← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7279–7318 · переход к 7284.

стр. 7279

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَهُوَ ابْنُ شُرَاحِبِيلَ أَوِ ابْنُ شَرَاحِيلَ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، مَنْسُوبٌ إِلَى مِشْرَقَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّ الْبَزَّارَ حَكَى أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَأَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نُسِبَ فِيهَا كَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ الضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ الْهَمْدَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ لَفْظُ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ لَفْظَ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْهُ، وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقَدْ شَذَّ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْقِسْمَةِ كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، زَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الْمَقْسُومَ كَانَ تِبْرًا بَعَثَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، وَذَكَرْتُ أَسْمَاءَهُمْ هُنَاكَ. قَوْلُهُ: (جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَقَالَ: ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أَصْلُ الْخَوَارِجِ. وَمَا أَدْرِي مَنِ الَّذِي قَالَ: وَهُوَ حُرْقُوصٌ إِلَخْ، وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ فَتَرْجَمَ لِذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ فِي الصَّحَابَةِ، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيِّ وَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: فَقَدْ جَعَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْمَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ حُرْقُوصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حُرْقُوصًا اسْمُ ذِي الثُّدَيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ أَثَرٌ، وَأَنَّهُ الَّذِي افْتَتَحَ سُوقَ الْأَهْوَازِ ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ ثُمَّ صَارَ مَعَ الْخَوَارِجِ فَقُتِلَ مَعَهُمْ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ذُو الثُّدَيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْرُ هَذَا الْقَائِلِ فِي الْأَحَادِيثِ مُبْهَمًا، وَوُصِفَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِأَنَّهُ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَعْثِ عَلِيٍّ مِنَ الْمَغَازِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيلٌ مُشَمَّرٌ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ، وَالْحَاكِمِ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَنَانِيرَ فَكَانَ يَقْسِمُهَا وَرَجُلٍ أَسْوَدَ مَطْمُومِ الشَّعْرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ: رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَدِيثِ عَهْدٍ بِأَمْرِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَعْدِلَ مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا: فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتَ، قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَاكَ عَدَلْتَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ:

стр. 7280

فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا تَعْدِلُ، وَفِي لَفْظٍ: مَا أَرَاكَ عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَيْحَكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَيْلَكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا لَمْ أُطِعْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ: أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ أُطِيعَ اللَّهَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: عِنْدَ مَنْ يُلْتَمَسُ الْعَدْلُ بَعْدِي، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَغَضِبَ ﷺ وَقَالَ: الْعَدْلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ: قَالَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ عَلَيْكُمْ مِنِّي. قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ فَقَالَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَقَالَ: ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَلَأَضْرِبْ بِزِيَادَةِ لَامٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقُومُ عَلَيْهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَظُنُّهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَتْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْجَزْمِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ، ثُمَّ رَأَيْتُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِسَنَدِهِ فِيهِ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ سُؤَالُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْثَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ كَانَ عَقِبَ بَعْثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهَا، وَالذَّهَبُ الْمَقْسُومُ أَرْسَلَهُ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ كَمَا فِي صَدْرِ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْيَمَنِ رَجَعَ خَالِدٌ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ الذَّهَبَ فَحَضَرَ خَالِدٌ قِسْمَتَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ فِي قِصَّةِ قَسْمٍ وَقَعَ بِالْجِعِرَّانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَالسَّائِلُ فِي قَتْلِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَزْمًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ كَمَا مَضَى قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (قَالَ دَعْهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: فَقَالَ لَهُ دَعْهُ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَقَالَ: لَا. وَزَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَقْتُلُ أَصْحَابِي. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ أَصْحَابًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِهِ مَعَ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا وَاجَهَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ كَمَا فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْفِيرًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَفْلَحَ وَلَهَا شَوَاهِدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: سَيَخْرُجُ أُنَاسٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ. قَوْلُهُ: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ: مَعَ صَلَاتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ: مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نُقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا، وَقِيلَ: لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ إِلا سَرْدُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حَظٌّ إِلَّا مُرُورَهُ عَلَى لِسَانِهِمْ لَا يَصِلُ إِلَى حُلُوقِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعَقُّلُهُ وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ. قُلْتُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِيهِمْ أَيْضًا: لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ أَيْ يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ رَطْبًا قِيلَ: الْمُرَادُ الْحِذْقُ فِي التِّلَاوَةِ أَيْ

стр. 7281

يَأْتُونَ بِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَحْوَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى تِلَاوَتِهِ فَلَا تَزَالُ أَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةً بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ الصَّوْتِ بِهِ؛ حَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسَدَّدٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ كَأَحْسَنِ مَا يَقْرَؤُهُ النَّاسُ. وَيُؤَيِّدُ الْآخَرَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: قَوْمٌ أَشِدَّاءُ أَحِدَّاءُ ذَلِقَةٌ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ، وَأَرْجَحُهَا الثَّالِثُ. قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ) يَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ كَمُرُوقِ السَّهْمِ. قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّمِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ: لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ وَالرَّمِيَّةُ فَعِيلَةٌ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمُرَادُ الْغَزَالَةُ الْمَرْمِيَّةُ مَثَلًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِهَذَا شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ يَمْرُقُونَ مِنْهُ الْحَدِيثَ، أَيْ: يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَغْتَةً كَخُرُوجِ السَّهْمِ إِذَا رَمَاهُ رَامٍ قَوِيُّ السَّاعِدِ فَأَصَابَ مَا رَمَاهُ فَنَفَذَ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَقُ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الْمَرْمِيِّ شَيْءٌ، فَإِذَا الْتَمَسَ الرَّامِي سَهْمَهُ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدِ الَّذِي رَمَاهُ فَيَنْظُرُ فِي السَّهْمَ لِيَعْرِفَ هَلْ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِذَا لَمْ يَرَهُ عَلِقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَلَا غَيْرُهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَصَابَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ أَيْ جَاوَزَهُمَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ مِنْهُمَا شَيْءٌ بَلْ خَرَجَا بَعْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْقُذَذِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَمَى رَمِيَّةً فَتَوَخَّى السَّهْمَ حَيْثُ وَقَعَ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَى فُوقِهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ دَسَمًا وَلَا دَمًا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّسَمِ وَالدَّمِ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ المعجبة وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الرَّمِيَّةِ: يَذْهَبُ السَّهْمُ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا مِنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: يَتْرُكُونَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَجَعَلَ يَدَيْهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: لَا يَتَعَلَّقُونَ مِنَ الدِّينِ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ السَّهْمِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرِيِّ: لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَأَوَّلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسِيَاقٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ خُرُوجَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ عَرَضَتْ لِلرِّجَالِ فَرَمَوْهَا فَانْمَرَقَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ مِنْهَا فَخَرَجَ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَصْلِهِ مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقُذَذِ فَلَمْ يَرَهُ تَعَلَّقَ مِنَ الدَّمِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَصَبْتَ فَإِنَّ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا تَعَلَّقَ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ. قَالَ: كَذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفِي رِوَايَةِ بِلَالِ بْنِ يَقْطُرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: يَأْتِيهِمُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ دِينِهِمْ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ عَلِيٍّ: إنَّ نَاسًا يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا. قَوْلُهُ: (آيَتُهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ عَلَامَتُهُمْ. قَوْلُهُ: (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ) هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ فِيهِمَا مَعَ الشَّكِّ هَلْ هِيَ تَثْنِيَةُ يَدٍ أَوْ ثَدْيٍ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا فَالشَّكُّ عِنْدَهُ هَلْ هُوَ الثَّدْيُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالتَّثْنِيَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: إِحْدَى يَدَيْهِ تَثْنِيَةُ يَدٍ وَلَمْ يَشُكَّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: إِحْدَى عَضُدَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِثْلَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ مِثْلَ الْبَضْعَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ

стр. 7282

وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ. قَوْلُهُ: (تَدَرْدَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَدَرْدَرُ، وَمَعْنَاهُ تَتَحَرَّكُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَأَصْلُهُ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمَاءِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا تَدَافَعَ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ وَالْمُخْدَجُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ، وَالْمُودَنُ بِوَزْنِهِ، وَالْمَثْدُونُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى وَهُوَ النَّاقِصُ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُجْدَعُ الْيَدِ كَأَنَّهَا ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فِيهَا شَعَرَاتٌ كَأَنَّهَا سَخْلَةُ سَبُعٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ: كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ الْمَرْأَةِ حَوْلُهَا سَبْعُ هُلْبَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ، فَأَمَّا الطُّبْيُ فَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الثَّدْيُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ: فِي يَدِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَقَدْ ذَكَرَ ﷺ لِلْخَوَارِجِ عَلَامَةً أُخْرَى فَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ، قَالَ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِيهِمْ ذُو ثُدَيَّةٍ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: التَّحْلِيقُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَعْضُهُ. قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا، وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي الْأَدَبِ حِينَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ وَفُرْقَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ النَّاسِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: عَلَى خَيْرِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَفِرْقَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ صَحِيحًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا طَائِفَةٌ مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ. وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: حَضَرْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُونُسَ: قَاتَلَهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَحَضَرْتُ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ قَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَنِسْبَةُ قَتْلِهِمْ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ كَانَ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ، وَلَفْظُهُ: فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ وَقَدْ ذَكَرْتُ شَوَاهِدَهُ، وَمِنْهَا حَدِيثُ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَه: إِنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ أَيْ فَاقْتُلُوهُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ،

стр. 7283

وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهَا: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: مَنْ قَتَلَ الْمُخْرجَ؟ قُلْتُ: عَلِيٌّ. قَالَتْ: فَأَيْنَ قَتَلَهُ؟ قُلْتُ: عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لِأَسْفَلِهِ النَّهْرَوَانُ. قَالَتِ: ائْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، فَأَتَيْتُهَا بِخَمْسِينَ نَفْسًا شَهِدُوا أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ بِالنَّهْرَوَانِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرِيُّ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ، لِسَعْدٍ: أَمَّا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَأَمَّا صِفَةُ قِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ فَوَقَعَتْ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِصِفَتِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، قَالَ: فَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ النَّهْرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى تِسْعَةٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ فِيمَ فَارَقُوهُ وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ قَالَ: لَمَّا كُنَّا بِصِفِّينَ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ التَّحْكِيمِ، فَقَالَ الْخَوَارِجُ مَا قَالُوا وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَرَجَعُوا ثُمَّ قَالُوا: نَكُونُ فِي نَاحِيَتِهِ، فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ قَاتَلْنَاهُ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ فَحَدَّثَ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِمْ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: تُحَدِّثُنِي بِأَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَّمَا الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ وَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ وَمِنِ اسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ حَكَّمْتَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَجَمَعَ النَّاسَ فَدَعَا بِمُصْحَفٍ عَظِيمٍ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثِ النَّاسَ، فَقَالُوا مَاذَا إِنْسَانٌ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ وَوَرَقٌ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنْهُ، فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ فِي امْرَأَةِ رَجُلٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الْآيَةَ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنِ امْرَأَةِ رَجُلٍ، وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَلَقَدْ ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى الْآخَرِينَ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: كُونُوا حَيْثُ شِئْتُمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا تَقْطَعُوا سَبِيلًا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمُ الْحَرْبَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَهُمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ وَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْخَصَائِصِ صِفَةَ مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُمْ بِطُولِهَا. وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّائِغَةِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: لَمَّا فَارَقَتِ الْخَوَارِجُ عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَإِذَا لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا فِيهِمْ أَصْحَابُ الْبَرَانِسِ، أَيِ الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ، فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَقُمْتُ أُصَلِّي فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي

стр. 7284

قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَكَ طَاعَةٌ فَائْذَنْ لِي فِيهِ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ لَمَّا حَاذَانِي: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّكِّ يَا جُنْدَبُ، فَلَمَّا جِئْتُهُ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَى بِرْذَوْنَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ لَكَ بِالْقَوْمِ حَاجَةٌ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا النَّهْرَ، قَالَ: مَا قَطَعُوهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، قَالَ: لَا مَا قَطَعُوهُ وَلَا يَقْطَعُونَهُ وَلَيُقْتَلَنَّ مَنْ دُونَهُ عَهْدٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَسَايَرْتُهُ فَقَالَ لِي: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يَقْرَأُ الْمُصْحَفَ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَرْشُقُوهُ بِالنَّبْلِ وَلَا يُقْتَلُ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا فَرَمَاهُ إِنْسَانٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَعَدَ، وَقَالَ عَلِيٌّ: دُونَكُمُ الْقَوْمُ، فَمَا قُتِلَ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا نَجَا مِنْهُمْ عَشَرَةٌ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: لَحِقْتُ بِأَهْلِ النَّهْرِ فَإِنِّي مَعَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَسِيرُ إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَرْيَةٍ بَيْنَنَا نَهْرٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ مُرَوَّعًا، فَقَالُوا لَهُ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ، وَقَطَعُوا إِلَيْهِ النَّهْرَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ ابْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ فَحَدَّثَهُمْ بِحَدِيثِ يَكُونُ فِتْنَةٌ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ فَكُنْ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، ثُمَّ دَعَوْا سُرِّيَّتَهُ وَهِيَ حُبْلَى فَبَقَرُوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِمْ لَهُ وَبِجَارِيَتِهِ وَأَنَّهُمْ بَقَرُوا بَطْنَهَا وَكَانُوا مَرُّوا عَلَى سَاقَتِهِ فَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تَمْرَةً فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ فَقَالُوا لَهُ تَمْرَةُ مُعَاهَدٍ فِيمَ اسْتَحْلَلْتَهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ: أَنَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ هَذِهِ التَّمْرَةِ، فَأَخَذُوهُ فَذَبَحُوهُ، فَبَلَغَ عَلِيًّا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَقِيدُونَا بِقَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، فَأَذِنَ حِينَئِذٍ فِي قِتَالِهِمْ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلِيًّا سَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ حِذَاءَهُمْ عَلَى شَطِّ النَّهْرَوَانِ أَرْسَلَ يُنَاشِدُهُمْ فَلَمْ تَزَلْ رُسُلُهُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلُوا رَسُولَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَهَضَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ كُلُّهُمْ. قَوْلُهُ: (جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: فَالْتَمَسَهُ عَلِيٌّ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْتَ جِدَارٍ عَلَى هَذَا النَّعْتِ. وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ الْتَمِسُوا فِيهِمُ المخرج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدَهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ قَالَ انْظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ ارْجِعُوا فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا ذَا الثُّدَيَّةِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ اطْلُبُوهُ، فَطَلَبُوهُ، فَوَجَدُوهُ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْقَتْلَى، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى يَدِهِ مِثْلُ سَبَلَاتِ السِّنَّوْرِ، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ وَالنَّاسُ وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي الْعُمْرَةِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ خَرَجُوا فِيكُمْ؟ قُلْتُ: قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى أَرْضٍ قَرِيبَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَوْ شَاءَ لَحَدَّثَكُمْ بِأَمْرِهِمْ، قَالَ: فَأَهَلَّ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ فَقَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُ عَائِشَةَ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ وَقَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ كَأَنَّ يَدَهُ ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ، نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ هَلْ أَخْبَرْتُكُمْ بِأَنَّهُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجِئْتُمُونِي فَقُلْتُمْ لَيْسَ فِيهِمْ فَحَلَفْتُ لَكُمْ أَنَّهُ فِيهِمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونِي بِهِ تَسْحَبُونَهُ كَمَا نُعِتَ لِي. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: فَأَهَلَّ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ

