْ. وَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأ عَنْ رَبِيعَةَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ، قُلْتُ: فَفِي إِصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلْتُ: فَفِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ، قُلْتُ: فَفِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هِيَ السُّنَّةُ، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ لَكِنَّهَا عِنْدَهُ تُسَاوِيهِ فِيمَا كَانَ قَدْرَ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَمَا دُونَهُ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ رَجَعَتْ إِلَى حُكْمِ النِّصْفِ. ٢١ - بَاب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟ وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٌّ ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ وَقَالَا أَخْطَأْنَا فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا وَأُخِذَا بِدِيَةِ الْأَوَّلِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.

стр. 7214

٦٨٩٦ - وَقَالَ لِي ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ. . مِثْلَهُ. وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيٌّ، وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ. ٦٨٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: لَا تَلُدُّونِي، قَالَ فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُن أَنْ تَلُدُّونِي؟ قَالَ قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقَبُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ يُعَاقَبُونَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي أُخْرَى بِحَذْفِ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. وَقَوْلُهُ: أَوْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ أَيْ إِذَا قَتَلَ أَوْ جَرَحَ جَمَاعَةٌ شَخْصًا وَاحِدًا هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ يَتَعَيَّنُ وَاحِدًا لِيُقْتَصَّ مِنْهُ وَيُؤْخَذَ مِنَ الْبَاقِينَ الدِّيَةُ، فَالْمُرَادُ بِالْمُعَاقَبَةِ هُنَا الْمُكَافَأَةُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ يُقْتَلُ أَحَدُهُمَا وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآخَرِ الدِّيَةُ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ وُزِّعَتْ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ عَشَرَةٌ فَقُتِلَ وَاحِدٌ أُخِذَ مِنَ التِّسْعَةِ تُسْعُ الدِّيَةِ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: يَقْتُلُ الْوَلِيَّ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ إِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَيَعْفُو عَمَّنْ بَقِيَ، وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ يَسْقُطُ الْقَوَدُ وَيَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ؛ حُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزَّهْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يَكُونُ زَهُوقُهَا بِفِعْلِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَاتِلًا، وَمِثْلُهُ لَوِ اشْتَرَكُوا فِي رَفْعِ حَجَرٍ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَفَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَكُوا فِي أَكْلِ رَغِيفٍ فَإِنَّ الرَّغِيفَ يَتَبَعَّضُ حِسًّا وَمَعْنًى. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُطَرِّفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا عَلِيًّا فَشَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أَتَيَاهُ بِآخَرَ فَقَالَا: هَذَا الَّذِي سَرَقَ وَأَخْطَأْنَا عَلَى الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَأَغْرَمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا. ولَمْ أَقِفْ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَلَا عَلَى اسْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا، وَعُرِفَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يُجِزْ شَهَادَتَيْهِمَا عَلَى الْآخَرِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا فَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْإِبْطَالَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا مَعًا الْأُولَى لِإِقْرَارِهِمَا فِيهَا بِالْخَطَأ وَالثَّانِيَةُ لِكَوْنِهِمَا صَارَا مُتَّهَمَيْنِ، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَيَّنَتْ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي ابْنُ بَشَّارٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ الْمَعْرُوفُ بِبُنْدَارٍ وَيَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ. قَوْلُهُ: (أَنَّ غُلَامًا قَتَلَهُ غِيلَةً) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سِرًّا (فَقَالَ عُمَرُ لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِ وَهُوَ أَوْجَهٌ، وَالتَّأْنِيثُ عَلَى إِرَادَةِ النَّفْسِ، وَهَذَا الْأَثَرُ مَوْصُولٌ إِلَى عُمَرَ بِأَصَحِّ إِسْنَادٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ

стр. 7215

سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ بِرَجُلٍ إِلَخْ. وَأَخْرَجَهُ الْمُوَطَّأُ بِسَنَدٍ آخَرَ قَالَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا، وَرِوَايَةُ نَافِعٍ أَوْصَلُ وَأَوْضَحُ، وَقَوْلُهُ تَمَالَأَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ اللَّامُ وَمَعْنَاهُ تَوَافَقَ، وَالْأَثَرُ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ إِلَخْ) هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْأَثَرِ الَّذِي وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً بِصَنْعَاءَ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَتَرَكَ فِي حِجْرِهَا ابْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا غُلَامًا يُقَالُ لَهُ أُصَيْلٌ، فَاتَّخَذَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ زَوْجِهَا خَلِيلًا فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ يَفْضَحُنَا فَاقْتُلْهُ، فَأَبَى، فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، فَطَاوَعَهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَى قَتْلِ الْغُلَامِ الرَّجُلُ وَرَجُلٌ آخَرُ وَالْمَرْأَةُ وَخَادِمُهَا فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ قَطَّعُوهُ أَعْضَاءً وَجَعَلُوهُ فِي عَيْبَةٍ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ هِيَ وِعَاءٌ مِنْ أَدَمٍ - فَطَرَحُوهُ فِي رَكِيَّةٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، هِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمْ تَطْوَ - فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهِ: فَأُخِذَ خَلِيلُهَا فَاعْتَرَفَ ثُمَّ اعْتَرَفَ الْبَاقُونَ، فَكَتَبَ يَعْلَى وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِيرٌ بِشَأْنِهِمْ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ جَمِيعًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُمْ أَجْمَعِينَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ التَّرْهِيبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَفِيهِ: فَكَتَبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ عَامِلُ عُمَرَ عَلَى الْيَمَنِ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ نَحْوَهُ. وَفِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرُ هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَنَّهُ قُتِلَ غِيلَةً إِلَّا مَالِكٌ وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي فَوَائِدِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى أَبِي الْمُهَاجِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرَةَ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُسَابِقُ النَّاسَ كُلَّ سَنَةٍ بِأَيَّامٍ، فَلَمَّا قَدِمَ وَجَدَ مَعَ وَلِيدَتِهِ سَبْعَةَ رِجَالٍ يَشْرَبُونَ فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي اعْتِرَافِهِمْ وَكِتَابِ الْأَمِيرِ إِلَى عُمَرَ وَفِي جَوَابِهِ أَنِ اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ وَاقْتُلْهَا مَعَهُمْ فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ اشْتَرَكُوا فِي دَمِهِ لَقَتَلْتُهُمْ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ الْأُولَى وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِيهَا إِلَّا عَلَى اسْمِ الْغُلَامِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَحَكِيمٌ وَالِدُ الْمُغِيرَةِ صَنْعَانِيٌّ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ وَلَا اسْمَ وَالِدِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ. قَوْلُهُ: (وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيٌّ، وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ) أَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الصِّدِّيقُ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ لَطَمَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمًا رَجُلًا لَطْمَةً فَقِيلَ مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ قَطُّ هَنعَه وَلَطمَه، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي لِيَسْتَحْمِلَنِي فَحَمَّلْتُهُ فَإِذَا هُوَ يَتْبَعُهُمْ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أُحَمِّلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْتَصَّ، فَعَفَا الرَّجُلُ. وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُسَدَّدُ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنْ لَطْمَةٍ، وَأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ الْأَوَّلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ نَاجِيَةَ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ فِي رَجُلٍ لَطَمَ رَجُلًا فَقَالَ لِلْمَلْطُومِ اقْتَصَّ. وَأَمَّا أَثَرُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعًا، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَبَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ: عَجِلْتَ عَلَيَّ، فَأَعْطَاهُ الْمِخْفَقَةَ وَقَالَ: اقْتَصَّ، فَأَبَى، فَقَالَ لَتَفْعَلَنَّ، قَالَ: فَإِنِّي أَغْفِرُهَا. وَأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ الثَّانِي فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ بِكَسْرِ الْقَافِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ

стр. 7216

فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ اخْرُجْ فَاجْلِدْ هَذَا، فَجَاءَ الْمَجْلُودُ فَقَالَ: إِنَّهُ زَادَ عَلَيَّ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ فَقَالَ صَدَقَ قَالَ: خُذِ السَّوْطَ فَاجْلِدْهُ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ ثُمَّ قَالَ: يَا قَنْبَرُ إِذَا جَلَدْتَ فَلَا تَتَعَدَّ الْحُدُودَ. وَأَمَّا أَثَرُ شُرَيْحٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ: أَقِدْنِي مِنْ جِلْوَازِكَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ازْدَحَمُوا عَلَيْكَ فَضَرَبْتَهُ سَوْطًا فَأَقَادَهُ مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِ رِينَ قَالَ: اخْتَصَمَ إِلَيْهِ يَعْنِي شُرَيْحًا - عَبْدٌ جَرَحَ حُرًّا فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ لَطْمَةٍ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ لَطْمَةٍ وَخُمُوشٍ، وَالْخُمُوشُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةُ الْخُدُوشُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَالْخُمَاشَةُ مَا لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مَعْلُومٌ مِنَ الْجِرَاحَةِ. وَالْجِلْوَازُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَآخِرُهُ زَايٌ هُوَ الشُّرْطِيُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ حَمْلُ الْجِلَازِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِاللَّامِ الْخَفِيفَةِ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يُشَدُّ فِي السَّوْطِ، وَعَادَةُ الشُّرْطِيِّ أَنْ يَرْبِطَهُ فِي وَسَطِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ اللَّيْثُ، وَابْنُ الْقَاسِمِ: يُقَادُ مِنَ الضَّرْبِ بِالسَّوْطِ وَغَيْرِهِ إِلَّا اللَّطْمَةَ فِي الْعَيْنِ فَفِيهَا الْعُقُوبَةُ خَشْيَةً عَلَى الْعَيْنِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ: لَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ إِلَّا إِنْ جَرَحَتْ فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَالسَّبَبُ فِيهِ تَعَذُّرُ الْمُمَاثَلَةِ لِافْتِرَاقِ لَطْمَتَيِ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ فَيَجِبُ التَّعْزِيرُ بِمَا يَلِيقُ بِاللَّاطِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: بَالَغَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْقَوَدِ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّعْزِيرُ، وَذَهِلَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِجَرَيَانِ الْقَوَدِ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي اللُّدُودِ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي الْقِصَاصِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِهِ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ فَعَلَهُ قِصَاصًا لَا تَأْدِيبًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: يُقَادُ مِنَ اللَّطْمَةِ وَالسَّوْطِ، يَعْنِي وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْقِصَاصِ مِنَ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ إِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْأُمُورِ الْحَقِيرَةِ وَلَا يُعْدَلُ فِيهَا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى التَّأْدِيبِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْجِنَايَةِ سَوَاءٌ قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا فَإِنَّ نَصِيبَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَظِيمٌ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ لَا يَجْرِي فِيهِ الْقِصَاصُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ٢٢ - بَاب الْقَسَامَةِ. وَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقِدْ بِهَا مُعَاوِيَةُ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ - وَكَانَ أَمَّرَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ - فِي قَتِيلٍ وُجِدَ عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ: إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ بَيِّنَةً وَإِلَّا فَلَا تَظْلِمْ النَّاسَ فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْضَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ٦٨٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا. قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا. فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ، فَقَالَ لَهُمْ: تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا مَا لَنَا

стр. 7217

بَيِّنَةٌ. قَالَ فَيَحْلِفُونَ. قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطَلَّ دَمهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ. ٦٨٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ - مِنْ آلِ أَبِي قِلَابَةَ - "حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالَوا: نَقُولُ الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ. قَالَ لِي مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ رُءُوسُ الأَجْنَادِ وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى لَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصَ أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنْ الإِسْلَامِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي السَّرَقِ وَسَمَرَ الأَعْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَفَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟ قَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنْ الإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا. فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ فَقُلْتُ: أَتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ جِئْتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، وَاللَّهِ لَا يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَاحِبُنَا كَانَ تَحَدَّثَ مَعَنَا فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا فَإِذَا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِمَنْ تَظُنُّونَ - أَوْ تَرَوْنَ - قَتَلَهُ؟ قَالُوا: نَرَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنْ الْيَهُودِ مَا قَتَلُوهُ؟ فَقَالُوا:

стр. 7218

مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ. قَالَ: أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ. فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا خَلِيعًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ الْيَمَنِ بِالْبَطْحَاءِ فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا الْيَمَانِيَّ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ بِالْمَوْسِمِ وَقَالُوا: قَتَلَ صَاحِبَنَا. فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَدْ خَلَعُوهُ فَقَالَ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ. قَالَ فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ الشَّأْمِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ، فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدْخَلُوا مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ فَدَفَعَهُ إِلَى أَخِي الْمَقْتُولِ فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ، قَالُوا: فَانْطَلَقَا وَالْخَمْسُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ أَخَذَتْهُمْ السَّمَاءُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْهَجَمَ الْغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا، فَمَاتُوا جَمِيعًا وَأَفْلَتَ الْقَرِينَانِ وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي الْمَقْتُولِ، فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَقَادَ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمُحُوا مِنْ الدِّيوَانِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّأْمِ" قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَسَامَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً، وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إِذَا ادَّعَوُا الدَّمَ أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمُ الدَّمُ، وَخُصَّ الْقَسَمُ عَلَى الدَّمِ بِلَفْظِ الْقَسَامَةِ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَسَامَةُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ. وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْقَسَامَةُ الْجَمَاعَةُ يُقْسِمُونَ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ يَشْهَدُونَ بِهِ. وَيَمِينُ الْقَسَامَةِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِمْ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْأَيْمَانِ نَفْسِهَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا تَامًّا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ثُمَّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِهِ هُنَا إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الَّذِي يَبْدَأُ فِي يَمِينِ الْقَسَامَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقَدْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْقَافُ مِنْ أَقَادَ إِذَا اقْتَصَّ، وَقَدْ وَصَلَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ حَمَّادٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْقَسَامَةِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ بِهَا وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمْ يُقِدْ بِهَا وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ تَوَقَّفَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي ثُبُوتِهِ فَقَالَ: قَدْ صَحَّ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ أَقَادَ بِهَا، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو الزِّنَادِ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ. قُلْتُ: هُوَ فِي صَحِيفَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَلَا لَطْخٌ، فَأَجْمَعَ رَأْيُ النَّاسِ عَلَى أَنْ يَحْلِفَ وُلَاةَ الْمَقْتُولِ ثُمَّ يُسَلَّمُ إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُوهُ، فَرَكِبْتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: إِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ حَقًّا فَافْعَلْ مَا ذَكَرُوهُ، فَدَفَعْتُ الْكِتَابَ إِلَى سَعِيدٍ فَأَحْلَفَنَا خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْنَا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يُقِدْ بِهَا لَمَّا وَقَعَتْ لَهُ وَكَانَ الْحَكَمَ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا وَقَعَتْ لِغَيْرِهِ وَكَّلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَقَادَ بِهَا لِكَوْنِهِ أَذِنَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَمَسَّكَ مَالِكٌ بِقَوْلِ خَارِجَةَ الْمَذْكُورِ فَأَطْلَقَ أَنَّ الْقَوَدَ بِهَا إِجْمَاعٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ كَانَ يَرَى الْقَوَدَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ

