Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7244–7283 · переход к 7249.
стр. 7244
أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَ بَعْضَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّتِهِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: يَضْمَنُ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا يَضْمَنُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُرَيْحٌ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ) أَيِ الدَّابَّةُ (أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: يَضْمَنُ السَّائِقَ وَالرَّاكِبَ وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إِذَا عَاقَبَتْ، قُلْتُ: وَمَا عَاقَبَتْ قَالَ: إِذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ: أَوْ رَأْسُهَا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهَا رَجُلٌ فَتُعَاقِبَهُ فَلَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ) أَيِ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدُ فُقَهَائِهِمْ (وَحَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةٌ أَيْ تَسْقُطُ.
قَوْلُهُ: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ) وَصَلَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَ: إِذَا سَاقَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَأَتْعَبَهَا فَأَصَابَتْ إِنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا أَيْ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا أَصَابَتْ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَقَالُوا: لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِسَبَبٍ، وَيَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَقَدِ احْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ بِخِلَافِ الْيَدِ وَالْفَمِ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: الرِّجْلُ جُبَارٌ وَقَدْ غَلَّطَهُ الْحُفَّاظُ، وَلَوْ صَحَّ فَالْيَدُ أَيْضًا جُبَارٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرِّجْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ هِيَ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ حَدِيثُ الرِّجْلُ جُبَارٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَجْمَاءِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زِيَادَةٌ وَالرِّجْلُ جُبَارٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ وَهْمٌ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ وَالْقَائِدُ فِي الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ إِلَّا إِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا؛ إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْفَمِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا بِاللِّجَامِ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ هُوَ الْجُمَحِيُّ، وَالسَّنَدُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ حَامِدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ: جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ قَيْدًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إِتْلَافُهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ أَيْ لَا دِيَةَ فِيمَا تُتْلِفُهُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ مَنْ قَالَ: لَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ رَاكِبًا كَأَنْ يَلْوِيَ عِنَانَهَا فَتُتْلِفَ
стр. 7245
شَيْئًا بِرِجْلِهَا مَثَلًا أَوْ يَطْعَنَهَا أَوْ يَزْجُرَهَا حِينَ يَسُوقَهَا أَوْ يَقُودَهَا حَتَّى تُتْلِفَ مَا مَرَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ كَانَ سَائِقًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا، وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ رَأْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ سَوَاءٌ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا وَعَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ رَمَحَتْ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا أَحَدٌ شَيْئًا تَرْمَحُ بِسَبَبِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ بِلَفْظِ: السَّائِمَةُ جُبَارٌ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجْمَاءِ الْبَهِيمَةُ الَّتِي تَرْعَى لَا كُلُّ بَهِيمَةٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِمَةِ هُنَا الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى السَّائِمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا تُعْلَفُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، وَأَمَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا، فَإِذَا أَتْلَفَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّخْصِيصِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ حَرَامًا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً.
وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ مَعَ حَرَامٍ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَا: إِنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ عَلَى أَلْوَانٍ وَالْمُسْنَدُ مِنْهَا طَرِيقُ حَرَامٍ، عَنِ الْبَرَاءِ. وَحَرَامٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ ابْنُ مُحَيِّصَةَ نَفْسُهُ أَوِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ، انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْ عَنْ قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّهْرِيِّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاخٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الثِّقَاتُ وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَأَمَّا إِشَارَةُ الطَّحَاوِيِّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَقَدْ تَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ.
وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ لِثُبُوتِهِ وَمَعْرِفَةِ رِجَالِهِ وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصُّ، فَلَمَّا قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَقَضَى فِيمَا أَفْسَدَتِ الْعَجْمَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَتِ الْعَجْمَاءُ مِنْ جَرْحٍ وَغَيْرِهِ فِي حَالٍ جُبَارٌ وَفِي حَالٍ غَيْرُ جُبَارٍ، ثُمَّ نَقَضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْأَخْذِ بِعُمُومِهِ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ مُتَمَسِّكِينَ بِحَدِيثِ الرِّجْلُ جُبَارٌ مَعَ ضَعْفِ رَاوِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ إِرْسَالَ الْمَوَاشِي لَيْلًا وَحَبْسِهَا نَهَارًا انْعَكَسَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ الْقَسْمُ الْوَاجِبُ لِلْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ لَيْلًا وَيَأْوِي إِلَى أَهْلِهِ نَهَارًا
стр. 7246
لَانْعَكَسَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ مَعَ أَنَّ عِمَادَ الْقَسْمِ اللَّيْلُ، نَعَمْ، لَوِ اضْطَرَبَتِ الْعَادَةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُرْسِلُهَا لَيْلًا وَبَعْضُهُمْ يُرْسِلُهَا نَهَارًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْضَى بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ.
٣٠ - بَاب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ
٦٩١٤ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الْجِزْيَةِ حِكْمَةَ هَذَا الْقَيْدِ وَأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ فَقَدْ عُرِفَ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَوَقَعَ نَصًّا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: حَقٌّ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَه ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، وَالذِّمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الذِّمَّةِ، وَهِيَ الْعَهْدُ، وَمِنْهُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ مُصَغَّرٌ وَقَدْ بَيَّنْتُ حَالَهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: (مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) هَكَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا بَيْنَ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَجَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْدَنْجِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي بَيَانِ الْمُرْسَلِ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قَوْلُهُ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا) كَذَا تَرْجَمَ بِالذِّمِّيِّ، وَأَوْرَدَ الْخَبَرَ فِي الْمُعَاهَدِ وَتَرْجَمَ فِي الْجِزْيَةِ بِلَفْظِ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَةٍ أَوْ هُدْنَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمَانٍ مِنْ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ لَفْظَهُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْجِزْيَةِ مَنْ تَابَعَ عَبْدَ الْوَاحِدِ عَلَى إِسْقَاطِ جُنَادَةَ، وَنَقَلْتُ تَرْجِيحَ الدَّارَقُطْنِيِّ لِرِوَايَةِ مَرْوَانَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنْتُ أَنَّ مُجَاهِدًا لَيْسَ مُدَلِّسًا وَسَمَاعُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ثَابِتٌ فَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ عَبْدُ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ تُوبِعَ وَانْفَرَدَ مَرْوَانُ بِالزِّيَادَةِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَرِحْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجِزْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّفْيِ وَإِنْ كَانَ عَامًّا التَّخْصِيصُ بِزَمَانٍ مَا لِمَا تَعَاضَدَتِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ وَمَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَوْ عُذِّبَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَيُوجَدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ عَامًا) كَذَا وَقَعَ لِلْجَمِيعِ وَخَالَفَهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: سَبْعِينَ عَامًا، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا.
وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَنَحْوُهُ
стр. 7247
لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَيَكُونُ قَوْمٌ لَهُمْ عَهْدٌ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: خَمْسمِائَةِ عَامٍ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثٍ لِجَابِرٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ: إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُدْرَكُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: الْأَرْبَعُونَ هِيَ الْأَشَدُّ فَمَنْ بَلَغَهَا زَادَ عَمَلُهُ وَيَقِينُهُ وَنَدَمُهُ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَبْعَثُهُ عَلَى الطَّاعَةِ، قَالَ: وَالسَّبْعُونَ آخِرُ الْمُعْتَرَكِ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا النَّدَمُ وَخَشْيَةُ هُجُومِ الْأَجَلِ فَتَزْدَادُ الطَّاعَةُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ فَيَجِدُ رِيحَهَا مِنَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَكَرَ فِي الْخَمْسِمِائَةِ كَلَامًا مُتَكَلَّفًا حَاصِلُهُ أَنَّهَا مُدَّةُ الْفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ فَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا وَآمَنَ بِالنَّبِيِّينَ يَكُونُ أَفْضَلَ فِي غَيْرِهِ فَيَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَدُ بِخُصُوصِهِ مَقْصُودًا بَلِ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ، وَلِهَذَا خَصَّ الْأَرْبَعِينَ وَالسَّبْعِينَ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعَدَدِ لِأَنَّ فِيهِ الْآحَادَ، وَآحَادُهُ عَشَرَةٌ، وَالْمِائَةُ عَشَرَاتٌ، وَالْأَلْفُ مِئَاتٌ، وَالسَّبْعُ عَدَدٌ فَوْقَ الْعَدَدِ الْكَامِلِ وَهُوَ سِتَّةٌ؛ إِذْ أَجْزَاؤُهُ بِقَدْرِهِ وَهِيَ النِّصْفُ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَأَمَّا الْخَمْسُمِائَةِ فَهِيَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْأَرْبَعِينَ أَقَلُّ زَمَنٍ يُدْرِكُ بِهِ رِيحَ الْجَنَّةِ مَنْ فِي الْمَوْقِفِ وَالسَّبْعِينَ فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ ذُكِرَتْ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْخَمْسُمِائَةِ ثُمَّ الْأَلْفُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْمَالِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبُعْدَى أَفْضَلُ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْقُرْبَى وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بِتَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، ثم رَأَيْتُ نَحْوَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، فَقَالَ: رِيحُ الْجَنَّةِ لَا يُدْرَكُ بِطَبِيعَةٍ وَلَا عَادَةٍ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِمَا يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ إِدْرَاكِهِ فَتَارَةً يُدْرِكُهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ وَتَارَةً مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسمِائَةٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْمُهَلَّبَ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ أَوِ الْمُعَاهَدَ لَا يُقْتَلُ بِهِ لِلِاقْتِصَارِ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْوَعِيدِ الْأُخْرَوِيِّ دُونَ الدُّنْيَوِيِّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٣١ - بَاب لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ
٦٩١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ح، وحَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ - وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ - فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ) عَقَّبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِالَّتِي قَبْلَهَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى قَتْلِ الذِّمِّيِّ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الْمُسْلِمِ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ فَلَيْسَ لَهُ قَتْلُ كُلِّ
стр. 7248
كَافِرٍ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) ثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ح وَحَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ إِلَخْ وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَطَرِيقُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: (مُطَرِّفٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ عَلِيًّا) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بَيَانُ سَبَبِ هَذَا السُّؤَالِ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَخْصَرُ مِنْ سِيَاقِهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا السَّنَدِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ الْقُرْآنِ؟ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ وَبَيَانِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظٍ نَقَلْتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَبَيَانِ الْمُرَادِ بِالْعَقْلِ وَفِكَاكِ الْأَسِيرِ.
وَأَمَّا تَرْكُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ، إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قَتَلَ غِيلَةً أَنْ يُقْتَلَ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَهِيَ لَا تُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ دُونَ الْمَجُوسِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَّا الطَّرِيقَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فَإِنَّ سَنَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَقَالُوا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، قَالُوا: وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَيَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ، لِأَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هُوَ الْحَرْبِيُّ دُونَ الْمُسَاوِي لَهُ وَالْأَعْلَى، فَلَا يَبْقَى مَنْ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ إِلَّا الْحَرْبِيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ هُوَ الْحَرْبِيُّ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: وَلَا ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَإِلَّا لَكَانَ لَحْنًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَلْحَنُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ ذَا الْعَهْدِ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْقِصَاصِ فَصَارَ التَّقْدِيرُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ.
قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وَالْكَلَامُ مُسْتَقِيمٌ بِغَيْرِهِ إِذَا جَعَلْنَا الْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً، وَيُؤَيِّدُهُ اقْتِصَارُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا لِلْعَطْفِ فَالْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ النَّفْيِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مُنْطَلِقًا وَعَمْرٍو، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِعَمْرٍو مُنْطَلِقًا أَيْضًا بَلِ الْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ الْمُرُورِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّمَاءِ الَّتِي يَسْقُطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً غَيْرَ هَذِهِ، وَقَدْ أَبْدَى الشَّافِعِيُّ لَهُ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا أَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا قَوَدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ دِمَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قِصَاصًا، وَلَا يُقْتَلُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مَا دَامَ عَهْدُهُ بَاقِيًا، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا حَمْلُهُمُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَمِنْ حَيْثُ
стр. 7249
الْمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يُبْنَى فِي الشَّرْعِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ لِشَرَفِ الْإِسْلَامِ أَوْ لِنَقْصِ الْكُفْرِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَنْبُوعُ الْكَرَامَةِ وَالْكُفْرَ يَنْبُوعُ الْهَوَانِ، وَأَيْضًا إِبَاحَةُ دَمِ الذِّمِّيِّ شُبْهَةٌ قَائِمَةٌ لِوُجُودِ الْكُفْرِ الْمُبِيحِ لِلدَّمِ، وَالذِّمَّةُ إِنَّمَا هِيَ عَهْدٌ عَارِضٌ مَنَعَ الْقَتْلَ مَعَ بَقَاءِ الْعِلَّةِ، فَمِنَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ أَنْ لَا يَقْتُلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا فَإِنِ اتَّفَقَ الْقَتْلُ لَمْ يُتَّجَهِ الْقَوْلُ بِالْقَوَدِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ الْمُبِيحَةَ لِقَتْلِهِ مَوْجُودَةٌ وَمَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ لَا يُتَّجَهُ الْقَوَدُ.