стр. 7285

وَالتَّشْدِيدِ عَنْ عَلِيٍّ: اطْلُبُوا المخرج فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ الْقَتْلَى فِي طِينٍ قَالَ أَبُو الْوَضِيِّ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَبَشِيٌّ عَلَيْهِ طُرَيْطِقٌ لَهُ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ شُعَيْرَاتٍ تَكُونُ عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: إِنْ كَانَ وَذَلِكَ الْمُخْرجُ لَمَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ فَقِيرًا قَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُسًا لِي وَرَأَيْتُهُ يَشْهَدُ طَعَامَ عَلِيٍّ وَكَانَ يُسَمَّى نَافِعًا ذَا الثُّدَيَّةِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ سَبَلَاتِ السِّنَّوْرِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: وَكَانَ عَلِيٌّ يُحَدِّثُنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ وَعَلَامَتُهُمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، فَسَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَسَمِعْتُ المخرج حَتَّى رَأَيْتُهُ يَتَكَرَّهُ طَعَامَهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَفِيهِ: ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَلْتَمِسُوا المخرج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَبَشَّرَهُ، فَقَالَ: وَجَدْنَاهُ تَحْتَ قَتِيلَيْنِ فِي سَاقِيَةٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّكُمْ يَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَعْرِفُهُ، هَذَا حُرْقُوصٌ وَأُمُّهُ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَغَشِيَنِي كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فَحَمَلْتُ مِنْهُ فَوَلَدْتُ هَذَا. وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: الْتَمِسُوا لِيَ الْعَلَامَةَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لَمْ أَكْذِبْ وَلَا أَكْذِبْ فَجِيءَ بِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ حِينَ عَرَفَ الْعَلَامَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ عَنْ عَلِيٍّ حَوْلَهَا سَبْعُ هُلْبَاتٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَمُوَحَّدَةٍ جَمْعُ هُلْبَةٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ أَهْلِ النَّهْرِ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي لَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْهُمْ، فَوَجَدُوهُ عَلَى شَفِيرِ النَّهْرِ تَحْتَ الْقَتْلَى، فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَفَرِحَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: فِيهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ اللَّمْزُ الْعَيْبُ، وَقِيلَ: الْوُقُوعُ فِي النَّاسِ، وَقِيلَ: بِقَيْدِ أَنْ يَكُونَ مُوَاجَهَةً، وَالْهَمْزُ فِي الْغِيبَةِ أَيْ يَعِيبُكَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَيُؤَيِّدُ الْقِيلَ الْمَذْكُورَ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ وَاجَهَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الزِّيَادَةِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنْ وَقَعَتْ مُقَدِّمَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: حِينَ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ وَذَكَرَ كَلَامَ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قَالَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ: فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَرَجُلٌ جَالِسٌ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَحْوُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِلْقَائِلِ عَلَى مَا قَالَ مِنَ الْكَلَامِ الْجَافِي وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْخِطَابِ السَّيِّئِ كَوْنُهُ لَمْ يُعْطَ مِنْ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ وَأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَغَفَلَ عَنِ الرَّجُلِ فَذَهَبَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَطُلِبَ فَلَمْ يُدْرَكْ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ. (تَنْبِيهٌ): جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْخَوَارِجِ فِيهَا مَا يُخَالِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِوَادِي كَذَا فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ مُتَخَشِّعٌ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي كَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَرَجَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ

стр. 7286

يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ فَاقْتُلُوهُمْ؛ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ الْأَوَّلَ وَكَانَتْ قِصَّتُهُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ مُتَرَاخِيَةً عَنِ الْأُولَى، وَأَذِنَ ﷺ فِي قَتْلِهِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ وَهِيَ التَّأَلُّفُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَمَسَّكَا بِالنَّهْيِ الْأَوَّلِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ وَحَمَلَا الْأَمْرَ هُنَا عَلَى قَيْدِ أَنْ لَا يَكُونَ لَا يُصَلِّي، فَلِذَلِكَ عَلَّلَا عَدَمَ الْقَتْلِ بِوُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ غَلَّبَا جَانِبَ النَّهْيِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ فِي نَحْوِ أَصْلِ الْقِصَّةِ: ثُمَّ دَعَا رِجَالًا فَأَعْطَاهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَقْسِمُ وَمَا نَرَى عَدْلًا، قَالَ: إِذَنْ لَا يَعْدِلُ أَحَدٌ بَعْدِي، ثُمَّ دَعَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: لَوْ قَتَلْتُهُ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَلِيٍّ وَأَنَّهُ كَانَ الْإِمَامَ الْحَقَّ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّوَابِ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ فِي حُرُوبِهِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَصْرِ فِي الصَّحِيفَةِ فِي قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْقُرْآنُ وَالصَّحِيفَةُ مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابَةِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ مِمَّا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْآتِيَةِ إِلَّا مَا فِي الصَّحِيفَةِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمٌ بِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ أَشْقَى الْقَوْمِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ مُقَيَّدًا بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ فَلَا يَرِدُ حَدِيثَ الْبَابِ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ فَكَانَ أَشَدَّ عِنَايَةً بِهَا مِنْ غَيْرِهِ. وَفِيهِ الْكَفُّ عَنْ قَتْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْخُرُوجَ عَلَى الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْصِبْ لِذَلِكَ حَرْبًا أَوْ يَسْتَعِدَّ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُكَفَّرُ بِاعْتِقَادِهِ، وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي الْخَوَارِجِ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ: مَا لَمْ يَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ يَأْخُذُوا مَالًا فَإِنْ فَعَلُوا فَقَاتِلُوهُمْ وَلَوْ كَانُوا وَلَدِي، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا يَحِلُّ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ؟ إِذَا قَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَخَافُوا الْأَمْنَ. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجْ؟ فَقَالَ: الْعَمَلُ أَمْلَكُ بِالنَّاسِ مِنَ الرَّأْيِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ الْخَوَارِجَ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ الْمُوَافِقَ لِلْقَوْلِ الطَّيِّبِ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَقَتْلُهُمْ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ. وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَرَنَهُمْ بِالْمُلْحِدِينَ وَأَفْرَدَ عَنْهُمُ الْمُتَأَوِّلِينَ بِتَرْجَمَةٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ لِقَوْلِهِ ﷺ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ: لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ، وَفِي لَفْظٍ: ثَمُودَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ. وَبِقَوْلِهِ: هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا الْكُفَّارُ، وَلِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالِاسْمِ مِنْهُمْ. وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ

стр. 7287

أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ، بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ إِلَّا حَاد عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بِإِيمَانِهِمْ فَيَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِمْ بِمُتْقَضَى خَبَرِ الشَّارِعِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَصْرِيحَ بِالْجُحُودِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِالْجُحُودِ، فَإِنِ احْتَجُّوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ قُلْنَا وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَلَا يُنَجِّيهِمُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ إِجْمَالًا وَالْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ عَنِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا لَا يُنَجِّي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ؛ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ: فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إِلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عِن دَهُ الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ - وَفِيهِ - التَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ التَّمْثِيلُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ مَقْصُودِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لِسُرْعَتِهِ وَقُوَّةِ رَامِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الرَّمِيَّةِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، وَقَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ فِيهِ: وَكَذَا نَقْطَعُ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ فُسَّاقٌ وَأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَكُونُ أَشَدَّ إِشْكَالًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِهَا، حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، قَالَ: وَقَدْ تَوَقَّفَ قَبْلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَقَالَ: لَمْ يُصَرِّحِ الْقَوْمُ بِالْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ قَوْلُهُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالْمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ جُمْهُورُ

стр. 7288

الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ: يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ لِأَنَّ التَّمَارِي مِنَ الشَّكِّ، وَإِذْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ هَلْ كَفَرُوا؟ فَقَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا. قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرَهُمْ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَفِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ: يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَكَمَا سَيَأْتِي لَمْ يَعْلَقْ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَفِي بَعْضِهَا سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَرَدَّدَ هَلْ فِي الْفُوقِ شَيْءٌ أَوْ لَا ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الرَّمْيِ بِشَيْءٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْخَاصٍ مِنْهُمْ، وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ: يَتَمَارَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَبْقَى مَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقَاتِلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَتُسْبَى أَمْوَالُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمُ يُسْلَكُ بِهِمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْبَغْيِ إِذَا شَقُّوا الْعَصَا وَنَصَبُوا الْحَرْبَ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَسَرَّ مِنْهُمْ بِبِدْعَةٍ فَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ هَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُجْتَهَدُ فِي رَدِّ بِدْعَتِهِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ بِحَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَكْفِيرِهِمْ، قَالَ: وَبَابُ التَّكْفِيرِ بَابٌ خَطِرٌ وَلَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ أَخْبَرَ بِمَا وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا حَكَمُوا بِكُفْرِ مَنْ خَالَفَهُمُ اسْتَبَاحُوا دِمَاءَهُمْ وَتَرَكُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَقَالُوا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَتَرَكُوا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَاشْتَغَلُوا بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ عِبَادَةِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَمْ تَنْشَرِحْ صُدُورُهُمْ بِنُورِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِحَبْلٍ وَثِيقٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَكَفَى أَنَّ رَأْسَهُمْ رَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى الْجَوْرِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ قِتَالَ الْخَوَارِجِ أَوْلَى مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي قِتَالِهِمْ حِفْظَ رَأْسِ مَالِ الْإِسْلَامِ، وَفِي قِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ طَلَبُ الرِّبْحِ، وَحِفْظُ رَأْسِ الْمَالِ أَوْلَى، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ بِظَوَاهِرِ جَمِيعِ الْآيَاتِ الْقَابِلَةِ لِلتَّأْوِيلِ الَّتِي يُفْضِي الْقَوْلُ بِظَوَاهِرِهَا إِلَى مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّيَانَةِ وَالتَّنَطُّعِ فِي الْعِبَادَةِ بِالْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ وَصَفَ الشَّارِعُ الشَّرِيعَةَ بِأَنَّهَا سَهْلَةٌ سَمْحَةٌ، وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَإِلَى الرَّأْفَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَعَكَسَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ قِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَمَنْ نَصَبَ الْحَرْبَ فَقَاتَلَ عَلَى اعْتِقَادٍ فَاسِدٍ، وَمَنْ خَرَجَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَيُخِيفُ السَّبِيلَ وَيَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ إِمَامٍ جَائِرٍ أَرَادَ الْغَلَبَةَ عَلَى مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُ وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَضْرٍ عَنْ عَلِيٍّ وَذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: إِنْ خَالَفُوا إِمَامًا عَدْلًا فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوا إِمَامًا جَائِرًا فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ مَقَالًا. قُلْتُ: وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْحَرَّةِ ثُمَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ لِلْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْحَجَّاجِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ ذَمُّ اسْتِئْصَالِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ صِفَتِهِمُ الْوَاقِعَةِ لَا لِإِرَادَةِ ذَمِّهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ: بَيَانُ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ كَانَ بِسَبَبِ الْأَثَرَةِ فِي الْقِسْمَةِ مَعَ كَوْنِهَا كَانَتْ صَوَابًا فَخَفِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ قِتَالِ الْخَوَارِجِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَتْلُهُمْ فِي الْحَرْبِ وَثُبُوتُ الْأَجْرِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ

стр. 7289

الْخُرُوجَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارَ دِينًا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْخَوَارِجَ شَرُّ الْفِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَمِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قُلْتُ: وَالْأَخِيرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقًا، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعُمَرَ لِشِدَّتِهِ فِي الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي التَّعْدِيلِ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَلَوْ بَلَغَ الْمَشْهُودُ بِتَعْدِيلِهِ الْغَايَةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقَشُّفِ وَالْوَرَعِ حَتَّى يُخْتَبَرَ بَاطِنُ حَالِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَالشَّيْبَانِيُّ، هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَيُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلُهُ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مُصَغَّرٌ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا أُسَيْرٌ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَحَدِيثِ الْبَابِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَيُقَالُ إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُسَيْرِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَيُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ جَابِرٍ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ فِي فَضِيلَةِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ أُسَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ) أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْوَ الْمَشْرِقِ. قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرُوقُ الْخُرُوجُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: مَرَقَ السَّهْمُ مِنَ الْغَرَضِ إِذَا أَصَابَهُ ثُمَّ نَفَذَ مِنْهُ فَهُوَ يَمْرُقُ مِنْهُ مَرْقًا وَمُرُوقًا، وَانْمَرَقَ مِنْهُ، وَأَمْرَقَهُ الرَّامِي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُمَرِّقِ: مُمَرِّقٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: مَرَقَ الْبَرْقُ لِخُرُوجِهِ بِسُرْعَةٍ. قَوْلُهُ: (مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ أُسَيْرٌ: قُلْتُ: مَا لَهُمْ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَرُورِيَّةَ هُمُ الْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ فِي أَحَادِيثِ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ، فَيُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ تَوَقَّفَ فِي الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ لَا فِي كَوْنِهِمُ الْمُرَادَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْخَوَارِجِ عَنْ عَلِيٍّ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، وَكُلَيْبٌ الْجَرْمِيُّ، وَطَارِقُ بْنُ زِيَادٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ. قُلْتُ: وَأَبُو وَضِيٍّ، وَأَبُو كَثِيرٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو وَائِلٍ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ.، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْفَرَّاءُ مَوْلَى عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَكَثِيرُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ بَعْضِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو بَكْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. قُلْتُ: وَرَافِعُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَرِيسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ وَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَإِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَيْنَا يَقْتُلُونَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤَمِّنُونَ مَنْ س وَاهُمْ فَقَالَا لِي: سَمِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَهُمْ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَمَنْ قَتَلُوهُ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالطُّرُقُ إِلَى كَثْرَتِهِمْ مُتَعَدِّدَةٌ كَعَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَيُفِيدُ مَجْمُوعُ خَبَرِهِمَا الْقَطْعَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٨ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ٦٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:

