← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16787

تفسير الموطأ للقنازعي

القنازعي

Полный текст (779 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فَوَجَّهَتْ حِينَئِذٍ أُمُّ [سُلَيْمٍ] (١) أَقْرَاصَاً مِنْ شَعِيرٍ لَقتْهَا بِبَعْضِ خِمَارِهَا، وأَعْطَتْهَا أَنسَ بنَ مَالِكٍ، وطَرَحَتْ فَصْلَةَ الخِمَارِ عَلَى ظَهْرِ أَنسٍ. فِفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: سَدُّ الرَّجُلِ خَلَّةَ أَخِيهِ إذا عَلِمَ مِنْهُ حَاجَةً نزلَتْ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَسْألهُ ذَلِكَ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ. وعَلِمَ النبيُّ ﷺ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ ميَسُرّهُ مَسِيرَهُ إليهِ هُوَ وأَصْحَابُهُ، ولِذَلِكَ لاَقَاهُ أَبو طَلْحَةَ مَسْرُورَاً بهِ وبأصْحَابِهِ، ولَيْسَ العَمَلُ عَلَى ظَاهِرِ هَذا، مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذا لَا يَحْتَمِلَهُ كُل النَّاسِ، ولِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دُعِيَ إلى طَعَامِ وَلِيمَةٍ أَو غَيْرِهَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ، إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَرّ ذَلِكَ صَاحِبُ الوَليمَةِ أَمْ لَا. قالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: (ادْعُ مَنْ لَقِيتَ)، فَمُبَاحٌ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَ (٢). وَفْي حَدِيثِ أَبي طَلْحَةَ البَرَكَةُ في الثَّرِيدِ، لِفِعْلِهِ ذَلِكَ ﷺ ، وفِيهِ: إبَاحَةُ أَكْلِ الطَّعَامِ المَأدُومِ، والأَكلُ حَتَّى يَشْبَعُ الإنْسَانُ، وأن لا يَجْلِسَ عَلَى مَائِدَةِ الطَّعَامِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ إذا كَانُوا جَمَاعَةً، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ "ائدنْ لِعَشَرَةٍ"، وظَهَرَتْ بَرَكَةُ النبيِّ ﷺ في هَذا الطَّعَامِ اليَسِيرِ حَتَّى شَبِعَ مِنْهُ العَدَدُ الكَثيرُ، وهَذا مِنْ عَلاَمَاتِ نبوَّتهِ ﷺ . قالَ أَبو عُمَرَ: وذُكِرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أكلَ آخِرَ القَوْمِ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ. * قَوْلُهُ ﷺ : "طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ"، يَعْنِي: أَنَّهُ مَا يَشْبَعُ مِنْهُ اثْنَانِ مِنَ الطَّعَامِ يَكْفِي ثَلاَثَةَ رِجَالٍ، وَيرْوَى عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ هَمَّ في سَنَةِ مَجَاعةٍ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَهُمْ عَلَى سَبيلِ المُوَاسَاةِ، وقَالَ: (إنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ قُوتهِ) (٣).

