← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7349–7388 · переход к 7354.

стр. 7349

وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُحَلِّقِينَ، قَالَ: فَلَمَّا نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَالَ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ رُؤْيَاكَ؟ فَنَزَلَتْ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قَالَ: النَّحْرُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَرَجَعُوا فَفَتَحُوا خَيْبَرَ أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ النَّحْرُ وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحُ خَيْبَرَ. قَالَ: ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَأْوِيلُ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ: هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ حِكَايَةٌ لِمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَنَامِهِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مُسْتَقْبَلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقِيلَ: هِيَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ عُمُومِ الْمُخَاطَبِينَ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ قُتِلَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ. قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) هَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِهِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِكَوْنِهَا حَسَنَةً وَلَا بِأَنَّ رَائِيَهَا صَالِحٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْحَسَنَةِ هُنَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ عَكْسِهِمْ فَإِنَّ الصِّدْقَ فِيهَا نَادِرٌ لِغَلَبَةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَالنَّاسُ عَلَى هَذَا ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الْأَنْبِيَاءُ وَرُؤْيَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَالصَّالِحُونَ وَالْأَغْلَبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَمَنْ عَدَاهُمْ يَقَعُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ وَالْأَضْغَاثُ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَسْتُورُونَ؛ فَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ فِي حَقِّهِمْ، وَفَسَقَةٌ؛ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمُ الْأَضْغَاثُ وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْقُ، وَكُفَّارٌ وَيَنْدُرُ فِي رُؤْيَاهُمُ الصِّدْقُ جِدًّا وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي رُؤْيَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ ﵇ وَرُؤْيَا مَلِكِهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ هِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْنَى صَلَاحِهَا اسْتِقَامَتُهَا وَانْتِظَامُهَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِقِ لَا تُعَدُّ فِي أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: تُعَدُّ مِنْ أَقْصَى الْأَجْزَاءِ، وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِرِ فَلَا تُعَدُّ أَصْلًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُسْلِمُ الصَّادِقُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَالَ الْأَنْبِيَاءِ فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَهُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُخَلِّطُ فَلَا، وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ يَكُونُ خَبَرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ. وَقَوْلُهُ: مِنَ الرَّجُلِ ذُكِرَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. قَوْلُهُ: (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بِلَفْظِ: سِتَّةٍ كَالْجَادَّةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَسَنَدُهَا ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي

стр. 7350

شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَالْجَادَّةِ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْجَادَّةِ، وَسَيَأْتِي لِلْبُخَارِيِّ قَرِيبًا، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَرِيبٍ بِمُهْمَلَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَالْجَادَّةِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَالْجَادَّةِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَرْبَعِينَ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُبَادَةَ كَالْجَادَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِلَفْظِ: سَبْعَةٍ بِتَقْدِيمِ السِّينِ، فَحَصَلْنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ أَقَلُّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَأَكْثَرُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَبَيْنَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِينَ، أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّلُ وَيَلِيهِ السَّبْعِينَ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ وَفِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا أَعْرِفُ مَنْ أَخْرَجَهُمَا إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ نَسَبَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ لِتَخْرِيجِ الطَّبَرِيِّ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَفِي أُخْرَى: اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي أُخْرَى: سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي أُخْرَى: خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَبَلَغَتْ عَلَى هَذَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَفْظًا. وَقَدْ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟ ثُمَّ قَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ وَلَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لَفْظَ النُّبُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ لُغَةً، فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى أَنَّ الرُّؤْيَا خَبَرٌ صَادِقٌ مِنَ اللَّهِ لَا كَذِبَ فِيهِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى النُّبُوَّةِ نَبَأٌ صَادِقٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَشَابَهَتِ الرُّؤْيَا النُّبُوَّةَ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالنُّبُوَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرُ بِالْغَيْبِ لَا غَيْرَ وَإِنْ كَانَ يَتْبَعُ ذَاكَ إِنْذَارٌ أَوْ تَبْشِيرٌ فَالْخَبَرُ بِالْغَيْبِ أَحَدُ ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ يُقَرِّرُ الشَّرْعَ وَيُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فِي طُولِ عُمْرِهِ بِغَيْبٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي نُبُوَّتِهِ وَلَا مُبْطِلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَالْخَبَرُ بِالْغَيْبِ مِنَ النَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا صِدْقًا وَلَا يَقَعُ إِلَّا حَقًّا، وَأَمَّا خُصُوصُ الْعَدَدِ فَهُوَ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ حَقَائِقِ النُّبُوَّةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ

стр. 7351

غَيْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ سَبَقَ بِهَذَا الْجَوَابِ جَمَاعَةٌ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْشِفُوهُ وَلَمْ يُحَقِّقُوهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِفُ عِنْدَهُ، فَمِنْهُ مَا يَعْلَمُ الْمُرَادَ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَأَبْدَى لَهَا مُنَاسَبَةً؛ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ السَّفَاقِسِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ فِي الْمَنَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ بَقِيَّةَ مُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَنِسْبَتُهَا مِنَ الْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا التَّأْوِيلُ يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَوْتِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ السَّبْعِينَ جُزْءًا بِغَيْرِ مَعْنًى. قُلْتُ: وَيُضَافُ إِلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَعْدَادِ الْوَاقِعَةِ. وَقَدْ سَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى إِنْكَارِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فَقَالَ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْعَدَدِ قَوْلًا لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بَعْدَ الْوَحْيِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي مَنَامِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَهُ أَنْ يُثْبِتَ بِمَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَئِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَحْسُوبَةً مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فَلْيُلْحَقْ بِهَا سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِيهَا فِي مَنَامِهِ فِي طُولِ الْمُدَّةِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةِ الْقَدْرِ، وَالرُّؤْيَا فِي أُحُدٍ وَفِي دُخُولِ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَتَلَفَّقُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةٌ أُخْرَى وَتُزَادُ فِي الْحِسَابِ فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا. قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ مَا تَأَوَّلَهُ الْمَذْكُورُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ لَا يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي مُوجَبِ اعْتِقَادِنَا لِلُزُومِهَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ تَفْصِيلَ هَذَا الْعَدَدِ وَحَصْرَ النُّبُوَّةِ مُتَعَذِّرٌ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَمْتِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ تَحْقِيقُ أَمْرِ الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا مِمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ وَالْأَنْبَاءِ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُ بِهَا الْوَحْيُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَبِلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُنَاسَبَةَ الْمَذْكُورَةَ وَأَجَابُوا عَمَّا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ. أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَحْيِ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ ﷺ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَنُزُولُ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِغَارِ حِرَاءٍ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرُّؤْيَا. وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ زَمَنَ الرُّؤْيَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَمَّا مَا أَلْزَمَهُ بِهِ مِنْ تَلْفِيقِ أَوْقَاتِ الْمَرَائِي وَضَمِّهَا إِلَى الْمُدَّةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ وَحْيُ الْمَنَامِ الْمُتَتَابِعُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي غُضُونِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَهُوَ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَهُوَ مَغْمُورٌ فِي جَانِبِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِمُدَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا اعْتَمَدُوهُ فِي نُزُولِ الْوَحْيِ، وَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى تَقْسِيمِ النُّزُولِ إِلَى مَكِّيٍّ وَمَدَنِيٍّ قَطْعًا؛ فَالْمَكِّيُّ: مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ وَقَعَ بِغَيْرِهَا مَثَلًا كَالطَّائِفِ وَنَخْلَةَ، وَالْمَدَنِيُّ: مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ وَقَعَ وَهُوَ بِغَيْرِهَا كَمَا فِي الْغَزَوَاتِ وَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَتَّى مَكَّةَ. قُلْتُ: وَهُوَ

стр. 7352

اعْتِذَارٌ مَقْبُولٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَعْدَادِ أَنَّهُ وَقَعَ بِحَسَبِ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ مَجِيءِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ وَقْتَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا أَكْمَلَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ بَعْدَهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيَاتِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ فَضَعِيفٌ، وَرِوَايَةُ الْخَمْسِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِجَبْرِ الْكَسْرِ، وَرِوَايَةُ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وَهَذِهِ مُنَاسَبَةٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مُنَاسَبَةٌ لِلسَّبْعِينَ ظَاهِرَةُ التَّكَلُّفِ وَهِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَا بِشَارَةُ عِيسَى وَدَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَرَأَتْ أُمِّي نُورًا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تُضْرَبُ فِي مُدَّةِ نُبُوَّتِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً تُضَافُ إِلَى أَصْلِ الرُّؤْيَا فَتَبْلُغُ سَبْعِينَ. قُلْتُ: وَيَبْقَى فِي أَصْلِ الْمُنَاسَبَةِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْحَدِيثِ إِرَادَةُ تَعْظِيمِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ، وَالْمُنَاسَبَةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْخَبَرِ عَلَى صُورَةِ مَا اتَّفَقَ لِنَبِيِّنَا ﷺ كَأَنَّهُ قِيلَ: كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّنَا فِيهَا فِي الْمَنَامِ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيهَا فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ رُؤْيَا لِكُلِّ صَالِحٍ تَكُونُ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ التَّعْمِيمِ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ أَصْلًا، وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُؤَيِّدِ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا نَوْعَ مُنَاسَبَةٍ فَقَطْ، وَيُعَكِّرَ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ الْأَجْزَاءِ. (تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ الْهَدْيِ الصَّالِحِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرَخْسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِلَفْظِ: مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَى. وَقَدْ أَبْدَى غَيْرُ الْخَطَّابِيِّ الْمُنَاسَبَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا جَمَاعَةٌ أَوَّلُهُمُ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: رِوَايَةُ السَّبْعِينَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ رُؤْيَا صَادِقَةٍ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَرِوَايَةُ الْأَرْبَعِينَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ الصَّالِحِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَبِالنِّسْبَةِ لِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْعَدَدِ قِلَّةً وَكَثْرَةً فَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهَا: مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِنْ سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الرُّؤْيَا تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: جَلِيَّةً ظَاهِرَةً كَمَنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُعْطَى تَمْرًا فَأُعْطِيَ تَمْرًا مِثْلَهُ فِي الْيَقَظَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا إِغْرَابَ فِي تَأْوِيلِهَا وَلَا رَمْزَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَمَرْمُوزَةٌ بَعِيدَةُ الْمَرَامِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَقُومُ بِهِ حَتَّى يَعْبُرَهُ إِلَّا حَاذِقٌ لِبُعْدِ ضَرْبِ الْمَثَلِ فِيهِ، فَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا مِنَ السَّبْعِينَ وَالْأَوَّلَ مِنَ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ إِذَا قَلَّتِ الْأَجْزَاءُ كَانَتِ الرُّؤْيَا أَقْرَبَ إِلَى الصِّدْقِ وَأَسْلَمَ مِنْ وُقُوعِ الْغَلَطِ فِي تَأْوِيلِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَثُرَتْ. قَالَ: وَقَدْ عَرَضْتُ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَحَسَّنُوهُ وَزَادَنِي بَعْضُهُمْ فِيهِ أَنَّ النُّبُوَّةَ عَلَى مِثْلِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ تَلَقَّاهَا الشَّارِعُ عَنْ جِبْرِيلَ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مَرَّةً فَيُكَلِّمُهُ بِكَلَامٍ فَيَعِيهِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَمَرَّةً يُلْقِي إِلَيْهِ جُمَلًا وَجَوَامِعَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَمْلُهَا حَتَّى تَأْخُذَهُ الرَّمْضَاءُ وَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْعَرَقُ ثُمَّ يُطْلِعُهُ اللَّهُ عَلَى بَيَانِ مَا أَلْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا. وَلَخَّصَهُ الْمَازِرِيُّ فَقَالَ: قِيلَ إِنَّ الْمَنَامَاتِ دَلَالَاتٌ، وَالدَّلَالَاتُ مِنْهَا مَا هُوَ جَلِيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ، فَالْأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْجَلِيُّ وَالْأَكْثَرُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْخَفِيُّ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ النُّبُوَّةَ جَاءَتْ بِالْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَا يَكُونُ فِيهِ إِجْمَالٌ مَعَ كَوْنِهِ مُبَيَّنًا فِي مَوْضِعٍ آخَرُ، وَكَذَلِكَ الْمَرَائِي مِنْهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ فَالَّذِي يَفْهَمُهُ الْعَارِفُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي يَعْرُجُ عَلَيْهِ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ

стр. 7353

النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ يَكْثُرُ مَرَّةً وَيَقِلُّ أُخْرَى بِحَسَبِ فَهْمِهِ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ، وَأَدْنَاهُمُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعَدَدِ، وَمَنْ عَدَاهُمَا مَا بَيْنَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّجْزِئَةُ فِي طُرُقِ الْوَحْيِ؛ إِذْ مِنْهُ مَا سُمِعَ مِنَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَمِنْهُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِلْهَامِ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الْمَلَكُ وَهُوَ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ مَعْرُوفٍ أَوْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي النَّوْمِ، وَمِنْهُ مَا أَتَاهُ بِهِ فِي صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَمِنْهُ مَا يُلْقِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ وَمِمَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْحَالَاتُ إِذَا عُدِّدَتِ انْتَهَتْ إِلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّسَاهُلِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأَعْدَادَ إِنَّمَا هِيَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ، وَأَكْثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هِيَ أَحْوَالٌ لِغَيْرِ النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِ يَعْرِفُ الْمَلَكَ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ يَأْتِيهِ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ ثُمَّ مَعَ هَذَا التَّكَلُّفِ لَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ مَا ذَكَرَ عِشْرِينَ فَضْلًا عَنْ سَبْعِينَ. قُلْتُ: وَالَّذِي نَحَاهُ الْقَاضِي سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْحَلِيمِيُّ فَقَرَأْتُ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْقُونَوِيِّ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَخْتَصُّونَ بِآيَاتٍ يُؤَيَّدُونَ بِهَا لِيَتَمَيَّزُوا بِهَا عَمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، كَمَا تَمَيَّزُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ فَيَكُونُ لَهُمُ الْخُصُوصُ مِنْ وَجْهَيْنِ: فَمَا هُوَ فِي حَيِّزِ التَّعْلِيمِ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَمَا هُوَ فِي حَيِّزِ التَّأْبِيدِ هُوَ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ، قَالَ: وَقَدْ قَصَدَ الْحَلِيمِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَيَانَ كَوْنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الْخَصَائِصِ الْعِلْمِيَّةِ لِلْأَنْبِيَاءِ تَكَلَّفَ فِي بَعْضِهَا حَتَّى أَنْهَاهَا إِلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَتَكُونُ الرُّؤْيَا وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ، فَأَعْلَاهَا تَكْلِيمُ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. ثَانِيهَا: الْإِلْهَامُ بِلَا كَلَامٍ بَلْ يَجِدُ عِلْمَ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مَا يُوصِلُ إِلَيْهِ بِحِسٍّ أَوِ اسْتِدْلَالٍ. ثَالِثُهَا: الْوَحْيُ عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ يَرَاهُ فَيُكَلِّمُهُ. رَابِعُهَا: نَفْثُ الْمَلَكِ فِي رَوْعِهِ وَهُوَ الْوَحْيُ الَّذِي يَخُصُّ بِهِ الْقَلْبَ دُونَ السَّمْعِ، قَالَ: وَقَدْ يَنْفُثُ الْمَلَكُ فِي رَوْعِ بَعْضِ أَهْلِ الصَّلَاحِ لَكِنْ بِنَحْوِ الْإِطْمَاعِ فِي الظَّفَرِ بِالْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي الشَّيْءِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ الشَّيْءِ فَيَزُولُ عَنْهُ بِذَلِكَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ بِحُضُورِ الْمَلَكِ لَا بِنَحْوِ نَفْيِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَإِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ. خَامِسُهَا: إِكْمَالُ عَقْلِهِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ فِيهِ عَارِضٌ أَصْلًا. سَادِسُهَا: قُوَّةُ حِفْظِهِ حَتَّى يَسْمَعَ السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ فَيَحْفَظُهَا مِنْ مَرَّةٍ وَلَا يَنْسَى مِنْهَا حَرْفًا. سَابِعُهَا: عِصْمَتُهُ مِنَ الْخَطَإِ فِي اجْتِهَادِهِ. ثَامِنُهَا: ذَكَاءُ فَهْمِهِ حَتَّى يَتَّسِعَ لِضُرُوبٍ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ. تَاسِعُهَا: ذَكَاءُ بَصَرِهِ حَتَّى يَكَادَ يُبْصِرُ الشَّيْءَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ. عَاشِرُهَا: ذَكَاءُ سَمْعِهِ حَتَّى يَسْمَعَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ مَا لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ. حَادِي عَشَرَهَا: ذَكَاءُ شَمِّهِ كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ فِي قَمِيصِ يُوسُفَ. ثَانِي عَشَرَهَا: تَقْوِيَةُ جَسَدِهِ حَتَّى سَارَ فِي لَيْلَةٍ مَسِيرَةَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً. ثَالِثَ عَشَرَهَا: عُرُوجُهُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. رَابِعَ عَشَرَهَا: مَجِيءُ الْوَحْيِ لَهُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ. خَامِسَ عَشَرَهَا: تَكْلِيمُ الشَّاةِ. سَادِسَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ النَّبَاتِ. سَابِعَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ الْجِذْعِ. ثَامِنَ عَشَرَهَا: إِنْطَاقُ الْحَجَرِ. تَاسِعَ عَشَرَهَا: إِفْهَامُهُ عُوَاءَ الذِّئْبِ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ رِزْقًا. الْعِشْرُونَ: إِفْهَامُهُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَسْمَعَ الصَّوْتَ وَلَا يَرَى الْمُتَكَلِّمَ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: تَمْكِينُهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْجِنِّ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: تَمْثِيلُ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّبَةِ لَهُ كَمَا مُثِّلَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: حُدُوثُ أَمْرٍ يَعْلَمُ بِهِ الْعَاقِبَةَ كَمَا قَالَ فِي النَّاقَةِ لَمَّا بَرَكَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ: حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:: اسْتِدْلَالُهُ بِاسْمٍ عَلَى أَمْرٍ كَمَا قَالَ لَمَّا جَاءَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: قَدْ سَهُلَ لَكُمُ الْأَمْرُ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَنْظُرَ شَيْئًا عُلْوِيًّا فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَمْرٍ يَقَعُ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ. السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: رُؤْيَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ. الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: اطِّلَاعُهُ عَلَى أَمْرٍ وَقَعَ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ

стр. 7354

كَمَا قَالَ فِي حَنْظَلَةَ: رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ وَكَانَ قُتِلَ وَهُوَ جُنُبٌ. التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى فُتُوحِ مُسْتَقْبَلٍ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ. الثَّلَاثُونَ: اطِّلَاعُهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي الدُّنْيَا. الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْفِرَاسَةُ. الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: طَوَاعِيَةُ الشَّجَرَةِ حَتَّى انْتَقَلَتْ بِعُرُوقِهَا وَغُصُونِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ثُمَّ رَجَعَتْ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: قِصَّةُ الظَّبْيَةِ وَشَكْوَاهَا لَهُ ضَرُورَةَ خِشْفِهَا الصَّغِيرِ. الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا بِحَيْثُ لَا تُخْطِئُ. الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْحَزْرُ فِي الرُّطَبِ وَهُوَ عَلَى النَّخْلِ أَنَّهُ يَجِيءُ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنَ التَّمْرِ فَجَاءَ كَمَا قَالَ. السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى الْأَحْكَامِ. السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى سِيَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى هَيْئَةِ الْعَالَمِ وَتَرْكِيبِهِ. التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى مَصَالِحِ الْبَدَنِ بِأَنْوَاعِ الطِّبِّ الْأَرْبَعُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى وُجُوهِ الْقُرُبَاتِ. الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْهِدَايَةُ إِلَى الصِّنَاعَاتِ النَّافِعَةِ. الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا سَيَكُونُ. الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ. الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: التَّوْقِيفُ عَلَى أَسْرَارِ النَّاسِ وَمُخَبَّآتِهِمْ. الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَعْلِيمُ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ. السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: الِاطِّلَاعُ عَلَى طَرِيقِ التَّلَطُّفِ فِي الْمُعَاشَرَةِ. قَالَ: فَقَدْ بَلَغَتْ خَصَائِصُ النُّبُوَّةِ فِيمَا مَرْجِعُهُ الْعِلْمُ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا لَيْسَ مِنْهَا وَجْهٌ إِلَّا وَهُوَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِبًا لِلرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالْكَثِيرُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَكِنَّهُ لِلنَّبِيِّ لَا يُخْطِئُ أَصْلًا وَلِغَيْرِهِ قَدْ يَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْفَقْرِ وَالزُّهْدِ مِنَ الْإِحْيَاءِ، لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ الْفَقِيرُ الْحَرِيصُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْفَقِيرِ الزَّاهِدِ لِأَنَّ هَذِهِ نِسْبَةُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسمِائَةِ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ تَقْدِيرَ النَّبِيِّ ﷺ يَتَجَزَّأُ عَلَى لِسَانِهِ كَيْفَ مَا اتَّفَقَ بَلْ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِحَقِيقَةِ الْحَقِّ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ تَقْدِيرُ تَحْقِيقٍ، لَكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ غَيْرِهِ أَنْ يَعْرِفَ عِلَّةَ تِلْكَ النِّسْبَةِ إِلَّا بِتَخْمِينٍ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النَّبِيُّ وَيُفَارِقُ بِهِ غَيْرَهُ. وَهُوَ يَخْتَصُّ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخَوَاصِّ مِنْهَا أَنَّهُ يَعْرِفُ حِقَاقَ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ لَا كَمَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ بَلْ عِنْدَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ وَزِيَادَةِ الْيَقِينِ وَالتَّحْقِيقِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَهُ صِفَةٌ تَتِمُّ لَهُ بِهَا الْأَفْعَالُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَاتِ كَالصِّفَةِ الَّتِي بِهَا تَتِمُّ لِغَيْرِهِ الْحَرَكَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ، وَلَهُ صِفَةٌ يُبْصِرُ بِهَا الْمَلَائِكَةَ وَيُشَاهِدُ بِهَا الْمَلَكُوتَ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِقُ بِهَا الْبَصِيرُ الْأَعْمَى، وَلَهُ صِفَةٌ بِهَا يُدْرِكُ مَا سَيَكُونُ فِي الْغَيْبِ وَيُطَالِعُ بِهَا مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَالصِّفَةِ الَّتِي يُفَارِقُ بِهَا الذَّكِيُّ الْبَلِيدَ، فَهَذِهِ صِفَاتُ كَمَالَاتٍ ثَابِتَةٌ لِلنَّبِيِّ يُمْكِنُ انْقِسَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى أَقْسَامٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْسِمَهَا إِلَى أَرْبَعِينَ وَإِلَى خَمْسِينَ وَإِلَى أَكْثَرَ، وَكَذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْسِمَهَا إِلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا بِحَيْثُ تَقَعُ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةُ جُزْءًا مِنْ جُمْلَتِهَا لَكِنْ لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ لَا أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقِيقَةً، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَظُنُّهُ أَشَارَ إِلَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ فَإِنَّهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمُرَادُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَتِ النُّبُوَّةُ تَتَضَمَّنُ اطِّلَاعًا عَلَى أُمُورٍ يَظْهَرُ تَحْقِيقُهَا فِيمَا بَعْدُ وَقَعَ تَشْبِيهُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ بِهَا، وَقِيلَ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ نُبُوَّتُهُمْ وَحْيًا فِي الْمَنَامِ فَقَطْ، وَأَكْثَرُهُمُ ابْتُدِئَ بِالْوَحْيِ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ رَقُوا إِلَى الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ؛ فَهَذَا بَيَانُ مُنَاسَبَةِ تَشْبِيهِ الْمَنَامِ الصَّادِقِ بِالنُّبُوَّةِ، وَأَمَّا خُصُوصُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ فَذَكَرَ الْمُنَاسَبَةَ الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ مُدَّةَ وَحْيِ الْمَنَامِ إِلَى نَبِيِّنَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ اخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ قَالَ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ مُخْتَلِفَةً بِأَعْلَاهَا سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَأَدْنَاهَا سَبْعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَاسَبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ.

стр. 7355

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنَامَ الصَّادِقَ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ النُّبُوَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ أَيِ النُّبُوَّةُ مَجْمُوعُ خِصَالٍ مَبْلَغُ أَجْزَائِهَا ذَلِكَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَإِذَا ضَرَبْنَا ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَتْ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ فَيَصِحُّ لَنَا أَنَّ عَدَدَ خِصَالِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ آحَادُهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهَا جُزْءًا فَيَكُونُ الْعَدَدُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا جُزْءًا فَتَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا وَنِصْفَ جُزْءٍ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اضْطِرَابٌ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ مَا وَقَعَ لِي فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَرِحْ بِهِ الصَّدْرُ وَلَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ. قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الثَّمَانِيَةِ وَالسَّبْعِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ السَّبْعِينَ أُلْغِيَ فِيهَا الْكَسْرُ وَفِي التِّسْعَةِ وَالثَّلَاثِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ جَبْرُ الْكَسْرِ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ النِّصْفِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِحَسَبِ مَا يُقَدَّرُ مِنَ الْخِصَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النُّبُوَّةَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَوَحْيِهِ إِمَّا بِالْمُكَالَمَةِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَإِمَّا بِإِلْقَاءٍ فِي الْقَلْبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِالنُّبُوَّةِ لَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَالِ نَوْعِهِ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ؛ أُطْلِقَ عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ نُبُوَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ أَيْ تِلْكَ الْخِصَالُ مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعَ ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَمَعَ ذَلِكَ فَالصِّدْقُ أَعْظَمُ أَوْصَافِهِمْ يَقَظَةً وَمَنَامًا، فَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ فِي الصِّدْقِ حَصَلَ مِنْ رُؤْيَاهُ عَلَى الصِّدْقِ ثُمَّ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامَاتِهِمْ مُتَفَاوِتِينَ كَانَ أَتْبَاعُهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ كَذَلِكَ، وَكَانَ أَقَلُّ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ مَا إِذَا اعْتُبِرَ كَانَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَأَكْثَرُهَا مَا يَبْلُغُ سَبْعِينَ، وَبَيْنَ الْعَدَدَيْنِ مَرَاتِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَلَاحِهِ وَصِدْقِهِ عَلَى رُتْبَةٍ تُنَاسِبُ حَالَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَلَمَّا كَانَتْ كَمَالَاتُهُمْ مُتَفَاوِتَةً كَانَتْ نِسْبَةُ أَجْزَاءِ مَنَامَاتِ الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَةً عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، قَالَ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاضْطِرَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَجْهًا آخَرَ مُلَخَّصُهُ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَهَا وُجُوهٌ مِنَ الْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ خُصُوصًا وَعُمُومًا، مِنْهَا مَا يُعْلَمُ وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ، لَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا نِسْبَةٌ إِلَّا فِي كَوْنِهَا حَقًّا فَيَكُونُ مَقَامُ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الرُّؤْيَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْأَعْدَادِ رَاجِعَةً إِلَى دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنِسْبَتُهَا مِنْ أَعْلَاهُمْ وَهُوَ مَنْ ضُمَّ لَهُ إِلَى النُّبُوَّةِ الرِّسَالَةُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ فِي الْخَبَرِ النُّبُوَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ بِعَيْنِهِ. وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْمَنَامِ شَبَهًا بِمَا حَصَلَ لِلنَّبِيِّ وَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ مُنَاسَبَاتٍ لَمْ أَرَ مَنْ جَمَعَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى كَوْنِ الْإِلْهَامِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي جَمْرَةَ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٣ - بَاب الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ ٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ:

стр. 7356

سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. ٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ" قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَيْ مُطْلَقًا، وَإِنْ قُيِّدَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالصَّالِحَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا دُخُولَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَهُ فِيهِ دَخْلٌ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ نِسْبَةً مَجَازِيَّةً، مَعَ أَنَّ الْكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَإِضَافَةَ الرُّؤْيَا إِلَى اللَّهِ لِلتَّشْرِيفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ الَّتِي تُضَافُ إِلَى اللَّهِ لَا يُقَالُ لَهَا حُلُمٌ وَالَّتِي تُضَافُ لِلشَّيْطَانِ لَا يُقَالُ لَهَا رُؤْيَا وَهُوَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَكُلٌّ يُسَمَّى رُؤْيَا، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَأَطْلَقَ عَلَى كُلٍّ رُؤْيَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ. وذكر فيه حديثين: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: وَزُهَيْرٌ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الصَّالِحَةُ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ الْوَصْفُ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِلَفْظِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ كَالتَّرْجَمَةِ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِثْلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الصَّالِحَةُ، زَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُخْبِرُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ. وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيَبْشُرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ وَقَوْلُهُ: فَلْيَبْشُرْ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُشْرَى، وَقِيلَ بِنُونٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لِيُحَدِّثَ بِهَا، وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ: فَلْيَسْتُرْ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مِنَ السَّتْرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْوُدِّ أَوْ ذِي رَأْيٍ، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا، وَفِي أُخْرَى: وَلَا يَقُصَّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يُؤَوِّلُهَا لَهُ عَلَى الْخَيْرِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَأَمَّا النَّاصِحُ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ وَيُعِينُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اللَّبِيبُ وَهُوَ الْعَارِفُ بِتَأْوِيلِهَا فَإِنَّهُ يُعْلِمُهُ بِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْكُتُ، وَأَمَّا الْحَبِيبُ فَإِنْ عَرَفَ خَيْرًا قَالَهُ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ شَكَّ سَكَتَ. قُلْتُ: وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ اللَّبِيبَ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْعَالِمِ وَالْحَبِيبَ عَبَّرَ بِهِ مِنَ النَّاصِحِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا. قَوْلُهُ: وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَسَيَأْتِي ضَبْطُ الْحُلْمِ وَمَعْنَاهُ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فَزَادَ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ

стр. 7357

شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَأَذَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ، وَكَذَا مَضَى فِي الطِّبِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمُ الْحُلْمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: عَنْ يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْآتِيَةِ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، بِلَفْظِ: وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرُّهُ وَهَذِهِ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ لَفْظًا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: سَمَّى الشَّارِعُ الرُّؤْيَا الْخَالِصَةَ مِنَ الْأَضْغَاثِ صَالِحَةً وَصَادِقَةً وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ، وَسَمَّى الْأَضْغَاثَ حُلْمًا وَأَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ؛ إِذْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً عَلَى شَاكِلَتِهِ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِكَيْدِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى دَفْعِهِ لِئَلَّا يُبَلِّغُوهُ أَرَبَهُ فِي تَحْزِينِهِمْ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِك: أُضِيفَتْ إِلَى الشَّيْطَانِ لِكَوْنِهَا عَلَى هَوَاهُ وَمُرَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: يَخْلُقُ اللَّهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ بِحَضْرَةِ الْمَلَكِ وَيَخْلُقُ الرُّؤْيَا الَّتِي تُقَابِلُهَا بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ، فَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُخَيِّلُ بِهَا وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَسَيَأْتِي مَنْسُوبًا فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيَتَحَدَّثْ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلْيَتَحَدَّثْ وَمِثْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ بِاللَّهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ، فَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَبْوَابِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ ثَلَاثُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَسْتَبْشِرَ بِهَا، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا لَكِنْ لِمَنْ يُحِبُّ دُونَ مَنْ يَكْرَهُ، وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَدَبِ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ يَتْفُلَ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلَا يَذْكُرُهَا لِأَحَدٍ أَصْلًا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَامِسَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَلَفْظُهُ: فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحِ الْبُخَارِيُّ بِوَصْلِهِ وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ، وَغَفَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: زَادَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، انْتَهَى. وَزَادَ مُسْلِمٌ سَادِسَةً وَهِيَ التَّحَوُّلُ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ يَعْنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَلَيْسَتْ فِيهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهَا قُتَيْبَةُ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَتَكْمُلُ الْآدَابُ سِتَّةً الْأَرْبَعَةَ الْمَاضِيَةَ وَالصَّلَاةَ وَالتَّحَوُّلَ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ

стр. 7358

ذِكْرَ سَابِعَةٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ فَيُتَّجَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْعَابِرِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةَ هَذِهِ الْأُمُورِ: فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَوَاضِحٌ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ يُكْرَهُ، وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ يُخَيِّلُ بِهَا لِقَصْدِ تَحْزِينِ الْآدَمِيِّ وَالتَّهْوِيلِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا التَّفْلُ فَقَالَ عِيَاضٌ: أَمَرَ بِهِ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا، وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا. قُلْتُ: وَالتَّثْلِيثُ لِلتَّأْكِيدِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ الرُّقْيَةِ لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَ النَّفْسِ دَفْعُهُ عَنْهَا وَعَبَّرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْبُصَاقِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْذَارِهِ، وَقَدْ وَرَدَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ النَّفْثِ وَالتَّفْلِ وَالْبَصْقِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: اخْتُلِفَ فِي النَّفْثِ وَالتَّفْلِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَلَا يَكُونَانِ إِلَّا بِرِيقٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ فَقَالَتْ: كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ لَا رِيقَ مَعَهُ. قَالَ: وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْ بَلَّةٍ بِغَيْرِ قَصْدٍ، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجَعَلَ يَجْمَعُ بُزَاقَهُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ التَّفْلِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ وَالْهَوَاءِ، وَالنَّفْثُ لِلْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ الْمُقَارِنِ لِلذِّكْرِ الْحَسَنِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنَ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي الرُّؤْيَا فَلْيَنْفُثْ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ فَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا. قُلْتُ: لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الرُّقْيَةِ التَّبَرُّكُ بِرُطُوبَةِ الذِّكْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ عِيَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالَّذِي يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ الْحَمْلُ عَلَى التَّفْلِ فَإِنَّهُ نَفْخٌ مَعَهُ رِيقٌ لَطِيفٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى النَّفْخِ قِيلَ لَهُ نَفْثٌ وَبِالنَّظَرِ إِلَى الرِّيقِ قِيلَ لَهُ بُصَاقٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الرُّؤْيَا كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ انْتَهَى. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّجَإِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي التَّحْرِمِ بِهَا عِصْمَةٌ مِنَ الْأَسْوَاءِ وَبِهَا تَكْمُلُ الرَّغْبَةُ وَتَصِحُّ الطَّلَبَةُ لِقُرْبِ الْمُصَلِّي مِنْ رَبِّهِ عِنْدَ سُجُودِهِ، وَأَمَّا التَّحَوُّلُ فَلِلتَّفَاؤُلِ بِتَحَوُّلِ تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْأَحَادِيثُ. قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ، نَعَمْ أَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَافِيَةٌ فِي دَفْعِ شَرِّهَا وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَيَحْتَاجُ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ إِلَى صِحَّةِ التَّوَجُّهِ وَلَا يَكْفِي إِمْرَارُ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللِّسَانِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الصَّلَاةُ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ فَصَلَّى تَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَبَصَقَ وَنَفَثَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتَعَاذَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إِلَيْهِ فَيَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. وَوَرَدَ فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الرُّؤْيَا أَثَرٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ إِذَا اسْتَيْقَظَ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ مِنْ شَرِّ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنْ يُصِيبَنِي فِيهَا مَا أَكْرَهُ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ. وَوَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ فِي الْمَنَامِ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرَوَّعُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ غَضَبِهِ وَعَذَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ.

стр. 7359

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُفَزَّعُ فِي مَنَامِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: إِذَا اضْطَجَعْتَ فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَاسْتَثْنَى الدَّاوُدِيُّ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ مَا يَكُونُ فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ لِكَوْنِهَا قَدْ تَقَعُ إِنْذَارًا كَمَا تَقَعُ تَبْشِيرًا وَفِي الْإِنْذَارِ نَوْعُ مَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي فَلَا يُشْرَعُ إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَنَحْوِهَا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ مَرَائِي النَّبِيِّ ﷺ كَالْبَقَرِ الَّتِي تُنْحَرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي الصَّادِقَةِ أَنْ لَا يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ وَلَا أَنْ لَا يُصَلِّيَ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِدَفْعِ مَكْرُوهِ الْإِنْذَارِ مَعَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْإِنْذَارِ، وَأَيْضًا فَالْمَنْذُورَةُ قَدْ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمُبَشِّرَةِ لِأَنَّ مَنْ أُنْذِرَ بِمَا سَيَقَعُ لَهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسُرُّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْزَعِجُ مَا لَا يَنْزَعِجُ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِوُقُوعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَرِفْقًا بِهِ. قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ أَصْلُهَا حَقٌّ تُخْبِرُ عَنِ الْحَقِّ وَهُوَ بُشْرَى وَإِنْذَارٌ وَمُعَاتَبَةٌ لِتَكُونَ عَوْنًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ غَالِبُ أُمُورِ الْأَوَّلِينَ الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهَا قَلَّتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِعِظَمِ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهَا مِنَ الْوَحْيِ وَلِكَثْرَةِ مَنْ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الْمُحَدَّثِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَهْلِ الْيَقِينِ. فَاكْتَفَوْا بِكَثْرَةِ الْإِلْهَامِ وَالْمُلْهَمِينَ عَنْ كَثْرَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ وَالصَّالِحَةُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُسْنِ ظَاهِرِهَا أَوْ صِدْقِهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ أَوِ السُّوءُ يَحْتَمِلُ سُوءَ الظَّاهِرِ أَوْ سُوءَ التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا كَتْمُهَا مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً فَخَفِيَتْ حِكْمَتُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَخَافَةِ تَعْجِيلِ اشْتِغَالِ سِرِّ الرَّائِي بِمَكْرُوهِ تَفْسِيرِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُبْطِئُ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ بِهَا زَالَ تَعْجِيلُ رَوْعِهَا وَتَخْوِيفِهَا وَيَبْقَى إِذَا لَمْ يَعْبُرْهَا لَهُ أَحَدٌ بَيْنَ الطَّمَعِ فِي أَنَّ لَهَا تَفْسِيرًا حَسَنًا، أَوِ الرَّجَاءِ فِي أَنَّهَا مِنَ الْأَضْغَاثِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَذْكُرْهَا عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يَعْبُرُ بِهِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ لِأَنَّ التَّفْلَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ يَدْفَعُ الْوَهْمَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الرُّؤْيَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَهْمِ تَأْثِيرٌ لَمَا أَرْشَدَ إِلَى مَا يَدْفَعُهُ، وَكَذَا فِي النَّهْيِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِمَا يَكْرَهُ لِمَنْ يَكْرَهُ وَالْأَمْرُ بِالتَّحْدِيثِ بِمَا يُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) ظَاهِرُ الْحَصْرِ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ الرَّائِي، وَيُؤَيِّدُهُ مُقَابَلَةُ رُؤْيَا الْبُشْرَى بِالْحُلْمِ وَإِضَافَةُ الْحُلْمِ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِ أَهْلِ التَّعْبِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ: أنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ قَدْ تَكُونُ بُشْرَى وَقَدْ تَكُونُ إِنْذَارًا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ غَالِبًا يَكُونُ فِيمَا يَكْرَهُ الرَّائِي، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَكْرَهُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ظَاهِرِ الرُّؤْيَا وَمِمَّا تُعَبَّرُ بِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرُّؤْيَا يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ تَهْوِيلٌ أَوْ تَخْوِيفٌ أَوْ تَحْزِينٌ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَخَيُّلَاتِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا اسْتَعَاذَ الرَّائِي مِنْهُ صَادِقًا فِي الْتِجَائِهِ إِلَى اللَّهِ وَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّفْلِ وَالتَّحَوُّلِ وَالصَّلَاةِ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بِهِ وَمَا يَخَافُهُ مِنْ مَكْرُوهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ بَلِ الْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا يَكْرَهُهُ الرَّائِي بِتَنَاوُلِ مَا يَتَسَبَّبُ بِهِ الشَّيْطَانُ وَمَا لَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهِ، وَفِعْلُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مَانِعٌ مِنْ وُقُوعِ الْمَكْرُوهِ كَمَا جَاءَ أَنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ وَالصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ عَادَاتٌ لَا مَوْجُودَاتٌ، وَأَمَّا مَا يُرَى أَحْيَانًا مِمَّا يُعْجِبُ الرَّائِيَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قِسْمٍ آخَرَ وَهُوَ مَا كَانَ الْخَاطِرُ بِهِ مَشْغُولًا قَبْلَ النَّوْمِ ثُمَّ يَحْصُلُ النَّوْمُ فَيَرَاهُ فَهَذَا قِسْمٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.

стр. 7360

٤ - بَاب الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ٦٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ - عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أحدكم فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ. وَعَنْ أَبِيهِ قال:، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. ٦٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ ابْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" ٦٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ". وَرَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَشُعَيْبٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ [الحديث ٦٩٨٨ - طرفه في: ٧٠١٧] ٦٩٨٩ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ آخِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَكَأَنَّهُ حَمَلَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى بِلَفْظِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ عَلَى هَذِهِ الْمُقَيَّدَةِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلنَّسَفِيِّ وَذَكَرَ أَحَادِيثَهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الحديث الأول: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ) هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ خَيْرًا قَالَ لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ وَفَاعِلُ أَثْنَى هُوَ مُسَدَّدٌ وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا حَالَ تَحْدِيثِهِ عَنْهُ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَيْضًا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ طَرِيقَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ مُسَدَّدٍ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، عَنْ مُسَدَّدٍ بِهَذَا السَّنَدِ فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ أَبِي قَتَادَةَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُمَا،

стр. 7361

وَكَانَ عِنْدَ مُسَدَّدٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ تَارَةً وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُخْرَى، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ: رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مُسْتَوْفًى، وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَأَخَذَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: إِدْخَالُهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا وَجْهَ لَهُ بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ، قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَيُجَابُ عَنْ صَنِيعِ الْأَكْثَرِ بِأَنَّ وَجْهَ دُخُولِهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ إِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورِ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ، وَقَدْ خَالَفَ قَتَادَةَ غَيْرُهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا عُبَادَةَ فِي السَّنَدِ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ. وَرَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَشُعَيْبٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ ثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَشُعَيْبٌ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ثَابِتٍ فَتَأْتِي مَوْصُولَةً بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْهُ تِلْوَ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي وَقَالَ فِيهِ: وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ رُوَاةً عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا شُعْبَةَ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ فِي التَّعْبِيرِ مُعَلَّقًا فَقَالَ: رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْهُ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مِثْلُ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فَتَقَدَّمَتْ قَرِيبًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ فَرُوِّينَاهَا مَوْصُولَةً فِي كِتَابِ الرُّوحِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَفِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الرَّزَّازِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعَيْبٍ وَلَفْظُهُ مِثْلُ حُمَيْدٍ، وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ مِثْلُ قَتَادَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّ الَّتِي لِلتَّأْكِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ أَبِي سَعِيدٍ آخِرَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَدَلَ لَفْظِ الْمُؤْمِنِ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيِّ وَاسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَاسْمُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ، وَاسْمُ وَالِدِ الدَّرَاوَرْدِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَيَزِيدُ، شَيْخُهُمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْهَادِ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ وَلَفْظُ الْمَتْنِ مِثْلُ التَّرْجَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (مِنَ النُّبُوَّةِ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِلَفْظِ: مِنَ الرِّسَالَةِ بَدَلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، قَالَ: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الرِّسَالَةَ تَزِيدُ عَلَى النُّبُوَّةِ بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِخِلَافِ النُّبُوَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فَإِنَّهَا اطِّلَاعٌ عَلَى بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ وَقَدْ يُقَرِّرُ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَهُ وَلَكِنْ لَا يَأْتِي بِحُكْمٍ جَدِيدٍ مُخَالِفٍ لِمَنْ قَبْلَهُ، فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَأَمَرَهُ بِحُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمَ

стр. 7362

الشَّرْعِ الْمُسْتَقَرِّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٥ - بَاب الْمُبَشِّرَاتِ ٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ. قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ، وَهِيَ الْبُشْرَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ عُبَادَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي يَعْلَى. قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ) كَذَا ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمُضِيِّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ وَالْمُرَادُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْ لَا يَبْقَى، وَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ وَاللَّامُ فِي النُّبُوَّةِ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ نُبُوَّتُهُ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لَمْ يَبْقَ بَعْدِي، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ الْحَدِيثَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَنَّهُ: لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ، وَظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ أَمْرِ الرُّؤْيَا بِالنُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ وَصْفِهِ لَهُ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنًا وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَذَانِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ الْكَعْبِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ إِلَّا الرُّؤْيَا وَلَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ مَرْفُوعًا: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ وَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ

стр. 7363

مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ: قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامُ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : فَإِنْ يَكُنْ وَكَانَ السِّرُّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنِهِ وَكَثْرَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ غَلَبَةَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ وَإِرَادَةَ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانِهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْقَطَعَ الْوَحْيُ بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامُ لِمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ لِلْأَمْنِ مِنَ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ مُكَابَرَةٌ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ. ٦ - بَاب رُؤْيَا يُوسُفَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ بَادِيَةٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا يُوسُفَ) كَذَا لَهُمْ، وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَقَوْلُهُ : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ﴾ - فَسَاقَ إِلَى - ﴿سَاجِدِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ أَيْضًا. وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أَيِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ سَاجِدِينَ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْمُلْكِ وَسَجَدُوا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَتِهِمْ فَكَانَ التَّأْوِيلُ فِي السَّاجِدِينَ وَكَوْنِهَا حَقًّا فِي السُّجُودِ، وَقِيلَ التَّأْوِيلُ وَقَعَ أَيْضًا فِي السُّجُودِ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمُ السُّجُودُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُضُوعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قَالَ: كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفِي لَفْظٍ: وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْجُدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ نَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَرَادُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَيْنَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ بَلِ الْإِكْرَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ

стр. 7364

الرُّؤْيَا وَتَفْسِيرِهَا، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَعِبَارَتِهَا أَرْبَعُونَ عَامًا، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ لَهُ شَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَزَادَ: وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي أَمَدُ الرُّؤْيَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ مُدَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَفِي لَفْظٍ: ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تِسْعِينَ سَنَةً، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ: وَقِيلَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَوْلًا: إِنَّهَا كَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَسَقَطَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الْبَابِ لِلنَّسَفِيِّ. قَوْلُهُ: (فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ) كَذَا لِبَعْضِهِمُ الْبَارِئُ بِالرَّاءِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ الْبَادِئُ بِالدَّالِ بَدَلَ الرَّاءِ وَالْهَمْزُ ثَابِتٌ فِيهِمَا، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ بِالرَّاءِ وَأَنَّ رِوَايَةَ الدَّالِ وَهْمٌ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَيْضًا الْمُبْدِئُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْعَنْكَبُوتِ مَا يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ -: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ فَالْأَوَّلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُبْدِئٌ وَالثَّانِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ بَادِئٌ وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فَأَرَادَ تَفْسِيرَ الْفَاطِرِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ دَعْوَى الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ الْوَحْدَةَ مَمْنُوعَةٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ أَنَّ حَقَائِقَ مَعَانِيهَا مُتَوَحِّدَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَوْلَ الْفَرَّاءِ أَنَّ فَطَرَ وَخَلَقَ وَفَلَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَبْلَ بَابِ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِنَ الْبَدْءِ وَبَادِئِهِ) كَذَا وَجَدْتُهُ مَضْبُوطًا فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبِوَاوِ الْعَطْفِ لِأَبِي ذَرٍّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا تَرَجَّحَتْ رِوَايَةُ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْبَادِئُ وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْبَدْوِ وَبَادِيَةٍ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْهَمْزِ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ فِي بَادِيَةٍ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ فَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ بَادِيَةٌ أَيْ جَاءَ بِكَمْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ مِنَ الْبَدْوِ أَيْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أَيْ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنَّ فَاطِرَ مَعْنَاهُ الْبَادِئُ مِنَ الْبَدْءِ أَيِ الِابْتِدَاءُ أَيْ بَادِئُ الْخَلْقِ، فَمَعْنَى فَاطِرٍ بَادِئٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٧ - بَاب رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَسْلَمَا﴾ سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ. ﴿وَتَلَّهُ﴾ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ ﵇ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ : ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا. قِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ نَذَرَ إِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ سَارَّةَ وَلَدًا أَنْ يَذْبَحَهُ قُرْبَانًا فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنْ أَوْفِ بِنَذْرِكَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَّا نُقَرِّبْ قُرْبَانًا وَأَخَذَ حَبْلًا وَسِكِّينًا ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ

стр. 7365

بَيْنَ الْجِبَالِ قَالَ: يَا أَبَتِ أَيْنَ قُرْبَانُكَ؟ قَالَ: أَنْتَ يَا بُنَيَّ، ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الْآيَاتِ، فَقَالَ: اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ، وَاكْفُفْ ثِيَابَكَ حَتَّى لَا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ سَارَّةُ فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَبْكِي وَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحُزَّ وَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ فَكَبَّهُ عَلَى جَبِينِهِ وَحَزَّ فِي قَفَاهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنُودِيَ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ فَأَخَذَهُ وَحَلَّ عَنِ ابْنِهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَعْبٌ فَحَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: أَفَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ إسحاق قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنْ لَمْ أَفْتِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ هَذِهِ لَمْ أَفْتِنْهُمْ أَبَدًا، فَذَهَبَ إِلَى سَارَّةَ فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ بِابْنِكِ؟ قَالَتْ: فِي حَاجَتِهِ، قَالَ: كَلَّا إِنَّهُ ذَهَبَ بِهِ لِيَذْبَحَهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَخْشَى أَنْ لَا يُطِيعَ رَبَّهُ، فَجَاءَ إِلَى إسحاق فَأَجَابَهُ بِنَحْوِهِ، فَوَاجَهَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَأَيِسَ أَنْ يُطِيعُوهُ. وَسَاقَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ: أَنَّهُ سَدَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَرْمِيَهَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ، وَكَأَنَّ قَتَادَةَ أَخَذَ أَوَّلَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآخِرَهُ مِمَّا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ فَذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، وَكَانَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَتمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَمِيصٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فَاخْلَعْهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ فَذَبَحَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَإِنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي مِيزَابِ الْكَعْبَةِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَارَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ. وَهَذِهِ الْآثَارُ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَبَّاسِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا. وَعَنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ ابْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَسْرُوقٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ: أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ رُوِّينَاهُ فِي الْخُلَعِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَطْنَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِتَقْوِيَتِهِ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ الْقُرْآنِ دَلِيلًا وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وَقَوْلُهُ فِي هُودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ قَالَ: وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُمَا أَنَّ سِيَاقَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ الْأُولَى عَنْ طَلَبٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ فَسَأَلَ مِنْ رَبِّهِ الْوَلَدَ ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ

стр. 7366

أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ لَمَّا شَاخَ وَاسْتُبْعِدَ مِنْ مِثْلِهِ أَنْ يَجِيءَ لَهُ الْوَلَدُ وَجَاءَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَمَا أُمِرُوا بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ فَبَشَّرُوهُ بِإِسْحَاقَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ إِسْمَاعِيلَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بِكْرُهُ وَأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ إِسْحَاقَ. قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَحْسِنُهُ وَأَحْتَجُّ بِهِ إِلَى أَنْ مَرَّ بِي قَوْلُهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ فَإِنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ رُزِقَ إِسْمَاعِيلَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَقُوَّتِهِ لِأَنَّ هَاجَرَ وَالِدَةَ إِسْمَاعِيلَ صَارَتْ لِسَارَّةَ مِنْ قِبَلِ الْجَبَّارِ الَّذِي وَهَبَهَا لَهَا وَإِنَّهَا وَهَبَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا يَئِسَتْ مِنَ الْوَلَدِ فَوَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ فَغَارَتْ سَارَّةُ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ وَاسْتَمَرَّتْ غَيْرَةُ سَارَّةَ إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ إِخْرَاجِهَا وَوَلَدِهَا إِلَى مَكَّةَ مَا كَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ مُفَصَّلًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ قِبَلَ الشَّامِ فَلَقِيَ سَارَّةَ وَهِيَ بِنْتُ مَلِكِ حَرَّانَ فَآمَنَتْ بِهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ وَهَبَهَا الْجَبَّارُ هَاجَرَ وَوَهَبَتْهَا لَهُ سَارَّةُ وَكَانَتْ سَارَّةُ مُنِعَتِ الْوَلَدَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ فَأُخِّرَتِ الدَّعْوَةُ حَتَّى كَبِرَ فَلَمَّا عَلِمَتْ سَارَّةُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ عَلَى هَاجَرَ حَزِنَتْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْوَلَدِ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِ إِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ وَتَبْشِيرِهِمْ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وَيُقَالُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ قِصَّةِ الذَّبِيحِ كَانَتْ بِمَكَّةَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ سَارَّةَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَكُونَا بِمَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَتَلَّهُ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قَالَ: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قَالَ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالْأَرْضِ قَالَ: لَا تَذْبَحْنِي وَأَنْتَ تَنْظُرُ فِي وَجْهِي لِئَلَّا تَرْحَمَنِي، فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أَيْ: سَلَّمَا لِلَّهِ الْأَمْرَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: اتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: سَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَسَلَّمَ إسحاق لِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي لَفْظٍ: أَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَأَمَّا هَذَا فَأَسْلَمَ ابْنُهُ لِلَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ: تَلَّهُ لِلْجَبِينِ كَبَّهُ لِوَجْهِهِ. (تَنْبِيهٌ): هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، بَلِ اكْتَفَى فِيهِمَا بِالْقُرْآنِ، وَلَهُمَا نَظَائِرُ. وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ إِنَّهُ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَاضٌ لِيُلْحَقَ بِهِ حَدِيثٌ يُنَاسِبُهُ مُحْتَمَلٌ مَعَ بُعْدِهِ. ٨ - بَاب التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا ٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوها فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ قَوْلُهُ: (بَابُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا) أَيْ تَوَافُقِ جَمَاعَةٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَوِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ. قَوْلُهُ: (أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَنَّ أُنَاسًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَاسًا. قَوْلُهُ: (أُرُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 7367

عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْلَةَ الْوُسْطَى، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ خِلَافُ التَّوَاطُؤِ، وَحَدِيثُ التَّوَاطُؤِ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. قُلْتُ: لَمْ يَلْتَزِمِ الْبُخَارِيُّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ التَّوَاطُؤِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّوَاطُؤِ التَّوَافُقَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْرَادَ السَّبْعِ دَاخِلَةٌ فِي أَفْرَادِ الْعَشْرِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ وَقَوْمٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ كَانُوا كَأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا عَلَى السَّبْعِ فَأَمَرَهُمْ بِالْتِمَاسِهَا فِي السَّبْعِ لِتَوَافُقِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ فَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا. وَفِيهِ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ تَوَافُقَ جَمَاعَةٍ عَلَى رُؤْيَا وَاحِدَةٍ دَالٌّ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا كَمَا تُسْتَفَادُ قُوَّةُ الْخَبَرِ مِنَ التَّوَارُدِ عَلَى الْإِخْبَارِ مِنْ جَمَاعَةٍ. ٩ - بَاب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَقَالَ الْفُضَيْلُ لبعض الأتباع يَا عبد الله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي

стр. 7368

سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾، ﴿وَادَّكَرَ﴾ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَت. ﴿أُمَّةٍ﴾ قَرْنٍ. وَتُقْرَأُ أَمَهٍ: نِسْيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ الْأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ. ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تَحْرُسُونَ ٦٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن محمد بن أسماء، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ وَإِنِ اخْتَصَّتْ غَالِبًا بِأَهْلِ الصَّلَاحِ لَكِنْ قَدْ تَقَعُ لِغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ الشِّرْكِ الشُّرَّابُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ شَارِبٍ، أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا أَيْ وَأَهْلُ الشَّرَابِ وَالْمُرَادُ شَرَبَةُ الْمُحَرَّمِ، وَعَطْفُهُ عَلَى أَهْلِ الْفَسَادِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا أَنَّ الْمَسْجُونَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا أَوْ مُصْلِحًا، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّعْبِيرِ: إِذَا رَأَى الْكَافِرُ أَوِ الْفَاسِقُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ بُشْرَى لَهُ بِهِدَايَتِهِ إِلَى الْإِيمَانِ مَثَلًا أَوِ التَّوْبَةِ أَوْ إِنْذَارًا مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَوِ الْفِسْقِ، وَقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَقَدْ يَرَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الِابْتِلَاءِ وَالْغُرُورِ وَالْمَكْرِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا وَهِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ أَحَدِهِمَا: شَرْهَمُ وَالْآخَرِ: شُرْهُمُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُعْجَمَةٍ؛ إِحْدَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ وَالْأُخْرَى مَضْمُومَةٌ، قَالَ: وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا اسْمُهُ نُبُوءُ، وَذَكَرَ اسْمَ الْآخَرَ فَلَمْ أَحْفَظْهُ. قُلْتُ: سَمَّاهُ مَخْلَثَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَعَزَاهُ لِابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَبِهِ جَزَمَ الثَّعْلَبِيُّ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي كِتَابِ الْمَسَالِكِ: إِنَّ اسْمَ الْخَبَّازِ وَاشَانُ وَالسَّاقِي مَرْطَسُ، وَحَكَوْا أَنَّ الْمَلِكَ اتَّهَمَهُمَا أَنَّهُمَا أَرَادَا سَمَّهُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَحَبَسَهُمَا إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ بَرَاءَةُ سَاحَةِ السَّاقِي دُونَ الْخَبَّازِ، وَيُقَالُ إِنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا أَرَادَا امْتِحَانَ يُوسُفَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ يَرَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا تَحَاكَمَا لِيُجَرِّبَا، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ وَزَادَ: فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُمَا التَّأْوِيلَ قَالَا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْفُضَيْلُ إِلَخْ) وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وَعِنْدَ كَرِيمَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَهُوَ الْأَلْيَقُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: الْأَعْنَابُ وَالدُّهْنُ. قَوْلُهُ: ﴿وَادَّكَرَ﴾ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرْتُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ ذَكَرَ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرْتُ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ فَحُوِّلَتْ دَالًا يَعْنِي مُهْمَلَةً ثَقِيلَةً. قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قَرْنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ يُوسُفَ: بَعْدَ حِينٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: بَعْدَ حِقْبَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَعْدَ سِنِينَ. قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ أَمْهٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَمِيمٍ بَعْدَهَا هَاءٌ مَنُونَةٌ نِسْيَانٌ، أَيْ تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ نَسِيَ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ نُسِبَتْ فِي الشَّوَاذِّ لِابْنِ