стр. 7219

بِالْعَكْسِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْكَرَابِيسِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قِصَّةً أُخْرَى قَضَى فِيهَا مُعَاوِيَةُ بِالْقَسَامَةِ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالْقَتْلِ، وَقِصَّةً أُخْرَى لِمَرْوَانَ قَضَى فِيهَا بِالْقَتْلِ، وَقَضَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمِثْلِ قَضَاءِ أَبِيهِ. قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ قَالَ: كَتَبَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ فِي سُوقِ الْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵀ أَنَّ مِنَ الْقَضَايَا مَا لَا يُقْضَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لَمِنْهُنَّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قُشَيْرٍ، وَعَائِشٍ فَكَتَبَ فِيهِ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَهَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ، وَعَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهُوَ فَزَارِيٌّ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ. قَوْلُهُ فِي الْأَثَرِ الْمُعَلَّقِ (وَكَانَ أَمَّرَهُ) بِالتَّشْدِيدِ (عَلَى الْبَصْرَةِ). قُلْتُ: كَانَتْ وِلَايَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لِعَدِيٍّ عَلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَذَكَرَ خَلِيفَةُ أَنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَةٍ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ السَّمْنَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ فِي مُصَنَّفِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ فِي إِمْرَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِذَلِكَ لَمَّا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ رَجَعَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَلَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ قِصَّةِ أَبِي قِلَابَةَ حَيْثُ احْتَجَّ عَلَى عَدَمِ الْقَوَدِ بِهَا، فَكَأَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَدَعَ الْقَسَامَةَ، يَأْتِي رَجُلٌ مِنْ أَرْضِ كَذَا وَآخَرُ مِنْ أَرْضِ كَذَا فَيَحْلِفُونَ عَلَى مَا لَا يَرَوْنَ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ إِنْ تَتْرُكْهَا يُوشِكْ أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ عِنْدَ بَابِكَ فَيَبْطُلُ دَمُهُ، وَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي الْقَسَامَةِ لَحَيَاةً، وَسَبَقَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى إِنْكَارِ الْقَسَامَةِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَالَقَوْمٍ يَحْلِفُونَ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَحْضُرُوهُ، وَلَوْ كَانَ لِي أَمْرٌ لَعَاقَبْتُهُمْ وَلَجَعَلْتُهُمْ نَكَالًا وَلَمْ أَقْبَلْ لَهُمْ شَهَادَةً وَهَذَا يَقْدَحُ فِي نَقْلِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ فَإِنَّ سَالِمًا مِنْ أَجَلِّ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا يُقَادُ بِهَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْقَوَدُ بِالْقَسَامَةِ جَوْرٌ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَسَامَةَ شَيْئًا. وَمُحَصَّلُ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَسَامَةِ هَلْ يُعْمَلُ بِهَا أَوْ لَا؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ تُوجِبُ الْقَوَدَ أَوِ الدِّيَةَ، وَهَلْ يُبْدَأُ بِالْمُدَّعِينَ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؟ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي شَرْطِهَا. قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) هُوَ الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ يُكْنَى أَبَا هُذَيْلٍ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَكَابِرِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الرَّاوِي عَنْهُ هُنَا هُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ: كَانَ شُعْبَةُ يَتَمَنَّى لِقَاءَهُ، وَفِي طَبَقَتِهِ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْهُنَائِيُّ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَهَمْزٍ وَمَدٍّ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ بُشَيْرٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ ابْنُ يَسَارٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ لَا أَعْرِفُ اسْمَ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ مَوَالِي بَنِي حَارِثَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَقِيهًا أَدْرَكَ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَكَنَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَبَا كَيْسَانَ. قَوْلُهُ: (زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ زَعَمَ بَلْ عِنْدَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، وَكَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَاسْمُ أَبِي حَثْمَةَ عَامِرُ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَامِرٍ وَيُقَالُ

стр. 7220

اسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ فَاشْتَهَرَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بَطْنٍ مِنَ الْأَوْسِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ) سَمَّى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ، فَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يَحْيَى بِهَذَا السَّنَدِ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ. وَفِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ انْطَلَقَا، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا قَالَا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَنَحْوُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَافِعًا. وَلَفْظُهُ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ انْطَلَقَ هُوَ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَسْنَدَهُ فِي آخِرِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مُسَمًّى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ: عَنْ سَهْلٍ، وَرَافِعٍ، وَسُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِيهِمْ فِي بَنِي حَارِثَةَ فَذَكَرَ بُشَيْرٌ عَنْهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ خَرَجَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَمُحَيِّصَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ وَكَذَا ضَبْطُ أَخِيهِ حُوَيِّصَةَ وَحُكِيَ التَّخْفِيفُ فِي الِاسْمَيْنِ مَعًا وَرَجَّحَهُ طَائِفَةٌ. قَوْلُهُ: (انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ انْطَلَقَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا تَابِعٌ لَهُمَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ محمد بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فِي أَصْحَابٍ لَهُ يَمْتَارُونَ تَمْرًا، زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ يَوْمئِذٍ صُلْحٌ وَأَهْلُهَا يَهُودُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ فَتْحِهَا، فَإِنَّهَا لَمَّا فُتِحَتْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَهَا فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي الْمَزَارِعِ بِالشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ. قَوْلُهُ: (فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا) فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا أَيْ يَضْطَرِبُ فَيَتَمَرَّغُ فِي دَمِهِ فَدَفَنَهُ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَإِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ مَقْتُولًا فِي سِرْبِهِ فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ بِفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ حَفِيرَةٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا لِلَّذِينَ وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى فَأَتَى مُحَيِّصَةُ يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ. قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَتَى أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ قُتِلَ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ثُمَّ أَقْبَلَ مُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، زَادَ أَبُو لَيْلَى فِي رِوَايَتِهِ وَهُوَ - أَيْ حُوَيِّصَةُ - أَكْبَرُ مِنْهُ، أَيْ مِنْ مُحَيِّصَةَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاءِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، زَادَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ بشيرٍ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرِ الْكُبْرَ. الْأُولَى أَمْرٌ وَالْأُخْرَى

стр. 7221

كَالْأَوَّلِ. وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَزَادَ أَوْ قَالَ يَبْدَأُ الْأَكْبَرُ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ كَبِّرْ كَبِّرْ بِتَكْرَارِ الْأَمْرِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى وَزَادَ يُرِيدُ السِّنَّ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَسَكَتَ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ وَتَكَلَّمَا. قَوْلُهُ: (تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَلَا فِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ الْآتِيَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ لِلْبَيِّنَةِ ذِكْرٌ وَإِنَّمَا قَالَ يَحْيَى فِي رِوَايَةِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ هَذِهِ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْهُ أَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا تَحْلِفُونَ، فَبَدَأَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِنَّهُ وَهْمٌ، كَذَا جَزَمَ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَا يُثْبِتُ أَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ فِي الْأَيْمَانِ أَوِ الْيَهُودَ، فَيُقَالُ لَهُ إِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّهُ قَدَّمَ الْأَنْصَارَ فَيَقُولُ هُوَ ذَاكَ وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ فَقَالُوا لَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ أَنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ أَتَرْضَوْنَ نَفْلَ خَمْسِينَ مِنَ الْيَهُودِ مَا قَتَلُوهُ وَنَفْلٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ يَأْتِي شَرْحُهُ، وَزَادَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْهُ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ مَا شَهِدْنَا وَلَا حَضَرْنَا. قَوْلُهُ: (قَالَ فَيَحْلِفُونَ، قَالُوا لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى فَقَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا أَيْ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ بِأَنْ يَحْلِفُوهُمْ فَإِذَا حَلَفُوا انْتَهَتِ الْخُصُومَةُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَخُلِّصْتُمْ أَنْتُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ، قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ نَقْبَلُ بَدَلَ نَأْخُذُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ كَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ عَرْضَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعِينَ كَمَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ طَلَبُ الْبَيِّنَةِ أَوَّلًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ حَفِظَ أَحَدُهُمْ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ فَامْتَنَعُوا، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ ذِكْرَ الْبَيِّنَةِ وَهْمٌ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَيْبَرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَدَعْوَى نَفْيِ الْعِلْمِ مَرْدُودَةٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْ مَعَ الْيَهُودِ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي نَفْسِ الْقِصَّةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا يَمْتَارُونَ تَمْرًا، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ أُخْرَى خَرَجُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ شَاهِدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الْأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرُمَّتِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّى أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ؟ قَالَ فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً، قَالَ فَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ، قَالَ تَسْتَحْلِفُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، قَالَ كَيْفَ وَهُمْ يَهُودُ وَهَذَا السَّنَدُ صَحِيحٌ حَسَنٌ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْحَمْلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِخَيْبَرَ مَقْتُولًا، فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هُمُ الْيَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. قَوْلُهُ: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطَلَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ

стр. 7222

اللَّامِ أَيْ يُهْدَرُ. قَوْلُهُ: (فَوَدَاهُ مِائَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمِائَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي لَيْلَى فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ قِبَلِهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَى عَقْلَهُ. قَوْلُهُ: (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ لِتَصْرِيحِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِهِ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ بِمَالٍ دَفَعَهُ مِنْ عِنْدِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِهِ أَيْ بَيْتِ الْمَالِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَجَّانًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ فَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ. قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي لَاسٍ قَالَ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِي الْحَجِّ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْعِنْدِيَّةِ كَوْنُهَا تَحْتَ أَمْرِهِ وَحُكْمِهِ، وَلِلِاحْتِرَازِ مِنْ جَعْلِ دِيَتِهِ عَلَى الْيَهُودِ أَوْ غَيْرِهِمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَعَلَ ﷺ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى كَرَمِهِ وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ وَجَلْبًا لِلْمَصْلَحَةِ وَدَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْلِيفِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، وَرِوَايَةُ مَنْ قَالَ مِنْ عِنْدِهِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا غَلَطٌ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَغْلَطَ الرَّاوِي مَا أَمْكَنَ، فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنْهَا فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ: أَنْ يَكُونَ تَسَلَّفَ ذَلِكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَدْفَعَهُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، أَوْ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْقَتِيلِ كَانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُمْ، أَوْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ وَاسْتِجْلَابًا لِلْيَهُودِ، انْتَهَى. وَزَادَ أَبُو لَيْلَى فِي رِوَايَتِهِ قَالَ سَهْلٌ فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى أَدْرَكَتْهُ نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بْنِ بِلَالٍ لَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى نَاقَةَ بَكْرَةَ مِنْهَا حَمْرَاءُ ضَرَبَتْنِي وَأَنَا أَحُوزُهَا، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَسَامَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَبِهِ أَخَذَ كَافَّةُ الْأَئِمَّةِ وَالسَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَفُقَهَاءِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي صُورَةِ الْأَخْذِ بِهِ، وَرُوِيَ التَّوَقُّفُ عَنِ الْأَخْذِ بِهِ عَنْ طَائِفَةٍ فَلَمْ يَرَوُا الْقَسَامَةَ وَلَا أَثْبَتُوا بِهَا فِي الشَّرْعِ حُكْمًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَتَادَةَ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ وَإِلَيْهِ يَنْحُو الْبُخَارِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ. قُلْتُ: وَهَذَا يُنَافِي مَا صَدَرَ بِهِ كَلَامُهُ أَنَّ كَافَّةَ الْأَئِمَّةِ أَخَذُوا بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي، قَالَ: وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِي الْعَمْدِ هَلْ يَجِبُ بِهَا الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ؟ فَمَذْهَبُ مُعْظَمِ الْحِجَازِيِّينَ إِيجَابُ الْقَوَدِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهَا، وَهُوَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: قَتَلْنَا بِالْقَسَامَةِ وَالصَّحَابَة مُتَوَافِرُونَ، إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ فَمَا اخْتَلَفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ. قُلْتُ: إِنَّمَا نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَأَبُو الزِّنَادِ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ رَأَى عِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ أَلْفٍ. ثُمَّ

