Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7384–7423 · переход к 7389.
стр. 7384
نَزْعَهُ وَإِذَا اخْتَارَ بَقَاءَهُ، فَلَمَّا أَلْبَسَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ لِبَاسَ الْإِيمَانِ وَاتَّصَفُوا بِهِ كَانَ الْكَامِلُ فِي ذَلِكَ سَابِغَ الثَّوْبِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَقَدْ يَكُونُ نَقْصُ الثَّوْبِ بِسَبَبِ نَقْصِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ نَقْصِ الْعَمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقَمِيصُ فِي الدُّنْيَا سَتْرُ عَوْرَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَذْمُومًا، وَفِي الْآخِرَةِ زِينَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ تَعْبِيرُهُ بِحَسَبِ هَيْئَتِهِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَمِنْ حُسْنٍ وَضِدِّهِ، فَمَهْمَا زَادَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ فَضْلِ لَابِسِهِ، وَيُنْسَبُ لِكُلٍّ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ دِينٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ حِلْمٍ أَوْ تَقَدُّمٍ فِي فِئَةٍ وَضِدُّهُ لِضِدِّهِ.
١٩ - بَاب الْخُضَرِ فِي الْمَنَامِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ
٧٠١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ - الْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ - فَقِيلَ: ارْقَهْ، فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى".
قَوْلُهُ: (بَابُ الْخُضْرِ فِي الْمَنَامِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ) الْخُضْرُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ أَخْضَرَ وَهُوَ اللَّوْنُ الْمَعْرُوفُ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ الْخُضْرَةُ بِسُكُونِ الضَّادِ وَفِي آخِرِهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ وَبَعْضِ الشُّرُوحِ.
قَالَ الْقَيْرَوَانِيُّ: الرَّوْضَةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ نَبْتُهَا تُعْبَرُ بِالْإِسْلَامِ لِنَضَارَتِهَا وَحُسْنِ بَهْجَتِهَا، وَتُعْبَرُ أَيْضًا بِكُلِّ مَكَانٍ فَاضِلٍ، وَقَدْ تُعْبَرُ بِالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَرَمِيُّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ هُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) حَذْفُ قَالَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ فِي حَذْفِهَا خَطَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ قَيْسٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ دَالٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ لَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ وَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَهُ إِدْرَاكٌ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَوَهِمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ الْإِسْرَائِيلِيُّ وَأَبُوهُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِ فِي مَنَاقِبِهِ مِنْ كِتَابِ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا، وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ
стр. 7385
وَالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - ابْنِ الْحُرِّ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - الْفَزَّارِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا قِصَّتَانِ اتَّفَقَتَا لِرَجُلَيْنِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُ كَمَا فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ: فَلَمَّا قَامَ ذَاهِبًا مَرَّ عَلَى الْحَلْقَةِ الَّتِي فِيهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ فَحَضَرَ ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ كَمَا فِي رِوَايَتِهِ، وَكُلٌّ مِنْ خَرَشَةَ وَقَيْسٍ اتَّبَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْجَوَابُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُ اجْتِمَاعِهِمَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ اتَّحَدَ أَمْ تَعَدَّدَ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ وَلَفْظُهُ ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا، وَكَأَنَّهُ نَسَبَ الْقَوْلَ لِلْجَمَاعَةِ وَالنَّاطِقُ بِهِ وَاحِدٌ لِرِضَاهُمْ بِهِ وَسُكُوتِهِمْ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَان يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ فَذَكَرَ اللَّفْظَ الْمَاضِيَ وَفِيهِ: فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَعِنْدَهُ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قُلْتُ: زَعَمَ هَؤُلَاءِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ هَذَا فِي الْمَنَاقِبِ مُفَصَّلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّا قَالُوا ذَلِكَ فَذَكَرَ الْمَنَامَ، وَهَذَا يُقَوِّي احْتِمَالَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الْجَزْمَ وَلَمْ يُنْكِرْ أَصْلَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُرَاقِبِ الْخَائِفِ الْمُتَوَاضِعِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الْجَنَّةُ لِلَّهِ يُدْخِلُهَا مَنْ يَشَاءُ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ الْعَمُودَ كَانَ فِي وَسَطِ الرَّوْضَةِ، وَلَمْ يَصِفِ الرَّوْضَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّوْضَةِ جَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَبِالْعَمُودِ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ، وَبِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الْإِيمَانُ.
قَوْلُهُ: (فَنُصِبَ فِيهَا) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَبَضْتُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ تَاءُ الْمُتَكَلِّمِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: وَفِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ وَفِي رِوَايَتِهِ فِي الْمَنَاقِبِ وَوَسَطُهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَفِي رَأْسِهَا لِلْعَمُودِ وَالْعَمُودُ مُذَكَّرٌ وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الدِّعَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ) هَذَا مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ سِيرِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفُ وَوَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَقِيتُ) بِكَسْرِ الْقَافِ عَلَى الْأَفْصَحِ (فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمَنَاقِبِ فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَاسْتَمْسَكْتُ فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ: حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ فَقَالَ لِي: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي وَهُوَ بِزَايٍ وَجِيمٍ أَيْ رَفَعَنِي فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، ثُمَّ ضُرِبَ الْعَمُودُ فَخَرَّ وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ.
وَفِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ
стр. 7386
أَيْضًا زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِ الْمَنَامِ وَلَفْظُهُ: إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَإِذَا أَنَا بِجَوَادٍّ بِجِيمٍ وَدَالٍ مُشَدَّدَةٍ جَمْعُ جَادَّةٍ وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكَةُ عَنْ شِمَالِي. قَالَ: فَأَخَذْتُ لَآخُذَ فِيهَا أَيْ أَسِيرَ فَقَالَ: لَا تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ عَرَضَ لِي طَرِيقٌ عَنْ شِمَالِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا. رَجَعَ إِلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: وَإِذَا مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي فَقَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا.
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ جَبَلًا زَلَقًا فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي فَإِذَا أَنَا فِي ذِرْوَتِهِ، فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ، وَإِذَا عَمُودٌ حَدِيدٌ فِي ذِرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسِكْ، فَاسْتَمْسَكْتُ، قَالَ: فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ خَرَشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ رَأَيْتُ خَيْرًا، أَمَّا الْمَنْهَجُ فَالْمَحْشَرُ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَالطُّرُقُ الَّتِي عَنْ يَمِينِكَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ طُرُقُ أَهْلِ النَّارِ وَطُرُقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ اتَّفَقَا وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، زَادَ مُسْلِمٌ وَلَنْ تَنَالَهُ وَأَمَّا الْعَمُودُ إِلَى آخِرِهِ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي آخِرِهِ فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَفِيهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مَعْرِفَةُ اخْتِلَافِ الطُّرُقِ وَتَأْوِيلٌ لِلْعَمُودِ وَالْجَبَلِ وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ وَالْعُرْوَةِ، وَفِيهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ لَا يَمُوتُ شَهِيدًا فَوَقَعَ كَذَلِكَ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا قَالُوا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، كَذَا قَالَ وَالَّذِي أَوْرَدْتُهُ مِنْ طُرُقِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا ذَكَرَ طَرِيقَ الشِّمَالِ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا قَالَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَرَاهَةَ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ خَشْيَةَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٠ - بَاب كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ
٧٠١١ - حَدَّثَني عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ: إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ.
٢١ - بَاب ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِي الْمَنَامِ
٧٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ: رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ
стр. 7387
لَهُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ، ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ
قَوْلُهُ: (بَابُ كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ) وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ:
(بَابُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِي الْمَنَامِ) ذَكَرَ فِيهِمَا حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَسَاقَهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي الثَّانِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَأَعَادَ فِيهَا صُورَةَ الْمَنَامِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ أُرِيتُكِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ، ثُمَّ قَالَ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ وَقَالَ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ اكْشِفْ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَاكْشِفْهَا وَالضَّمِيرُ لِقَوْلِهِ: امْرَأَتُكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ بِنَحْوِ سِيَاقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ.
وَيَجْمَعُ هَذَا الِاخْتِلَافَ أَنَّ نِسْبَةَ الْكَشْفِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِهِ وَأَنَّ الَّذِي بَاشَرَ الْكَشْفَ هُوَ الْمَلَكُ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمَنَامُ: ثَلَاثُ لَيَالٍ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ جَازِمِينَ بِمَرَّتَيْنِ، وَمِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِالشَّكِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ هِشَامٍ فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْمُحَقَّقِ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَرَّتَيْنِ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمُفَسَّرَةِ، وَحُذِفَ لَفْظُ ثَلَاثٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا هِيَ أَنْتِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ رَآهَا فِي النَّوْمِ كَمَا رَآهَا فِي الْيَقَظَةِ، فَكَانَتِ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَا لَا غَيْرَهَا، وَقَدْ بَيَّنَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ الْمُرَادَ وَلَفْظُهُ: أُتِيتُ بِجَارِيَةٍ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ فَكَشَفْتُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ حَيْثُ جَوَّزُوا أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَالَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّرَقَةِ وَضَبْطُهَا، وَأَنَّ الْمَلَكَ الْمَذْكُورَ هُوَ جِبْرِيلُ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَذَكَرْتُ احْتِمَالًا عَنْ عِيَاضٍ فِي قَوْلِهِ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ثُمَّ وَجَدْتَهَ أَخَذَ أَكْثَرَهَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ. وَمُحَمَّدٌ فِي السَّنَدِ الثَّانِي جَزَمَ السَّرَخْسِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْهُ أَنَّهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَكَلَامُ الْكَلَابَاذِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ ابْنُ سَلَامٍ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رُؤْيَا الْمَرْأَةِ فِي الْمَنَامِ يَخْتَلِفُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّائِي حَقِيقَةً بِمَنْ يَرَاهَا أَوْ شَبَهِهَا، وَمِنْهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى حُصُولِ دُنْيَا أَوْ مَنْزِلَةٍ فِيهَا أَوْ سَعَةٍ فِي الرِّزْقِ، وَهَذَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُعَبِّرِينَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَدُلُّ الْمَرْأَةُ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا فِي الرُّؤْيَا عَلَى فِتْنَةٍ تَحْصُلُ لِلرَّائِي.
وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَيَدُلُّ اتِّخَاذُهَا لِلنِّسَاءِ فِي الْمَنَامِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَلَى الْعَزَاءِ وَعَلَى الْغِنَى وَعَلَى زِيَادَةٍ فِي الْبَدَنِ، قَالُوا: وَالْمَلْبُوسُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جِسْمِ لَابِسِهِ لِكَوْنِهِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا وَاللِّبَاسُ فِي الْعُرْفِ دَالٌّ عَلَى أَقْدَارِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ.
٢٢ - بَاب الْمَفَاتِيحِ فِي الْيَدِ
٧٠١٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
стр. 7388
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَفَاتِيحِ فِي الْيَدِ) أَيْ إِذَا رُئِيَتْ فِي الْمَنَامِ، قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْمِفْتَاحُ مَالٌ وَعِزٌّ وَسُلْطَانٌ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ فَتَحَ بَابًا بِمِفْتَاحٍ فَإِنَّهُ يَظْفَرُ بِحَاجَتِهِ بِمَعُونَةِ مَنْ لَهُ بَأْسٌ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ بِيَدِهِ مَفَاتِيحَ فَإِنَّهُ يُصِيبُ سُلْطَانًا عَظِيمًا.
وذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي بَابِ رُؤْيَا اللَّيْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفِيهِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ اسْمُهُ، وَالْقَائِلُ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا عِنْدَ كَرِيمَةَ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ ثَبَتَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَقَدْ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا مِنْ طَرِيقِهِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَأْخُذَ كَلَامَهُ فَيَنْسُبُهُ لِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا رَأَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ ظَنَّ أَنَّهُ الْبُخَارِيُّ فَأَرَادَ تَعْظِيمَهُ فَكَنَّاهُ فَأَخْطَأَ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الزُّهْرِيُّ وَلَيْسَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بَلْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٣ - بَاب التَّعْلِيقِ بِالْعُرْوَةِ وَالْحَلْقَةِ
٧٠١٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، ح وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ، فِي أَعْلَى الْعَمُودِ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ، قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي وَصِيفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي فَرَقِيتُ، فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ بِهَا، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ العُرْوَةُ الْوُثْقَى، لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعْلِيقِ بِالْعُرْوَةِ وَالْحَلْقَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْحَلْقَةُ وَالْعُرْوَةُ الْمَجْهُولَةُ تَدُلُّ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا عَلَى قُوَّتِهِ فِي دِينِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهِ.
٢٤ - باب عمود الفسطاط تحت وسادته
قَوْلُهُ: (بَابُ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ) الْعَمُودُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ أَعْمِدَةٌ وَعُمُدٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَبِفَتْحَتَيْنِ مَا تُرْفَعُ بِهِ الْأَخْبِيَةُ مِنَ الْخَشَبِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يُرْفَعُ بِهِ الْبُيُوتُ مِنْ حِجَارَةٍ كَالرُّخَامِ وَالصَّوَّانِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِهِ، وَعَمُودُ الصُّبْحِ ابْتِدَاءُ ضَوْئِهِ، وَالْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مُكَرَّرَةً، وَقَدْ تُبْدَلُ الْأَخِيرَةُ سِينًا مُهْمَلَةً، وَقَدْ تُبْدَلُ التَّاءُ طَاءً مُثَنَّاةً فِيهِمَا وَفِي أَحَدِهِمَا، وَقَدْ تُدْغَمُ التَّاءُ الْأُولَى فِي السِّينِ وَبِالسِّينِ
стр. 7389
الْمُهْمَلَةِ فِي آخِرِهِ لُغَاتٌ تَبْلُغُ عَلَى هَذَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؛ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ مِنْهَا عَلَى سِتٍّ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ وَبِتَاءٍ بَدَلَ الطَّاءِ الْأُولَى وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا، وَقَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: إِنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَ وِسَادَتِهِ) عِنْدَ النَّسَفِيِّ عِنْدَ بَدَلَ تَحْتَ كَذَا لِلْجَمِيعِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَبَعْدَهُ عِنْدَهُمْ بَابُ الْإِسْتَبْرَقِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لَفْظُ: بَابٍ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ.