стр. 7290

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) كَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ. وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْمَتْنِ مِنَ الزِّيَادَةِ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْفِئَتَيْنِ جَمَاعَةُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِالدَّعْوَةِ الْإِسْلَامُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَقَتْ مَارِقَةٌ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٩ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ ٦٩٣٦ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ - أَوْ بِرِدَائِي - فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ. ٦٩٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٦٩٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ "سَمِعْتُ عِتْبَانَ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا: ذَلِكَ مُنَافِقٌ

стр. 7291

لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقال النبي ﷺ : "أَلَا تَقُولُوهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ فَإِنَّهُ لَا يُوَافَى عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ" ٦٩٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ فُلَانٍ قَالَ: "تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ - يَعْنِي عَلِيًّا - قَالَ: مَا هُوَ لَا أَبَا لَكَ؟ قَالَ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ. قَالَ مَا هُوَ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ - وَكُلُّنَا فَارِسٌ - قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ حَاجٍ - فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا. فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَقَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ. فَقُلْنَا أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا. فَقَالَ صَاحِبَايَ مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا، قَالَ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَاجَرِّدَنَّكِ. فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا - وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ". فَقال رسول الله ﷺ : "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: صَدَقَ، لَا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا. قَالَ فَعَادَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَلِأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ: أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ الْجَنَّةَ: فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ كُلِّ مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَكْفَرَ الْمُسْلِمَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَرُبَّمَا كَانَ هُوَ الْكَافِرَ. وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ نُظِرَ إِنْ كَانَ غَيْرُ سَائِغٍ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ أَيْضًا وَلَا يَصِلُ إِلَى الْكُفْرِ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ وَجْهُ خَطَئِهِ وَيُزْجَرُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَا يَلْتَحِقُ بِالْأَوَّلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الذَّمَّ بَلْ تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الصَّوَابِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ كُلُّ مُتَأَوِّلٍ مَعْذُورٌ بِتَأْوِيلِهِ لَيْسَ بِآثِمٍ إِذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ سَائِغًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْعِلْمِ. وَذَكَرَ هُنَا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّتِهِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ حِينَ سَمِعَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي الصَّلَاةِ بِحُرُوفٍ تُخَالِفُ مَا قَرَأَهُ هُوَ عَلَى

стр. 7292

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤَاخِذْ عُمَرَ بِتَكْذِيبِ هِشَامٍ وَلَا بِكَوْنِهِ لَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ وَأَرَادَ الْإِيقَاعَ بِهِ، بَلْ صَدَّقَ هِشَامًا فِيمَا نَقَلَهُ وَعَذَرَ عُمَرَ فِي إِنْكَارِهِ وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى بَيَانِ الْحُجَّةِ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ، وَيُونُسُ شَيْخُ اللَّيْثِ فِيهِ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ أَيْضًا مَوْصُولًا لَكِنْ عَنْ عُقَيْلٍ لَا عَنْ يُونُسَ، وَوَهِمَ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَصَلَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، وَقَوْلُهُ: كِدْتُ أُسَاوِرُهُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ أُوَاثِبُهُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَارَ يَسُورُ إِذَا ارْتَفَعَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْبَطْشِ؛ لِأَنَّ السَّوْرَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْبَطْشِ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهَا. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْ كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَسَنَدُهُ هُنَا كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤَاخِذِ الصَّحَابَةَ بِحَمْلِهِمُ الظُّلْمَ فِي الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَتَنَاوَلَ كُلَّ مَعْصِيَةٍ بَلْ عَذَرَهُمْ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّأْوِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ الْمُرَادَ بِمَا رَفَعَ الْإِشْكَالَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ مِيمٍ أَوْ نُونٍ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ هُنَا وَقَدْ يُصَغَّرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤَاخِذِ الْقَائِلِينَ فِي حَقِّ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ بِمَا قَالُوا، بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ إِجْرَاءَ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ مَا فِي الْبَاطِنِ. وَقَوْلُهُ هُنَا أَلَا تَقُولُونَهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: لَا تَقُولُوهُ بِصِيغَةِ النَّهْيِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَلَا تَقُولُوهُ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ، وَالصَّوَابُ تَقُولُونَهُ أَيْ تَظُنُّونَهُ. قُلْتُ: الَّذِي رَأَيْتُهُ لَا تَقُولُوهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ مُوَجَّهٌ، وَتَفْسِيرُ الْقَوْلِ بِالظَّنِّ فِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ أَوِ السَّمَاعِ، وَجَوَّزَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُفْرَدِ وَأَصْلُهُ أَلَا تَقُولُهُ، فَأَشْبَعَ ضَمَّةَ اللَّامِ حَتَّى صَارَتْ وَاوًا وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدًا. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فِي مُكَاتَبَتِهِ قُرَيْشًا وَنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجَاسُوسِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَفِي بَابِ النَّظَرِ فِي شُعُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ حُجْزَتُهَا وَعَقِيصَتُهَا وَضَبْطُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي الْكَلَامُ عَل ى قَوْلِهِ: لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَفِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحَنَةِ بِأَبْسَطَ مِنْهُ، وَفِيهَا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِرَاضِ عُمَرَ عَلَى حَاطِبٍ بَعْدَ أَنْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ عُذْرَهُ، وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: بَعَثَنِي أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ وَقَوْلُهُ: بَعَثَنِي أَنَا وَأَبَا مَرْثَدٍ، وَفِيهِ قِصَّةُ الْمَرْأَةِ وَبَيَانُ مَا قِيلَ فِي اسْمِهَا وَمَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي حَمَلَتْهُ وَأَذْكُرُ هُنَا بَقِيَّةَ شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ حُصَيْنٍ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ فُلَانٍ) كَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا وَسُمِّيَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ فِي الْجِهَادِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ فِي الِاسْتِئْذَانِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فَسَمَّاهُ، وَنَحْوُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَفَّانَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ هُوَ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ، يُكْنَى أَبَا حَمْزَةَ، وَكَانَ زَوْجَ بِنْتِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ: عَنْ فُلَانٍ مَا نَصُّهُ: هُوَ أَبُو حَمْزَةَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ خَتَنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، انْتَهَى. وَلَعَلَّ

стр. 7293

الْقَائِلَ هُوَ إِلَخْ مِنْ دُونِ الْبُخَارِيِّ، وَسَعْدٌ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَالْبَرَاءُ. قَوْلُهُ: (تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ السُّلَمِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ. قَوْلُهُ: (وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ أَبِي ذَرٍّ ضَبْطَهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ وَهْمٌ. قُلْتُ: وَحَكَى الْمِزِّيُّ أَنَّ ابْنَ مَاكُولَا ذَكَرَهُ بِالْكَسْرِ، وَأَنَّ ابْنَ الْفَرْضِيِّ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ قَالَ: وَتَبِعَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ تَوْهِيمُ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ كَمَا نَقَلْتُهُ وَذَلِكَ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ، وَصَوَّبَ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ مَعَ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى وَهُوَ بِالْكَسْرِ إِجْمَاعًا، وَكَانَ حِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ سُلَمِيًّا أَيْضًا وَمُؤَاخِيًا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي تَفْضِيلِ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عُثْمَانِيًّا أَيْ يُفَضِّلُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ، وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَلَوِيًّا أَيْ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي) كَذَا الْكُشْمِيهَنِيُّ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي هُنَا مَنِ الَّذِي، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَفَاعِلُ التَّجْرِيءِ هُوَ الْقَوْلُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: شَيْءٌ يَقُولُهُ وَعَلَى الثَّانِيَةِ الْفَاعِلُ هُوَ الْقَائِلُ. قَوْلُهُ: (جَرَّأَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَعَ الْهَمْزِ. قَوْلُهُ: (صَاحِبَكَ) زَادَ عَفَّانُ: يَعْنِي عَلِيًّا. قَوْلُهُ: (عَلَى الدِّمَاءِ) أَيْ إِرَاقَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ مَنْدُوبٌ إِلَى إِرَاقَتِهَا اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (لَا أَبَا لَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الْحَثِّ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَقَعَ فِي شِدَّةٍ عَاوَنَهُ أَبُوهُ فَإِذَا قِيلَ لَا أَبَا لَكَ فَمَعْنَاهُ لَيْسَ لَكَ أَبٌ، جِدَّ فِي الْأَمْرِ جِدَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مُعَاوِنٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي مَوْضِعِ اسْتِبْعَادِ مَا يَصْدُرُ مِنَ الْمُخَاطَبِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِقَوْلِهِ قَالَ مَا هُوَ. قَوْلُهُ: (قَالَ بَعَثَنِي) كَذَا لَهُمْ وَكَأَنَّ قَالَ الثَّانِيَةَ سَقَطَتْ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي إِسْقَاطِهَا خَطَأً وَالْأَصْلُ: قَالَ أَيْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ أَيْ عَلِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَالزُّبَيْرَ، وَأَبَا مَرْثَدٍ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ ذِكْرُ الْمِقْدَادِ بَدَلَ أَبِي مَرْثَدٍ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ أَعْشَى ثَقِيفٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَعِيَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَيْسَ الْمِقْدَادُ وَلَا أَبُو مَرْثَدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا إِنْ كَانَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَوَقَعَ فِي الْأَسْبَابِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ عُمَرَ، وَعَمَّارًا، وَطَلْحَةَ كَانُوا مَعَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا وَكَأَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ؛ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ وَوَجَدْتُ ذَكَرَ فِيهِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَبَرِهَا فَبَعَثَ فِي أَثَرِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. قَوْلُهُ: (رَوْضَةُ حَاجٍ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) هُوَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. قَوْلُهُ: (هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ حَاجٍ) فِيهِ إِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الصَّوَابَ خَاخٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَلَكِنَّ شَيْخَهُ قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ، عَنْ عَفَّانَ فَذَكَرَهَا بِلَفْظِ حَاجٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، قَالَ عَفَّانُ وَالنَّاسُ يَقُولُونَ خَاخٍ أَيْ بِمُعْجَمَتَيْنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِمَكَانٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ (ذَاتُ حَاجٍ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ يَسْلُكُهُ الْحَاجُّ، وَأَمَّا رَوْضَةُ خَاخٍ فَإِنَّهَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَخْرَجَ سَمُّوَيَهِ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ:

стр. 7294

وَكَانَ حَاطِبٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ الْمَكَانَ عَلَى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ هُشَيْمًا كَانَ يَقُولُهَا أَيْضًا حَاجٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ بِلَفْظِ: حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ كَذَا فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ كَنَى عَنْهَا أَوْ شَيْخَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هُشَيْمًا كَانَ يُصَحِّفُهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو عَوَانَةَ بِتَصْحِيفِهَا لَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ حُصَيْنٍ قَالُوهَا عَلَى الصَّوَابِ بِمُعْجَمَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ وَالظَّعِينَةُ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ مِنَ الظَّعْنِ وَهُوَ الرَّحِيلُ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ ظَعِينَةً لِأَنَّهَا تَرْكَبُ الظَّعِينَ الَّتِي تَظْعَنُ بِرَاكِبِهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: سُمِّيَتْ ظَعِينَةً لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ زَوْجِهَا وَلَا يُقَالُ لَهَا ظَعِينَةٌ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي الْهَوْدَجِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمُ الْهَوْدَجِ سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ لِرُكُوبِهَا فِيهِ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا فَأَطْلَقُوهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي هَوْدَجٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِهَا، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ وَأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَجِ بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ، يَعْنِي قَرْيَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْلَاةَ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقِيلَ: عِمْرَانُ بَدَلَ عَمْرٍو، وَقِيلَ: مَوْلَاةُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ مَوَالِي الْعَبَّاسِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَنَّهَا مَوْلَاةٌ لِقُرَيْشٍ، وَفِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّ حَاطِبًا أَعْطَاهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَكَسَاهَا بُرْدًا، وَعِنْدَ الْوَاحِدِيِّ أَنَّهَا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : جِئْتِ مُسْلِمَةً؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنِ احْتَجْتُ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتِ عَنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ؟ وَكَانَتْ مُغَنِّيَةً، قَالَتْ: مَا طُلِبَ مِنِّي بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهَا وَحَمَلَهَا فَأَتَاهَا حَاطِبٌ فَكَتَبَ مَعَهَا كِتَابًا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: فَكَتَبَ حَاطِبٌ إِلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ بِكِتَابٍ يَنْتَصِحُ لَهُمْ، وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْزُوَ مَكَّةَ أَسَرَّ إِلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ وَأَفْشَى فِي النَّاسِ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ مَكَّةَ، فَسَمِعَهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ فَكَتَبَ حَاطِبٌ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْغَزْوِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا يُرِيدُكُمْ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ إِنْذَارِي لَكُمْ بِكِتَابِي إِلَيْكُمْ، وَتَقَدَّمَ بَقِيَّةُ مَا نُقِلَ مِمَّا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ: تَشْتَدُّ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ. قَوْلُهُ: (فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا) أَيْ طَلَبْنَا كَأَنَّهُمَا فَتَّشَا مَا مَعَهَا ظَاهِرًا، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ: فَأَنَخْنَا بَعِيرَهَا فَابْتَغَيْنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ فَوَضَعْنَا مَتَاعَهَا وَفَتَّشْنَا فَلَمْ نَجِدْ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا وَهِيَ رِوَايَةُ عَفَّانَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ) أَيْ قَالَ وَاللَّهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. قَوْلُهُ: (لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ) أَيْ أَنْزِعُ ثِيَابَكِ حَتَّى تَصِيرِي عُرْيَانَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فُضَيْلٍ لَأَجْزِرَنَّكِ بِجِيمٍ ثُمَّ زَايٍ أَيْ أُصَيِّرُكِ مِثْلَ الْجَزُورِ إِذَا ذُبِحَتْ. ثُمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ النَّظَرَ فِي شُعُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَعْنِي التَّرْجَمَةَ الْمَاضِيَةَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُهُ أَيْ رِوَايَةُ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ. قُلْتُ: رِوَايَةُ لَأُجَرِّدَنَّكِ أَشْهَرُ، وَرِوَايَةُ لَأَجْزِرَنَّكِ كَأَنَّهَا مُفَسَّرَةٌ مِنْهَا، وَرِوَايَةُ لَأَقْتُلَنَّكِ كَأَنَّهَا بِالْمَعْنَى مِنْ لَأُجَرِّدَنَّكِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تُنَافِي التَّرْجَمَةَ لِأَنَّهَا إِذَا قُتِلَتْ سُلِبَتْ ثِيَابُهَا فِي الْعَادَةِ فَيُسْتَلْزَمُ التَّجَرُّدُ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ. وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ

стр. 7295

عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ بِلَفْظِ: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ قَالَ: وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ الْيَاءِ وَبِفَتْحِهَا كَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَالْقَوَاعِدُ التَّصْرِيفِيَّةُ تَقْتَضِي حَذْفَهَا. لَكِنْ إِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِتُخْرِجِنَّ، وَهَذَا تَوْجِيهُ الْكَسْرَةِ وَأَمَّا الْفَتْحَةُ فَتُحْمَلُ عَلَى خِطَابِ الْمُؤَنَّثِ الْغَائِبِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَعَلَى هَذَا فَتُرْفَعُ الثِّيَابُ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ صَوَابَ الرِّوَايَةِ لَنُلْقِيَنَّ بِالنُّونِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا لَا إِشْكَالَ فِيهِ الْبَتَّةَ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَكَلُّفِ تَخْرِيجٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَقَالَتْ لَيْسَ مَعِي كِتَابٌ فَقَالَ كَذَبْتِ فَقَالَ: قَدْ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَعَكِ كِتَابًا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنِّي الْكِتَابَ الَّذِي مَعَكِ أَوْ لَا أَتْرُكُ عَلَيْكَ ثَوْبًا إِلَّا الْتَمَسْنَا فِيهِ، قَالَتْ أَوَ لَسْتُمْ بِنَاسٍ مِنْ مُسْلِمِينَ! حَتَّى إِذَا ظَنَّتْ أَنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ فِي كُلِّ ثَوْبٍ مَعَهَا حَلَّتْ عِقَاصَهَا، وَفِيهِ فَرَجَعَا إِلَيْهَا فَسَلَّا سَيْفَيْهِمَا فَقَالَا: وَاللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ الْمَوْتَ أَوْ لَتَدْفَعِنَّ إِلَيْنَا الْكِتَابَ، فَأَنْكَرَتْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا هَدَّدَاهَا بِالْقَتْلِ أَوَّلًا فَلَمَّا أَصَرَّتْ عَلَى الْإِنْكَارِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا إِذْنٌ بِقَتْلِهَا هَدَّدَاهَا بِتَجْرِيدِ ثِيَابِهَا فَلَمَّا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ خَشِيَتْ أَنْ يَقْتُلَاهَا حَقِيقَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا فَقَالَتْ: أَدْفَعُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنْ تَرُدَّانِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي رِوَايَةِ أَعْشَى ثَقِيفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ بِهَا حَتَّى خَافَتْهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ عَلَى دِينِ قَوْمِهَا فَالْأَكْثَرُ عَلَى الثَّانِي فَقَدْ عُدَّتْ فِيمَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُغَنِّي بِهِجَائِهِ وَهِجَاءِ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرَهَا فِيهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا أَمْرُ سَارَّةَ فَذَكَرَ قِصَّتَهَا مَعَ حَاطِبٍ. قَوْلُهُ: (فَأَتَوْا بِهَا) أَيِ الصَّحِيفَةِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَأَتَيْنَا بِهِ أَيِ الْكِتَابِ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فَقُرِئَ عَلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ سَمَّاهُمُ الْوَاقِدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الْعَامِرِيَّ، وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيَّ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبًا فَقَالَ: أَنْتَ كَتَبْتَ هَذَا الْكِتَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّ حَاطِبًا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ فَاسْتُدْعِيَ بِهِ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَفْظُهُ: فَأَرْسَلَ إِلَى حَاطِبٍ فَذَكَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: مَا بِي بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ وَهُوَ أَوْضَحُ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: أَمَا وَاللَّهِ مَا ارْتَبْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ فِي اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ) أَيْ مِنَّةٌ أَدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَعْشَى ثَقِيفٍ: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحَنَةِ قَوْلُهُ: كُنْتُ مُلْصَقًا، وَتَفْسِيرُهُ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكُمْ وَكَانَ لِي بَنُونَ وَإِخْوَةٌ بِمَكَّةَ فَكَتَبْتُ لَعَلِّي أَدْفَعُ عَنْهُمْ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهَ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ إِلَّا لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْفَظُهُ فِي عِيَالِهِ غَيْرِي. قَوْلُهُ: (قَالَ: صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَرَفَ صِدْقَهُ مِمَّا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ. قَوْلُهُ: (فَعَادَ عُمَرُ) أَيْ عَادَ إِلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فِي حَاطِبٍ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ؛ فَأَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى

стр. 7296

فَكَانَ فِيهَا مَعْذُورًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ عُذْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَانَ اتَّضَحَ عُذْرُهُ وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ وَنَهَى أَنْ يَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا، فَفِي إِعَادَةِ عُمَرَ الْكَلَامَ إِشْكَالٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صِدْقَهُ فِي عُذْرِهِ لَا يَدْفَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ، وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحَنَةِ. قَوْلُهُ: (فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَنَصْبِ الْبَاءِ وَهُوَ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيِ اتْرُكْنِي لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَتَرْكُكَ لِي مِنْ أَجْلِ الضَّرْبِ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الْبَاءِ وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى لُغَةٍ وَأَمْرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِاللَّامِ فَصِيحٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْكِنِّي مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ لَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ؛ قَالَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَاحِظِ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِهَا عَلَى تَكْفِيرِ الْعَاصِي، وَلَيْسَ لِإِنْكَارِ الْقَاضِي مَعْنًى لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَذَكَرَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهَا، وَرَدَّهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ سَنَدَهَا وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا، وَإِذَا ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ الْكُفْرَ وَأَرَادَ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ كَمَا أَطْلَقَ النِّفَاقَ وَأَرَادَ بِهِ نِفَاقَ الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي ضَرْبِ عُنُقِهِ فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ نَافَقَ نِفَاقَ كُفْرٍ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَفَرَ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى تَكْفِيرَ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَلَوْ كَبُرَتْ كَمَا يَقُولُهُ الْمُبْتَدِعَةُ وَلَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ فِي حَقِّ حَاطِبٍ، فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عُذْرَ حَاطِبٍ رَجَعَ. قَوْلُهُ: (أَوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ: أَوَ لَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، وَجَزَمَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَزَادَ الْحَارِثُ: فَقَالَ عُمَرُ بَلَى وَلَكِنَّهُ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ بِالْجَزْمِ وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً حَتَّى لَوْ تَرَكُوا فَرْضًا مَثَلًا لَمْ يُؤَاخَذُوا بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ فِي قِصَّةِ الَّذِي حَرَسَ لَيْلَةَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَزَلْتَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ قَالَ لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا. وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فَهِمَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ فِيمَنْ قَتَلَ الْحَرُورِيَّةَ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِمَنْ قَتَلَهُمْ لَنَكَلْتُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَهَذَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُثَابُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ بِمَا يُقَاوِمُ الْآثَامَ الْحَاصِلَةَ مِنْ تَرْكِ الْفَرَائِضِ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَنًّا مِنْهُ لِأَنَّ عَلِيًّا عَلَى مَكَانَتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ لَا يَقْتُلُ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَوَجَّهَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَ السُّلَمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا اسْتَفَادَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَعَرَفَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ قَطْعًا، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيمَا أَخْطَأَ فِيهِ إِذَا بَذَلَ فِيهِ وُسْعَهُ، وَلَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرٌ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْحَقُّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُصِيبًا فِي حُرُوبِهِ فَلَهُ فِي كُلِّ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ أَجْرَانِ، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيُّ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى ظَنِّهِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَهِمَهُ السُّلَمِيُّ صَحِيحًا لَكَانَ عَلِيٌّ يَتَجَرَّأُ عَلَى غَيْرِ الدِّمَاءِ كَالْأَمْوَالِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الْوَرَعِ وَهُوَ الْقَائِلُ: يَا صَفْرَاءُ وَيَا بَيْضَاءُ غُرِّي غَيْرِي وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ قَطُّ فِي أَمْرِ الْمَالِ إِلَّا التَّحَرِّي بِالْمُهْمَلَةِ لَا التَّجَرِّي بِالْجِيمِ. قَوْلُهُ: (فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الْجَنَّةَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، وَمِثْلُهُ فِي

стр. 7297

مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ وَكَذَا عِنْدَ أَبِي عَائِدٍ. قَوْلُهُ: (فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ أَيِ امْتَلَأَتْ مِنَ الدُّمُوعِ حَتَّى كَأَنَّهَا غَرِقَتْ فَهُوَ افْعَوْعَلَتْ مِنَ الْغَرَقِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: فَفَاضَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَيُجْمَعُ عَلَى أَنَّهَا امْتَلَأَتْ ثُمَّ فَاضَتْ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: (خَاخٌ أَصَحُّ) يَعْنِي بِمُعْجَمَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ كَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةُ حَاجٌ) أَيْ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ. قَوْلُهُ: (وَحَاجٌ تَصْحِيفٌ وَهُوَ مَوْضِعٌ). قُلْتُ: تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (وَهُشَيْمٌ يَقُولُ خَاخٌ) وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَقَوْلِ أَبِي عَوَانَةَ وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ فِي الْجِهَادِ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: رَوْضَةَ كَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ كَانَ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ لَمَا كَنَى عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِلْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ رَوْضَةُ خَاخٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَكَانَ هُشَيْمٌ يَرْوِي الْأَخِيرَةَ مِنْهَا بِالْجِيمِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، انْتَهَى. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَاءِ الْآخِرَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْأُولَى فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَزْمًا وَأَمَّا هُشَيْمٌ فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ مُحْتَمَلَةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَلَوْ بَلَغَ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ لَا يُعْصَمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الذَّنْبِ لِأَنَّ حَاطِبًا دَخَلَ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ وَوَقَعَ مِنْهُ مَا وَقَعَ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أَنَّهُمْ حُفِظُوا مِنَ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ، وَعَلَى مَنْ جَزَمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُعَذَّبَ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْخَطَأُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ بَلْ يَعْتَرِفُ وَيَعْتَذِرُ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ ذَنْبَيْنِ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْدِيدِ فِي اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ وَالتَّهْدِيدِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُهَدِّدُ تَخْوِيفًا لِمَنْ يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الْحَقُّ. وَفِيهِ هَتْكُ سِتْرِ الْجَاسُوسِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْلَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لِاسْتِئْذَانِ عُمَرَ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجَاسُوسَ الْمُسْلِمَ لَا يُبَاحُ دَمُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَكْثَرُ يُعَزَّرُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَاتِ يُعْفَى عَنْهُ. وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوجَعُ عُقُوبَةً وَيُطَالُ حَبْسُهُ. وَفِيهِ الْعَفْوُ عَنْ زَلَّةِ ذَوِي الْهَيْئَةِ. وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قِصَّةِ حَاطِبٍ وَاحْتِجَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَفَحَ عَنْهُ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِهِ فِي اعْتِذَارِهِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ ظَنٌّ خَطَأٌ لِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَتِهِ وَلَمْ يُبِحْ لَهُ قَتْلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ. وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِطْلَاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلَى قِصَّةِ حَاطِبٍ مَعَ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةُ الْكَبِيرِ عَلَى الْإِمَامِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ الْعَائِدِ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنِ الْعَاصِي. وَفِيهِ أَنَّ الْعَاصِيَ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً وَلَوْلَا أَنَّهَا لِعِصْيَانِهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهَا مَا هَدَّدَهَا عَلِيٌّ بِتَجْرِيدِهَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْجَائِزَةِ الْوُقُوعُ عَمَّنْ شَاءَ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مِسْطَحٍ بِقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ يُسَامَحْ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَسُومِحَ حَاطِبٌ، وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ عَنِ الْبَدْرِيِّ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا. وَفِيهِ جَوَازُ غُفْرَانِ مَا تَأَخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِهِ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي بَيَانِ

стр. 7298

الْأَعْمَالِ الْمَوْعُودِ لِعَامِلِهَا بِغُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ سَمَّيْتُهُ الْخِصَالُ الْمُكَفِّرَةُ لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ وَفِيهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، وَفِيهِ تَأَدُّبُ عُمَرَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِقَامَةُ الْحَدِّ وَالتَّأْدِيبُ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ. وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ وَلِأَهْلِ بَدْرٍ كُلِّهِمْ، وَفِيهِ الْبُكَاءُ عِنْدَ السُّرُورِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بَكَى حِينَئِذٍ لِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْخُشُوعِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي حَقِّ حَاطِبٍ. (خَاتِمَةٌ) اشْتَمَلَ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا فِيهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَالْأَرْبَعَةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا جَمِيعِهَا، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ بَعْضُهَا مَوْصُولٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨٩ - كتاب الإكراه قول اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ وَهِيَ تَقِيَّةٌ. وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ. ٦٩٤٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ. اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْإِكْرَاهِ) هُوَ إِلْزَامُ الْغَيْرِ بِمَا لَا يُرِيدُهُ. وَشُرُوطُ الْإِكْرَاهِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ قَادِرًا عَلَى إِيقَاعِ مَا يُهَدِّدُ بِهِ وَالْمَأْمُورُ عَاجِزًا عَنِ الدَّفْعِ وَلَوْ بِالْفِرَارِ. الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ أَوْقَعَ بِهِ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا هَدَّدَهُ بِهِ فَوْرِيًّا، فَلَوْ قَالَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا ضَرَبْتُكَ غَدًا لَا يُعَدُّ مُكْرَهًا وَيُسْتَثْنَى مَا إِذَا ذَكَرَ زَمَنًا قَرِيبًا جِدًّا أَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنَ الْمَأْمُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا فَأَوْلَجَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَيَقُولُ أَنْزَلْتُ فَيَتَمَادَى حَتَّى يُنْزِلَ، وَكَمَنْ قِيلَ لَهُ طَلِّقْ ثَلَاثًا فَطَلَّقَ