стр. 7223

قَالَ الْقَاضِي: وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ: يَعْنِي مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَإِنَّ مَجِيئَهُ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ لَا يُدْفَعُ، وَفِيهِ تَبْرِئَةُ الْمُدَّعِينَ ثُمَّ رَدُّهَا حِينَ أَبَوْا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا الْقَسَامَةَ، وَيَقُولُ مَالِكٌ: أَجْمَعَتِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِينَ يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَةِ، وَلِأَنَّ جَنَبَةَ الْمُدَّعِي إِذَا قَوِيَتْ بِشَهَادَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ صَارَتِ الْيَمِينُ لَهُ. وَهَاهُنَا الشُّبْهَةُ قَوِيَّةٌ، وَقَالُوا هَذِهِ سُنَّةٌ بِحِيَالِهَا وَأَصْلٌ قَائِمٌ بِرَأْسِهِ لِحَيَاةِ النَّاسِ وَرَدْعِ الْمُعْتَدِينَ، وَخَالَفَتِ الدَّعَاوَى فِي الْأَمْوَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا، وَكُلُّ أَصْلٍ يُتَّبَعُ وَيُسْتَعْمَلُ وَلَا تُطْرَحُ سُنَّةٌ لِسُنَّةٍ، وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ - يَعْنِي الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنَّهُ وَهْمٌ مِنْ رِوَايَةٍ أَسْقَطَ مِنَ السِّيَاقِ تَبْرِئَةَ الْمُدَّعِينَ بِالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ رَدَّ الْيَمِينِ، وَاشْتَمَلَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَلَى زِيَادَةٍ مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا وَهِيَ تَقْضِي عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَصْلُ فِي الدَّعَاوَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَحُكْمَ الْقَسَامَةِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لِتَعَذُّرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَتْلِ فِيهَا غَالِبًا، فَإِنَّ الْقَاصِدَ لِلْقَتْلِ يَقْصِدُ الْخَلْوَةَ وَيَتَرَصَّدُ الْغَفْلَةَ، وَتَأَيَّدَتْ بِذَلِكَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا الْقَسَامَةَ عَلَى الْأَصْلِ، ثُمَّ لَيْسَ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنِ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقَسَامَةِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِاللَّوْثِ الَّذِي يُقَوِّي دَعْوَاهُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَذَهَبَ مَنْ قَالَ بِالدِّيَةِ إِلَى تَقْدِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِينِ، إِلَّا الشَّافِعِيَّ، وَأَحْمَدَ فَقَالَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: يُبْدَأُ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ وَرَدِّهَا إِنْ أَبَوْا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ بِعَكْسِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ يَسْتَحْلِفُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ خَمْسون رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَاه مَنْ قَتَلَهُ. فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتُهُمْ عَنْ عَدَدٍ أَوْ نَكَلُوا حَلَفَ الْمُدَّعُونَ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَاسْتَحَقُّوا، فَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتُهُمْ قَادَهُ دِيَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ: ثُمَّ يُبْدَأُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فَإِنْ حَلَفُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَا حَلَفُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ، وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا شُبْهَةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْحُكْمُ بِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَصْوِيرِ الشُّبْهَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ فَذَكَرَهَا، وَمُلَخَّصُهَا: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ أَوْ جُرْحٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُمَا. وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْأَثَرَ أَوِ الْجُرْحَ، وَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِقِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا أَنَّ الرَّجُلَ حَيٌّ فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ، وَتُعُقِّبَ بِخَفَاءِ الدَّلَالَةِ مِنْهَا، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي رَدِّ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْقَاتِلَ يَتَطَلَّبُ حَالَةَ غَفْلَةِ النَّاسِ فَتَتَعَذَّرُ الْبَيِّنَةُ، فَلَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ الْمَضْرُوبِ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِهْدَارِ دَمِهِ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَتَحَرَّى فِيهَا اجْتِنَابَ الْكَذِبِ وَيَتَزَوَّدُ فِيهَا مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي فِي حَالَةِ الْمُحْتَضَرِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْهَدَ مَنْ لَا يَكْمُلُ النِّصَابُ بِشَهَادَتِهِ كَالْوَاحِدِ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ قَالَ بِهَا الْمَذْكُورَانِ وَوَافَقَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ بِالضَّرْبِ ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ يَمُوتُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ إِفَاقَةٍ، فَقَالَ الْمَذْكُورَانِ: تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُوجَدَ مَقْتُولٌ وَعِنْدَهُ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَنْ بِيَدِهِ آلَةُ الْقَتْلِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الدَّمِ مَثَلًا وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ فَتُشْرَعُ فِيهِ الْقَسَامَةُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ أَنْ تَفْتَرِقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ. الْخَامِسَةُ: أَنْ يَقْتَتِلَ طَائِفَتَانِ فَيُوجَدَ بَيْنَهُمَا قَتِيلٌ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ تَخْتَصُّ الْقَسَامَةُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ هُوَ مِنْهَا إِلَّا إِنْ كَانَ

стр. 7224

مِنْ غَيْرِهِمَا فَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ. السَّادِسَةُ: الْمَقْتُولُ فِي الزَّحْمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. السَّابِعَةُ: أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَلَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عِنْدَهُمْ سِوَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَشَرْطُهَا عِنْدَهُمْ إِلَّا الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُوجَدَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ، وَقَالَ دَاوُدُ: لَا تُجْرَى الْقَسَامَةُ إِلَّا فِي الْعَمْدِ عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ وَهُمْ أَعْدَاءٌ لِلْمَقْتُولِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ هَدَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ وَيُلْقَى فِي الْمَحَلَّةِ لِيُتَّهَمُوا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَيُتَّجَهُ فِيهَا الْقَسَامَةُ لِوُجُودِ الْعَدَاوَةِ. وَلَمْ تَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ إِلَّا هَذِهِ الصُّورَةَ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْقِيَاسُ عَلَى هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَالْجَامِعُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالدَّعْوَى شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعَى فَيُقْسِمُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَتِيلَ إِذَا وُجِدَ فِي مَحَلٍّ فَادَّعَى وَلِيُّهُ عَلَى خَمْسِينَ نَفْسًا مِنْ مَوْضِعِ قَتْلِهِ فَحَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا: مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَمْسِينَ كَرَّرَ الْأَيْمَانَ عَلَى مَنْ وَجَدَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى بَقِيَّةِ أَهْلِ الْخُطَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْلَفَ خَمْسِينَ نَفْسًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَيْهِمْ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا أَقَرُّوا بِالْخَطَأ وَأَنْكَرُوا الْعَمْدَ وَبِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَ الْأُصُولَ وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا فَكَيْفَ احْتَجُّوا بِمَا خَالَفَ الْأُصُولَ بِخَبَرِ وَاحِدٍ مَوْقُوفٍ وَأَوْجَبُوا الْيَمِينَ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَوَدِ فِي الْقَسَامَةِ لِقَوْلِهِ: فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى دَمَ صَاحِبِكُمْ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الِاسْتِدْلَالُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ أَقْوَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: دَمَ صَاحِبِكُمْ لِأَنَّ قَوْلَهُ: يُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي دَفْعِ الْقَاتِلِ لِلْأَوْلِيَاءِ لِلْقَتْلِ، وَلَوْ أَنَّ الْوَاجِبَ الدِّيَةُ لَبَعُدَ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي تَسْلِيمِ الْقَاتِلِ أَظْهَرُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ: دَمَ صَاحِبِكُمْ أَظْهَرُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: قَاتِلِكُمْ أَوْ صَاحِبِكُمْ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِضْمَارٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضْمَرَ دِيَةُ صَاحِبِكُمْ احْتِمَالًا ظَاهِرًا، وَأَمَّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالدِّيَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ اللَّفْظِ بِإِضْمَارٍ بَدَلَ دَمِ صَاحِبِكُمْ وَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى إِضْمَارٍ لَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِي إِرَاقَةَ الدَّمِ أَقْرَبَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: دَمَ صَاحِبِكُمْ هُوَ الْقَتِيلَ لَا الْقَاتِلَ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ: دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَالُ بِلَفْظٍ مِنْهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ أَنَّهُ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوَدِ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَضَى بِهَا بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ فِي الْقَسَامَةِ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ قَالَ: إِنَّ سَهْلًا يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَثْمَةَ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ إِنَّهُ قَدْ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، قَالَ فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذَا رَدَّهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَيُعَارِضُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي خُزَاعَةَ أَنَّهُ قُتِلَ فِيهِمْ قَتِيلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ الْقَسَامَةَ عَلَى خُزَاعَةَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا فَحَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ وَغَرِمَ الدِّيَةَ، وَعَمْرٌو مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ بَيْنَ

стр. 7225

ظَهْرَيْ قَوْمٍ أَقْسَمَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا، فَإِنْ عَجَزَتِ الْأَيْمَانُ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَقَلُوا، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ فِيهَا إِلَّا الدِّيَةُ بِمَا أَخْرَجَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ: وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا وَجَدْتُمُوهُ إِلَيْهِ أَقْرَبَ فَأَحْلِفُوهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَغْرِمُوهُمُ الدِّيَةَ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ خَيْرَانَ وَوَادِعَةَ أَنْ يُقَاسَ مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ أُخْرِجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا حَتَّى يُوَافُوهُ مَكَّةَ فَأَدْخَلَهُمُ الْحِجْرَ فَأَحْلَفَهُمْ ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ فَقَالَ: حَقَنَتْ أَيْمَانُكُمْ دِمَاءَكُمْ وَلَا يُطَلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَخَذَهُ الشَّعْبِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَالْحَارِثُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، انْتَهَى. وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ حَيَّيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقَاسَ إِلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ، فَأَلْقَى دِيَتَهُ عَلَى الْأَقْرَبِ، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ: أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ فَلِمَ تَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا؟ فَسَكَتَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْقَسَامَةُ تُوجِبُ الْعَقْلَ وَلَا تُسْقِطُ الدَّمَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى جَوَازِ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ ادَّعَوْا عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا صَاحِبَهُمْ وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ دَعْوَاهُمْ، وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَنْصَارُ أَوَّلًا لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الدَّعْوَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا إِذَا لَمْ يَحْضُرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَذَّرَ حُضُورُهُ، سَلَّمْنَا، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الدَّعْوَى إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى وَاحِدٍ لِقَوْلِهِ: تُقْسِمُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَشْهُورٌ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَخْتَصُّ الْقَتْلُ بِوَاحِدٍ أَوْ يُقْتَلُ الْكُلُّ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى جَمَاعَةٍ وَيَخْتَارُوا وَاحِدًا لِلْقَتْلِ وَيُسْجَنُ الْبَاقُونَ عَامًا وَيُضْرَبُونَ مِائَةً مِائَةً، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَلِفَ فِي الْقَسَامَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْجَزْمِ بِالْقَاتِلِ، وَالطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ وَإِخْبَارُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مَعَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَتَّى يُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالْحَنَفِيَّةِ يُقْضَى عَلَيْهِ دُونَ رَدِّ الْيَمِينِ. وَفِيهِ أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ خَمْسُونَ يَمِينًا وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ الْحَالِفِينَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ حَتَّى يَحْلِفَ الْوَرَثَةُ خَمْسِينَ يَمِينًا سَوَاءٌ قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا فَلَوْ كَانَ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْبَاقِينَ فَإِنْ لَمْ يكنْ إِلَّا وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ أَوْ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا ضُمَّ إِلَيْهِ آخَرُ مِنَ الْعَصَبَةِ وَلَا يُسْتَعَانُ بِغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ، وَقَالَ اللَّيْثُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّهَا تَنْزِلُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ نَقَصَ الْقَسَامَةَ عَنْ خَمْسِينَ مُعَاوِيَةُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ ثُمَّ رَدَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ لَا مَا إِذَا كَانَ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِتَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِمَّا لِأَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ مُتَأَهِّلًا فَأَقَامَ الْحَاكِمُ قَرِيبَهُ مَقَامَهُ فِي الدَّعْوَى وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ التَّأْنِيسُ وَالتَّسْلِيَةُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ لَا أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْغَائِبِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ صُورَةُ دَعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِمَا وَقَعَ فَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ الْحُكْمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ

стр. 7226

وَمِنْ ثَمَّ كَتَبَ إِلَى الْيَهُودِ بَعْدَ أَنْ دَارَ بَيْنَهُمُ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى لَا تُوجِبُ إِحْضَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي إِحْضَارِهِ مَشْغَلَةً عَنْ إشْغَالِهِ وَتَضْيِيعًا لِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ ثَابِتٍ لِذَلِكَ، أَمَّا لَوْ ظَهَرَ مَا يُقَوِّي الدَّعْوَى مِنْ شُبْهَةٍ ظَاهِرَةٍ فَهَلْ يَسُوغُ اسْتِحْضَارُ الْخَصْمِ أَوْ لَا؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَشِدَّةِ الضَّرَرِ وَخِفَّتِهِ. وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ إِمْكَانِ الْمُشَافَهَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ قَبْلَ تَوْجِيهِهَا مِنَ الْحَاكِمِ لَا أَثَرَ لَهَا لِقَوْلِ الْيَهُودِ فِي جَوَابِهِمْ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَا، وَفِي قَوْلِهِمْ: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ اسْتِبْعَاد لِصِدْقِهِمْ لِمَا عَرَفُوهُ مِنْ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى الْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَىَ فِي الْقَسَامَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ عَدَاوَةٍ أَوْ لَوْثٍ، وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَوْ لَمْ تُوجِبِ الْقَسَامَةَ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، وَبِسَمَاعِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَتُسْمَعُ وَيُسْتَحْلَفُ وَقَدْ يُقِرُّ فَيَثْبُتُ الْحَقُّ فِي قَتْلِهِ وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، فَلَوْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُرَدُّ الْيَمِينُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِينَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِذَا نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَرِيبًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا وَلَا بَالِغًا لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: خَمْسِينَ مِنْكُمْ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْقَسَامَةِ الْقَتْلُ وَلَا يُسْمَعُ مِنَ النِّسَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا الْوَارِثُ الْبَالِغُ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى حُكْمِيَّةٍ فَكَانَتْ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقَسَامَةِ هَلْ هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى فَيُقَاسَ عَلَيْهَا أَوْ لَا؟ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ خَفِيٌّ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمَبْدَأَ فِيهَا يَمِينُ الْمُدَّعِي فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ. (تَنْبِيهٌ): نَبَّهَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ عَلَى النُّكْتَةِ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُورِدْ فِي هَذَا الْبَابِ الطَّرِيقَ الدَّالَّةَ عَلَى تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي، وَهِيَ مِمَّا خَالَفَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ بَقِيَّةَ الْحُقُوقِ فَقَالَ: مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ تَضْعِيفُ الْقَسَامَةِ، فَلِهَذَا صَدَّرَ الْبَابَ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَ طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَإِلْزَامُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْقَسَامَةِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ الدَّالَّ عَلَى خُرُوجِهَا عَنِ الْقَوَاعِدِ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ فِي كِتَابِ الْمُوَادَعَةِ وَالْجِزْيَةِ فِرَارًا مِنْ أَنْ يَذْكُرَهَا هُنَا فَيَغْلَطُ الْمُسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى اعْتِقَادِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَهَذَا الْإِخْفَاءُ مَعَ صِحَّةِ الْقَصْدِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يُضَعِّفُ الْقَسَامَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ، بَلْ يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ فِي أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَيُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الَّذِي يَحْلِفُ فِيهَا هُوَ الْمُدَّعِي، بَلْ يَرَى أَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِ وَيَهُودِ خَيْبَرَ فَيُرَدُّ الْمُخْتَلَفُ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ وَطَرِيقَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي بَابٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَضْعِيفُ أَصْلِ الْقَسَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَاسْتِعْظَامٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْدَءُوا بِطَلَبِ الْيَمِينِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ وَتَشْرِيعٍ. قَوْلُهُ: (أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَسَدِيُّ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عُلَيَّةَ وَاسْمُ جَدِّهِ مِقْسَمٌ وَهُوَ الثِّقَةُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ مَوَالِيهِمْ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ هُوَ