قُلْتُ: وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِ أَصْحَابِهِ فَأَسْنَدَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: قُلْتُ لِزُفَرَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ فَجِئْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ فَأَقْدَمْتُمْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ، قَالَ: فَاشْهَدْ عَلَى أَنِّي رَجَعْتُ عَنْ هَذَا، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ سَأَلَ الشَّاشِيَّ عَنْ دَلِيلِ تَرْكِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، قَالَ: وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْعُمُومِ فَيَقُولُ أَخُصُّهُ بِالْحَرْبِيِّ، فَعَدَلَ الشَّاشِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَجْهُ دَلِيلِي السُّنَّةُ وَالتَّعْلِيلُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، فَمَعْنَى لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ تَفْضِيلُ الْمُسْلِمِ بِالْإِسْلَامِ. فَأَسْكَتَهُ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ مَطَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، وَقَالَ: أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ وَلَمْ يَرْوِهِ مَوْصُولًا غَيْرُهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ مُرْسَلًا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْطَأَ رَاوِيهِ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي سَنَدِهِ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَرَاوِيهِ غَيْرُ ثِقَةٍ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى.
قُلْتُ: لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إِبْرَاهِيمُ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَوُثِّقَ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ إِذَا وَصَلَ، فَكَيْفَ إِذَا أَرْسَلَ، فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ؟ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَبِمِثْلِ هَذَا السَّنَدِ لَا تُسْفَكُ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: وَتَبَيَّنَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ مَطَرٍ خَبَطَ فِي سَنَدِهِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ كَلَامًا حَاصِلُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قِصَّةِ الْمُسْتَأْمَنِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ خَطَبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَقِصَّةُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِزَمَانٍ.
قُلْتُ: وَمِنْ هُنَا يُتَّجَهُ صِحَّةُ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ خُطْبَةَ يَوْمِ الْفَتْحِ كَانَتْ بِسَبَبِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَتْ خُزَاعَةُ وَكَانَ لَهُ عَهْدٌ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ قَتَلْتُ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ لَقَتَلْتُهُ بِهِ، وَقَالَ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدٍ فَأَشَارَ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ إِلَى تَرْكِ اقْتِصَاصِهِ مِنَ الْخُزَاعِيِّ بِالْمُعَاهَدِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَبِالْحُكْمِ الثَّانِي إِلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْقَاتِلُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ حُجَجِهِمْ قَطْعُ الْمُسْلِمِ بِسَرِقَةِ مَالِ الذِّمِّيِّ، قَالُوا: وَالنَّفْسُ أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ حَسَنٌ لَوْلَا النَّصُّ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُعِيدَتِ السَّرِقَةُ بِعَيْنِهَا لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ وَلَوْ عَفَا، وَالْقَتْلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا الْقِصَاصُ يُشْعِرُ بِالْمُسَاوَاةِ وَلَا مُسَاوَاةَ لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَالْقَطْعُ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ.
٣٢ - بَاب إِذَا لَطَمَ الْمُسْلِمُ يَهُودِيًّا عِنْدَ الْغَضَبِ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 7250
٦٩١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ.
٦٩١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ لَطَمَ وَجْهِي، فقَالَ: ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ، فقَالَ: ألَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ: قُلْتُ: أعَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، قَالَ: فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ، قَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَطَمَ الْمُسْلِمُ يَهُودِيًّا عِنْدَ الْغَضَبِ) أَيْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَأَنَّهُ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمُخَالِفَ يَرَى الْقِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتَصَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلذِّمِّيِّ مِنَ الْمُسْلِمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الْكُوفِيِّينَ يَرَى الْقِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ فَيَخْتَصُّ الْإِيرَادَ بِمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَعَ شَرْحِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ هُنَاكَ: فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، الْحَدِيثَ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ عَلَى بَعْضِ الْمَتْنِ وَسَاقَهُ تَامًّا بِالسَّنَدِ الثَّانِي، وَكَانَ سُفْيَانُ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - يُحَدِّثُ بِهِ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَزَادَ: فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ تَامًّا.
قُلْتُ: وَلَيْسَ فِيهِ: فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اسْمِهِ وَفِي اسْمِ الَّذِي لَطَمَهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (لَطَمَ وَجْهِي) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ قَدْ لَطَمَ وَجْهِي.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَلَطَمْتَ وَجْهَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِمَ لَطَمْتَ.
قَوْلُهُ: (أَمْ جُوزِيَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ جُزِيَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِعْدَاءُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَرَفْعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَسَمَاعُ الْحَاكِمِ دَعْوَاهُ، وَتَعَلُّمُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْحُكْمَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا أَقْدَمَ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَازَ لِلْمُسْلِمِ الْمَعْرُوفِ بِالْعِلْمِ تَعْزِيرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَتْ سَائِرُ فَوَائِدِهِ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇.
(خَاتِمَةٌ):
اشْتَمَلَ كِتَابُ الدِّيَاتِ وَالْقِصَاصِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُتَابَعَاتِ سَبْعَةُ أَحَادِيثَ، وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعُونَ، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
стр. 7251
أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْكَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، وَحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ الْمُرْسَلِ: مَا قتل أَحَد قَطُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ، وَحَدِيثِهِ الْمُرْسَلِ: دَخَلَ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ الْحَدِيثَ فِي الْقَسَامَةِ.
وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَثَرًا بَعْضُهَا مَوْصُولٌ وَسَائِرُهَا مُعَلَّقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٨ - كِتَاب اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَسَقَطَ لَفْظُ كِتَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَأَمَّا النَّسَفِيُّ فَقَالَ: كِتَابُ الْمُرْتَدِّينَ ثُمَّ بَسْمَلَ ثُمَّ قَالَ: بَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ وَإِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَالْمُعَانِدِينَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالنُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ بِالْهَاءِ بَدَلَ النُّونِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوَابُ.
١ - بَاب إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
٦٩١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيْسَ بِذَلكَ، أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
٦٩١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ح وحَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ "عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ : "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ "ثَلَاثًا" أَوْ قَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ"
٦٩٢٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ. قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ"
стр. 7252
٦٩٢١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالْآخِرِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقِتَالِهِمْ: وَإِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ إِلَخْ وَحَذَفَ لَفْظَ بَابٍ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ، لِعَطْفِ آيَةٍ عَلَى آيَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ؛ لِأَنَّهُ فِي التِّلَاوَةِ بِلَا وَاوٍ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْآيَةُ الْأُولَى دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَالْمُشْرِكُ أَصْلٌ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ لِمَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مُسَاوِيًا فَنَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى غَيْرِ الْمُنْعِمِ بِهَا، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ خُوطِبَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَالْإِحْبَاطُ الْمَذْكُورُ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَفِي آخِرِهِ: لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: لمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: بِشِرْكٍ الْحَدِيثَ.
وَقَدْ أَرْسَلَ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ رُوَاتِهِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: بِشِرْكٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: لَمْ يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَفَزِعَ فَسَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ لِسَلْمَانَ: آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَذَكَرَهَا فَقَالَ سَلْمَانُ: هُوَ الشِّرْكُ، فَسُرَّ زَيْدٌ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ لِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً، لَيْسَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَسَنَدُهُمَا ضَعِيفٌ. وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَأَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ اللَّبْسِ يَأْبَى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ هُنَا بِالشِّرْكِ مُعْتَلًّا بِأَنَّ اللَّبْسَ الْخَلْطُ وَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ الْخَالِصِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْوَاقِعَ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَهُ ثَابِتٌ لِمَنْ قَبْلَهُ لِاكْتِسَابِهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْنَ الْمَذْكُورَ ثَانِيًا هُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَيْنَ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾
قَالَ: وَأَمَّا مَعْنَى اللَّبْسِ فَلَبْسُ الْإِيمَانِ بِالظُّلْمِ أَنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ اللَّهِ وَيَخْلِطَ بِهِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا، وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى
стр. 7253
فَقَالُوا هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ وَلَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْأُمَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الحديث الثالث حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي ذِكْرِ الْكَبَائِرِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ قَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ إِشْكَابَ أَخُو عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ قَبْلَهُ قَلِيلًا وَمَاتَ بَعْدَهُ.
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى شَيْخُهُ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الدِّيَاتِ فِي بَابِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ:
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى، فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَيُبَكَّتُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْكُفْرِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهَلَّا مَنَعَكَ إِسْلَامُكَ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ؟ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِرِ بِالْعُقُوبَةِ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ غَيْرِهِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيُعَاقَبْ عَلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ حَدِيثِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ فِي عَقْدِهِ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا، وَلَا تَكُونُ الْإِسَاءَةُ هُنَا إِلَّا الْكُفْرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَى: مَنْ أَحْسَنَ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ: مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلِغَيْرِهِ: مَعْنَى الْإِحْسَانِ الْإِخْلَاصُ حِينَ دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالْإِسَاءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِصْ إِسْلَامَهُ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَنْهَدِمُ عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُضَافُ نِفَاقُهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَى كُفْرِهِ الْمَاضِي فَيُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ: فِي الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى صِفَةٍ فِي نَفْسِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْجَهُ. (تَنْبِيهٌ):
حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُقَابِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا عَنْ مَالِكٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي عِنْدَ شَرْحِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ هُنَا بَعْضُ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى كِتَابَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْكُفْرِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ
стр. 7254
الْحَنَابِلَةِ مَا يَدْفَعُ دَعْوَةَ الْخَطَّابِيِّ، وَابْنِ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي كَانَ الْكَافِرُ يَفْعَلُهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُونُ تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَنْبُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَلَفَ مِمَّا انْتَهَوْا عَنْهُ.
قَالَ: وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَالْكَافِرُ إِذَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْفَاحِشَةِ لَا يَكُونُ تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَالْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى قَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ.
٢ - بَاب حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ - إِلَى قوله - ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَه وَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
٦٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.
стр. 7255
٦٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - قَالَ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: لَنْ - أَوْلَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: انْزِلْ، فإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: اجْلِسْ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ "ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي"
قَوْلُهُ: (بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ) أَيْ: هَلْ هُمَا سَوَاءٌ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِتَابَتِهِمْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: وَاسْتِتَابَتِهِمَا وَحُذِفَ لِلْبَاقِينَ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوهَا كَأَبِي ذَرٍّ بَعْدَ ذِكْرِ الْآثَارِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ. وَتَوْجِيهُ الْأُولَى أَنَّهُ جُمِعَ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ الْجُمْهُورُ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: تُسْتَرَقُّ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تُبَاعُ بِأَرْضٍ أُخْرَى، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: تُحْبَسُ وَلَا تُقْتَلُ. وَأَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُحْبَسُ الْحُرَّةُ وَيُؤْمَرُ مَوْلَى الْأَمَةِ أَنْ يُجْبِرَهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالزَّهْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي النَّخَعِيَّ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَنَسَبَهُ مُغَلْطَايْ إِلَى تَخْرِيجِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَرْأَةِ تَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهَا قَالَ: تُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ مُغِيثٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْأَةُ عَنِ الْإِسْلَامِ اسْتُتِيبَا، فَإِنْ تَابَا تُرِكَا، وَإِنْ أَبَيَا قُتِلَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا يُقْتَلُ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فَإِنَّ عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ نَقْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُقَابِلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ إِذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي لَفْظِ الْمَتْنِ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الطَّلَّاعِ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدَّةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إِلَى آخِرِهَا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ الْآيَةَ إِلَى (الظَّالِمُونَ)، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ - الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ -: كَافِرِينَ، كَذَا عِنْدَهُ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ خَلْطُ هَذِهِ بِالَّتِي بَعْدَهَا، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ مَا حُذِفَ مِنَ الْآيَةِ لِأَبِي ذَرٍّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ
стр. 7256
الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ ثُمَّ نَدِمَ وَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فَأَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي شَاسِ بْنِ قَيْسٍ الْيَهُودِيِّ، دَسَّ عَلَى الْأَنْصَارِ مَنْ ذَكَّرَهُمْ بِالْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَتَمَادَوْا يَقْتَتِلُونَ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَّرَهُمْ فَعَرَفُوا أَنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ فَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ فَنَزَلَتْ، أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ فِي تَفْسِيرِهِ مُطَوَّلًا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولًا، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّحْذِيرِ عَنْ مُصَادَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ لَا يُؤْمَنُونَ أَنْ يَفْتِنُوا مَنْ صَادَقَهُمْ عَنْ دِينِهِ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إِلَى ﴿سَبِيلا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلنَّسَفِيِّ: ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، الْآيَةَ وَسَاقَهَا كُلَّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ قَالَ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى الْكَافِرِينَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ (مَنْ يَرْتَدِدْ) بِدَالَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، وَنَافِعٍ، وَلِلْبَاقِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَرُوَاةِ الصَّحِيحِ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَيُقَالُ إِنَّ الْإِدْغَامَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَالْإِظْهَارَ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّهُ وُجِدَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِدَالَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ وَافَقَ كُلُّ قَارِئٍ مُصْحَفَ بَلَدِهِ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ فِي مُصْحَفَيِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ بِدَالَيْنِ وَفِي الْبَقِيَّةِ بِدَالٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إِلَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَهِيَ حُجَّةٌ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا وَقَعَ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بَعْدَ هَذَا.