стр. 7299

وَاحِدَةً وَكَذَا عَكْسُهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْفِعْلِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ كَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُكْرَهِ هَلْ يُكَلَّفُ بِتَرْكِ فِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِ الْقَتْلِ وَالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَأْثَمُ إِنْ قَتَلَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا وَافَقَ دَاعِيَةُ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشَّرْعِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى قَتْلِ الْكَافِرِ وَإِكْرَاهِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ. أَمَّا مَا خَالَفَ فِيهِ دَاعِيَةُ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشَّرْعِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي تَكْلِيفِ الْمُلْجَإِ وَهُوَ مَنْ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةَ عَنِ الْفِعْلِ كَمَنْ أُلْقِيَ مِنْ شَاهِقٍ وَعَقْلُهُ ثَابِتٌ فَسَقَطَ عَلَى شَخْصٍ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنِ السُّقُوطِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي عَدَمِهِ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْآمِدِيُّ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَقَدْ جَرَى الْخِلَافُ فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْمُلْجَإِ لِأَنَّهُ لَا شُعُورَ لَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ بِتَكْلِيفِهِ عَلَى مَعْنَى ثُبُوتِ الْفِعْلِ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنَّمَا شُرِعَ سُجُودُ السَّهْوِ وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُخْطِئِ لِكَوْنِ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ مُتَهَيِّئًا مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا أَنَّ الْغَافِلَ نُهِيَ عَنْهُ حَالَةَ الْغَفْلَةِ إِذْ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُهَدَّدُ بِهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى الْقَتْلِ وَإِتْلَافِ الْعُضْوِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي يَسِيرِ الضَّرْبِ وَالْحَبْسِ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ وَسَاقَ إِلَى عَظِيمٌ. وَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنِ ارْتَدَّ مُخْتَارًا، وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَعْذُورٌ بِالْآيَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ تَحْتَ الْوَعِيدِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَمَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ وَهُوَ مُرْسَلٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَبِلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِي السَّنَدِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَذَّبُوا عَمَّارًا وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ وَصُهَيْبًا، وَبِلَالًا، وَخَبَّابًا، وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَمَاتَ يَاسِرٌ وَامْرَأَتُهُ فِي الْعَذَابِ وَصَبَرَ الْآخَرُونَ. وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ خَبَّابًا، وَبِلَالًا، وَعَمَّارًا، فَأَطَاعَهُمْ عَمَّارٌ وَأَبَى الْآخَرَانِ فَعَذَّبُوهُمَا، وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ عَمَّارٍ عِنْدَ بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَحَدَهُمْ خَبَرَهُ فَأَرَادُوا أَنْ يُعَذِّبُوهُ فَقَالَ هُوَ يَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ فَأَعْجَبَهُمْ وَأَطْلَقُوهُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَهُوَ يَبْكِي فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْهُ وَيَقُولُ أَخَذَكَ الْمُشْرِكُونَ فَغَطَّوْكَ فِي الْمَاءِ حَتَّى قُلْتَ لَهُمْ كَذَا، إِنْ عَادُوا فَعُدْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ إِرْسَالِهِ أَيْضًا وَهَذِهِ الْمَرَاسِيلُ تَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَذَّبَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا حَتَّى قَالَ لَهُمْ كَلَامًا تَقِيَّةً فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ

стр. 7300

وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ قَالَ: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ بِلِسَانِهِ وَخَالَفَهُ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ لِيَنْجُوَ بِذَلِكَ مِنْ عَدُوِّهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ الْعِبَادَ بِمَا عُقِدَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُقَدَّمٌ مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ كَأَنَّهُ قِيلَ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ، لِأَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِقَادٍ فَاسْتَثْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ الْمُكْرَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَهِيَ تَقِيَّةٌ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: تُقَاةً وَتَقِيَّةً وَاحِدٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلِيًّا فِي الْبَاطِنِ وَلَا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا لِلتَّقِيَّةِ فِي الظَّاهِرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَهُ إِذَا خَافَهُ وَيُعَادِيَهُ بَاطِنًا. قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْخِطَابِ أَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقْبَحَةً لَمْ يُوَاجِهِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخِطَابِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ كَأَنَّهُمْ أَخَذُوا بِعُمُومِهِ حَتَّى أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً فِي ذَلِكَ، وَهُوَ كَالْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ - وَقَالَ ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ صَوَابٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْتُهُ بِلَفْظِهِ لِلْتَنْبِيهِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ الشُّرَّاحِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ فَسَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: فِي الْأَرْضِ وَقَالَ بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وَفِيهِ تَغْيِيرٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الْآيَاتِ قَالَ: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿نَصِيرًا﴾ وَهُوَ صَوَابٌ وَإِنْ كَانَتِ الْآيَاتُ الْأُولَى مُتَرَاخِيَةً فِي السُّورَةِ عَنِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَإِنَّمَا صَدَّرَ بِالْآيَاتِ الْمُتَرَاخِيَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَإِنَّا لَا نَرَاكُمْ مِنَّا إِلَّا أَنْ هَاجَرْتُمْ، فَخَرَجُوا فَأَدْرَكَهُمْ أَهْلُهُمْ بِالطَّرِيقِ فَفَتَنُوهُمْ حَتَّى كَفَرُوا مُكْرَهِينَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ وَعَزَاهُ لِلْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَقَالَ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ إِلَى الظَّالِمِ أَهْلُهَا، قُلْتُ: وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مِنَ التِّلَاوَةِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَصَرُّفًا فِيمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى قِصَّةِ عَمَّارٍ إِلَى أَنْ قَالَ ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أَيْ مَنْ فَتَحَ صَدْرَهُ لِقَبُولِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ لَيْسَ التِّلَاوَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ قَبْلَ هَذَا، قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَفِي بَعْضِهَا ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وَهَذَا عَلَى نَسَقِ التَّنْزِيلِ، كَذَا قَالَ فَأَخْطَأَ، فَالْآيَةُ الَّتِي آخِرُهَا نَصِيرًا فِي أَوَّلِهَا وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِالْوَاوِ لَا بِلَفْظِ: إِلَّا وَمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّ آخِرَ الْآيَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ وَآخِرُ الَّتِي بَعْدَهَا سَبِيلًا وَآخِرُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وَآخِرُ الَّتِي بَعْدَهَا غَفُورًا رَحِيمًا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سِيَاقَ أَرْبَعِ آيَاتٍ. قَوْلُهُ: (فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ) يَعْنِي إِلَّا إِذَا غُلِبُوا. قَالَ: وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ

стр. 7301

إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَيْ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِيقَاعِ الشَّرِّ بِهِ، أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّرْكِ كَمَا لَا يَقْدِرُ الْمُكْرَهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْفِعْلِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُكْرَهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ فِي الْقَتْلِ تَقِيَّةً، وَلَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ إِلَّا فِي قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ يَعْنِي لَا يُعْذَرُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ يُؤْثِرُ نَفْسَهُ عَلَى نَفْسِ غَيْرِهِ. قُلْتُ: وَمَعْنَى التَّقِيَّةِ الْحَذَرُ مِنْ إِظْهَارِ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ مُعْتَقَدٍ وَغَيْرِهِ لِلْغَيْرِ، وَأَصْلُهُ وَقْيَةٌ بِوَزْنِ حَمْزَةَ فَعْلَةٌ مِنَ الْوِقَايَةِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَبْسُطُ يَدَهُ لِلْقَتْلِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالشُّعَبِيُّ، وَالْحَسَنُ) أَمَّا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، أَيْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَخْرَجَهُمَا الْحُمَيْدِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: سَمِعْتُ عَمْرًا يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْأَعْرَجُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَدَعَانِي ابْنُهُ وَدَعَا غُلَامَيْنِ لَهُ فَرَبَطُونِي وَضَرَبُونِي بِالسِّيَاطِ وَقَالَ: لِتُطَلِّقْهَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّ وَأَفْعَلَنَّ فَطَلَّقْتُهَا، ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَرَيَاهُ شَيْئًا. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ثَابِتٍ الْأَعْرَجِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَقَعَ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ تَوْجِيهُهُ وَهُوَ أَنَّ اللِّصَّ يُقْدِمُ عَلَى قَتْلِهِ وَالسُّلْطَانُ لَا يَقْتُلُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ إِلَى الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ فَكَفَرَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ، إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَالَ: إِذَا أَظْهَرَ الْكُفْرَ صَارَ مُرْتَدًّا وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُسْلِمًا. قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ تُغْنِي حِكَايَتُهُ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ النُّصُوصَ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَحَلُّ الرُّخْصَةِ فِي الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ كَأَنْ يَسْجُدَ لِلصَّنَمِ أَوْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا أَوْ يَأْكُلَ الْخِنْزِيرَ أَوْ يَزْنِيَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسَحْنُونٍ، وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ التَّقِيَّةَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِكْرَاهُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ سَوَاءٌ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْإِكْرَاهِ فَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا سُجِنَ أَوْ أُوثِقَ أَوْ عُذِّبَ، وَمِنْ طَرِيقِ شُرَيْحٍ نَحْوُهُ وَزِيَادَةٌ وَلَفْظُهُ: أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ كُرْهٌ: السِّجْنُ وَالضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالْقَيْدُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَلَامٌ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ إِلَّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ بَطَّالٍ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ يَقَعُ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ تَقَدَّمَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَفْظُهُ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ هَكَذَا وَقَعَ فِيهِ بِدُونِ إِنَّمَا فِي أَوَّلِهِ، وَإِفْرَادِ النِّيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحِ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِكْرَاهِ فِي أَوَّلِ تَرْكِ الْحِيَلِ قَرِيبًا، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ هُنَا إِلَى الرَّدِّ

стр. 7302

عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي الْإِكْرَاهِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِعْلٌ، وَإِذَا كَانَ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، فَالْمُكْرَهُ لَا نِيَّةَ لَهُ، بَلْ نِيَّتُهُ عَدَمُ الْفِعْلِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ التَّفْصِيلَ يُشْبِهُ مَا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الَّذِينَ أُكْرِهُوا إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ لَهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ لَا فِي بَدَنٍ وَلَا مَالٍ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ وَالْمَالِ، هَذَا مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُمْ أُكْرِهُوا عَلَى النُّطْقِ بِالْكُفْرِ وَعَلَى مُخَالَطَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتِهِمْ وَتَرْكِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَالتُّرُوكُ أَفْعَالٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَمْ يُؤَاخَذُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى الْمُعْظَمُ قَتْلَ النَّفْسِ فَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنِ الْقَاتِلِ وَلَوْ أُكْرِهَ لِأَنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى نَفْسِ الْمَقْتُولِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَجِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الْقَتْلِ بِأَنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ: وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَالتَّعْرِيفُ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ هُنَا فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي النَّازِلَةِ وَمَحَلُّهُ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَوْلُهُ: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ هُوَ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ وَتَعَلَّقَ الْحَدِيثُ بِالْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُكْرَهِينَ عَلَى الْإِقَامَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُكْرَهًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْكُفْرِ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا دَعَا لَهُمْ وَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ. ١ - بَاب مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ ٦٩٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ. ٦٩٤٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ قَيْسًا سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ. وَلَوْ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ. ٦٩٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ

стр. 7303

وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ بِلَالًا كَانَ مِمَّنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْهَوَانَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ وَكَذَلِكَ خَبَّابٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ وَأَنَّ وَالِدَيْ عَمَّارٍ مَاتَا تَحْتَ الْعَذَابِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ثَلَاثٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الصَّحِيحِ، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ كَرَاهِيَةِ الْكُفْرِ وَكَرَاهِيَةِ دُخُولِ النَّارِ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَالْهَوَانُ أَسْهَلُ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ فَيَكُونُ أَسْهَلَ مِنَ الْكُفْرِ إِنِ اخْتَارَ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ أَيْضًا: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَتْلِ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّلَفُّظَ بِالْكُفْرِ أَوْلَى مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ، وَنَقَلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ قَوْمًا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ تِلْوَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ فَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ظَالِمًا وَلَا مُعْتَدِيًا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ تَقَحُّمِ الْمَهَالِكِ فِي الْجِهَادِ، انْتَهَى. وَهَذَا يَقْدَحُ فِي نَقْلِ ابْنِ التِّينِ الِاتِّفَاقَ الْمَذْكُورَ وَأَنَّ ثَمَّ مَنْ قَالَ بِأَوْلَوِيَّةِ التَّلَفُّظِ عَلَى بَذْلِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يُعَمِّمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِمَا لَوْ عَرَضَ مَا يُرَجِّحُ الْمَفْضُولَ كَمَا لَوْ عَرَضَ عَلَى مَنْ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ نَفْعُ مُتَعَدٍّ ظَاهِرًا فَيُتَّجَهُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَبَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ فِيمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو مَسْعُودٍ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي بَابِ إِسْلَامِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ سَعِيدًا وَزَوْجَتَهُ أُخْتَ عُمَرَ اخْتَارَا الْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَوْنِ عُثْمَانَ اخْتَارَ الْقَتْلَ عَلَى مَا يُرْضِي قَاتِلِيهِ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَاسْمُ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ فِيمَا يُقَالُ، وَقِيلَ سَبَقَتْهَا أُمُّ الْفَضْلِ زَوْجُ الْعَبَّاسِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ أَيْضًا، وَخَبَّابٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدُخُولُهُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ طَلَبَ خَبَّابٍ الدُّعَاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْكُفَّارِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِالْأَذَى ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا لَمْ يُجِبِ النَّبِيُّ ﷺ سُؤَالَ خَبَّابٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْقَدَرُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَلْوَى لِيُؤْجَرُوا عَلَيْهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَنِ اتَّبَعَ الْأَنْبِيَاءَ فَصَبَرُوا عَلَى الشِّدَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ بِالنَّصْرِ وَجَزِيلِ الْأَجْرِ، قَالَ: فَأَمَّا غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ عِنْدَ كُلِّ نَازِلَةٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَعَا، وَإِنَّمَا قَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ إِلَخْ تَسْلِيَةً لَهُمْ وَإِشَارَةً إِلَى الصَّبْرِ حَتَّى تَتَقَضَّى

стр. 7304

الْمُدَّةُ الْمَقْدُورَةُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْمِنْشَارِ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَلِلْأَكْثَرِ مَا بَدَلَ مِنْ، وَقَوْلُهُ: هُوَ الْأَمْرُ أَيِ الْإِسْلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِصَنْعَاءَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَاخْتَارَ الْقَتْلَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اخْتَارَ الرُّخْصَةَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكُفْرِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا فَالْفِعْلُ أَوْلَى، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَلْ يَأْثَمُ إِنْ مُنِعَ مِنْ أَكْلِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَلَمْ يَأْكُلْ. ٢ - بَاب فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ ٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اسْتَدَلَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَالْحَدِيثُ بِبَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَشْبَهُ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الشَّيْءِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَالْيَهُودُ لَوْ لَمْ يَبِيعُوا أَرْضَهُمْ لَمْ يُلْزَمُوا بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَاخْتَارُوا بَيْعَهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِهَا كَمَنْ رَهِقَهُ دَيْنٌ فَاضْطُرَّ إِلَى بَيْعِ مَالَهُ فَيَكُونُ جَائِزًا وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ. قُلْتُ: لَمْ يَقْتَصِرِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمُكْرَهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَيْعُ الْمُكْرَهِ وَنَحْوُهُ فِي الْحَقِّ فَدخل فِي تَرْجَمَتِهِ الْمُضْطَرُّ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ولو أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ، كَذَا تَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَتَوْجِيهُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْمُضْطَرِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ قِصَّةِ الْيَهُودِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَرْجَمَ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الشِّقَّ الْأَوَّلَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَقِّ الدَّيْنُ وَبِغَيْرِهِ مَا عَدَاهُ مِمَّا يَكُونُ بَيْعُهُ لَازِمًا، لِأَنَّ الْيَهُودَ أُكْرِهُوا عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ لَا لِدَيْنٍ عَلَيْهِمْ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ الْجَلَاءُ وَبِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ الْجِنَايَاتُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْحَقَّ الْمَالِيَّاتُ وَبِقَوْلِهِ غَيْرَهُ الْجَلَاءُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَغَيْرِهِ الدَّيْنَ فَيَكُونُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَإِذَا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ سَبَبٌ غَيْرُ مَالِيٍّ فَالْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ سَبَبٌ مَالِيٌّ أَوْلَى. ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ لَمْ يُسَمَّوْا وَلَمْ يُنْسَبُوا، وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَوْهَمَ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُمْ بَنُو النَّضِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَكَانَ

стр. 7305

فَتْحُهَا بَعْدَ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعٍ وَقِيلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ بَنِي النَّضِيرِ فِي الْمَغَازِي قَبْلَ قِصَّةِ بَدْرٍ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَعَلَى الْحَالَيْنِ فَهِيَ قَبْلَ مَجِيءِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسِيَاقُ إِخْرَاجِهِمْ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَلَا جَاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَةِ رَجُلَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ فَأَرَادُوا الْغَدْرَ بِهِ فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ فَأَبَوْا فَحَاصَرَهُمْ فَرَضُوا بِالْجَلَاءِ، وَفِيهِمْ نَزَلَ أَوَّلُ سُورَةِ الْحَشْرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَقِيَّةٌ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا سُكَّانًا دَاخِلَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَمَرُّوا فِيهَا عَلَى حُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَتَّى أَجَلَاهُمْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ لِأَنَّهَا لَمَّا فُتِحَتْ أَقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوا فِيهَا وَيَعْمَلُوا فِيهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَاسْتَمَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجَلَاهُمْ عُمَرُ مِنْ خَيْبَرَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ طَائِفَةً مِنْهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ. قَوْلُهُ: (بَيْتُ الْمِدْرَاسِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ مِفْعَالٌ مِنَ الدَّرْسِ وَالْمُرَادُ بِهِ كَبِيرُ الْيَهُودِ وَنُسِبَ الْبَيْتُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ دِرَاسَةِ كُتُبِهِمْ أَيْ قِرَاءَتِهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ الْمِدْرَاسُ فَفَسَّرَهُ فِي الْمَطَالِعِ بِالْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ التَّوْرَاةُ وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ إِضَافَةَ الْبَيْتِ إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَةِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ مِثْلُ شَجَرِ أَرَاكٍ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: مِفْعَالٌ غَرِيبٌ فِي الْمَكَانِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ لِلرَّجُلِ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَالْمُرَادُ الرَّجُلُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي الْجِزْيَةِ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمُدَارِسِ بِتَأْخِيرِ الرَّاءِ عَنِ الْأَلِفِ بِصِيغَةِ الْمُفَاعِلِ وَهُوَ مَنْ يَدْرُسُ الْكِتَابَ وَيُعَلِّمُهُ غَيْرَهُ، وَفِي حَدِيثِ الرَّجْمِ فَوَضَعَ مُدَارِسُهَا الَّذِي يَدْرُسُهَا يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَفُسِّرَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ ابْنُ صُورِيَّا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا. قَوْلُهُ: (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَنَادَى. قَوْلُهُ: (ذَلِكَ أُرِيدَ) أَيْ بِقَوْلِي أَسْلِمُوا أَيْ إِنِ اعْتَرَفْتُمْ أَنَّنِي بَلَّغْتُكُمْ سَقَطَ عَنِّيَ الْحَرَجُ. قَوْلُهُ: (اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِنَّمَا الْأَرْضُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَوْلُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لِلَّهِ افْتِتَاحُ كَلَامٍ وَلِرَسُولِهِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، كَذَا قَالَ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ وَلِرَسُولِهِ لِكَوْنِهِ الْمُبَلِّغَ عَنْهُ الْقَائِمَ بِتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ. قَوْلُهُ: (أُجْلِيكُمْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ أُخْرِجُكُمْ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَجَدَ) كَذَا هُنَا بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِمَالِهِ شَيْئًا الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ أَوْ ضَمَّنَ وَجَدَ مَعْنَى نَحَلَ فَعَدَّاهُ بِالْبَاءِ، أَوْ وَجَدَ مِنَ الْوِجْدَانِ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ فَمَنْ وَجَدَ بِمَا لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْبَاءُ هُنَا لِلْمُقَابَلَةِ فَجَعَلَ وَجَدَ مِنَ الْوِجْدَانِ. ٣ - بَاب لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.

стр. 7306

٦٩٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو هُوَ ذَكْوَانُ -، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ، قَالَ: سُكَاتُهَا إِذْنُهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ) الْمُكْرَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. قَوْلٌ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَادَ الْقَابِسِيُّ لَفْظَ: إِكْرَاهِهِنَّ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ الْآيَةَ بَدَلَ قَوْلِهِ إِلَخْ، وَكَذَا لِلْجُرْجَانِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا. وَالْفَتَيَاتُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ جَمْعُ فَتَاةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَمَةُ وَكَذَا الْخَادِمُ وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً، وَحِكْمَةُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مَعَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ؛ لِأَنَّ الْمُطِيعَةَ لَا تُسَمَّى مُكْرَهَةً، فَالتَّقْدِيرُ فَتَيَاتِكُمُ اللَّاتِي جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِالْبِغَاءِ، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فَجَعَلَ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ مُنَاسَبَةَ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ وَجَوَّزَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مَطْلُوبُ التَّرْجَمَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنِ الْإِكْرَاهِ فِيمَا لَا يَحِلُّ فَالنَّهْيُ عَنِ الْإِكْرَاهِ فِيمَا يَحِلُّ أَوْلَى. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُكْرَهِ، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ قَالُوا: فَلَوْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَكَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَلْفًا صَحَّ النِّكَاحُ وَلَزِمَتْهُ الْأَلْفُ وَبَطَلَ الزَّائِدُ، قَالَ: فَلَمَّا أَبْطَلُوا الزَّائِدَ بِالْإِكْرَاهِ كَانَ أَصْلُ النِّكَاحِ بِالْإِكْرَاهِ أَيْضًا بَاطِلًا اهـ، فَلَوْ كَانَ رَاضِيًا بِالنِّكَاحِ وَأُكْرِهَ عَلَى الْمَهْرِ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ اتِّفَاقِيَّةً يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ وَطِئَ مُخْتَارًا غَيْرَ رَاضٍ بِالْعَقْدِ حُدَّ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَمَدٌّ بِنْتِ خِدَامٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ وَجَارِيَةَ جَدُّ الرَّاوِيَيْنِ عَنْهَا بِجِيمٍ وَيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ بِكْرٍ وَذَكَرَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْفِرْيَابِيُّ وَشَيْخُهُ الثَّوْرِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبِيكَنْدِيَّ وَشَيْخُهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ السُّفْيَانَيْنِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَالْفِرْيَابِيُّ إِذَا أَطْلَقَ سُفْيَانَ أَرَادَ الثَّوْرِيَّ وَإِذَا أَرَادَ ابْنَ عُيَيْنَةَ نَسَبَهُ. قَوْلُهُ: (ذَكْوَانُ) يَعْنِي مَوْلَى عَائِشَةَ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ قَالَ ذَكْوَانُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا هَلْ تُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ. وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَضْمُونِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِرْشَادٌ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ إِبْطَالِ الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ: سُكَاتُهَا وَهُوَ لُغَةٌ فِي السُّكُوتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الذُّهْلِيِّ، وَأَحْمَدَ، عَنْ يُوسُفَ، عَنْ الْفِرْيَابِيِّ بِلَفْظِ، سُكُوتُهَا، وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، وَأَبِي عَاصِمٍ ذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا سَكَتَتْ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِلَفْظِ: صَمْتُهَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا هُنَاكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ إِنْكَاحِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ الْبِكْرَ الْكَبِيرَةَ، وَأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ إِجْبَارِهِ لَهَا. ٤ - بَاب إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ

стр. 7307

٦٩٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ) أَيْ ذَلِكَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ، وَالْعَبْدُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ. قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ الْمُشْتَرِي فِيهِ نَذْرًا فَهُوَ جَائِزٌ) أَيْ مَاضٍ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ الصَّادِرُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ. قَوْلُهُ: (بِزَعْمِهِ) أَيْ عِنْدَهُ، وَالزَّعْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ كَثِيرًا. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ) أَيْ يَنْعَقِدُ التَّدْبِيرُ، نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ قَالَ: وَافَقَ الْكُوفِيُّونَ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهُ بَاطِلٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ مَعَ الْإِكْرَاهِ غَيْرُ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، فَإِنْ سَلَّمُوا ذَلِكَ بَطَلَ قَوْلُهُمْ إِنَّ نَذْرَ الْمُشْتَرِي وَتَدْبِيرَهُ يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْأَوَّلِ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ نَاقِلٌ فَلِمَ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ؟ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ذَكَرَ الْمَشَايِخُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ بَعْضُ النَّاسِ الْحَنَفِيَّةُ وَغَرَضُهُ أَنَّهُمْ تَنَاقَضُوا، فَإِنَّ بَيْعَ الْإِكْرَاهِ إِنْ كَانَ نَاقِلًا لِلْمِلْكِ إِلَى الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يَخْتَصُّ بِالنَّذْرِ وَالتَّدْبِيرِ، وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ بِنَاقِلٍ فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ وَالتَّدْبِيرُ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا النَّذْرَ وَالتَّدْبِيرَ بِدُونِ الْمِلْكِ، وَفِيهِ تَحَكُّمٌ وَتَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لَا يَجُورُ مَعَهُ الْبَيْعُ، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ دَبَّرَهُ جَازَ وَكَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ نَافِذٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْقِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَوَجْهُ الرَّدِّ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الَّذِي دَبَّرَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ كَانَ تَدْبِيرُهُ سَفَهًا مِنْ فَاعِلِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لِلْعَبْدِ كَانَ صَحِيحًا فَكَانَ مَنِ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ مِلْكُهُ إِذَا دَبَّرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْلَى أَنْ يَرُدَّ فِعْلَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ مِلْكُهُ. ٥ - بَاب مِنْ الْإِكْرَاهِ كُرْهًا وَكَرْهًا وَاحِدٌ ٦٩٤٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَحَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجَوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجْوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بَابٌ مِنَ الْإِكْرَاهِ) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ مَا وَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ الْإِكْرَاهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَهُنَا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، وَحُسَيْنٌ نَيْسَابُورِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 7308

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَخْلَدٍ رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ هَذَا فَسَمَّاهُ حُسَيْنًا بِالتَّصْغِيرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ، وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ مَعَ حُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ النَّيْسَابُورِيِّ ثَلَاثَةً كُلٌّ مِنْهُمْ حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ وَكُلُّهُمْ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ أَيْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِضَمِّهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ وَبِالْفَتْحِ مَا أَكْرَهَكَ عَلَيْهِ غَيْرُكَ، وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ كُرْهٌ وَكُرْهٌ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ أَصْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْسَكَ امْرَأَتَهُ طَمَعًا أَنْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، كَذَا قَالَ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ النَّصِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ أَنْ لَا يَصِحَّ مِيرَاثُهُ مِنْهَا فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ. ٦ - بَاب إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٩٤٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنْ الْخُمُسِ فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ، وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا. وقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا الْحُرُّ: يُقِيمُ ذَلِكَ الْحَكَمُ مِنْ الْأَمَةِ الْعَذْرَاءِ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا وَيُجْلَدُ وَلَيْسَ فِي الْأَمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الْأَئِمَّةِ غُرْمٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ. ٦٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ - أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اسْتُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ لَهُنَّ: وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنُسِبَتْ أَيْضًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ وَكَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُعَرَّبِينَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَهُمْ أَيْ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْإِكْرَاهُ لَكِنْ إِذَا تَابَ، وَضُعِّفَ بِكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمَ التَّقْدِيرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ لِأَجْلِ الرَّبْطِ، وَاسْتُشْكِلَ تَعْلِيقُ الْمَغْفِرَةِ لَهُنَّ لِأَنَّ الَّتِي تُكْرَهُ لَيْسَتْ آثِمَةً، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ الْمَذْكُورُ كَانَ دُونَ مَا اعْتُبِرَ شَرْعًا فَرُبَّمَا قَصَّرَتْ عَنِ الْحَدِّ الَّذِي تُعْذَرُ بِهِ فَتَأْثَمُ فَنَاسَبَ تَعْلِيقَ الْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْإِكْرَاهُ لَا يُنَافِي الْمُؤَاخَذَةَ. قُلْتُ: أَوْ ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ الْإِثْمِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْمُكْرِهِينَ لَهُنَّ، وَفِي ذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ تَعْرِيضٌ، وَتَقْدِيرُهُ انْتَهُوا أَيُّهَا الْمُكْرِهُونَ فَإِنَّهُنَّ مَعَ كَوْنِهِنَّ مُكْرَهَاتٍ قَدْ يُؤَاخَذْنَ لَوْلَا رَحْمَتُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ فَكَيْفَ بِكَمْ أَنْتُمْ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا إِثْمَ