стр. 7227

الْمَعْرُوفُ بِالصَّوَافِّ، وَاسْمُ أَبِي عُثْمَانَ مَيْسَرَةُ وَقِيلَ سَالِمٌ، وَكُنْيَةُ الْحَجَّاجِ أَبُو الصَّلْتِ وَيُقَالُ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَيْضًا، وَهُوَ مَوْلَى بَنِي كِنْدَةَ، وَأَبُو رَجَاءٍ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ وَهُوَ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ، وَوَقَعَ هُنَا مِنْ آلِ أَبِي قِلَابَةَ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ الْوَلَاءِ لَا بِالْأَصَالَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) يَعْنِي الْخَلِيفَةَ الْمَشْهُورَ (أَبْرَزَ سَرِيرَهُ) أَيْ أَظْهَرَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ وَهُوَ بِالشَّامِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّرِيرِ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْخُلَفَاءِ الِاخْتِصَاصَ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الدَّارِ لَا إِلَى الشَّارِعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: أَذِنَ لِلنَّاسِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ كُنْتُ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَوْلُهُ: (مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ) زَادَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَضَبَّ النَّاسُ أَيْ سَكَتُوا مُطْرِقِينَ، يُقَالُ أَضَبُّوا إِذَا سَكَتُوا وَأَضَبُّوا إِذَا تَكَلَّمُوا، وَأَصْلُ أَضَبَّ أَضْمَرَ مَا فِي قَلْبِهِ، وَيُقَالُ: أَضَبَّ عَلَى الشَّيْءِ لَزِمَهُ، وَالِاسْمُ الضَّبُّ كَالْحَيَوَانِ الْمَشْهُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا رَأْيَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي إِنْكَارِ الْقَسَامَةِ فَلَمَّا سَأَلَهُمْ سَكَتُوا مُضْمِرِينَ مُخَالَفَتَهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالُوا نَقُولُ الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، لَكِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَقَادَ بِهَا ثُمَّ نَدِمَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو قِلَابَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَحَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْقَسَامَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَقٌّ، قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَضَى بِهَا الْخُلَفَاءُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَصْلُهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ لِي مَا تَقُولُ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ لِي يَا أَبَا قِلَابَةَ مَا تَقُولُ. قَوْلُهُ: (وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ) أَيْ أَبْرَزَنِي لِمُنَاظَرَتِهِمْ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ خَلْفَ السَّرِيرِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَظْهَرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَأَبُو قِلَابَةَ خَلْفَ السَّرِيرِ قَاعِدًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ. قَوْلُهُ: (عِنْدَكَ رُءُوسُ الْأَجْنَادِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ جَمْعُ جُنْدٍ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْأَنْصَارُ وَالْأَعْوَانُ ثُمَّ اشْتَهَرَ فِي الْمُقَاتَلَةِ، وَكَانَ عُمَرُ قَسَّمَ الشَّامَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمَعَاذٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمَرَاءٍ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ جُنْدٌ، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ فِلَسْطِينَ وَدِمَشْقَ وَحِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ يُسَمَّى جُنْدًا بِاسْمِ الْجُنْدِ الَّذِي نَزَلُوهَا، وَقِيلَ كَانَ الرَّابِعُ الْأُرْدُنَّ وَإِنَّمَا أُفْرِدَتْ قِنَّسْرِينُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الطِّبِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الطَّاعُونِ لَمَّا خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ فَلَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ. وَلِابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ فِي غَسْلِ الْأَعْقَابِ قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. قَوْلُهُ: (وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ وَأَشْرَافُ النَّاسِ. قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ شَهِدَ عِنْدَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ قَالَ: لَا، قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ لَا وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي مَرْفُوعًا فِي أَوَّلِ الدِّيَاتِ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي إِحْدَى) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ إِلَّا بِإِحْدَى. قَوْلُهُ: (بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ) أَيْ بِجِنَايَتِهَا.

стр. 7228

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْقَوْمُ أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسٌ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ فَقَالَ عَنْبَسَةُ قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: فَأَيْنَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْعُكْلِيِّينَ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا بِلَفْظِ الْعُرَنِيِّينَ وَأَوْضَحْتُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مِنْ عُكْلٍ وَبَعْضُهُمْ كَانَ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الطُّرُقِ. وَعَنْبَسَةُ الْمَذْكُورُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْأُمَوِيُّ أَخُو عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفِ بِالْأَشْدَقِ، وَاسْمُ جَدِّهِ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ عَنْبَسَةُ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ أَخَاهُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ يُكْرِمُهُ، وَلَهُ رِوَايَةٌ وَأَخْبَارٌ مَعَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ فَإِيَّايَ حَدِيثُ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (فَبَايَعُوا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ فَبَايَعُوهُ. قَوْلُهُ: (أَجْسَامُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ أَجْسَادُهُمْ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ مِنْ رِسْلِهَا وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ اللَّبَنُ، وَبِفَتْحَتَيْنِ: الْمَالُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَقِيلَ بَلِ الْإِبِلُ خَاصَّةً إِذَا أُرْسِلَتْ إِلَى الْمَاءِ تُسَمَّى رَسَلًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَبَذَهُمْ) بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ طَرَحَهُمْ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَوْلُهُ: (فقَالَ عَنْبَسَةُ) هُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَ. قَوْلُهُ: (إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ) إِنْ بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى مَا النَّافِيَةِ وَحُذِفَ مَفْعُولُ سَمِعْتُ وَالتَّقْدِيرُ: مَا سَمِعْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ مِثْلَ مَا سَمِعْتُ مِنْكَ الْيَوْمَ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: يَا قَوْمُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (أَتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ فَقُلْتُ أَتَتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ كَأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ عَنْبَسَةَ إِنْكَارَ مَا حَدَّثَ بِهِ. قَوْلُهُ: (لَا وَلَكِنْ جِئْتُ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ لَا هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسٌ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ عَنْبَسَةَ كَانَ سَمِعَ حَدِيثَ الْعُكْلِيِّينَ مِنْ أَنَسٍ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لَهُ عَلَى مَا حَدَّثَ بِهِ أَنَسٌ فَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ فِي الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْكُفْرُ، فَلَمَّا سَاقَ أَبُو قِلَابَةَ الْحَدِيثَ تَذَكَّرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَدَّثَهُمْ بِهِ أَنَسٌ فَاعْتَرَفَ لِأَبِي قِلَابَةَ بِضَبْطِهِ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَا يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ هَذَا الشَّيْخُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) الْمُرَادُ بِالْجُنْدِ أَهْلُ الشَّامِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: يَا أَهْلَ الشَّامِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا أَوْ مِثْلُ هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ وَاللَّهِ لَا يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَاكَ اللَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّةٌ - إِلَى قَوْلِهِ - دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) كَذَا أَوْرَدَ أَبُو قِلَابَةَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَرُفْقَتَهُ تَحَدَّثُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى خَيْبَرَ ثُمَّ تَوَجَّهُوا فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُنَا فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ ﷺ لَمَّا جَاءُوهُ كَانَ دَاخِلَ بَيْتِهِ أَوِ الْمَسْجِدِ فَكَلَّمُوهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَجَابَهُمْ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ بِمَنْ تَظُنُّونَ أَوْ تَرَوْنَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُمَا بِمَعْنًى. قَوْلُهُ: (قَالُوا: نَرَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَتَلَتْهُ بِصِيغَةِ الْمُسْنَدِ إِلَى الْجَمْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ لَفْظِ الْيَهُودِ لِأَنَّ الْمُرَادَ قَتَلُوهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ) أَيِ الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ

стр. 7229

بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ، وَهِيَ قِصَّةٌ مَوْصُولَةٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ، لَكِنَّهَا مُرْسَلَةٌ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (خَلَعُوا خَلِيعًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَلِيفًا بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ بَدَلَ الْعَيْنِ، وَالْخَلِيعُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يُقَالُ تَخَالَعَ الْقَوْمُ إِذَا نَقَضُوا الْحِلْفَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُطَالَبُوا بِجِنَايَتِهِ فَكَأَنَّهُمْ خَلَعُوا الْيَمِينَ الَّتِي كَانُوا لَبِسُوهَا مَعَهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَمِيرُ إِذَا عُزِلَ خَلِيعًا وَمَخْلُوعًا، وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي الْمُعِينِ: خَلَعَهُ قَوْمُهُ أَيْ حَكَمُوا بِأَنَّهُ مُفْسِدٌ فَتَبَرَّءُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْتَصُّ بِالْحَلِيفِ بَلْ كَانُوا رُبَّمَا خَلَعُوا الْوَاحِدَ مِنَ الْقَبِيلَةِ وَلَوْ كَانَ مِنْ صَمِيمِهَا إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا أَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْخَلِيعِ الْمَذْكُورِ وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّةِ. قَوْلُهُ: (فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا فِي خُفْيَةٍ لِيَسْرِقَ مِنْهُمْ، وَحَاصِلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ ادَّعَى أَنَّ الْمَقْتُولَ لِصٌّ وَأَنَّ قَوْمَهُ خَلَعُوهُ فَأَنْكَرُوا هُمْ ذَلِكَ وَحَلَفُوا كَاذِبِينَ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِحِنْثِ الْقَسَامَةِ وَخَلَّصَ الْمَظْلُومَ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: (مَا خَلَعُوا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ مَا خَلَعُوهُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ) بِلَفْظِ وَاحِدَةِ النَّخِيلِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (فَانْهَجَمَ عَلَيْهِمُ الْغَارُ) أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً. قَوْلُهُ: (وَأُفْلِتَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ تَخَلَّصَ، وَالْقَرِينَانِ هُمَا أَخُو الْمَقْتُولِ وَالَّذِي أَكْمَلَ الْخَمْسِينَ. قَوْلُهُ: (وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرٌ) أَيْ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَقَعَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَنْ خَرَجَا مِنَ الْغَارِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ) هُوَ مَقُولُ أَبِي قِلَابَةَ بِالسَّنَدِ أَيْضًا وَهِيَ مَوْصُولَةٌ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَدْرَكَهَا. قَوْلُهُ: (أَقَادَ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَدِمَ بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ. قَوْلُهُ: (مَا صَنَعَ) كَأَنَّهُ ضَمَّنَ نَدِمَ مَعْنَى كَرِهَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ عَلَى الَّذِي صَنَعَ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ) أَيِ الَّذِينَ حَلَفُوا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ الَّذِينَ أَقْسَمُوا. قَوْلُهُ: (وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ) أَيْ نَفَاهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ مِنَ الشَّامِ وَهَذِهِ أَوْلَى لِأَنَّ إِقَامَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَتْ بِالشَّامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْعِرَاقِ عِنْدَ مُحَارَبَتِهِ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَنَفَاهُمْ إِلَى الشَّامِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ: الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لَا يُفِيدُ مُرَادَهُ مِنْ تَرْكِ الْقَسَامَةِ لِجَوَازِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَالدَّلَائِلِ الَّتِي لَا تُدْفَعُ عَلَى تَحْقِيقِ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْعُرَنِيِّينَ، فَلَيْسَ قِصَّتُهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْقَسَامَةِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ فِي الِاخْتِفَاءِ بِالْقَتْلِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ وَلَا دَلِيلَ، وَأَمَّا الْعُرَنِيُّونَ فَإِنَّهُمْ كَشَفُوا وُجُوهَهُمْ لِقَطْعِ السَّبِيلِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ أَمْرُهُمْ غَيْرَ أَمْرِ مَنِ ادَّعَى الْقَتْلَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ هُنَاكَ، قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنِ انْهِدَامِ الْغَارِ عَلَيْهِمْ يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ: وَلَيْسَ رَأْيُ أَبِي قِلَابَةَ حُجَّةً وَلَا تُرَدُّ بِهِ السُّنَنُ، وَكَذَا مَحْوُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَسْمَاءَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا مِنَ الدِّيوَانِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ أَبِي قِلَابَةَ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ خِلَافُ مَا فَهِمَهُ عَنْهُ الْمُهَلَّبُ أَنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَ يُمْكِنُ فِيهَا الْقَسَامَةُ فَلَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْحَصْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ فَعُورِضَ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، وَحَاوَلَ الْمُعْتَرِضُ إِثْبَاتَ قِسْمٍ رَابِعٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو قِلَابَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَوْجَبُوا الْقَتْلَ بِقَتْلِهِمُ الرَّاعِيَ وَبِارْتِدَادِهِمْ عَنِ الدِّينِ وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اسْتُدِلَّ عَلَى تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ بِقِصَّةِ الْقَتِيلِ عِنْدَ الْيَهُودِ فَلَيْسَ فِيهَا لِلْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ ذِكْرٌ، بَلْ وَلَا فِي أَصْلِ الْقِصَّةِ - الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الْبَابِ - تَصْرِيحٌ بِالْقَوَدِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي آخِرِ الْحَاشِيَةِ لِابْنِ الْمُنِيرِ نَحْوَ مَا أَجَبْتُ بِهِ، وَحَاصِلُهُ: تَوَهَّمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ عَارَضَ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَوَهِمَ. وَإِنَّمَا اعْتَرَضَ أَبُو قِلَابَةَ عَلَى الْقَسَامَةِ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى حَصْرِ