стр. 737

* قَوْلُهُ ﷺ : "أَوْكوا السِّقَاءَ"، يَعْنِي: أَرْبِطُوا فَمَ قِرْبَةَ المَاءِ بالوِكَاءِ، والوِكَاءُ: الخَيْطُ الذِي يُرْبَطُ بهِ فَمُ القِرْبَةِ. وقَوْلُهُ: "خَمِّرُوا الإنَاءَ"، يَعْنِي: غَطُّوا إنَاءَ المَاءِ إذا كَانَ فِيهِ المَاءُ بِخِرْقَةٍ أَو غَيْرِهَا، والتَّخْمِيرُ: التَّغْطِيَةُ. وقَوْلُهُ: "أَغْلِقُوا البَابَ"، يَعْنِي: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ البِيُوتِ إذا نِمْتُمْ باللَّيْلِ. "وأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ"، يَعْنِي عِنْدَ النَّوَمِ، "فَإنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقَاً، ولَا يَحِلُّ وِكلاءً، ولَا يَكْشِفُ إنَاءً"، وأَمَرَ بإطْفَاءِ المَصَابِيحَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الفَأْرَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الفَتِيلَةَ مِنَ القِنْدِيلِ وَهِيَ مَوْقُودَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لِحَرْقِ البَيْتِ، وقَدْ عُرِضَ مِثْلُ هَذا بالمَدِينَةِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِحَرْقِ البَيْتِ ومَا كَانَ دَاخِلُهُ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ في الضَّيْفِ: "جَائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ"،يَعْنِي: يُكْرِمُهُ ضَيْفُهُ بأَطْيَبِ طَعَامِهِ يَوْمَاً ولَيْلَةً، ثُمَّ يُقَدِّمُ إليهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ عِنْدَهُ. * قالَ: "والضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيام، ومَا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ"، فَلَا يَسْتَبِيحُ أَكْلَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الأيَّام إلَّا مَنْ تحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ. قالَ ابنُ وَضاحٍ: قَالَ سَحْنُونُ: إنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ القُرَى، وأَمَّا في الحَضَرِ فالفِنْدِقُ يَنْزِلُ فِيهِ [المُسَافِرُ] (١). قَالَ أَبو عُمَرَ: مِنْ مَكَارِم الأخْلاَقِ أَنْ يَضِيفَ الإنْسَانُ صَدِيقَهُ في بَادِيةٍ كَانَ أَو حَاضِرَةٍ، وقَدْ حَضَّ عَلَى الضِّيَافَةِ خِيَارُ النَّاسِ، وسَلَفُ الأُمَّةِ. وقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرُ في قَوْلهِ ﵎: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، أَنَّهَا نَزَلَتْ في الضيَافَةِ، وَهُوَ أنْ يَقُولَ مَنْ نَزَلَ عَلَى

стр. 738

صَدِيقِهِ فَلَمْ يُحْسِنْ ضِيَافتَهُ: إنَّ فُلاَناً قَصَّرَ في أَمْرِي، فأبيحَ لَهُ القَوْلُ فِيهِ ومَلاَمَتِهِ (١). [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): في حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ حِينَ بَعَثَهُ النبيُّ ﷺ في جُمْلَةِ السَّرِيَّةِ الَّتي وَجَّهَهَا قِبَلِ السَّاحِلِ، مِنَ الفِقْهِ: مُوَاسَاةُ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بَعْضَاً عِنْدَ عَدَمِ الأَقْوَاتِ، ونَظَرُ الإمَامِ في ذَلِكَ، وفِيهِ إبَاحَةُ أَكْلِ مَا رَمَى بهِ البَحْرُ مَيْتَاً مِنْ دَوَابِّهِ. وقَالَ أَبو عُمَرَ: لَمْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ الحُوتَ المَيَّتَ عَلَى وَجْهِ مَا تُؤْكَلُ عَلَيْهِ المَيْتَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إليهَا، وذَلِكَ أَنَّهُمْ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ الحُوتِ أيَّامَاً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، والمُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ إنَّمَا يأْكُلُ مِنْهَا ثُمَّ يَنتقِلُ عَنْهَا بطَلَبِ المُبَاحِ مِنَ القُوتِ، وقدْ قَالَ ﷺ في البَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣). * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عِيسَى ﷺ لأصْحَابهِ: "عَلَيْكُمْ بالمَاءِ القَرَاحِ"، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِشُرْبِ المَاءِ الذِي لَا يُخَالِطُهُ شَرَابٌ غَيْرُهُ. "والتقْلُ البَرِّيِّ"، يَعْنِي: البَقْلَ الذِي تُنْبِتُهُ الأَرْضُ بِغَيْرِ مَؤُنَةٍ ولَا زِرَاعَةٍ. وقَوْلُهُ في خُبْزِ البُرِّ: "لَنْ تَقُومُوا بشُكْرِه"، يَعْنِي: لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِ النَّعِيمِ في الدُّنيا فَخُذُوا مِنْهَا بالقَصْدِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: هَذا في شَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ لا في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لأَنَّ الله ﵎ أَبَاحَ [لهذه] (٤) الأُمَّةِ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الحَلاَلِ، وقَدْ أَكَلَ النبيُّ ﷺ عِنْدَ أبي الهَيْثَمِ بنِ التَّيْهَانِ الخُبْزَ، واللَّحْمَ، وشَرِبَ الماءَ العَذْبِ، ثُمَّ