стр. 7309

عَلَى الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقَالُ لَهَا مُسَيْلِمَةُ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمَيْمَةُ وَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ (حَدَّثَنِي نَافِعٌ) هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ) يَعْنِي الثَّقَفِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ أَيْ مِنْ مَالِ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ عُمَرُ. قَوْلُهُ: (وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ) أَيْ مِنْ مَالِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِمَامِ، وَالْمُرَادُ زَنَى بِهَا. قَوْلُهُ: (فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا) بِقَافٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْقِضَّةٍ وَهِيَ عُذْرَةُ الْبِكْرِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا. قَوْلُهُ: (فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ) أَيْ جَلَدَهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَنَفَاهُ نِصْفَ سَنَةٍ، لِأَنَّ حَدَّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى أَنَّ الرَّقِيقَ يُنْفَى كَالْحُرِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْحُدُودِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَجْلِدِ الْوَلِيدَةَ لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى، عَنِ اللَّيْثِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، وَوَقَعَ لِي عَالِيًا جِدًّا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِ اللَّيْثِ فِيهِ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ فِي أَزْيَدَ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، قَرَأْتُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الدَّقَّاقِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نِعْمَةَ سَمَاعًا أَنْبَأَنَا أَبُو الْمُنَجَّا بْنُ عُمَرَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَقْتِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ فَذَكَرَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ قَالَ: اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ فِي الزِّنَا فَدَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا الْحَدَّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا) بِفَاءٍ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَقْتَضُّهَا. قَوْلُهُ: (يُقِيمُ ذَلِكَ) أَيِ الِافْتِرَاعَ (الْحَكَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْحَاكِمُ. قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ ثَمَنِهَا) أَيْ عَلَى الَّذِي اقْتَضَّهَا وَيُجْلَدُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْخُذُ مِنَ الْمُفْتَرِعِ دِيَةَ الِافْتِرَاعِ بِنِسْبَةٍ قِيمَتُهَا أَيْ: أَرْشُ النَّقْصِ، وَهُوَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ كَوْنِهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، وَقَوْلُهُ: يُقِيمُ بِمَعْنَى يُقَوِّمُ وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ: وَيُجْلَدُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْعُقْرَ يُغْنِي عَنِ الْجَلْدِ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِي الْأَمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الْأَئِمَّةِ غُرْمٌ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَرَامَةٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهَا الْحَدُّ. ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ مَعَ الْجَبَّارِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وقَوْلُهُ هُنَا الظَّالِمُ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: الْكَافِرُ وَقَوْلُهُ: غُطَّ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غُمَّ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ وَقِيلَ خُنِقَ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأُخِذَ مِنَ الْعَطْعَطَةِ وَهِيَ حِكَايَةُ صَوْتٍ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الْجَبَّارِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَرْيَةِ حَرَّانُ وَقِيلَ الْأُرْدُنُّ وَقِيلَ مِصْرُ، وَقَوْلُهَا إِنْ كُنْتُ لَيْسَ لِلشَّكِّ فَتَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتُ مَقْبُولَةَ الْإِيمَانِ عِنْدَكَ، وَقَوْلُهُ رَكَضَ أَيْ حَرَّكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَا كَانَ يَنْبَغِي إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَصْلًا، وَلَيْسَ لَهَا مُنَاسَبَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ إِلَّا سُقُوطَ الْمَلَامَةِ عَنْهَا فِي الْخَلْوَةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً عَلَى ذَلِكَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ، وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّ سَارَّةَ ﵍ كَانَتْ مَعْصُومَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ أَنَّهَا لَا مَلَامَةَ عَلَيْهَا فِي الْخَلْوَةِ مُكْرَهَةً فَكَذَا غَيْرُهَا لَوْ زُنِيَ بِهَا مُكْرَهَةً لَا حَدَّ عَلَيْهَا. (تَكْمِيلٌ): لَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ إِكْرَاهِ الرَّجُلِ عَلَى الزِّنَا، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَشِرُ إِلَّا بِلَذَّةٍ، وَسَوَاءٌ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَمْ غَيْرُهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُحَدُّ إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الِانْتِشَارَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَسُكُونِ النَّفْسِ، وَالْمُكْرَهُ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ خَائِفٌ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَبِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7310

٧ - بَاب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ الْظَالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَكَ أَوْ لتُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً وَتَحُلُّ عُقْدَةً أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لَمْ يَسَعْهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ ابْنَكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ: الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي اللَّهِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ. ٦٩٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ. وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ. ٦٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ) جَوَابُ الشَّرْطِ يَأْتِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ) أَيِ الْمُسْلِمَ (يَذُبُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَدْفَعُ (عَنْهُ الظَّالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ) أَيْ عَنْهُ (وَلَا يَخْذُلُهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى يَمِينٍ إِنْ لَمْ يَحْلِفْهَا قُتِلَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فَلَمَّا تَرَكَ التَّوْرِيَةَ صَارَ قَاصِدًا لِلْيَمِينِ فَيَحْنَثُ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ فَنِيَّتُهُ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَرَادَ لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ، قَالَ وَالدِّيَةُ تُسَمَّى أَرْشًا. قُلْتُ: وَالْأَوْلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا قِصَاصَ تَأْكِيدٌ، أَوْ أَطْلَقَ الْقَوَدَ عَلَى الدِّيَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَاتَلَ عَنْ رَجُلٍ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُقْتَلَ فَقُتِلَ دُونَهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَفِيهِ وَلَا يُسْلِمُهُ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ انْصُرْ أَخَاكَ وَبِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ

стр. 7311

النَّدْبَ إِلَى النَّصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ بِالْقَتْلِ، وَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ دَفْعُ الظُّلْمِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ، فَإِذَا دَافَعَ عَنْهُ لَا يَقْصِدُ قَتْلَ الظَّالِمِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ دَفْعَهُ فَلَوْ أَتَى الدَّفْعُ عَلَى الظَّالِمِ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتبِيعَنَّ عَبْدَكَ أَوْ لَتُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً أَوْ تَحُلُّ عُقْدَةً أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ بِحَلِّ الْعُقْدَةِ فَسْخُهَا وَقُيِّدَ الْأَخُ بِالْإِسْلَامِ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنَ الْقَرِيبِ وَسِعَهُ ذَلِكَ أَيْ جَازَ لَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِيُخَلِّصَ أَبَاهُ وَأَخَاهُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصُهُ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مَنْ هُدِّدَ بِقَتْلِ وَالِدِهِ أَوْ بِقَتْلِ أَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ يَهَبْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ أَوْ يَحُلُّ عَقْدًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ جَمِيعَ مَا هُدِّدَ بِهِ لِيَنْجُوَ أَبُوهُ مِنَ الْقَتْلِ وَكَذَا أَخُوهُ الْمُسْلِمُ مِنَ الظُّلْمِ وَدَلِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا، وَنَبَّهَ ابْنُ التِّينِ عَلَى وَهْمٍ وَقَعَ لِلدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ حَاصِلُهُ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ وَهِمَ فِي إِيرَادِ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ فَجَعَلَ قَوْلَهُ: لَتَقْتُلَنَّ بِالتَّاءِ وَجَعَلَ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ وَسِعَهُ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ لَا يَسَعُهُ فِي قَتْلِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فَصَوَابٌ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ، وَاخْتُلِفَ فِي الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَرَأَ لَتَقْتُلَنَّ بِتَاءِ الْمُخَاطَبَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَمْ يَسَعْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ لَتَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ لَتُقِرَّنَّ بِدَيْنٍ أَوْ بِهِبَةٍ يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ ظَالِمًا لَوْ أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ فَقَالَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مَثَلًا إِنْ لَمْ تَشْرَبِ الْخَمْرَ أَوْ تَأْكُلِ الْمَيْتَةَ قَتَلْتُ أَبَاكَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ قَتَلْتُ ابْنَكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ لَكَ فَفَعَلَ لَمْ يَأْثَمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْإِنْسَانِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْ غَيْرِهِ بَلِ اللَّهُ سَائِلٌ الظَّالِمَ وَلَا يُؤَاخَذُ الِابْنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدَّفْعِ إِلَّا بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ ارْتِكَابُهُ، قَالَ: وَنَظِيرُهُ فِي الْقِيَاسِ مَا لَوْ قَالَ إِنْ لَمْ تَبِعْ عَبْدَكَ أَوْ تُقِرَّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبْ هِبَةً أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَنْعَقِدُ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةَ فِي الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ نَاقَضَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُقُودِ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَخَالَفَ قِيَاسَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، يَعْنِي أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذِي الرَحِمٍ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِمْ فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: لَتقْتُلَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ أَوْ لَتَبِيعَنَّ كَذَا فَفَعَلَ لِيُنَجِّيَهُ مِنَ الْقَتْلِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِي ذِي رَحِمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا عَقَدَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ اللُّزُومُ فِي الْجَمِيعِ قِيَاسًا لَكِنْ يُسْتَثْنَى مَنْ لَهُ مِنْهُ رَحِمٌ اسْتِحْسَانًا، وَرَأَى الْبُخَارِيُّ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لَا النَّسَبِ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ أُخْتِي، وَالْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَنِكَاحُ الْأُخْتِ كَانَ حَرَامًا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ تُوجِبُ حِمَايَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَالدَّفْعَ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَهُ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لِلدَّفْعِ عَنْهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ لَنقْتُلَنَّكَ فإنه يَسَعُهُ إِتْيَانُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَرَّرَ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ بِأَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِي الْإِكْرَاهَ، فَكَمَا لَا إِكْرَاهَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى

стр. 7312

وَهِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْقَتْلُ كَذَلِكَ لَا إِكْرَاهَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْعِتْقُ، فَحَيْثُ قَالُوا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ اسْتِحْسَانًا فَقَدْ نَاقَضُوا إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالْإِكْرَاهِ وَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ. قُلْتُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فِي الْجَمِيعِ لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا فِي أَمْرِ الْمَحْرَمِ لِمَعْنًى قَامَ بِهِ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ التَّقْرِيرِ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَوْ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَأَنَّهَا أَمْثِلَةٌ لَا مِثَالٌ وَاحِدٌ ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَوْلُهُ أَيِ الْبُخَارِيُّ إِنَّ تَفْرِيقَهُمْ بَيْنَ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ شَيْءٌ قَالُوهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ أَيْ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ، وَهُوَ أَيْضًا كَلَامٌ اسْتِحْسَانِيٌّ، قَالَ: وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ غَيْرُ مُنَاسِبَةٍ لِوَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ إِذْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَنِّهِ. قُلْتُ: وَهُوَ عَجَبٌ مِنْهُ لِأَنَّ كِتَ بَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِيرَادَ الْأَحَادِيثِ نَقْلًا صِرْفًا بَلْ ظَاهِرُ وَضْعِهِ أَنَّهُ يُجْعَلُ كِتَابًا جَامِعًا لِلْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَفِقْهُهُ فِي تَرَاجِمِهِ، فَلِذَلِكَ يُورِدِ فِيهِ كَثِيرًا الِاخْتِلَافَ الْعَالِيَ وَيُرَجِّحُ أَحْيَانًا وَيَسْكُتُ أَحْيَانًا تَوَقُّفًا عَنِ الْجَزْمِ بِالْحُكْمِ وَيُورِدُ كَثِيرًا مِنِ التَّفَاسِيرِ وَيُشِيرُ فِيهِ إِلَى كَثِيرٍ مِنِ الْعِلَلِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِ الطُّرُقِ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا أَوْرَدَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْمَبَاحِثِ لَمْ تُسْتَغْرَبْ، وَأَمَّا رَمْزُهُ إِلَى أَنَّ طَرِيقَةَ الْبَحْثِ لَيْسَتْ مِنْ فَنِّهِ. فَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا، فَلِلْبُخَارِيِّ أُسْوَةٌ بِالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، فَهَذِهِ طَرِيقَتُهُمْ فِي الْبَحْثِ وَهِيَ مُحَصِّلَةٌ لِلْمَقْصُودِ وَإِنْ لَمْ يَعْرُجُوا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِامْرَأَتِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِسَارَّةَ. قَوْلُهُ: (هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي اللَّهِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ مَعَ الْجَبَّارِ، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ وَذَلِكَ فِي اللَّهِ بَلْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ ثِنْتَانِ مِنْهُمَا فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: هَذِهِ أُخْتِي لَيْسَتْ فِي ذَاتِ اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: وَذَلِكَ فِي اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا مِنْ جِهَةِ مَحْضِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ بِخِلَافِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ فِيهَا شَائِبَةَ نَفْعٍ وَحَظٍّ لَهُ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ تَوَصُّلِهِ بِذَلِكَ إِلَى السَّلَامَةِ مِمَّا أَرَادَهُ الْجَبَّارُ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا اسْتُحْلِفَ الرَّجُلُ وَهُوَ مَظْلُومٌ فَالْيَمِينُ عَلَى مَا نَوَى وَعَلَى مَا وَرَّى، وَإِذَا كَانَ ظَالِمًا فَالْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ مَنِ اسْتَحْلَفَهُ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِلَفْظِ: إِذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا فَلَهُ أَنْ يُوَرِّيَ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُ النَّخَعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَهُ نِيَّةُ الْمَظْلُومِ أَبَدًا. وَإِلَى مِثْلِهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ النِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ أَبَدًا. قُلْتُ: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَلِفَ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَاكِمِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى نِيَّةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْمُسْتَحْلِفِ مَظْلُومًا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي قِبَلِ رَجُلٍ فَيَجْحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَيَسْتَحْلِفُهُ فَتَكُونُ النِّيَّةُ نِيَّتَهُ لَا الْحَالِفِ فَلَا تَنْفَعُهُ فِي ذَلِكَ التَّوْرِيَةُ. ثم ذكر الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ مَشْرُوحًا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ الْبَزَّازُ بِمُعْجَمَتَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ الْمُلَقَّبُ صَاعِقَةَ وَهُوَ مِنْ طَبَقَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَكْثَرِ شُيُوخِهِ، وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي مَوَاضِعَ أَقْرَبُهَا فِي بَابِ مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ

стр. 7313

فَنَزَلَ فِيهِ هُنَا دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ سِيَاقَهُ هُنَا أَتَمُّ وَلِمُغَايَرَةِ الْإِسْنَادِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ قَالُوا. قَوْلُهُ: (آنْصُرُهُ مَظْلُومًا) بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ وَيَجُوزُ تَرْكُ الْمَدِّ. قَوْلُهُ: (أَفَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ مَجَازَانِ: إِطْلَاقُ الرُّؤْيَةِ وَإِرَادَةُ الْإِخْبَارِ، وَالْخَبَرُ وَإِرَادَةُ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَ ظَالِمًا) أَيْ كَيْفَ أَنْصُرهُ عَلَى ظُلْمِهِ. قَوْلُهُ: (تَحْجِزُهُ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ثُمَّ زَايٍ لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْبَاءِ بَدَلَ الزَّايِ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى الْمَنْعِ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدِهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَنْعِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ هُنَاكَ، وَمِنْهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ قَالَ إِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَخُذْ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَخُذْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْحُكَمَاءِ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْإِكْرَاهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ كُلُّهَا فِيمَا مَضَى، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ تِسْعَةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٩٠ - كِتَاب الْحِيَلِ قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْحِيَلِ) جَمْعُ حِيلَةٍ، وَهِيَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ. وَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَقْسَامٍ بِحَسَبِ الْحَامِلِ عَلَيْهَا، فَإِنْ تَوَصَّلَ بِهَا بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ إِثْبَاتِ بَاطِلٍ فَهِيَ حَرَامٌ أَوْ إِلَى إِثْبَاتِ حَقٍّ أَوْ دَفْعِ بَاطِلٍ فَهِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِنْ تَوَصَّلَ بِهَا بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ إِلَى سَلَامَةٍ مِنْ وُقُوعٍ فِي مَكْرُوهٍ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ، أَوْ إِلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ. وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: هَلْ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَيَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَوْ يَبْطُلُ مُطْلَقًا، أَوْ يَصِحُّ مَعَ الْإِثْمِ؟ وَلِمَنْ أَجَازَهَا مُطْلَقًا أَوْ أَبْطَلَهَا مُطْلَقًا أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ. فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي زَنَى، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي السُّنَنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وَفِي الْحِيَلِ مَخَارِجُ مِنَ الْمَضَايِقِ، وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا مِنَ الْحِنْثِ، وَكَذَلِكَ الشُّرُوطُ كُلُّهَا فَإِنَّ فِيهَا سَلَامَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَجِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ بِلَالٍ: بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا. وَمِنَ الثَّانِي قِصَّةُ أَصْحَابِ السَّبْتِ وَحَدِيثُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ، وَحَدِيثُ لَعْنِ الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ، وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ: هَلِ الْمُعْتَبَرُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ أَلْفَاظُهَا أَوْ مَعَانِيهَا؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَجَازَ الْحِيَلَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا تَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي أَبْطَلَهَا وَلَمْ يُجِزْ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ فِيهِ اللَّفْظُ الْمَعْنَى الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِالْحِيَلِ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ لِكَوْنِ أَبِي يُوسُفَ صَنَّفَ فِيهَا كِتَابًا، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ وَعَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ تَقْيِيدُ أَعْمَالِهَا بِقَصْدِ الْحَقِّ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَصْلُ الْحِيَلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الْآيَةَ، وَضَابِطُهَا إِنْ كَانَتْ لِلْفِرَارِ مِنَ الْحَرَامِ وَالتَّبَاعُدِ مِنَ الْإِثْمِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِإِبْطَالِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَلَا بَلْ هِيَ إِثْمٌ وَعُدْوَانٌ.