стр. 7230

الْقَتْلِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنَّ الَّذِي عَارَضَهُ ظَنَّ أَنَّ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ حُجَّةً فِي جَوَازِ قَتْلِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَأَنْ يَتَمَسَّكَ الْحَجَّاجُ فِي قَتْلِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَكَأَنَّ عَنْبَسَةَ تَلَقَّفَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ صَدِيقَهُ، فَبَيَّنَ أَبُو قِلَابَةَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ الرَّاعِي بِغَيْرِ حَقٍّ وَالِارْتِدَادُ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ جَوَابٌ ظَاهِرٌ، فَلَمْ يُورِدْ أَبُو قِلَابَةَ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مُسْتَدِلًّا بِهَا عَلَى تَرْكِ الْقَسَامَةِ، بَلْ رَدَّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا لِلْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْغَارِ فَأَشَارَ بِهَا إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِهَلَاكِ مَنْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْقَتِيلِ الَّذِي وَقَعَتِ الْقَسَامَةُ بِسَبَبِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ، وَفِيهِ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا عَيْنٌ تَطْرِفُ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِجَازًا بَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ مَنْ حَلَفَ عَلَى إِثْمٍ أُرِيَ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ يُنَكَّلُ بِهَا عَنِ الْجَرَاءَةِ عَلَى الْحَرَامِ، فَكَانُوا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ أَيْمَانِ الصَّبْرِ وَيَهَابُونَهَا، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَهَا أَهْيَبَ. ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْهُذَلِيِّينَ تَصْرِيحٌ بِمَا صَنَعَ عُمَرُ هَلْ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ أَوْ حَكَمَ بِالدِّيَةِ، فَقَوْلُ الْمُهَلَّبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ السُّنَّةِ إِنْ كَانَ أَشَارَ بِهِ إِلَى صَنِيعِ عُمَرَ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ رَأْيَ أَبِي قِلَابَةَ وَمَحْوَ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الدِّيوَانِ لَا تُرَدُّ بِهِ السُّنَنُ فَمَقْبُولٌ، لَكِنْ مَا هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي وَرَدَتْ بِذَلِكَ؟ نَعَمْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ اسْتِدْلَالِ أَبِي قِلَابَةَ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي الثَّلَاثَةِ لِرَدِّ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ مَعَ أَنَّ الْقَوَدَ قَتْلُ نَفْسٍ بِنَفْسٍ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ. ٢٣ - بَاب مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ ٦٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ - أَوْ مَشَاقِصَ - وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ. ٦٩٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ "أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ - فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ. قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ" ٦٩٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَيْهِ فَلَا دِيَةَ لَهُ) كَذَا جَزَمَ بِنَفْيِ الدِّيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي سَاقَهُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى عَادَتِهِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ) أَيْ نَظَرَ مِنْ عُلُوٍّ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ صَرِيحًا، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ بَشْكُوَالَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْغَيْثِ أَنَّهُ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وَالِدِ مَرْوَانَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ، وَوَجَدْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ

стр. 7231

الزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَنُ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ يَقُولُ اطَّلَعَ عَلَيَّ وَأَنَا مَعَ زَوْجَتِي فُلَانَةَ فَكَلَحَ فِي وَجْهِي، وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ هُنَا، وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: جَاءَ سَعْدٌ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: هَكَذَا عَنْكَ فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْمُبْهَمُ الَّذِي فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَلَمْ يَنْسِبْ سَعْدٌ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (مِنْ حُجْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرٍ) تَقَدَّمَ ضَبْطُ اللَّفْظين فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ. قَوْلُهُ: (بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَأَنَّهُ النَّصْلُ الْعَرِيضُ، وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ الَّذِي بَعْدَهُ مِدْرًى قَدْ يُخَالِفُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ رَأْسَ الْمِدْرَى كَانَ مُحَدَّدًا فَأَشْبَهَ النَّصْلَ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمِدْرَى فِي بَابِ الِامْتِشَاطِ مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ وَأَنَّ مِمَّا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ حَدِيدَةً كَالْخِلَالِ لَهَا رَأْسٌ مُحَدَّدٌ وَقِيلَ لَهَا سِنَّانِ مِنْ حَدِيدٍ. قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ لَامٌ مِنَ الْخَتْلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ الْإِصَابَةُ عَلَى غَفْلَةٍ. قَوْلُهُ: (لِيَطْعُنَهُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الطَّعْنَ بِالْفِعْلِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِالْقَوْلِ بِفَتْحِهَا وَقَدْ قِيلَ هُمَا سَوَاءٌ، زَادَ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ حَمَّادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَذَهَبَ أَوْ لَحِقَهُ فَأَخْطَأَ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ حَمَّادٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَمَا أَدْرِي أَذَهَبَ أَوْ كَيْفَ صَنَعَ. الحديث الثاني، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي حُجْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: (أَنَّكَ) رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنْ خَفِيفَةٌ. قَوْلُهُ: (فِي عَيْنَيْكَ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَلِلْبَاقِينَ فِي عَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ جَزَمَ بِأَنَّهُ اطَّلَعَ وَأَرَادَ أَنْ يَطْعُنَهُ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ عَلَّقَ طَعْنَهُ عَلَى نَظَرِهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ جِهَةِ. قَوْلُهُ: (الْبَصَرُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ النَّظَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظٍ آخَرَ. الحديث الثالث، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ. قَوْلُهُ: (لَوْ أَنَّ امْرَأً) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ، وَالْمُرَادُ بِالْجُنَاحِ هُنَا الْحَرَجُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ حَرَجٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْجُنَاحَ هُنَا عَلَى الْإِثْمِ، وَرُتِّبَ عَلَى ذَلِكَ وُجُوبُ الدِّيَةِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْإِثْمِ رَفْعُهَا لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ إِثْبَاتَ الْحِلِّ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَوَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْهُ بِلَفْظِ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ هَدَرٌ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ إِبْقَاءُ شَعْرِ الرَّأْسِ وَتَرْبِيَتِهِ وَاتِّخَاذُ آلَةٍ يُزِيلُ بِهَا عَنْهُ الْهَوَامَّ وَيَحُكُّ بِهَا لِدَفْعِ الْوَسَخِ أَوِ الْقَمْلِ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مَنْ يَكُونُ فِي بَيْتٍ مُغْلَقِ الْبَابِ وَمَنْعُ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الِامْتِشَاطِ، وَقَدْ

стр. 7232

تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي بَابِ الِاسْتِئْذَانِ وَأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَا يَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْمَحَارِمِ بَلْ يُشْرَعُ عَلَى مَنْ كَانَ مُنْكَشِفًا وَلَوْ كَانَ أُمًّا أَوْ أُخْتًا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ مَنْ يَتَجَسَّسُ وَلَوْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ جَازَ بِالثَّقِيلِ، وَأَنَّهُ إِنْ أُصِيبَتْ نَفْسُهُ أَوْ بَعْضُهُ فَهُوَ هَدَرٌ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْقِصَاصِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَصْدُ الْعَيْنِ وَلَا غَيْرِهَا، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُدْفَعُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ إِذَا ثَبَتَ الْإِذْنُ لَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ هَذَا السَّبَبِ يُعَدُّ مَعْصِيَةً، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الصَّائِلِ وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْسِ الْمَدْفُوعِ، وَهُوَ بِغَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ مَعْصِيَةٌ فَهَذَا مُلْحَقٌ بِهِ مَعَ ثُبُوتِ النَّصِّ فِيهِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالْإِرْهَابِ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمُ ابْنُ نَافِعٍ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مِنْهُمْ: لَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ مَا كَانَ ﵊ بِالَّذِي يَهُمُّ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ يُؤَدِّيَ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ، وَالْحَمْلُ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ لَا يَتِمُّ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ بِرَفْعِ الْحَرَجِ وَلَيْسَ مَعَ النَّصِّ قِيَاسٌ، وَاعْتَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ النَّظَرَ إِلَى عَوْرَةِ الْآخَرِ ظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبِيحُ فَقْءَ عَيْنِهِ وَلَا سُقُوطَ ضَمَانِهَا عَمَّنْ فَقَأَهَا فَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَنْظُورُ فِي بَيْتِهِ وَتَجَسَّسَ النَّاظِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَنَازَعَ الْقُرْطُبِيُّ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَقَالَ: إِنَّ الْخَبَرَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُطَّلِعٍ، قَالَ: وَإِذَا تَنَاوَلَ الْمُطَّلِعُ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَظِنَّةِ فَتَنَاوُلُهُ الْمُحَقَّقَ أَوْلَى. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّطَلُّعَ إِلَى مَا فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَثَلًا بَلْ يَشْمَلُ اسْتِكْشَافَ الْحَرِيمِ وَمَا يَقْصِدُ صَاحِبُ الْبَيْتِ سَتْرَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَجِبُ اطِّلَاعُ كُلِّ أَحَدٍ عَلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ التَّجْسِيسِ وَالْوَعِيدُ عَلَيْهِ حَسْمًا لِمَوَادِّ ذَلِكَ، فَلَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ الْمُدَّعَى لَمْ يَسْتَلْزِمْ رَدَّ هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَاقِلَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَرَى وَجْهَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَكَذَا فِي حَالِ مُلَاعَبَتِهِ أَهْلَهُ أَشَدُّ مِمَّا رَأَى الْأَجْنَبِيُّ ذَكَرَهُ مُنْكَشِفًا، وَالَّذِي أَلْزَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ صَحِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ يَرُومُ النَّظَرَ فَيَدْفَعُهُ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ لَا يُشْرَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْإِنْذَارُ قَبْلَ الرَّمْيِ؟ وَجْهَانِ، قِيلَ يُشْتَرَطُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يَخْتِلُهُ بِذَلِكَ وَفِي حُكْمِ الْمُتَطَلِّعِ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ النَّاظِرُ مِنْ كَوَّةٍ مِنَ الدَّارِ وَكَذَا مَنْ وَقَفَ فِي الشَّارِعِ فَنَظَرَ إِلَى حَرِيمِ غَيْرِهِ أَوْ إِلَى شَيْءٍ فِي دَارِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمَنْعُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَانَ فِي مِلْكِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، وَهَلْ يُلْحَقُ الِاسْتِمَاعُ بِالنَّظَرِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ لَا، لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْعَوْرَةِ أَشَدُّ مِنِ اسْتِمَاعِ ذِكْرِهَا، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ الْمُسَاوَاةُ أَوْ أَوْلَوِيَّةُ الْمَقِيسِ وَهُنَا بِالْعَكْسِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اعْتِبَارِ قَدْرِ مَا يُرْمَى بِهِ بِحَصَى الْخَذْفِ الْمُقَدَّمِ بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَخَذَفْتُهُ فَلَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُ أَوْ سَهْمٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ، وَفِي وَجْهٍ لَا ضَمَانَ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِذَلِكَ جَازَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ مَتَاعٌ فَأَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ رَمْيُهُ لِلشُّبْهَةِ، وَقِيلَ لَا فَرْقَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ غَيْرُ حَرِيمِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا غَيْرُهُمْ أُنْذِرَ فَإِنِ انْتَهَى وَإِلَّا جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ هُوَ مَالِكُهَا أَوْ سَاكِنُهَا لَمْ يَجُزِ الرَّمْيُ قَبْلَ الْإِنْذَارِ إِلَّا إِنْ كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا يُكْرَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ قَصَّرَ صَاحِبُ الدَّارِ بِأَنْ تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَكَانَ النَّاظِرُ مُجْتَازًا فَنَظَرَ غَيْرَ قَاصِدٍ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَنْ نَظَرَ مِنْ سَطْحِ بَيْتِهِ فَفِيهِ الْخِلَافُ. وَقَدْ تَوَسَّعَ أَصْحَابُ الْفُرُوعِ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَبَعْضُ تَصَرُّفَاتِهِمْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إِطْلَاقِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَبَعْضُهَا مِنْ مُقْتَضَى فَهْمِ الْمَقْصُودِ، وَبَعْضُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7233

٢٤ - بَاب الْعَاقِلَةِ ٦٩٠٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ وَقَالَ مَرَّةً: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ - إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ - وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَاقِلَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ عَاقِلٍ وَهُوَ دَافِعُ الدِّيَةِ، وَسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ لِأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُعْقَلُ بِفِنَاءِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ، ثُمَّ كَثُرَ الاسْتِعْمَالُ حَتَّى أُطْلِقَ الْعَقْلُ عَلَى الدِّيَةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إِبِلًا، وَعَاقِلَةُ الرَّجُلِ قَرَابَاتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَهُمْ عَصَبَتُهُ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْقِلُونَ الْإِبِلَ عَلَى بَابِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ. وَتَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لَكِنَّهُ خُصَّ مِنْ عُمُومِهَا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ أُخِذَ بِالدِّيَةِ لَأَوْشَكَ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ، لِأَنَّ تَتَابُعَ الْخَطَأ مِنْهُ لَا يُؤْمَنُ وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ تَغْرِيمٍ لَأُهْدِرَ دَمُ الْمَقْتُولِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ أُفْرِدَ بِالتَّغْرِيمِ حَتَّى يَفْتَقِرَ لَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الْإِهْدَارِ بَعْدَ الِافْتِقَارِ، فَجُعِلَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ احْتِمَالَ فَقْرِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنِ احْتِمَالِ فَقْرِ الْجَمَاعَةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ تَحْذِيرُهُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ جَمَاعَةٍ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ مِنْ تَحْذِيرِهِ نَفْسَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَاقِلَةُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ، فَيُبْدَأُ بِفَخِذِهِ الْأَدْنَى فَإِنْ عَجَزُوا ضُمَّ إِلَيْهِمُ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِمْ وَهِيَ عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ أُولِي الْيَسَارِ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (قَالَ مُطَرِّفٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِعَيْنِهِ وَلَفْظُهُ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُطَرِّفٌ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ، وَوَقَعَ مَذْكُورًا بِاسْمِ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ: (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ مِمَّا كَتَبْتُمُوهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَوَاءٌ حَفِظْتُمُوهُ أَمْ لَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْمِيمَ كُلِّ مَكْتُوبٍ وَمَحْفُوظٍ لِكَثْرَةِ الثَّابِتِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ مَرْوِيِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُرَادُ مَا يُفْهَمُ مِنْ فَحْوَى لَفْظِ الْقُرْآنِ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ بَاطِنِ مَعَانِيهِ، وَمُرَادُ عَلِيٍّ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ زَائِدًا عَلَى الْقُرْآنِ مِمَّا كَتَبَ عَنْهُ الصَّحِيفَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَا اسْتَنْبَطَ مِنَ الْقُرْآنِ كَأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْسَاهُ، بِخِلَافِ مَا حَفِظَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ يَتَعَاهَدُهَا بِالْفِعْلِ وَالْإِفْتَاءِ بِهَا فَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا مِنَ النِّسْيَانِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ: إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ: إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ. ٢٥ - بَاب جَنِينِ الْمَرْأَةِ ٦٩٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ،