стр. 739

قَال لأَصْحَابهِ الذِين أَكَلُوا مَعَهُ: "لَتسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ"، يَعْنِي: تَسْأَلُونَ عَنْهُ سُؤَالَ امْتِنَانٍ، لَا سُؤَالَ حِسَابٍ، ولا سُؤَالَ مُنَاقَشَةٍ. قالَ أَبو عُمَرَ: أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذا الحَدِيثَ في كِتَابِ الجَامِعِ في إثْرِ حَدِيثِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ ﷺ ، لِكَيْ يُرِي النَّاسَ تَوْسِعَةَ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- عَلَى هَذِه الأُمَّةِ في أَكْلِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: في قَوْل النبيِّ ﷺ لأَبي الهَيْثَمِ حِينَ هَمَّ بِذَبْحِ الشَّاةِ، فَقَالَ لَهُ: "نكبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ"، يَعْنِي: اتْرُكْ ذَبْحَ ذَاتِ اللَّبَنِ. فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: تَرْكُ ذَبْحِ ذَوَاتِ اللَّبَنِ الَّتي يَعِيشُ أَهْلُهَا مِنْ لَبَنِهَا، وفِيهِ أَيْضَاً: قُصُودُ الإخْوَانِ إلى أَبْيَاتِ إخْوَانِهِمْ كلِ طَعَامِهِمْ عِنْدَ الحَاجَةِ إلى الطَّعَامِ، وفِيهِ: إكْرَامُ الرَّجُلِ زُوَّارَهُ بأَطْيَبَ طَعَامِهِ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَصِلَةِ الإخْوَانِ بَعْضَهُمْ بَعْضَاً. * قالَ أَبو عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ أَكُولاً، ولَذِلَكَ أَكَلَ الصَّاعَ مِنَ التَّمْرِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ طَعَامَاً قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَضَرَّ بهِ الجُوُعُ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: التَّمْرُ إذا نُزِعَ نَوَاهُ ذَهَبَ نِصْفُهُ، وإنَّمَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ الصَّاعِ الذِي وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ نِصْفُ الصَّاعِ، وفِي أَكْلِ عُمَرَ لِجَمِيعِه في مَرَّة وَاحِدَةٍ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ الشِّبَعِ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ إذا كَانَ مِنْ حَلاَلٍ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عُمَرَ للَّذِي أَكَلَ مَعَهُ الخُبْزَ بالسَّمِنِ: (كأنَّكَ مُقْفِرٌ، يَعْنِي بالمُقْفَرِ: الذِي لَا شَيءَ لَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ سَمْنَاً ولَا أَكْلاً عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ في حَاجَةٍ، فَقَالَ: (لَا آكُلُ سَمْنَاً حَتَّى يَحيَا النَّاسُ)، يَعْنِي: حَتَّى يُغَاثُ النَّاسُ بالحَيَا والخَصْبِ، وأَرَادَ بِهَذا عُمَرُ أنْ يُشَارِكَ النّاسَ في ضِيقِ عَيْشِهِمْ، وهَكَذا يَفْعَلُ [أَهْلُ] (١) العَدْلِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَكْلُ الجَرَادِ مُبَاحٌ، ولِذَلِكَ قَا" عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ حِينَ