قَوْلُهُ: (لَا جَرَمَ) يَقُولُ: حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ - إِلَى - ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى لَا جَرَمَ حَقًّا، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَحُذِفَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ؛ فَفِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ صَدْرًا الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَفِي الْآيَةِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنِ ارْتَدَّ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ أَيْضًا الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَالْغَرَضَ مِنْهَا قَوْلُهُ: إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَإِنَّهُ يُقَيِّدُ مُطْلَقَ مَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ فَقِيلَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: يَجِبُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
قُلْتُ: وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُعَاذٍ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ بِالْآيَاتِ الَّتِي لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلِاسْتِتَابَةِ وَالَّتِي فِيهَا أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَنْفَعُ، وَبِعُمُومِ قَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَبِقِصَّةِ مُعَاذٍ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ حُكْمُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْعَى، قَالُوا: وَإِنَّمَا تُشْرَعُ الِاسْتِتَابَةُ لِمَنْ خَرَجَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا عَنْ بَصِيرَةٍ، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ بَصِيرَةٍ فَلَا.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مُوَافَقَتَهُمْ لَكِنْ قَالَ: إِنْ جَاءَ مُبَادِرًا بِالتَّوْبَةِ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ وَوَكَلْتَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ: إِنْ كَانَ أَصْلُهُ مُسْلِمًا لَمْ يُسْتَتَبْ وَإِلَّا اسْتُتِيبَ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْقَصَّارِ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بِالْإِجْمَاعِ يَعْنِي السُّكُوتِيَّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي أَمْرِ الْمُرْتَدِّ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ أَيْ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ
стр. 7257
بِالِاسْتِتَابَةِ هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَرَّةِ أَوْ لَابُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ؟ وَهَلِ الثَّلَاثُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي يَوْمٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ: يُسْتَتَابُ شَهْرًا، وَعَنِ النَّخَعِيِّ: يُسْتَتَابُ أَبَدًا كَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ فِي مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عِنْدَ ذِكْرِ الزَّنَادِقَةِ. ثُّمَ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:
الأول: قَوْلُهُ: (أَيُّوبُ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أُتِيَ عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، تَقَدَّمَ فِي بَابِ لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: حَرَّقَ الْمُرْتَدِّينَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ أُنَاسٌ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فِي السِّرِّ.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَأَطْعَمَهُمْ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، فَحَفَرَ حَفِيرَةً ثُمَّ أَتَى بِهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ وَرَمَاهُمْ فِيهَا ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمُ الْحَطَبَ فَأَحْرَقَهُمْ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَزَعَمَ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ الَّذِينَ أَحْرَقَهُمْ عَلِيٌّ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّوَافِضِ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَهُمُ السَّبَائِيَّةُ، وَكَانَ كَبِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَابْتَدَعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَا رُوِّينَاهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخَلِّصِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ هُنَا قَوْمًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَدَّعُونَ أَنَّكَ رَبَّهُمْ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ مَا تَقُولُونَ؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا وَخَالِقُنَا وَرَازِقُنَا. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكُمْ آكُلُ الطَّعَامَ كَمَا تَأْكُلُونَ وَأَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُونَ، إِنْ أَطَعْتُ اللَّهَ أَثَابَنِي إِنْ شَاءَ، وَإِنْ عَصَيْتُهُ خَشِيتُ أَنْ يُعَذِّبَنِي، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَارْجِعُوا، فَأَبَوْا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَوْا عَلَيْهِ فَجَاءَ قَنْبَرٌ، فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ رَجَعُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَقَالَ أَدْخِلْهُمْ فَقَالُوا كَذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثُ قَالَ: لَئِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَأَقْتُلَنَّكُمْ بِأَخْبَثِ قِتْلَةٍ، فَأَبَوْا إِلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ، ائْتِنِي بِفَعْلَةٍ مَعَهُمْ مَرِّرُوهُمْ فَخُدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا بَيْنَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَالْقَصْرِ، وَقَالَ: احْفِرُوا فَأَبْعِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَجَاءَ بِالْحَطَبِ فَطَرَحَهُ بِالنَّارِ فِي الْأُخْدُودِ وَقَالَ: إِنِّي طَارِحُكُمْ فِيهَا أَوْ تَرْجِعُوا، فَأَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا فَقَذَفَ بِهِمْ فِيهَا حَتَّى إِذَا احْتَرَقُوا قَالَ:
إِنِّي إِذَا رَأَيْتُ أَمْرًا مُنْكَرًا … أَوْقَدْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا
وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسٍ مِنَ الزُّطِّ يَعْبُدُونَ وَثَنًا فَأَحْرَقَهُمْ فَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى قِصَّةٍ أُخْرَى، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ النُّعْمَانِ: شَهِدْتُ عَلِيًّا فِي الرَّحْبَةِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ هُنَا أَهْلَ بَيْتٍ لَهُمْ وَثَنٌ فِي دَارٍ يَعْبُدُونَهُ فَقَامَ يَمْشِي إِلَى الدَّارِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ بِمِثَالِ رَجُلٍ، قَالَ: فَأَلْهَبَ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ الدَّارَ.
قَوْلُهُ: (بِزَنَادِقَةٍ) بِزَايٍ وَنُونٍ وَقَافٍ جَمْعُ زِنْدِيقٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَغَيْرُهُ: الزِّنْدِيقُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ أَصْلُهُ: زنده كرداي يَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ لِأَنَّ زنده الْحَيَاةُ وَكرد الْعَمَلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَكُونُ دَقِيقَ النَّظَرِ فِي الْأُمُورِ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ زِنْدِيقٌ وَإِنَّمَا قَالُوا: زَنْدَقِيٌّ لِمَنْ يَكُونُ شَدِيدَ التَّحَيُّلِ، وَإِذَا أَرَادُوا مَا تُرِيدُ الْعَامَّةُ قَالُوا: مُلْحِدٌ وَدَهْرِيٌّ بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ يَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ، وَإِذَا قَالُوهَا بِالضَّمِّ أَرَادُوا كِبَرَ السِّنِّ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الزِّنْدِيقُ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ، وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِنْفٍ فِي الْمِلَلِ أَنَّ أَصْلَ الزَّنَادِقَةِ اتِّبَاعُ دَيْصَانَ ثُمَّ مَانِّيَ ثُمَّ مَزْدَكَ الْأَوَّلُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ، وَالثَّانِي بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَقَدْ تُخَفَّفُ وَالْيَاءُ خَفِيفَةٌ، وَالثَّالِثُ بِزَايٍ سَاكِنَةٍ وَدَالٍ
стр. 7258
مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ كَافٍ، وَحَاصِلُ مَقَالَتِهِمْ أَنَّ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ قَدِيمَانِ وَأَنَّهُمَا امْتَزَجَا فَحَدَثَ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِنْهُمَا، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ فَهُوَ مِنَ الظُّلْمَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ مِنَ النُّورِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ السَّعْيُ فِي تَخْلِيصِ النُّورِ مِنَ الظُّلْمَةِ فَيَلْزَمُ إِزْهَاقُ كُلِّ نَفْسٍ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُتَنَبِّي حَيْثُ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدِ … تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وَكَانَ بَهْرَامُ جَدُّ كِسْرَى تَحَيَّلَ عَلَى مَانِّيَ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَهُ وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَبِلَ مَقَالَتَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقَايَا اتَّبَعُوا مَزْدَكَ الْمَذْكُورَ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ وَالزِّنْدِيقُ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ خَشْيَةَ الْقَتْلِ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ الِاسْمُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: الزَّنْدَقَةُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ، وَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الزِّنْدِيقَ هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ، فَإِنْ أَرَادُوا اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَأَصْلُهُمْ مَا ذَكَرْتُ.
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ: الزِّن دِيقُ الَّذِي لَا يَنْتَحِلُ دِينًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ فِي التَّنْقِيبِ عَلَى الْمُهَذَّبِ: الزَّنَادِقَةُ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ يَقُولُونَ بِبَقَاءِ الدَّهْرِ وَبِالتَّنَاسُخِ، قَالَ: وَمِنَ الزَّنَادِقَةِ الْبَاطِنِيَّةُ وَهُمْ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ شَيْئًا ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ فَدَبَّرَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ وَيُسَمُّونَهُمَا الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ، وَتَارَةً الْعَقْلَ الْأَوَّلَ وَالْعَقْلَ الثَّانِيَ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ فِي النُّورِ وَالظُّلْمَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ غَيَّرُوا الِاسْمَيْنِ، قَالَ: وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ سَخِيفَةٌ فِي النُّبُوَّاتِ وَتَحْرِيفِ الْآيَاتِ وَفَرَائِضِ الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ الزِّنْدِيقَ بِمَا يُفَسَّرُ بِهِ الْمُنَافِقُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَأَيُّ كُفْرٍ ارْتَدَّ إِلَيْهِ مِمَّا يُظْهِرُ أَوْ يُسِرُّ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ بَلْ كُلُّ زِنْدِيقٍ مُنَافِقٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَكَانَ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُنَافِقُ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ عِبَادَةَ الْوَثَنِ أَوِ الْيَهُودِيَّةَ، وَأَمَّا الثَّنَوِيَّةُ فَلَا يُحْفَظُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقَلَةُ فِي الَّذِينَ وَقَعَ لَهُمْ مَعَ عَلِيٍّ مَا وَقَعَ عَلَى مَا سَأُبَيِّنُهُ، وَاشْتَهَرَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فَذَبَحَهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ فِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى، ثُمَّ كَثُرُوا فِي دَوْلَةِ الْمَنْصُورِ وَأَظْهَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ مُعْتَقَدَهُ فَأَبَادَهُمْ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ابْنُهُ الْمَهْدِيُّ فَأَكْثَرَ فِي تَتَبُّعِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَيَّامِ الْمَأْمُونِ بَابَكُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ كَافٍ مُخَفَّفَةٍ الْخُرَّمِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فَغَلَبَ عَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَقَتَلَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ الْجُيُوشَ إِلَى أَنْ ظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَصِمُ فَصَلَبَهُ، وَلَهُ أَتْبَاعٌ يُقَالُ لَهُمُ: الْخُرَّمِيَّةُ وَقِصَصُهُمْ فِي التَّوَارِيخِ مَعْرُوفَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ مَنْ بَلَّغَهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ: (لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) أَيْ: لِنَهْيِهِ عَنِ الْقَتْلِ بِالنَّارِ لِقَوْلِهِ: لَا تُعَذِّبُوا، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا سَمِعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: إنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ اسْمَهُمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) زَادَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ فِي رِوَايَتِهِ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ بِحَذْفِ أُمِّ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ وَرَأَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي
стр. 7259
يَلِيهِ مَذْهَبُ مُعَاذٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا رَأَى التَّغْلِيظَ بِذَلِكَ فَعَلَهُ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى تَفْسِيرِ وَيْحَ بِأَنَّهَا كَلِمَةُ رَحْمَةٍ فَتَوَجَّعَ لَهُ لِكَوْنِهِ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا فَأَنْكَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا رِضًا بِمَا قَالَ، وَأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ وَيْحَ: إنَّهَا تُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ كَمَا حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِ: هِيَ فِي مَوْضِعِ رَأْفَةٍ وَاسْتِمْلَاحٍ، كَقَوْلِكَ لِلصَّبِيِّ: وَيْحَهُ مَا أَحْسَنَهُ؛ حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ.