стр. 7234

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ٦٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" [الحديث ٦٩٠٥ - أطرافه في: ٦٩٠٧، ٦٩٠٨ م، ٧٣١٧] ٦٩٠٦ - قال ائت من يشهد معك"فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ" [الحديث ٦٩٠٦ - طرفه في: ٦٩٠٨، ٧٣١٨] ٦٩٠٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي السِّقْطِ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" ٦٩٠٨ - "قَالَ: ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا" ٦٩٠٨ م- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ .. مِثْلَهُ" قَوْلُهُ: (بَابُ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) الْجَنِينُ بِجِيمٍ وَنُونَيْنِ وَزْنُ عَظِيمٍ: حَمْلُ الْمَرْأَةِ مَا دَامَ فِي بَطْنِهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتَارِهِ، فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا فَهُوَ وَلَدٌ، أَوْ مَيِّتًا فَهُوَ سَقْطٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ جَنِينٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ رِجَالِ الْمُوَطَّإِ: الْجَنِينُ مَا أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَلَدٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) يَعْنِي: ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ عَنِ اللَّيْثِ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَوَابٌ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولًا، وَقَدْ مَضَى فِي الطِّبِّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطِّبِّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَيْضًا، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَلٍ الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا: إِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قُلْتُ: وَلِحْيَانُ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَهَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ وَكَانَتَا تَحْتَ حَمَلِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيِّ فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قَضِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى هَكَذَا رَوَاهُ مَوْصُولًا. وَأَخْرَجَهُ

стр. 7235

الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ فَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أَذْكَرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ شَيْئًا، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيْحِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ لَهُ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا هُذَلِيَّةٌ وَالْأُخْرَى عَامِرِيَّةٌ فَضَرَبَتِ الْهُذَلِيَّةُ بَطْنَ الْعَامِرِيَّةِ، وَأَخْرَجَهُ الْحَارِثُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيْحِ فَأَرْسَلَهُ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ حَمَلَ بْنَ النَّابِغَةِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ مُلَيْكَةُ وَأُمُّ عَفِيفٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بْنِ عُوَيْمٍ قَالَ: كَانَتْ أُخْتِي مُلَيْكَةُ وَامْرَأَةٌ مِنَّا يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَفِيفٍ بِنْتُ مَسْرُوحٍ تَحْتَ حَمَلِ بْنِ النَّابِغَةِ فَضَرَبَتْ أُمُّ عَفِيفٍ مُلَيْكَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِحْدَاهُمَا مُلَيْكَةُ وَالْأُخْرَى أُمُّ عَفِيفٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ مَنْقُولًا، وَبِالْآخَرِ جَزَمَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ، وَزَادَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعُمْدَةِ: وَقِيلَ أُمُّ مُكَلَّفٍ وَقِيلَ أُمُّ مُلَيْكَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَمَتْ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ: فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيْحِ عِنْدَ الْحَارِثِ لَكِنْ قَالَ: فَخُذِفَتْ وَقَالَ: فَأَصَابَ قُبُلَهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ مِنْ طَرِيقِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ: فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ - بِنُونٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ: فَضَرَبَتِ الْهُذَلِيَّةُ بَطْنَ الْعَامِرِيَّةِ بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ أَوْ خِبَاءٍ، وَفِي حَدِيثِ عُوَيْمٍ: ضَرَبَتْهَا بِمِسْطَحِ بَيْتِهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ بِمِسْطَحٍ وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً خَذَفَتِ امْرَأَةً أُخْرَى. قَوْلُهُ: (فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ: فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، وَفِي حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ مِثْلُهُ بِلَفْظِ: فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عُوَيْمٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيْحِ عَنْ أَبِيهِ. قَوْلُهُ: (فَقَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، وَيُونُسَ: فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ لَكِنْ قَالَ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُعْقَلُ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ: وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي الطِّبِّ: فَقَالَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ ثُمَّ اتَّفَقَا: كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ. وَفِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ مَالِكٍ: قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَوْصُولَةِ نَحْوُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَيَقُولُ بِقَوْلِ شَاعِرٍ بَلْ فِيهِ غُرَّةٌ، وَفِيهِ: ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عَمُّهَا: إِنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ غُلَامًا قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ، فَقَالَ أَبُو الْقَاتِلَةِ إِنَّهُ كَاذِبٌ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا اسْتَهَلَّ وَلَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، فَمِثْلُهُ يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكِهَانَتِهَا. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ القَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ مَنْ لَا أَكَلَ - وَفِي آخِرِهِ - أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟ وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، وَفِي حَدِيثِ عُوَيْمٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَالَ أَخُوهَا الْعَلَاءُ بْنُ مَسْرُوحٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ

стр. 7236

وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ هَذَا يُطَلُّ، فَقَالَ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَكِنْ قَالَ: فَقَالَتْ عَاقِلَةُ الْقَاتِلَةِ. وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرَةَ: فَقَالَ أَبُوهَا إِنَّمَا يَعْقِلُهَا بَنُوهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: الدِّيَةُ عَلَى الْعَصَبَةِ وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ، فَقَالَ: مَا وُضِعَ فَحَلَّ وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ، فَأَبْطِلْهُ فَمِثْلُهُ يُطَلُّ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ الِاخْتِلَافُ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَزَوْجِهَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ عَصَبَتِهَا بِخِلَافِ الْمَقْتُولَةِ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ الْمَقْتُولَةَ عَامِرِيَّةٌ وَالْقَاتِلَةَ هُذَلِيَّةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ: فَقَالَ دَعْنِي مِنْ أَرَاجِيزِ الْأَعْرَابِ، وَفِي لَفْظٍ: أَسَجَاعَةٌ بِكَ، وَفِي آخَرَ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ شَاعِرٌ، وَفِي لَفْظٍ: لَسْنَا مِنْ أَسَاجِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي شَيْءٍ. وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّ لَهَا وَلَدًا هُمْ سَادَةُ الْحَيِّ وَهُمْ أَحَقُّ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ أُمِّهِمْ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تَعْقِلَ عَنْ أُخْتِكَ مِنْ وَلَدِهَا، فَقَالَ: مَا لِي شَيْءٌ، قَالَ حَمَلٌ وَهُوَ يَوْمئِذٍ عَلَى صَدَقَاتِ هُذَيْلٍ وَهُوَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَأَبُو الْجَنِينِ: اقْبِضْ مِنْ صَدَقَاتِ هُذَيْلٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: مَا لَهُ عَبْدٌ وَلَا أَمَةٌ، قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، قَالُوا: مَا لَهُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تُعِينَهُ مِنْ صَدَقَةِ بَنِي لِحْيَانَ فَأَعَانَهُ بِهَا، فَسَعَى حَمَلٌ عَلَيْهَا حَتَّى اسْتَوْفَاهَا، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ: فَقَضَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَعَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ مِائَةُ شَاةٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ. وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا: فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ فِي الْمَرْأَةِ وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ ذِكْرَ الْفَرَسِ فِي الْمَرْفُوعِ وَهْمٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ أُدْرِجَ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِلْغُرَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ بِلَفْظِ: فَقَضَى أَنَّ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً، قَالَ طَاوُسٌ: الْفَرَسُ غُرَّةٌ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْفَرَسُ غُرَّةٌ، وَكَأَنَّهُمَا رَأَيَا أَنَّ الْفَرَسَ أَحَقُّ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْغُرَّةِ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ، عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ. وَتَوَسَّعَ دَاوُدُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُجْزِئُ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ، وَالْغُرَّةُ فِي الْأَصْلِ الْبَيَاضُ يَكُونُ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ لِلْآدَمِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْوُضُوءِ: إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا، وَتُطْلَقُ الْغُرَّةُ عَلَى الشَّيْءِ النَّفِيسِ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَقِيلَ: أُطْلِقَ عَلَى الْآدَمِيِّ غُرَّةٌ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الْغُرَّةِ الْوَجْهُ وَالْوَجْهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قَرَأَهُ الْعَامَّةُ بِالْإِضَافَةِ وَغَيْرُهُمْ بِالتَّنْوِينِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْخِلَافَ، وَقَالَ: التَّنْوِينُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلْغُرَّةِ مَا هِيَ، وَتَوْجِيهُ الْآخَرِ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ لَكِنَّهُ نَادِرٌ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: بِغُرَّةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فَشَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي الْمُرَادِ بِهَا، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَمَرَانُ أَوْلَى مِنَ السَّوَدَانِ فِي هَذَا. وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَبْيَضُ أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ، قَالَ: فَلَا يُجْزِئُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ سَوْدَاءُ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغُرَّةِ مَعْنًى زَائِدٌ لَمَا ذَكَرَهَا وَلَقَالَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَيُقَالُ إِنَّهُ انْفَرَدَ بِذَلِكَ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ سَوْدَاءُ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ كَوْنُهُ نَفِيسًا فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَشْرَفُ الْحَيَوَانِ. وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ زِيَادَةِ ذِكْرِ

стр. 7237

الْفَرَسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمٌ وَلَفْظُهُ: غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ بَغْلٌ، وَيُمْكِنُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنَّ الْفَرَسَ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ مَا سَلِمَ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمَعِيبَ لَيْسَ مِنَ الْخِيَارِ، وَاسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِعًا بِهِ فَشُرِطَ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ سَبْعِ سِنِينَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا لَا يَسْتَقِلُّ غَالِبًا بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّعَهُّدِ بِالتَّرْبِيَةِ فَلَا يُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى أَخْذِهِ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ لَفْظِ الْغُلَامِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ وَلَا تَزِيدَ الْجَارِيَةُ عَلَى عِشْرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْحَدَّ مَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعِشْرِينَ، وَالرَّاجِحُ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ يُجْزِئُ وَلَوْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ بِالْهَرَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْقَوَدِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالدِّيَةِ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّ عَمُودَ الْفُسْطَاطِ يَخْتَلِفُ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ بِحَيْثُ يَقْتُلُ بَعْضُهُ غَالِبًا وَلَا يَقْتُلُ بَعْضُهُ غَالِبًا، وَطَرْدُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِيمَا إِذَا وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الْقَوَدَ لِأَنَّهَا لَمْ يُقْصَدْ مِثْلُهَا، وَشَرْطُ الْقَوَدِ الْعَمْدُ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَلَا عَكْسِهِ. الحديث الثاني قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هُوَ ابْنُ خَالِدٍ وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَصَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ بِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ، يَعْنِي لَمْ يَذْكُرِ الْمُغِيرَةَ فِي السَّنَدِ. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الَّتِي تَلِي حَدِيثَ الْبَابِ، وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَعُبَيْدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ نَحْوُهُ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ وَكِيعٌ فَقَالَ: عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: عَنِ الْمُغِيرَةِ سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بَطْنُهَا فَتُلْقِي جَنِينَهَا فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْئًا وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْإِمْلَاصَ أَنْ تَزْلِقَهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ أَيْ قَبْلَ حِينِ الْوِلَادَةِ، هَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ لَهُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: أَمْلَصَتِ الْمَرْأَةُ وَالنَّاقَةُ إِذَا رَمَتْ وَلَدَهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَمْلَصَتِ الْحَامِلُ أَلْقَتْ وَلَدَهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مِلَاصٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ كَأَنَّهُ اسْمٌ فِعْلِ الْوَلَدِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، أَوِ اسْمٌ لِتِلْكَ الْوِلَادَةِ كَالْخِدَاجِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا: قَالَ هِشَامٌ: الْمِلَاصُ لِلْجَنِينِ، وَهَذَا يَتَخَرَّجُ أَيْضًا عَلَى الْحَذْفِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَارِعِ: الْإِمْلَاصُ: الْإِسْقَاطُ، وَإِذَا قَبَضْتَ عَلَى شَيْءٍ فَسَقَطَ مِنْ يَدِكَ تَقُولُ: أَمْلَصَ مِنْ يَدِي إِمْلَاصًا وَمَلِصَ مَلَصًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الَّتِي تَلِي حَدِيثَ الْبَابِ: أَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ: مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي السَّقْطِ. قَوْلُهُ: (فقَالَ الْمُغِيرَةُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: بَلَى أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ تَجْرِيدٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: فَقُلْتُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَوْلُهُ: (قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ بِاللَّامِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ التَّنْوِينِ وَسَائِرَ الرِّوَايَاتِ بِغُرَّةٍ، وَمِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيهَا: غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ. قَوْلُهُ: (فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ) كَذَا

