Полный текст (779 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تفسير الموطأ
تأليف
أبي المطرف عبد الرحمن بن مروان القنازعي القرطبي الأندلسي
ولد سنة ٣٤١ هـ وتوفي سنة ٤١٣ هـ - رحمه الله تعالى -
حققه وقدم له وخرج نصوصه
الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
طبع بتمويل
الهيئة القطرية للأوقاف
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة
سَعَادَة وَزِير الْأَوْقَاف والشئون الإسلامية
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله الْأمين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.
وَبعد:
فقد اعتنى الْمُسلمُونَ بِحَدِيث نَبِيّهم وحفظوه بوسائله المتاحة، وَأَقَامُوا حوله سياجًا من الْعُلُوم الَّتِي يُمكن أَن نسميها حارسة، فِيمَا عرف بِعلم الحَدِيث، وَمَعَ بداية عصر المصنفات فِي السّنة، كَانَ "موطأ الإِمام مَالك" فِي الطليعة، فلقى الْكثير من الْعِنَايَة، بشروح ماتعة على مداد الْقُرُون المتتابعة، وَكَانَ لعلماء الأندلس الْعِنَايَة الْخَاصَّة بِهِ.
وَالْيَوْم نواصل المسيرة فِي إحْيَاء التراث الإسلامي، تقدم شرحًا أندلسيًا رائعًا، هُوَ فِي الْحَقِيقَة تحفة علمية تضافرت جهود من أَجله:
- الْمُحَقق: الَّذِي عانى تَحْقِيقه.
- ولجنة إحْيَاء التراث الإسلامي بوزارة الْأَوْقَاف والشئون الإسلامية الَّتِي قَامَت بمراجعته وتدقيقه.
- وإدارة الشئون الإسلامية: الَّتِي تشرف على طباعته وإصداره وتوزيعه.
- الْهَيْئَة القطرية للأوقاف: الَّتِي جددت بتمويله دورًا للْوَقْف فِي الْأمة.
فالشكر لَهُم جَمِيعًا، وَالْحَمْد لله أَولاً وأخيرًا.
فيصل بن عبد الله آل مَحْمُود
وَزِير الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية
رَئِيس مجْلِس إدارة الْهَيْئَة القطرية للأوقاف
دولة قطر
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، والصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدنا مُحَمَّدٍ سيد المرسلين، وعلى آلهِ وصَحْبهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
وبعد:
فإنَّ مِمَّا خَصَّ اللهُ تَعَالَى به هذِه الأُمَّةَ أَنَّ الكِتَابَ المُنَزَّلَ لِهَدَايَتِهِم مِنْ عِنْدِ الله تعالَى قدْ نُقِلَ بالتَّوَاتُرِ القَطْعِيِّ حِفْظًا في الصُّدُورِ، وكِتَابةً في السُّطُورِ، فَلَمْ يَتَبدَّلْ، ولَمْ يَتَغَيَّرْ، ولَمْ تَغِبْ منهُ كلمةٌ وَاحِدَةٌ، وأنَّ السُّنَّةَ النبويَّةَ، وسِيرةَ سَلَفِ الأُمَّةِ قدْ رُويتا بالأَسانيدِ، ودُوِّنتا في الكُتبِ بِعِنَايةٍ يَسْهُل معها التَّمْييزُ بينَ المقبولِ والمردُودِ.
ومِمَّا خَصَّ الله تعالى به هذه الأُمَّةَ أيضًا أنه يَبْعَثُ فِيهَا مُجَدِّدينَ لأَمْرِ الدِّينِ، يَكُونُ هَمَّهُم إعَادةُ الحياةِ إلى الإسْلاَمِ مِنْ جَدِيد، وإرشادُ النَّاسِ إلى المنهج الصَّحِيحِ المُوَافِقِ لِكِتَابِ اللهِ، وسنَّةِ رَسُولهِ ﷺ ، وإزَالةُ مَا عَلِقَ مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ والمَعَاصِي.
وكَانَ مِنْ أَجَلِّهِم في القُرُونِ الأُولَى قَدْرًا، وأَنْبَهَهَم ذِكْرًا، إمامُ دارِ الهِجْرةِ أبو عبدِ الله مَالِكُ بنُ أنسٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
فقدْ وَفَّقهُ اللهُ تعالَى إلى أنْ يَكُونَ أحدَ مَنْ حَفِظَ سُنَّةَ النبيِّ ﷺ دِرَاية وَرِوَايةً، بلْ إنَّهُ لم يكنْ بالمدِينةِ عَالِم مِنْ بَعْدِ التَّابعِينَ يَشْبَههُ في العِلْمِ، والفِقْهِ، والجَلاَلةِ، والحِفْظِ -على حَدِّ قَوْلِ الإمامِ الذَّهبيِّ (١) - وإنَّ كِتَابَهُ (الموطَّأ) يُعَدُّ مِنْ أَهمِّ ذَخَائرِ الحواشي
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٨.стр. 5
كُتُبِ الحديثِ المُدَوَّنةِ، ومِنْ أَقَواها مَتْناً، وأَعْلاَها سَنَدًا، وأَغْزَرهَا فِقْها، ولِذا تَلَقَاهُ عنهُ خَلْقٌ مِنْ تلامذِته، ونشَرُوه في الآفاقِ، وحَرَصَ المُصَنِّفُونَ في السُّنَنِ والآثارِ على رِوَايةِ الكَثِيرِ مِنْ مَرْويَاتهِ مِنْ طُرُقٍ كَثيرَةٍ، وَرِوَاياب مُتَنوِّعةٍ، كَمَا تَنَاولهُ بالخِدْمةِ جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الُمحَدِّثينَ والفُقَهاءِ، تَمَثَّلَ فِي شَرْحهِ، وتَفْسِيرِ أَلْفَاظهِ، واخْتِصَارِه وتَهْذِيبهِ، وبَيَانِ أَطْرَافهِ، وَوَصْلِ مُنْقَطعَاتهِ وبَلاَغَاتهِ، وتَوْضِيحِ رِجَالهِ وأَسَانِيدِه وغيرِ ذلك.
وكانَ لِعُلَماءِ الأَنْدَلُسِ وأَهْلِ المَغْرِبِ النَّصِيبُ الوَافِر في خِدْمَةِ هَذا الكِتَابِ العَظِيمِ، فألّفُوا فيهِ تأَليفَ كَثيرة، اسْتَعْرضَها بعضُ المؤلِّفينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا (١) .
ومنْ أَهَمِّ مَنْ قامَ بشِرْحهِ: الإمامُ الفَقِيهُ المُحَدِّثُ الزَّاهِدُ أبو المُطَرّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوانَ القُنَازِعيُّ القرْطُبِي.
فقدْ تَوَلَّى شَرْحَ الموطَّأ، مُعْتَمِداً على رِوَايةِ يَحْيَى بنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، وعَلَى بَعْضِ رِوَاياتِ المُوطَّأ الأُخْرَى، وعَلَى رَأْسِهَا رِوَايةِ يَحْيى بنِ بُكَيْرٍ، واعْتَمدَ فِي شَرْحهِ على أقوالِ عُلَماءِ الأَنْدَلُسِ خَاصَّةً، معَ اعتمادِه أيضًا على أقوالِ عُلَماءِ الأَمْصَارِ الآخَرِينَ مِنْ أئمة المالكيَّة وغَيْرِهم.
ويُعَدُّ هذا الكتابُ مِنْ أَفْضَلِ الكُتُبِ في شَرْحِ أَحَادِيثِ الموطَّأ، وفي بيانِ الأَحْكامِ الفقهيَّةِ، وعَرْضِ أقوالِ العلماءِ المتقدِّمينَ منهم والمتَأخِّرينَ.
وقدْ أشادَ بهِ كَثيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
منهُم: القَاضِي عِياض، فقالَ في تَرْجَمَتهِ: (وكَانَ أَقْوَمَ مَنْ بَقِيَ بِحَدِيثِ مُوطَّأ مالكٍ، ولهُ تَفْسِيرٌ، كِتَابٌ مَشْهُورٌ، مُفِيدٌ، مُسْتَعملٌ) (٢) . الحواشي
(١) منهم: الإمام محمد بن خير في فهرسته، والقاضي عياض في كتابه (الغنية) وهو فهرس لشيوخه، وفي كتابه النفيس (ترتيب المدارك)، ومن المعاصرين: الباحث المغربي محمد بن عبد الله التليدي في كتابه القيِّم (تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه)، والدكتور مشعل الحدادي في كتابه (الإمام مالك وأثره في علم الحديث النبوي).(٢) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٣.стр. 6
وقالَ ابنُ بَشْكُوالَ: (وجمعَ فِي تَفْسِيرِ الموطَّأ كِتَاباً حَسَناً مُفِيداً، ضَمَّنهُ ما نقلهُ يَحْى بنُ يَحْيَى في مُوطَّأه، ويَحْيَى بنُ بُكَيرٍ أيضاً فِي مُوطَّأه) (١) .
والحمدُ للهِ الذي وَفَّقني إلى تَحْقِيقِ هَذا الكِتَابِ النَّفِيسِ الذي تَمَيَّزَ بِكَثيرٍ مِنَ الخَصَائصِ والمَحَاسِنِ عَنِ الكُتبِ المُؤَلَّفةِ في مَوْضُوعهِ، وقَدَّمتُ الكِتَابَ بِمقُدِّمةٍ مُفِيدَةٍ عَنِ المُصَنِّفِ الذِي كَانَ نَادِرَةَ زَمَانهِ، ومِنْ أعيانِ المُحَدِّثينَ والمُقْرِئينَ بالأَنْدَلُسِ، وكتبتُ أيضأ مُقَدّمةً عَنْ كِتَابهِ (تَفْسِيرِ الموطَّأ) وأَهَمَّيتهِ، ومَنْهَجِ المُصَنِّفِ فيه، ثُمَّ خَدَمتُ الكِتَابَ بالفَهَارسِ الكَاشِفةِ.
وقدْ أتعبتُ نَفْسِي، وأَقْصَرْتُ نَهَارِي، وأَسْهَرْتُ لَيْلِي في ضَبْطِ هذا الكِتَابِ الماتعِ، وتَرْتيبِ نُصُوصهِ وفِقْرَاتهِ، والتَّعْلِيقِ عليهِ بِمَا يُوضحُ عَبَارَاتهِ وكَلِمَاتهِ، وإصْلاَحِ أَخْطَاءِ النُّسْخَةِ وسَقَطاتِها، وأَرْجُو مِنَ الله تعالَى أنْ أكُونَ قدْ وُفِّقتُ لذلكَ، ومَا تَوْفِيقِي إلَّا باللهِ، عليه توكلَّتُ وإليه أُنيبُ.
واللهَ تعالَى أسألُ أنْ يَنْفَعَنِي وإخْوَانِي بهذا الكِتَابِ المفيدِ، وأنْ يَجْزِيَ مُؤلّفَهُ الإمامَ أبا المُطَرِّفِ القُنَازِعيَّ بِرِضْوَانهِ العَظِيمِ، ونَعِيمهِ المُقِيمِ، على ما بذَلَهُ مِنْ جُهُودٍ مَشْكُورَةٍ في خِدْمةِ كِتَابِ اللهِ ، وسُنَّةِ نَبِيَّهِ ﷺ .
وصَلَّى الله تعالَى وسَلَّمَ على سيِّدنا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلهِ وصَحْبهِ أجمعينَ، والحمدُ لله رَبِّ العالمينَ.
* * * стр. 7
المقدمة
وفيها خَمْسةُ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلِ: عَصْرُ أَبي المُطَرِّفِ القُنَازِعيِّ.
الفصل الثاني: ترجمة أبي المُطَرِّفِ.
الفصل الثالث: شُيُوخُ أَبي المُطَرِّفِ وتَلاَمِيذُه.
الفصل الرابع: مَرْويَاتُ أَبي المُطَرِّف ومَسْمُوعَاتهِ.
الفصل الخامس: دِرَاسةُ الكِتَابِ.
стр. 8
الفصل الأول
عصر أبي المطرف القنازعي
وفيه مَبْحَثانِ:
المبحث الأوَّلِ: الحياةُ السيَاسيِّة.
المبحثُ الثاني: الحياةُ العلميَّةِ.
стр. 9
المبحث الأول
الحياة السياسية (١)
مَرَّتِ الأندلسُ خِلالَ حياةِ أبي المُطَرِّفِ بأربعِ مَرَاحِلَ سِيَاسيةٍ، هي:
المَرْحَلةُ الأولى: مَرْحَلةُ الخِلَافةِ:
وتَبْتَدِئُ مِنْ تَارِيخِ إعْلانِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَكَمِ بنِ هِشَامِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ المَرْوَانِي، المُلَقَّبِ بالنَّاصرِ لِدِينِ الله تَسْميتَهُ بأميرِ المؤمنينَ سنة (٣١٦) ، وتَنْتَهِي بوفَاةِ الحَكَمِ المُسْتَنْصِرِ باللهِ سنة (٣٦٦) .