стр. 7314

١ - بَاب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا ٦٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحِيَلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ التَّرْكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَيْ مِنَ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى - إِجَازَةُ الْحِيَلِ. قَالَ: وَهُوَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ بَلْ دَعَا لَهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَقُلْ بَابُ تَرْكِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَتَهُ لَوْ وَقَعَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِنْكَارٌ، بِخِلَافِ الْحِيَلِ فَإِنَّ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا عُمُومًا إِبْطَالَ حُقُوقٍ وَجَبَتْ وَإِثْبَاتَ حُقُوقٍ لَا تَجِبُ فَتَحَرَّى فِيهَا لِذَلِكَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ أَوَّلًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مِنَ الْحِيَلِ مَا يُشْرَعُ فَلَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَغَيْرِهِ وَجَعَلَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا عَلَى إِرَادَةِ الْيَمِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اتَّسَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَحَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ، فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ الْقَصْدُ أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ الْقَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالًا، قَالَ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَإِبْطَالِ التَّحَيُّلِ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ، وَوَجْهُ التَّعْمِيمِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ الْمُقَدَّرَ الِاعْتِبَارُ، فَمَعْنَى الِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَادَاتِ إِجْزَاؤُهَا وَبَيَانُ مَرَاتِبِهَا، وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ الرَّدُّ إِلَى الْقَصْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ تَصْرِيحُ الْبُخَارِيِّ بِدُخُولِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَقَلْتُ هُنَاكَ كَلَامَ ابْنِ الْمُنِيرِ فِي ضَابِطِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ عَلْقَمَةَ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: يَخْطُبُ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: بِالنِّيَّاتِ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ كَمَا هُنَا مَعَ حَذْفِ إِنَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَكَانَ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَنْقَلِبُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ. وَاحْتُجَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُبْرُمَةَ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَجَابُوا أَنَّ الْحَجَّ خَرَجَ عَنْ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ يَمْضِي فَاسِدُهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِأَثْنَاءِ الْحَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ بِالْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَالْأَجْرِ

стр. 7315

الْحَاصِلِ لِلْمَرِيضِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ عَلَى الصَّبْرِ لِثُبُوتِ الْأخْبَارِ بِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَقَعُ الْأَجْرُ عَلَى الصَّبْرِ وَحُصُولِ الْأَجْرِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ لِمَنْ قَصَدَ الْعِبَادَةَ فَعَاقَهُ عَنْهَا عَائِقٌ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ، وَكَمَنْ لَهُ أَوْرَادٌ فَعَجَرَ عَنْ فِعْلِهَا لِمَرَضٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُهَا كَمَنْ عَمِلَهَا. وَمِمَّا يُسْتَثْنَى عَلَى خُلْفٍ مَا إِذَا نَوَى صَلَاةَ فَرْضٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فَرْضًا هَلْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا؟ وَهَذَا عِنْدَ الْعُذْرِ، فَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا يَنْقَلِبُ نَفْلًا إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُثَابُ الْمَسْبُوقُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَوْ يَعُمُّ، وَهَلْ يُثَابُ مَنْ نَوَى صِيَامَ نَفْلٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ مِنْ حِينَ نَوَى؟ وَهَلْ تُكْمَلُ الْجُمُعَةُ إِذَا خَرَجَ وَقْتُهَا فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا جُمُعَةً أَوْ ظُهْرًا وَهَلْ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا أَوْ تَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ؟ وَالْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الِاعْتِدَالَ الثَّانِيَ مَثَلًا هَلْ يَنْوِي الْجُمُعَةَ أَوِ الظُّهْرَ؟ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ هَلْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً أَوْ لَا؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ وَمَنْ قَالَ بِإِعْمَالِهَا، لِأَنَّ مَرْجِعَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِيَّةِ الْعَامِلِ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْأَبْوَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ. وَالضَّابِطُ مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَلَاصُ مَظْلُومٍ مَثَلًا فَهُوَ مَطْلُوبٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَوَاتُ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَاطِي الْحِيَلِ فِي تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ كَالْغَزَالِيِّ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَيَأْثَمُ بِقَصْدِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ الْبَيْعِ الرِّبَا وَقَعَ فِي الرِّبَا وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْإِثْمِ صُورَةُ الْبَيْعِ، وَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ النِّكَاحِ التَّحْلِيلَ كَانَ مُحَلِّلًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةُ النِّكَاحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ بِهِ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَانَ إِثْمًا. وَلَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ فِي التَّحَيُّلِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ بَيْنَ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَالْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ إِذَا جُعِلَ ذَرِيعَةً لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنَ الْكَافِرِ وَلَا الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى سُقُوطِ الْقَوَدِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ، وَعَلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ كَالْمَالِكِيَّةِ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ الْحَاكِمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ بِالْقَرَائِنِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَظْهَرَ الْمُطَابَقَةُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا غَالِبًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي مَعْنَاهُ وَيَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي إِرَادَةِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ لِمَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ يُخَالِفُ كَلَامَهُ وَجَبَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا ظَهَرَتْ إِرَادَتُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوْ يُعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ إِرَادَتِهِ؟ فَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ يَفْسُدُ بِأَنْ يُقَالَ هَذِهِ الصِّيغَةُ فِيهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا وَنِيَّةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهَا فَاسِدَةٌ لَكَانَ إِفْسَادُ الْبَيْعِ بِمَا يَتَحَقَّقُ تَحْرِيمُهُ أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ هَذَا الظَّنِّ، كَمَا لَوْ نَوَى رَجُلٌ بِشِرَاءِ سَيْفٍ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً جَزْمًا، فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَفْسُدُ بِمِثْلِ هَذَا فَلَا يَفْسُدُ بِالظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَاسْتُدِلَّ لِلثَّانِي بِأَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلِ فَيَصِيرُ بِهَا تَارَةً حَرَامًا وَتَارَةً حَلَالًا كَمَا يَصِيرُ الْعَقْدُ بِهَا تَارَةً صَحِيحًا وَتَارَةً فَاسِدًا، كَالذَّبْحِ مَثَلًا فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَحِلُّ إِذَا ذُبِحَ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَيَحْرُمُ إِذَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالصُّورَةُ

стр. 7316

وَاحِدَةٌ، وَالرَّجُلُ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ لِوَكِيلِهِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلِنَفْسِهِ فَتَحِلُّ لَهُ وَصُورَةُ الْعَقْدِ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْقَرْضِ فِي الذِّمَّةِ وَبَيْعِ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ إِلَى أَجَلٍ صُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ؛ الْأَوَّلُ قُرْبَةٌ صَحِيحَةٌ وَالثَّانِي مَعْصِيَةٌ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّنْ يَتَعَاطَى الْحِيلَةَ الْبَاطِلَةَ فِي الْبَاطِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ نَقَلَ النَّسَفِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي الْكَافِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ الْفِرَارُ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ بِالْحِيَلِ الْمُوصِلَةِ إِلَى إِبْطَالِ الْحَقِّ. ٢ - بَاب فِي الصَّلَاةِ ٦٩٥٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ دُخُولُ الْحِيلَةِ فِيهَا، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُضَادُّهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدَثَ فِي أَثْنَائِهَا مُفْسِدٌ لَهَا فَهُوَ كَالْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ لَوْ طَرَأَ فِي خِلَالِهِ لَأَفْسَدَهُ، وَكَذَا فِي آخِرِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَجْوِبَةٍ لَهُ عَنْ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ طَاهِرًا مُتَيَقِّنًا لِلطَّهَارَةِ أَوْ مُحْدِثًا مُتَيَقِّنًا لِلْحَدَثِ وَعَلَى الْحَالَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْحَقِيقَةِ حِيلَةً، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ صِدْقًا أَوْ نَفْيُهُ صِدْقًا فَمَا كَانَ ثَابِتًا حَقِيقَةً فَنَافِيهِ بِحِيلَةٍ مُبْطِلٌ وَمَا كَانَ مُنْتَفِيًا فَمُثْبِتُهُ بِالْحِيلَةِ مُبْطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَحْدَثَ عَمْدًا فِي أَثْنَاءِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ وَيَكُونُ حَدَثُهُ كَسَلَامِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحِيَلِ لِتَصْحِيحِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ بَنَى عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ الصَّلَاةِ رُكْنٌ مِنْهَا فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ، وَالْقَائِلُ بِأَنَّهَا تَصِحُّ يَرَى أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ الصَّلَاةِ ضِدُّهَا فَتَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ، قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِ السَّلَامِ رُكْنًا دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ لَا ضِدًّا لَهَا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِرُكْنِيَّتِهِ بِمُقَابَلَتِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِحَدِيثِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ رُكْنًا كَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ رُكْنًا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءٌ لِعِبَادِهِ فَلَا يَقُومُ الْحَدَثُ الْفَاحِشُ مَقَامَ الذِّكْرِ الْحَسَنِ، وَانْفَصَلَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ السَّلَامَ وَاجِبٌ لَا رُكْنٌ، فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ وَإِنْ تَعَمَّدَهُ فَالْعَمْدُ قَاطِعٌ وَإِذَا وُجِدَ الْقَطْعُ انْتَهَتِ الصَّلَاةُ لِكَوْنِ السَّلَامِ لَيْسَ رُكْنًا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْمُحْدِثَ فِي صَلَاتِهِ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي، وَوَافَقَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَاحْتَجَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ انْصِرَافِهِ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرِ مُصَلٍّ فَإِنْ قَالُوا هُوَ مُصَلٍّ رُدَّ لِقَوْلُهُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ مَنَعَ مِنِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ مَنَعَ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَبَقَهُ الْمَنِيُّ لَاسْتَأْنَفَ اتِّفَاقًا. قُلْتُ: وَلِلشَّافِعِيِ قَوْلٌ وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ أَخْذِهِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُمْ حَكَمُوا بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ حَيْثُ قَالُوا يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي ; وَحَيْثُ حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِعِلَّةِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ مُنَاسَبَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُخَادِعُ النَّاسَ بِصَلَاتِهِ فَهُوَ مُبْطِلٌ كَمَا خَدَعَ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ بِهِجْرَتِهِ وَخَادَعَ اللَّهَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ. قُلْت: وَقِصَّةُ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ إِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَهُوَ فِي

стр. 7317

الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، لَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجِنَازَةَ إِذَا حَضَرَتْ وَخَافَ فَوْتَهَا أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَامَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَبَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ وَخَشِيَ إِذَا طَلَبَهُ أَنْ يَفُوتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ أَنَّهُ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. ٣ - بَاب فِي الزَّكَاةِ، وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ٦٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَني أَبِي حَدَّثَني ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. ٦٩٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقال رسول الله ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ٦٩٥٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ" ٦٩٥٨ - وَقال رسول الله ﷺ : "إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسِتَّةٍ جَازَتْ عَنْهُ ٦٩٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقال رسول الله ﷺ : "اقْضِهِ عَنْهَا". وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتْ الإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ،

стр. 7318

فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا وَاحْتِيَالًا لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ فِي مَالِهِ قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ تَرْكُ الْحِيَلِ فِي إِسْقَاطِهَا. قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) هُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ وَهَوُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ فِي الزَّكَاةِ بِهَذَا السَّنَدِ تَامًّا وَمُفَرَّقًا وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوِ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ قَبْلَ الْحَوْلِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالذَّبْحِ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْفِرَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّحَيُّلُ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَوْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ فَوَّتَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يَنْوِي بِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَوْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ : خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ نَوَى بِتَفْوِيتِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ لَا تَضُرُّهُ النِّيَّةُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَلَا يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ إِلَّا حِينَئِذٍ، قَالَ: وَقَالَ الْمُهَلَّبُ قَصَدَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يَتَحَيَّلُ بِهَا أَحَدٌ فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ إِثْمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَنَعَ مِنْ جَمْعِ الْغَنَمِ أَوْ تَفْرِقَتِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فُهِمَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى، وَفُهِمَ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ فِي قَوْلِهِ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَنَّ مَنْ رَامَ أَنْ يَنْقُصَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ بِحِيلَةٍ يَحْتَالُهَا أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ، قَالَ: وَمَا أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَصَرُّفِ ذِي الْمَالِ فِي مَالِهِ قُرْبَ حُلُولِ الْحَوْلِ ثُمَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ وَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ عَنْهُ غَيْرُ سَاقِطٍ وَهُوَ كَمَنْ فَرَّ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِيَوْمٍ وَاسْتَعْمَلَ سَفَرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِيُفْطِرَ فَالْوَعِيدُ إِلَيْهِ يُتَوَجَّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ يُنْسَبُ لِأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّصَابُ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ لَا إِسْقَاطٌ لِلْوَاجِبِ، وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَلَوْ نَوَى بِتَصَدُّقِهِ بِالدِّرْهَمِ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْمُحْدِثِ أَوِ الْعَارِي، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْقَصْدُ مَكْرُوهًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟ وَقَوْلُهُ امْتِنَاعٌ مِنَ الْوُجُوبِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ وَلِذَلِكَ جَازَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَالَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّكَاةِ مَكْرُوهًا أَيْضًا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو يُوسُفَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْعُ الصَّدَقَةِ وَلَا إِخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَهَا بِذَلِكَ فَتَبْطُلَ الصَّدَقَةُ عَنْهَا بِأَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُحْتَالُ فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِوَجْهٍ انْتَهَى. وَنَقَلَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ رَاوِي كِتَابِ الْحِيَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: مَا احْتَالَ بِهِ الْمُسْلِمُ حَتَّى يَتَخَلَّصَ بِهِ مِنَ الْحَرَامِ أَوْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْحَلَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا احْتَالَ بِهِ حَتَّى يُبْطِلَ حَقًّا أَوْ يُحِقَّ بَاطِلًا أَوْ لِيُدْخِلَ بِهِ شُبْهَةً فِي حَقٍّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ نَاظَرَ
следующие страницы →