стр. 740

سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: (وَدِدتُ أَنَّ عِنْدَنا قَفْعَة نَأكُلُ مِنْهُ) يَعْنِي: لَيْتَ عِنْدَنا قَفَّة مَمْلُوئَةً مِنْ جَرَادٍ نأكُلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ الجَرَادُ إلَّا بِذَكَاة، لأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَرِّ الذِي يَتَولَّدُ فِيهِ، وذَكَاتُهُ قَطْعُ أَرْجُلِهِ وأَجْنِحَتِهِ، أَو يُسْوَى في النَّارِ وَهُوَ حَيٌّ، فإن مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْنَعَ بهِ شَيءٌ مِنْ هَذا لَمْ يُؤْكَلْ لأَنَّهُ مَيْتَةٌ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ حِينَ بَعَثَ إلى أُمِّه في الطَّعَامِ الذِي أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ بهِ زُوَّارَهُ، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: إكْرَامُ الرَّجُلِ إخْوَانَهُ الذِينَ يَزُورُونه بِطَعَامِهَ، وأن لا يَحْتَقِرَ الإنْسَانُ شَيْئَاً يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ إخْوَانِهِ، وَتَرْكُ القَوْمِ الأَكْلَ إذا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إلى الطَّعَامِ، وشُكْرُ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- عِنْدَ تَوَسُّعِهِ عَلَى العَبْدِ بِنِعْمَةٍ، لِقَوْلِ أَبي هُرَيْرَةَ: (الحَمْدُ للهِ الذِي أَشْبَعَنا مِنَ الخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامَنَا إلَّا الأَسْوَدَيْنِ التَّمْرَ والمَاءَ)، وإنَّمَا قَالَ: (الأَسْوَدَانِ) والمَاءُ لَيْسَ بأَسْوَدَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، فَغَلَبَ أَحُدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، كَمَا قِيلَ: (سُنَّةُ العُمَرَيْنِ) يَعْنُونَ سُنَّةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵄. وقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ في الغَنَمِ: (امْسَحْ الرُّعَامَ عَنْهَا)، يَعْنِي: امْسَحْ مُخَاطَهَا. وقَوْلُهُ: (أَطِبْ مَرَاحَهَا)، يَعْنِي: نَظِّفِ المَوْضِعَ الذِي تَرُوحُ إليه، وتَأْوِي فِيهِ. (فإنَّهَا مِن دَوَابِّ الجَنَّةِ)، يَعْنِي: هِيَ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ، قالَ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- في أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] يَعْنِي بهِ: لَحْمَ الضَّأنِ. و (الثَّلَّةُ مِنَ الغَنَمِ) هِيَ: القَلِيلَةُ مِنَ العَدَدِ، والثُّلَّةُ -بِرَفْعِ الثَّاءِ- الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. وقَوْلُ أَبي هُرَيْرَةَ: (لَيَأتِيَنَّ عَلَىِ النَّاسِ زَمَان يَكُونُ فِيهِ الثَّلَّةُ مِنَ الغَنَم خير مِنْ دَارِ مَرْوَانَ)، يَعْنِي: أنَّ الزَّمَانَ يَتَغيَّرُ بِتَغَيِّر أَهْلِهِ، وَيَشْتَدُّ الحَالُ حَتَّى يَكونَ حَالُةُ الفَارِّ بِدِييهِ المُسْتَغْنِي بالغَنَمِ اليَسِيرَةِ خَيْرٌ مِنْ حَالَةِ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، ولَمْ يَكُنْ أَبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ هَذَا إلَّا بِعِلْمٍ سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ ﷺ . * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ للَّذِي سَأَلهُ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ لَبَنِ يَتيمِهِ،

стр. 741

فَقَالَ لَهُ: (إنْ كنتَ تَبْغِي ضَالَّتَهَا)، يَعْنِي: إنْ كُنْتَ تَطْلُبُ الضَّالَّةَ مِنْهَا حَتَّى تَرُدَّهَا. (وتَهنَأَ جَرْبَاهَا)، يَعْنِي: تَطْلِي الجَرْبَةَ مِنْهَا بالهِنَاءِ، وَهُوَ القَطِرَانُ. (وَتَلُطُّ حَوْضَهَا)، يَعْنِي: تُطَيِّنُ الحَوْضَ الذِي تَصُبُّ فِيهِ لِهَا المَاءَ عِنْدَ شُرْبِهَا وَتُصلِحَهُ. (فَاشرَبْ غير مُضِرٍّ بنَسْلٍ)، يَعْنِي: اشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا مَا لَمْ يَضُرُّ شُرْبُكَ بأَوْلاَدِهَا فَيَمْنَعَهَمْ لَبَنُهَا. (ولَا تَنْهَك في الحَلْبِ)، يَعْنِي: لَا تَسْتَقْصِ جَمِيعَ اللَّبَنِ الذِي في ضُرُوعِهَا. فَفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: أَلَّا يَأْكُلَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ يَتِيمِه إلَّا عِنْدَ خِدْمَتِهِ إيَّاهُ، يَأْكُلُ بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي خِدْمَتِهِ لَهُ؛ لأن الله -جَلَّ وَعَزَّ- قَدْ مَنَعَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ اليَتَامَى. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِجَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ حِينَ رَأَهُ قَدْ اشْتَرَى لَحْمَاً بِدَرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ: (أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكمْ أَنْ يَطْوِي بَطْنَهُ عَنْ جَاره وابنِ عَمِّه)،يَعْنِي: أَنْ يَصْبِرَ عَنْ أَكْلِ الشَّهَواتِ، ويُؤثرَ بِطَعَامِهِ جَارَهُ وابنَ عَمِّه عِنْدَ الحَاجَةِ والضَّرَوُرَةِ، ثُمَّ نَزَعَ (١) بالآيةِ التّي أُنْزِلَتْ فِيمَنْ أَذْهَبَ طَيِّبَاتِهِ في حَيَاتِهِ الدُّنيا، وَهَذِه الآيةُ إنَّمَا نَزَلَتْ في قَوْمٍ كُفَّارٍ وامْتَثَلَهَا عُمَرُ في أَهْلِ الإتْرَافِ عَلَى وَجْهِ الزُّهْدِ في الدُّنيا والقَصْدِ فِيهَا. قالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: إدْمَانُ أكلِ اللَّحْمِ يُقْسِي القَلْبَ، وإغْبَابُ أَكْلِهِ هُوَ الصَّوَابُ (٢)، وقالَ النبيُّ ﷺ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: "مَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَرْبَعِينَ يَوْمَاً سَاءَ خُلُقُهُ" (٣). * * *