وَقَوْلُهُ: مَنْ هُوَ عَامٌّ تُخَصُّ مِنْهُ مَنْ بَدَّلَهُ فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الظَّاهِرِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فِي الظَّاهِرِ لَكِنْ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ بَعْدَ هَذَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ كَالْمُرْتَدِّ، وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالذِّكْرِ وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ النَّهْيَ عَلَى الْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذَا لَمْ تُبَاشِرِ الْقِتَالَ وَلَا الْقَتْلَ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ لَمَّا رَأَى الْمَرْأَةَ مَقْتُولَةً: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ مَنِ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَعُمُّ الْمُؤَنَّثَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِيَ الْخَبَرِ قَدْ قَالَ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَقَتَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ امْرَأَةً ارْتَدَّتْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَثَرَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ وَجْهٍ حَسَنٍ، وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا فِي قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَاحْتَجُّوا مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ الْأَصْلِيَّةَ تُسْتَرَقُّ فَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرْتَدَّةُ لَا تُسْتَرَقُّ عِنْدَهُمْ فَلَا غُنْمَ فِيهَا فَلَا يُتْرَكُ قَتْلُهَا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ فَإِنْ عَادَ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهَا. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ اشْتِرَاكُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ.
وَمِنْ صُوَرِ الزِّنَا رَجْمُ الْمُحْصَنِ حَتَّى يَمُوتَ فَاسْتُثْنِيَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْلُ الْمُرْتَدَّةِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَتْلِ مَنِ انْتَقَلَ مِنْ دِينِ كُفْرٍ إِلَى دِينِ كُفْرٍ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ أَوْ لَا، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْمُبْدِلِ لَا فِي التَّبْدِيلِ، فَأَمَّا التَّبْدِيلُ فَهُوَ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَهُوَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ اتِّفَاقًا فِي الْكَافِرِ وَلَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ تَنَصَّرَ الْيَهُودِيُّ لَمْ يَخْرُجُ عَنْ دِينِ الْكُفْرِ، وَكَذَا لَوْ تَهَوَّدَ الْوَثَنِيُّ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ بَدَّلَ دِينَ الْإِسْلَامِ بِدِينٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْإِسْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ بِزَعْمِ الْمُدَّعِي.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ، سَلَّمْنَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، بَلْ عَدَمُ الْقَبُولِ وَالْخُسْرَانِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَةِ، سَلَّمْنَا أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ عَدَمُ التَّقْرِيرِ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّ الْمُسْتَفَادَ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، فَلَوْ رَجَعَ إِلَى الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ مَقَرًّا عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ مَعَ إِمْكَانِ الْإِمْسَاكِ بِأَنَّا لَا نَقْبَلُ مِنْهُ وَلَا نَقْتُلُهُ، وَيُؤَيِّدُ تَخْصِيصَهُ بِالْإِسْلَامِ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الْإِسْلَامِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْلِ الزِّنْدِيقِ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا اسْتَتَابَهُمْ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَبُولِ مُطْلَقًا، وَقَالَ: يُسْتَتَابُ الزِّنْدِيقُ كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَا يُسْتَتَابُ، وَالْأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَمْ
стр. 7260
تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ بَلْ قِيلَ إِنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَحَكَى عَنْ مَالِكٍ إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَلُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذَانِ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ.
وَعَنْ بَقِيَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَوْجُهٌ كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ، وَخَامِسٌ يُفْصَلُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَتُقْبَلُ تَوْبَةُ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ الزِّنْدِيقَ إِذَا تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُعَزَّرُ، فَإِنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَلَمْ يُمْهَلْ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ فَقَالَ: الزِّنْدِيقُ لَا يُطَّلَعُ عَلَى صَلَاحِهِ لِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الْإِقْلَاعَ عَنْهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِأَنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ لَا تُعْرَفُ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ الْمُنَافِقِينَ لِلتَّأَلُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إِنَّمَا قَتَلَهُمْ لِمَعْنًى آخَرَ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنِ اسْتَتَابَهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الْإِيمَانِ يُحْصِنُ مِنَ الْقَتْلِ، وَكُلُّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِأُسَامَةَ: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ: أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِهِمْ.
وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا اسْتَأْذَنَ فِي قَتْلِ الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَةَ وَقَالَ: كَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ ﷺ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: لَنْ - أَوْ لَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: انْزِلْ، فإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: اجْلِسْ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الليل، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي.
الْحَدِيثُ الثَّاني: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ؛ الْأَوَّلُ: السِّوَاكُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا، الثَّانِي: ذَمُّ طَلَبِ الْإِمَارَةِ وَمَنْعُ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، الثَّالِثُ: بَعْثُ أَبِي مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ وَإِرْسَالُ مُعَاذٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، الرَّابِعُ: قِصَّةُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُوسَى) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِهَذَا السَّنَدِ: قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ) هُمَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْنُ عَمِّ أَبِي مُوسَى، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي.
قَوْلُهُ: (فَكِلَاهُمَا سَأَلَ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَسْئُولِ، وَبَيَّنَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ فِيهَا: سَأَلَ الْعَمَلَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ.
وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: فَتَشَهَّدَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: جِئْنَاكَ لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ. وَعِنْدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَتَانِي نَاسٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَقَالُوا انْطَلِقْ مَعَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ لَنَا حَاجَةً، فَقُمْتُ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: أَتَسْتَعِينُ بِنَا فِي عَمَلِكَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعُهُمَا، وَأَطْلَقَ صِيغَةَ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي بِأَيِّهِمَا خَاطَبَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِسَنَدِهِ فِيهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ
стр. 7261
مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا) يُفَسَّرُ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي الْعُمَيْسِ: فَاعْتَذَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا قَالُوا، وَقُلْتُ: لَمْ أَدْرِ مَا حَاجَتُهُمْ، فَصَدَّقَنِي وَعَذَرَنِي، وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ لِمَاذَا جَاءَا.
قَوْلُهُ: (لَنْ أَوْ لَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّا وَاللَّهِ.
قَوْلُهُ: (لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعُمَيْسِ: مَنْ سَأَلَنَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى: فَقَالَ إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا فِي شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، وَأَدْخَلَ أَبُو دَاوُدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بُرْدَةَ رَجُلًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتْبَعَهُ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ.
قَوْلُهُ: (مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) بِالنَّصْبِ أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاتَّبَعَهُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَشْدِيدٍ، وَمُعَاذٌ بِالرَّفْعِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا الْحَدِيثَ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ مُعَاذًا إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْدَ سَبْقِ وِلَايَتِهِ لَكِنْ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ فَوَصَّاهُمَا عِنْدَ التَّوَجُّهِ بِذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَصَّى كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَقِلٍّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ فَقَرُبَ مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا، وَفِي أُخْرَى هُنَاكَ: فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ مُعَاذٌ، أَبَا مُوسَى، وَفِي أُخْرَى: فَضَرَبَ فُسْطَاطًا، وَمَعْنَى أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً: فَرَشَهَا لَهُ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ، وَالْأَصِيلِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ: الْفِرَاشِ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِ النَّائِمِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّ مَنْ أَرَادُوا إِكْرَامَهُ وَضَعُوا الْوِسَادَةَ تَحْتَهُ مُبَالَغَةً فِي إِكْرَامِهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ فَطَرَحَ لَهُ وِسَادَةً، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُ لِأَجْلِسَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْفِرَاشَ يُسَمَّى وِسَادَةً.
قَوْلُهُ: (قَالَ انْزِلْ) أَيْ فَاجْلِسْ عَلَى الْوِسَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ إِلَخْ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْجَوَابِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السُّوءِ.
وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى أَبِي مُوسَى فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: مَا هَذَا - فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ - وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ أَحْسَبُهُ شَهْرَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ، فَزَارَ مُعَاذٌ، أَبَا مُوسَى فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا أَخِي أَوَبُعِثْتَ تُعَذِّبُ النَّاسَ إِنَّمَا بُعِثْنَا نُعَلِّمُهُمْ دِينَهُمْ وَنَأْمُرُهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ النَّصْبُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ كَرَّرَ هَذَا الْكَلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُمَا كَرَّرَا الْقَوْلَ، أَبُو مُوسَى يَقُولُ: اجْلِسْ، وَمُعَاذٌ يَقُولُ: لَا أَجْلِسُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَا تَتِمَّةَ كَلَامِ مُعَاذٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ - أَوْ قَالَ: بَدَّلَ دِينَهُ - فَاقْتُلُوهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا: فَأُتِيَ بِحَطَبٍ فَأَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ فَكَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ فِيهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ضَرَبَ عُنُقَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُعَاذًا، وَأَبَا مُوسَى كَانَا يَرَيَانِ جَوَازَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ
стр. 7262
وَإِحْرَاقِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ مُبَالَغَةً فِي إِهَانَتِهِ وَتَرْهِيبًا عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمَ عَلَى مُعَاذٍ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْيَهُودِيِّ وَفِيهِ: فَقَالَ: لَا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: أُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ فَأَبَى عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِتَابَةَ، وَكَذَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضَرَبَ عُنُقَهُ وَمَا اسْتَتَابَهُ. وَهَذَا يُعَارِضُهُ الرِّوَايَةُ الْمُثْبِتَةُ لِأَنَّ مُعَاذًا اسْتَتَابَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ، وَالرِّوَايَاتُ السَّاكِتَةُ عَنْهَا لَا تُعَارِضُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا يَكُونُ اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِتَابَةِ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَرِيبًا أَنَّ مُعَاذًا رَوَى الْأَمْرَ بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) هُوَ مُعَاذٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ بِفَاءٍ وَقَافٍ بَيْنَهُمَا وَاوٌ ثَقِيلَةٌ، أَيْ: أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَفِي أُخْرَى: فَقَالَ أبو مُوسَى كَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَتِي فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي.
قَوْلُهُ: (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ: وَأَحْتَسِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَرْجُو الْأَجْرَ فِي تَرْوِيحِ نَفْسِهِ بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ عِنْدَ الْقِيَامِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ م اتَقَدَّمَ: تَوْلِيَةُ أَمِيرَيْنِ عَلَى الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَقِسْمَةُ الْبَلَدِ بَيْنَ أَمِيرَيْنِ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا وَمَنْعُ الْحَرِيصِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِيهِ تَزَاوُرُ الْإِخْوَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا.
٣ - بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ
٦٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ. قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.
٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ) أَيْ جَوَازُ قَتْلِ مَنِ امْتَنَعَ مِنِ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا،
стр. 7263
قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْفَرَائِضِ نُظِرَ فَإِنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَثَلًا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا وَلَا يُقْتَلُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى امْتِنَاعِهِ نَصْبَ الْقِتَالِ قُوتِلَ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا مِنْهُ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُهُ إِذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ) أَيْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْمُرْتَدِّينَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا نُسِبُوا نَافِيَةٌ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى الرِّدَّةِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَصِنْفٌ تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ، وَالْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ وَصَدَّقَ الْأَسْوَدَ أَهْلُ صَنْعَاءَ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، فَقُتِلَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَلِيلٍ وَبَقِيَ بَعْضُ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَاتَلَهُمْ عُمَّالُ النَّبِيِّ ﷺ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْجَيْشَ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلُوهُ.
وَصِنْفٌ ثَالِثٌ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا بِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَاظَرَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: انْقَسَمَتِ الْعَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: طَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَطَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا نُقِيمُ الشَّرَائِعَ إِلَّا الزَّكَاةَ وَهُمْ كَثِيرٌ لَكِنَّهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالثَّالِثَةُ أَعْلَنَتْ بِالْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ كَأَصْحَابِ طُلَيْحَةَ وَسَجَاحٍ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ مَنْ يُقَاوِمُ مَنِ ارْتَدَّ، وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فَلَمْ تُطِعْ أَحَدًا مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَبَّصُوا لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِمُ الْبُعُوثَ وَكَانَ فَيْرُوزٌ وَمَنْ مَعَهُ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْأَسْوَدِ وَقَتَلُوهُ وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَعَادَ طُلَيْحَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَا سَجَاحٌ، وَرَجَعَ غَالِبُ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ إِلَّا وَالْجَمِيعُ قَدْ رَاجَعُوا دِينَ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ الْحَدِيثَ، فَسَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَحَضَرَ مُنَاظَرَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَقَصَّهَا كَمَا هِيَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ مِنْ طُرُقٍ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانُ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَنْبَسِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَجَابِرٌ، وَطَارِقٌ الْأَشْجَعِيُّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، وَفِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَكَفَرَ مَنْ
стр. 7264
كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَدَّ عَامَّةُ الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ الْعَرَبَ.
قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) كَذَا سَاقَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ طَارِقٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعَنْبَسِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَيُصَلُّوا صَلَاتَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَكَيْفَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ.
قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ ﷺ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: تُقَاتِلُ النَّاسَ الصِّنْفَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
قَالَ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بِلَفْظٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ ﷺ وَدُعِيَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ وَقَتْلُهُ إِذَا أَصَرَّ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنَ الِاخْتِصَارِ، وَكَأَنَّ رَاوِيهِ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكَ كُلٍّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَصٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَاحْتِجَاجِ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ؛ إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّهِ.