стр. 7369

عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، يُقَالُ رَجُلٌ مَأْمُوهٌ أَيْ ذَاهِبُ الْعَقْلِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قُرِئَ بَعْدَ أَمْهٍ أَيْ نِسْيَانٌ، تَقُولُ أَمِهْتُ آمَهُ أَمْهًا بِسُكُونِ الْمِيمِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَمِهْتُ وَكُنْتُ لَا أَنْسَى حَدِيثًا وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بَعْدَ أَمْهٍ ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا بَعْدَ أَمْهٍ وَتَفْسِيرُهَا بَعْدَ نِسْيَانٍ، وَسَاقَ مِثْلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَهَا بِسُكُونِ الْمِيمِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْصِرُونَ الْأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يَقُولُ الْأَعْنَابُ وَالدُّهْنُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ مِنَ الْعُصْرَةِ وَهِيَ النَّجَاةُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ يَعْصِرُونَ يَنْجُونَ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: أُطْلِقَ عَصْرُ الْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ … صَارَ الثَّرِيدُ فِي رُءُوسِ الْقُضْبَانِ أَيِ السُّنْبُلِ، فَسَمَّى الْقَمْحَ ثَرِيدًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: أَهْلُ عُمَانَ يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَقِيتُ أَعْرَابِيًّا مَعَهُ سَلَّةُ عِنَبٍ فَقُلْتُ مَا مَعَكَ؟ قَالَ: خَمْرٌ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ التَّفْسِيرَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ السَّاقِيَ قَالَ لِيُوسُفَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنِّي غَرَسْتُ حَبَّةً فَنَبَتَتْ فَخَرَجَ فِيهَا ثَلَاثُ عَنَاقِيدَ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُ الْمَلِكَ، فَقَالَ: تَمْكُثُ فِي السِّجْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ أَيْ عَلَى عَادَتِكَ. قَوْلُهُ: (تُحْصِنُونَ: تَحْرُسُونَ) كَذَا لَهُمْ مِنَ الْحِرَاسَةِ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ تُحْرِزُونَ بِزَايٍ بَدَلَ السِّينِ مِنَ الْإِحْرَازِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْزُنُونَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ زَايٍ وَنُونَيْنِ مِنَ الْخَزْنِ. قَوْلُهُ: (جُوَيْرِيَةُ) بِالضَّمِّ مُصَغَّرٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الضُّبَعِيُّ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْأَقْرَانِ. قَوْلُهُ: (لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَةُ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِيهِ قِصَّةَ لُوطٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ: مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطُولِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بِطُولِهِ، أَخْرَجُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ رَوَاهُ عَنْهُ فَقَالَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَدَلَ أَبِي عُبَيْدٍ وَوَهِمَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ مَالِكٍ أَبُو عُبَيْدٍ لَا أَبُو سَلَمَةَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدًا وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِأَبْسَطَ مِنْ سِيَاقِهِ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ: لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَكَرَمِهِ وَصَبْرِهِ حَتَّى سُئِلَ عَنِ الْبَقَرَاتِ الْعِجَافِ وَالسِّمَانِ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ مَا أَجَبْتُ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي، وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْهُ حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ - يَعْنِي لِيَخْرُجَ إِلَى الْمَلِكِ - فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ وَلَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ وَلَبَادَرْتُ الْبَابَ وَلَمَا ابْتَغَيْتُ الْعُذْرَ. وَهَذَا مُرْسَلٌ وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ

стр. 7370

الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ فَذَكَرَهُ وَزَادَ وَلَوْلَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. ١٠ - بَاب مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ ٦٩٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ. ٦٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ "عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ : "مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يتمثلُ بِي وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" ٦٩٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ "عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَى بِي" ٦٩٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ "قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: قال النبي ﷺ : "مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ". تَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ٦٩٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ فِي الْمَنَامِ) ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَوْ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ هَكَذَا بِالشَّكِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَسَيَرَانِي، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ: فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ فَقَدْ رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ وَجُلُّ أَحَادِيثِ الْبَابِ كَالثَّالِثَةِ إِلَّا قَوْلَهُ: فِي الْيَقَظَةِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ - وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ - عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ

стр. 7371

قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - إِذَا قَصَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صِفْ لِيَ الَّذِي رَأَيْتَهُ، فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً لَا يَعْرِفُهَا قَالَ: لَمْ تَرَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَوَجَدْتُ لَهُ مَا يُؤَيِّدُهُ: فَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ قَالَ: صِفْهُ لِي، قَالَ: ذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَبَّهْتُهُ بِهِ، قَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنِّي أُرَى فِي كُلِّ صُورَةٍ وَفِي سَنَدِهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِاخْتِلَاطِهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ، فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُغَيِّرُهُمُ الْأَرْضُ، وَيَكُونُ إِدْرَاكُ الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ حَقِيقَةً وَإِدْرَاكُ الصِّفَاتِ إِدْرَاكَ الْمَثَلِ، قَالَ: وَشَذَّ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ فَقَالَ: الرُّؤْيَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا أَصْلًا وَشَذَّ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَعُ بِعَيْنَيِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: هِيَ مُدْرَكَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: فَسَيَرَانِي مَعْنَاهُ فَسَيَرَى تَفْسِيرَ مَا رَأَى لِأَنَّهُ حَقٌّ وَغَيْبٌ أُلْقِيَ فِيهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَكَأَنَّمَا رَآنِي فَهُوَ تَشْبِيهٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ لَطَابَقَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ حَقًّا وَحَقِيقَةً وَالثَّانِي حَقًّا وَتَمْثِيلًا، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ: فَإِنْ رَآهُ عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ فَهِيَ أَمْثَالٌ، فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا فَهُوَ خَيْرٌ لِلرَّائِي وَفِيهِ وَعَلَى الْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ فِي حَيَاتِهِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ حَقًّا، وَمَنْ رَآهُ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ. وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءً كَانَتْ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا، انْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي مَا يُنَافِي ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنْ فِي الْأُولَى تَكُونُ الرُّؤْيَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَالثَّانِيَةُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْبِيرِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ رَأَى حَقِيقَتَهُ كَمَنْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ سَوَاءً، قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ يُدْرَكُ فَسَادُهُ بِأَوَائِلِ الْعُقُولِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَأَنْ لَا يَرَاهُ رَائِيَانِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ وَأَنْ يَحْيَا الْآنَ وَيَخْرُجَ مِنْ قَبْرِهِ وَيَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيُخَاطِبَ النَاسَ وَيُخَاطِبُوهُ وَيَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَخْلُوَ قَبْرُهُ مِنْ جَسَدِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ قَبْرِهِ فِيهِ شَيْءٌ فَيُزَارَ مُجَرَّدَ الْقَبْرِ وَيُسَلَّمَ عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُرَى فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعَ اتِّصَالِ الْأَوْقَاتِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي غَيْرِ قَبْرِهِ، وَهَذِهِ جَهَالَاتٌ لَا يَلْتَزِمُ بِهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ مِنَ الْأَضْغَاثِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يُرَى فِي النَّوْمِ عَلَى حَالَةٍ تُخَالِفُ حَالَتَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَحْوَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ وَتَقَعُ تِلْكَ الرُّؤْيَا حَقًّا كَمَا لَوْ رُئِيَ مَلَأَ دَارًا بِجِسْمِهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِلَاءِ تِلْكَ الدَّارِ بِالْخَيْرِ، وَلَوْ تَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ لَعَارَضَ عُمُومَ قَوْلِهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي، فَالْأَوْلَى أَنْ تُنَزَّهَ رُؤْيَاهُ وَكَذَا رُؤْيَا شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ مِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْحُرْمَةِ وَأَلْيَقُ بِالْعِصْمَةِ كَمَا عُصِمَ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي يَقَظَتِهِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً وَلَا أَضْغَاثًا بَلْ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا وَلَوْ رُئِيَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ فَتَصَوُّرُ تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطَانِ بَلْ هُوَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَقَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَيْ رَأَى الْحَقَّ الَّذِي قَصَدَ إِعْلَامَ الرَّائِي بِهِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِلَّا

стр. 7372

سَعَى فِي تَأْوِيلِهَا وَلَا يُهْمِلُ أَمْرَهَا لِأَنَّهَا إِمَّا بُشْرَى بِخَيْرٍ أَوْ إِنْذَارٌ مِنْ شَرٍّ إِمَّا لِيُخِيفَ الرَّائِيَ وَإِمَّا لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ وَإِمَّا لِيُنَبِّهَ عَلَى حُكْمٍ يَقَعُ لَهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ يُرِيدُ تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتِهَا وَخُرُوجِهَا عَلَى الْحَقِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ سَيَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْيَقَظَةِ فَتَرَاهُ جَمِيعُ أُمَّتِهِ مَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ مَنْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ بِهَذَا مُبَشِّرًا لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ قَالَهُ الْقَزَّازُ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَهْلَ عَصْرِهِ مِمَّنْ يُهَاجِرُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ يَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَأَوْحَى اللَّهُ بِذَلِكَ إِلَيْهِ ﷺ . وَقَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَيَرَى تَأْوِيلَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتَهَا، وَقِيلَ مَعْنَى الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ أَنَّهُ سَيَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ يَرَاهُ جَمِيعُ أُمَّتِهِ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ يَعْنِي فَلَا يَبْقَى لِخُصُوصِ رُؤْيَتِهِ فِي الْمَنَامِ مَزِيَّةٌ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ لَهُ فِي النَّوْمِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا وَوُصِفَ عَلَيْهَا مُوجِبَةً لِتَكْرِمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَأَنْ يَرَاهُ رُؤْيَةً خَاصَّةً مِنَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ بِعُلُوِّ الدَّرَجَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَاقِبَ اللَّهُ بَعْضَ الْمُذْنِبِينَ فِي الْقِيَامَةِ بِمَنْعِ رُؤْيَةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُدَّةً. وَحَمَلَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ عَلَى مَحْمَلٍ آخَرَ فَذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَبَقِيَ بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَ مُتَفَكِّرًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَعَلَّهَا خَالَتُهُ مَيْمُونَةُ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمِرْآةَ الَّتِي كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ فِيهَا فَرَأَى صُورَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَ صُورَةَ نَفْسِهِ، وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ رَأَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَانُوا مِنْهَا مُتَخَوِّفِينَ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى طَرِيقِ تَفْرِيجِهَا فَجَاءَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ هَؤُلَاءِ صَحَابَةً وَلَأَمْكَنَ بَقَاءُ الصُّحْبَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمْعًا جَمًّا رَأَوْهُ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَخَبَرُ الصَّادِقِ لَا يَتَخَلَّفُ. وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ الْقُرْطُبِيِّ عَلَى مَنْ قَالَ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتَهُ ثُمَّ يَرَاهَا كَذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَقَدْ تَفَطَّنَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ لِهَذَا فَأَحَالَ بِمَا قَالَ عَلَى كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ الْعُدُولُ عَنِ الْعُمُومِ فِي كُلِّ رَاءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَامٌّ فِي أَهْلِ التَّوْفِيقِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَعَلَى الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ قَدْ يَقَعُ لِلزِّنْدِيقِ بِطَرِيقِ الْإِمْلَاءِ وَالْإِغْوَاءِ كَمَا يَقَعُ لِلصِّدِّيقِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ وَالْإِكْرَامِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ. ثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهَا سَيَرَى فِي الْيَقَظَةِ تَأْوِيلَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوِ التَّعْبِيرِ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ عَصْرِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ رَابِعُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْمِرْآةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْمَحَامِلِ. خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَا مُطْلَقٌ مَنْ يَرَاهُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ فِي الْمَنَامِ. سَادِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَيُخَاطِبُهُ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشْكَالِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي يُرَى فِي الْمَنَامِ أَمْثِلَةٌ لِلْمَرْئِيَّاتِ لَا أَنْفُسُهَا، غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمْثِلَةَ تَارَةً تَقَعُ مُطَابِقَةً وَتَارَةً يَقَعُ مَعْنَاهَا، فَمِنَ الْأَوَّلِ رُؤْيَاهُ ﷺ عَائِشَةَ وَفِيهِ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْيَقَظَةِ مَا رَآهُ فِي نَوْمِهِ بِعَيْنِهِ وَمِنَ الثَّانِي رُؤْيَا الْبَقَرِ الَّتِي تُنْحَرُ وَالْمَقْصُودُ بِالثَّانِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَعَانِي تِلْكَ الْأُمُورِ، وَمِنْ فَوَائِدِ رُؤْيَتِهِ ﷺ تَسْكِينُ شَوْقِ الرَّائِي لِكَوْنِهِ صَادِقًا فِي مَحَبَّتِهِ لِيَعْمَلَ عَلَى مُشَاهَدَتِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ أَيْ مَنْ رَآنِي رُؤْيَةَ مُعَظِّمٍ

стр. 7373

لِحُرْمَتِي وَمُشْتَاقٍ إِلَى مُشَاهَدَتِي وَصَلَ إِلَى رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِ وَظَفِرَ بِكُلِّ مَطْلُوبِهِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ تِلْكَ الرُّؤْيَا مَعْنَى صُورَتِهِ وَهُوَ دِينُهُ وَشَرِيعَتُهُ، فَيُعَبِّرُ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الرَّائِي مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ أَوْ إِسَاءَةٍ وَإِحْسَانٍ. قُلْتُ: وَهَذَا جَوَابٌ سَابِعٌ وَالَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَظْهَرْ لِي فَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ ثَامِنٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي وَمَضَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَابْنِ مَاجَهْ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي يَلِيهِ: وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَى بِالرَّاءِ بِوَزْنِ يَتَعَاطَى، وَمَعْنَاهُ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِيرَ مَرْئِيًّا بِصُورَتِي، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَتَزَايَا بِزَايٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي آخِرِ الْبَابِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي. أَمَّا قَوْلُهُ: لَا يَتَمَثَّلُ بِي فَمَعْنَاهُ لَا يَتَشَبَّهُ بِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي صُورَتِي فَمَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ كَائِنًا فِي مِثْلِ صُورَتِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يَتَرَاءَى بِي فَرَجَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ رِوَايَةَ الزَّايِ عَلَيْهَا أَيْ لَا يَظْهَرُ فِي زِيِّي، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِبَعِيدَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يَتَكَوَّنُنِي أَيْ لَا يَتَكَوَّنُ كَوْنِي فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَوَصَلَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَكَوَّنُ فِي صُورَتِي، فَالْجَمِيعُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: لَا يَسْتَطِيعُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ أَمْكَنَهُ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي أَيِ صُورَةٍ أَرَادَ فَإِنَّهُ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي صُورَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ فَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا رَآهُ الرَّائِي عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْتَبَرَ عَدَدُ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ شَعْرَةً. وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُوَنَ صُورَتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ فِي وَقْتٍ مَا سَوَاءٌ كَانَ فِي شَبَابِهِ أَوْ رُجُولِيَّتِهِ أَوْ كُهُولِيَّتِهِ أَوْ آخِرِ عُمْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لَمَّا خَالَفَ ذَلِكَ تَعْبِيرٌ يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي، قَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ الْمُحَقِّقُونَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ لَا تَكُونُ أَضْغَاثًا وَلَا مِنْ تَشْبِيهَاتِ الشَّيْطَانِ، قَالَ: وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ لَا تَكُونُ أَضْغَاثًا. ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَقْلَ يُحِيلُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَدْ يُرَى عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ أَوْ يُرَى فِي مَكَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي صِفَتِهِ وَتَخَيُّلٌ لَهَا عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُظَنُّ بَعْضُ الْخَيَالَاتِ مَرْئِيَّاتٍ لِكَوْنِ مَا يُتَخَيَّلُ مُرْتَبِطًا بِمَا يُرَى فِي الْعَادَةِ فَتَكُونُ ذَاتُهُ ﷺ مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْبَصَرِ وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ ظَاهِرًا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ مَدْفُونًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَنَاءِ جِسْمِهِ ﷺ ، بَلْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ وَتَكُونُ ثَمَرَةُ اخْتِلَافِ الصِّفَاتِ اخْتِلَافَ الدَّلَالَاتِ كَمَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ التَّعْبِيرِ: إِنَّ مَنْ رَآهُ شَيْخًا فَهُوَ عَامُ سِلْمٍ أَوْ شَابًّا فَهُوَ عَامُ حَرْبٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْوَالِهِ كَمَا لَوْ رَآهُ أَحَدٌ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا رَآهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ لَا عَلَى صِفَةٍ مُضَادَّةٍ لِحَالِهِ، فَإِنْ رُئِيَ عَلَى غَيْرِهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ لَا رُؤْيَا حَقِيقَةٍ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهِهِ وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَتْ

стр. 7374

عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ، وَهَذَا الَّذِي رَدَّهُ الشَّيْخُ تَقَدَّمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ إِمَامِ الْمُعَبِّرِينَ اعْتِبَارُهُ. وَالَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي تَوَسُّطٌ حَسَنٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ عَلَى الْحَالَيْنِ حَقِيقَةً لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ كَأَنْ يُرَى فِي الْمَنَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ كَانَ النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الرَّائِي لِتَخَيُّلِهِ الصِّفَةَ عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيَحْتَاجُ مَا يَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَنَامِ إِلَى التَّعْبِيرِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عُلَمَاءُ التَّعْبِيرِ فَقَالُوا: إِذَا قَالَ الْجَاهِلُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ صِفَتِهِ فَإِنْ وَافَقَ الصِّفَةَ الْمَرْوِيَّةَ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَأَشَارُوا إِلَى مَا إِذَا رَآهُ عَلَى هَيْئَةٍ تُخَالِفُ هَيْئَتَهُ مَعَ أَنَّ الصُّورَةَ كَمَا هِيَ، فَقَالَ أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ: مَنْ رَأَى نَبِيًّا عَلَى حَالِهِ وَهَيْئَتِهِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ الرَّائِي وَكَمَالِ جَاهِهِ وَظَفَرِهِ بِمَنْ عَادَاهُ، وَمَنْ رَآهُ مُتَغَيِّرَ الْحَالِ عَابِسًا مَثَلًا فَذَاكَ دَالٌّ عَلَى سُوءِ حَالِ الرَّائِي. وَنَحَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ إِلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَى صُورَتِهِ أَصْلًا فَمَنْ رَآهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ فَذَاكَ حُسْنٌ فِي دِينِ الرَّائِي وَإِنْ كَانَ فِي جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ شَيْنٌ أَوْ نَقْصٌ فَذَاكَ خَلَلٌ فِي الرَّائِي مِنْ جِهَةِ الدِّينِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْفَائِدَةُ الْكُبْرَى فِي رُؤْيَاهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلرَّائِي هَلْ عِنْدَهُ خَلَلٌ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ ﷺ نُورَانِيٌّ مِثْلُ الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ مَا كَانَ فِي النَّاظِرِ إِلَيْهَا مِنْ حُسْنٍ أَوْ غَيْرِهِ تُصُوِّرَ فِيهَا وَهِيَ فِي ذَاتِهَا عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا وَلَا شَيْنَ، وَكَذَلِكَ يقَالَ فِي كَلَامِهِ ﷺ فِي النَّوْمِ إِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى سُنَّتِهِ، فَمَا وَافَقَهَا فَهُوَ حَقٌّ وَمَا خَالَفَهَا فَالْخَلَلُ فِي سَمْعِ الرَّائِي، فَرُؤْيَا الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ حَقٌّ وَالْخَلَلُ إِنَّمَا هُوَ فِي سَمْعِ الرَّائِي أَوْ بَصَرِهِ، قَالَ: وَهَذَا خَيْرُ مَا سَمِعْتُهُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِعُمُومِ رُؤْيَاهُ كُلِّهَا وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِالْكَذِبِ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ، وَلَمَّا خَرَقَ اللَّهُ الْعَادَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ حَالِهِمْ فِي الْيَقَظَةِ وَاسْتَحَالَ تَصَوُّرُ الشَّيْطَانِ عَلَى صُورَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا عَلَى صِفَةٍ مُضَادَّةٍ لِحَالِهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَدَخَلَ اللَّبْسُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ، حَمَى اللَّهُ حِمَاهَا لِذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَتَصَوُّرِهِ وَإِلْقَائِهِ وَكَيْدِهِ، وَكَذَلِكَ حَمَى رُؤْيَاهُمْ أَنْفُسِهِمْ وَرُؤْيَا غَيْرِ النَّبِيِّ لِلنَّبِيِّ عَنْ تَمْثِيلٍ بِذَلِكَ لِتَصِحَّ رُؤْيَاهُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَيَكُونَ طَرِيقًا إِلَى عِلْمٍ صَحِيحٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ جَمِيعِ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى صِفَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ فَقَدْ رَآهُ وَلَوْ كَانَتْ سَائِرُ الصِّفَاتِ مُخَالِفَةً، وَعَلَى ذَلِكَ فَتَتَفَاوَتُ رُؤْيَا مَنْ رَآهُ فَمَنْ رَآهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الْكَامِلَةِ فَرُؤْيَاهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَعَلَيْهَا يَتَنَزَّلُ قَوْلُهُ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، وَمَهْمَا نَقَصَ مِنْ صِفَاتِهِ فَيَدْخُلُ التَّأْوِيلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهُ فِي أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ رَآهُ حَقِيقَةً. (تَنْبِيهٌ): جَوَّزَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ رُؤْيَةَ الْبَارِي فِي الْمَنَامِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُجْرُوا فِيهَا الْخِلَافَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأُمُورٍ قَابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهَا فَتَارَةً يُعَبَّرُ بِالسُّلْطَانِ وَتَارَةً بِالْوَالِدِ وَتَارَةً بِالسَّيِّدِ وَتَارَةً بِالرَّئِيسِ فِي أَيِّ فَنٍّ كَانَ، فَلَمَّا كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ ذَاتِهِ مُمْتَنِعًا وَجَمِيعُ مَنْ يُعَبَّرُ بِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ كَانَتْ رُؤْيَاهُ تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ دَائِمًا، بِخِلَافِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا رُئِيَ عَلَى صِفَتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَقًّا مَحْضًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: رَآنِي أَنَّهُ رَأَى جِسْمِي وَبَدَنِي وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ رَأَى مِثَالًا صَارَ ذَلِكَ الْمِثَالُ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِي إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى جِسْمِي وَبَدَنِي، قَالَ: وَالْآلَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وَتَارَةً

стр. 7375

تَكُونُ خَيَالِيَّةً، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ، فَمَا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هُوَ رُوحَ الْمُصْطَفَى وَلَا شَخْصَهُ بَلْ هُوَ مِثَالٌ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، قَالَ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ يَرَى اللَّهَ فِي الْمَنَامِ فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ حَقًّا فِي كَوْنِهِ وَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ فَيَقُولُ الرَّائِي رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَقُولُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو قَاسِمٍ الْقُشَيْرِيُّ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ رُؤْيَاهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى اللَّهَ عَلَى وَصْفٍ يَتَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي رُؤْيَتِهِ بَلْ يَكُونُ لِتِلْكَ الرُّؤْيَا ضَرْبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ كَمَا قَالَ الْوَاسِطِيُّ: مَنْ رَأَى رَبَّهُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ كَانَ إِشَارَةً إِلَى وَقَارِ الرَّائِي وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ وَيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقَّ الَّتِي هِيَ مِنَ اللَّهِ وَهِيَ مُبَشِّرَةٌ لَا الْبَاطِلُ الَّذِي هُوَ الْحُلْمُ الْمَنْسُوبُ لِلشَّيْطَانِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَيْ رُؤْيَةَ الْحَقِّ لَا الْبَاطِلِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ عَلَى الْغَايَةِ فِي الْكَمَالِ، أَيْ فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَا لَيْسَ بَعْدَهَا شَيْءٌ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي أَنَّ مَنْ تَمَثَّلَتْ صُورَتُهُ ﷺ فِي خَاطِرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ وَتَصَوَّرَتْ لَهُ فِي عَالَمِ سِرِّهِ أَنَّهُ يُكَلِّمُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَقًّا، بَلْ ذَلِكَ أَصْدَقُ مِنْ مَرْأَى غَيْرِهِمْ لِمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْوِيرِ قُلُوبِهِمْ، انْتَهَى. وَهَذَا الْمَقَامُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْإِلْهَامُ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْنَافِ الْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثَ وَصْفَهُ بِمَا وُصِفَتْ بِهِ الرُّؤْيَا أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: إِنَّ الْمَنَامَ يَرْجِعُ إِلَى قَوَاعِدَ مُقَرَّرَةٍ وَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَيَقَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ، بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لِلْخَوَاصِّ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى قَاعِدَةٍ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ ذَكَرُوا أَنَّ الْخَاطِرَ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْحَقِّ يَسْتَقِرُّ وَلَا يَضْطَرِبُ وَالَّذِي يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْطَرِبُ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ فَارِقًا وَاضِحًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِع بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْإِلْهَامَ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ لِعِلْمٍ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا فِي بَابِ الْمُبَاحِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أَيْ أَلْهَمَهَا حَتَّى عَرَفَتْ مَصَالِحَهَا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآدَمِيِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَكَرَ فِيهِ ظَوَاهِرَ أُخْرَى وَمِنْهُ الْحَدِيثُ قَوْلُهُ ﷺ : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ. وَقَوْلُهُ لِوَابِصَةَ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَوْكَ فَجَعَلَ شَهَادَةَ قَلْبِهِ حُجَّةً مُقَدَّمَةً عَلَى الْفَتْوَى، وَقَوْلُهُ: قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْإِلْهَامَ حَقٌّ وَأَنَّهُ وَحْيٌ بَاطِنٌ، وَإِنَّمَا حُرِمَهُ الْعَاصِي لِاسْتِيلَاءِ وَحْيِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَحُجَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ الْحُجَّةِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّفَكُّرِ فِي الْآيَاتِ وَالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَذَمِّ الْأَمَانِيِّ وَالْهَوَاجِسِ وَالظُّنُونِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَبِأَنَّ الْخَاطِرُ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقًّا لَمْ يُوصَفْ بِأَنَّهُ حَقٌّ. قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أَنَّ مَعْنَاهُ عَرَّفَهَا طَرِيقَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْحُجَجُ، وَأَمَّا الْوَحْيُ إِلَى النَّحْلِ فَنَظِيرُهُ فِي الْآدَمِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّنَائِعِ وَمَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَعَاشِ، وَأَمَّا الْفِرَاسَةُ فَنُسَلِّمُهَا لَكِنْ لَا نَجْعَلُ شَهَادَةَ الْقَلْبِ حُجَّةً لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُ كَوْنَهَا مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَإِنْكَارُ الْإِلْهَامِ مَرْدُودٌ،

стр. 7376

وَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ مَا يُكَرِّمُهُ بِهِ، وَلَكِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا اسْتَقَامَ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَرُدُّهُ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَإِلَّا فَمَرْدُودٌ يَقَعُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ يُكَرِّمُ عَبْدَهُ بِزِيَادَةِ نُورٍ مِنْهُ يَزْدَادُ بِهِ نَظَرُهُ وَيَقْوَى بِهِ رَأْيُهُ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَلْبِهِ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ، وَلَا نَزْعُمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَإِنْ وَافَقَ الشَّرْعَ كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الْحُجَّةَ انْتَهَى. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّائِمَ لَوْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُهُ بِشَيْءٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ امْتِثَالُهُ وَلَا بُدَّ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى الشَّرْعِ الظَّاهِرِ، فَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ بِلَفْظِهِ لَكِنْ زَادَ فِيهِ: وَلَا بِالْكَعْبَةِ وَقَالَ: لَا تُحْفَظُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ، قَوْلُهُ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) هَذَا اللَّفْظُ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا مَضَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَفِي كِتَابِ الْأَدَبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّحَدَ فِي هَذَا الْخَبَرِ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ فَدَلَّ عَلَى التَّنَاهِي فِي الْمُبَالَغَةِ، أَيْ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتِي عَلَى كَمَالِهَا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَلَا ارْتِيَابٍ فِيمَا رَأَى بَلْ هِيَ رُؤْيَا كَامِلَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثَيْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَيْ رُؤْيَةَ الْحَقِّ لَا الْبَاطِلِ وَهُوَ يَرُدُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ مَنْ تَكَلَّفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ وَيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقَّ الَّتِي هِيَ مِنَ اللَّهِ لَا الْبَاطِلَ الَّذِي هُوَ الْحُلْمُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَفِيهِ وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ الْحَدِيثَ، وَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ فِي بَابِ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَفِيهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَى بِي وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ) أَيِ الْمَنَامَ الْحَقَّ أَيِ الصِّدْقَ، وَمِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقُّ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَيْ: فَقَدْ رَأَى رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي، لِتَتْمِيمِ الْمَعْنَى وَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، يُرِيدُ أَنَّهُمَا رُوَّيَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ مُسْلِمًا وَصَلَهُمَا مِنْ طَرِيقِهِمَا وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ يُونُسَ وَأَحَالَ بِرِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ شَيْخِ مُسْلِمٍ فِيهِ وَلَفْظُهُ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَتَابَعَهُمَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قُلْتُ: وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ. الحديث الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَابْنُ الْهَادِ فِي السَّنَدِ هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - ذَكَرَ عَنْهُ أَيْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدِيثًا بِرَأْسِهِ إِلَّا اسْتِدْلَالًا - أَيْ مُتَابَعَةً - إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ذَكَرَهُ فِي النُّذُورِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي قِصَّةِ أُخْتِهِ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا السَّنَدِ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الصَّحِيحِ لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِنَّهُ أَخْرَجَهُ لِيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ اسْتِقْلَالًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ فَكَأَنَّ لِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا رَوَاهُ لَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْهُ لِيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ اسْتِقْلَالًا بَلْ بِمُتَابَعَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ.