стр. 742

باب في لباس الخَاتَمِ إلى آخِرِ بَابِ الطَّيرَةِ وَالرُّؤيَا * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَجَازَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ التَّخَتُّمَ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ، وَالمُسْتَحْسَنُ في لِبَاسِ الخَاتَمِ أَنْ يُجْعَلَ في اليَدِ الشِّمَالِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يَأخُذَ الشَّيءَ بِيَمِينهِ فَيَجْعَلَهُ في شِمَالِهِ، ولَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَنْجِي الرَّجُلُ عِنْدَ الغَّائِطِ وفِي شِمَالِهِ خَاتَم في فُصّهِ نَقْشُ اسْمِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، قَالَهُ مَالِكٌ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ. ورَوَى أَبو دَاوُدَ، عَنْ نَصْرِ بنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبي عَلِي الحَنَفِيِّ، [عَنْ هَمَّامٍ] (١)، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنسَ بنِ مَالِكٍ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إذا أرَادَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ)، قالَ أَبو دَاوُدَ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وإنَّمَا المَعْرُوفُ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: (أَنَّ النبيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمَاً مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ نَبَذَهُ) (٢). * وهَكَذا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ . * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: وَقَعَ في غَيْرِ [مُوَطَّأ] (٣) يَحْيىَ بنِ يَحْيىَ: "الرِّفْقَةُ الَّتي فِيهَا الجَرَسُ لَا تَصْحَبُهَا المَلاَئِكَةُ" (٤)، ولِهَذا الحَدِيثِ تَرْجَمَ مَالِكٌ في كِتَابِ

стр. 743

الجَامِعِ مِنْ رِوَايةِ يحيى: (مَا جَاءَ في نَزْعِ المَعَالِيقِ وَالجَرَسِ). * قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تَبْقِيَنَّ في عُنقِ بَعِيرٍ قِلاَدَةً مِنْ وَتَر إلَّا قُطِعَتْ"، إنَّمَا أَمَرَ النبيُّ ﷺ بقَطْعِهَا مِنْ أَجْلِ أنَّ الذِي عَلَّقَهَا في عُنُقِ بَعِيرِه أَرَادَ بِتَعْلِيقِهِ إيَّاهَا مُدَافَعَةَ العَيْنِ، وإنَّمَا للعَيْنِ الوُضُوءُ كَمَا أَمَرَ بهِ النبيُّ ﷺ . ومِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ أَبي سُلَيْمَانَ الكُوفيِّ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "قَلِّدُوا الخَيْلَ، ولَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ" (١)، قالَ وَكِيعٌ: مَعْنَاهُ: لَا تَرْكَبُوهَا في الفِتَنِ، فَيُعَلِّقُ في عُنُقِ فَرَسِهِ وَتَراً يَطْلُبُ بهِ، إن قتَلَتَ عَلَيْهِ أَحَداً وأنتَ ظَالِمٌ (٢). ولَا بَأْسَ بتَقْلِيدِ الخَيْلِ قَلاَئِدَ العِهْنِ إذا لَمْ يُرِدْ مُقَلِّدُهَا بِتَقْلِيدِه إيَّاهَا مُدَافَعَةَ العَيْنِ، وإنَّمَا أرَادَ بِذَلِكَ الزِّينَةَ، ولَا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ التّي فِيهَا أَسْمَاءُ اللهِ عَلَى أَعْنَاقِ المَرْضَى عَلَى جِهَةِ التَّبُّركِ بِهَا إذا لَمْ يُرِدْ مُعَلِّقُهَا عَلَى لَبْسِهِ بِذَلِكَ مُدَافَعَةَ العَيْنِ. * قالَ ابنُ وَضَّاح: (الخَرَّارُ) الذِي اغْتَسَلَ فِيهِ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ هِيَ عَيْنٌ بِخَيْبَرَ. * قالَ عِيسَى: مَعْنَى قَوْلهِ: (فَلُبَطَ سَهْلٌ) أَيْ: صَرَعْتُهُ الحُمَّى، فأمَرَ النبيُّ ﷺ [حِينَ] (٣) أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ أَنْ يَتَوضَّأ لَهُ. قالَ ابنُ نَافِعٍ: صِفَةُ وُضُوئِهِ هُوَ: أنْ يَغْسِلَ العَائِنُ وَجْهَهُ، وَيَدْيهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةُ إزَارِهِ، وَهُوَ الطَّرَفُ المُتَدَلِّي الدَّاخِلُ إلى البَدَنِ