وَأَمَّا ابْنُ بَطَّالٍ فَجَمَعَ التَّرْجَمَتَيْنِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: بَابُ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِلَخْ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ بَابُ الْإِسْتَبْرَقِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ وَعَمُودِ الْفُسْطَاطِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ فَجَعَلَ التَّرْجَمَتَيْنِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ الْمُهَلَّبُ: السَّرَقَةُ الْكَلَّةُ وَهِيَ كَالْهَوْدَجِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَكَوْنُ عَمُودِهَا فِي يَدِ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَطُنُبُهَا الدِّينُ وَالْعِلْمُ وَالشَّرْعُ الَّذِي بِهِ يُرْزَقُ التَّمَكُّنَ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ يُعْبَرُ هُنَا بِالْحَرِيرِ عَنْ شَرَفِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ الْحَرِيرَ أَشْرَفُ مُلَابِسِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالدِّينِ أَشْرَفُ الْعُلُومِ، وَأَمَّا دُخُولُ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهَا فِي الْيَقَظَةِ لِأَنَّ فِي بَعْضِ وُجُوهِ الرُّؤْيَا وَجْهًا يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ كَمَا يَرَاهُ نَصًّا، وَيُعْبَرُ دُخُولُ الْجَنَّةِ أَيْضًا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَطَيَرَانُ السَّرَقَةِ قُوَّةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَسَأَلْتُ الْمُهَلَّبَ عَنْ تَرْجَمَةِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَمُودَ فُسْطَاطٍ وَلَا وِسَادَةً فَقَالَ: الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ السَّرَقَةَ شَيْئًا أَكْمَلَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَفِيهِ أَنَّ السَّرَقَةَ مَضْرُوبَةٌ فِي الْأَرْضِ عَلَى عَمُودٍ كَالْخِبَاءِ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَلَعَهَا مِنْ عَمُودِهَا فَوَضَعَهَا تَحْتَ وِسَادَتِهِ وَقَامَ هُوَ بِالسَّرَقَةِ فَأَمْسَكَهَا وَهِيَ كَالْهَوْدَجِ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فَلَا يُرِيدُ مَوْضِعًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِسَنَدِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي كِتَابِهِ كَثِيرًا كَمَا يُتَرْجِمُ بِالشَّيْءِ وَلَا يَذْكُرُهُ وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِلِينٍ فِي سَنَدِهِ، وَأَعْجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ عَنْ تَهْذِيبِ كِتَابِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ كَلَامَ الْمُهَلَّبِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ مَآخِذُ أَصْلُهَا إِدْخَالُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ مِنْهُ بَلْ لَهُ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ، وَأَشَدُّهَا تَفْسِيرُهُ السَّرَقَةَ بِالْكَلَّةِ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السَّرَقَةُ قِطْعَةٌ مِنْ حَرِيرٍ وَكَأَنَّهَا فَارِسِيَّةٌ، وَقَالَ الْفَارَابِيُّ: شُقَّةٌ مِنْ حَرِيرٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: قِطْعَةٌ مِنْ جَيِّدِ الْحَرِيرِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: بَيْضَاءَ، وَيَكْفِي فِي رَدِّ تَفْسِيرِهَا بِالْكَلَّةِ أَوِ الْهَوْدَجِ قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ وَتَخَيَّلَهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ لَا أَصْلَ لَهُ فَجَمِيعُ مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَقَلَّدَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فَذَكَرَ التَّرْجَمَةَ كَمَا تَرْجَمَ وَزَادَ عَلَيْهِ أَنْ قَالَ: رَوَى غَيْرُ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ - أَيْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - بِزِيَادَةِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ وَوَضَعَ ابْنُ عُمَرَ لَهُ تَحْتَ وِسَادَتِهِ وَلَكِنْ لَمْ تُوَافِقِ الزِّيَادَةُ شَرْطَهُ فَأَدْرَجَهَا فِي التَّرْجَمَةِ نَفْسِهَا، وَفَسَادُ مَا قَالَ يَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثٍ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي مَنَامِهِ عَمُودَ الْكِتَابِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ الْحَدِيثَ.
وَأَشْهَرُ طُرُقِهِ مَا أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ قَدْ عُهِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنُ فَالْأَمْنُ بِالشَّامِ، وَلَهُ طَرِيقٌ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ أَبِي قِلَابَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ: أَخَذُوا عَمُودَ الْكِتَابِ فَعَمَدُوا بِهِ إِلَى الشَّامِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ
стр. 7390
سُفْيَانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ، وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَهُ وَقَالَ: انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ هُوِيَ بِهِ فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، وَإِنِّي أَوَّلْتُ أَنَّ الْفِتَنَ إِذَا وَقَعَتْ أَنَّ الْأَمَانَ بِالشَّامِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَمُودًا أَبْيَضَ كَأَنَّهُ لِوَاءٌ تَحْمِلهُ الْمَلَائِكَةُ فَقُلْتُ: مَا تَحْمِلُونَ؟ قَالُوا: عَمُودَ الْكِتَابِ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَهُ بِالشَّامِ. قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ اخْتُلِسَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ تَخَلَّى عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ حَتَّى وُضِعَ بِالشَّامِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَنْ عُمَرَ عِنْدَ يَعْقُوبَ، وَالطَّبَرَانِيِّ كَذَلِكَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي فَوَائِدِ الْمُخْلِصِ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَدْ جَمَعَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِ دِمَشْقَ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ لِرُوَاتِهِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا عَلَى يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ فِي شَيْخِهِ هَلْ هُوَ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ أَوْ زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثِقَةٌ مِنْ شَرْطِهِ، فَلَعَلَّهُ كَتَبَ التَّرْجَمَةَ وَبَيَّضَ لِلْحَدِيثِ لِيَنْظُرَ فِيهِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ وَلَفْظُ الْخَبَرِ: فِي عَمُودِ الْكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ رَأَى عَمُودَ الْفُسْطَاطِ فِي مَنَامِهِ فَإِنَّهُ يُعْبَرُ بِنَحْوِ مَا وَقَعَ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعْبِيرِ قَالُوا: مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ عَمُودًا فَإِنَّهُ يُعْبَرُ بِالدِّينِ أَوْ بِرَجُلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَفَسَّرُوا الْعَمُودَ بِالدِّينِ وَالسُّلْطَانِ، وَأَمَّا الْفُسْطَاطُ فَقَالُوا مَنْ رَأَى أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَيْهِ فُسْطَاطٌ فَإِنَّهُ يَنَالُ سُلْطَانًا بِقَدْرِهِ أَوْ يُخَاصِمُ مَلِكًا فَيَظْفَرُ بِهِ.
٢٥ - بَاب الْإِسْتَبْرَقِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ
٧٠١٥ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ لَا أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ
٧٠١٦ - فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ، أَوْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِسْتَبْرَقِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْمَنَامِ) تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: سَرَقَةٍ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: قِطْعَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ كَمَا فِي تَرْجَمَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا كَرِوَايَةِ وُهَيْبٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّمَا فِي يَدِي قِطْعَةُ إِسْتَبْرَقٍ فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى رِوَايَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَهُوَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَتَمُّ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، وَإِسْمَاعِيلَ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ فَجَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَتَيْنِ فَقَالَ: سَرَقَةٌ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَقَوْلُهُ هُنَا لَا أُهْوِي بِهَا هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَهْوَى إِلَى الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ يُهْوِي بِالضَّمِّ أَيْ
стр. 7391
مَالَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: طَارَتْ بِي إِلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مُخْتَصَرًا. وَقَالَ فِيهِ: فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى رُؤْيَايَ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي أُبْهِمَتْ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ هِيَ رُؤْيَةُ السَّرَقَةِ مِنَ الْحَرِيرِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْأَخْذِ عَنِ الْيَمِينِ مِنْ كِتَابِ التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي رُؤْيَتِهِ النَّارَ وَفِيهِ: فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حَفْصَةَ قَصَّتْ رُؤْيَاهُ النَّارَ.
كَمَا أَنَّ رِوَايَةَ حَمَّادٍ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ حَفْصَةَ قَصَّتْ رُؤْيَاهُ السَّرَقَةَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ إِلَى رُؤْيَا السَّرَقَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إِحْدَى رُؤْيَايَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهَا قَصَّتْ رُؤْيَا السَّرَقَةِ أَوَّلًا ثُمَّ قَصَّتْ رُؤْيَا النَّارِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ قَصَّتْ إِحْدَى رُؤْيَايَ أَوَّلًا فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: إِحْدَى مَفْهُومٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ وَلَا أَزَالَ إِشْكَالَهُ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ إِنَّ أَخَاكَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَوْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ بِالْجَزْمِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِغَيْرِهِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَتَأْتِي، وَيُؤَيِّدُ ثُبُوتَهَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ: فَقَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ نِعْمَ الْفَتَى - أَوْ قَالَ نِعْمَ الرَّجُلُ - ابْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ إِذَا نِمْتُ لَمْ أَقُمْ حَتَّى أُصْبِحَ، قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُ وَأَصْلَهُ وَأَحَالَ بِالْمَتْنِ عَلَى رِوَايَةِ سَالِمٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَيِّدٍ لِتَغَايُرِهِمَا، وَأَخْرَجَهُ بِلَفْظِهِ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ بِهَذَا، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي بَابِ الْأَخْذِ عَنِ الْيَمِينِ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَعَلَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ نَافِعٍ أَوْ مِنْ سَالِمٍ، وَمَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ هَارُونَ الرُّويَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ كَثِيرَ الرُّقَادِ، وَفِيهِ أَيْضًا إِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي قَالَ لَهُ لَمْ تُرَعْ قَالَ لَهُ لَا تَدَعِ الصَّلَاةَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْلَا قِلَّةُ الصَّلَاةِ.
٢٦ - بَاب الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ
٧٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قال: سَمِعْتُ عَوْفًا قال:، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ - قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنْ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ
стр. 7392
فَلْيُصَلِّ. قَالَ: وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ الْقَيْدُ. وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. وَرَوَى قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ وَحَدِيثُ عَوْفٍ أَبْيَنُ. وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَا تَكُونُ الْأَغْلَالُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَيْدِ فِي الْمَنَامِ) أَيْ مَنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ مَا يَكُونُ تَعْبِيرُهُ؟ وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُعْبَرُ بِالثَّبَاتِ فِي الدِّينِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ، لَكِنَّ أَهْلَ التَّعْبِيرِ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ أُخْرَى كَمَا لَوْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَفَرَهُ أَوْ مَرَضَهُ يَطُولُ، وَكَذَا لَوْ رَأَى فِي الْقَيْدِ صِفَةً زَائِدَةً كَمَنْ رَأَى فِي رِجْلِهِ قَيْدًا مِنْ فِضَّةٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ فَإِنَّهُ لِأَمْرٍ يَكُونُ بِسَبَبِ مَالٍ يَتَطَلَّبُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صُفْرٍ فَإِنَّهُ لِأَمْرٍ مَكْرُوهٍ أَوْ مَالٍ فَاتَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَصَاصٍ فَإِنَّهُ لِأَمْرٍ فِيهِ وَهَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَبْلٍ فَلِأَمْرٍ فِي الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ فَلِأَمْرٍ فِيهِ نِفَاقٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَطَبٍ فَلِتُهْمَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ خَيْطٍ فَلِأَمْرٍ لَا يَدُومُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ الْعَطَّارُ بالْبَصْرى، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي بَابُ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَلِبَعْضِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ كَمَا هُنَا، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَفِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، ابْنُ الصَّبَّاحِ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ اللَّهِ هَذَا وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَخَا الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَعَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يكد رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَقْدِيمِ تَكْذِبُ عَلَى رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي قَوْلِهِ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ تَقَارُبَ زَمَانِ اللَّيْلِ وَزَمَانِ النَّهَارِ وَهُوَ وَقْتُ اسْتِوَائِهِمَا أَيَّامَ الرَّبِيعِ وَذَلِكَ وَقْتُ اعْتِدَالِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُعَبِّرُونَ يَقُولُونَ: أَصْدَقُ الرُّؤْيَا مَا كَانَ وَقْتَ اعْتِدَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِدْرَاكِ الثِّمَارِ، وَنَقَلَهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ، السِّجِسْتَانِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَالْمُعَبِّرُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ التَّعْبِيرِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَزْهَارِ وَإِدْرَاكِ الثِّمَارِ وَهُمَا الْوَقْتَانِ اللَّذَانِ يَعْتَدِلُ فِيهِمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أن اقْتِرَابَ الزَّمَانِ انْتِهَاءُ مُدَّتِهِ إِذَا دَنَا قِيَامُ السَّاعَةِ.
قُلْتُ: يُبْعِدُ الْأَوَّلُ التَّقْيِيدَ بِالْمُؤْمِنِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَعْتَدِلُ فِيهِ الطَّبَائِعُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّوَابُ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا.
قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى إِذَا اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقُبِضَ أَكْثَرُ الْعِلْمِ وَدَرَسَتْ مَعَالِمُ الدِّيَانَةِ بِالْهَرْجِ وَالْفِتْنَةِ فَكَانَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ الْفَتْرَةِ مُحْتَاجِينَ إِلَى مُذَكِّرٍ وَمُجَدِّدٍ لِمَا دَرَسَ مِنَ الدِّينِ كَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ تُذَكَّرُ بِالْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَصَارَ الزَّمَانُ الْمَذْكُورُ يُشْبِهُ زَمَانَ الْفَتْرَةِ عُوِّضُوا بِمَا مُنِعُوا مِنَ النُّبُوَّةِ بَعْدَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ الْآتِيَةِ بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: إِذَا قَرُبَ الزَّمَانُ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ وَجْهٍ
стр. 7393
آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُرْفَعُ الْعِلْمُ الْحَدِيثَ، وَالْمُرَادُ بِهِ اقْتِرَابُ السَّاعَةِ قَطْعًا.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ بِتَقَارُبِ الزَّمَانِ نَقْصُ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِالنَّقْصِ سُرْعَةُ مُرُورِهَا، وَذَلِكَ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمْعَةِ وَالْجُمْعَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَالسَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ، وَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالزَّمَانِ الْمَذْكُورِ زَمَانُ الْمَهْدِيِّ عِنْدَ بَسْطِ الْعَدْلِ وَكَثْرَةِ الْأَمْنِ وَبَسْطِ الْخَيْرِ وَالرِّزْقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ يُسْتَقْصَرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَتَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تَكَدْ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى غَلَبَةِ الصِّدْقِ عَلَى الرُّؤْيَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَصْدُقُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْكَذِبِ عَنْهَا أَصْلًا لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدَّاخِلَ عَلَى كَادَ يَنْفِي قُرْبَ حُصُولِهِ، وَالنَّافِي لِقُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ أَدَلُّ عَلَى نَفْيِهِ نَفْسَهُ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَالْمُرَادُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِآخِرِ الزَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زَمَانُ الطَّائِفَةِ الْبَاقِيَةِ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ، فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا نَصُّهُ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَكَانَ أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ أَحْسَنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَالًا بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَأَصْدَقَهُمْ أَقْوَالًا، فَكَانَتْ رُؤْيَاهُمْ لَا تَكْذِبُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَقِبَ هَذَا: وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ صِدْقُهُ تَنَوَّرَ قَلْبُهُ وَقَوِيَ إِدْرَاكُهُ فَانْتَقَشَتْ فِيهِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ الصِّدْقَ فِي يَقَظَتِهِ اسْتَصْحَبَ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا صِدْقًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْكَاذِبِ وَالْمُخَلِّطِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ وَيُظْلِمُ فَلَا يَرَى إِلَّا تَخْلِيطًا وَأَضْغَاثًا، وَقَدْ يَنْدُرُ الْمَنَامُ أَحْيَانًا فَيَرَى الصَّادِقُ مَا لَا يَصِحُّ وَيَرَى الْكَاذِبُ مَا يَصِحُّ، وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ الْأَكْثَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّؤْيَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ إِنْ صَدَرَتْ مِنْ مُسْلِمٍ صَادِقٍ صَالِحٍ ثَمَّ، وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ فَإِنَّهُ جَاءَ مُطْلَقًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَأَخْرَجَ الْكَافِرَ، وَجَاءَ مُقَيَّدًا بِالصَّالِحِ تَارَةً وَبِالصَّالِحَةِ وَبِالْحَسَنَةِ وَبِالصَّادِقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَالَ النَّبِيِّ فَيُكَرَّمُ بِمَا أُكْرِمَ بِهِ النَّبِيُّ وَهُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ وَالْكَاذِبُ وَالْمُخَلِّطُ وَإِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مِنَ الْوَحْيِ وَلَا مِنَ النُّبُوَّةِ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ مَا يَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ نُبُوَّةً، فَقَدْ يَقُولُ الْكَاهِنُ كَلِمَةَ حَقٍّ وَقَدْ يُحَدِّثُ الْمُنَجِّمُ فَيُصِيبُ لَكِنْ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى النُّدُورِ وَالْقِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: مَعْنَى كَوْنِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ تَكْذِبُ أَنَّهَا تَقَعُ غَالِبًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ فَلَا يَدْخُلُهَا الْكَذِبُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدْ يَخْفَى تَأْوِيلُهَا فَيَعْبُرُهَا الْعَابِرُ فَلَا تَقَعُ كَمَا قَالَ فَيَصْدُقُ دُخُولُ الْكَذِبِ فِيهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِآخِرِ الزَّمَانِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَكُونُ غَرِيبًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَيَقِلُّ أَنِيسُ الْمُؤْمِنِ وَمُعِينُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيُكَرَّمُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ.
قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا سَبَبُ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي عَدَدِ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ فَيُقَالُ: كُلَّمَا قَرُبَ الْأَمْرُ وَكَانَتِ الرُّؤْيَا أَصْدَقَ حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ عَدَدٍ وَرَدَ، وَعَكْسُهُ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَتَنْبَغِي الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ وَحَاصِلُ مَا اجْتَمَعَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ آخِرَ الزَّمَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِأُمُورِ الدِّيَانَةِ لَمَّا يَذْهَبُ غَالِبُهُ بِذَهَابِ غَالِبِ أَهْلِهِ وَتَعَذَّرَتِ النُّبُوَّةُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ
стр. 7394
عُوِّضُوا بِالْمَرْأَى الصَّادِقَةِ لِيُجَدَّدَ لَهُمْ مَا قَدْ دَرَسَ مِنَ الْعِلْمِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا يَقِلُّ عَدَدُهُمْ وَيَغْلِبُ الْكُفْرُ وَالْجَهْلُ وَالْفِسْقُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ يُؤْنَسُ الْمُؤْمِنُ وَيُعَانُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ إِكْرَامًا لَهُ وَتَسْلِيَةً وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلَّمَا قَرُبَ فَرَاغُ الدُّنْيَا وَأَخَذَ أَمْرُ الدِّينِ فِي الِاضْمِحْلَالِ تَكُونُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَصْدَقَ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِزَمَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ) الْحَدِيثَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ الْحَدِيثَ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ هَذَا الْقَدْرُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طرقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ إِيرَادِهِ هُنَا أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَلَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْمُرَادُ مِنَ النُّبُوَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ صِفَةُ الصِّدْقِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: هَذِهِ لِلْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِعَادَةِ قَوْلِهِ: قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: هَذَا ثُمَّ رَأَيْتُ فِي بُغْيَةِ النُّقَّادِ لِابْنِ الْمَوَّاقِ أَنَّ عَبْدَ الْحَقِّ أَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ وَأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي إِدْرَاجِهَا، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ وَلَيْسَتْ مَرْفُوعَةً.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَكَانَ يُقَالُ إِلَخْ.
قُلْتُ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَا ذَكَرَهَا عَبْدُ الْحَقِّ فِي جَمْعِهِ وَلَا الْحُمَيْدِيُّ وَلَا مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَوْفٍ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ وَالْمَسَانِيدِ، وَقَدْ تَقَلَّدَهُ عِيَاضٌ فَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: خَشِيَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَحَدَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا أَنَّهُ إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَصْدُقْ إِلَّا رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَقَالَ: وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ الْأُمَّةُ يَعْنِي رُؤْيَا هَذِهِ الْأُمَّةِ صَادِقَةٌ كُلُّهَا صَالِحِهَا وَفَاجِرِهَا لِيَكُونَ صِدْقُ رُؤْيَاهُمْ زَاجِرًا لَهُمْ وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ لِدُرُوسِ أَعْلَامِ الدِّينِ وَطُمُوسِ آثَارِهِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ وَظُهُورِ الْمُنْكَرِ انْتَهَى.
وَهَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ لَفْظَةُ الْأُمَّةِ وَلَمْ أَجِدْهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِنِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: هَذَا لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ.
قُلْتُ: وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: وَحَدِيثُ عَوْفٍ أَبْيَنُ أَيْ حَيْثُ فَصَلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ إِلَخْ) قَائِلُ قَالَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَبْهَمَ الْقَائِلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هَوْذَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَوْفٍ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ.
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَرُؤْيَا حَقٌّ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مَرْفُوعًا أَيْضًا بِلَفْظِ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَالْبَاقِي نَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (حَدِيثُ النَّفْسِ وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ) وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ رَفَعَهُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يُهِمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ الْحَصْرُ مُرَادًا مِنْ قَوْلِهِ: ثَلَاثٌ لِثُبُوتِ نَوْعٍ رَابِعٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَيْنِ سِوَى ذِكْرِ وَصْفِ الرُّؤْيَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَمَحْبُوبَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ وَسَيِّئَةٌ، وَبَقِيَ نَوْعٌ خَامِسٌ وَهُوَ تَلَاعُبُ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ
стр. 7395
قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتْبَعُهُ وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ خَرَجَ فَاشْتَدَدْتُ فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: لَا تُخْبِرْ بِتَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: إِذَا تَلَاعَبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُخْبِرْ بِهِ النَّاسَ. وَنَوْعٌ سَادِسٌ وَهُوَ رُؤْيَا مَا يَعْتَادُهُ الرَّائِي فِي الْيَقَظَةِ، كَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَأْكُلَ فِي وَقْتٍ فَنَامَ فِيهِ فَرَأَى أَنَّهُ يَأْكُلُ أَوْ بَاتَ طَافِحًا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ فَرَأَى أَنَّهُ يَتَقَيَّأُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. وَسَابِعٌ وَهُوَ الْأَضْغَاثُ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَوْذَةَ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبُهُ فَلْيَقُصَّهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَكَانَ يَقُولُ لَا تَقُصَّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ وَهَذَا وَرَدَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَلَا يَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَابِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ وَقَالَ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) كَذَا ثَبَتَ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي يُعْجِبُهُمْ وَالْإِفْرَادُ فِي يُكْرَهُ وَيَقُولُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَهْلِ التَّعْبِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَكَانَ يُقَالُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْغُلُّ يُعْبَرُ بِالْمَكْرُوهِ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَدْ يُعْبَرُ بِامْرَأَةٍ تُؤْذِي.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا أَحَبُّوا الْقَيْدَ لِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي قِسْمِ الْمَحْمُودِ فَقَالَ: قَيْدُ الْإِيمَانِ الْفَتْكُ، وَأَمَّا الْغُلُّ فَقَدْ كُرِهَ شَرْعًا فِي الْمَفْهُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ - ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ - ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وَإِنما جُعِلَ الْقَيْدُ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى الْبَاطِلِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا أَحَبَّ الْقَيْدَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الرِّجْلُ وَهُوَ كَفٌّ عَنِ الْمَعَاصِي وَالشَّرِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَبْغَضَ الْغُلَّ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْعُنُقُ وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ.
وَأَمَّا أَهْلُ التَّعْبِيرِ فَقَالُوا: إِنَّ الْقَيْدَ ثَبَاتٌ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَرَاهُ الرَّائِي بِحَسَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَقَالُوا إِنِ انْضَمَّ الْغُلُّ إِلَى الْقَيْدِ دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَكْرُوهِ، وَإِذَا جُعِلَ الْغُلُّ فِي الْيَدَيْنِ حَمِدَ لِأَنَّهُ كَفٌّ لَهُمَا عَنِ الشَّرِّ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْبُخْلِ بِحَسَبِ الْحَالِ. وَقَالُوا أَيْضًا: إِنْ رَأَى أَنَّ يَدَيْهِ مَغْلُولَتَانِ فَهُوَ بَخِيلٌ، وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ قَيْدٌ وَغُلٌّ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي سِجْنٍ أَوْ شِدَّةٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ الْغُلُّ فِي بَعْضِ الْمُرَائِي مَحْمُودًا كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَرَّ صُهَيْبٌ، بِأَبِي بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: رَأَيْتُ يَدَكَ مَغْلُولَةً عَلَى بَابِ أَبِي الْحَشْرِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: جَمَعَ لِي دَيْنِي إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ يُقَالُ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ لَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: وَكَانَ يُقَالُ إِلَى قَوْلِهِ: فِي الدِّينِ مَرْفُوعٌ كُلُّهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ سِيرِينَ وَفَاعِلُ كَانَ يُكْرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
قُلْتُ: أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِلرَّاوِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فَيَكُونُ اسْمُ كَانَ ضَمِيرًا لِابْنِ سِيرِينَ وَأَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ قَتَادَةُ، وَيُونُسُ، وَهِشَامٌ، وَأَبُو هِلَالٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) يَعْنِي أَصْلَ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا مِنْ قَوْلِهِ: وَكَانَ يُقَالُ فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ كُلُّهُ فِي الْحَدِيثِ) يَعْنِي جَعَلَهُ كُلَّهُ مَرْفُوعًا، وَالْمُرَادُ بِهِ رِوَايَةُ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ عَوْفٍ
стр. 7396
أَبْيَنُ) أَيْ حَيْثُ فَصَلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيحَهُ بِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِخِلَافِ مَا قَالَ فِيهِ وَكَانَ يُقَالُ فَإِنَّ فِيهَا الِاحْتِمَالَ بِخِلَافِ أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ عَوْفٍ عَلَى بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ هَوْذَةَ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، غَيْرَ أَنَّ أَيُّوبَ هُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ شَكَّ أَهُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ الظَّاهِرُ.
قُلْتُ: وَهُوَ حَصْرٌ مَرْدُودٌ، وَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ خَاصَّةً؛ فَإِنَّ مُسْلِمًا مَا أَخْرَجَ طَرِيقَ عَوْفٍ هَذِهِ وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ طَرِيقَ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَيُّوبَ شَكَّ أَنْ لَا يُعَوَّلَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَشُكَّ وَهُوَ قَتَادَةُ مَثَلًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُفَصَّلَةِ زِيَادَةٌ فَرُجِّحَتْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ) يَعْنِي أَنَّهُ شَكٌّ فِي رَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (لَا تَكُونُ الْأَغْلَالُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: قَدْ يَكُونُ الْغُلُّ فِي غَيْرِ الْعُنُقِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالْغُلُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَاحِدُ الْأَغْلَ لِ، قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُهُمُ الْغُلَّ عَلَى مَا تُرْبَطُ بِهِ الْيَدُ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: الْغُلُّ جَامِعَةٌ تُجْعَلُ فِي الْعُنُقِ أَوِ الْيَدِ وَالْجَمْعُ أَغْلَالٌ، وَيَدٌ مَغْلُولَةٌ جُعِلَتْ فِي الْغُلِّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كَذَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْكِرْمَانِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْيَدَ تُغَلُّ فِي الْعُنُقِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْبِيرِ عِبَارَةٌ عَنْ كَفِّهِمَا عَنِ الشَّرِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَنَامُ صُهَيْبٍ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَأَمَّا رِوَايَةُ قَتَادَةَ الْمُعَلَّقَةُ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ وَالتَّحْزِينُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ الرُّؤْيَا مَا يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ فَإِنَّ الْقَيْدَ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ.
وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ عَقِبَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ الَّتِي فِيهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ، قَالَ مُسْلِمٌ: فَأَدْرَجَ يَعْنِي هِشَامًا، عَنْ قَتَادَةَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ إِلَخْ وَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَا جُزْءٌ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، الْقَيْدُ فِي النَّوْمِ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: قَالَ وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو دَاوُدَ وَلَا التِّرْمِذِيُّ قَوْلَهُ: فَلَا أَدْرِي إِلَخْ.
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَنَحْوَ الثَّانِي ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُعْجِبُنِي الْقَيْدُ إِلَخْ، قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ إِلَخْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ حَدِيثَ الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ مَرْفُوعًا كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ هَذَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَكَانَ يَقُولُ يُعْجِبنِي الْقَيْدُ الْحَدِيثَ، وَبَعْدَهُ وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ الْحَدِيثَ وَبَعْدَهُ وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَقُصَّ الرُّؤْيَا إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا مَرْفُوعَةٌ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ فَأَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلَفٍ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
стр. 7397
عِيسَى الْخَزَّازُ بِمُعْجَمَاتٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَقَدْ رَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ الْبَزَّارُ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ لِعِزَّةِ مَا أَسْنَدَ يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخَرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ حَدِيثَ الْقَيْدِ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَلَكِنَّ الْهُذَلِيَّ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامٍ فَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ الْحَدِيثَ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الْحَدِيثَ، وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ الْحَدِيثَ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ الْحَدِيثَ، فَسَاقَ الْجَمِيعَ مَرْفُوعًا، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدٍ، وَهِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مَرْفُوعًا.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَالْمَتْنُ كُلُّهُ مَرْفُوعٌ إِلَّا ذِكْرَ الْقَيْدِ وَالْغُلِّ فَإِنَّهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، وَبَيَّنَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ هِشَامٍ قِصَّةَ الْقَيْدِ وَقَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَأَيُّوبَ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ قَالَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ مَوْقُوفًا وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّبَنُ فِي الْمَنَامِ الْفِطْرَةُ
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هِلَالٍ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلِيمٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَوْصُولَةً إِلَى الْآنَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ مُقَيَّدًا فِي الْمَنَامِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَعْتَمِدُ فِي تَعْبِيرِ الْقَيْدِ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ فَأُعْطِيَ هُوَ ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْقَيْدَ فِي الرِّجْلَيْنِ تَثْبِيتٌ لِلْمُقَيَّدِ فِي مَكَانِهِ فَإِذَا رَآهُ مَنْ هُوَ عَلَى حَالَةٍ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْغُلِّ فَلِأَنَّ مَحَلَّهُ الْأَعْنَاقُ نَكَالًا وَعُقُوبَةً وَقَهْرًا وَإِذْلَالًا، وَقَدْ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ وَيُخَرُّ عَلَى قَفَاهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا وَعَادَةً، فَرُؤْيَتُهُ فِي الْعُنُقِ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ حَالٍ سَيِّئَةٍ لِلرَّائِي تُلَازِمُهُ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ كَوَاجِبَاتٍ فَرَّطَ فِيهَا أَوْ مَعَاصٍ ارْتَكَبَهَا أَوْ حُقُوقٍ لَازِمَةٍ لَهُ لَمْ يُوَفِّهَا أَهْلَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي دُنْيَاهُ كَشِدَّةٍ تَعْتَرِيهِ أَوْ تُلَازِمُهُ.
٢٧ - بَاب الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ فِي الْمَنَامِ
٧٠١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ - وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكِ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ. قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ. قَلت: وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ
стр. 7398
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَاؤُهَا صَافِيًا عُبِرَتْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ عَمَلٌ جَارٍ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ قَدْ أَحْدَثَهُ أَوْ أَجْرَاهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَيْنُ الْمَاءِ نِعْمَةٌ وَبَرَكَةٌ وَخَيْرٌ وَبُلُوغُ أُمْنِيَةٍ إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَسْتُورًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَفِيفٍ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ يَبْكِي لَهَا أَهْلُ دَارِهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ) وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ أَنَّهَا وَالِدَةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الرَّاوِي عَنْهَا هُنَا وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمِّهِ، وَذَكَرْتُ نَسَبَهَا هُنَاكَ وَأَنَّ اسْمَهَا كُنْيَتُهَا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْقَائِلَ هُنَا وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ هُوَ الزُّهْرِيُّ رَاوِيه عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَوَقَعَ فِي بَابِ رُؤْيَا النِّسَاءِ فِيمَا مَضَى قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَتْهُ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قَالَتِ امْرَأَتُهُ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَوْلُهُ: امْرَأَتُهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ قَالَتِ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ وَهِيَ أُمُّ الْعَلَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ تَعَدَّدَ مِنْهُمَا.