وكانَ لِشَجاعةِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصرِ وصَرَامتهِ سَبَباً في وِحْدَةِ البَلاَدِ مِنْ أَقْصَاهَا إلى أَقْصَاهَا، وغَدا ثَانِي أَعْظَمِ مُلُوكِ الأَنْدَلُسِ بَعْدَ عبدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ، وهو بانِي مَدِينةَ الزَّهْرَاءِ الشَّهِيرةِ، ودَامتْ دَوْلتهُ خَمْسِينَ عَاماً مِنَ الحُكْمِ، ثُمَّ توفي سنةَ (٣٥٠) .
ثُمَّ خَلَفَهُ ابنهُ الحَكَمُ الثَّانِي المُسْتَنْصِرُ باللهِ، وقدْ جَاوزَ السَّابِعَةَ والأربعينَ مِنْ الحواشي
(١) كل ما ذكرته في هذا المبحث والذي يليه إنما هو استقراء للتاريخ من المصادر التالية: كتاب (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية) لأمير البيان شكيب أرسلان، وهو مطبوع في ثلاث مجلدات بالقاهرة، وكتاب (قرطبة حاضرة الخلافة بالأندلس) للدكتور عبد العزيز سالم، دار النهضة بمصز، وكتاب (قرطبة في العصر الإسلامي - تاريخ وحضارة) للدكتور أحمد فكري، صدر عن مؤسسة الجامعة بالاسكندرية، و (التاريخ الأندلسي من الفتح إلى سقوط غرناطة) للدكتور عبد الرحمن علي الحجي، وهو مطبوع في دار القلم بدمشق.стр. 10
عُمُرهِ، وكانَ الحَكَمُ حَلِيماً رَفِيقَاً، كمَا كانَ صَارِماً قَاسيًّا على المتلَاعِبينَ مِنَ العُمَّالِ، وظَلَّ مُدَّةَ خِلاَفتهِ مُوَاصِلاً لِغَزْوِ الرُّومِ، ومَنْ خَالَفهُ مِنَ المُحَارِبينَ، ولَمَّا أَحَسنَ بِقُرْبِ نِهَايتهِ عَهِدَ لابنهِ هِشَامِ الثَّاني الذي لُقِّبَ بالمؤيدِ باللهِ، وكانَ صَبِيًّا، وقدْ أُخِذَ عليهِ لِتَقْدِيمِة ابنهِ الصَّبِيِّ على الأَكِفَّاءِ مِنْ أَعْمَامهِ، وتُوفِّي الحَكَمُ سنةَ (٣٦٦) ، وبِمَوْتهِ اخْتَفَى آخرُ العُظَماءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ الأَنْدَلُسِيْينَ (١) .
المرحلةُ الثانية: مَرْحَلةُ الدَّولةِ العَامِريَّةِ:
لما بُويعَ هِشَامُ بالخِلاَفةِ كانَ له مِنَ العُمُرِ أحدَ عشَر سنةً، واستطاعَ مُحَمَّدُ بنُ أَبي عامرٍ المعروفُ بالحَاجِبِ المَنْصُورِ أنْ يَكُونَ وَصِيًّا على الغُلاَمِ الخَلِيفةِ، وما لبثَ حتى اسْتَجْمَعَ أَزِمَّةِ السُّلْطةِ في يَدِه تِبَاعًا، وانتهى الأمرُ بأنْ فَرَضَ ابنُ أبي عَامِرٍ نَفْسَهُ حَاكِمًا مُطْلَقًا للأندلُسِ، وغَدا الخليفَةُ هِشَامٌ ليسَ له مِن الأمرِ شَيء، وكانَ ذلك سنة (٣٧١) ، وقامَ المنصورُ بأمورِ الخِلاَفةِ خيرَ قِيامٍ، وكانَ حُكْمهُ مِنَ العُصُورِ الزَّاهيةِ في تاريخِ الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ تُوفِّي سنة (٣٩٢) مُتَأثرًا بِجِرَاحهِ إثْرَ قُفُولهِ مِنْ غَزْوَة لأَرَاضِي قُشْتَالةَ.
ثُمَّ تَولَّى عبدُ الملكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَبي عَامِرٍ الحِجَابةِ مَعَ بقاءِ اسمِ الخِلاَفةِ للمُؤيِّدِ باللهِ هِشام الثَّانِي، وقد استمَرَّ عبدُ الملكِ فِي تَجْهِيزِ الجُيُوشِ، وتَوْطِيدِ الأَمْنِ، وحِمَايةِ الثغُورِ، لَكِنَّهُ مَا لَبثَ أَنْ توفي في صَفَر سنة (٣٩٩) ، فَخَلَفهُ أخوُه عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ المنصورِ بنِ أَبي عَامِرٍ المُلَقَّبِ بالناصر والمعروفُ بِشَنْجُولَ، ولم يكنْ مثلَ أبيهِ وأخيهِ، فلمْ يَلْبثْ أَنْ طَلَبَ مِنَ الخَلِيفَةِ هِشَام المؤيَّدِ باللهِ بأن يَكْتَبُ إليهِ وِلَايةَ العَهْدِ مِنْ بَعْدِه، وحَصَلَ لَهُ مَأْمُولَهُ، فكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ فَتِيلٍ في الفِتْنَةِ، الحواشي
(١) وصف الذهبي في السير ١٧/ ١٣٢ - ١٣٣ هشامًا هذا بقوله: كان ضعيف الرأي، قليل العقل، يُصدق بما لا يكون، وأعطى مرة مالا عظيما لمن جاءه بحافر حمار وزعم أنه حافر حمار العزيز، وأتاه آخر بحجر، فقال: هذا من الصخرة، وأتاه آخر بشعر، فقال: هذا من شعر النبي ﷺ ، فلهذا كان المنصور يمنع الناس من الإجتماع به.стр. 11
يُضَافُ إلى ذَلِكَ إلى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْظَى باحْتِرَامِ الجَيْشِ، ولاَ بِحُبِّ النَّاسِ له مِمَّا هيَّا للثورةِ عليه.
وانتهزَ مُحَمَّدُ بنُ هِشَامِ بنِ عبدِ الجبَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الفُرْصَةَ في غِيابِ شَنْجُولَ، بأنْ ثَارَ عليهِ وسَيْطَرَ على قُرْطُبةَ، ثُمَّ اسْتَطاعَ أنْ يَقْبضَ على شَنْجُولَ ويَقْتُلَهُ، وذلكَ في رجَب سنة (٣٩٩) ، وهَكَذا انْهَارتْ الدَّولةُ العَامِريَّةِ.
المَرْحَلةُ الثالثة: مَرْحَلةُ الفِتَنِ:
عُرِفتْ هذه المرحلةُ بدايةُ القَلاَقِلِ، وتُحَدَّدُ على النَّحْو التَّالي:
أ - بدايةُ الفِتنةِ (١) : بدأتْ بأنْ أجبرَ مُحَمَّدُ بنُ هِشَامِ بنِ عبدِ الجبَّارِ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الخَلِيفَةَ هِشَامَ المُؤَيَّدَ بالله بأنْ يَتَنازَلَ عَنِ الخِلاَفةِ، وتَمَّ له ذَلِكَ، ثُمَّ تَسَمَّى بالمهْدِي (٢) ، ثُمَّ عَمَدَ إلى الخَلِيفَةِ هِشَامِ المُؤيَّدِ فأَخْفَاهُ، وأشاعَ بينَ النَّاسِ أَنَّهُ ماتَ، ثُمَّ عَهِدَ إلى هِشَامِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ النَّاصِرِ بالخِلَافةِ مِنْ بَعْدِه، ولكِنَّ سُوءَ خُلُقِ المَهْدِي وإهَانتَهُ لِرُؤَسَاءِ قَبَائلِ البَرْبرِ وَزُعَمَائِهِم جَعَلَ هِشَامٌ يَتَقَرَّبُ للبَرْبَرِ، ويَسْعَى مَعَهُم لِخَلْعِهِ، فَجَمَعُوا جُمُوعَهُم للإنْقِضَاضِ عليه، ولكنَّه بَادَرَهُم بِجَمْعٍ أكبرَ، فَشَتَّتَ شَمْلَ البَرْبرِ وقتَلَ هِشَامَ بنَ سُلَيمانَ، وانْسَحَبَ البَرْبَرُ بعدَ قَتْلِ هِشَامِ بنِ سُلَيْمَانَ إلى ضَوَاحِي قُرْطُبةَ، وفِيهِم ولدُه سُلَيْمَانُ بنُ هِشَامٍ، فَعِنْدَما عَرَفُوه وَلَّوهُ عَلَيْهِم ولَقَّبُوهُ بالرَّشِيدِ، وبَدَءَوُا يَعُدُّونَ العُدَّةَ للإسْتِيلاَءِ عَلى قُرْطُبةَ.
وتَأجَّجتِ الفِتْنةُ في قُرْطُبةَ حَيْثُ نَادَى مُنَادِي المَهْدِي بأن مَنْ أتَى بِرَأْسِ بَرْبَرِيٍّ فَلَهُ كَذَا وكَذَا، فتَسارعَ العَامَّةُ مِنْ أَهْلِ قُرْطُبةَ في قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عليهِ حتَّى امتدتْ الحواشي
(١) ينظر: جذوة المقتبس ص ١٨، وبغية الملتمس للضبي ص ٢٤، والسير ١٧/ ١٢٣، بالاضافة إلى المصادر المتقدمة.(٢) وصف ابن عذارى في البيان المُغْرِب ٣/ ٧٤ المهدي هذا بأنه أشام خليفة على وجه الدنيا، وقال الذهبي في السير ١٧/ ١٢٩: فلما استوثق الأمر للمهدي أظهر من الخلاعة والفساد أكثر مما عمله شنجول.стр. 12
الأيدِي إلى صَالِحِي المُسْلِمينَ، فَقُتِلُوا صَبْراً، ونُهِبتْ بِيُوتُهم، وهُتِكَتْ أَعْرَاضُهم، بلْ قُتِلَ الكَثيرُ مِمَّنْ قَدِمَ للرِّبَاطِ في ثُغُورِ الأَنْدَلُسِ مِنْ بلادِ المشرقِ الإسلامِيِّ، فَقُتِلُوا على أَنَّهُم بَرْبر، حتَّى أنَّ كُلَّ مَنْ كان بينَهُ وبينَ أحدٍ عَدَاوةٌ قالَ: هذا بَرْبَرِيٌّ، فَقُتِلَ.
ب - امتدادُ الفتنةِ: وعندما بلغَ البَرْبرُ ما جَرَى لإخْوَانِهِم بِقُرطُبَةَ زَحَفُوا عَليها، وعلَى رَأْسِهِم سُلَيمَانُ بنُ هشَامٍ الرَّشِيدُ، وحَاصَرُوا المَهْدِيَّ في قَصْرِه، وكانَ ذَلِكَ في شَوَّال سنة (٣٩٩) ، ولكِنَّ المهدِيَّ فَك حِصَارَهُم، وأَعْمَلَ فِيهم القَتْلَ، وظَفَر المَهْدِيُّ بقَائِدِ البَرْبرِ سُلَيْمَانَ بنِ هِشَامٍ فَقَتلَهُ، فَفَرَّ البَرْبَرُ إلى ضَوَاحِي قُرْطُبةَ، فاخْتَارُوا سُلَيْمَانَ بنَ الحَكَمِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ النَّاصرِ ولَقَّبُوهُ بالمُسْتَعِينِ -وهُو اْبنُ أَخِي الرَّشِيدِ- (١) الذي سُرْعَانَ مَا عَادَ إلى قُرْطُبةَ بِمُسَاعَدِة النَّصَارَى لموَاجَهَةِ المَهْدِي على أَنْ يُعْطيِهم مَا يَخْتَارُونهُ مِنَ الحُصُونِ المتاخِمةِ لهُ، وفي الوقتِ نَفْسهِ كانَ هناكَ وَفْدٌ مِنْ قِبلِ المَهْدِي يُسَاوِمُ النَّصَارَى على ابنِ عَمِّه ومَنْ مَعَهُ مِنَ البَرْبرِ المسلِمينَ، ولَكِنَ النَّصَارَى كَسْباً للطرَفِ القَوِيِّ مَدُّوا يدَ المُسَاعَدةِ إلى سُلَيْمَانَ المستعينِ والبَرْبَرِ، ثمَّ وَقَعَتْ الحَرْبُ بينَ جَيْشِ المُسْتِعِينِ وبينَ جَيْشٍ لأتْبَاعِ المَهْدِي، وكانتْ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِم، وَلَجَئُوا إلى المَهْدِيِّ في قُرْطُبةَ، واشْتَبكَ جَيْشُ سُلَيْمَانَ المُسْتِعينِ مَعَ أَهْلِ قُرْطُبةَ الذينَ حَشَدَهُم المهدِي مِنْ غَيْرِ نِظَامٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِم مَقْتَلَةٌ عَظِيمَة، ودَخَلَ المُستَعِينُ ومَنْ مَعَهُ منَ البَرْبرِ والنَصَارَى قُرْطُبةَ، وقتلُوا مِنْهم أكثرَ مِن ثَلاَثينَ ألفًا.