قُلْتُ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بِحَقِّهِ لِلْإِسْلَامِ فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ تَنَاوَلَهُ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ.
قَوْلُهُ: (لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) يَجُوزُ تَشْدِيدُ فَرَّقَ وَتَخْفِيفُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ الْكُفْرُ لِيَشْمَلَ الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةً وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَالَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ، فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاةَ فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاةِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَوْرِدًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ
стр. 7265
التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاةُ وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاةُ، فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ قُوتِلَ. وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيثِ: وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي بَابِ أَخْذِ الْعَنَاقِ وَفِي الصَّدَقَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ عِقَالًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ عَنْ قُتَيْبَةَ فَكَنَّى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي كَذَا، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ وَهْمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الِاعْتِصَامِ عَقِبَ إِيرَادِهِ: قَالَ لِي ابْنُ بُكَيْرٍ يَعْنِي شَيْخَهُ فِيهِ هُنَا، وَعَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ: لَوْ مَنَعُونِي جَدْيًا أَذْوَطَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنَاقًا وَالْأَذْوَطُ الصَّغِيرُ الْفَكِّ وَالذَّقَنِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْعَنَاقِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا سِخَالًا وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْعَنَاقَ مُبَالَغَةً فِي التَّقْلِيلِ لَا الْعَنَاقَ نَفْسَهَا، قُلْتُ: وَالْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ صِغَارًا فَمَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَيُزَكَّيْنَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ شَيْءٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا مَاتَتْ مُعْظَمُ الْكِبَارِ وَحَدَثَتِ الصِّغَارُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْكِبَارِ عَلَى بَقِيَّتِهَا وَعَلَى الصِّغَارِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَنَاقُ وَالْجَذَعَةُ تُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي تُزَكَّى بِالْغَنَمِ، وَفِي الْغَنَمِ أَيْضًا إِذَا كَانَتْ جَذَعَةً، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةٌ وَلَهَا مَعْنًى مُتَّجَهٌ. وَجَرَى النَّوَوِيُّ عَلَى طَرِيقَتِهِ فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عَنَاقًا وَمَرَّةً عِقَالًا.
قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالْقِصَّةِ، وَقِيلَ: الْعِقَالُ يُطْلَقُ عَلَى صَدَقَةِ عَامٍ، يُقَالُ: أُخِذَ مِنْهُ عِقَالُ هَذَا الْعَامِ يَعْنِي صَدَقَتَهُ، حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ، عَنِ الْكِسَائِيِّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَنَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
وَعَمْرٌو الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ يَبْعَثُهُ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقِيلَ، فِيهِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ الْفَرِيضَةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَحْوُهُ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: الْعِقَالُ مَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنْعَامٍ وَثِمَارٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْلٌ عَنْ مَالِكِهَا.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْعِقَالُ مَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِعَيْنِهَا فَإِنْ تَعَوَّضَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا قِيلَ أَخَذَ نَقْدًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى حَمْلِ الْعِقَالِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، نَقَلَهُ عِيَاضٌ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَا الْعِقَالُ: عِقَالُ النَّاقَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعِقَالُ اسْمٌ لِمَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ: قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ الْعِقَالَ بِفَرِيضَةِ الْعَامِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ نَحْوُ تَأْوِيلِ مَنْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي حَدِيثِ لَعْنِ السَّارِقِ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السَّفِينَةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ حَدِّ السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَحْقَرَ كَانَ أَبْلَغَ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ مَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنَاقًا وَفِي الْأُخْرَى جَدْيًا قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْعِقَالِ قَدْرُ قِيمَتِهِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي
стр. 7266
لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْعِقَالَ لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ لِوُجُوبِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ الَّتِي تُعْقَلُ بِهِ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ قَدْرُ قِيمَةِ الْعِقَالِ فِي زَكَاةِ النَّقْدِ وَفِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُعَشَّرَاتِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِيمَا لَوْ وَجَبَتْ سِنٌّ فَأَخَذَ السَّاعِي دُونَهُ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ سِخَالًا فَمَنَعَ وَاحِدَةً وَقِيمَتُهَا عِقَالٌ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَعَانَى الْفِقْهَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى زَكَاةِ الْعِقَالِ إِذَا كَانَ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى الْحَبْلِ نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيَمِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ إِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَرَضِ وَالنَّقْدِ، قَالَ: وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ الْعِقَالِ مَعَ الْفَرِيضَةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى قَرَنٍ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْحَبْلُ - فَيَقْرُنُ بِهِ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ لِئَلَّا تَشْرُدَ الْإِبِلُ، وَهَكَذَا جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنِيَّةً عَنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ مَتَى مَنَعُوا شَيْئًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ قَلَّ فَقَدْ مَنَعُوا شَيْئًا وَاجِبًا؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْوَاجِبِ وَجَحْدِهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ الْكَثِيرِ، قَالَ: وَهَذَا يَعْنِي عَنْ جَمِيعِ التَّقَادِيرِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَا يَسْبِقُ الْفَهْمُ إِلَيْهَا، وَلَا يُظَنُّ بِالصِّدِّيقِ أَنَّهُ يَقْصِدُ إِلَى مِثْلِهَا.
قُلْتُ: الْحَامِلُ لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَنَّ الَّذِي تَمَثَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، فَلِذَلِكَ حَمَلُوهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ احْتِجَاجِهِ لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: الِاجْتِهَادُ فِي النَّوَازِلِ، وَرَدُّهَا إِلَى الْأُصُولِ، وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَالرُّجُوعُ إِلَى الرَّاجِحِ، وَالْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ بِتَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْطِئَةِ وَالْعُدُولُ إِلَى التَّلَطُّفِ، وَالْأَخْذُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَنَاظِرِ، فَلَوْ عَانَدَ بَعْدَ ظُهُورِهَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْإِغْلَاظَ بِحَسَبِ حَالِهِ.
وَفِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ لِتَأْكِيدِهِ.
وَفِيهِ مَنْعُ قَتْلِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ هَلْ يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مُسْلِمًا؟ الرَّاجِحُ لَا، بَلْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ قَتْلِهِ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ وَالْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْكَافِرُ إِذَا كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ ثَنَوِيًّا لَا يُقِرُّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَيَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَقُولَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنْ كَانَ كَفَرَ بِجُحُودِ وَاجِبٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُحَرَّمٍ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا اعْتَقَدَهُ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: يُجْبَرُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، كَذَا قَالَ وَهِيَ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُنَا التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِكَوْنِهَا سَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُهُمَا صَرِيحًا فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنِ الْمُرْتَدِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَافِرٌ وَالْكَافِرَ لَا يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ فِي فِعْلِ
стр. 7267
الصِّدِّيقِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا فِيهِ قِتَالُ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ بِالشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ بَعْدَ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ هَلْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ كَالْكُفَّارِ أَوْ لَا كَالْبُغَاةِ؟ فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ الْأَوَّلَ وَعَمِلَ بِهِ وَنَاظَرَهُ عُمَرُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي خِلَافَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ بِشُبْهَةٍ فَيُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ فَإِنْ نَصَبَ الْقِتَالَ قُوتِلَ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِ حِينَئِذٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَعُدَّ مِنْ نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي أَمْرٍ لَا نَصَّ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَلَوِ اعْتَقَدَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ خِلَافَهُ، فَإِنْ صَارَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الْمُعْتَقِدُ خِلَافَهُ حَاكِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَتَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَطَاعَ أَبَا بَكْرٍ فِيمَا رَأَى مِنْ حَقِّ مَانِعِي الزَّكَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ خِلَافَهُ ثُمَّ عَمِلَ فِي خِلَافَتِهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَوَافَقَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، فَيُشْتَرَطُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ انْتِفَاءُ مَوَانِعِ الْإِنْكَارِ وَهَذَا مِنْهَا.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ الظَّاهِرَةُ وَلَوْ أَسَرَّ الْكُفْرَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنِ اطُّلِعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْفَاسِدِ فَأَظْهَرَ الرُّجُوعَ هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ أَمْرُهُ فَلَا خِلَافَ فِي إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِ.
٤ - بَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
٦٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَعَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ سَامٌ عَلَيْكَ، فَقُلْ: عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ أَوْ غَيْرُهُ) أَيِ الْمُعَاهَدُ وَمَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ.
قَوْلُهُ: (بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ
стр. 7268
وَتَنْقِيصُهُ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَرِّحْ تَأْكِيدٌ فَإِنَّ التَّعْرِيضَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾
قَوْلُهُ: (نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: السَّامُ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَتَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَرْحِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسَّبِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَطْلَقَ التَّعْرِيضَ عَلَى مَا يُخَالِفُ التَّصْرِيحَ وَلَمْ يَرِدِ التَّعْرِيضُ الْمُصْطَلَحُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا فِي حَقِيقَتِهِ يُلَوِّحُ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَقْصِدُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدِيثُ الْبَابِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْجَرْحَ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَخْتَارُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ قَتْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَنْ لَا يَجِبَ قَتْلُهُ؛ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تَرْكِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرِيحًا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّا هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٌ كَفَرَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ حَدَّ قَذْفِهِ الْقَتْلُ وَحَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَخَالَفَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَزُولُ الْقَتْلُ وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ، فَإِنْ عَرَّضَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ كَالْيَهُودِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ اللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْيَهُودِيِّ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ: هِيَ رِدَّةٌ يُسْتَتَابُ مِنْهَا. وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا عُزِّرَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهِيَ رِدَّةٌ.
وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا هَلْ كَانَ تَرْكُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؟ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ الْيَهُودَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَلَا أَقَرُّوا بِهِ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُظْهِرُوهُ وَلَوَوْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَرَكَ قَتْلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى السَّبِّ بَلْ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: وَعَلَيْكُمْ، أَيِ: الْمَوْتُ نَازِلٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ، فَلَا مَعْنَى لِلدُّعَاءِ بِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: السَّأَمُ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى السَّآمَةِ هُوَ دُعَاءٌ بِأَنْ يَمَلُّوا الدِّينَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي السَّبِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ فَتُرِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ هَلْ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَصْحَابِهِمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ لَكَانَ رِدَّةً، وَأَمَّا صُدُورُهُ مِنَ الْيَهُودِ فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ لَمْ تُحْقَنْ إِلَّا بِالْعَهْدِ وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ تَعَدَّ الْعَهْدَ فَيَنْتَقِضُ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِلَا عَهْدٍ فَيُهْدَرُ دَمُهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلُوا؛ لِأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ حِلَّ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَوْ سَبَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا يُهْدَرُ، وَأَمَّا السَّبُّ فَإِنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ بِهِ يَرْجِعُ إِلَى حَقِّ الدِّينِ فَيَهْدِمُهُ الْإِسْلَامُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْلِنُوا بِهِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7269
٥ - بَاب
* ٦٩٢٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَحَذَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَصَارَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ أَهْلِ حَرْبٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ امْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ.
قُلْتُ: فَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ صَنِيعِ الْأَكْثَرِ مِنْ جَعْلِهِ فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِأَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَاخِذِ الَّذِي ضَرَبَهُ حَتَّى جَرَحَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ لِيَهْلِكَ بَلْ صَبَرَ عَلَى أَذَاهُ وَزَادَ فَدَعَا لَهُ فَلَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ الْقَتْلِ بِالتَّعْرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَحَفْصٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. وَقَوْلُهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ وَذَكَرْتُ فِيهِ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ وَفِي سَنَدِهَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ - مَنْ سَمَّى النَّبِيَّ الْمَذْكُورَ نُوحًا ﵇، ثُمَّ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدٍ لَهُ مَضْمُومًا إِلَى رِوَايَتِهِ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ ﵇ مِنْ تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنْ كَانَ نُوحٌ لَيَضْرِبُهُ قَوْمُهُ حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقَ فَيَقُولَ: اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَبِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ عَنْهُ، وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ مَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مِنَ الْجِرَاحَةِ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ أَوَّلًا: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أَدْمَوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَأَنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ جَبِينِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ أَنَّهُ شُجَّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشَرْحُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
٦ - بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
стр. 7270
٦٩٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
٦٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ - أوْ حَنَاجِرَهُمْ - يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ.
٦٩٣٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَرُورِيَّةَ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾.