стр. 7377

١١ - بَاب رُؤْيَا اللَّيْلِ رَوَاهُ سَمُرَةُ ٦٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا. ٦٩٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ - أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ" ٧٠٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ … " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ شُعَيْبٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ "كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ". وَكَانَ مَعْمَرٌ لَا يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ [الحديث ٧٠٠٠ - طرفه في: ٧٠٤٦] قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا اللَّيْلِ) أَيْ رُؤْيَا الشَّخْصِ فِي اللَّيْلِ هَلْ تُسَاوِي رُؤْيَاهُ بِالنَّهَارِ أَوْ تَتَفَاوَتَانِ، وَهَلْ بَيْنَ زَمَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَفَاوُتٌ؟ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَ نَصْرُ بْنُ يَعْقُوبَ الدَّيْنَوَرِيُّ أَنَّ الرُّؤْيَا أَوَّلَ اللَّيْلِ يُبْطِئُ تَأْوِيلُهَا وَمِنَ النِّصْفِ الثَّانِي يُسْرِعُ بِتَفَاوُتِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَأَنَّ أَسْرَعَهَا تَأْوِيلًا رُؤْيَا السَّحَرِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَسْرَعُهَا تَأْوِيلًا رُؤْيَا الْقَيْلُولَةِ. وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سَمُرَةُ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الْآتِي فِي آخِرِ كِتَابِ التَّعْبِيرِ وَفِيهِ أَنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَسْلَمَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرَتْ بِالرُّعْبِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يس كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَسْلَمَ بْنِ سَهْلٍ بِلَفْظِ:

стр. 7378

فَوَاتِحُ الْكَلِمِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا أَعْلَمُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحَ الدَّجَّالَ. قَوْلُهُ: (أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ) سَيَأْتِي فِي بَابِ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الحديث الرابع: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ، كَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَسَاقَهُ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ بَابًا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِتَمَامِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ إِلَخْ) أَمَّا مُتَابَعَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَخِيهِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ. وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) فَذَكَرَهُ بِالشَّكِّ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَصَلَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ) قُلْتُ: وَصَلَهُمَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعْمَرٌ لَا يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ يُونُسَ وَلَكِنْ قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ إِسْحَاقُ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُحَدِّثُ بِهِ فَيَقُولُ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي وَلَا يَذْكُرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي السَّنَدِ حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَةُ بِكِتَابٍ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَ لَا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَأَفَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْهُ فَقَالَ: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَحْفُوظُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ. ١٢ - بَاب رُّؤْيَا النَّهَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ ٧٠٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ - وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ .. ٧٠٠٢ - قَالَتْ: فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ - شَكَّ إِسْحَاقُ - قَالَتْ:

стр. 7379

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا النَّهَارِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بَابُ الرُّؤْيَا بِالنَّهَارِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) هُوَ مُحَمَّدٌ. قَوْلُهُ: (رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ مَسْعَدَةِ بْنِ الْيَسَعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ مُغَلْطَايْ. قَالَ الْقَيْرَوَانِيُّ: وَلَا فَرْقَ فِي حُكْمِ الْعِبَارَةِ بَيْنَ رُؤْيَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَكَذَا رُؤْيَا النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ نَحْوَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي التَّفَاوُتِ، وَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ أَيْضًا فِي مَرَاتِبِ الصِّدْقِ. وذكر في الباب حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ وَفِيهِ: فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ فِي بَابِ مَنْ رَأَى قَوْمًا فَقَالَ عِنْدَهُمْ أَيْ مِنَ الْقَائِلَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِزَمَنِهِ زَمَنُ إِمَارَتِهِ عَلَى الشَّامِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَعَرُّضَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِلَافَةِ وَلَا نَفْيِهَا بَلْ فِيهِ إِخْبَارٌ بِمَا سَيَكُونُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ مُعَاوِيَةُ خَلِيفَةً لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةٌ لِحَدِيثِ: الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ وَمَنْ بَعْدَهُ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُلُوكِ وَلَوْ سُمُّوا خُلَفَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٣ - بَاب رُؤْيَا النِّسَاءِ ٧٠٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً قَالَتْ: فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالت: فَقُلْتُ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَتى يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا هُوَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، ووَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَاذَا يُفْعَلُ بِي؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا ٧٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ. قَالَتْ: وَأَحْزَنَنِي فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ذَلِكَ عَمَلُهُ قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا النِّسَاءِ) تَقَدَّمَ كَلَامُ الْقَيْرَوَانِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ مَا لَيْسَتْ لَهُ أَهْلًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَكَذَا حُكْمُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ كَمَا أَنَّ رُؤْيَا الطِّفْلِ لِأَبَوَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنَةِ

стр. 7380

الصَّالِحَةِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ. وَذَكَرَ فِي البَابِ حَدِيثَ أُمِّ الْعَلَاءِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَرُؤْيَاهَا لَهُ الْعَيْنَ الْجَارِيَةَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجَنَائِزِ، وَذَكَرَ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الْهِجْرَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ هُنَا فَوَجِعَ أَيْ مَرِضَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الْوَاوِ. ١٤ - بَاب الْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ٧٠٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفُرْسَانِهِ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ الْحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا حَلَمَ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) هَكَذَا تَرْجَمَ لِبَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا، وَالْحُلْمُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَقَدْ تُضَمُّ - مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ غَيْرَ السُّكُونِ، يُقَالُ: حَلَمَ بِفَتْحِ اللَّامِ يَحْلُمُ بِضَمِّهَا، وَأَمَّا مِنَ الْحِلْمِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ فَيُقَالُ: حَلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ وَجَمْعِ الْحُلْمِ بِالضَّمِّ وَالْحِلْمِ بِالْكَسْرِ أَحْلَامٌ. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ وَإِضَافَةُ الْحُلْمِ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُنَاسِبُ صِفَتَهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّهْوِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ فَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ بِخَلْقِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ، كَمَا أَنَّ الْجَمِيعَ عِبَادُ اللَّهِ وَلَوْ كَانُوا عُصَاةً كَمَا قَالَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ١٥ - بَاب اللَّبَنِ ٧٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي - يَعْنِي عُمَرَ - قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ قَوْلُهُ: (بَابُ اللَّبَنِ) أَيْ إِذَا رُئِيَ فِي الْمَنَامِ بِمَاذَا يُعَبَّرُ؟ قَالَ الْمُهَلَّبُ: يَدُلُّ عَلَى الْفِطْرَةِ وَالسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ. قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ تَأْوِيلُهُ بِالْفِطْرَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: اللَّبَنُ فِي الْمَنَامِ فِطْرَةٌ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَهُوَ الْفِطْرَةُ، وَمَضَى فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَخَذَ قَدَحَ اللَّبَنِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ. وَذَكَرَ الدَّيْنَوَرِيُّ أَنَّ اللَّبَنَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ، وَأَنَّهُ لِشَارِبِهِ مَالٌ حَلَالٌ وَعِلْمٌ وَحِكْمَةٌ، قَالَ: وَلَبَنُ الْبَقَرِ خِصْبُ السَّنَةِ وَمَالٌ حَلَالٌ وَفِطْرَةٌ أَيْضًا، وَلَبَنُ الشَّاةِ مَالٌ وَسُرُورٌ وَصِحَّةُ جِسْمٍ، وَأَلْبَانُ الْوَحْشِ شَكٌّ فِي الدِّينِ، وَأَلْبَانُ السِّبَاعِ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، إِلَّا أَنَّ لَبَنَ اللَّبْوَةِ مَالٌ مَعَ عَدَاوَةٍ لِذِي أَمْرٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ

стр. 7381

أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ وَفِي فَضْلِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدَانَ، وَالْمَوْجُودُ فِي الصَّحِيحِ بِالْعَكْسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَحَمْزَةُ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ هُوَ وَلَدُهُ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ يَنْبَغِي - عَلَى طَرِيقَتِهِ - أَنْ يُخَرِّجَهُ عَنْ غَيْرِهِ لَوْ وَجَدَهُ. قُلْتُ: بَلْ وَجَدَهُ وَأَخْرَجَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ أَخِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِمَا، وَإِشَارَتُهُ إِلَى أَنَّ طَرِيقَةَ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُخَرِّجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقَيْنِ فَصَاعِدًا - إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ - فِي مَقَامِ الْمَنْعِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظَافِيرِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ أَظَافِيرِي، وَفِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ أَطْرَافِي وَهَذِهِ الرُّؤْيَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَشَرِبْتُ حَتَّى رَأَيْتُهُ يَجْرِي فِي عُرُوقِي بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي يَعْنِي عُمَرَ) كَذَا فِي الْأَصْلِ كَأَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ شَكَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ بِالْجَزْمِ وَلَفْظُهُ: فَأَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَأَعْطَيْتُهَا عُمَرَ. قَوْلُهُ: (قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ) فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ثُمَّ نَاوَلَ فَضْلَهُ عُمَرَ، قَالَ مَا أَوَّلْتَهُ؟ وَظَاهِرُهُ أَنَّ السَّائِلَ عُمَرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمْ أَوِّلُوهَا، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا عِلْمٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ فَمَلَأَكَ مِنْهُ، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَأَعْطَيْتَهَا عُمَرَ، قَالَ: أَصَبْتُمْ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ هَذَا وَقَعَ أَوَّلًا ثُمَّ احْتَمَلَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي تَأْوِيلِهَا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَبَعْضُهُ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اللَّبَنُ رِزْقٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ طَيِّبًا بَيْنَ أَخْبَاثٍ مِنْ دَمٍ وَفَرْثٍ كَالْعِلْمِ نُورٌ يُظْهِرُهُ اللَّهُ فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْمَنَامِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الَّذِي خَلَّصَ اللَّبَنَ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ بَيْنِ شَكٍّ وَجَهْلٍ وَيَحْفَظَ الْعَمَلَ عَنْ غَفْلَةٍ وَزَلَلٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: لَكِنِ اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ قَدْ يَقَعُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ. وقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: تَأَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ اعْتِبَارًا بِمَا بُيِّنَ لَهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ حِينَ أُتِيَ بِقَدَحِ خَمْرٍ وَقَدَحِ لَبَنٍ فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ قَصِّ الْكَبِيرِ رُؤْيَاهُ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَإِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ وَاخْتِبَارُ أَصْحَابِهِ فِي تَأْوِيلِهَا، وَأَنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَرُدَّ الطَّالِبُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى مُعَلِّمِهِ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْهُمْ أَنْ يُعَبِّرُوهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ تَعْبِيرِهَا، فَفَهِمُوا مُرَادَهُ فَسَأَلُوهُ فَأَفَادَهُمْ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ هَذَا الْأَدَبُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ عِلْمَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّهِ لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ دَرَجَتَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ شَرِبَ حَتَّى رَأَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَطْرَافِهِ، وَأَمَّا إِعْطَاؤُهُ فَضْلَهُ عُمَرَ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا حَصَلَ لِعُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ بِحَيْثُ كَانَ لَا يَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، قَالَ: وَهَذِهِ أُوِّلَتْ عَلَى الْمَاضِي، فَإِنَّ رُؤْيَاهُ هَذِهِ تَمْثِيلٌ بِأَمْرٍ قَدْ وَقَعَ؛ لِأَنَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ مِنَ الْعِلْمِ كَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ وَكَذَلِكَ أُعْطِيَهُ عُمَرُ، فَكَانَتْ فَائِدَةُ هَذِهِ الرُّؤْيَا تَعْرِيفَ قَدْرِ النِّسْبَةِ بَيْنَ مَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَمَا أُعْطِيَهُ عُمَرُ. ١٦ - بَاب إِذَا جَرَى اللَّبَنُ فِي أَطْرَافِهِ أَوْ أَظَافِيرِهِ ٧٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي

стр. 7382

حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَطْرَافِي، فَأَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا جَرَى اللَّبَنُ فِي أَطْرَافِهِ أَوْ أَظَافِيرِهِ) يَعْنِي فِي الْمَنَامِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِيهِ. ١٧ - بَاب الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ ٧٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي إبراهيم، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يجتره يَجُرُّهُ. قَالُوا: مَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْقُمُصِ بِضَمَّتَيْنِ بِالْجَمْعِ، وَكِلَاهُمَا فِي الْخَبَرِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيْ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَعْلَى مِنْ هَذَا، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ. قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ النَّاسَ) هُوَ مِنَ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: يُعْرَضُونَ: حَالٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَا الْعِلْمِيَّةِ، وَيُعْرَضُونَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ وَالنَّاسَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ. قَوْلُهُ: (يُعْرَضُونَ) تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَفِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ الْآتِيَةِ بَعْدُ عُرِضُوا. قَوْلُهُ: (مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْقَمِيصَ قَصِيرٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنَ الْحَلْقِ إِلَى نَحْوِ السُّرَّةِ بَلْ فَوْقَهَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَكُونُ أَطْوَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ فَيَكُونَ أَقْصَرَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى سُرَّتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى رُكْبَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَوْلُهُ: (قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ يَجْتَرُّهُ. قَوْلُهُ: (قَالُوا مَا أَوَّلْتَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَّلْتَ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ بِلَفْظِ: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، الْحَكِيمِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ الدِّينَ) بِالنَّصْبِ وَالتَّقْدِيرُ أَوَّلْتُ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَكِيمِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ عَلَى الْإِيمَانِ. ١٨ - بَاب جَرِّ الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ ٧٠٠٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ،

стр. 7383

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ". قَوْلُهُ: (بَابُ جَرِّ الْقَمِيصِ فِي الْمَنَامِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ صَحَابِيِّ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، قَالُوا: وَجْهُ تَعْبِيرِ الْقَمِيصِ بِالدِّينِ أَنَّ الْقَمِيصَ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينُ يَسْتُرُهَا فِي الْآخِرَةِ وَيَحْجُبُهَا عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الْآيَةَ. وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْفَضْلِ وَالْعَفَافِ بِالْقَمِيصِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لِعُثْمَانَ: إِنَّ اللَّهَ سَيُلْبِسُكَ قَمِيصًا فَلَا تَخْلَعْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ يُعْبَرُ بِالدِّينِ وَأَنَّ طُولَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ آثَارِ صَاحِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الدِّينِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الدِّينِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَبِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ مَا يُحْمَدُ فِي الْمَنَامِ وَيُذَمُّ فِي الْيَقَظَةِ شَرْعًا أَعْنِي جَرَّ الْقَمِيصِ، لِمَا ثَبَتَ مِنَ الْوَعِيدِ فِي تَطْوِيله، وَمِثْلُهُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَيْدِ وَعَكْسُ هَذَا مَا يُذَمُّ فِي الْمَنَامِ وَيُحْمَدُ فِي الْيَقَظَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَسُؤَالِ الْعَالِمِ بِهَا عَنْ تَعْبِيرِهَا وَلَوْ كَانَ هُوَ الرَّائِي، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى الْفَاضِلِ بِمَا فِيهِ لِإِظْهَارِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ السَّامِعِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِالْمَدْحِ كَالْإِعْجَابِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِعُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَمَّا يُسْتَشْكَلُ مِنْ ظَاهِرِهِ وَإِيضَاحِ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَفْضَلِ مَنْ يَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا، وَالْأَعْمَالُ عَلَامَاتُ الثَّوَابِ، فَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ أَكْثَرَ فَدِينُهُ أَقْوَى، وَمَنْ كَانَ دِينُهُ أَقْوَى فَثَوَابُهُ أَكْثَرُ، وَمَنْ كَانَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ فَهُوَ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ عُمَرُ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِالْمَطْلُوبِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَب وبَكْرٍ لَمْ يُعْرَضْ فِي أُولَئِكَ النَّاسِ إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ عُرِضَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَضُ أَصْلًا، وَأَنَّهُ لَمَّا عُرِضَ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَطْوَلُ مِنْ قَمِيصِ عُمَرَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِرُّ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِهِ الِاكْتِفَاءَ بِمَا عُلِمَ مِنْ أَفْضَلِيَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذِكْرُهُ فَذَهِلَ عَنْهُ الرَّاوِي، وَعَلَى التَّنَزُّلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَمِيعِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصِّدِّيقِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا؛ فَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ، وَأَقْوَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَنْ لَا يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ عُرِضَ مَعَ الْمَذْكُورِينَ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْخَبَرِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ عُمَرَ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُمُ الْفَضْلُ الْبَالِغُ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُصَرِّحُ بِانْحِصَارِ ذَلِكَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا أَوَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدِّينِ لِأَنَّ الدِّينَ يَسْتُرُ عَوْرَةَ الْجَهْلِ كَمَا يَسْتُرُ الثَّوْبُ عَوْرَةَ الْبَدَنِ، قَالَ: وَأَمَّا غَيْرُ عُمَرَ فَالَّذِي كَانَ يَبْلُغُ الثُّدِيَّ هُوَ الَّذِي يَسْتُرُ قَلْبَهُ عَنِ الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ يَتَعَاطَى الْمَعَاصِيَ، وَالَّذِي كَانَ يَبْلُغُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَفَرْجُهُ بَادٍ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتُرْ رِجْلَيْهِ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالَّذِي يَسْتُرُ رِجْلَيْهِ هُوَ الَّذِي احْتَجَبَ بِالتَّقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَالَّذِي يَجُرُّ قَمِيصَهُ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَالِصِ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُلَخَّصُهُ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُؤْمِنُونَ لِتَأْوِيلِهِ الْقَمِيصَ بِالدِّينِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَلْ بَعْضُهَا، وَالْمُرَادَ بِالدِّينِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَالْحِرْصِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنَاهِي، وَكَانَ لِعُمَرَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الْعَالِي. قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَا يُرَى فِي الْقَمِيصِ مِنْ حُسْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْبَرُ بِدِينِ لَابِسِهِ، قَالَ: وَالنُّكْتَةُ فِي الْقَمِيصِ أَنَّ لَابِسَهُ إِذَا اخْتَارَ