وقدْ أُوذِي أَبو المُطَرِّفِ في هذه الفِتنةِ، قالَ ابنُ حيَّانَ: امتُحِنَ بالبربرِ أوَّلَ ظُهُورِهِم مِحْنَةً أَوْدَتْ بِمَالهِ (٢) .
ج - مُناورَةُ للمَهْدِي: لما رأَى المَهْدِي مَا حَلَّ بهِ مِنْ هَزِيمَةٍ أَظْهَرَ هِشَامَ الحواشي
(١) قال الذهبي في السير ١٧/ ١٣٣ في ترجمته: دانت له الأندلس سنة(٤٠٣) ، جال بالبربر يفسد وينهب البلاد، ويعمل كل قبيح، ولا يبقي على أحد.(٢) تاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.стр. 13
المؤيَّدَ وأَقْعَدَهُ حيثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وأَرْسَلَ قاضيهِ لِيفَاوِضَ البَرْبَر ويُبْلِغُهُم أنَّ هِشَامَ المؤيَّدَ هُوَ الخَلِيفَةُ ومَا هُو إلَّا كالحَاجِبِ له، لكنَّ أهلَ قُرْطُبةَ خَذَلُوا المَهْدِيَّ، وخَرَجُوا يُرَحِّبُونَ بِسُلَيمانَ المستعينِ، ثُمَّ نُودِي بالبَيْعَةِ بالعهدِ لِسُليمانَ بنِ الحَكَمِ.
ثُمَّ فَرَّ المهدِيُّ ومَنْ مَعَهُ مِنْ قُرْطُبةَ، واتَّفَقَ مَعِ النَّصَارَى على أنْ يَتَنازَلَ عَنْ بَعْضِ الثُّغُورِ نَظِيرَ - مُسَاعَدَتِهِم ضَدَّ المُسْتَعِينِ، فخَرجَ إليهم المستعينُ باللهِ مَعَ البَرْبرِ إلى مَكَانٍ قُرْبَ قُرْطُبَةَ يُعْرَفُ بدَارِ البَقَرِ، وكَانَت الدَّائِرَةُ فيها على المستعينِ والبَرْبرِ، ودَخَلَ المَهْدِيُّ قُرْطُبةَ مِنْ جَدِيدٍ، فعَاثَ فِيها ومَنْ مَعَهُ فَسَاداً، ثُمَّ أَجْهَزَ عَلَى كُلِّ بَرْبَرِيٍّ حَتَّى الأَطْفَالَ والنِّسَاءَ، فَحَدثتْ مَقْتَلةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ تَنَادَى إلى سَمْعِه بأن المُسْتِعينَ ومَنْ مَعَهُ مِنَ البَرْبرِ يَعُدّونَ العُدَّةَ لِقِتالهِ، فخَرَجَ إليهِم، فكانَت الدَّائرةُ في هذِه المرَّةِ على المَهْدِيِّ الذي عادَ إلى قُرْطُبَةَ لِيَتَحَصّن بِدَاخِلَها، ولكنَّ العَبيدَ قتلُوه وأَعَادُوا هِشَامًا المؤيَّد إلى كُرْسِيِّ الخلافةِ في ذِي الحجَّة سنة (٤٠٠) ، فَكانتْ وِلاَيةُ مُحَمَّدِ المهدِيِّ منذُ قامَ إلى أَنْ قُتِلَ سِتَّةَ عَشَر شَهْراً، منْ جُمْلَتِها الستَّةُ الأَشْهُرِ التي كانَ فيهَا سُلَيمانُ بِقُرْطُبةَ.
ولَمْ يَهْدأ لِسُليمَانَ المُسْتَعِينِ بالٌ طِوَالَ تِلْكَ الفَترةِ، إذ ظَلَّ يَجُولُ بِعَسَاكِرِه البَرْبرِ في بلادِ الأَنْدَلُسِ، إلى أن اسْتَطاعَ دُخُولَ قُرْطُبةَ في أوائلِ شَوَّال سنة (٤٠٣) ، وقُتِلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وعَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ والأَعْيانِ (١) ، ثم أعطَى الأمَانَ لأهلِ قُرْطُبَةَ، وقامِ بخَلَعِ هِشَامِ المَؤيَّدِ مِنَ الخِلاَفةِ وقَتْلِهِ، ثُمَّ قامَ بِتَقْسِيمِ الأَنْدَلُسَ بينَ القَبَائلِ التي نصَرتْهُ مِنَ البربرِ وغَيْرِهم.
المرحلة الرابعة: دولة بنى حَمُّود: بَحَثَ العَامِريُّونَ وأَتْبَاعَهُم - وَهُم الذينَ فَرُّوا عَنْ قُرْطُبةَ بعدَ دُخُولِ المسْتَعينِ باللهِ لها - عَنْ خَلِيفَةٍ أُمُويٍّ فَلَمْ يَجِدُوا أَصْلَحَ الحواشي
(١) منهم الإِمام العلامة أبو الوليد ابن الفرضي الذي وري الثرى من غير غسل ولا كفن ولا صلاة بعد أن بقي في داره ثلاثة أيام مقتولا، ينظر: كتاب (أبو الوليد ابن الفرضي القرطبي) ١/ ٤٢٢.стр. 14
للأمرِ مِنْ عليِّ بنِ حَمُّودٍ الهَاشِميِّ، وبدأ البربرُ في قُرْطُبَةَ يَسْأَمُونَ حُكْمَ المُسْتَعِينِ، فاجتمعتْ أَهْدَافُ العَامِريَّةِ والبَرْبَرِ فتَمَّ التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا، واتَّفَقَ الفَرِيقَانِ على الإتِّصَالِ بِعَليِّ بنِ حَمُّودٍ، فَزَحفَ مِنْ سَبْتةَ إلى مَالَقةَ فَتَملَّكَها، ثم إلى قُرْطُبَةَ فَهَزمَ المُسْتَعِينَ وقَتَلَهُ سنة (٤٠٦) ، وبذلكَ انْقَطَعتْ دَوْلةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وتَولَّى الأمرَ عليُّ بنُ حَمُّودٍ، وبَقِي عَامَيْنِ إلى أن قتَلَهُ عَبيدُه، ثُمَّ وَلِيَ أَخُوهُ القَاسِمُ بنُ حَمُّودٍ، وبَقِيَ بِها إلى سنةِ (٤١٢) ، إذ قامَ عليهَ ابنُ أَخِيهِ يَحْيَى بنُ عَلِيِّ بنِ حَمُّودٍ بِمَالقةَ، فَهَربَ القَاسِمُ عَنْ قُرْطُبَةَ بلاَ قِتَالٍ، وصَارَ بإشبيلِيّهَ حتَّى اجْتَمعَ أمْرُهُ واسْتَمَالَ البربرَ، وزَحَفَ بِهِم إلى قُرْطُبَةَ فَدَخلَها سنة (٤١٣) ، وهَرَب يحيى إلى مَالَقَة، فَبَقِي القَاسِمُ بقُرْطُبةَ شُهُورَاً واضْطَرَبَ أَمْرُهُ، فعاشتْ قُرْطُبةُ فَتْرةً مِنَ الزَّمَنِ في اضْطِرَاباتٍ مُتَقَطعَةً، تَوَالتْ خِلَالهَا العَدِيدُ مِنَ الزَّعَاماتِ دُونَ أَنْ تَسْتَقِرَّ على حَالٍ.
стр. 15
المبحث الثاني
الحياة العلمية (١)
شَهِدتْ الفَتْرةُ التي عَاشَها الإمامُ القُنازِعيُّ في الأَنْدَلُسِ أَبْهَى عُصُورِها العِلْميَّةِ، وخُصُوصًا تلك الفترةِ التي كانتْ في عَهْدِ النَّاصِرِ وولَدِه الحَكَم، مع ما تَمَيَّزتْ أيضًا بالرِّحْلاتِ العِلْميَّةِ التي قامَ بِها عُلَمَاءُ الأَنْدَلُسِ إلى المشرفِ.
هذا بالإضَافةِ إلى ازْدِهَارِ التَّعْلِيمِ والتَدْرِيسِ مِمَّا كانَ لهُ الأثرُ الكَبِيرُ في ازْدِهَارِ الحياةِ العِلْمِيَّةِ في الأندلُسِ، فقدْ عَنَي أَهْلُ الأَنْدَلُسِ بِتَعْلِيمِ أَنْفُسِهم وأَبْنَائِهِم، قالَ المَقَّرِفيُ: (وأَمَّا حَالُ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ في فُنُونِ العُلُومِ فَتَحْقِيقُ الإنْصَافِ في شَأْنِهِم في هذا البابِ أَنَّهُم أَحْرَصُ النَّاسِ على التَّمَيُّزِ ... والعَالِمُ عِنْدَهُم مُعَظَّم مِنَ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، يُشَارُ إليه ويُحَالُ عليهِ ... ولَيْسَ لأَهْلِ الأَنْدَلُسِ مَدَارِسُ تُعِينُهم على طَلَبِ العِلْمِ، بلْ يَقْرَؤُونَ جَمِيعَ العُلُومِ في المَسَاجدِ بأُجْرَة، فَهُم يَقْرَؤَونَ لأَنْ يَعْلَمُوا لاَ لأَنْ يأْخُذُوا جَارِيًا، فالعَالِمُ مِنْهُم بَارِع، لَأَنَّهُ يَطْلُبُ ذَلِكَ العِلْمَ بِبَاعِثٍ مِنْ نَفْسِه يَحْمِلُهُ على أَنْ يَتْرُكَ الشُّغْلَ الذي يَسْتَفِيدُ منه، ويُنْفِقُ مِنْ عِنْدِه حَتَّى يَعْلَمَ) (٢) . الحواشي
(١) يراجع كتاب: (الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس من سنة ٣١٦ - ٤٢٢) للدكتور سعد عبد الله صالح البشري، وهو كتاب قيِّم، طبع بجامعة أم القرى بمكة، وكتاب (دور الفقهاء في الحياة السياسية والإجتماعية بالأندلس في عصر الإمارة والخلافة) للدكتور خليل إبراهيم الكبيسي، وهو مطبوع بدار البشائر الإسلامية في بيروت.(٢) نفح الطيب ١/ ٢٢٠.стр. 16
وإلى جَانِبِ ذَلِكَ كَانَ اهْتِمَامُ بَعْضِ الخُلُفَاءِ بإنْشَاءِ المَكْتَباتِ، فقدْ كانَ قَصْرُ الحَكَمِ بِقُرْطُبةَ يَضُمُّ خَزَائنَ مِنَ الكُتُبِ يُقَالُ: إِنَّهَا لَمْ تَجْتَمِعْ لأحَدٍ مِنْ قَبْلَهُ ولا مِنْ بَعْدَهُ، قَدَّرَ بعضُ المؤرَّخِينَ مُحْتَويَاتِهَا بأَربعمائةِ ألفِ مُجَلَّدٍ أو أكثرَ (١) ، ولَمَّا أَسْنَدَ المنصُورُ بنُ أَبي عَامِرٍ إلى ابنِ المَكْوِيِّ ومَنْ مَعَهُ إعادَةَ تَرْتِيبِ الخِزَانةِ طَالَتْ مُدَّةُ عَمَلِهِم في ذَلِكَ حَوْلاً كَامِلاً وزِيادةً (٢) ، وإلى جَانِبِ خَزَائنِ الحَكَمِ بِقُرْطُبةَ كانتْ في مُخْتَلِفِ كُبْرَياتِ مُدِنِ الأَنْدَلُسِ الأُخْرَى مَكْتَبَاتٍ كَثيرَةٍ، ويُضَافُ إلى هذا مَكْتَباتٌ خَاصَّةٌ لَدَى العُلَماءِ والأَعْيانِ، فقدْ ذُكِرَ أنَّ الإمامَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ فُطَيْسٍ (ت ٤٠٢) كَانَتْ لَهُ مَكْتَبَةً كُبْرَى، وكانَ مَتَى عَلِمَ بِكِتَابٍ حَسَنٍ عندَ أحَدٍ مِنَ النَّاسِ طَلَبَهُ للإبْتِيَاع منهُ وبالَغَ فِي ثَمَنِهِ، فإنْ قَدَرَ على ابْتيَاعِهِ وإلَّا انتُسَخَهُ منهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ، ولَمَّا تُوفي قَرَّر أَحْفَادُه بَيْعَهَا، وبَقُوا في ذَلِكَ مُدَّةَ عَامٍ كَامِل (٣) .