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَجُوزًا تَقُولُ فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَرَاءَ جِنَازَتِهِ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ يَا أَبَا السَّائِبِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ بِحَسْبِكِ أَنْ تَقُولِي كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: (طَارَ لَنَا) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ فَتَشَاحَّتِ الْأَنْصَارُ فِيهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ حَتَّى اقْتَرَعُوا عَلَيْهِمْ فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ يَعْنِي وَقَعَ فِي سَهْمِنَا، كَذَا وَقَعَ التَّفْسِيرُ فِي الْأَصْلِ وَأَظُنُّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ.
قَوْلُهُ: (حِينَ اقْتَرَعَتْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَقْرَعَتْ بِحَذْفِ التَّاءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً.
قَوْلُهُ: (فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَقَامَ عِنْدَنَا مُدَّةً فَاشْتَكَى أَيْ مَرَضَ فَمَرَّضْنَاهُ أَيْ قُمْنَا بِأَمْرِهِ فِي مَرَضِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَرَجَعَ وَجَعُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرَّخَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِرُ فَوَائِدِهِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ شَيْءٌ عَمِلَهُ بَقِيَ لَهُ ثَوَابُهُ جَارِيًا كَالصَّدَقَةِ، وَأَنْكَرَهُ مُغَلْطَايْ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ شَيْءٌ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ.
قُلْتُ: وَهُوَ نَفْيٌ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَالِحٌ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ السَّائِبُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثِ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ صَدَقَةٌ اسْتَمَرَّتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَيْنَ هَيْئَتَهَا فَقُلْنَ: مَا لَكِ؟ فَمَا فِي قُرَيْشٍ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ، فَقَالَتْ: أَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ الْحَدِيثَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعَمَلِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مُرَابَطَتُهُ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَجْرِي لَهُ عَمَلُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ رَفَعَهُ: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ
стр. 7399
مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ وَلَهُ شَوَاهِدُ أُخْرَى، فَلْيُحْمَلْ حَالُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى ذَلِكَ وَيَزُولُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ.
٢٨ - بَاب نَزْعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ حَتَّى يَرْوَى النَّاسُ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -
٧٠١٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا إِذْ جَاءَني أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ نَزْعِ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ حَتَّى يَرْوَى النَّاسُ) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنَ الرِّيِّ، وَالنَّزْعُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الزَّاي إِخْرَاجُ الْمَاءِ لِلِاسْتِسْقَاءِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ) هُوَ الدَّوْرَقِيُّ وَشُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ هُوَ الْمَدَائِنِيُّ يُكْنَى أَبَا صَالِحٍ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ بَغْدَادَ فَسَكَنَ الْمَدَائِنَ حَتَّى نُسِبَ إِلَيْهَا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَكَانَ صَدُوقًا شَدِيدَ الْوَرَعِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَآخَرُونَ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاءِ شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مَجْهُولٌ، وَأَظُنُّهُ آخَرَ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا) أَيْ أَسْتَخْرِجُ مِنْهَا الْمَاءَ بِآلَةٍ كَالدَّلْوِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ وَعَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَلِيبَ هُوَ الْبِئْرُ الْمَقْلُوبُ تُرَابُهَا قَبْلَ الطَّيِّ، وَالْحَوْضَ هُوَ الَّذِي يُجْعَلُ بِجَانِبِ الْبِئْرِ لِشُرْبِ الْإِبِلِ فَلَا مُنَافَاةَ.
قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ أَيِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلَأُ بِهَا الْمَاءَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذَا فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ مِنِّي الدَّلْوَ لِيُرِيحَنِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ لِيُرَوِّحَنِي وَأَوَّلُ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ النَّزْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أُرِيتُ فِي النَّوْمِ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) كَذَا هُنَا، وَمِثْلُهُ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ ذَنُوبَيْنِ وَلَمْ يَشُكَّ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ، وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي تَأْوِيلِهِ فِي آخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ) وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ) كَذَا هُنَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَهُ فِي أَخْذِ أَبِي بَكْرٍ الدَّلْوَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عُمَرَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ بِخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَكُنْ خِلَافَتُهُ بِعَهْدٍ صَرِيحٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ وَقَعَتْ عِدَّةُ إِشَارَاتٍ إِلَى ذَلِكَ فِيهَا مَا يَقْرُبُ مِنَ الصَّرِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا) أَيْ تَحَوَّلَتِ الدَّلْوُ غَرْبًا، وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ بِلَفْظِ مُقَابِلِ الشَّرْقِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ، فَإِذَا فُتِحَتِ الرَّاءُ فَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ بَيْنَ
стр. 7400
الْبِئْرِ وَالْحَوْضِ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ أَنَّ الْغَرْبَ كُلُّ شَيْءٍ رَفِيعٍ، وَعَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ الدَّلْوَ أَحَالَتْ بَاطِنَ كَفَّيْهِ حَتَّى صَارَ أَحْمَرَ مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِسْقَاءِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَرَدُّوهُ عَلَى قَائِلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَفْرِي فَرْيَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: قَالَ حَجَّاجٌ: قُلْتُ لِابْنِ جُرَيْجٍ: مَا اسْتَحَالَ؟ قَالَ: رَجَعَ.
قُلْتُ: مَا الْعَبْقَرِيُّ؟ قَالَ: الْأَجِيرُ. وَتَفْسِيرُ الْعَبْقَرِيِّ بِالْأَجِيرِ غَرِيبٌ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: عَبْقَرِيُّ الْقَوْمِ سَيِّدُهُمْ وَقَوِيُّهُمْ وَكَبِيرُهُمْ.
وَقَالَ الْفَارَابِيُّ: الْعَبْقَرِيُّ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ. وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ عَبْقَرَ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ، وَقِيلَ بَلَدٌ كَانَ يُنْسَجُ فِيهِ الْبُسُطُ الْمَوْشِيَّةُ فَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَيِّدٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ فَائِقٍ. وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْجِنِّ، وَصَارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَا يُنْسَبُ إِلَى شَيْءٍ نَفِيسٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَبْقَرِيُّ السَّيِّدُ وَكُلُّ فَاخِرٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَجَوْهَرٍ وَبِسَاطٍ وُضِعَتْ عَلَيْهِ وَأَطْلَقُوهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَظِيمٍ فِي نَفْسِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَنْزِعُ نَزْعٌ ابْنُ الْخَطَّابِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ مَا يُعَدُّ لِلشُّرْبِ حَوْلَ الْبِئْرِ مِنْ مَبَارِكِ الْإِبِلِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ضَرَبَ أَيْ ضَرَبَتِ الْإِبِلُ بِعَطَنٍ بَرَكَتْ، وَالْعَطَنُ لِلْإِبِلِ كَالْوَطَنِ لِلنَّاسِ لَكِنْ غَلَبَ عَلَى مَبْرَكِهَا حَوْلَ الْحَوْضِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَتَّى رَوَّى النَّاسَ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزَعُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ مَلْآنُ يَنْفَجِرُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ خِلَافَةُ عُمَرَ، وَقِيلَ: هُوَ لِخِلَافَتِهِمَا مَعًا لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَمَعَ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا بِدَفْعِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَابْتَدَأَتِ الْفُتُوحُ فِي زَمَانِهِ، ثُمَّ عَهِدَ إِلَى عُمَرَ فَكَثُرَتْ فِي خِلَافَتِهِ الْفُتُوحُ وَاتَّسَعَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ وَاسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى عِظَمِ الدَّلْوِ فِي يَدِ عُمَرَ كَوْنُ الْفُتُوحِ كَثُرَتْ فِي زَمَانِهِ وَمَعْنَى اسْتَحَالَتْ انْقَلَبَتْ عَنِ الصِّغَرِ إِلَى الْكِبَرِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا هَذَا الْمَنَامُ مِثَالٌ لِمَا جَرَى لِلْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ ظُهُورِ آثَارِهِمَا الصَّالِحَةِ وَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِمَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ فَقَامَ بِهِ أَكْمَلَ قِيَامٍ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَ الدِّينِ، ثُمَّ خَلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَقَطَعَ دَابِرَهُمْ، ثُمَّ خَلَفَهُ عُمَرُ فَاتَّسَعَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِ، فَشَبَّهَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِقَلِيبٍ فِيهِ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ حَيَاتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ وَشَبَّهَ بِالْمُسْتَقِي لَهُمْ مِنْهَا وَسَقْيُهُ هُوَ قِيَامُهُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: لِيُرِيحَنِي إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً مِنْ كَدَرِ الدُّنْيَا وَتَعَبِهَا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ بِتَدْبِيرِ أَمْرِ الْأُمَّةِ وَمُعَانَاةِ أَحْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ فَلَيْسَ فِيهِ حَطٌّ مِنْ فَضِيلَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ فِي قِصَرِ مُدَّةِ وِلَايَتِهِ، وَأَمَّا وِلَايَةُ عُمَرَ فَإِنَّهَا لَمَّا طَالَتْ كَثُرَ انْتِفَاعُ النَّاسِ بِهَا وَاتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الْإِسْلَامِ بِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ وَتَمْصِيرِ الْأَمْصَارِ وَتَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ لَهُ وَلَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ ذَنْبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ كَانُوا يَقُولُونَهَا يُدَعِّمُونَ بِهَا الْكَلَامَ. وَفِي الْحَدِيثِ إِعْلَامٌ بِخِلَافَتِهِمَا وَصِحَّةِ وِلَايَتِهِمَا وَكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالدَّلْوِ التَّقْدِيرَ الدَّالَّ عَلَى قِصَرِ الْحَظِّ، بَلِ الْمُرَادُ التَّمَكُّنُ مِنَ الْبِئْرِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: بِدَلْوِ بَكْرَةَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِغَرِ الدَّلْوِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ غَرْبًا.
وَأَخْرَجَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ فَعَبِّرْهَا يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: أَلِيَ الْأَمْرُ بَعْدَكَ وَيَلِيهِ بَعْدِي عُمَرُ. قَالَ: كَذَلِكَ عَبَرَهَا الْمُلْكُ وَفِي سَنَدِهِ أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو
стр. 7401
دَاوُدَ وَاخْتَارَ الضِّيَاءُ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِعِرَاقَيْهَا فَانْتُشِطَتْ وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّزْعِ الضَّعِيفِ وَالنَّزْعِ الْقَوِيِّ الْفُتُوحُ وَالْغَنَائِمُ، وَقَوْلُهُ: دُلِّيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ أُرْسِلَ إِلَى أَسْفَلَ، وَقَوْلُهُ: بِعِرَاقَيْهَا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَالْعِرَاقَانِ خَشَبَتَانِ تُجْعَلَانِ عَلَى فَمِ الدَّلْوِ مُتَخَالِفَتَانِ لِرَبْطِ الدَّلْوِ. وَقَوْلُهُ: تَضَلَّعَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَلَأَ أَضْلَاعَهُ كِنَايَةٌ عَنِ الشِّبَعِ، وَقَوْلُهُ: انْتُشِطَتْ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ نُزِعَتْ مِنْهُ فَاضْطَرَبَتْ وَسَقَطَ بَعْضُ مَا فِيهَا أَوْ كُلُّهُ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حَدِيثُ سَمُرَةَ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَهُمَا خَبَرَانِ.
قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الرَّائِي، وَحَدِيثُ سَمُرَةَ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ شَاهِدًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ فَوَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَمٌ سُودٌ وَغَنَمٌ عُفْرٌ وَقَالَ فِيهِ فَأَوَّلْتُ السُّودَ الْعَرَبُ وَالْعُفْرَ الْعَجَمُ، وَفِي قِصَّةِ عُمَرَ فَمَلَأَ الْحَوْضَ وَأَرْوَى الْوَارِدَةَ، وَمِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزْعُ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ وَحَدِيثُ سَمُرَةَ فِيهِ نُزُولُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ، فَهُمَا قِصَّتَانِ تَشُدُّ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ قِصَّةَ حَدِيثِ سَمُرَةَ سَابِقَةٌ فَنَزَلَ الْمَاءُ مِنَ السَّمَاءِ وَهِيَ خِزَانَتُهُ فَأُسْكِنَ فِي الْأَرْضِ كَمَا يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ إِشَارَةٌ إِلَى نُزُولِ النَّصْرِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْخُلَفَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى كُنُوزِ الْأَرْضِ بِأَيْدِيهِمْ، وَكِلَاهُمَا ظَاهِرٌ مِنَ الْفُتُوحِ الَّتِي فَتَحُوهَا. وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ زِيَادَةُ إِشَارَةٍ إِلَى مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ مِنَ الْفِتَنِ وَالِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافَتِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَهْلُ الْجَمَلِ أَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ ثُمَّ حَارَبَهُ بِصِفِّينَ ثُمَّ غَلَبَ بَعْدَ قَلِيلٍ عَلَى مِصْرَ، وَخَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ عَلَى عَلِيٍّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ رَاحَةٌ، فَضُرِبَ الْمَنَامُ الْمَذْكُورُ مَثَلًا لِأَحْوَالِهِمْ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
٢٩ - بَاب نَزْعِ الذَّنُوبِ وَالذَّنُوبَيْنِ مِنْ الْبِئْرِ بِضَعْفٍ
٧٠٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ قَامَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَمَا رَأَيْتُ في النَّاسِ مَنْ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ نَزْعِ الذَّنُوبِ وَالذَّنُوبَيْنِ مِنَ الْبِئْرِ بِضَعْفٍ) أَيْ مَعَ ضَعْفِ نَزْعٍ. .
٧٠٢١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ وَعَلَيْهَا دَلْوٌ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي
стр. 7402
قَبْلَهُ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ، وَزُهَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّهُ تَقَدَّمَ لِلتَّابِعِيِّ سُؤَالٌ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ الصَّحَابِيُّ، وَقَوْلُهُ: فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُدَّةِ خِلَافَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ: قَالَ رَأَيْتُ الْقَائِلُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَاكِي ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ اخْتِصَارٌ يُوَضِّحُهُ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ أَوَّلًا فَنَزَعَ مِنَ الْبِئْرِ ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِي الْبَابَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَسَعِيدٌ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَفِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ مِنْ بِئْرٍ مَاءً أَنَّهُ يَلِي وِلَايَةً جَلِيلَةً وَتَكُونُ مُدَّتُهُ بِحَسَبِ مَا اسْتَخْرَجَ قِلَّةً وَكَثْرَةً، وَقَدْ تُعْبَرُ الْبِئْرُ بِالْمَرْأَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْأَوْلَادِ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَهْلُ التَّعْبِيرِ وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ حَالِ الَّذِي يَنْزِعُ الْمَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٠ - بَاب الْاسْتِرَاحَةِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي، فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَأَتَى ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَرِيحُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ يَقْوَى أَمْرُهُ وَتَكُونُ الدُّنْيَا تَحْتَ يَدِهِ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَقْوَى مَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُنْبَطِحًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا وَرَاءَهُ.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي رُؤْيَاهُ ﷺ الدَّلْوَ، وَفِيهِ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ لِيُرِيحَنِي، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى حَوْضِي وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ مِنَ الْبِئْرِ فَيَسْكُبُ فِي الْحَوْضِ وَالنَّاسُ يَتَنَاوَلُونَ الْمَاءَ لِبَهَائِمِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي مَحْفُوظَةً احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ حَوْضًا لَهُ فِي الدُّنْيَا لَا حَوْضَهُ الَّذِي فِي الْقِيَامَةِ.