стр. 744

مِنَ المِئْزَرِ، وُيجْمَعُ ذَلِكَ الماءُ في إنَاءٍ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى المَعِينِ، فَإنَّهُ يَبْرَأُ بإذنِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-. قالَ أَبو عُمَرَ: إذا اتَّهَمَ بِذَلِكَ أَحَداً وكَانَ بِذَلِكَ مَعْرُوفَاً قُضِيَ عَلَيْهِ بالوُضُوءِ كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ . قالَ: وإنَّمَا يُسْتَرْقَى للمَرِيضِ إذا لَمْ يُعْلَمْ مَنْ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ، فإذَا عُرِفَ مَنْ أَصَابَهُ بهِ أُمِرَ بالوُضُوءِ. قَوْلُ النبيِّ ﷺ لِحَاضَنَةِ ابْنَيْ جَعْفَرِ بنِ أَبي طَالِبٍ: "اسْتَرقُوا لَهُمَا، فَإنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيءٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ" يُرِيدُ: أَنَّ العَيْنَ الَّتي يَكُونُ الوَعْكُ والمَرَضُ بِسَبَبِهَا حَقٌّ، وأنْ الرُّقَى بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- وأَسْمَائِهِ مِمَّا يُسْتَشْفَى بهِ المَعِينُ، وهَذا إذا لَمْ يُعْرَفْ مَنْ أَصَابهُ بِعَيْنِهِ، وأَمَّا إذا عُرِفَ أُمِرَ بالوُضُوءِ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ النبيِّ ﷺ لِعُثْمَانَ بنِ أَبي العَاصِي: "امْسَح الوَجَعَ سَبْعَ مَرَّاتِ، وقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- وقُدْرَتهِ مِنْ شرّ مَا أَجِدُ" هَذا الحَدِيثُ أَصْلٌ في أَنْ لَا يَسْتَرِقِي الإنْسَانُ إلَّا بأَسْمَاءِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- وَصِفَاتِهِ وكِتَابِهِ، وقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ ويَنْفَثُ، كَمَا يَنْفَثُ آكِلُ الزَّبِيبِ إذا رَمَى بعُجْمِهِ مِنْ فِيهِ، وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى الرَّغْبَةِ في صَحَّةِ الأَجْسَامِ، وَالإسْتِعَانة باللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- مِنَ البَلاَءِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: كَرِهَ ابنُ وَهْبٍ أَنْ يَرْقَي اليَهُودِيُّ أَو النَّصْرَانِيُّ المُسْلِمَ، وأَجَازَهُ مَالِكٌ إذا رَقَا بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، كَمَا قالَ أَبو بَكْرٍ لليَهُودِيَّةِ الَّتي كَانَتْ تَرْقِي عَائِشَةَ، فقَالَ لَهَا: (ارْقِيهَا بِكِتَاب اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-)، يَعْنِي: أَرْقِيهَا بِكَلاَمِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- الذِي فِيهِ الشِّفَاءُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. " قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الذِي أَنْزَلَ الأَدْوَاءَ"، يَدُلُّ هَذا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلَّ دَاءٍ قَدْ جَعَلَ اللهُ في الأَرْضِ دَوَاءَهُ، فَالتَدَاوِي مُبَاحٌ، والإسْتِرْقَاءُ مُبَاحٌ، والإكْتِوَاءُ مُبَاحٌ، وتَرْكُ ذَلِكَ كُلُّهُ مُبَاحٌ لِمَنْ تَرَكَهُ واسْتَسْلَمَ