ومَنْ تتَبَّعَ كُتُبَ الترَاجِمِ مثل: (تَارِيخِ عُلَماءِ الأَنْدَلُسِ) لإبنِ الفَرَضِي، و (جَذْوةِ المُقْتَبسِ) للحُمَيْدِيِّ، و (تَرْتيبِ المَدَارِكِ وتَقْرِيبِ المَسَالِكِ لمِعَرفةِ أَعْلاَمِ مَذْهَبِ مَالِكٍ) للقَاضِي عِيَاضٍ، و (الصِّلَةِ) لإبنِ بَشْكُوالَ، و (بُغْيةِ المُلْتَمِسِ) للضبِّي وغَيْرِها عَلِمَ مَا وَصَلَتْ إليهِ الأَنْدَلُسُ في عَصْرِ المُؤلِّفِ وما قَبْلَهُ ومَا بَعْدَهُ مِنْ رِفْعَةٍ وتَقَدُّمٍ في المجالِ العِلْمِي، وفِيما يَلِي جَانِبٌ مُوجَزٌ لأَبْرَزِ العُلَمَاءِ في عَهْدِ المُؤَلِّفِ في فُنُونِ العِلْمِ المُخْتَلِفَةِ:
١ - فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وعُلُومهِ وقِرَاءَاتهِ: ظَهَر فِي الأندَلُسِ مُقْرِئينَ كِبَاراً ومُفْسِّرينَ عِظَاماً، مِثْلَ: أَبي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْطَاكِيِّ (ت ٣٧٧)، وأبي القَاسِمِ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ اللَّخْمِيِّ (ت ٤١٠)، وأبي عُمَرَ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحواشي
(١) نفح الطيب ١/ ٣٨٥.(٢) ترتيب المدارك ٧/ ١٢٨.(٣) الصلة ٢/ ٣١٠.стр. 17
عبدِ اللهِ الطَّلَمَنْكِيِّ (ت ٤٢٩)، وأَبي العبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ عَمَّارٍ المَهْدَوُيِّ (ت بعد ٤٣٠)، ومَكِّيّ بنِ أَبي طَالبٍ القَيْسِيِّ (ت ٤٣٧)، وأَبي عَمْرو عُثْمَانَ بنِ سَعِيدٍ الدّانِي (ت ٤٤٤)، وغيرهم.
٢ - في الحَدِيثِ وعُلُومهِ: تَأَلَّقَ مُحَدِّثُونَ كِبَارٌ ضَرَبُوا فيهِ بِحَظٍّ وَافِرٍ، مِنْهُم: عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ علي المَعْرُوفُ بابنِ البَاجِي (ت ٣٧٨)، ومُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ مُفَرِّج القُرْطُبيُّ (ت ٣٨٠)، وعَبْدُ اللهِ بنُ إبراهيمَ الأَصِيلِيُّ (ت ٣٩٢)، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ فُطَيْسٍ القاضي (ت ٤٠٢)، وأَبو الوَليدِ عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ ابنِ الفَرَضِيِّ (ت ٤٠٣)، ومُحَمَّدُ بنُ يحيى ابنُ الحَذَّاءِ (ت ٤١٦) وغَيْرُهم.
٣ - الفِقهُ: بَرَزَ فِي الأَنْدَلُسِ في هَذا العَصْرِ وبَعْده كَبَارُ الفُقَهَاءِ والمُفْتين، بلْ ظَهَر فِيهِم مَنْ وَصَلَ إلى دَرَجةِ الإجْتِهَادِ، مِنْ أَمْثَالِ: أبي مُحَمَّدِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ القُرْطُبي (ت ٣٦٤)، وأبي عِيسى يحيى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ يحيى اللَّيْثِي (ت ٣٦٧)، وأبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ يَبْقَى بنِ زَرْبٍ (ت ٣٨١)، وعَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ القَاسِمِ الثَّغْرِيِّ (ت ٣٨٣)، وعَبْدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ الأَصِيلِي (ت ٣٩٢)، وأحمدَ بنِ عبدِ المَلِكِ ابنِ المَكْوِي (ت ٤٠١) وغيرهم.
٤ - اللُّغَةُ والأَدَبُ والشِّعْرُ: ازْدَهَرتْ الدِّرَاساتُ اللُّغَويَّةِ والأَدَبيَّةِ في هذا العَصْرِ ومَا بَعْدَه، وأَنْجَبتِ الأَنْدَلُسُ كِبَارَ العُلَمَاءِ في هَذا الشَّأنِ، مِنْ أَمثالِ: مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ البَرْبَرِيِّ ابنِ القُوطِيَّةِ (ت ٣٦٧)، ومُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ عَبْدِ العَزِيزِ الخَرَّازِ (ت ٣٦٩)، وعَبْدِ اللهِ بنِ حَمُّودٍ الزُّبَيْدِيِّ (ت ٣٧٢)، وأَبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الزُّبَيْدِيِّ (ت ٣٧٩).
وظَهَر فِيهَا أَيْضًا شُعَراءُ بُلَغَاءُ يُزَاحِمُونَ فُحُولَ الشُّعَراءِ الُمجَوِّدِينَ المَطْبُوعِينَ، وأدباءٌ مُجِيدُونَ لَهُم التَّرَسُّلُ البَدِيعُ، والنَّظْمُ الرَّائِقُ، مِثلَ: أَبي عُمَرَ يُوسُفَ بنِ هَارُونَ القُرْطُبيِّ (ت ٤٠٣)، وأَبي عُمَرَ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ دَرَّاجِ القَسْطَليِّ (ت ٤١٢) وآخرينَ.
стр. 18
٥ - التَّارِيخُ: بَرَزَ في هَذِه الفَتْرَةِ مُؤَرِّخُونَ مَشْهُورُونَ، مِنْهُم: مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ البَرْبَرِيّ ابنُ القُوطِيَّةِ اللُّغَوي (ت ٣٦٧)، ومُحَمَّدُ بنُ حَارِثِ بنِ أَسَدٍ الخُشَنِيّ (ت ٣٧١)، وأَبو الوَليدِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ ابنِ الفَرَضِيّ (ت ٤٠٣) وغَيْرُهم.
كَمَا بَرزَ عُلَماءُ كَثِيرُونَ في عُلُومٍ أُخْرَى كالجُغْرَافِيا، والفَلْسَفةِ، والطِّبِّ، والرِّيَاضِيَّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 19
الفَصْلُ الثَّاني
ترجمة المؤلف
وفيه ستَّةُ مَبَاحثِ:
المبحثُ الأوَّلِ: المُتَرْجِمُونَ له، والرَّاوِينَ لِحَدِيثهِ ومَرْويَاتهِ
المبحثُ الثاني: اسمه ونسبه وكنُيته، ومولُده، ووفاته.
المبحثُ الثالث: نشأتهُ، وطلبهُ للعلم، ورِحْلاَته.
المبحثُ الرَّابع: مُصَنَّفاتُه.
المبحث الخامس: مذهبهُ، وعقيدُته.
المبحث السادس: مآثِرُهُ وثناءُ العُلَماءِ عليه.
стр. 20
المبحث الأَوَّل
المترجمون له والراوين لحديثه ومروياته
حَرَصَ العَدِيدُ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ والتَّرَاجِمِ والفَهَارِسِ عَلَى ذِكْرِ أبي المُطَرِّفِ والإشَادَةِ بهِ، وَرِوَايةِ أَحَادِيثهِ التّي رَوَاها، والكُتُبِ التِّي تَمَلَّكَ حَقَّ رِوَايَتِهَا، بلْ أَفْرَدَهُ بالتَّصْنِيفِ الإمامُ أَبو القَاسِمِ خَلَفُ بنُ عَبْدِ الملكِ بنِ بَشْكُوَالَ (١) .
وقَدْ يَمَّمتُ قَصْدِي إلى المَصَادِر المُتَقَدِّمةِ القَرِيبةِ مِنْ عَصْرِ المُصَنِّفِ، أَمَّا المَصَادِرُ المُتَأَخِّرةُ -وهي التي جَاءتْ بعدَ القَرْنِ العَاشِرِ- فلَمْ أُعَرّجْ عَلَيْها، لأَنَّه لَيْسَ فِيها جَدِيدٌ سِوَى النَّقْلِ عَنِ المَصَادِرِ المُتَقدِّمةِ، وقد رَتَّبْتُ المَصَادِرَ حَسَبَ وَفَياتِ مُؤْلِّفيهَا على النَّحْوِ التَّالِي:
١ - حَافِظُ الأَنْدَلُسِ ومُحَدِّثُها وفَقِيهُها أَبو عُمَرَ يُوسُفُ بنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمْرِيُّ القُرْطُبي (ت ٤٦٣)، وَهُو تِلْمِيذُ المُصَنّفِ، وقدْ رَوَى عنه رِوَاياتٍ كَثيرةٍ، وفِي بَعْضِها تَحْدِيدُ مَكَانِ الرِّوايةِ وتَارِيِخهَا، يُنظَرُ: (التمْهِيدُ) ١/ ٢١٨ و ٢٢٩، و ٢٥٠، و ٢٥٣، و ٢/ ١٧٣، و ٢٥٢، و ٢٥٧، و ٣/ ٢٦٤، و ٤/ ٢٠، و ٢٤/ ١٤٧، و ٢٢١، و ٢٦٦، و ٦/ ١٠٦، و ١٢/ ١٦١، و ١٦٢، و ١٣/ ٥٤، و ١٥/ ٢٩٨، و ١٦/ ٢٤٠، و ١٧/ ١٩٦، و ١٨/ ٢٠٦، و ٢٤/ ١٤٧، و ٢٢١، و ٢٦٦، و ٢٨٠، و ٣٣١، و ٣٨٣، و ٣٨٩، وفي كتاب (الإستذكار) ٤/ ١٩٤، و ٩/ ٦٢، و ٥٥٨، وفي كِتَاب (جَامعِ بيانِ العِلْم وفَضْلِه) ١/ ٢١٥، و ٢/ ١١٤٦. الحواشي
(١) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي ٤٠/ ٥٩، والوافي بالوفيات للصفدي ١٣/ ٢٣٠، ولم يصلنا هذا الكتاب فيما نعلم.стр. 21
٢ - الإمامُ أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أبي نَصْرٍ الحُمَيْدِيُّ (ت ٤٨٨)، في: (جَذْوةِ المقتبسِ في ذِكْرِ وُلاَةِ الأندلسِ) ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
٣ - القَاضِي أبو مُحَمَّدٍ عبدُ الحَقِّ بنُ عَطِيّهَ الغَرْنَاطِي (ت ٥٤١)، في: فهرسته ص ٧٢.
٤ - القَاضِي عِياض (ت ٥٤٤)، في: (تَرْتيبِ المَدَارِكِ وتَقْرِيبِ المَسَالِكِ لِمَعْرِفةِ أَعْلاَمِ مَذْهبِ مَالِكٍ) ٧/ ٢٩٠ - ٢٩٣، وفي كتابه: (الغُنية) ص ١٠٩، و ١٨٨.
٥ - أبو بكر محمد بن خير الأموي الإشبيلي (ت ٥٧٥)، في: (فِهْرِسةِ مَا رَوَاهُ عَنْ شُيُوخِهِ)، ص ٤٩، و ٥٧، و ٨٤، و ١٠٤، و ١٣٢، و ١٣٤، و ١٦٤، و ٢٢٨، و ٢٦٣، و ٢٧٤, و ٢٨٨، و ٣٠٣، و ٣٠٨، و ٣٢٢.
٦ - أبو القَاسِم بنُ بَشْكُوالَ (ت ٥٧٨)، في: (الصِّلَةِ) ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤، ورَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ طَرِيقهِ في كِتَابهِ: (غَوَامضِ الأَسْمَاءِ المُبْهَمَةِ الوَاقِعَةِ في مُتُونِ الأَحَادِيثِ المُسْنَدَةِ): ١/ ١٣٧، و ٢٣٢، و ٤٦١، ٢/ ٥٩١، و ٧٠٠، و ٧٤٥ و ٧٥٣ و ٨٣١، و ٨٥٢، و ٨٧٧، وفي كتابه: (المُسْتَغِيثينَ باللهِ) ص ٢٢، و ٣٢، و ٦٥، وفي كتابهِ: (الآثارِ المَرْويةِ في الأَطْعِمةِ السَريَّةِ والآلاتِ العِطْرية) ص ١١٨، و ٢٨٥، و ٢٩٧، و ٣٠٢، وجَاءتْ جَمِيعُ هَذِه الرِّواياتِ عَنْ شَيْخهِ أبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَتَابٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي المُطَرِّفِ القُنَازِعيِّ به.
٧ - أَحْمَدُ بنُ يحيى بنِ أحمدَ بنِ عَمِيرَةَ الضبِّي (ت ٥٩٩)، في: (بُغْيةِ المُلْتَمِسِ في تَارِيخِ رِجَالِ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ) ص ٣٧١.
٨ - عليُّ بنُ مُوسَى أبو سَعِيدٍ المَغْرِبيِّ (ت ٦٨٥)، في كِتَابِ: (المُغْرِبِ فِي محاسن حُلَى المَغْرِبِ) ١/ ١٦٦.
٩ - القَاسِمُ بنُ يُوسُفَ التُّجَيْبِي السَّبْتِي (ت ٧٣٠)، في: (بَرْنَامَج شُيُوخِه) ص ٤٩.