٣١ - بَاب الْقَصْرِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٢٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ. قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَغَارُ؟
٧٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟
стр. 7403
فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ. قَالَ: وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَصْرِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْقَصْرُ فِي الْمَنَامِ عَمَلٌ صَالِحٌ لِأَهْلِ الدِّينِ وَلِغَيْرِهِمْ حَبْسٌ وَضِيقٌ، وَقَدْ يُفَسَّرُ دُخُولُ الْقَصْرِ بِالتَّزْوِيجِ.
ذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي وَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَالْخَطَّابِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: تَتَوَضَّأُ تَصْحِيفٌ وَأَنَّ الْأَصْلَ شَوْهَاءُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ هَاءٍ عِوَضَ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَاعْتَلَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ بَعْضَهُمُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَوْهَاءُ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لَا يَرُدُّ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّوْهَاءِ الْحَسْنَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا، قَالَ: وَالْوُضُوءُ لُغَوِيٌّ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا تَوَضَّأَتْ لِتَزْدَادَ حُسْنًا وَنُورًا لَا أَنَّهَا تُزِيلُ وَسَخًا وَلَا قَذَرًا؛ إِذِ الْجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَتَوَضَّأُ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّكْلِيفِ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَادَ وُقُوعُ الْوُضُوءِ مِنْهَا حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مَنَامًا فَيَكُونُ مِثَالًا لِحَالَةِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا أُمُّ سُلَيْمٍ وَكَانَتْ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ حِينَئِذٍ فَرَآهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ إِلَى جَانِبِ قَصْرِ عُمَرَ، فَيَكُونُ تَعْبِيرُهُ بِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ التَّعْبِيرِ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الرَّائِي لِذَلِكَ أَصْدَقَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا وُضُوؤُهَا فَيُعْبَرُ بِنَظَافَتِهَا حِسًّا وَمَعْنًى وَطَهَارَتِهَا جِسْمًا وَحُكْمًا، وَأَمَّا كَوْنُهَا إِلَى جَانِبِ قَصْرِ عُمَرَ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا تُدْرِكُ خِلَافَتَهُ وَكَانَ كَذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرَةِ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَنَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ بَعْضُهُ يَفْتَقِرُ إِلَى تَعْبِيرٍ، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ يَعْنِي لَيْسَتْ مِنَ الْأَضْغَاثِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا أَوْ مِثَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَنَاقِبِ.
وَقَوْلُهُ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَقْلُوبِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَقُولَ أَعْلَيْهَا أَغَارُ مِنْكَ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظُ عَلَيْكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأَغَارُ بَلِ التَّقْدِيرُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْكَ أَغَارُ عَلَيْهَا، قَالَ: وَدَعْوَى الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ مَمْنُوعَةٌ؛ إِذْ لَا مُحْوِجَ إِلَى ارْتِكَابِ الْقَلْبِ مَعَ وُضُوحِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ عَلَى وَأَرَادَ مِنْ كَمَا قِيلَ إِنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ ذِكْرِ الرَّجُلِ بِمَا عُلِمَ مِنْ خُلُقِهِ كَغَيْرَةِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عُرِفَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ عُمَرُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ عُمَرُ إِمَّا بِالْقَرَائِنِ وَإِمَّا بِالْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَمِرٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَشَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِبِ.
٣٢ - بَاب الْوُضُوءِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٢٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
стр. 7404
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: عَلَيْكَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَغَارُ؟
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: رُؤْيَةُ الْوُضُوءِ فِي الْمَنَامِ وَسِيلَةٌ إِلَى سُلْطَانٍ أَوْ عَمَلٍ، فَإِنْ أَتَمَّهُ فِي النَّوْمِ حَصَلَ مُرَادُهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ لِعَجْزِ الْمَاءِ مَثَلًا أَوْ تَوَضَّأَ بِمَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ فَلَا، وَالْوُضُوءُ لِلْخَائِفِ أَمَانٌ وَيَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الثَّوَابِ وَتَكْفِيرِ الْخَطَايَا، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
٣٣ - بَاب الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ، وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ
قَوْلُهُ: (بَابُ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الطَّوَافُ يَدُلُّ عَلَى الْحَجِّ وَعَلَى التَّزْوِيجِ وَعَلَى حُصُولِ أَمْرٍ مَطْلُوبٍ مِنَ الْإِمَامِ وَعَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَعَلَى خِدْمَةِ عَالِمٍ وَالدُّخُولِ فِي أَمْرِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ الرَّائِي رَقِيقًا دَلَّ عَلَى نُصْحِهِ لِسَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ. . . الْحَدِيثَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي ذِكْرِ عِيسَى ﵇ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَأْتِي شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّجَالِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٤ - بَاب إِذَا أَعْطَى فَضْلَهُ غَيْرَهُ فِي النَّوْمِ
٧٠٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلَهُ عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَعْطَى فَضْلَهُ غَيْرَهُ فِي النَّوْمِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَ فِي بَابِ اللَّبَنِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: الرِّيَّ أَيْ مَا يَتَرَوَّى بِهِ وَهُوَ اللَّبَنُ، أَوْ هُوَ إِطْلَاقٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ، قَالَ: وَإِسْنَادُ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ، وَقِيلَ الرِّيُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّبَنِ.
стр. 7405
٣٥ - بَاب الْأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٢٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَيَقُصُّونَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَا غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ وَبَيْتِي الْمَسْجِدُ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ لَيْلَةٍ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يُقْبِلَانِ بِي إِلَى جَهَنَّمَ، وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَدْعُو اللَّهَ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أُرَانِي لَقِيَنِي مَلَك فِي يَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: لم تُرَعَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقُوا بِي حَتَّى وَقَفُوا بِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، لَهُ قُرُونٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ، بَيْنَ كُلِّ قَرْنَيْنِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ بِالسَّلَاسِلِ، رُءُوسُهُمْ أَسْفَلَهُمْ، عَرَفْتُ فِيهَا رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَانْصَرَفُوا بِي عَنْ ذَاتِ الْيَمِينِ
٧٠٢٩ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ. . فَقَالَ نَافِعٌ: لَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ فِي الْمَنَامِ) الرَّوْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ الْخَوْفُ، وَأَمَّا الرُّوعُ بِضَمِّ الرَّاءِ فَهُوَ النَّفْسُ.
قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ خَائِفٌ مِنْ شَيْءٍ أَمِنَ مِنْهُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمِنَ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَخَافُ مِنْهُ.
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَاهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رِجَالًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ فِيهَا) أَيْ يَعْبُرُهَا.
قَوْلُهُ: (حَدِيثُ السِّنِّ) أَيْ صَغِيرُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَثُ السِّنِّ بِفَتْحِ الدَّالِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْتِيَ الْمَسْجِدُ) يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ.
قَوْلُهُ: (فَاضْطَجَعْتُ لَيْلَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَزْمُ بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الِاسْتِدْلَالَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مَلَكَانِ بِأَنَّهُمَا وَقَفَاهُ عَلَى جَهَنَّمَ وَوَعَظَاهُ بِهَا، وَالشَّيْطَانُ لَا يَعِظُ وَلَا يُذَكِّرُ الْخَيْرَ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا أَخْبَرَاهُ بِأَنَّهُمَا مَلَكَانِ، أَوِ اعْتَمَدَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَصَّتْهُ عَلَيْهِ حَفْصَةُ فَاعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مِقْمَعَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْجَمْعِ مَقَامِعُ وَهِيَ كَالسِّيَاطِ مِنْ حَدِيدٍ رُءُوسُهَا مُعْوَجَّةٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمِقْمَعَةُ كَالْمِحْجَنِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الْمِقْمَعَةُ وَالْمِقْرَعَةُ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُرَعْ) أَيْ لَمْ تُفْزَعْ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَنْ تُرَاعَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ فَزَعٌ بَلْ لَمَّا كَانَ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ لَمْ يَسْتَمِرَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْزَعْ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ فَالْمُرَادُ أَنَّكَ لَا رَوْعَ عَلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْهُ مِنَ الْفَزَعِ، وَوَثِقَ بِذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَلَكَ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، انْتَهَى.
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ وَهُوَ يَرْعُدُ فَقَالَ لَمْ تَرُعْ، وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ لَنْ تَرُعْ
стр. 7406
بِحَرْفِ لَنْ مَعَ الْجَزْمِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ سَكَّنَ الْعَيْنَ لِلْوَقْفِ ثُمَّ شَبَّهَهُ بِسُكُونِ الْجَزْمِ فَحَذَفَ الْأَلِفَ قَبْلَهُ ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَزَمَهُ بِلَنْ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ حَكَاهَا الْكِسَائِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ.
قَوْلُهُ: (كَطَيِّ الْبِئْرِ لَهُ قُرُونٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَهَا وَقُرُونُ الْبِئْرِ جَوَانِبُهَا الَّتِي تُبْنَى مِنْ حِجَارَةٍ تُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَشَبَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ فِيهَا الْبَكْرَةُ، وَالْعَادَةُ أَنَّ لِكُلِّ بِئْرٍ قَرْنَيْنِ. وَقَوْلُهُ: وَأَرَى فِيهَا رِجَالًا مُعَلَّقِينَ، فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ الَّتِي بَعْدَ هَذَا فَإِذَا فِيهَا نَاسٌ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ، قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيد أَنَّ بَعْضَ الرُّؤْيَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَعَلَى أَنَّ مَا فُسِّرَ فِي النَّوْمِ فَهُوَ تَفْسِيرُهُ فِي الْيَقَظَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ فِي تَفْسِيرِهَا عَلَى مَا فَسَّرَهَا الْمَلَكُ.
قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ وَقَوْلُ الْمَلَكِ قَبْلَ ذَلِكَ نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ، وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَّ الْمَلَكَ قَالَهُ لَهُ لَمْ تَرُعْ إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: وَفِيهِ وُقُوعُ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَجَوَازُ وُقُوعِ الْعَذَابِ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: هُوَ مَشْرُوطٌ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّرْكِ رَغْبَةً عَنْهَا، فَالْوَعِيدُ وَالتَّعْذِيبُ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُحَرَّمِ وَهُوَ التَّرْكُ بَقِيَ الْإِعْرَاضُ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ أَصْلَ التَّعْبِيرِ مِنْ قِبَلِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِذَلِكَ تَمَنَّى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ يَرَى رُؤْيَا فَيَعْبُرَهَا لَهُ الشَّارِعُ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَصْلًا. قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ الْأَشْعَرِيُّ بِأَنَّ أَصْلَ التَّعْبِيرِ بِالتَّوْقِيفِ مِنْ قِبَلِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَلْسِنَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ الْوَارِدَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلًا فَلَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَرَائِي، فَلَا بُدَّ لِلْحَاذِقِ فِي هَذَا الْفَنِّ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحُسْنِ نَظَرِهِ فَيَرُدَّ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ إِلَى حُكْمِ التَّمْثِيلِ وَيُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ النِّسْبَةِ الصَّحِيحَةِ فَيُجْعَلَ أَصْلًا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْفَقِيهُ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ النِّيَابَةِ فِي قَصِّ الرُّؤْيَا، وَتَأَدُّبُ ابْنِ عُمَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَهَابَتُهُ لَهُ حَيْثُ لَمْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ بِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا هَالَتْهُ لَمْ يُؤْثِرْ أَنْ يَقُصَّهَا بِنَفْسِهِ فَقَصَّهَا عَلَى أُخْتِهِ لِإِدْلَالِهِ عَلَيْهَا، وَفَضْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبَسْطُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦ - بَاب الْأَخْذِ عَلَى الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ
٧٠٣٠ - حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَنْ رَأَى مَنَامًا قَصَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدكَ خَيْرٌ فَأَرِنِي مَنَامًا يُعَبِّرُهُ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي فَانْطَلَقَا بِي، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ: لَنْ تُرَاعَ إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَانْطَلَقَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ، فَأَخَذَا بِي ذَاتَ الْيَمِينِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ
٧٠٣١ - فَزَعَمَتْ حَفْصَةُ أَنَّهَا قَصَّتْهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّيْلِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّيْلِ.
стр. 7407
قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَخْذِ عَلَى الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ) وَفِي رِوَايَةٍ بِالْيَمِينِ.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي مَنَامِهِ إِذَا سَارَ عَلَى يَمِينِهِ يُعْبَرُ لَهُ بِأَنَّهُ أَهْلُ الْيَمِينِ، وَالْعَزَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ، وَيُقَالُ لَهُ الْأَعْزَبُ بِقِلَّةٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَقَوْلُهُ: أَخَذَانِي بِالنُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ.
٣٧ - بَاب الْقَدَحِ فِي النَّوْمِ
٧٠٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَدَحِ فِي النَّوْمِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: الْقَدَحُ فِي النَّوْمِ امْرَأَةٌ أَوْ مَالٌ مِنْ جِهَةِ امْرَأَةٍ، وَقَدَحُ الزُّجَاجِ يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ الْأَشْيَاءِ الْخَفِيَّةِ، وَقَدَحُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ثَنَاءٌ حَسَنٌ.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمَ فِي بَابِ اللَّبَنِ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ.
٣٨ - بَاب إِذَا طَارَ الشَّيْءُ فِي الْمَنَامِ
٧٠٣٣ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَ
٧٠٣٤ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقطعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كذابان يَخْرُجَانِ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ بِالْيَمَنِ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا طَارَ الشَّيْءُ فِي الْمَنَامِ) أَيِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَطِيرَ، قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَطِيرُ فَإِنْ كَانَ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ بِغَيْرِ تَعْرِيجِ مَا لَهُ ضَرَرٌ، فَإِنْ غَابَ فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَرْجِعْ مَاتَ، وَإِنْ رَجَعَ أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ، وَإِنْ كَانَ يَطِيرُ عَرْضًا سَافَرَ وَنَالَ رِفْعَةً بِقَدْرِ طَيَرَانِهِ، فَإِنْ كَانَ بِجَنَاحٍ فَهُوَ مَالٌ أَوْ سُلْطَانٌ يُسَافِرُ فِي كَنَفِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَنَاحٍ دَلَّ عَلَى التَّغْرِيرِ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَقَالُوا إِنَّ الطَّيَرَانَ لِلشِّرَارِ دَلِيلٌ رَدِيءٌ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ) بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ نَشِيطٍ بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ جَعَلَهَا كُنْيَةً وَالصَّوَابُ ابْنُ فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي قِصَّةِ الْعَنْسِيِّ وَقَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ، وَزَادَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، قُلْتُ: وَهُوَ الرَّبَذِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَخُو مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ الْمُحَدِّثُ الْمَشْهُورُ بِالضَّعْفِ،
стр. 7408
وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي سَنَدِهِ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أُسْقِطَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ مِنَ السَّنَدِ؛ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ هَكَذَا.