أَمَّا الْخَوَارِجُ فَهُمْ جَمْعُ خَارِجَةٍ أَيْ طَائِفَةٍ، وَهُمْ قَوْمٌ مُبْتَدِعُونَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ وَخُرُوجِهِمْ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصْلُ بِدْعَتِهِمْ فِيمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ ﵁ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ أَوْ مُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَخْبَارِ؛ فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمْ يَطْلُبُوا بِدَمِ عُثْمَانَ بَلْ كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْكَرُوا سِيرَةَ بَعْضِ أَقَارِبِ عُثْمَانَ فَطَعَنُوا عَلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ؛ لِشِدَّةِ اجْتِهَادِهِمْ فِي التِّلَاوَةِ وَالْعِبَادَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ، وَيَسْتَبِدُّونَ بِرَأْيِهِمْ وَيَتَنَطَّعُونَ فِي الزُّهْدِ وَالْخُشُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَاتَلُوا مَعَ عَلِيٍّ وَاعْتَقَدُوا كُفْرَ عُثْمَانَ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَاعْتَقَدُوا إِمَامَةَ عَلِيٍّ وَكُفْرَ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ الَّذِينَ كَانَ رَئِيسُهُمْ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ فَإِنَّهُمَا خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ بَايَعَا عَلِيًّا فَلَقِيَا عَائِشَةَ وَكَانَتْ حَجَّتْ تِلْكَ السَّنَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى طَلَبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَخَرَجُوا إِلَى الْبَصْرَةِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، فَبَلَغَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ الْمَشْهُورَةُ وَانْتَصَرَ عَلِيٌّ، وَقُتِلَ طَلْحَةُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقُتِلَ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْوَقْعَةِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ بِالِاتِّفَاقِ.
ثُمَّ قَامَ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَكَانَ أَمِيرَ الشَّامِ إِذْ ذَاكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لِأَنْ
стр. 7271
يُبَايِعَ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ فَاعْتَلَّ بِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا وَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الِاقْتِصَاصِ مِنْ قَتَلَتِهِ، وَأَنَّهُ أَقْوَى النَّاسِ عَلَى الطَّلَبِ بِذَلِكَ، وَيَلْتَمِسُ مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلِيٌّ يَقُولُ: ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ وَحَاكِمْهُمْ إِلَيَّ أَحْكُمْ فِيهِمْ بِالْحَقِّ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ خَرَجَ عَلِيٌّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ طَالِبًا قِتَالَ أَهْلِ الشَّامِ، فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ قَاصِدًا إِلَى قِتَالِهِ، فَالْتَقَيَا بِصِفِّينَ فَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا أَشْهُرًا.
وَكَادَ أَهْلُ الشَّامِ أَنْ يَنْكَسِرُوا فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ عَلَى الرِّمَاحِ وَنَادَوْا نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَتَرَكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَخُصُوصًا الْقُرَّاءَ الْقِتَالَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَدَيُّنًا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الْآيَةَ، فَرَاسَلُوا أَهْلَ الشَّامِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْكُمْ وَحَكَمًا مِنَّا، وَيَحْضُرُ مَعَهُمَا مَنْ لَمْ يُبَاشِرِ الْقِتَالَ فَمَنْ رَأَوُا الْحَقَّ مَعَهُ أَطَاعُوهُ، فَأَجَابَ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ تِلْكَ الطَّائِفَةُ الَّتِي صَارُوا خَوَارِجَ وَكَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كِتَابَ الْحُكُومَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ: هَذَا مَا قَضَى عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَامْتَنَعَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: اكْتُبُوا اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ، فَأَجَابَ عَلِيٌّ إِلَى ذَلِكَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ أَيْضًا.
ثُمَّ انْفَصَلَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ الْحَكَمَانِ وَمَنْ مَعَهُمَا بَعْدَ مُدَّةٍ عَيَّنُوهَا فِي مَكَانٍ وَسَطٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَيَرْجِعُ الْعَسْكَرَانِ إِلَى بِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ، فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ، وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ، فَفَارَقَهُ الْخَوَارِجُ وَهُمْ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: سِتَّةُ آلَافٍ، وَنَزَلُوا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: حَرُورَاءُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَرَاءَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَهُمُ: الْحَرُورِيَّةُ، وَكَانَ كَبِيرُهُمْ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الْكَوَّاءِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مَعَ الْمَدِّ الْيَشْكُرِيَّ، وَشَبَثَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ التَّمِيمِيَّ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَعَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ، فَأَطَاعُوهُ وَدَخَلُوا مَعَهُ الْكُوفَةَ مَعَهُمْ رَئِيسَاهُمُ الْمَذْكُورَانِ، ثُمَّ أَشَاعُوا أَنَّ عَلِيًّا تَابَ مِنَ الْحُكُومَةِ وَلِذَلِكَ رَجَعُوا مَعَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَطَبَ وَأَنكَرَ ذَلِكَ، فَتَنَادَوْا مِنْ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثَةٌ: أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَلَا مِنْ رِزْقِكُمْ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ مَا لَمْ تُحْدِثُوا فَسَادًا.
وَخَرَجُوا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا بِالْمَدَائِنِ، فَرَاسَلَهُمْ فِي الرُّجُوعِ، فَأَصَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ لِرِضَاهُ بِالتَّحْكِيمِ وَيَتُوبَ، ثُمَّ رَاسَلَهُمْ أَيْضًا فَأَرَادُوا قَتْلَ رَسُولِهِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ مُعْتَقَدَهُمْ يُكَفَّرُ وَيُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَأَهْلُهُ، وَانْتَقَلُوا إِلَى الْفِعْلِ فَاسْتَعْرَضُوا النَّاسَ فَقَتَلُوا مَنِ اجْتَازَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَكَانَ وَالِيًا لِعَلِيٍّ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَمَعَهُ سُرِّيَّةٌ وَهِيَ حَامِلٌ فَقَتَلُوهُ وَبَقَرُوا فِي سُرِّيَّتِهِ عَنْ وَلَدٍ، فَبَلَغَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي الْجَيْشِ الَّذِي كَانَ هَيَّأَهُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ.
فَأَوْقَعَ بِهِمْ بِالنَّهْرَوَانِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا دُونَ الْعَشَرَةِ وَلَا قُتِلَ مِمَّنْ مَعَهُ إِلَّا نَحْوُ الْعَشَرَةِ، فَهَذَا مُلَخَّصُ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ انْضَمَّ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى رَأْيِهِمْ فَكَانُوا مُخْتَفِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الَّذِي قَتَلَ عَلِيًّا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ عَلِيٌّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ صُلْحُ الْحَسَنِ، وَمُعَاوِيَةَ ثَارَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ عَسْكَرُ الشَّامِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: النُّجَيْلَةُ، ثُمَّ كَانُوا مُنْقَمِعِينَ فِي إِمَارَةِ زِيَادٍ وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْعِرَاقِ طُولَ مُدَّةِ مُعَاوِيَةَ وَوَلَدِهِ يَزِيدَ.
وَظَفِرَ زِيَادٌ وَابْنُهُ مِنْهُمْ بِجَمَاعَةٍ فَأَبَادَهُمْ بَيْنَ قَتْلٍ وَحَبْسٍ طَوِيلٍ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَوَقَعَ الِافْتِرَاقُ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ إِلَّا بَعْضَ أَهْلِ الشَّامِ ثَارَ مَرْوَانُ فَادَّعَى الْخِلَافَةَ وَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، فَظَهَرَ الْخَوَارِجُ حِينَئِذٍ بِالْعِرَاقِ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَبِالْيَمَامَةِ مَعَ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ
стр. 7272
وَزَادَ نَجْدَةُ عَلَى مُعْتَقَدِ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ وَيُحَارِبِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَوِ اعْتَقَدَ مُعْتَقَدَهُمْ، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ بِهِمْ وَتَوَسَّعُوا فِي مُعْتَقَدِهِمُ الْفَاسِدِ، فَأَبْطَلُوا رَجْمَ الْمُحْصَنِ، وَقَطَعُوا يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْإِبِطِ، وَأَوْجَبُوا الصَّلَاةَ عَلَى الْحَائِضِ فِي حَالِ حَيْضِهَا، وَكَفَّرُوا مَنْ تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ إِنْ كَانَ قَادِرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَقَدِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَحُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْكَافِرِ، وَكَفُّوا عَنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَعَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ مُطْلَقًا، وَفَتَكُوا فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو أَوَّلًا ثُمَّ يَفْتِكُ، وَلَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِهِمْ يَزِيدُ إِلَى أَنْ أُمِّرَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَطَاوَلَهُمْ حَتَّى ظَفِرَ بِهِمْ وَتَقَلَّلَ جَمْعُهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مِنْهُمْ بَقَايَا فِي طُولِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ وَصَدْرِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْمَغْرِبَ.
وَقَدْ صَنَّفَ فِي أَخْبَارِهِمْ أَبُو مِخْنَفٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَاسْمُهُ لُوطُ بْنُ يَحْيَى كِتَابًا لَخَصَّهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَصَنَّفَ فِي أَخْبَارِهِمْ أَيْضًا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ كِتَابًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ خَارِجَ الصَّحِيحِ كِتَابًا كَبِيرًا، وَجَمَعَ أَخْبَارَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ الْكَامِلِ لَكِنْ بِغَيْرِ أَسَانِيدَ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَوَارِجُ صِنْفَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا وَأَصْحَابَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَكُلَّ مَنْ رَضِيَ بِالتَّحْكِيمِ كُفَّارٌ، وَالْآخَرُ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَهُوَ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ أَبَدًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ مُفَرَّعٌ عَنِ الصِّنْفِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى تَكْفِيرِ أُولَئِكَ كَوْنُهُمْ أَذْنَبُوا فِيمَا فَعَلُوهُ بِزَعْمِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: ذَهَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَتَى صَغِيرَةً عُذِّبَ بِغَيْرِ النَّارِ، وَمَنْ أَدْمَنَ عَلَى صَغِيرَةٍ فَهُوَ كَمُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِي مُعْتَقَدِهِمُ الْفَاسِدِ فَأَنْكَرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَقَالَ: الْوَاجِبُ صَلَاةٌ بِالْغَدَاةِ وَصَلَاةٌ بِالْعَشِيِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ نِكَاحَ بِنْتِ الِابْنِ وَبِنْتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ سُورَةُ يُوسُفَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَوِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ.
وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْمَقَالَاتِ: عِدَّةُ فِرَقِ الْخَوَارِجِ عِشْرُونَ فِرْقَةً، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَسْوَؤُهُمْ حَالًا الْغُلَاةُ الْمَذْكُورُونَ، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ الْإِبَاضِيَّةُ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ بِالْمَغْرِبِ، وَقَدْ وَرَدَتْ بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَصْلِ حَالِ الْخَوَارِجِ أَخْبَارٌ جِيَادٌ مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَشَرَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ بِمَشُورَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ كَادَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ يَغْلِبُوهُمْ هَابَ أَهْلُ الشَّامِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّحْكِيمِ، وَرَجَعَ كُلٌّ إِلَى بَلَدِهِ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ الْحَكَمَانِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَافْتَرَقَا عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ، فَلَمَّا رَجَعُوا خَالَفَتِ الْحَرُورِيَّةُ عَلِيًّا وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: لَمَّا وَقَعَ الرِّضَا بِالتَّحْكِيمِ وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ اعْتَزَلَتِ الْخَوَارِجُ بِحَرُورَاءَ فَبَعَثَ لَهُمْ عَلِيٌّ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ، فَلَمَّا رَجَعُوا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ أَقْرَرْتَ لَهُمْ بِالْكُفْرِ لِرِضَاكَ بِالتَّحْكِيمِ، فَخَطَبَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَتَنَادَوْا مِنْ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ رُءُوسَهُمْ حِينَئِذٍ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِالنَّهْرَوَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ حِصْنٍ الطَّائِيُّ، وَحُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ، فَاتَّفَقُوا عَلَى تَأْمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْ أَسَانِيدِ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ بَعْدُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمِ الْخَوَارِجِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَحُكْمِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَحُكْمِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ مُطَّرِدًا فِي كُلِّ خَارِجِيٍّ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَالثَّانِي مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ
стр. 7273
لَا لِلدُّعَاءِ إِلَى مُعْتَقَدِهِ، وَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا: قِسْمٌ خَرَجُوا غَضَبًا لِلدِّينِ مِنْ أَجْلِ جَوْرِ الْوُلَاةِ وَتَرْكِ عَمَلِهِمْ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ حَقٍّ، وَمِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي الْحَرَّةِ وَالْقُرَّاءُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْحَجَّاجِ، وَقِسْمٌ خَرَجُوا لِطَلَبِ الْمُلْكِ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِمْ شُبْهَةٌ أَمْ لَا وَهُمُ الْبُغَاةُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِمْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ مِنْ تَهْذِيبِ الْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ سَأَلَ نَافِعًا: كَيْفَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَرُورِيَّةِ؟ قَالَ: كَانَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتِ الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ.
قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ: هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: هُمْ شِرَارُ أُمَّتِي يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعًا: هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ يَقْتُلُهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: شَرُّ قَتْلَى أَظَلَّتْهُمُ السَّمَاءُ وَأَقَلَّتْهُمُ الْأَرْضُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوُهُ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ مَرْفُوعًا فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ: شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، يَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حديث علي:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْجُعْفِيُّ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ بَجْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بِهَذَا السَّنَدِ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّحْدِيثِ فِيهِ إِلَّا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَجَرِيرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا، وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيِّ، وَعَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْعَنْعَنَةِ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ زَادَ فِيهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ.
قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ هُوَ الْمِيزَانُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ.
قَوْلُهُ: (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ مُخَضْرَمٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ) هُوَ عَلَى حَذْفِ قَالَ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْخَطِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْطَقَ بِهِ، وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا السَّنَدِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَصِحَّ لِسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعٌ إِلَّا هَذَا.
قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا عِنْدَ أَحْمَدَ غَيْرُهُ، وَلَهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: عَنْ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ: (إِذَا حَدَّثْتُكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى سَبَبٌ لِهَذَا الْكَلَامِ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَمُرُّ بِالنَّهَرِ وَبِالسَّاقِيَةِ فَيَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَزَالُ تَقُولُ هَذَا، قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ إِلَخْ، وَكَانَ عَلِيٌّ
стр. 7274
فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ يَقُولُ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يُوهِمُ أَنَّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا، فَخَشِيَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِصَّةَ ذِي الثُّدَيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، فَأَوْضَحَ أَنَّ عِنْدَهُ فِي أَمْرِهِ نَصًّا صَرِيحًا، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكْنِي وَلَا يُعَرِّضُ وَلَا يُوَرِّي، وَإِذَا لَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَخْدَعَ بِذَلِكَ مَنْ يُحَارِبُهُ، وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: الْحَرْبُ خَدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَسْقُطَ.
قَوْلُهُ: (مِنَ السَّمَاءِ) زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا: إِلَى الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُمَا، وَسَقَطَتْ لِلْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى: أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفَنِي الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِيَ الرِّيحُ فِي مَكَانِ سَحِيقٍ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى: عَنْ نَفْسِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: قَامَ فِينَا عَلِيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّهَرِ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُمُونِي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَدِّثُوا بِهِ، وَمَا سَمِعْتُمُونِي أُحَدِّثُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ عَلِيٌّ بِذَلِكَ وَالسَّبَبُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عِيسَى: فَإِنَّمَا الْحَرْبُ خَدْعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ أَنَّ هَذَا أَعْنِي: الْحَرْبُ خَدْعَةٌ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ خَدْعَةٍ هُنَاكَ وَمَعْنَاهَا.
قَوْلُهُ: (سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، وَهَذَا قَدْ يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْمُرَادَ زَمَانُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ آخِرَ زَمَانِ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرِ الزَّمَانِ زَمَانُ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ الْمُخَرَّجِ فِي السُّنَنِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا، وَكَانَتْ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ وَقَتْلُهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِدُونِ الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَحْدَاثٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ جَمْعُ حَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَالْحَدَثُ هُوَ الصَّغِيرُ السِّنِّ، هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: حُدَّاثٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: مَعْنَاهُ شَبَابٌ جَمْعُ حَدِيثِ السِّنِّ أَوْ جَمْعُ حَدَثٍ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: حِدَاثٌ جَمْعُ حَدِيثٍ مِثْلُ كِرَامٍ جَمْعُ كَرِيمٍ وَكِبَارٍ جَمْعُ كَبِيرٍ، وَالْحَدِيثُ الْجَدِيدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ حِدَاثٌ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لَكِنَّهُ هُنَاكَ جُمِعَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ سُمَّارٌ يَتَحَدَّثُونَ؛ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِلَفْظِ: حُدَثَاءَ بِوَزْنِ سُفَهَاءَ، وَهُوَ جَمْعُ حَدِيثٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَالْأَسْنَانُ جَمْعُ سِنٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمْرُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ شَبَابٌ.
قَوْلُهُ: (سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) جَمْعُ حِلْمٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عُقُولَهُمْ رَدِيئَةٌ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّثَبُّتَ وَقُوَّةَ الْبَصِيرَةِ تَكُونُ عِنْدَ كَمَالِ السِّنِّ وَكَثْرَةِ التَّجَارِبِ وَقُوَّةِ الْعَقْلِ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ لَا مِنْ خُصُوصِ كَوْنِ هَؤُلَاءِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي آخِرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَقْلُوبٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَهُوَ الْقُرْآنُ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ الْقَوْلُ الْحَسَنُ فِي الظَّاهِرِ وَبَاطِنِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ فِي جَوَابِ عَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: يَخْرُجُ قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ كَلِمَةَ الْحَقِّ لَا تُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: يُحْسِنُونَ الْقَوْلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي
стр. 7275
حَدِيثِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ: يَقُولُونَ الْحَقَّ لَا يُجَاوِزُ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَجُوزُ وَالْحَنَاجِرُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ثُمَّ الْجِيمِ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ بِوَزْنِ قَسْوَرَةٍ، وَهِيَ الْحُلْقُومُ وَالْبُلْعُومُ، وَكُلُّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَجْرَى النَّفَسِ وَهُوَ طَرَفُ الْمَرِيءِ مِمَّا يَلِي الْفَمَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَلِيٍّ: لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِيمَانَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَلَاقِيمَهُمْ وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنُّطْقِ لَا بِالْقَلْبِ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِزُ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ. وَهَذِهِ الْمُجَاوَزَةُ غَيْرُ الْمُجَاوَزَةِ الْآتِيَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ: يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي الطَّبَرِيِّ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ: يَمْرُقُونَ مِنَ الْحَقِّ، وَفِيهِ تَعَقَّبَ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الدِّينَ هُنَا بِالطَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ الشَّيْءِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيدَةِ مِنَ الْوَحْشِ إِذَا رَمَاهَا الرَّامِي، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَنَكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ: لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ عُبَيْدَةُ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا. وَلَهُ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْخَوَارِجِ: أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قَتَلَهُمْ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُبَيْدَةُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ لِيُؤَكِّدَ الْأَمْرَ عِنْدَ السَّامِعِينَ وَلِتَظْهَرَ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ.
قُلْتُ: وَلِيَطْمَئِنَّ قَلْبُ الْمُسْتَحْلِفِ لِإِزَالَةِ تَوَهُّمِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ أَنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَنْصُوصًا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ عَائِشَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا حَيْثُ قَالَتْ لَهُ: مَا قَالَ عَلِيٌّ حِينَئِذٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا إِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَهُ، فَمِنْ هَذَا أَرَادَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو التَّثَبُّتَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِخُصُوصِهَا، وَأَنَّ فِيهَا نَقْلًا مَنْصُوصًا مَرْفُوعًا.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قِتَالُهُمْ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ سَبَبُ تَحْدِيثِ عَلِيٍّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُجَاوِزُ هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ بِحَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَهَذَا السِّيَاقُ كَأَنَّهُ لَفْظُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَأَمَّا لَفْظُ أَبِي سَلَمَةَ فَتَقَدَّمَ مُنْفَرِدًا فِي أَوَاخِرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِسِيَاقٍ آخَرَ، فَلَعَلَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ هُنَا عَلَى سِيَاقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ الْمَقْرُونِ بِهِ، وَقَدْ قَرَنَ الزُّهْرِيُّ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ فِي
стр. 7276
رِوَايَتِهِ الْمَاضِيَةِ فِي الْأَدَبِ الضَّحَّاكَ الْمِشْرَقِيَّ لَكِنَّهُ أَفْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَامْتَازَ لَفْظُهُ عَنْ لَفْظِ الضَّحَّاكِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلَاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِحَذْفِ الْمَسْمُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ يَذْكُرُهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْحَرُورِيَّةَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: جِئْنَا أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْنَا فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ) هَذَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْحَرُورِيَّةِ أَوْ لَا، وَمُقْتَضَى الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِمْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّفْيِ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ فِيهِمْ نَصًّا بِلَفْظِ الْحَرُورِيَّةِ وَإِنَّمَا سَمِعَ قِصَّتَهُمُ الَّتِي دَلَّ وُجُودُ عَلَامَتِهِمْ فِي الْحَرُورِيَّةِ بِأَنَّهُمْ هُمْ.
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: تَمْرُقُ عِنْدَ فِرْقَةٍ مَارِقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: مِنْ أُمَّتِي فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فِقْهِ الصَّحَابَةِ وَتَحْرِيرِهِمُ الْأَلْفَاظَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (تَحْقِرُونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ تَسْتَقِلُّونَ.
قَوْلُهُ: (صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: تَحْقِرُونَ أَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، وَوَصَفَ عَاصِمٌ أَصْحَابَ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ بِأَنَّهُمْ يَصُومُونَ النَّهَارَ وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ عَلَى السُّنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَهُ: يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ، وَمِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالطَّبَرِيُّ.
وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: ذَكَرَ لِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَدْأَبُونَ وَيَعْمَلُونَ حَتَّى يُعْجِبُوا النَّاسَ وَتُعْجِبُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ أَخِي أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ بِلَفْظِ: يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي قِصَّةِ مُنَاظَرَتِهِ لِلْخَوَارِجِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثِفَنُ الْإِبِلِ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّمَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجُ وَاجْتِهَادُهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فَقَالَ: لَيْسُوا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الرُّهْبَانِ.
قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ فَأُدْخِلَتْ فِيهَا الْهَاءُ وَإِنْ كَانَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِلْإِشَارَةِ لِنَقْلِهَا مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ شَرْطَ اسْتِوَاءِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ مَذْكُورًا مَعَهُ، وَقِيلَ: شَرْطُهُ سُقُوطُ الْهَاءِ مِنْ مُؤَنَّثٍ قَبْلَ وُقُوعِ الْوَصْفِ، تَقُولُ: خُذْ ذَبِيحَتَكَ أَيِ الشَّاةَ الَّتِي تُرِيدُ
стр. 7277
ذَبْحَهَا، فَإِذَا ذَبَحْتَهَا قِيلَ لَهَا حِينَئِذٍ: ذَبِيحٌ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَنْظُرِ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ: إِلَى نَصْلِهِ هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ سَهْمَهُ، أَيْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ جُمْلَةً ثُمَّ تَفْصِيلًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: يَنْظُرُ إِلَى سَهْمِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَصْلِهِ ثُمَّ إِلَى رِصَافِهِ، وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَوْلُهُ: فَيَتَمَارَى أَيْ يَتَشَكَّكُ هَلْ بَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ، وَالْفُوقَةُ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنَ السَّهْمِ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْفُوقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَدْ يُقَالُ فُوقَةٌ بِالْهَاءِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حديث ابن عمر:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ كَذَا لِلْجَمِيعِ عُمَرُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، عَنِ الْأَصِيلِيِّ قَالَ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا أَبُو زَيْدٍ فِي عَرْضِهِ بِبَغْدَادَ: عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَنَسَبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعُمَرِيُّ.
قُلْتُ: وَزَيْدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ حَدِيثٌ فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَنْسُوبًا هَكَذَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَرُورِيَّةَ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِالْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَرُورِيَّةِ، وَفِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَوَقُّفَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ بِخُصُوصِ هَذَا الِاسْمِ لَا أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَرِدْ فِيهِمْ.
٧ - بَاب مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ ولئلا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ
٦٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
٦٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ "قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ شَيْئًا؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ: يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْهُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْرِ الَّذِي
стр. 7278
قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اعْدِلْ. فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ.
وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِهِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ يَقْطُرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُوَيْلٍ فَقَعَدَ يَقْسِمُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ أَصْحَابُهُ: أَلَا تَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَفِيهِ: فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابُهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ، لَكِنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ صَرَّحَ فِي حَدِيثِهِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُنْصَرَفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ الَّذِي قَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ فِضَّةً كَانَتْ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، وَكَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ مِنْهَا، وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَ الْمَقْسُومُ فِيهَا ذَهَبًا وَخَصَّ بِهِ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ، فَهُمَا قِصَّتَانِ فِي وَقْتَيْنِ اتَّفَقَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنْكَارُ الْقَائِلِ، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَوَهِمَ مَنْ سَمَّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ ظَانًّا اتِّحَادَ الْقِصَّتَيْنِ.
وَوَجَدْتُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ يَقْسِمُ شَيْئًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ أَيْضًا، وَسَمَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَتَى ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بِحُنَيْنٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ وَعِنْدَ قِسْمَةِ الذَّهَبِ الَّذِي بَعَثَهُ عَلِيٌّ.