стр. 22
١٠ - الإمامُ المؤَرِّخ أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ الذَّهبي (ت ٧٤٨) في: (تاريخ الإسلام) ٢٨/ ٣٢٢، وفي: (سير أعلام النبلاء) ١٧/ ٣٤٢، و (تذكرة الحفاظ) ٣/ ١٠٥٥، و (العبر في خبر من غبر) ٣/ ١١٤، و (طبقاتِ القُرَّاءِ) ٢/ ٥٨٣، والمقُتْفَى في سَرْدِ الكُنَى ٢/ ٨١.
١١ - الإِمام العلَّامةُ صَلاَحُ الدِّينِ خَلِيلُ بنِ أَيْبَكَ الصَّفَدِيُّ (ت ٧٦٤)، في: (الوافي بالوفيات) ١٨/ ١٦١.
١٢ - الفقيهُ بُرْهَانُ الدّينِ إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ فَرْحُونَ المالكي (ت ٧٩٩) في: (الدِّيباجِ المُذْهَبِ في مَعْرِفةِ أَعْيَانِ المَذْهبِ) ١/ ٤٨٥.
١٣ - الإمامُ العَلاَّمةُ المُقْرِئُ أَبو الخَيْرِ مُحَمَّدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الجَزَرِيُّ (ت ٨٣٣)، في: (غَايةِ النِّهاية في طَبَقَاتِ القُرَّاءِ) ١/ ٣٨٠.
١٤ - الحافظُ أبو الفَضْلِ أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ (ت ٨٥٢)، في: (المعجمِ المُفَهرَس، أو تَجْريدِ أَسَانيدِ الكُتُبِ المَشْهُورَةِ والأَجْزَاءِ المنثورةِ) ص ٥٠، و ١٠٨، و ١١٣.
стр. 23
المبحث الثَّاني
اسمه ونسبه وكنيته, وولادته ووفاته
* هُو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوَانَ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ القُنازِعيُّ القُرْطُبِيُّ.
* وأَمَّا كنيتَهُ فَهِي: أبو المُطَرِّفِ (١) .
* ويَنْتَسِبُ أبو المُطَرِّفِ إلى الأَنْصَارِ، وَهُم الذينَ نَصَروا رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُهَاجِرِينَ في المدينةِ النبويَّة الشَّريفةِ، وقدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْهُم إلى الأَمْصَارِ للجِهَادِ ونَشْرِ العِلْمِ، وكَانَ بَعْضُهُم مَعَ الجُيُوشِ التي فتَحَتْ إفْرِيقِيَّةَ، والمَغْرِبَ، والأَنْدَلُسَ، ونَزَلَ كَثِيرٌ مِنْهُم هذِهِ البِلَادَ واسْتَوْطَنُوهَا.
وأَمَّا نِسبتُهُ إلى (القُنازِعي)، فَهِي - فِيمَا يُقَالُـ مَنْسُوبةٌ إلى صَنْعَتِه، كَمَا قالَ ابنُ الحواشي
(١) يبدو أن هذه الكنية كانت منتشرة في الأندلس كثيرًا، وأول من عَرفتُ أنه تكنَّى بها هناك: أمير الأندلس وسلطانها عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك بن مروان الأموي المشهور بالداخل (ت ١٧٢)، وتكنى بها من أحفاده: عبد الرحمن بن الحَكَم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل (ت ٢٣٨)، والناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (ت ٣٥٠)، وهو باني مدينة الزهراء في قرطبة، كما في السير ٨/ ٢٤٤، و ٢٦٠، و ٢٦٥، وعُرِف بهذه الكنية أيضا كثير من علماء الأندلس: منهم عبد الرحمن بن عيسى بن محمد بن مدراج من أهل طليطلة (ت ٣٦٣)، كما في تاريخ علماء الأندلس لإبن الفرضي ١/ ٢٦٣، والإمام العلامة الفقيه المصنِّف قاضي قرطبة عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فُطَيس (ت ٤٠٢)، كما في السير ١٧/ ٢١٠.стр. 24
عَتَّابٍ، والقَاضِي عِياض، وابنُ بَشْكُوالَ (١) ، وقِيلَ: إنَّها نَسْبَةٌ إلى ضَيْعَتِه، وذَهَبَ إلى هذا القَوْلِ: الذَّهبِيُّ، فقالَ: (قُنَارعُ قَرْيةٌ) (٢) .
* أَمَّا القُرْطُبي، فَهُو نِسْبَةٌ إلى قُرْطُبةَ - بِضَمِّ أوَّلهِ، وسُكونِ ثانيه، وضَمِّ الظاء المهملة - قال ياقوتُ الحَمَويُّ: (كلمة -فيما أَحْسَبُ - عَجَمِيَّة رُوميَّة، وهي مدينةٌ عَظِيمةٌ بالأندلسِ وَسَطَ بِلاَدِها، وكانت سَرِيراً لِمَلِكِها وقَصَبتها، وبِها كانتْ مُلُوكُ بني أُميَّة، ومَعْدنُ الفُضَلاء، ومَنْبعُ النُبلاءِ) (٣) .
* ولادته ووفاته:
وُلِدَ أبو المُطَرِّفِ في سنة (٣٤١) .
- وتُوفِّي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -في قُرْطُبةَ ليلةَ الخَمِيسِ آخرَ اللَّيلِ لإثنتي عشرَ خَلَتْ مِنْ رَجَب سنة (٤١٣) ، ودُفِنَ عَشِيّةً بِمَقبرةِ ابن عبَّاس على قُرْبِ يَحْيى بنِ يحيى اللَّيثي، وَهُو في عُشْرِ الثَّمَانِينَ، وصَلَّى عليه القَاضي عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ بِشْرٍ (٤) ، وكانَ لِجَنازَتهِ حَفْلٌ عَظِيمٌ.
* * * الحواشي
(١) المغرب ١/ ١٦٦، وترتيب المدارك ٧/ ٢٩١، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.(٢) سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٤٣، قال الدكتور عبد الرحمن بن العثيمين رَعاه الله في مقدمة تفسير غريب الموطأ لإبن حبيب ١/ ٩٠ - ٩١: ولا يخفى ما بين (ضيعة) و (صنعة) من التشابه في الرسم، ولا أدري ما هذه الصنعة، ولم ترد هذه النسبة في كتب الأنساب، ثم ذكر مصادره في الأنساب التي رجع إليها. قلت: ووجدت في كتاب الفوائد لا بن بشكوال في الورقة(١٠٩) أنه روى بإسناده عن ابن عتاب عن أبيه فقال: (حدثنا القلانسي عبد الرحمن بن مروان)، وهو القنازعى، وهذا يدل أنه منسوب إلى صنعة وليس إلى ضيعة.(٣) معجم البلدان ٤/ ٣٢٤(٤) هو أبو المُطَرِّفِ عبد الرحمن بن أحمد بن بشر قاضي الجماعة بقرطبة، كان فقيها أديبا، ينظر: جذوة المقتبس ص ٢٧٠.стр. 25
المبحث الثَّالث
نشأته وطلبه للعلم ورحلاته
نَشأَ أبو المُطَرّفِ في قُرْطُبةَ، وكَانتْ قُرْطُبةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ زَاخِرَةً بِكِبار العُلَماءِ مِنَ المُحَدِّثينَ والفُقَهاءِ والمُقْرِئينَ واللُّغَويينَ، بلْ إنَّها كَانتْ مَقْصِدًا للرَّاغِبينَ في رِحْلةِ المُحَدِّثينَ مِنَ الأَنْدَلُسِ إلى المَشْرِق، وكانتْ لاَ تتَمُّ إلَّا إذا عَرَّجُوا عَلَى قُرْطُبةَ، وأَخَذُوا عَنْ شُيُوخِ العِلْمِ والحَدِيثِ بِها (١) .
وبدأ أبو المُطَرِّفِ طَلَبَ العِلْمِ وَهُو مَا يَزَالُ يَافِعًا فِي مُقْتَبلِ عُمُز، ثُمَّ تَدَرَّجَ في تَلَقِّي العُلُومِ على نَحْو مَا كَانَ يَعْهَدُه أبناءُ الأَنْدَلُسِ، حيثُ كانَ يُبْدأُ أَوَّلًا بِحِفْظِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وتَعَلُّمِ أُصُولِ الكِتَابةِ، وتَجْويدِ الخَطِّ، وتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ، والتَّرَسُلِ بأَخْذِ قَوَانِينِها، وحِفْظِ الشِّعْرِ، ومَعْرِفَةِ أُصُولهِ وقَوَاعِدِه، ثُمَّ الاسْتِفَادةُ مِنْ العُلُومِ الأَولِيَّةِ الأخرى كالفِقْهِ والأُصُولِ وغير ذلك بما يمَكِّنُهُ بَعْدُ مِنَ الجُلُوسِ إلى حَلَقَاتِ العُلَمَاءِ، وظَهَرَ هَذا مِنْ خِلاَلِ شُيُوخهِ الذينَ لاَزَمَهُم، وكَانَ كثيرٌ منهُم أَعْيانَ العُلماءِ مِنْ أَهْلِ قُرْطُبةَ ومِنَ الوَافِدِينَ عَلَيْهَا، وكَانُوا رِجَالاً مُؤثِّرينَ في الحياةِ الأَنْدَلُسيِّةِ، ولهم أَدْوَارٌ إيجَابِيِّةٌ في مَسْرَحِ الحَياةِ، وكَانَ أَبو المُطَرِّفِ آنذاكَ يَافِعًا شَارِفاً للبُلُوغِ، ولَمَّا يَبْلُغُ مِنَ العِلْمِ مَدَاهُ. الحواشي
(١) ينظر: (حركة الحديث بقرطبة) ص ٨٩، فقد ذكر نماذج لبعض المحدثين الذين مروا على قرطبة قبل رحلتهم إلى المشرق، وذكر منهم (علي بن محمد بن أحمد بن عبَادَل الأَنصاري) وَهُو مِنْ أهل إشبيلية، قدم بقرطبة فأخذ عن أبي المُطَرِّفِ القُنازِعي، ثم رحل إلى المشرق.стр. 26
فَقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ خَالدِ بنِ الجَبَّابِ الفَقِيه بقُرْطُبةَ (ت ٣٦٣)، وَهُو أَقْدَمُ شُيُوخِهِ -الذينَ عَرَفْتُهُم- وَفَاةً.
كمَا رَوَى عَنِ الإمامِ العَلَّامةِ الفَقِيهِ أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ القُرْطُبِيِّ (ت ٣٦٤)، وقدْ نَقَلَ كَثيراً مِنْ أَقْوَالهِ في الفِقهِ والحَدِيثِ، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهُ كَانَ كَثيرَ المُلاَزمةِ له.
ورَوَى أيضًا عَنِ المُحَدِّثِ أَصْبغَ بنِ تَمَّام القُرْطُبي (ت ٣٦٥).
ولاَزمَ الإمامَ مُحَدِّثَ الأَنْدَلُسِ ومُسْنِدها أبا عِيسَى يحيى بنَ عبدِ الله اللَّيثي (ت ٣٦٧).
ورَوَى أيضاً عَنِ الإمامِ العَلَّامةِ قَاضِي الجَمَاعةِ بقُرْطُبةَ أبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ السَّلِيم (ت ٣٦٧).
وجالسَ الإمامَ العَلَّامةَ الفَقِيهَ اللُّغَوِيَّ مُحَمَّدَ بنَ يحيى ابنِ الخَرَّازِ (ت ٣٦٩).
والإمامَ عَلَّامةَ الأَدَبِ والنَّحْوِ أبا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بنَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ ابنِ القُوطِيَّة الإشْبِيلِي ثُمَّ القُرْطُبي (ت ٣٦٩).
ورَوى كَثيراً عَنِ الإمَامِ المُحَدِّثِ الفَقِيه المُتْقِنِ أبي مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عليِّ البَاجِي (ت ٣٧٨).
والإمامِ العَلَّامةِ المُحَدِّثِ أبي جَعْفِرٍ أحمدَ بنِ عَوْنِ اللهِ بنِ حَدَيرٍ القُرْطُبيِّ (ت ٣٧٨).
والإمامِ الفَقِيه المُحَدِّثِ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ مُفَرِّجِ القُرْطُبي (ت ٣٨٠).
والإمامِ العَلَّامةِ الفَقِيه أبي عُمَرَ أحمدَ بنِ عبدِ الملكِ الإشبيلي (ت ٤٠١) نَزِيلِ قُرْطُبةَ، المَعْرُوفُ بابنِ المَكْوِي.