стр. 7384

نَزْعَهُ وَإِذَا اخْتَارَ بَقَاءَهُ، فَلَمَّا أَلْبَسَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ لِبَاسَ الْإِيمَانِ وَاتَّصَفُوا بِهِ كَانَ الْكَامِلُ فِي ذَلِكَ سَابِغَ الثَّوْبِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَقَدْ يَكُونُ نَقْصُ الثَّوْبِ بِسَبَبِ نَقْصِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ نَقْصِ الْعَمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقَمِيصُ فِي الدُّنْيَا سَتْرُ عَوْرَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَذْمُومًا، وَفِي الْآخِرَةِ زِينَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ تَعْبِيرُهُ بِحَسَبِ هَيْئَتِهِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَمِنْ حُسْنٍ وَضِدِّهِ، فَمَهْمَا زَادَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ فَضْلِ لَابِسِهِ، وَيُنْسَبُ لِكُلٍّ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ دِينٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ حِلْمٍ أَوْ تَقَدُّمٍ فِي فِئَةٍ وَضِدُّهُ لِضِدِّهِ. ١٩ - بَاب الْخُضَرِ فِي الْمَنَامِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ ٧٠١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ - الْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ - فَقِيلَ: ارْقَهْ، فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى". قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُضْرِ فِي الْمَنَامِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ) الْخُضْرُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ أَخْضَرَ وَهُوَ اللَّوْنُ الْمَعْرُوفُ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ الْخُضْرَةُ بِسُكُونِ الضَّادِ وَفِي آخِرِهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ وَبَعْضِ الشُّرُوحِ. قَالَ الْقَيْرَوَانِيُّ: الرَّوْضَةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ نَبْتُهَا تُعْبَرُ بِالْإِسْلَامِ لِنَضَارَتِهَا وَحُسْنِ بَهْجَتِهَا، وَتُعْبَرُ أَيْضًا بِكُلِّ مَكَانٍ فَاضِلٍ، وَقَدْ تُعْبَرُ بِالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَرَمِيُّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ هُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) حَذْفُ قَالَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ فِي حَذْفِهَا خَطَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ قَيْسٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ دَالٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ لَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ وَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَهُ إِدْرَاكٌ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَوَهِمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ. قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ. قَوْلُهُ: (فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَوْلُهُ: (فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ الْإِسْرَائِيلِيُّ وَأَبُوهُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِ فِي مَنَاقِبِهِ مِنْ كِتَابِ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا، وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ

стр. 7385

وَالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - ابْنِ الْحُرِّ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - الْفَزَّارِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا قِصَّتَانِ اتَّفَقَتَا لِرَجُلَيْنِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُ كَمَا فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ: فَلَمَّا قَامَ ذَاهِبًا مَرَّ عَلَى الْحَلْقَةِ الَّتِي فِيهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ فَحَضَرَ ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ كَمَا فِي رِوَايَتِهِ، وَكُلٌّ مِنْ خَرَشَةَ وَقَيْسٍ اتَّبَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْجَوَابُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُ اجْتِمَاعِهِمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ اتَّحَدَ أَمْ تَعَدَّدَ. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ وَلَفْظُهُ ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا، وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْقَوْلَ لِلْجَمَاعَةِ وَالنَّاطِقُ بِهِ وَاحِدٌ لِرِضَاهُمْ بِهِ وَسُكُوتِهِمْ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَان يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ فَذَكَرَ اللَّفْظَ الْمَاضِيَ وَفِيهِ: فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَعِنْدَهُ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قُلْتُ: زَعَمَ هَؤُلَاءِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ هَذَا فِي الْمَنَاقِبِ مُفَصَّلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّا قَالُوا ذَلِكَ فَذَكَرَ الْمَنَامَ، وَهَذَا يُقَوِّي احْتِمَالَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الْجَزْمَ وَلَمْ يُنْكِرْ أَصْلَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُرَاقِبِ الْخَائِفِ الْمُتَوَاضِعِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الْجَنَّةُ لِلَّهِ يُدْخِلُهَا مَنْ يَشَاءُ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ الْعَمُودَ كَانَ فِي وَسَطِ الرَّوْضَةِ، وَلَمْ يَصِفِ الرَّوْضَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّوْضَةِ جَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَبِالْعَمُودِ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ، وَبِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْإِيمَانُ. قَوْلُهُ: (فَنُصِبَ فِيهَا) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَبَضْتُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ تَاءُ الْمُتَكَلِّمِ. قَوْلُهُ: (وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: وَفِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ وَفِي رِوَايَتِهِ فِي الْمَنَاقِبِ وَوَسَطُهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَفِي رَأْسِهَا لِلْعَمُودِ وَالْعَمُودُ مُذَكَّرٌ وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الدِّعَامَةِ. قَوْلُهُ: (وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْمَنَاقِبِ. قَوْلُهُ: (وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ) هَذَا مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ سِيرِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفُ وَوَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ. قَوْلُهُ: (فَرَقِيتُ) بِكَسْرِ الْقَافِ عَلَى الْأَفْصَحِ (فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمَنَاقِبِ فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَاسْتَمْسَكْتُ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ: حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ فَقَالَ لِي: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي وَهُوَ بِزَايٍ وَجِيمٍ أَيْ رَفَعَنِي فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، ثُمَّ ضُرِبَ الْعَمُودُ فَخَرَّ وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ. وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ

стр. 7386

أَيْضًا زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِ الْمَنَامِ وَلَفْظُهُ: إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَإِذَا أَنَا بِجَوَادٍّ بِجِيمٍ وَدَالٍ مُشَدَّدَةٍ جَمْعُ جَادَّةٍ وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكَةُ عَنْ شِمَالِي. قَالَ: فَأَخَذْتُ لَآخُذَ فِيهَا أَيْ أَسِيرَ فَقَالَ: لَا تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ عَرَضَ لِي طَرِيقٌ عَنْ شِمَالِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا. رَجَعَ إِلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: وَإِذَا مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي فَقَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ جَبَلًا زَلَقًا فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي فَإِذَا أَنَا فِي ذِرْوَتِهِ، فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ، وَإِذَا عَمُودٌ حَدِيدٌ فِي ذِرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ، فَاسْتَمْسَكْتُ، قَالَ: فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ. قَوْلُهُ: (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ رَأَيْتُ خَيْرًا، أَمَّا الْمَنْهَجُ فَالْمَحْشَرُ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَالطُّرُقُ الَّتِي عَنْ يَمِينِكَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ طُرُقُ أَهْلِ النَّارِ وَطُرُقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ اتَّفَقَا وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، زَادَ مُسْلِمٌ وَلَنْ تَنَالَهُ وَأَمَّا الْعَمُودُ إِلَى آخِرِهِ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي آخِرِهِ فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَفِيهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مَعْرِفَةُ اخْتِلَافِ الطُّرُقِ وَتَأْوِيلٌ لِلْعَمُودِ وَالْجَبَلِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ وَالْعُرْوَةِ، وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ لَا يَمُوتُ شَهِيدًا فَوَقَعَ كَذَلِكَ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا قَالُوا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، كَذَا قَالَ وَالَّذِي أَوْرَدْتُهُ مِنْ طُرُقِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا ذَكَرَ طَرِيقَ الشِّمَالِ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا قَالَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَرَاهَةَ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ خَشْيَةَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٠ - بَاب كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ ٧٠١١ - حَدَّثَني عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ: إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ. ٢١ - بَاب ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِي الْمَنَامِ ٧٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ: رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ

стр. 7387

لَهُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ، ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ قَوْلُهُ: (بَابُ كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ) وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: (بَابُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِي الْمَنَامِ) ذَكَرَ فِيهِمَا حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَسَاقَهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي الثَّانِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَأَعَادَ فِيهَا صُورَةَ الْمَنَامِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ أُرِيتُكِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ، ثُمَّ قَالَ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ وَقَالَ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ اكْشِفْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَاكْشِفْهَا وَالضَّمِيرُ لِقَوْلِهِ: امْرَأَتُكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ بِنَحْوِ سِيَاقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ. وَيَجْمَعُ هَذَا الِاخْتِلَافَ أَنَّ نِسْبَةَ الْكَشْفِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِهِ وَأَنَّ الَّذِي بَاشَرَ الْكَشْفَ هُوَ الْمَلَكُ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَنَامُ: ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ جَازِمِينَ بِمَرَّتَيْنِ، وَمِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِالشَّكِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ هِشَامٍ فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْمُحَقَّقِ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَرَّتَيْنِ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمُفَسَّرَةِ، وَحُذِفَ لَفْظُ ثَلَاثٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا هِيَ أَنْتِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ رَآهَا فِي النَّوْمِ كَمَا رَآهَا فِي الْيَقَظَةِ، فَكَانَتِ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَا لَا غَيْرَهَا، وَقَدْ بَيَّنَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ الْمُرَادَ وَلَفْظُهُ: أُتِيتُ بِجَارِيَةٍ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ فَكَشَفْتُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ حَيْثُ جَوَّزُوا أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَالَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّرَقَةِ وَضَبْطُهَا، وَأَنَّ الْمَلَكَ الْمَذْكُورَ هُوَ جِبْرِيلُ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَذَكَرْتُ احْتِمَالًا عَنْ عِيَاضٍ فِي قَوْلِهِ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ثُمَّ وَجَدْتَهَ أَخَذَ أَكْثَرَهَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ. وَمُحَمَّدٌ فِي السَّنَدِ الثَّانِي جَزَمَ السَّرَخْسِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْهُ أَنَّهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَكَلَامُ الْكَلَابَاذِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ ابْنُ سَلَامٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رُؤْيَا الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ يَخْتَلِفُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّائِي حَقِيقَةً بِمَنْ يَرَاهَا أَوْ شَبَهِهَا، وَمِنْهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى حُصُولِ دُنْيَا أَوْ مَنْزِلَةٍ فِيهَا أَوْ سَعَةٍ فِي الرِّزْقِ، وَهَذَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُعَبِّرِينَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَدُلُّ الْمَرْأَةُ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا فِي الرُّؤْيَا عَلَى فِتْنَةٍ تَحْصُلُ لِلرَّائِي. وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَيَدُلُّ اتِّخَاذُهَا لِلنِّسَاءِ فِي الْمَنَامِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَلَى الْعَزَاءِ وَعَلَى الْغِنَى وَعَلَى زِيَادَةٍ فِي الْبَدَنِ، قَالُوا: وَالْمَلْبُوسُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جِسْمِ لَابِسِهِ لِكَوْنِهِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا وَاللِّبَاسُ فِي الْعُرْفِ دَالٌّ عَلَى أَقْدَارِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ. ٢٢ - بَاب الْمَفَاتِيحِ فِي الْيَدِ ٧٠١٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

стр. 7388

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَفَاتِيحِ فِي الْيَدِ) أَيْ إِذَا رُئِيَتْ فِي الْمَنَامِ، قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْمِفْتَاحُ مَالٌ وَعِزٌّ وَسُلْطَانٌ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ فَتَحَ بَابًا بِمِفْتَاحٍ فَإِنَّهُ يَظْفَرُ بِحَاجَتِهِ بِمَعُونَةِ مَنْ لَهُ بَأْسٌ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ بِيَدِهِ مَفَاتِيحَ فَإِنَّهُ يُصِيبُ سُلْطَانًا عَظِيمًا. وذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي بَابِ رُؤْيَا اللَّيْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفِيهِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ. قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ اسْمُهُ، وَالْقَائِلُ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا عِنْدَ كَرِيمَةَ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ ثَبَتَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا مِنْ طَرِيقِهِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَأْخُذَ كَلَامَهُ فَيَنْسُبُهُ لِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا رَأَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ ظَنَّ أَنَّهُ الْبُخَارِيُّ فَأَرَادَ تَعْظِيمَهُ فَكَنَّاهُ فَأَخْطَأَ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الزُّهْرِيُّ وَلَيْسَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بَلْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٣ - بَاب التَّعْلِيقِ بِالْعُرْوَةِ وَالْحَلْقَةِ ٧٠١٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، ح وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ، فِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ، قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي وَصِيفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ، فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ بِهَا، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ العُرْوَةُ الْوُثْقَى، لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعْلِيقِ بِالْعُرْوَةِ وَالْحَلْقَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْحَلْقَةُ وَالْعُرْوَةُ الْمَجْهُولَةُ تَدُلُّ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا عَلَى قُوَّتِهِ فِي دِينِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهِ. ٢٤ - باب عمود الفسطاط تحت وسادته قَوْلُهُ: (بَابُ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ) الْعَمُودُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ أَعْمِدَةٌ وَعُمُدٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَبِفَتْحَتَيْنِ مَا تُرْفَعُ بِهِ الْأَخْبِيَةُ مِنَ الْخَشَبِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يُرْفَعُ بِهِ الْبُيُوتُ مِنْ حِجَارَةٍ كَالرُّخَامِ وَالصَّوَّانِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِهِ، وَعَمُودُ الصُّبْحِ ابْتِدَاءُ ضَوْئِهِ، وَالْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مُكَرَّرَةً، وَقَدْ تُبْدَلُ الْأَخِيرَةُ سِينًا مُهْمَلَةً، وَقَدْ تُبْدَلُ التَّاءُ طَاءً مُثَنَّاةً فِيهِمَا وَفِي أَحَدِهِمَا، وَقَدْ تُدْغَمُ التَّاءُ الْأُولَى فِي السِّينِ وَبِالسِّينِ
следующие страницы →