стр. 745

لأَمْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، وَرَضِيَ بِقَضَائهِ وَصَبرَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ كَوَى النبيُّ ﷺ سَعْدَ بنَ زُرَارَةَ (١)، وكَوَى سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ حِينَ قُطِعَ عِرْقَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ (٢)، وَفَعَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ مثْلَ ذَلِكَ. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ في الحُمَّى: "أَبرِدُوَها بالمَاءِ" قالَ أَبو عُمَرَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَتَبَرَّدَ المَحْمُومُ بالمَاءِ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَمِلُ، إمَّا يَغْسِلُ، أَو يُرَشُّ، أَو يُبَلِّلُ، أو كَيْفَ مَا احْتَمَلَ، وَيُقَالُ: (اكْشِفِ البَأسَ رَبَّ النَّاسِ لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاءُكَ). * قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "لَا عَدوَى"، يَعْنِي: أنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ شَيءٌ مِنَ الأَمْرَاضِ إلى غَيْرِ مَنْ بهِ المَرَضُ. وقَوْلُهُ: "لَا هَامَ، ولَا صَفَرَ"، يَعْنِي: لَا تَتَطَيَّرُوا بِالْهَامِ، كَتَطَيُّرِ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ بِهَا، وذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إذا نَزَلَ طَيْرُ الهَامِ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِم النبيُّ ﷺ في ذَلِكَ، وكَانُوا أَيْضَاً يَقُولُونَ: إذا كَثُرَتِ الصُّفَارُ في جَوْفِ الرَّجُلِ قَتَلَتْهُ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ هذا مِنْ قَوْلهِمْ، وأَوْجَبَ أَنَّ الله هُوَ الفَاعِلُ لِذَلِكَ كُلِّهِ. وقَوْلُهُ ﷺ : "ولَا يَحِلُّ المُمْرِضُ عَلَى المُصِحِّ"، يَعْنِي: لَا يَحِلُّ صَاحِبُ الإبِلِ المِرَاضِ، أَو المَاشِيةُ المَرِيضَةِ عَلَى صَاحِبِ المَاشِيةِ الصَّحِيحَةِ، فَرُبَّمَا مَرِضَتِ الصِّحَاحُ فَيَقَعُ في نَفْسِ صَاحِبهَا أَنَّ بِسَببِ حُلُولِ صَاحِبِ الإبِلِ المَرِيضَةِ عَلَيْهِ مَرِضَتْ إبلُهُ، أَو مَاشِيتَهُ، فَسَادَاً بِهَذا الظَّنًّ.