ولَمَّا أَشْبَعَ أبو المُطَرِّفِ نَهْمتَهُ في طَلَبِ العِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ قُرْطُبةَ ارْتَحَلَ إلى
стр. 27
المَشْرِقِ، وكَانَتْ رِحْلَتَهُ سنة (٣٦٧) ، وبَقِيَ فيها أَرْبعَ سِنِينَ، ثم قَفَلَ رَاجِعَاً إلى قُرْطُبةَ سنةَ (٣٧١) ، ولَمْ تُحَدِّدِ المصَادِرُ بِدَايةَ هذه الرِّحْلَةِ، كَمَا لَمْ تُبَيِّنُ مُدَّةَ إقَامَتِهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ تَوَقَّفَ فِيهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحِلْ دُونَ مُحَاوَلةٍ لِتَرْتيبِ الرِّحْلَةِ وسَيْرِهَا، وذَلِكَ عَلَى ضَوْءِ مَا تَجْمَّعَتْ عِنْدِي مِنْ مَعْلُومَاتٍ.
فقدْ كَانَت الرِّحْلةُ عندَ الأَنْدَلُسِييْنَ تَبْدأُ بالقَيْرَوانِ، وذَلِكَ بِسببِ ازْدِهَارِ الحَيَاةِ العِلْميّهِ بِها، (حتَّى إنَّهُ يَنْدُرُ أنْ يَخْرُجَ أَنْدَلُسِيٌّ للحَجِّ أو للطَلَبِ ولاَ يَمُرُّ بِعَاصِمةِ إفْرِيقِيّةَ للتَزَوُّدِ مِنْ عُلَمَائِهَا، ومِمَّا سَاعَدَ على ذَلِكَ وِحْدَةُ المَذْهَبِ الفِقْهِي بِيْنَهُما، فإنَّ المَذْهَبَ المَالِكِيَّ كاَنَ دِعَامةُ الحياةِ العِلْمِيَّةِ في إفْرِيقيَّةِ والأَنْدَلُسِ، كمَا أَنَّ وُجُودَ القَيْرَوانَ فِي طِرِيقِ حَجِّ الأَنْدَلُسيِيْنِ ورِحْلَتُهُم كَانَ مِمَّا هَيَّأ لَهُم سَبِيلَ المُرُورِ عَلَيها والإسْتِفَادةَ مِنْ عُلَمَائِها) (١) .
ثُمَّ تَكُونُ وِجْهَةُ المُرْتَحَلِينَ بعدَ ذَلِكَ إلى المشرقِ، قَاصِدِينَ مِصْرَ، التي كانتْ تَعُجُّ بِكِبارِ العُلَماءِ مِنَ المُحَدِّثينِ والفُقَهاءِ والمُقْرئينَ واللُّغَويينَ وغَيْرِهم، ومنهَا يَكُونُ التَّوجُّه إلى مَكَّةَ للحَجِّ ولِقَاءِ العُلَمَاءِ، ثُمَّ زِيارةُ المَدِينةِ للسَّلاَمِ على النبيِّ ﷺ وصَاحِبَيْهِ ﵄، والإجتماعِ بِعُلَمَائِها، ثُمَّ الإيابُ إلى مِصْرَ، ومِنْها إلى القَيْرَوانِ، ثُمَّ الأَنْدَلُسِ.
وقَدْ ضَعُفتْ رِحْلَةُ الأَنْدَلُسيينَ إلى القَيْرَوانِ في أثناءِ حُكْمِ العُبَيْدِيينَ (٢) ، الحواشي
(١) من كتاب (مدرسة الحديث في القيروان من الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس الهجري)، للدكتور الحسين بن محمد شواط ١/ ٢١٩، وقد ذكر عددا من علماء الأندلس ممن ارتحل إلى القيروان.(٢) العبيديُّون هم الروافض الإسماعيلية الباطنيِّة الذين أقاموا دولتهم في بلاد المغرب على يد عبيد الله المهدي الفاطمي، وذلك سنة(٢٩٦) ، واستمرت إلى سنة(٤٦٢) ، وهي نِحْلةٌ مارقةٌ، عطَّلت الشريعة، وأسقطت الفرائض، وأباحت المحرمات، وادَّعت أنَّ للقُرآنِ ظَاهِرا وباطنا، وأظهروا لسَبَّ الصحابة - رضوان الله عليهم -، وزعموا أنهم ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد ذاق علماء أهل السنة وخصوصا أهل القيروان صنوفا من العذاب على أيدي العبيديين طيلةَ مقامهم في بلاد المغرب، وأُعدم بعضهم، قال الإِمام أبو الحسن القابسي: (إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه أربعة آلاف في دار النحر =стр. 28
ولكِن ازْدَادتْ بعدَ خُرُوجِهِم إلى مِصْرَ سنة (٣٦٢) ، وكانَ أَهمُ مَقْصَدٍ لَهُم في الرِّحلةِ إلى القِيْرَوانِ التَّتَلمُذُ على إمَامِ العُلَمَاءِ، وفِقِيه الفُقَهاءِ، وعَالِمِ أَهْلِ المَغْرِب أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبي زَيْدٍ القَيْرَواني (ت ٣٨٦)، الذي كانَ يُقَالُ لَهُ: مالكٌ الصَّغِيرُ، وكانَ له الفَضْلُ في تَلْخِيصِ المَذْهَبِ وجَمْعِ أَطْرَافهِ، وصَنَّفَ مُصَنَّفَاتٍ كَثيرةً، وقد ارْتَحَلَ أبو المُطَرِّفِ إلى القِيْرَوانِ وسَمِعَ فيها مِنْ هذا الإمَامِ الجَلِيلِ، ولاَزَمهُ، ونَقَلَ عنهُ كثيرا مِنْ أَقْوالهِ وَآرائهِ الفِقْهيَّةِ والحَدِيثيِّة، وحَمَلَ عنهُ مُصَنَّفاتهِ ومَرْوِياتهِ.
كَمَا سَمِعَ بالقيروانِ (المُدَوَّنةَ) عَلَى هِبةِ اللهِ بنِ أَبي عُقْبَةَ التَّمِيمِيِّ، وَهُو مِمَّنْ سَمِعَها مِنْ جَبَلَةَ بنِ حَمُّودٍ، عَنْ مُصَنَفَها الإمامِ سَحْنُونَ بنِ سَعِيدٍ.
ولاَ يْبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبو المُطَرِّفِ لَقِيَ عَالِمَ المَغْرِبِ، وفَقِيهَ القَيْرَوَانِ ومُحَدِّثِها الإمامَ العَلاَّمَةَ المُقْرِئ المُتْقِنَ أبا الحَسَنِ عَلِيَّ بنَ مُحَمَّدِ القَابِسيَّ (ت ٤٠٣)، إمامِ العَصْرِ، وصَاحِبَ (الملخَّص) لموطأ ابنِ القاسمِ وغَيْرِها من المؤلَّفاتِ، فإنَّهُ كَان مَقْصَدَ الطلَبةِ، ووجهةَ العُلَماءِ، ولكنِّي لَمْ أَعثرْ على أَحَدٍ أَشَارَ إلى تَتَلْمُذِ أبي المُطَرِّفِ على هذا الإمامِ الجَلِيلِ.
ثُمَّ رَحَلَ إلى المَشْرِقِ، فَوَصلَ مِصْرَ، وكَانَتْ تأتي في الدَّرجةِ الثانيةِ بعدَ القَيْرَوانِ، لأَنَّهَا مَمَرُّ للحَاجِّ إلى مَكَّةَ، ولأَنَّ فِيها كَثيراً من العُلَماءِ كَمَا ذَكَرنا آنفاً، وقَدْ سَمِعَ أبو المُطَرِّفِ مِنْ إمامِ مِصْرَ ومُحَدِّثها ومُسْنِدِهَا أبي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ رَشِيقٍ، وَهُو الذي رَوَى عَنْ سَبعْمَائةِ مُحَدِّثٍ (١) ، ولِذا لاَزمهُ أبو المُطَرِّفِ، وأكثرَ مِنَ الرِّوايةِ عنهُ، وحَمَلَ عنهُ عِلْمَاً كَثيِراً، وتَمَلَّكَ حَقَّ رِوَايةِ كُتُبٍ مُنَوَّعةٍ، مِنْها: الحواشي
(١) نقل ذلك ابن بشكوال في الصلة ٢/ ٣٢٣ عن أبي المُطَرِّفِ.стр. 29
(مُصَنَّفُ ابنُ أَبي شيبةَ)، وكِتَابُ (مَعْرِفةِ الرِّجَالِ وعِلَلِ الحَدِيثِ) للإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وكَتَبَ هُناكَ أيضًا عَنْ كَثيرٍ مِنَ المُحَدّثينَ والفُقَهاءِ والمُقْرِئينَ، فقدْ سَمِعَ أبا الطِّيِّبِ أحمدَ بنَ سُلَيْمَانَ الجَرِيرِيَّ (ت ٣٦٧)، تِلْمِيذَ أبي جَعْفرٍ الطبَرِيِّ، وَراويةَ كَثيِرٍ مِنْ كُتُبهِ كـ (التَّفْسِيرِ)، وكِتَابِ (الفَرَائِضِ)، وسَمِعَ فيها أيضا مِنَ: الحَسَنِ بنِ يحيى بنِ المُطَرِّزِ (ت ٣٧٥)، وكانَ مِنْ كِبَارِ الُمَحدِّثينِ والمُسْنِدينَ، وسَمعَ أيضا من: عبدِ العَزِيزِ بنِ عليِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَدِيِّ (ت ٣٨١) مُسْنِدِ الدِّيارِ المَصْرِيَّةِ ومُقْرِئِها، ورَوَى فِيهَا أيضًا عَنْ الحَسَنِ بنِ يحيى القُلْزُميِّ (ت ٣٨٥)، وكَانَ قد زَارَهُ في دَارِه وأَخَذَ عَنْهُ، وكَانَ هذا الشَّيْخُ مِمَّنْ رَوَى كُتُبَ ابنِ الجَارُودِ كـ (المنتقى) وغَيْرِه، ومِمَّن رَوَى عنه أبو المُطَرِّفِ بِمِصْرَ هِشَامُ بنُ مُحَمَّدِ بن أبي خَلِيفَةَ الرُّعَيْنِي (ت ٣٧٦)، وكانَ رَاويةً لِكُتبِ أبي جَعْفرٍ الطَّحَاوِيّ، ورَاويةً أيضاً لكتبِ أَبي بِشْرٍ الدُّوَلابِيِّ، ورَوَى أَيضا عَنِ الحُسَيْنِ بن حَامِدِ بنِ نَصْرٍ (ت ٣٧٥)، وعبدِ الوَاحِدِ بنِ أحمدَ بنِ قتيْبةَ، والحَسَنِ بن علي بنِ شَعْبانَ، وعُمَرَ بنِ المُؤْمِّلِ.
ولَمْ يَكْتَفِ أبو المُطَرِّفِ بالسَّمَاعِ مِنْ هَؤُلاءِ العُلَماءِ وغَيْرِهم وإنما كَانَ يُرَاسِلُ العُلَمَاءَ المَشْهُورِينَ، ويَكْتُبَ إليهم في أَمْصَارِهِم، فقدْ كَتَبَ إلى الإمامِ العَلَّامةِ فَقِيهِ المالكيَّةِ ومُحَدِّثها ومُقْرِئها بالعِرَاقِ أَبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ الأَبْهَرِيِّ البَغْدَادِي (ت ٣٧٥)، صاحب المصنفات، ومنها شرحه للمختصر الكبير لإبن عبد الحكم (١) ، فقال في نهاية تفسيره: ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ الأَبْهَرِيِّ، وَهُوَ مِمَّا كَتْبَهُ إليَّ إجِازَةً وأنَا بِمِصْرَ.
ولَمَّا وَصَلَ إلى مَكَّةَ - شَرَّفَها اللهُ تَعَالى - كَتَبَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِها ومِنَ المَارِّينَ عَليها، فأخذَ عَنْ الإِمام المحدِّث أبي أحمدَ الحُسَيْنِ بنِ عليٍّ النَّيْسَابُورِيِّ، المشهور بِحُسَيْنك، المتوفى سنة (٣٧٥) ، ورَوَى فِيها أيضا عَنْ الحواشي
(١) توجد منه نسخ خطية غير كاملة، في مكتبة الأزهر، ومكتبة جوتا، وقد وصفهما وصفا دقيقا الدكتور ميكلوش موراني في كتابه (دراسات في مصادر الفقه المالكي) ص ٣٠.стр. 30
المحدِّث المُسْنِد يُوسُفَ بنِ يَعْقُوبَ النُّجَيْرَميِّ، المتوفى بعد سنة (٣٦٧) ، وروى فيها أيضًا عَنْ يُوسُفَ بن إبراهيمَ الجُرْجَانِي.
ولاَ شَكَّ أَن أبا المُطَرِّفِ التقَى بعددٍ آخرَ مِنَ العُلَماءِ في هذِه البلاَدِ وغَيْرِها، ولَكِن هذا مَا ذَكَرَتْهُ المصادرُ التي وقفتُ عليها، والله أعلم.