قُلْتُ: لَكِنْ سَعِيدٌ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَإِنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذُكِرَ لِي عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ يُبَيَّنُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ أَنَّ الْمُبْهَمَ الْمَذْكُورَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْبِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا أَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَيْسَا مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَيْضًا فَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالذَّهَبُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَيْضًا فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ عَنْهُ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخِهِمَا فَطَارَا فَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَمْرٌ وَأَنَّ كَلَامَهُ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلُهُمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَالنَّفْخُ يَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ خَبَرَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ هُنَاكَ، وَذَكَرْتُ خَبَرَ مُسَيْلِمَةَ وَقَتْلِهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَشَيْئًا مِنْ خَبَرِهِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي أَيْضًا.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: كَانَ يُقَالُ لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ ذُو الْحِمَارِ لِأَنَّهُ عَلَّمَ حِمَارًا إِذَا قَالَ لَهُ اسْجُدْ يَخْفِضُ رَأْسَهُ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِلَفْظِ الثَّوْبِ الَّذِي يُخْتَمَرُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ بُطْلَانَ أَمْرِ مُسَيْلِمَةَ، وَالْعَنْسِيِّ فَأَوَّلَ الرُّؤْيَا عَلَيْهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ إِخْرَاجًا لِلْمَنَامِ عَلَيْهِمَا وَدَفْعًا لِحَالِهِمَا، فَإِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ خَرَجَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، كَذَا قَالَ.
٣٩ - بَاب إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ
٧٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ به مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ) كَذَا تَرْجَمَ بِقَيْدِ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَوْرَدَهُ بِهَذَا السَّنَدِ بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَفَرَّقَ مِنْهُ فِي الْمَغَازِي بِهَذَا السَّنَدِ أَيْضًا، وَعَلَّقَ فِيهَا مِنْهُ قِطْعَةً فِي الْهِجْرَةِ فَقَالَ: وَقَالَ
стр. 7409
أَبُو مُوسَى وَذَكَرَ بَعْضَهُ هُنَا وَبَعْضَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ شَرْحُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أُرَاهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ أَظُنُّهُ وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْقَائِلَ أُرَاهُ هُوَ الْبُخَارِيُّ وَأَنَّ مُسْلِمًا وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ بِدُونِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بَلْ جَزَمُوا بِرَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ وَهْلِي) قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ وَهَلِي بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِسُكُونِهَا، تَقُولُ: وَهَلْتُ بِالْفَتْحِ أَهَلُ وهلا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ مِثْلَ وَهِمْتُ، وَوَهِلَ يَوْهَلُ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا فَزِعَ، قَالَ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى مِثْلِ مَا قَالُوهُ فِي الْبَحْرِ بَحَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وَكَذَا النَّهْرُ وَالنَّهَرُ وَالشَّعْرُ وَالشَّعَرُ انْتَهَى.
وَبِهَذَا جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ؛ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّاعِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِائَةِ سَنَةٍ فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ غَلِطُوا، يُقَالُ: وَهَلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ يَهِلُ بِكَسْرِهَا وَهْلًا بِسُكُونِهَا مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا أَيْ غَلِطَ وَذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى خِلَافِ الصَّوَابِ، وَأَمَّا وَهِلْتُ بِكَسْرِهَا أَوْهَلُ بِالْفَتْحِ وَهَلًا بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا كَحَذِرْتُ أَحْذَرُ حَذَرًا فَمَعْنَاهُ فَزِعْتُ، وَالْوَهَلُ بِالْفَتْحِ الْفَزَعُ وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ: الْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ الْوَهْمُ وَالِاعْتِقَادُ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ أَنَّهُ بِالسُّكُونِ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْهَجَرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَوْ هَجَرُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَهِيَ بَلَدٌ قَدَّمْتُ بَيَانَهَا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهِ خَيْرٌ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ وَأَنَّ الْبَقَرَ بَقْرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ بَقْرٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ مَصْدَرُ بَقَرَهُ يَبْقُرُهُ بَقْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ.
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ جَاءَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ وَإِشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِيثَارُهُمُ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، وَلُبْسُهُ اللَّأْمَةَ وَنَدَامَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ : لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ، وَفِيهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ إِنَّ الْبَقَرَ تَعْبُرُ بِرِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ فِي الْقِتَالِ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ وَهُوَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنِّي رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا وَلَكِنَّ تَقْيِيدَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْبَقَرَ بِكَوْنِهَا تُنْحَرُ هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُمْ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِسُكُونِ الْقَافِ أَوْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَلَيْسَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَقَرِ الْمُتَنَاطِحَةِ فِي شَيْءٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ لِلْبَقَرِ فِي النَّوْمِ وُجُوهًا أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَةَ الْوَاحِدَةَ تُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ وَالْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ وَالْأَرْضِ، وَالثَّوْرَ يُفَسَّرُ بِالثَّائِرِ لِكَوْنِهِ يُثِيرُ الْأَرْضَ فَيَتَحَرَّكُ عَالِيهَا وَسَافِلَهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَثُورُ فِي نَاحِيَةٍ لِطَلَبِ مُلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْبَقَرَ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى بَلَدٍ فَإِنْ كَانَتْ بَحْرِيَّةً فُسِّرَتْ بِالسُّفُنِ وَإِلَّا فَبِعَسْكَرٍ أَوْ بِأَهْلِ بَادِيَةٍ أَوْ يُبْسٍ يَقَعُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) الْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ بَدْرٍ فَتْحُ خَيْبَرَ ثُمَّ مَكَّةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَعْدُ بِالضَّمِّ أَيْ بَعْدَ أُحُدٍ وَنَصْبِ يَوْمِ أَيْ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ مِنْ تَثْبِيتِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ الْغَنِيمَةُ، وَبَعْدُ أَيْ بَعْدَ الْخَيْرِ، وَالثَّوَابُ وَالْخَيْرُ
стр. 7410
حَصَلَا فِي يَوْمِ بَدْرٍ.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا السِّيَاقِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَبَرِ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ جُمْلَةِ الرُّؤْيَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ إِيرَادُهُ وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ هِيَ الْمُحَرَّرَةُ، وَأَنَّهُ رَأَى بَقَرًا وَرَأَى خَيْرًا فَأَوَّلَ الْبَقَرَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَوَّلَ الْخَيْرَ عَلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الصِّدْقِ فِي الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْجِهَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْدِيَّةِ عَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِبَدْرٍ بَدْرَ الْمَوْعِدِ لَا الْوَقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ السَّابِقَةِ عَلَى أُحُدٍ، فَإِنَّ بَدْرَ الْمَوْعِدِ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا قِتَالٌ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ أُحُدٍ قَالُوا: مَوْعِدُكُمُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بَدْرٌ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنِ انْتُدِبَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ فَلَمْ يَحْضُرِ الْمُشْرِكُونَ فَسُمِّيَتْ بَدْرٌ الْمَوْعِدُ، فَأَشَارَ بِالصِّدْقِ إِلَى أَنَّهُمْ صَدَقُوا الْوَعْدَ وَلَمْ يُخْلِفُوهُ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٠ - بَاب النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ
٧٠٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ
٧٠٣٧ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: النَّفْخُ يُعْبَرُ بِالْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُعْبَرُ بِإِزَالَةِ الشَّيْءِ الْمَنْفُوخِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ شَدِيدٍ لِسُهُولَةِ النَّفْخِ عَلَى النَّافِخِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَذَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ بِكَلَامِهِ ﷺ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِمَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا.
قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَنَّ نُسْخَةَ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَتْ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُ حَدِيثٍ فِيهَا حَدِيثُ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ الْحَدِيثَ فِي الْجُمُعَةِ وَبَقِيَّةُ أَحَادِيثِ النُّسْخَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِسْحَاقُ إِذَا أَرَادَ التَّحْدِيثَ بِشَيْءٍ مِنْهَا بَدَأَ بِطَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَطَّرِدْ هَذَا الصَّنِيعُ لِلْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَاطَّرَدَ صَنِيعُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَبْدَأْ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ، وَيُعَكِّرُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَوَّلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَتَكَلُّفٌ.
قَوْلُهُ: (إِذْ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ) كَذَا وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ وَبِحَذْفِ الْبَاءِ مِنْ خَزَائِنَ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ أُوتِيَتْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ مِنَ الْإِيتَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي حَذْفِ الْبَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ
стр. 7411
وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ مَا فُتِحَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْغَنَائِمِ مِنْ ذَخَائِرِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ مَعَادِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي يَدَيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فِي كَفِّي.
قَوْلُهُ: (سِوَارَيْنِ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ سِوَارَانِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا وَشَرَحَ ابْنُ التِّينِ هُنَا عَلَى لَفْظِ: وُضِعَ بِالضَّمِّ وَسِوَارَيْنِ بِالنَّصْبِ وَتَكَلَّفَ لِتَخْرِيجِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي الْمَنَامِ وَالسِّوَارُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَوَّلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَكَبُرَ عَلِيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَكَبُرَا بِالتَّثْنِيَةِ وَالْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ مَضْمُومَةٌ بِمَعْنَى الْعِظَمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَبِ مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ وَمِمَّا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ وَهَذَا الْوَحْيُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَنَفَخْتُهُمَا) زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ فَذَهَبَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فَطَارَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَزَادَ فَوَقَعَ وَاحِدٌ بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَرُ بِالْيَمَنِ وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ أَمْرِهِمَا لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَذْهَبُ بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ أَمْرَهُمَا كَانَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ.
قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ، وَفِي طَيَرَانِهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى اضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ رُؤْيَا السِّوَارَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا فَتَأَوَّلَ السِّوَارَيْنِ عَلَيْهِمَا لَوَضَعَهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْيَةِ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ يَضَعُ الْخَبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشْعَارٌ بِذَهَابِ أَمْرِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: السِّوَارُ مِنْ حُلِيِّ الْمُلُوكِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وَالْيَدُ لَهَا مَعَانٍ مِنْهَا الْقُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقَهْرُ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالسِّوَارِ كِنَايَةً عَنِ الْأَسْوَارِ وَهُوَ مِنْ أَسَامِي مُلُوكِ الْفُرْسِ، قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِحَذْفِ بَعْضِ الْحُرُوفِ.
قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ وَأَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا أَسْلَمُوا فَكَانُوا كَالسَّاعِدَيْنِ لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِيهِمَا الْكَذَّابَانِ وَبَهْرَجَا عَلَى أَهْلِهِمَا بِزُخْرُفِ أَقْوَالِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا الْبَاطِلَةِ انْخَدَعَ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ الْيَدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْبَلَدَيْنِ وَالسِّوَارَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَذَّابَيْنِ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشَارَةٌ إِلَى مَا زُخْرُفَاهُ وَالزُّخْرُفُ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّهَبِ.
قَوْلُهُ: (اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ بَعْدِي وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتُهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ؛ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَدِ وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ لَمْ تَعْظُمْ شَوْكَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ مُحَارَبَتُهُ إِلَّا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَعْدِي أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:
стр. 7412
يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا تَأَوَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي السِّوَارَيْنِ بِوَحْيٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفَاءَلَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا دَفْعًا لِحَالِهِمَا فَأَخْرَجَ الْمَنَامَ الْمَذْكُورَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ):
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ: رَأَيْتُ كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهْتُهُمَا فَذَهَبَا كَسْرَى وَقَيْصَرُ وَهَذَا إِنْ كَانَ الْحَسَنُ أَخَذَهُ عَنْ ثَبْتٍ فَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ التَّفْسِيرَ بِمُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَدِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعَدَّدَا وَالتَّفْسِيرُ مِنْ قِبَلِهِ بِحَسَبِ مَا ظَنَّهُ أَدْرَجَ فِي الْخَبَرِ فَالْمُعْتَمَدُ مَا ثَبَتَ مَرْفُوعًا أَنَّهُمَا مُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ.
٤١ - بَاب إِذَا رَأَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُوةٍ وأَسْكَنَهُ مَوْضِعًا آخَرَ
٧٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا
[الحديث ٧٠٣٨ - طرفاه: في ٧٠٣٩، ٧٠٤٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُوَّةٍ وَأَسْكَنَهُ مَوْضِعًا آخَرَ) وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ كُوَّةٍ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ وَوَقَعَ لِلْبَاقِينَ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَسُكُونِهَا بَعْدَهَا رَاءٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْكُورَةُ النَّاحِيَةُ، قَالَ الْخَلِيلُ فِي الْعَيْنِ الْكُورُ الرَّحْلُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ، كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: الرَّحْلُ بِأَدَاتِهِ، فَإِنْ فُتِحَ أَوَّلُهُ فَهُوَ الرَّحْلُ بِغَيْرِ أَدَاةٍ، وَالْكُوَرُ بِالضَّمِّ أَيْضًا مَوْضِعُ الزَّنَابِيرِ وَكُورُ الْحَدَّادِ مَا يُبْنَى مِنْ طِينٍ، وَأَمَّا الزِّقُّ فَهُوَ الْكِيرُ، وَالْكُورَةُ الْمَدِينَةُ وَالنَّاحِيَةُ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَلَا أَحْسِبُهَا عَرَبِيَّةً مَحْضَةً.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَاسْمُ أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ الْمَذْكُورُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ مَذْكُورٌ بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلٍ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِثْلَهُ قَالَ: فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ لَقَدْ رَأَيْتُ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي نُعَيْمٍ ثَائِرَةَ الشَّعْرِ وَالْمُرَادُ شَعْرُ الرَّأْسِ وَزَادَ تَفِلَةً بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ كَرِيهَةَ الرَّائِحَةِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَتْ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ أُخْرِجَتْ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ أَوَّلَهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَلَفْظُهُ: أُخْرِجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأُسْكِنَتْ بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ فَاعِلَ الْإِخْرَاجِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ دَعَا بِهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ فَضْلِ الْمَدِينَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوَبَأُ أَرْضِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ) أَمَّا مَهْيَعَةُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ، وَأَظُنُّ قَوْلَهُ: وَهِيَ الْجُحْفَةُ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ
стр. 7413
عُقْبَةَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ خَلَا عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ حَتَّى قَامَتْ بِالْمَهْيَعَةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّ مَهْيَعَةَ تُصْرَفُ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَدْخَلَهُمَا لِلتَّعْظِيمِ وَفِيهِ بُعْدٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَوَّلْتُ أَنَّهُ وَبَاءُ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأَوَّلْتُهَا وَبَاءَ الْمَدِينَةِ يُنْقَلُ إِلَى الْجُحْفَةِ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ قِسْمِ الرُّؤْيَا الْمُعْبَرَةِ وَهِيَ مِمَّا ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ، وَوَجْهُ التَّمْثِيلِ أَنَّهُ شُقَّ مِنِ اسْمِ السَّوْدَاءِ السُّوءُ وَالدَّاءُ فَتَأَوَّلَ خُرُوجَهَا بِمَا جَمَعَ اسْمَهَا، وَتَأَوَّلَ مِنْ ثَوَرَانِ شَعْرِ رَأْسِهَا أَنَّ الَّذِي يَسُوءُ وَيُثِيرُ الشَّرَّ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّ ثَوَرَانَ الشَّعْرِ مِنِ اقْشِعْرَارِ الْجَسَدِ وَمَعْنَى الِاقْشِعْرَارِ الِاسْتِيحَاشُ فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ مَا تَسْتَوْحِشُ النُّفُوسُ مِنْهُ كَالْحُمَّى.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِالِاسْتِيحَاشِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ مُوحِشَةٌ، وَإِلَّا فَالِاقْشِعْرَارُ فِي اللُّغَةِ تَجَمُّعُ الشَّعْرِ وَتَقَبُّضُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ يُقَالُ اقْشَعَرَّ كَاقْشَعَرَّتِ الْأَرْضُ بِالْجَدْبِ وَالنَّبَاتِ مِنَ الْعَطَشِ، وَقَدْ قَالَ الْقَيْرَاوَنِيُّ الْمُعَبِّرُ: كُلُّ شَيْءٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ فِي أَكْثَرِ وُجُوهِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ثَوَرَانُ الرَّأْسِ يُؤَوَّلُ بِالْحُمَّى لِأَنَّهَا تُثِيرُ الْبَدَنَ بِالِاقْشِعْرَارِ وَارْتِفَاعِ الرَّأْسِ لَا سِيَّمَا مِنَ السَّوْدَاءِ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ اسْتِيحَاشًا.