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: التَّرْجَمَةُ فِي تَرْكِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَالْحَدِيثُ فِي تَرْكِ الْقَتْلِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمِيعِ إِذَا أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَنَصَبُوا لِلنَّاسِ الْقِتَالَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَظْهَرَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُ، فَلَوْ قَتَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ عِنْدَ النَّاسِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَرُسُوخِهِ فِي الْقُلُوبِ لَنَفَّرَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ ﷺ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ قِتَالِهِمْ إِذَا هُمْ أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَتَرَكُوا الْجَمَاعَةَ وَخَالَفُوا الْأَئِمَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَتْ حَالَةٌ مِثْلُ حَالَةِ الْمَذْكُورِ فَاعْتَقَدَتْ فِرْقَةَ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كَأَنْ يَخْشَى أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ لِلْفِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ لَأَظْهَرَ مَنْ يُخْفِي مِثْلَ اعْتِقَادِهِمْ أَمْرَهُ وَنَاضَلَ عَنْهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ وَنَصْبِهِمُ الْقِتَالَ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوَارِجِ فِي الْقِتَالِ وَثَبَاتِهِمْ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْمَوْتِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ مِنْ أُمُورِهِمْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: التَّأَلُّفُ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ، فَأَمَّا إِذَا أَعْلَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَلَا يَجِبُ التَّأَلُّفُ إِلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ لِذَلِكَ فَلِإِمَامِ الْوَقْتِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْقِتَالَ، وَالْخَبَرُ فِي الْقَتْلِ فَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمَسْنَدِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ لَكِنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ هِشَامٍ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْمَاضِيَةِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
стр. 7279
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَهُوَ ابْنُ شُرَاحِبِيلَ أَوِ ابْنُ شَرَاحِيلَ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، مَنْسُوبٌ إِلَى مِشْرَقَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّ الْبَزَّارَ حَكَى أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَأَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نُسِبَ فِيهَا كَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ الضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ الْهَمْدَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ لَفْظُ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ لَفْظَ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْهُ، وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقَدْ شَذَّ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى.
قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْقِسْمَةِ كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، زَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الْمَقْسُومَ كَانَ تِبْرًا بَعَثَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، وَذَكَرْتُ أَسْمَاءَهُمْ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَقَالَ: ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أَصْلُ الْخَوَارِجِ. وَمَا أَدْرِي مَنِ الَّذِي قَالَ: وَهُوَ حُرْقُوصٌ إِلَخْ، وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ فَتَرْجَمَ لِذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ فِي الصَّحَابَةِ، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيِّ وَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: فَقَدْ جَعَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْمَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ حُرْقُوصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حُرْقُوصًا اسْمُ ذِي الثُّدَيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ أَثَرٌ، وَأَنَّهُ الَّذِي افْتَتَحَ سُوقَ الْأَهْوَازِ ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ ثُمَّ صَارَ مَعَ الْخَوَارِجِ فَقُتِلَ مَعَهُمْ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ذُو الثُّدَيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْرُ هَذَا الْقَائِلِ فِي الْأَحَادِيثِ مُبْهَمًا، وَوُصِفَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِأَنَّهُ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَعْثِ عَلِيٍّ مِنَ الْمَغَازِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيلٌ مُشَمَّرٌ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ، وَالْحَاكِمِ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَنَانِيرَ فَكَانَ يَقْسِمُهَا وَرَجُلٍ أَسْوَدَ مَطْمُومِ الشَّعْرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ: رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَدِيثِ عَهْدٍ بِأَمْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَعْدِلَ مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا: فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتَ، قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَاكَ عَدَلْتَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ:
стр. 7280
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا تَعْدِلُ، وَفِي لَفْظٍ: مَا أَرَاكَ عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَيْحَكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَيْلَكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا لَمْ أُطِعْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ: أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ أُطِيعَ اللَّهَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: عِنْدَ مَنْ يُلْتَمَسُ الْعَدْلُ بَعْدِي، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَغَضِبَ ﷺ وَقَالَ: الْعَدْلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ: قَالَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ عَلَيْكُمْ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ فَقَالَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَقَالَ: ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَلَأَضْرِبْ بِزِيَادَةِ لَامٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقُومُ عَلَيْهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَظُنُّهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَتْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْجَزْمِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ، ثُمَّ رَأَيْتُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِسَنَدِهِ فِيهِ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ.
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ سُؤَالُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْثَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ كَانَ عَقِبَ بَعْثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهَا، وَالذَّهَبُ الْمَقْسُومُ أَرْسَلَهُ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ كَمَا فِي صَدْرِ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْيَمَنِ رَجَعَ خَالِدٌ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ الذَّهَبَ فَحَضَرَ خَالِدٌ قِسْمَتَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ فِي قِصَّةِ قَسْمٍ وَقَعَ بِالْجِعِرَّانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَالسَّائِلُ فِي قَتْلِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَزْمًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ كَمَا مَضَى قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ دَعْهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: فَقَالَ لَهُ دَعْهُ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَقَالَ: لَا. وَزَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ أَصْحَابًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِهِ مَعَ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا وَاجَهَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ كَمَا فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْفِيرًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَفْلَحَ وَلَهَا شَوَاهِدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: سَيَخْرُجُ أُنَاسٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ: مَعَ صَلَاتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ: مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نُقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا، وَقِيلَ: لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ إِلا سَرْدُهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حَظٌّ إِلَّا مُرُورَهُ عَلَى لِسَانِهِمْ لَا يَصِلُ إِلَى حُلُوقِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعَقُّلُهُ وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِيهِمْ أَيْضًا: لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ أَيْ يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ رَطْبًا قِيلَ: الْمُرَادُ الْحِذْقُ فِي التِّلَاوَةِ أَيْ
стр. 7281
يَأْتُونَ بِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَحْوَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى تِلَاوَتِهِ فَلَا تَزَالُ أَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةً بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ الصَّوْتِ بِهِ؛ حَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسَدَّدٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ كَأَحْسَنِ مَا يَقْرَؤُهُ النَّاسُ. وَيُؤَيِّدُ الْآخَرَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: قَوْمٌ أَشِدَّاءُ أَحِدَّاءُ ذَلِقَةٌ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ، وَأَرْجَحُهَا الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ) يَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ كَمُرُوقِ السَّهْمِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّمِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ: لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ وَالرَّمِيَّةُ فَعِيلَةٌ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمُرَادُ الْغَزَالَةُ الْمَرْمِيَّةُ مَثَلًا.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِهَذَا شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ يَمْرُقُونَ مِنْهُ الْحَدِيثَ، أَيْ: يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَغْتَةً كَخُرُوجِ السَّهْمِ إِذَا رَمَاهُ رَامٍ قَوِيُّ السَّاعِدِ فَأَصَابَ مَا رَمَاهُ فَنَفَذَ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَقُ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الْمَرْمِيِّ شَيْءٌ، فَإِذَا الْتَمَسَ الرَّامِي سَهْمَهُ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدِ الَّذِي رَمَاهُ فَيَنْظُرُ فِي السَّهْمَ لِيَعْرِفَ هَلْ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِذَا لَمْ يَرَهُ عَلِقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَلَا غَيْرُهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَصَابَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ أَيْ جَاوَزَهُمَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ مِنْهُمَا شَيْءٌ بَلْ خَرَجَا بَعْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْقُذَذِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَمَى رَمِيَّةً فَتَوَخَّى السَّهْمَ حَيْثُ وَقَعَ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَى فُوقِهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ دَسَمًا وَلَا دَمًا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّسَمِ وَالدَّمِ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ المعجبة وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الرَّمِيَّةِ: يَذْهَبُ السَّهْمُ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا مِنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ: يَتْرُكُونَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَجَعَلَ يَدَيْهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: لَا يَتَعَلَّقُونَ مِنَ الدِّينِ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ السَّهْمِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرِيِّ: لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ.
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَأَوَّلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسِيَاقٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ خُرُوجَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ عَرَضَتْ لِلرِّجَالِ فَرَمَوْهَا فَانْمَرَقَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ مِنْهَا فَخَرَجَ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَصْلِهِ مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقُذَذِ فَلَمْ يَرَهُ تَعَلَّقَ مِنَ الدَّمِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَصَبْتَ فَإِنَّ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا تَعَلَّقَ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ. قَالَ: كَذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفِي رِوَايَةِ بِلَالِ بْنِ يَقْطُرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: يَأْتِيهِمُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ دِينِهِمْ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ عَلِيٍّ: إنَّ نَاسًا يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا.
قَوْلُهُ: (آيَتُهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ عَلَامَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ) هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ فِيهِمَا مَعَ الشَّكِّ هَلْ هِيَ تَثْنِيَةُ يَدٍ أَوْ ثَدْيٍ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا فَالشَّكُّ عِنْدَهُ هَلْ هُوَ الثَّدْيُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالتَّثْنِيَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: إِحْدَى يَدَيْهِ تَثْنِيَةُ يَدٍ وَلَمْ يَشُكَّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: إِحْدَى عَضُدَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِثْلَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ مِثْلَ الْبَضْعَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ
стр. 7282
وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (تَدَرْدَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَدَرْدَرُ، وَمَعْنَاهُ تَتَحَرَّكُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَأَصْلُهُ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمَاءِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا تَدَافَعَ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ وَالْمُخْدَجُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ، وَالْمُودَنُ بِوَزْنِهِ، وَالْمَثْدُونُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى وَهُوَ النَّاقِصُ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُجْدَعُ الْيَدِ كَأَنَّهَا ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فِيهَا شَعَرَاتٌ كَأَنَّهَا سَخْلَةُ سَبُعٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ: كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ الْمَرْأَةِ حَوْلُهَا سَبْعُ هُلْبَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ، فَأَمَّا الطُّبْيُ فَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الثَّدْيُ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ: فِي يَدِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَقَدْ ذَكَرَ ﷺ لِلْخَوَارِجِ عَلَامَةً أُخْرَى فَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ، قَالَ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِيهِمْ ذُو ثُدَيَّةٍ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: التَّحْلِيقُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَعْضُهُ.
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا، وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي الْأَدَبِ حِينَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ وَفُرْقَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ النَّاسِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: عَلَى خَيْرِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَفِرْقَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ صَحِيحًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا طَائِفَةٌ مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ.
وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: حَضَرْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُونُسَ: قَاتَلَهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَحَضَرْتُ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ قَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَنِسْبَةُ قَتْلِهِمْ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ كَانَ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ، وَلَفْظُهُ: فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ وَقَدْ ذَكَرْتُ شَوَاهِدَهُ، وَمِنْهَا حَدِيثُ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَه: إِنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ أَيْ فَاقْتُلُوهُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ،
стр. 7283
وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهَا: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: مَنْ قَتَلَ الْمُخْرجَ؟ قُلْتُ: عَلِيٌّ. قَالَتْ: فَأَيْنَ قَتَلَهُ؟ قُلْتُ: عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لِأَسْفَلِهِ النَّهْرَوَانُ. قَالَتِ: ائْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، فَأَتَيْتُهَا بِخَمْسِينَ نَفْسًا شَهِدُوا أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ بِالنَّهْرَوَانِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرِيُّ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ، لِسَعْدٍ: أَمَّا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَأَمَّا صِفَةُ قِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ فَوَقَعَتْ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِصِفَتِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، قَالَ: فَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ النَّهْرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى تِسْعَةٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ فِيمَ فَارَقُوهُ وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ قَالَ: لَمَّا كُنَّا بِصِفِّينَ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ التَّحْكِيمِ، فَقَالَ الْخَوَارِجُ مَا قَالُوا وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَرَجَعُوا ثُمَّ قَالُوا: نَكُونُ فِي نَاحِيَتِهِ، فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ قَاتَلْنَاهُ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ فَحَدَّثَ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِمْ.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: تُحَدِّثُنِي بِأَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَّمَا الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ وَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ وَمِنِ اسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ حَكَّمْتَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَجَمَعَ النَّاسَ فَدَعَا بِمُصْحَفٍ عَظِيمٍ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثِ النَّاسَ، فَقَالُوا مَاذَا إِنْسَانٌ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ وَوَرَقٌ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنْهُ، فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ فِي امْرَأَةِ رَجُلٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الْآيَةَ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنِ امْرَأَةِ رَجُلٍ، وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَلَقَدْ ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى الْآخَرِينَ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: كُونُوا حَيْثُ شِئْتُمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا تَقْطَعُوا سَبِيلًا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمُ الْحَرْبَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَهُمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ وَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْخَصَائِصِ صِفَةَ مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُمْ بِطُولِهَا. وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّائِغَةِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: لَمَّا فَارَقَتِ الْخَوَارِجُ عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَإِذَا لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا فِيهِمْ أَصْحَابُ الْبَرَانِسِ، أَيِ الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ، فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَقُمْتُ أُصَلِّي فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي
следующие страницы →