стр. 31
المبحث الرابع
مصنفاته
وُصِفَ أَبو المُطَرِّفِ بأَنَّهُ أَقْبَلَ على التَّصْنِيفِ، فَكَانتْ لَهُ كُتُبًا في التَّفْسِيرِ، وفِي الحَدِيثِ، وفِي الفِقْهِ وأَحْكَامهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَصلْنَا مِنْها -حَسَبَ عِلْمِنَا- سِوَى كِتَابهِ (تَفْسِيرُ الموطَّأ)، وفِيما يِلي أسماءُ كُتبه:
١ - اخْتِصَارُ تَفْسِير يحيى بنِ سَلاَّمِ، ذَكَرهُ ابنُ بَشْكُوالَ والذَّهبي وغَيْرُهما (١) .
٢ - الشُّرُوطُ على مَذْهَبِ مَالِكِ بنِ أَنس، ذَكَرهُ الحُمَيْدِيُّ، وقالَ: أَخْبَرنا بهِ أبو شَاكِرِ حَمْدُ بنُ عُمَرَ القَيْسِي (٢) ، وقالَ الذَّهبي: هُوَ في الشُّرُوطِ وعِلَلِها (٣) .
٣ - فِهْرِسةُ شُيُوخهِ، ذَكَرهَا ابنُ خَيْرٍ، وقالَ: رِوَايتِي لَها عَنْ أبي مُحَمَّدِ بنِ عَتَّابٍ، عَنْ أبيهِ، عنه (٤) .
٤ - اخْتَصَرَ وَثَائِقَ أحْمَدَ بنِ سَعِيدِ بنِ إبْرَاهِيمَ الهَمْدَانِيِّ، المَعْرُوفُ بابنِ الهِنْدِي، ذَكَرهُ القَاضي عِياض، وابنُ فَرْحُونَ (٥) .
٥ تَفْسِيرُ الموطَّأ، وسَيأْتِي الحَدِيثُ عنهُ لاَحِقاً. الحواشي
(١) الصلة ٢/ ٣٢٣، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.(٢) جذوة المقتبس للحميدي ص ٢٧٩.(٣) تاريخ الإسلام ٢٨٣٢٣، والعبر ٣/ ١١٤.(٤) فهرسة ابن خير ص ٤٣٦.(٥) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٣، والديباج المذهب ١/ ١٥٢. وكان ابن الهندي من أعلم عصره في علم الشروط، أقر بذلك فقهاء الأندلس، توفي سنة(٣٩٩) ، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ١/ ٢٠٥.стр. 32
المبحث الخامس
مذهبه وعقيدته
الإمامُ أبو المُطَرّفِ مَالِكِيُّ المذهَبِ، كَسَائرِ عُلَمَاءِ بَلَدِه، ونَرَى ذَلِكَ وَاضِحَاً في شَرْحهِ، فَكَانَ يَحْرِصُ على اسْتِعْرَاضِ أَقْوَالِ كِبَارِ عُلَمَاءِ المالكيَّهِ، مِنْ أمثالِ: ابنِ القَاسِمِ، وأَشْهَبَ، وابنِ الموَّازِ، وأَصْبَغَ، وسَحْنُونَ، وعِيسَى بنِ دِينَارٍ، والأَبْهَرِيِّ، وابن أبي زَيْدٍ القَيْرَوانِيِّ وغَيْرِهم، ويَهْتَمُّ كَثيراً بالدِّفَاعِ عَنْ مَذْهَبهِ والإنْتِصَارِ لَهُ، وذَلِكَ بِمُنَاقَشَتهِ لأَراءِ أَبي حَنِيفَةَ والشَّافِعِيِّ وغَيْرِهما.
أَمَّا عَقِيدَتُهُ فإنَّنا نَلْحَظُ في كِتَابهِ (تَفْسِيرِ الموطَّأ) إقْرَارَهُ لِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ لَهُم بإحْسَانٍ، وَهُو المُتَمَثِّلُ بإثباتِ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ تعالَى لِنَفْسهِ وَرَسُولهِ الكَرِيمِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَشْبيهٍ، أَو تَأْوِيل، أَو تَحْرِيفٍ، أَو تَعْطِيلٍ، والرَّدُّ على المبُتْدِعةِ وأَصْحَابِ الضَّلَالاتِ، والإشَادةُ في مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدة بِفَضَائلِ الصَّحَابةِ الكَرَامِ، وسَوْفُ نَسْتَعْرِضُ بالتَّفْصِيلِ أَقْوَالَهُ في هذا الأمرِ عند الحَدِيثِ عَنْ مَنْهَجِ المُصَنِّفِ في كِتَابهِ.
стр. 33
المبحث السادس
مآثره وثناء العلماء عليه
أَطْبقتْ شَهَادَاتُ العُلَمَاءِ بأن أبا المُطَرِّفِ كَانَ عَالِمَ الأَنْدَلُسِ بالحَدِيثِ والفِقهِ، وكانَ أَقْرأَ مَنْ بَقِيَ فِيهَا، وكَانَ زَاهِداً عَابِدَاً، صَوَّامَ النَهَارِ، قَوَّامَ اللَّيْلِ، مُعْرِضاً عَنِ المالِ والجَاهِ والسُّلْطَانِ، رَاضِيًا بالقَلِيلِ مِنَ الحَلاَلِ، ورُبَّما اقْتَاتَ بِمَا يَرْمِيه النَّاسُ مِنْ أَطْرَافِ البُقُولِ ومَا أَشْبهَ ذَلِكَ، ولاَ يَنْحَطُّ إلى مسألةِ أَحَدٍ.
ونُقِلَ عنهُ أنَّهُ قالَ: (كُنْتُ بِمِصْرَ وشَهِدْتُ العِيدَ مَعَ النَّاسِ فانْصَرفُوا إلى ما أَعَدُّوهُ، وانْصَرَفْتُ إلى النِّيلِ، وليسَ مَعِيَ مَا أُفْطِرُ عليهِ إلَّا شَيءٌ مِنْ بَقِيَّةِ ترْمُسِ بَقِيَ عِنْدِي فِي خِرْقَةٍ (١) ، فَنَزلْتُ علَى الشَّطِّ وجَعَلْتُ آكُلُه وأَرْمِي بِقِشْرِه إلى مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ تَحْتِي، وأَقُولُ في نَفْسِي: تَرَى إنْ كَانَ اليومَ بِمِصْرَ في هَذا العِيدِ أَسْوَءُ حَالاً مِنِّي، فلمْ يَكُن إلا مَا رَفَعْتُ رَأْسِي وأَبْصَرْتُ أَمَامِي، فإذا بِرَجُلٍ يَلْقَطُ قِشْرَ التُّرْمُسِ الذي أَطْرَحَهُ ويأْكُلُه، فَعَلِمْتُ أنَّهُ تَنْبِيهٌ مِنَ اللهِ وشَكَرْتُهُ) (٢) .
وإليكَ بَعْضَ شَهَاداتِ العُلَمَاءِ في مَدْحهِ والثَّنَاءِ عليهِ:
- فقالَ تِلْميذُه الإمامُ الحَافِظُ ابنُ عبدِ البَرِّ: (كَانَ خَيِّراً عَفِيفًا وَرعَاً، كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصَاً أَبْيَضَ عَلَى فَرْوَةٍ، وَرُبَّمَا لَبِسَ الفَرْوَةَ دُونَهُ) (٣) . الحواشي
(١) الترمس: شجرة لها حب مفلطح مر، يؤكل بعد نقعه، المعجم الوسيط ١/ ٨٤.(٢) المغرب ١/ ١٦٧.(٣) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢.стр. 34
- ونقلَ ابنُ حَزْمٍ فِي المُحَلَّى عن ابنِ عبدِ البَرِّ أنَّهُ قالَ: (حدَّثنا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوانَ القُنازِعيُّ - ثِقةٌ مَشْهُورٌ) (١) .
- وقَالَ تِلْمِيذُه أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَتَّابٍ: (خَيِّرٌ فَاضِلٌ) (٢) .
- وقالَ ابنُ الحَصَّارِ: (كَانَ وَرِعًا زَاهِدًا، صَالِحًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والتَّقَدُّمِ في الحَدِيثِ وعُلُومِ القُرْآنِ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ لِرِوَايةِ يَحْيِى وَعِنَايةٍ بِهَا) (٣) .
- ووصفهُ ابنُ حَيَّانَ القُرْطُبيُّ بقولهِ: (الفَقِيهُ، المُقْرِئُ، الرَّاويةُ، الحَافِظُ، الزَّاهِدُ، المُخْبتُ، المُتَقَشِّفُ، الفَاضِلُ، العَلَمُ، آخِرُ مَنْ تَنَاهَتْ فيهِ خِلاَلُ الخَيْرِ بِقُرْطُبةَ، وعَظُمَتْ بهِ المَنْفَعَةُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَة، وسَلَكَ سَبِيلَ السَّلَفِ المُتَقَدِّمينَ مِنْ هَذِه الأُمَّةِ) (٤) .
- وقالَ ابنُ بَشْكُوالَ: (كَانَ عَالِمَاً، وفَقِيهَاً حَافِظَاً، مُتَيَقِّظَاً دَيِّناً وَرِعَاً فَاضِلاً، مُتَصَاوِناً، مُتَقَشِّفَاً، مُتَقَلِّلاً مِنَ الدُّنيا، رَاضِياً مِنْهَا باليَسِيرِ، قَلِيلَ ذَاتِ اليَدِ، يُوَاسِي على ذلكَ مَنِ انتابهُ مِنْ أَهْلِ الحَاجةِ، دَؤُبًا عَلَى العِلْمِ، كَثِيرَ الصَّلاَةِ والصوْمِ، مُتَهَجِّدَاً بالقُرْآنِ، عَالِمَاً بِتَفْسِيرِه وأَحْكَامهِ، وحَلاَلهِ وحَرَامهِ، بَصِيرَاً بالحَدِيثِ، حَافِظَا للرَّأيِّ، عَارِفَاً بِعَقْدِ الشُّرُوطِ وعِلَلِهَا ... وكَانَ لَهُ بَصَر بالإعْرَابِ، واللُّغَةِ، والآدَابِ، وكَانَ حَسَنَ الأَخْلاَقِ، جَمِيلَ اللِّقَاءِ، مُقْبلاً على مَا يَعْنِيهِ ويُقَرِّبهُ مِنْ خَالِقِه تَعَالَى) (٥) .
- وقالَ الذَّهَبيُّ: (لَمَّا رَجَع مِنْ رِحْلَتهِ أَقْبلَ عَلَى الزُّهْدِ والإنْقِبَاضِ، ونَشْرِ العِلْمِ، والإقْرَاءِ، والعِبَادةِ، والأَوْرَادِ، والمُطَالَعةِ والتَّصْنِيفِ، وكانَ كَثيرَ الصَّلاَةِ، والتَّهَجُّدِ والصِّيامِ، عَالِمَاً بالتَّفْسِيرِ والأَحْكَامِ، بَصِيرًا بالحَدِيثِ، حَافِظًا الحواشي
(١) المحلى ٧/ ٥٠٢.(٢) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.(٣) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢.(٤) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣.(٥) الصلة ٢/ ٣٢٣.стр. 35
للرَّأيِّ، وكَانَ حَسَنَ الأَخْلاَقِ، جَمِيلَ اللِّقَاءِ) (١) .
- ووَصَفهُ في السِّيرِ بقَوْلهِ: (العَلَّامةُ القُدْوةُ ... كَانَ إمَاماً مُتَفَنِّناً حَافِظَاً، مُتَأَلِّهَا خَاشِعَاً، مُتَهَجِّدَاً مُفَسِّراً، بَصِيراً بالفِقْهِ واللُّغَةِ) (٢) .
- وِقالَ الصَّفَدِيُّ: (كَانَ عَالِماً عَامِلاً، فَقِيهَاً حَافِظَاً، وَرِعَاً مُتَقَشّفًا ... وكانَ لَهُ مَعْرِفةٌ باللُّغَةِ والأدَبِ) (٣) .
ووَصَفهُ ابنُ الجَزَرِيِّ بِقَوْلهِ: (أُسْتَاذٌ كَبيرُ القَدْرِ، كَثِيرُ التَّوَالِيفِ، كَانَ زَاهِدَاً خَيَراً) (٤) .