٤٢ - بَاب الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ
٧٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ: رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ، فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ) أَيْ فِي الْمَنَامِ، ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ فِيهِ فَتَأَوَّلْتُهَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَوَّلْتُهَا.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ) حُذِفَ مِنْهُ قَالَ خَطَأً وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ رَأَيْتُ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ الْمُقَدَّمِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَلَفْظُهُ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأَيْتُ إِلَخْ.
٤٣ - بَاب الْمَرْأَةِ الثَّائِرَةِ الرَّأْسِ
٧٠٤٠ - حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرْأَةِ الثَّائِرَةِ الرَّأْسِ) أَيْ فِي الْمَنَامِ، ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِيهِ.
٤٤ - بَاب إِذَا هَزَّ سَيْفًا فِي الْمَنَامِ
٧٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ،
стр. 7414
عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا هَزَّ سَيْفًا فِي الْمَنَامِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِكَمَالِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ مِنْهُ هُنَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَذَكَرْتُ بَعْضَ شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ، وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُولُ بِالصَّحَابَةِ عَبَّرَ عَنِ السَّيْفِ بِهِمْ وَبِهَزِّهِ عَنْ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالْحَرْبِ وَعَنِ الْقَطْعِ فِيهِ بِالْقَتْلِ فِيهِمْ، وَفِي الْهَزَّةِ الْأُخْرَى لَمَّا عَادَ إِلَى حَالَتِهِ مِنَ الِاسْتِوَاءِ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اجْتِمَاعِهِمْ وَالْفَتْحِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَهْلِ التَّعْبِيرِ فِي السَّيْفِ تَصَرُّفٌ عَلَى أَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ مَنْ نَالَ سَيْفًا فَإِنَّهُ يَنَالُ سُلْطَانًا إِمَّا وِلَايَةً وَإِمَّا وَدِيعَةً وَإِمَّا زَوْجَةً وَإِمَّا وَلَدًا، فَإِنْ سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ فَانْثَلَمَ سَلِمَتْ زَوْجَتُهُ وَأُصِيبَ وَلَدُهُ، فَإِنِ انْكَسَرَ الْغِمْدُ وَسَلِمَ السَّيْفُ فَبِالْعَكْسِ، وَإِنْ سَلِمَا أَوْ عَطِبَا فَكَذَلِكَ، وَقَائِمُ السَّيْفِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَبِ وَالْعَصَبَاتِ وَنَصْلُهُ بِالْأُمِّ وَذَوِي الرَّحِمِ، وَإِنْ جَرَّدَ السَّيْفَ وَأَرَادَ قَتْلَ شَخْصٍ فَهُوَ لِسَانُهُ يُجَرِّدِهُ فِي خُصُومِهِ، وَرُبَّمَا عُبِّرَ السَّيْفُ بِسُلْطَانٍ جَائِرٍ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ أَغْمَدَ السَّيْفَ فَإِنَّهُ يَتَزَوَّجُ، أَوْ ضَرَبَ شَخْصًا بِسَيْفٍ فَإِنَّهُ يَبْسُطُ لِسَانَهُ فِيهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَاتِلُ آخَرَ وَسَيْفُهُ أَطْوَلُ مِنْ سَيْفِهِ فَإِنَّهُ يَغْلِبُهُ، وَمَنْ رَأَى سَيْفًا عَظِيمًا فَهِيَ فِتْنَةٌ، وَمَنْ قُلِّدَ سَيْفًا قُلِّدَ أَمْرًا، فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا لَمْ يَدُمْ أَمْرُهُ. وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ يَجُرُّ حَمَائِلَهُ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْهُ.
٤٥ - بَاب مَنْ كَذَبَ فِي حُلُمِهِ
٧٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ. قَالَ سُفْيَانُ: وَصَلَهُ لَنا أَيُّوبُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنْ اسْتَمَعَ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ اسْتَمَعَ وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ صَوَّرَ .. نَحْوَهُ. تَابَعَهُ هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .. قَوْلَهُ
٧٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ) أَيْ فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ: بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ وَالْحُلْمُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ
стр. 7415
وَسُكُونِ اللَّامِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَذَبَ فِي حُلْمِهِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ تَحَلَّمَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَقْدُ شَعِيرَةٍ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَىِ بْنِ عَامِرٍ ضَعَّفَهُ أَبُو زُرْعَةَ.
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: ذَكَرَ لَهُ طُرُقًا مَرْفُوعَةً وَمَوْقُوفَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ قَالَ سُفْيَانُ وَصَلَهُ لَنَا أَيُّوبُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى عِكْرِمَةَ هَلْ هُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا أَوْ هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ تَحَلَّمَ) أَيْ مَنْ تَكَلَّفَ الْحُلْمَ.
قَوْلُهُ: (بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ عُذِّبَ حَتَّى يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ عَاقِدًا، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا دُفِعَ إِلَيْهِ شَعِيرَةٌ وَعُذِّبَ حَتَّى يَعْقِدَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا لِاخْتِلَافِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ عَنْهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَلُّفِ نَوْعٌ مِنَ التَّعْذِيبِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَهُمْ يَفِرُّونَ مِنْهُ وَلَمْ يَشُكَّ.
قَوْلُهُ: (صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادٍ صُبَّ فِي أُذُنِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابٌ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَلَا يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَسْتَمِعَ حَدِيثَهُمْ أُذِيبَ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَوَّلُهَا: الْكَذِبُ عَلَى الْمَنَامِ، ثَانِيهَا: الِاسْتِمَاعُ لِحَدِيثِ مَنْ لَا يُرِيدُ اسْتِمَاعَهُ، ثَالِثُهَا: التَّصْوِيرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.
وَأَمَّا الْكَذِبُ عَلَى الْمَنَامِ فَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا اشْتَدَّ فِيهِ الْوَعِيدُ مِنْ أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْيَقَظَةِ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مَفْسَدَةً مِنْهُ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ شَهَادَةً فِي قَتْلٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ أَخْذِ مَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِي الْمَنَامِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْكَذِبُ فِي الْمَنَامِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ لِحَدِيثِ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَهُوَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ بَابِ ذِكْرِ أَسْلَمَ وَغِفَارٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ وَاثِلَةَ الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَقَالَ الْمُلَهَّبُ فِي قَوْلِهِ: كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ حُجَّةٌ لِلْأَشْعَرِيَّةِ فِي تَجْوِيزِهِمْ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَمِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا وَحَمَلُوا الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِهَا. وَالْحَقُّ أَنَّ التَّكْلِيفَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ: كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ لَيْسَ هُوَ التَّكْلِيفَ الْمُصْطَلَحَ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّعْذِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا التَّكْلِيفُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ وَالتَّوْبِيخِ لِكَوْنِهِمْ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعُوا فَأُمِرُوا بِهِ حَيْثُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ تَعْجِيزًا وَتَوْبِيخًا وَتَعْذِيبًا. وَأَمَّا الِاسْتِمَاعُ فَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ ثَالِثٍ وَقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِمَنْ يَكُونُ كَارِهًا لِاسْتِمَاعِهِ فَأَخْرَجَ
стр. 7416
مَنْ يَكُونُ رَاضِيًا، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. وَأَمَّا الْوَعِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِصَبِّ الْآنُكِ فِي أُذُنِهِ فَمِنَ الْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَالْآنُكُ بِالْمَدِّ وَضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا كَافٌ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ، وَقِيلَ هُوَ الْخَالِصُ الرَّصَاصِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ الْقَصْدِيرُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ حُلْمًا وَلَمْ يُسَمِّهِ رُؤْيَا لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَأَى وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَكَانَ كَاذِبًا وَالْكَذِبُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّ الْحُلْمَ مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا مَضَى فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَهُوَ غَيْرُ حَقٍّ فَصَدَّقَ بَعْضُ الْحَدِيثِ بَعْضًا.
قَالَ: وَمَعْنَى الْعَقْدِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ أَنْ يَفْتِلَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَهُوَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَادَةً، قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ لِلْكَاذِبِ فِي مَنَامِهِ وللْمُصَوِّرِ أَنَّ الرُّؤْيَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَهِيَ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ فَأَدْخَلَ بِكَذِبِهِ صُورَةً لَمْ تَقَعْ كَمَا أَدْخَلَ الْمُصَوِّرُ فِي الْوُجُودِ صُورَةً لَيْسَتْ بِحَقِيقِيَّةٍ، لِأَنَّ الصُّورَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ الَّتِي فِيهَا الرُّوحُ، فَكُلِّفَ صَاحِبُ الصُّورَةِ اللَّطِيفَةِ أَمْرًا لَطِيفًا وَهُوَ الِاتِّصَالُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَقْدِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ وَكُلِّفَ صَاحِبُ الصُّورَةِ الْكَثِيفَةِ أَمْرًا شَدِيدًا وَهُوَ أَنْ يَتِمَّ مَا خَلَقَهُ بِزَعْمِهِ بِنَفْخِ الرُّوحِ، وَوَقَعَ وَعِيدُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ يُعَذَّبُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا كُلِّفَ بِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَعْذِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الدَّوَامِ.
قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ أَنَّ الْأَوَّلَ كَذِبٌ عَلَى جِنْسِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ نَازَعَ الْخَالِقَ فِي قُدْرَتِهِ، وَقَالَ فِي مُسْتَمِعِ حَدِيثِ مَنْ يَكْرَهُ اسْتِمَاعَهُ: يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَأَغْلَقَ بَابَهُ وَتَحَدَّثَ مَعَ غَيْرِهِ فَإِنَّ قَرِينَةَ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَمِعَ حَدِيثَهُ فَمَنْ يَسْتَمِعْ إِلَيْهِ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، وَهُوَ كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ فِيهِ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ فَقَئُوا عَيْنَهُ لَكَانَتْ هَدَرًا قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ مَنْ يَكْرَهُ اسْتِمَاعَ حَدِيثِهِ مَنْ تَحَدَّثَ مَعَ غَيْرِهِ جَهْرًا وَهُنَاكَ مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَهُ فَلَا يَدْخُلُ الْمُسْتَمِعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ وَهِيَ الْجَهْرُ تَقْتَضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فَيَسُوغُ الِاسْتِمَاعُ.
قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ وَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِقَدْرِ خُرُوجِهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ فِي ذَلِكَ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ وَكَذَا مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ تَأْوِيلًا بَاطِلًا؛ إِذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الْخَبَرِ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ كَذَا قَالَ.
وَمِنَ اللَّطَائِفِ مَا قَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ اخْتِصَاصَ الشَّعِيرِ، بِذَلِكَ لِمَا فِي الْمَنَامِ مِنَ الشُّعُورِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ إِلَخْ) وَقَعَ لَنَا فِي نُسْخَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ حَيَّوَيْهِ، عَنِ النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ طَرَفَيْ شَعِيرَةٍ، وَمَنِ اسْتَمَعَ الْحَدِيثَ، وَمَنْ صَوَّرَ الْحَدِيثَ.
وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا السَّنَدِ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا وَلَكِنِ اقْتَصَرَ مِنْهُ النَّسَائِيُّ عَلَى قَوْلِهِ: مَنْ صَوَّرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعَبَةُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ دِينَارٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ عَنْ أَبِي هِشَامٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ) كَذَا فِي الْأَصْلِ مُخْتَصَرًا اقْتَصَرَ عَلَى أَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ
стр. 7417
مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ بِهَذَا السَّنَدِ فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ تَحَلَّمَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ فَذَكَرَهُ كَذَلِكَ وَلَفْظُهُ: مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ.
قَوْلُهُ: (مَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوَهُ) قُلْتُ: كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَفَعَهُ وَلَفْظُهُ: مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ، وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً يُعذَّبُ بِهَا وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهَذَا السَّنَدِ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ هِشَامٌ) يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ) يَعْنِي مَوْقُوفًا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) هُوَ الطُّوسِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ مَاتَ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: صَدُوقٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: فِي حَدِيثِهِ عِنْدِي ضَعْفٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: خَالَفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ النَّاسَ وَلَيْسَ بِمَتْرُوكٍ.
قُلْتُ: عُمْدَةُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَلَامُ شَيْخِهِ عَلِيٍّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فَلَمْ يُفَسِّرْهُ وَلَعَلَّهُ عَنَى حَدِيثًا مُعَيَّنًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا إِلَّا وَلَهُ فِيهِ مُتَابِعٌ أَوْ شَاهِدٌ؛ فَأَمَّا الْمُتَابِعُ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِهِ وَأَتَمَّ مِنْهُ وَلَفْظُهُ: أَفْرَى الْفِرَى مَنِ ادُّعِيَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَأَفْرَى الْفِرَى مَنْ أَرَى عَيْنَهُ مَا لَمْ يَرَ وَذَكَرَ ثَالِثَةً وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا شَاهِدُهُ فَمَضَى فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يُدْعَى الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِي عَيْنَهُ مَا لَمْ يَرَ وَذَكَرَ فِيهِ ثَالِثَةً غَيْرَ الثَّالِثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى) أَفْرَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَيْ أَعْظَمُ الْكِذْبَاتِ وَالْفِرَى بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْقَصْرِ جَمْعُ فِرْيَةٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْفِرْيَةُ الْكِذْبَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَأَرَى الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ وَصَفَهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِمَا قَالَ: وَنِسْبَةُ الْكِذْبَاتِ إِلَى الْكَذِبِ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ لَيْلٌ أَلْيَلُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُرِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ وَإِفْرَادِ الْعَيْنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا لَمْ يَرَيَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَمَعْنَى نِسْبَةِ الرُّؤْيَا إِلَى عَيْنَيْهِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا شَيْئًا أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِالرُّؤْيَةِ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ كَوْنِ هَذَا الْكَذِبِ أَعْظَمَ الْأَكَاذِيبِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
٤٦ - بَاب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا
٧٠٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ.
٧٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنْ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ.
стр. 7418
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا) كَذَا جَمَعَ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ فِي التَّرْجَمَةِ فَلَا يُخْبِرْ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: فَلَا يُحَدِّثْ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي) عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى أُعْرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أُحَمُّ لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرِهَا فِي ظَنٍّ، يُقَالُ عُرِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مُخَفَّفًا يَعْرَى بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا أَصَابَهُ عُرَاءٌ بِضَمِّ ثُمَّ فَتْحٍ وَمَدٍّ وَهُوَ نَفْضُ الْحُمَّى، وَمَعْنَى لَا أُزَمَّلُ وَهُوَ بِزَايٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ أَتَلَفَّفُ مِنْ بَرْدِ الْحُمَّى، وَوَقَعَ مِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَكِنْ قَالَ: أَلْقَى مِنْهَا شِدَّةً بَدَلَ أُعْرَى مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ أَنِّي لَا أُعَاد، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ إِنْ كُنْتُ لَأُرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لَأُرَى بِزِيَادَةِ اللَّامِ، وَالْأُولَى أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِالرُّؤْيَا الْحَسَنَةِ مَنْ لَا يُحِبُّ قَدْ يُفَسِّرُهَا لَهُ بِمَا لَا يُحِبُّ إِمَّا بُغْضًا وَإِمَّا حَسَدًا فَقَدْ تَقَعُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يَتَعَجَّلُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا، فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيثِ مَنْ لَا يُحِبُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) تَقَدَّمَ فِي (بَابِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.