стр. 7238

فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ مُخْتَصَرًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدٌ فَشَهِدَ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: فَقَالَ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَشَهِدَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَقَالَ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيءَ بِالْمُخَرِّجِ مِمَّا قُلْتَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَجِئْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَهَذَا فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ؛ لِأَنَّ هِشَامًا تَابِعِيٌّ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى أَيْضًا عَنِ الْأَعْمَشِ فِي أَوَّلِ الدِّيَاتِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ) هَذَا صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ أَنَّ عُرْوَةَ حَمَلَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي عُدُولِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بِالْوَاوِ. قَوْلُهُ: (ائْتِ بِمَنْ يَشْهَدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِتْيَانِ، وَحُذِفَتْ عِنْدَ بَعْضِهِمُ الْبَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: بِمَنْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْمُخَاطَبِ عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِثْبَاتِ، أَيْ: أَنْتَ تَشْهَدُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهُ ثَانِيًا: مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ؟ قَوْلُهُ في طريق ثالث: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَابِقٍ، وَكَلَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ نَفْسِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ مِثْلَهُ) يَعْنِي مِثْلَ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِثْبَاتِ دِيَةِ الْجَنِينِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غُرَّةٌ إِمَّا عَبْدٌ وَإِمَّا أَمَةٌ، وَذَلِكَ إِذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، وَتَصَرَّفَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّقْيِيدِ فِي سِنِّ الْغُرَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتِشَارَةُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ فِي سُؤَالِ الْإِمَامِ عَنِ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُهُ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ شَكٌّ أَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْبَاتَ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقَائِعَ الْخَاصَّةَ قَدْ تَخْفَى عَلَى الْأَكَابِرِ وَيَعْلَمُهَا مَنْ دُونَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْمُقَلِّدِ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِخَبَرٍ يُخَالِفُهُ فَيُجِيبُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَعَلِمَهُ فُلَانٌ مَثَلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا جَازَ خَفَاؤُهُ عَنْ مِثْلِ عُمَرَ فَخَفَاؤُهُ عَمَّنْ بَعْدَهُ أَجْوَزُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِ عُمَرَ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ مَنْ يَرَى اعْتِبَارَ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ وَيَشْتَرِطُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ كَمَا فِي غَالِبِ الشَّهَادَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَبُولُ الْفَرْدِ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ، وَطَلَبُ الْعَدَدِ فِي صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لِجَوَازِ الْمَانِعِ الْخَاصِّ بِتِلْكَ الصُّورَةِ أَوْ وُجُودِ سَبَبٍ يَقْتَضِي التَّثَبُّتَ وَزِيَادَةَ الِاسْتِظْهَارِ وَلَاسِيَّمَا إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا هُنَاكَ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي بَابِ إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ صَرَّحَ عُمَرُ فِي قِصَّةِ أَبِي مُوسَى بِأَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِثْبَاتَ. وَقَوْلُهُ: فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ أَصْرَحُ فِي وُجُوبِ بالِانْفِصَالِ مَيِّتًا مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَضَى فِي الْجَنِينِ، وَقَدْ شَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْغُرَّةِ انْفِصَالَ الْجَنِينِ مَيِّتًا بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، فَلَوِ انْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَلَوْ مَاتَتِ الْأُمُّ وَلَمْ يَنْفَصِلِ الْجَنِينُ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُودِ الْجَنِينِ، وَعَلَى هَذَا هَلِ الْمُعْتَبَرُ نَفْسُ الِانْفِصَالِ أَوْ تَحَقُّقُ حُصُولِ الْجَنِينِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا لَوْ قُدَّتْ نِصْفَيْنِ أَوْ شُقَّ بَطْنُهَا فَشُوهِدَ الْجَنِينُ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ رَأْسُ الْجَنِينِ مَثَلًا بَعْدَمَا ضُرِبَ

стр. 7239

وَمَاتَتِ الْأُمُّ وَلَمْ يَنْفَصِلْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إِلَى تَأْوِيلِ الرِّوَايَةِ وَحَمْلِهَا عَلَى أَنَّهُ انْفَصَلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَأَسْقَطَتْ غُلَامًا قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيِّتًا فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الِانْفِصَالِ، وَوَقَعَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، فَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْمَاضِيَةِ فِي الطِّبِّ: فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَقُتِلَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا. وفي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ: فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ خَاصٌّ بِوَلَدِ الْحُرَّةِ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُمُومٌ لَكِنَّ الرَّاوِيَ ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ وَاقِعَةً مَخْصُوصَةً، وَقَدْ تَصَرَّفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْوَاجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا، وَعَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ خَاصٌّ بِمَنْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (١)، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِجَنِينٍ مَحْكُومٍ بِتَهَوُّدِهِ أَوْ تَنَصُّرِهِ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَاسَهُ عَلَى الْجَنِينِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّ الْقَتْلَ الْمَذْكُورَ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَمْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ذَمِّ السَّجْعِ فِي الْكَلَامِ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ ظَاهِرَ التَّكَلُّفِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُنْسَجِمًا لَكِنَّهُ فِي إِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْسَجِمًا وَهُوَ فِي حَقٍّ أَوْ مُبَاحٍ فَلَا كَرَاهَةَ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا يُسْتَحَبُّ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِذْعَانٌ مُخَالِفٌ لِلطَّاعَةِ كَمَا وَقَعَ لِمِثْلِ الْقَاضِي الْفَاضِلِ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ: أَوْ إِقْلَاعٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ كَمَا وَقَعَ لِمِثْلِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي بَعْضِ مَوَاعِظِهِ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْدٍ إِلَى التَّسْجِيعِ وَإِنَّمَا جَاءَ اتِّفَاقًا لِعِظَمِ بَلَاغَتِهِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَقَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَمَرَاتِبُهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٦ - بَاب جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْوَالِدِ وَعَصَبَةِ الْوَالِدِ لَا عَلَى الْوَلَدِ ٦٩٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا. ٦٩١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْوَالِدِ وَعَصَبَةِ الْوَالِدِ لَا عَلَى الْوَلَدِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَكَذَا تَرْجَمَ أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْوَالِدِ وَعَصَبَةِ الْوَالِدِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ إِيجَابُ الْعَقْلِ عَلَى الْوَالِدِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَالِدَةَ الَّتِي كَانَتْ هِيَ الْجَانِيَةَ فَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ عَاشَتْ فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا، انْتَهَى. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، مُرَادُهُ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ عَلَى وَالِدِ الْقَاتِلَةِ وَعَصَبَتِهِ. قُلْتُ:

стр. 7240

وَأَبُوهَا وَعَصَبَةُ أَبِيهَا عَصَبَتُهَا، فَطَابَقَ لَفْظَ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَبَيَّنَهُ لَفْظُ الْخَبَرِ الثَّانِي فِي الْبَابِ أَيْضًا وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْوَالِدِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْقِصَّةِ، وَقَوْلِهِ: لَا عَلَى الْوَلَدِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُرِيدُ أَنَّ وَلَدَ الْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَتِهَا لَا يَعْقِلُ عَنْهَا لِأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَةِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَلِذَلِكَ لَا يَعْقِلُ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأُمِّ، قَالَ: وَمُقْتَضَى الْخَبَرِ أَنَّ مَنْ يَرِثُهَا لَا يَعْقِلُ عَنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَتِهَا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ قَبْلَ هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ فَقَالَ أَبُوهَا: إِنَّمَا يَعْقِلُهَا بَنُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الدِّيَةُ عَلَى الْعَصَبَةِ. ٢٧ - بَاب مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا وَيُذْكَرُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَعَثَتْ إِلَى مُعَلِّمِ الْكُتَّابِ: ابْعَثْ إِلَيَّ غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ صُوفًا، وَلَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حُرًّا ٦٩١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالنُّونِ. وَلِلنَّسَفِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ اسْتَعَارَ بِالرَّاءِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمُنَاسَبَةُ الْبَابِ لِلْكِتَابِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ وَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ دِيَةُ الْحُرِّ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَعَثَتْ إِلَى مُعَلِّمِ الْكُتَّابِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: مُعَلِّمِ كُتَّابٍ بِالتَّنْكِيرِ. قَوْلُهُ: (ابْعَثْ إِلَيَّ غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ) هُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. قَوْلُهُ: (صُوفًا وَلَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حُرًّا) كَذَا لِلْجُمْهُورِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ ثَقِيلَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِلَفْظِ: إِلَّا بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَشَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عَكْسُ مَعْنَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ لِذَلِكَ وَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي خِدْمَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِالْتِمَاسِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِجَابَتِهِ لَهُ، وَأَبُو طَلْحَةَ كَانَ زَوْجَ أُمِّ أَنَسٍ وَعَنْ رَأْيِهَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَصَايَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا اشْتَرَطَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْحُرَّ لِأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: مَنِ اسْتَعَانَ حُرًّا لَمْ يَبْلُغْ أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلَاهُ فَهَلَكَا مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَمَّا دِيَةُ الْحُرِّ فَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. قُلْتُ: وَفِي الْفَرْقِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُحْمَلُ فِعْلُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أَنَّهَا أُمُّهُمْ قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَنُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا إِنَّمَا اشْتَرَطَتْ أَنْ لَا يَكُونَ حُرًّا لِأَنَّهَا أُمٌّ لَنَا فَمَالُنَا كَمَالِهَا وَعَبِيدُنَا كَعَبِيدِهَا، وَأَمَّا أَوْلَادُنَا فَاجْتَبَتْهُمْ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَعَلَّ غَرَضُهَا مِنْ مَنْعِ بَعْثِ الْحُرِّ إِكْرَامُ الْحُرِّ وَإِيصَالُ الْعِوَضِ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِهِ فِي ذَلِكَ لَا تَضْمَنُهُ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهَا لَوْ هَلَكَ بِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِخْدَامِ الْأَحْرَارِ وَأَوْلَادِ الْجِيرَانِ فِيمَا لَا كَبِيرَ مَشَقَّةٍ فِيهِ وَلَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْوَصَايَا. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْسُوبًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ أُمِّ سَلَمَةَ لِقِصَّةِ أَنَسٍ أَنَّ فِي كُلِّ مِنْهُمَا اسْتِخْدَامَ الصَّغِيرِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ،

стр. 7241

وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْعُرْفِ السَّائِغِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْعَبِيدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَرَى بِرِضَا السَّادَةِ بِاسْتِخْدَامِ عَبِيدِهِمْ فِي الْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْخِدْمَةِ كَمَا يُتَصَرَّفُ فِي الْعَبِيدِ. وَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَفَالَةِ أُمِّهِ فَرَأَتْ لَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَخْدُمَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ النَّفْعِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَأَحْضَرَتْهُ وَكَانَ زَوْجُهَا مَعَهَا فَنَسَبَ الْإِحْضَارَ إِلَيْهَا تَارَةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى، وَهَذَا صَدَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ حُسْنِ الْخُلُقِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ وَاضِحًا، وَكَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي إِحْضَارِ أَنَسٍ قِصَّةٌ أُخْرَى وَذَلِكَ عِنْدَ إِرَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ: الْتَمِسْ لِي غُلَامًا يَخْرُجُ مَعِي فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ أَيْضًا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْإِعَانَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا، كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، وَهُوَ فِي الْإِثْبَاتِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَلُمْهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ عَلَى شَيْءٍ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ تَجَوُّزًا عَنْهُ وَحِلْمًا، وَلَا لَامَهُ فِي الشِّقِّ الثَّانِي عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةً مِنْ أَنَسٍ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ لَوْ فَعَلَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَكَذَا لِأَنَّهُ كَمَا صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةَ وُقُوعِ الْخَطَإِ مِنْهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ لَصَفَحَ عَنْهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ رَاوِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هُنَا عَنْ تِلْمِيذِهِ. ٢٨ - بَاب الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ ٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ، وَأَفْرَدَ بَعْضُهُ بَعْدَهُ، وَتَرْجَمَ فِي الزَّكَاةِ لِبَقِيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَمَامِهِ وَبَدَأَ فِيهِ بِالْمَعْدِنِ وَثَنَّى بِالْبِئْرِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ وَهَذَا مِمَّا سَمِعَهُ اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كَذَا جَمَعَهُمَا اللَّيْثُ وَوَافَقَهُ الْأَكْثَرُ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهَذَا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَلَيْسَ قَوْلُ يُونُسَ بِمَدْفُوعٍ. قُلْتُ: قَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَكِنْ قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَدَلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا مِنْهُ، وَرَوَى بَعْضُ الضُّعَفَاءِ عَنْ

стр. 7242

عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بَعْضَهُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَهُوَ غَلَطٌ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدُ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْجَمَ وَهِيَ الْبَهِيمَةُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ لِمَنْ لَا يُفْصِحُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، كَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ مَالِكٍ: مَا لَا دِيَةَ فِيهِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي السَّيْلَ جُبَارًا أَيْ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: الْعَجْمَاءُ الدَّابَّةُ الْمُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا فَمَا أَصَابَتْ مِنِ انْفِلَاتِهَا فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: الْعَجْمَاءُ الَّتِي تَكُونُ مُنْفَلِتَةً لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ، وَقَدْ تَكُونُ بِالنَّهَارِ وَلَا تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي آخِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: وَالْعَجْمَاءُ الْبَهِيمَةُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَالْجُبَارُ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُغْرَمُ، كَذَا وَقَعَ التَّفْسِيرُ مُدْرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بِنَاءَ ج ب ر لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَارِ مِنْ بَابِ السَّلْبِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، يَأْتِي اسْمُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ إِتْلَافَاتِ الْآدَمِيِّ مَضْمُونَةٌ مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا، وَهَذَا إِتْلَافٌ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَجْمَاءِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. قَوْلُهُ: (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ أَمَّا الْبِئْرُ فَهِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ يَاءٌ سَاكِنَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَقَدْ تُذَكَّرُ عَلَى مَعْنَى الْقَلِيبِ وَالطَّوَى وَالْجَمْعُ أَبْؤُرٌ وَآبَارٌ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ وَبِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا الْعَادِيَةُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسَبُّبٌ إِلَى ذَلِكَ وَلَا تَغْرِيرَ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَحْفِرَ لَهُ الْبِئْرَ فَانْهَارَتْ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ، وَأَمَّا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَتَلِفَ بِهَا إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرُ آدَمِيٍّ وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْحَافِرِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ كُلُّ حُفْرَةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِجَرْحِهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا غَيْرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ مَا يَحْصُلُ بِالْوَاقِعِ فِيهَا مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَيْسَتِ الْجِرَاحَةُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ الْإِتْلَافَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا. قَالَ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ أَوْ هُوَ مِثَالٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْإِتْلَافَاتِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لَا عُمُومَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَضَمَّنُوا حَافِرَ الْبِئْرِ مُطْلَقًا قِيَاسًا عَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَلَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْبِئْرِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ بِلَفْظِ: النَّارُ جُبَارٌ بِنُونٍ وَأَلِفٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُ فَتَعَدَّتْ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَحَّفَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ، فَظَنَّ بَعْضُهُمُ الْبِئْرَ الْمُوَحَّدَةَ النَّارَ بِالنُّونِ فَرَوَاهَا كَذَلِكَ، قُلْتُ: هَذَا التَّأْوِيلُ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَجَزَمَ بِأَنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى قَوْلِهِ بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ بِهَذَا تُرَدُّ أَحَادِيثُ الثِّقَاتِ. قُلْتُ: وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ بِالِاحْتِمَالَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ

стр. 7243

مَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: اتِّفَاقُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْبِئْرِ دُونَ النَّارِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى مَشْهُورٍ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَيَأْتِي عَنْهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَالْجُبُّ جُبَارٌ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ وَهِيَ الْبِئْرُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَغْلِيطِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ حَيْثُ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الرِّجْلُ جُبَارٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُكْثِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَتَفَرَّدَ سُفْيَانُ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَعُدَّ مُنْكَرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ هَذَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ: نَعَمِ؛ الْحُكْمُ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَحِيحٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنَ الْإِلْحَاقِ بِالْعَجْمَاءِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ جَمَادٍ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا عَثَرَ فَوَقَعَ رَأْسُهُ فِي جِدَارٍ فَمَاتَ أَوِ انْكَسَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْرِ لَكِنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمَعْدِنُ مُذَكَّرٌ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّأْنِيثِ لِلْمُؤَاخَاةِ أَوْ لِمُلَاحَظَةِ أَرْضِ الْمَعْدِنِ، فَلَوْ حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهِ شَخْصٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ لَهُ فَانْهَارَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ فِي ذَلِكَ كُلُّ أَجِيرٍ عَلَى عَمَلٍ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُودِ نَخْلَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَمَاتَ. قَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ٢٩ - بَاب الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنْ النَّفْحَةِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ. ٦٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) أَفْرَدَهَا بِتَرْجَمَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّفَارِيعِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ) بِالتَّشْدِيدِ (مِنَ النَّفْحَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، أَيِ: الضَّرْبَةِ بِالرِّجْلِ، يُقَالُ: نَفَحَتِ الدَّابَّةُ إِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، وَنَفَحَ بِالْمَالِ رَمَى بِهِ، وَنَفَحَ عَنْ فُلَانٍ، وَنَافَحَ: دَفَعَ وَدَافَعَ. قَوْلُهُ: (وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ خَفِيفَةٍ هُوَ مَا يُوضَعُ فِي فَمِ الدَّابَّةِ لِيَصْرِفَهَا الرَّاكِبُ كَمَا يَخْتَارُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا كَانَتْ مَرْكُوبَةً فَلَفَتَ الرَّاكِبُ عِنَانَهَا فَأَصَابَتْ بِرِجْلِهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ، وَإِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَسَبُّبٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَطْعُنَ. قَوْلُهُ: (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) هُوَ

стр. 7244

أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَ بَعْضَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّتِهِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: يَضْمَنُ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا يَضْمَنُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُرَيْحٌ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ. قَوْلُهُ: (لَا يَضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ) أَيِ الدَّابَّةُ (أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: يَضْمَنُ السَّائِقَ وَالرَّاكِبَ وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إِذَا عَاقَبَتْ، قُلْتُ: وَمَا عَاقَبَتْ قَالَ: إِذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ: أَوْ رَأْسُهَا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهَا رَجُلٌ فَتُعَاقِبَهُ فَلَا ضَمَانَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ) أَيِ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدُ فُقَهَائِهِمْ (وَحَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ: (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةٌ أَيْ تَسْقُطُ. قَوْلُهُ: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا ضَمَانَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ) وَصَلَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَ: إِذَا سَاقَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَأَتْعَبَهَا فَأَصَابَتْ إِنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا أَيْ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا أَصَابَتْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَقَالُوا: لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِسَبَبٍ، وَيَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَقَدِ احْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ بِخِلَافِ الْيَدِ وَالْفَمِ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: الرِّجْلُ جُبَارٌ وَقَدْ غَلَّطَهُ الْحُفَّاظُ، وَلَوْ صَحَّ فَالْيَدُ أَيْضًا جُبَارٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرِّجْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ هِيَ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ حَدِيثُ الرِّجْلُ جُبَارٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَجْمَاءِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زِيَادَةٌ وَالرِّجْلُ جُبَارٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ وَهْمٌ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ وَالْقَائِدُ فِي الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ إِلَّا إِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا؛ إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْفَمِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا بِاللِّجَامِ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ هُوَ الْجُمَحِيُّ، وَالسَّنَدُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ حَامِدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ: جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ قَيْدًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إِتْلَافُهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ أَيْ لَا دِيَةَ فِيمَا تُتْلِفُهُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ مَنْ قَالَ: لَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ رَاكِبًا كَأَنْ يَلْوِيَ عِنَانَهَا فَتُتْلِفَ

стр. 7245

شَيْئًا بِرِجْلِهَا مَثَلًا أَوْ يَطْعَنَهَا أَوْ يَزْجُرَهَا حِينَ يَسُوقَهَا أَوْ يَقُودَهَا حَتَّى تُتْلِفَ مَا مَرَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ كَانَ سَائِقًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا، وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ رَأْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ سَوَاءٌ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا وَعَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ رَمَحَتْ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا أَحَدٌ شَيْئًا تَرْمَحُ بِسَبَبِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ بِلَفْظِ: السَّائِمَةُ جُبَارٌ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجْمَاءِ الْبَهِيمَةُ الَّتِي تَرْعَى لَا كُلُّ بَهِيمَةٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِمَةِ هُنَا الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى السَّائِمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا تُعْلَفُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، وَأَمَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا، فَإِذَا أَتْلَفَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّخْصِيصِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ حَرَامًا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً. وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ مَعَ حَرَامٍ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَا: إِنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ عَلَى أَلْوَانٍ وَالْمُسْنَدُ مِنْهَا طَرِيقُ حَرَامٍ، عَنِ الْبَرَاءِ. وَحَرَامٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ ابْنُ مُحَيِّصَةَ نَفْسُهُ أَوِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ. قُلْتُ: وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ، انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْ عَنْ قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّهْرِيِّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاخٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الثِّقَاتُ وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَأَمَّا إِشَارَةُ الطَّحَاوِيِّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَقَدْ تَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ. وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ لِثُبُوتِهِ وَمَعْرِفَةِ رِجَالِهِ وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصُّ، فَلَمَّا قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَقَضَى فِيمَا أَفْسَدَتِ الْعَجْمَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَتِ الْعَجْمَاءُ مِنْ جَرْحٍ وَغَيْرِهِ فِي حَالٍ جُبَارٌ وَفِي حَالٍ غَيْرُ جُبَارٍ، ثُمَّ نَقَضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْأَخْذِ بِعُمُومِهِ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ مُتَمَسِّكِينَ بِحَدِيثِ الرِّجْلُ جُبَارٌ مَعَ ضَعْفِ رَاوِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ إِرْسَالَ الْمَوَاشِي لَيْلًا وَحَبْسِهَا نَهَارًا انْعَكَسَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ الْقَسْمُ الْوَاجِبُ لِلْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ لَيْلًا وَيَأْوِي إِلَى أَهْلِهِ نَهَارًا

стр. 7246

لَانْعَكَسَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ مَعَ أَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، نَعَمْ، لَوِ اضْطَرَبَتِ الْعَادَةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُرْسِلُهَا لَيْلًا وَبَعْضُهُمْ يُرْسِلُهَا نَهَارًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْضَى بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ. ٣٠ - بَاب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ ٦٩١٤ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الْجِزْيَةِ حِكْمَةَ هَذَا الْقَيْدِ وَأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ فَقَدْ عُرِفَ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَوَقَعَ نَصًّا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: حَقٌّ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَه ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، وَالذِّمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الذِّمَّةِ، وَهِيَ الْعَهْدُ، وَمِنْهُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ. قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ مُصَغَّرٌ وَقَدْ بَيَّنْتُ حَالَهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ. قَوْلُهُ: (مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) هَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا بَيْنَ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَجَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْدَنْجِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي بَيَانِ الْمُرْسَلِ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَوْلُهُ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا) كَذَا تَرْجَمَ بِالذِّمِّيِّ، وَأَوْرَدَ الْخَبَرَ فِي الْمُعَاهَدِ وَتَرْجَمَ فِي الْجِزْيَةِ بِلَفْظِ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَةٍ أَوْ هُدْنَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمَانٍ مِنْ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ لَفْظَهُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْجِزْيَةِ مَنْ تَابَعَ عَبْدَ الْوَاحِدِ عَلَى إِسْقَاطِ جُنَادَةَ، وَنَقَلْتُ تَرْجِيحَ الدَّارَقُطْنِيِّ لِرِوَايَةِ مَرْوَانَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنْتُ أَنَّ مُجَاهِدًا لَيْسَ مُدَلِّسًا وَسَمَاعُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ثَابِتٌ فَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ عَبْدُ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ تُوبِعَ وَانْفَرَدَ مَرْوَانُ بِالزِّيَادَةِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَرِحْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجِزْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّفْيِ وَإِنْ كَانَ عَامًّا التَّخْصِيصُ بِزَمَانٍ مَا لِمَا تَعَاضَدَتِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ وَمَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَوْ عُذِّبَ قَبْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (لَيُوجَدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ اللَّامِ. قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ عَامًا) كَذَا وَقَعَ لِلْجَمِيعِ وَخَالَفَهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: سَبْعِينَ عَامًا، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا. وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَنَحْوُهُ

стр. 7247

لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَيَكُونُ قَوْمٌ لَهُمْ عَهْدٌ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: خَمْسمِائَةِ عَامٍ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثٍ لِجَابِرٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ: إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُدْرَكُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: الْأَرْبَعُونَ هِيَ الْأَشَدُّ فَمَنْ بَلَغَهَا زَادَ عَمَلُهُ وَيَقِينُهُ وَنَدَمُهُ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَبْعَثُهُ عَلَى الطَّاعَةِ، قَالَ: وَالسَّبْعُونَ آخِرُ الْمُعْتَرَكِ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا النَّدَمُ وَخَشْيَةُ هُجُومِ الْأَجَلِ فَتَزْدَادُ الطَّاعَةُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ فَيَجِدُ رِيحَهَا مِنَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَكَرَ فِي الْخَمْسِمِائَةِ كَلَامًا مُتَكَلَّفًا حَاصِلُهُ أَنَّهَا مُدَّةُ الْفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ فَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا وَآمَنَ بِالنَّبِيِّينَ يَكُونُ أَفْضَلَ فِي غَيْرِهِ فَيَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَدُ بِخُصُوصِهِ مَقْصُودًا بَلِ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ، وَلِهَذَا خَصَّ الْأَرْبَعِينَ وَالسَّبْعِينَ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعَدَدِ لِأَنَّ فِيهِ الْآحَادَ، وَآحَادُهُ عَشَرَةٌ، وَالْمِائَةُ عَشَرَاتٌ، وَالْأَلْفُ مِئَاتٌ، وَالسَّبْعُ عَدَدٌ فَوْقَ الْعَدَدِ الْكَامِلِ وَهُوَ سِتَّةٌ؛ إِذْ أَجْزَاؤُهُ بِقَدْرِهِ وَهِيَ النِّصْفُ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَأَمَّا الْخَمْسُمِائَةِ فَهِيَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْأَرْبَعِينَ أَقَلُّ زَمَنٍ يُدْرِكُ بِهِ رِيحَ الْجَنَّةِ مَنْ فِي الْمَوْقِفِ وَالسَّبْعِينَ فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ ذُكِرَتْ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْخَمْسُمِائَةِ ثُمَّ الْأَلْفُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْمَالِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبُعْدَى أَفْضَلُ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْقُرْبَى وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بِتَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، ثم رَأَيْتُ نَحْوَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، فَقَالَ: رِيحُ الْجَنَّةِ لَا يُدْرَكُ بِطَبِيعَةٍ وَلَا عَادَةٍ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِمَا يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ إِدْرَاكِهِ فَتَارَةً يُدْرِكُهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ وَتَارَةً مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسمِائَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْمُهَلَّبَ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ أَوِ الْمُعَاهَدَ لَا يُقْتَلُ بِهِ لِلِاقْتِصَارِ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْوَعِيدِ الْأُخْرَوِيِّ دُونَ الدُّنْيَوِيِّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ٣١ - بَاب لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ ٦٩١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ح، وحَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ - وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ - فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ) عَقَّبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِالَّتِي قَبْلَهَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى قَتْلِ الذِّمِّيِّ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الْمُسْلِمِ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ فَلَيْسَ لَهُ قَتْلُ كُلِّ

стр. 7248

كَافِرٍ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) ثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ح وَحَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ إِلَخْ وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَطَرِيقُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِزْيَةِ. قَوْلُهُ: (مُطَرِّفٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ. قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ عَلِيًّا) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بَيَانُ سَبَبِ هَذَا السُّؤَالِ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَخْصَرُ مِنْ سِيَاقِهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا السَّنَدِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ الْقُرْآنِ؟ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ وَبَيَانِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظٍ نَقَلْتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَبَيَانِ الْمُرَادِ بِالْعَقْلِ وَفِكَاكِ الْأَسِيرِ. وَأَمَّا تَرْكُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ، إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غِيلَةً أَنْ يُقْتَلَ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمَجُوسِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَّا الطَّرِيقَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فَإِنَّ سَنَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَقَالُوا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، قَالُوا: وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَيَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ، لِأَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هُوَ الْحَرْبِيُّ دُونَ الْمُسَاوِي لَهُ وَالْأَعْلَى، فَلَا يَبْقَى مَنْ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ إِلَّا الْحَرْبِيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ هُوَ الْحَرْبِيُّ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: وَلَا ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَإِلَّا لَكَانَ لَحْنًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَلْحَنُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ ذَا الْعَهْدِ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْقِصَاصِ فَصَارَ التَّقْدِيرُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ. قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وَالْكَلَامُ مُسْتَقِيمٌ بِغَيْرِهِ إِذَا جَعَلْنَا الْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً، وَيُؤَيِّدُهُ اقْتِصَارُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا لِلْعَطْفِ فَالْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ النَّفْيِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مُنْطَلِقًا وَعَمْرٍو، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِعَمْرٍو مُنْطَلِقًا أَيْضًا بَلِ الْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ الْمُرُورِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّمَاءِ الَّتِي يَسْقُطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً غَيْرَ هَذِهِ، وَقَدْ أَبْدَى الشَّافِعِيُّ لَهُ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا أَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا قَوَدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ دِمَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قِصَاصًا، وَلَا يُقْتَلُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مَا دَامَ عَهْدُهُ بَاقِيًا، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا حَمْلُهُمُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَمِنْ حَيْثُ
следующие страницы →