هَذه بَعْضُ الشَّهَاداتِ التِّي قِيلَتْ في الثّناءِ عَلى هَذا الإمَامِ الجَلِيلِ، وكانَ هَذا الإمَامُ لاَ يَدْخُلُ في شَيءٍ مِنَ السُّلْطَانِ، ولم يكنْ يَطْرُقُ أَبْوَابَهُم، أو يَحْضُرُ مَجَالِسَهُم، فقدْ ذَكَرتْ بَعْضُ الكُتُبِ أَنَّهُ لَمَّا وَلِى عَلِيُّ بنُ حَمُّودِ بنِ مَيْمُونَ الهَاشِمِيُّ (٥) الخِلاَفةَ بِقُرْطُبةَ أشارَ عَلَيْهِ قَاضِيه ابنُ بِشْرٍ (٦) بتَقْدِيمِ أبي المُطَرِّفِ القُنازِعيِّ إلى وَظِيفَةِ الشُّورَى (٧) ، وقدَّر أَنَّهُ لاَ يَجْسِرُ على رَدِّ ابنِ حَمُّودٍ لِهَيْبَتِهِ، حِرْصاً منهُ عَلى نَفْعِ المُسْلِمينَ بهِ، فَعَملَ ابنُ حَمُّودٍ برأيهِ، وأَنْفَذَ إليهِ بِذَلِكَ كِتَاباً الحواشي
(١) العبر ٣/ ١١٤، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.(٢) السير ١٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣.(٣) الوافي بالوفيات ١٨/ ١٦١.(٤) غاية النهاية ١/ ٣٨٠.(٥) هو علي بن حمود بن ميمون الهاشمي العلوي الإدريسي، استولى على الأمر بقرطبة في أول سنة(٤٠٧) ، وكانت دولته اثنين وعشرين شهرا، ثم قتله غلمان له في آخر سنة(٤٠٨) ، راجع: السير ١٧/ ١٣٥.(٦) هو أبو المُطَرِّف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر قاضي الجماعة بقرطبة، تقدمت ترجمته في المبحث الثاني.(٧) كانت وظيفة الشورى مما تفردت به بلاد الأندلس، فكان الخليفة هو الذي يعين أهل الشورى اعتمادا على ترشيح قاضي الجماعة بقرطبة، وكان الخلفاء لا يقدمون أحدا للفتوى حتى يكون من كبار العلماء، ينظر: كتاب دور الفقهاء في الحياة السياسية والإجتماعية بالأندلس، للدكتور خليل إبراهيم الكبيسي ص ١١٢.стр. 36
مِنْ عِنْدِه فامْتَنعَ وأَبى، ولَمْ يُفَكّرْ في ابنِ حَمُّودٍ وسَطْوَتهِ، وقالَ لَهُ: (أَنا إلى وَقْتِي هذا ما أَقُومُ بِمَعْرِفةِ مَا يَجِبُ علي فَضْلاً على أَنْ أُسْتَفْتَى في غَيْرِي)، وأَنشدَ قَائِلاً:
وإنَّ بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لَفَاقَةٌ ... إلَى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
فأَعْرضَ عنهُ ابنُ حَمُّودٍ وأَوْجَبَ عِذْرَهُ (١) .
* * * الحواشي
(١) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢، والصلة ٢/ ٣٢٣.стр. 37
الفَصْلُ الثَّالِثُ
شيوخ أبي المطرف وتلاميذه
وفيه مَبْحَثَانِ:
المبحث الأَوَّلِ: شُيُوخُهُ.
المبحث الثاني: تَلَامِيذُه.
стр. 38
المبحث الأَوَّل
شيوخه
عَاشَ أبو المُطَرِّفِ في فَترَة كَانَتْ الأَنْدَلُسُ والبلاَدُ الأُخْرَى تَعُجُّ بأَكَابِرِ العُلَمَاءِ، مِنْ فُقَهَاءٍ، ومُحَدِّثينَ، وقُرَّاءٍ، ومُفَسِّرِينَ، ولُغَويينَ، وقَدْ رَوَى في كِتَابهِ (تَفْسِيرِ المُوطَّأ) عَنْ بَعْضِهِم، وعَثَرْتُ عَلَى شُيُوخٍ آخَرِينَ فِي المَصَادِر التِّي ذَكَرْتُهَا آنِفَاً، ولا شَكَّ أَنَّ هَؤُلاَءِ الشُّيُوخِ كَانَ لَهُم الأَثَرُ الأَكْبَرُ في تَكْوِينِ شَخْصِيَتهِ، ولِذَا فانَّ ذِكْرَهُم يُسَاعِدُ فِي الكَشْفِ عَنْ حالِ أَبي المُطَرِّفِ ومَكَانَتهِ العِلْمِيَّةِ، ويَبْدُو أَنَّ أبا المُطَرِّفِ كَانَ يَنْتَقِي شُيُوخَهُ، فكان لا يَرْوِي عَمَّنْ يُخَالِفُ مَذْهَبَ السَّلَفِ، فقدْ أَخَذَ عَنْ أَبي بَكْرٍ الأُرْمُونِي، ثُمَّ تَرَكَهُ إذْ رَأَهُ دَخَلَ معَ بَنِي عُبَيْدٍ الفَاطِمِيينَ، وخَرَجَ مُحَمَّلاً بِصِلاَتِهِم وهَدَايَاهُم (١) .
وفِيمَا يَلِي ذِكْرَهُم مَعَ تَرْجَمَةٍ مُوجَزَةٍ لَهُم، مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ:
١ - أحمدُ بنُ خَالِدٍ التَّاجِرُ، ذَكَرَهُ ابنُ بَشْكُوال ضِمْنَ شُيُوخِ أبي المُطَرِّفِ (٢) ، ولم أقفْ لَهُ عَلَى تَرْجَمَةٍ. الحواشي
(١) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩١. ومن باب الفائدة نشير إلى أن نسبة العبيدين إلى الفاطميين غير صحيحة، وإنما جاءت هذه التسمية من باب التعمية على اعتقادهم، فهم طائفة من الباطنية، وينسبون إلى عبيد الله بن ميمون القداح، وكان مجوسيا باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام، وأباح لأتباعه الخمر والفواحش، وأشاعوا الرفض بما فيه من سب الصحابة الكرام وغير ذلك من الأباطيل، ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٩٧، وكتاب (قضية نسب الفاطميين أمام منهج النقد التاريخي) للأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس.(٢) الصلة ٢/ ٣٢٢.стр. 39
٢ - أَحْمَدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ عَمْرو، أَبو الطَّيِّبِ الجَرِيرِيُّ البَغْدَادِيُّ، ويُقَالُ له أيضاً: الحَرِيرِيُّ، الإمامُ الفَقِيهُ، كاَن على مَذْهَبِ ابنِ جَرِيرٍ الطَبَرِيِّ، وانتقَلَ مِنْ بَغْدَادَ إلى مِصْرَ، وهُنَاكَ سَمِعَ مِنْهُ أبو المُطَرِّفِ، قالَ فِي تَفْسِيرِه: أَخْبَرَنِي أَبو الطَّيِّبِ الجَرِيرِيُّ بِمِصْرَ عَنْ أَبي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ، ورَوَى أبو الطَّيِّبِ كُتَبَ أَبي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ: (التَّفْسِيرَ) وكِتَابَ (الفَرَائِضِ)، كَمَا فِي فِهْرِسةِ ابنِ خَيْبر، تُوفي بعدَ سنة (٣٦٧) (١) .
٣ - أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الملكِ، أبو عُمَرَ الإشْبِيلِيِّ نَزِيلُ قُرْطُبةَ، المعروف بابن المَكْوِي، الإمامُ العَلاَّمَةُ الفَقِيه، انتهَتْ إليه رِئَاسَةُ الفِقْه بالأَنْدُلُسِ، ونَقَلَ عَنْهُ أَبو المُطَرِّفِ في تَفْسِيرِه كَثِيرًا مِنْ أَقْوَالِهِ وآرائهِ الفِقْهِيةِ والحَدِيثيَّةِ، توفي سنةَ (٤٠١) (٢) .
٤ - أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إسْمَاعِيلَ، أَبو بكْرِ بنُ الَبنَّا المُهنْدِس، الإمَامُ مُحَدِّثُ مِصْرَ، توفي سنة (٣٨٥) ، رَوَى عنهُ أبو المُطَرِّفِ في مِصْرَ (٣) .
٥ - أَحْمَدُ بنُ عَوْنِ اللهِ بنِ حُدَير، أبو جَعْفَرٍ القُرْطُبِيُّ، يَرْوي عَنِ القَاسِم بنِ أَصْبَغٍ وغَيْرِه مِنْ أَهْلِ قُرْطُبةَ، وحَجَّ فَسَمِعَ مِنْ أَبي سَعِيدِ بنِ الأَعْرَابِيِّ وغَيْرِه، وقَدْ رَوَى عنهُ أبو المُطَرِّفِ (سُنَنَ أَبي دَوُادَ) بِرِوَايتهِ عَنِ ابنِ الأَعْرَابِي عَنْ أَبي دَاوُد، ورَوَى عَنْهُ أَيضاً (المختصرَ الكبير) لإبن عبدِ الحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ جَامِعٍ عَنِ ابنِ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ أبيهِ، ونَقَلَ عَنهُ أبو المُطَرِّفِ أَيْضَا بَعْضَ أَقْوَالهِ الفِقْهِيَّةِ، وكَانَ شَيْخًا صَالِحًا صَدُوقًا، صَارِمَاً في السُّنَّةِ، مُشَدِّدَاً على أَهْلِ البدَعِ، وقدْ أَوْصَى أَحَد تَلاَمِذَتَهُ فقالَ لَهُ: (أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، ولُزُومِ الذِّكْرِ، والعُزْلَةِ مِنَ الحواشي
(١) تاريخ بغداد ٤/ ١٧٩، والأنساب ٢/ ٥٢، وفهرسة ابن خير ص ٢٦٣، وتوضيح المشتبه ٢/ ٢٨٣.(٢) ترتيب المدارك ٧/ ١٢٣، والصلة ١/ ٢٢، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٠٦، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية ١/ ٢٣٠.(٣) الصلة ٢/ ٣٢٢، وانظر ترجمته في: السير ١٦/ ٤٦٢.стр. 40
النَّاسِ) (١) ، وُلِدَ سنةَ (٣٠٠) ، وتُوفِّي سنةَ (٣٧٨) (٢) .
٦ - أَصْبَغُ بنُ تَمَّام القُرْطُبِيُّ، قالَ ابنُ الفَرَضِيِّ: (مِنْ أَهْلِ القِرَاءَاتِ والحِفْظِ للقُرْآنِ، وكَان مُؤَدِّبًا)، توفي سنة (٣٦٥) ، وذَكَرَهُ ضِمْنَ شُيُوخِ أبي المُطَرّفِ: ابنُ بَشْكُوال، والذَّهبي في التَّارِيخ (٣) .
٧ - الحَسَنُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ خَلَفٍ المُطَرِّز، أَبو عَلِي المِصْرِي، الإمَامُ المُحَدِّثُ المُسْنِدُ، رَوَى عنهُ الدَّارَقُطْنِي والبَرْقَانِيُّ والجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهم، رَوَى عنهُ أبو المُطَرِّفِ بِمِصْرَ كمَا جاءَ في تَفْسِيرِه بِرِوَايتهِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ زَبَّانَ المِصْرِي، وُلِدَ سنة (٢٨٥) ، وتُوفي بِمَكَّةَ سنةَ (٣٧٥) ، ونَقَلَ القَاضِي عِياضٍ في تَرْجَمَةِ أبي المُطَرّفِ أنَّهُ حَدَّثَ عَنِ المُطَرِّزِ قال: قالَ لهُ حَمْزَةُ الكِنَانِيُّ في سنةِ (٣٤٨) (٤) : (سَيَمُرُّ بكَ تِسْعٌ وسِتِّينَ إنْ عِشْتَ، ولَسْتَ واللهِ تَرَى فِي الجَامِعِ بِمِصْرَ للهِ ولاَ لِرَسُولهِ ﷺ مِنْ سُنَّةٍ)، قالَ المُطَرِّزُ: (فَمَاتَ مَنْ كَانَ بِهَا، ومُنِعَ بَقِيَّتُهُمْ مِنَ الجُلُوسِ في الجَامِعِ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشِّيعَةِ، فَجَاءتِ السَّنَةُ المُؤَرَّخةِ بِمَا قالَ حَمْزَةَ) (٥) .
٨ - الحَسَنُ بنُ رَشِيقٍ، أَبو مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ المِصْرِيُّ، الإمَامُ العَلاَّمَةُ المُحَدَّثُ المُسْنِدُ، رَوَى عنهُ أبو المُطَرِّفِ كتُبًا كَثِيرَةً، ومِنْهَا (مُوَطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ) بِرِوَايتهِ عَنْ أَبي جَعْفَرٍ أَحَمْدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رَبَاح المُؤَدِّبِ المِصْرِيِّ عنهُ، ورَوَى عنهُ أيضا كتبا أخرى، منها: (مُصَنَّفَ ابنِ أَبي شَيْبةَ)، وكِتَابَ (مَعْرِفَةِ الحواشي
(١) الصلة لإبن بشكوال ١/ ٢٢١.(٢) تاريخ علماء الأندلس ص ٥٤، وبغية الملتمس ص ١٩٨.(٣) تاريخ علماء الأندلس ١/ ٨١، والصلة ٢/ ٣٢٢، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٢.(٤) هو حمزة بن محمد بن علي المصري، الإِمام الحافظ القدوة، وهو صاحب مجلس البطاقة المشهور المطبوع، توفي سنة(٣٥٧) ، السير ١٦/ ١٧٩.(٥) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢، وينظر ترجمة ابن المطرز في: كتاب وفيات المصريين للحبال ص ٢٤، وتاريخ بغداد ٧/ ٣٨٨.следующие страницы →