٤٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ
٧٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا. فَقَالَ ﷺ : اعْبُرْهَا. قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ به رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ: أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: لَا تُقْسِمْ.
стр. 7419
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِيهِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ رَفَعَهُ: الرُّؤْيَا عَلَى رَجُلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ سَقَطَتْ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي قِلَابَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يُعْبَرُ، مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَضَعُهَا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَنَسٍ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ.
وَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِفُ - يَعْنِي فِي التِّجَارَةِ - فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي غَائِبٌ وَتَرَكَنِي حَامِلًا، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِي انْكَسَرَتْ وَأَنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا أَعْوَرَ، فَقَالَ: خَيْرٌ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَالِحًا وَتَلِدِينَ غُلَامًا بَرًّا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَائِبٌ، فَسَأَلْتُهَا فَأَخْبَرَتْنِي بِالْمَنَامِ، فَقُلْتُ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَتَلِدِينَ غُلَامًا فَاجِرًا، فَقَعَدَتْ تَبْكِي، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ. إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا.
وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ جَائِزَ بَيْتِي انْكَسَرَ - وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا - فَقَالَ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكِ زَوْجَكِ، فَرَجَعَ سَالِمًا الْحَدِيثَ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ هُوَ الَّذِي عَبَرَ لَهَا الرُّؤْيَا الْأَخِيرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ الْخَبَرُ الْأَخِيرُ الْمَرْفُوعُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْعَابِرُ مُصِيبًا فِي تَعْبِيرِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ لَوْ بَيَّنَهُ لَهُ لَكَانَ الَّذِي بَيَّنَهُ لَهُ هُوَ التَّعْبِيرَ الصَّحِيحَ وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّعْبِيرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا كَانَ الْعَابِرُ الْأَوَّلُ عَالِمًا فَعَبَرَ فَأَصَابَ وَجْهَ التَّعْبِيرِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَصَابَ بَعْدَهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَدَارُ إِلَّا عَلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامِ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ فِيمَا ضَرَبَهُ مِنَ الْمَثَلِ، فَإِذَا أَصَابَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيَسْأَلِ الثَّانِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ وَيُبَيِّنَ مَا جَهِلَ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُسَاعِدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ: إِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَ عُبِرَتْ بِأَنَّ عَابِرَهَا يَكُونُ عَالِمًا مُصِيبًا، فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حِكْمَةِ هَذَا النَّهْيِ أَنَّهُ رُبَّمَا فَسَّرَهَا تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مَحْبُوبَةً فِي الْبَاطِنِ فَتَقَعَ عَلَى مَا فُسِّرَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي، فَلَهُ إِذَا قَصَّهَا عَلَى أَحَدٍ فَفَسَّرَهَا لَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنْ يُبَادِرَ فَيَسْأَلَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُصِيبُ فَلَا يَتَحَتَّمُ وُقُوعُ الْأَوَّلِ، بَلْ وَيَقَعُ تَأْوِيلُ مَنْ أَصَابَ، فَإِنْ قَصَّرَ الرَّائِي فَلَمْ يَسْأَلِ الثَّانِيَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فَسَّرَ الْأَوَّلُ. وَمِنْ أَدَبِ الْمُعَبِّرِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا فَقَصَّهَا عَلَى أَخِيهِ فَلْيَقُلْ: خَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ لِأَعْدَائِنَا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَلَكِنْ سَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ زِمْلٍ الْجُهَنِيِّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ وَلَمْ يُسَمَّ فِي الرِّوَايَةِ، وَسَمَّاهُ أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ قَالَ ابْنُ زِمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: خَيْرًا تَلْقَاهُ وَشَرًّا تَتَوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اقْصُصْ رُؤْيَاكَ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَذَكَرَ أَئِمَّةُ التَّعْبِيرِ أَنَّ
стр. 7420
مِنْ أَدَبِ الرَّائِي أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَأَنْ يَنَامَ عَلَى وُضُوءٍ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ نَوْمِهِ الشَّمْسَ وَاللَّيْلَ وَالتِّينَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَيِّئِ الْأَحْلَامِ، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رُؤْيَا صَالِحَةً صَادِقَةً نَافِعَةً حَافِظَةً غَيْرَ مُنْسِيَةٍ، اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي مَا أُحِبُّ. وَمِنْ أَدَبِهِ أَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا عَدُوٍّ وَلَا جَاهِلٍ. وَمِنْ أَدَبَ الْعَابِرِ أَنْ لَا يَعْبُرَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَا فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ لِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ إِلَّا فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَسُرَ عَلَى أَصْحَابِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَالْبَرْقَانِيِّ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ) كَذَا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَتَرَدَّدَ الزُّبَيْدِيُّ هَلْ هُوَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ أَحْيَانًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ الدِّيرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَبْدَ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَاقْتَصَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: قَالَ إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَانَ مَعْمَرٌ يَتَرَدَّدُ فِيهِ حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَةُ بِكِتَابٍ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ لَا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ هَكَذَا بِالشَّكِّ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ صَحِيحُهُ آخِرَ زَمَانِهِ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ هَكَذَا، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ مُسْتَوْعَبًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ رُؤْيَا بِاللَّيْلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الذُّهْلِيُّ: الْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ، وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ يُونُسَ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تُقْسِمْ، فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرُهَا لَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلْيَقُصَّهَا لِيَذْكُرْ قِصَّتَهَا وَيَتَّبِعْ جُزْئِيَّاتِهَا حَتَّى لَا يَتْرُكَ مِنْهَا شَيْئًا، مِنْ قَصَصْتُ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعْتُهُ، وَأَعْبُرُهَا أَيْ أُفَسِّرُهَا.
وَوَقَعَ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْمَدِينَةِ، أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ صَغِيرًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأُحُدٌ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا
стр. 7421
أَبُو هُرَيْرَةَ فَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي رَأَيْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إِنَى أَرَى كَأَنَّهُ لِقُوَّةِ تَحَقُّقِهِ الرُّؤْيَا كَانَتْ مُمَثَّلَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (ظُلَّةٌ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةٌ لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ ثَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الظُّلَّةُ أَوَّلُ شَيْءٍ يُظِلُّ، زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَمَعْنَاهُ تَقْطُرُ بِقَافٍ وَطَاءٍ مَضْمُومَةٍ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا يُقَالُ نَطَفَ الْمَاءُ إِذَا سَالَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَيْلَةَ نَطُوفُ أُمْطِرَتْ إِلَى الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِأَيْدِيهِمْ قَالَ الْخَلِيلُ: تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ يَسْتَقُونَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ أَيْ يَأْخُذُونَ فِي الْأَسْقِيَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَتَكَفَّفُونَ يَأْخُذُونَ كِفَايَتَهُمْ وَهُوَ أَلْيَقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ.
قُلْتُ: وَمَا أَدْرِي كَيْفَ جَوَّزَ أَخْذَ كَفَى مِنْ كَفَّفَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيِ الْآخِذُ كَثِيرًا وَالْآخِذُ قَلِيلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَمَنْ بَيْنَ مُسْتَكْثِرٍ وَمُسْتَقِلٍّ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا سَبَبٌ) أَيْ حَبْلٌ.
قَوْلُهُ: (وَاصِلٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: وَرَأَيْتُ لَهَا سَبَبًا وَاصِلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَكَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: فَأَعْلَاكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ ثُمَّ أَخَذَهُ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ بَعْدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ حُسَيْنٍ مِنْ بَعْدِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَا بِهِ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فَأَعْلَاهُ اللَّهُ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ هُنَا بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكُمْ فَأَخَذَ بِهِ فَقُطِعَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وُصِلَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَوُصِلَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ فَقُطِعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَبِي أَنْتَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأُمِّي.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ائْذَنْ لِي.
قَوْلُهُ: (فَأَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَلَأَعْبُرَنَّهَا بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ عَبَّرَهَا بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَأَذِنَ لَهُ، زَادَ سُلَيْمَانُ وَكَانَ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَا لِمَعْمَرٍ، وَالزُّبَيْدِيِّ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ كَرِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَكَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَهِيَ الَّتِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهَا.
قَوْلُهُ: (فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطِفُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَمَعْمَرٍ، وَبَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ فَالْقُرْآنُ فِي حَلَاوَةِ الْعَسَلِ وَلِينِ السَّمْنِ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَالْآخِذُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَقَلِيلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا السَّبَبُ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَأَمَّا السَّبَبُ فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ تَعْلُو فَيُعْلِيكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ بَعْدِكَ زَادَ سُفْيَانُ
стр. 7422
بْنُ حُسَيْنٍ عَلَى مَنَاهِجِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدُ كَمَا رَجُلٌ يَأْخُذُ مَأْخَذَكُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقْطَعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَيُعْلِيهِ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ هَلْ أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ أَخْطَأْتُ.
قَوْلُهُ: (أَصَبْتُ بَعْضًا وَأَخْطَأْتُ بَعْضًا) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَوَاللَّهِ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّفَقَا لَتُحَدِّثُنِي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَصَبْتُ مِنَ الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَاقِيَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَا تُقْسِمْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَمِثْلُهُ لِمَعْمَرٍ لَكِنْ دُونَ قَوْلِهِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مَا الَّذِي أَصَبْتُ وَمَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمْ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: تَوْجِيهُ تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الظُّلَّةَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَقِي الْأَذَى وَيَنْعَمُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَسَلُ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ شِفَاءً لِلنَّاسِ، وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الْقُرْآنَ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ وَقَالَ إِنَّهُ ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَهُوَ حُلْوٌ عَلَى الْأَسْمَاعِ كَحَلَاوَةِ الْعَسَلِ فِي الْمَذَاقِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ فِي السَّمْنِ شِفَاءً.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يَكُونُ عَبَرَ الظُّلَّةَ بِذَلِكَ لَمَّا نَطَفْتِ الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ اللَّذَيْنِ عَبَرَهُمَا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْلُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالَّذِينَ أَخَذُوا بِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هُمُ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ وَعُثْمَانُ هُوَ الَّذِي انْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ اتَّصَلَ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَمَوْضِعُ الْخَطَإِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ وَصَلَ لَهُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ وَصَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ.
قُلْتُ: بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَهُ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ كُلُّهُمْ عَنْ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَوَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، ثُمَّ ابْنُ الْمُهَلَّبِ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَتِ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُرَ الْمَوْصُولَ لَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَانَ انْقَطَعَ بِهِ الْحَبْلُ ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ كاد يَنْقَطِعُ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْلَ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ، فَلَمْ يَتِمَّ فِي تَبْيِينِ الْخَطَإِ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّبُ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ قِيلَ خَطَؤُهُ فِي قَوْلِهِ: فَيُوصَلُ لَهُ وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهُ يُوصَلُ وَلَيْسَ فِيهَا لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَلْ لِعُثْمَانَ، وَإِنَّمَا وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِعَلِيٍّ، وَمَوْضِعُ التَّعَجُّبِ سُكُوتُهُ عَنْ تَعَقُّبِ هَذَا الْكَلَامِ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْخَطَأُ هُنَا بِمَعْنَى التَّرْكِ أَيْ تَرَكْتَ بَعْضًا لَمْ تُفَسِّرْهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قِيلَ السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ: وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا قَصَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقَّ
стр. 7423
بِتَعْبِيرِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمَّا طَلَبَ تَعْبِيرَهَا؟ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً فَقَالَ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قِيلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ الْقَائِلُ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْطَأَ فِي مُبَادَرَتِهِ بِتَفْسِيرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَقَالَ: هَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اعْبُرْهَا.
قُلْتُ: مُرَادُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ابْتِدَاءً بَلْ بَادَرَ هُوَ فَسَأَلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَعْبِيرِهَا فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: أَخْطَأْتَ فِي مُبَادَرَتِكَ لِلسُّؤَالِ أَنْ تَتَوَلَّى تَعْبِيرَهَا، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَخْطَأْتَ فِي تَعْبِيرِكَ، لَكِنْ فِي إِطْلَاقِ الْخَطَأِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ لِلسَّمْعِ مِنْ جَوَابِ قَوْلِهِ: هَلْ أَصَبْتَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِصَابَةَ وَالْخَطَأَ فِي تَعْبِيرِهِ لَا لِكَوْنِهِ الْتَمَسَ التَّعْبِيرَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ بَعْدَهُ الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، أَيْ أَخْطَأْتَ فِي بَعْضِ تَأْوِيلِكَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ؛ حَيْثُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، وَالدَّاوُدِيِّ نَحْوَ مَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَفْظُهُمْ: أَخْطَأَ فِي سُؤَالِهِ أَنْ يَعْبُرَهَا، وَفِي تَعْبِيرِهِ لَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: إِنَّمَا كَانَ الْخَطَأُ لِكَوْنِهِ أَقْسَمَ لَيَعْبُرَنَّهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ لَمْ يُقِرَّهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمُ فَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَهَا فَيُسْمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَقُولُهُ فَيَعْرِفَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ عِلْمَ نَفْسِهِ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ: الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ، فَفَسَّرَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ.
قُلْتُ: وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّعْبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: قَالُوا هُنَا وَهِمَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّمْنُ وَالْعَسَلُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا الْفَهْمَ وَالْحِفْظَ، وَأَيَّدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَا نُسِبَ لِلطَّحَاوِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي إِحْدَى إِصْبَعَيَّ سَمْنًا وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا فَأَلْعَقُهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا.
قُلْتُ: فَفَسَّرَ الْعَسَلَ بِشَيْءٍ وَالسَّمْنَ بِشَيْءٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَبَرَّ النَّبِيُّ ﷺ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَلَا إِبْرَارَ، وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَبِ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَهُ السَّبَبَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُوَبِّخَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُبَادَرَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ فِي تَرْكِ تَعْيِينِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، فَلَوْ أَبَرَّ قَسَمَهُ لَلَزِمَ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ عَيَّنَهُمْ لَكَانَ نَصًّا عَلَى خِلَافَتِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ تَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَتَرَكَ تَعْيِينَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ عِلْمُ غَيْبٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ وَيُخْفِيَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأْتَ وَأَصَبْتَ أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا مَرْجِعُهُ الظَّنُّ، وَالظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقِيلَ لَمَّا أَرَادَ الِاسْتِبْدَادَ وَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى يُفَادَ جَازَ مَنْعُهُ مَا يُسْتَفَادُ فَكَانَ الْمَنْعُ كَالتَّأْدِيبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ الْخَطَإِ وَالتَّوَهُّمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهِمَا إِنَّمَا أَحْكِيهِ عَنْ قَائِلِهِ وَلَسْتُ رَاضِيًا بِإِطْلَاقِهِ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ، وَقِيلَ الْخَطَأُ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ فِي الْمَنَامِ رَأَى أَنَّهُ آخِذٌ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ، وَعُثْمَانُ قَدْ قُتِلَ قَهْرًا وَلَمْ يَخْلَعْ نَفْسَهُ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ إِبْرَارَ الْقَسَمِ لِمَا يَدْخُلُ فِي النُّفُوسِ لَا سِيَّمَا مِنَ
следующие страницы →