стр. 746

ومَنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: البَعِيرُ الجَرِبُ يَحِلُّ بالإبِلِ فتجْرَبُ، فقال ﷺ : فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلُ؟ " (١)، يَعْنِي: أنَّ الله -جَلَّ وَعَزَّ- الذِي أَجْرَبَ الأُولَى هُوَ فَعَلَ بِهَذِه مَا فَعَلَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلهِ: (لَا عَدْوَى). * وقِيلَ أَيْضَاً في تَأْوِيلِ قَوْلهِ: "لَا يَحِلُّ المُمْرِضُ عَلَى المُصِحِّ"، أَيْ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَصَابَهُ جُذَامٌ مَحِلَّةِ الأَصِحَّاءِ فَيُؤْذِيهِم بِذَلِكَ، مِنْ أَجْلِ رَائِحَةِ الجُذَامِ، وقَدْ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ للمَرْأةِ المَجْذُومَةِ الَّتي كَانَتْ تَطُوفُ بالبَيْتِ: (لَوْ جَلستِي في بَيْتِكِ كَانَ خَيْرَاً لَكِ)، وإنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ رَائِحَةِ الجُذَامِ، والنَّظَرِ إليهَا. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَمْرَ رَسُول اللهِ ﷺ بإحْفَاءِ الشَّوَارِبِ، وإعْفَاءِ اللِّحَى، قالَ ابنُ أَبِي زَيْدٍ: مَعْنَى هَذا أنْ تُعْفَى اللِّحْيَةُ، وتُوَفَّرُ، ولَا تُقَصُّ. قال مَالِكٌ: ولَا بَأْسَ بالأَخْذِ مِنْ طُولهَا إذا طَالَتْ سَرَفَاً. وقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ، وإنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لأَنَّهَا إذا طَالَتْ سَرَفَاً سُمِجَتْ، وخَرَجَ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ إلى حَدِّ الشُّهْرَةِ، فإذا أَخَذَ مِنْ طُولهَا يَسِيرَاً حَسُنَ ذَلِكَ. وأَمَّا إحْفَاءُ الشَّوَارِب فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ طَرَفِ شَعْرِ شَارِبهِ حَتَّى يَظْهَرَ طَرَفُ الشَفَّةِ، لَا حَلْقُهُ كُلُّهُ؛ لأن حَلْقَهُ مُثْلَةٌ. * [قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: القُصَّةُ الَّتي تَنَاوَلَها مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ يَدِ الحَرَسِيِّ كَانَتْ جُمَّةً مِنْ شَعَرٍ، وذَلِكَ أَنَّ المَرْأةَ رُبَّمَا جَعَلَتْ عَلَى شَعْرِهَا جُمَّةً مِنْ غَيْرِ شَعْرِهَا لِكَيْ يَرَى مَنْ يَرَاهَا أنَّهُ شَعْرُهَا، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُول اللهِ ﷺ ، مِنْ أَجْلِ أنَّ فَاعِلَةَ ذَلِكَ لَمْ تَرْضَ بِمَا أَعْطَاهَا اللهُ ، فَغَيَّرَتْ خَلْقَهَا، كَفِعْلِ الوَاصِلَةِ شَعْرَهَا بِغَيْرِ شَعْرِهَا، وقَدْ لَعَنَ رَسُول اللهِ ﷺ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ،

стр. 747

يَعْنِي الفَاعِلَةَ ذَلِكَ والمَفْعُولَ بِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا تَعَاوَنتَا عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-. وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِه نِسَاؤهُمْ"، فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ مَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ عُصَاة كَانَ شَرِيكَاً لَهُمْ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: فَرْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ سُنَّةٌ، وقَدْ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَعْرَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُرْسَلاً. * وَرَخَّصَ مَالِكٌ في صَبغ الشَّعْرِ بِغَيْرِ السَّوَادِ، وتَرْكُ الصَّبغ عِنْدَهُ مُبَاحٌ لِمَنْ تَرَكَ شَعْرَهُ غَيْرَ مَصبُوغٍ. أَجَازَ مَالِكٌ خِصَاءَ الأَنْعَامِ، لأَنَّهُ صَلاَح لِلُحُومِهَا، وإنَّمَا يُكْرَهُ خِصَاءُ الخَيْلِ، والبِغَالِ، والحَمِيرِ لأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-. * قَوْلُهُ ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللهُ في ظِلِّه"، يَعْنِي: يَجْعَلَهُمُ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- في سِتْرهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. فَذَكَرَ أَوَّلَهُمْ: "الإمَامُ العَدْلُ"، يَعْنِي: الذِي يَقْصدُ العَدْلَ بَيْنَ خَلْقِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، ومَا هُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ مِنْ أُمُورِهِمْ، فإذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الأَجْرُ، وعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وإذَا جَارَ عَلَيْهِمْ كَانَ عَلَيْهِ الوِزرُ، وعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ. قَوْلُهُ: "وشَابٌّ نَشَأ في عِبَادِةِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-"، يَعْنِي: أَطَاعَ الله -جَلَّ وَعَزَّ- مِنْ وَقْتِ عَقَلَ، [وَرَاضِياً] (١) عَنِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-. قالَ أَبو عُمَرَ: المَحَبَّةُ في ذَاتِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- عَلَى المُؤْمِنِينَ فَرْضٌ، وَهِيَ مِمَّا تُعِينُ عَلَى التَّقَرُّبِ إلى اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-. وفِي هَذا الحَدِيثِ بَيَانُ أنَّ إخْفَاءَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ مِنْ إعْلاَنِهَا، لِقَوْلهِ:

стр. 748

"وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاهَا"، وأَمَّا صَدَقَةُ الفَرْضِ فَإعْلاَنُهَا أَفْضَلُ مِنْ إخْفَائِهَا، قالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، يَعْنِي: صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ [يَعْلَى] (١) بنِ عَطَاءٍ، قالَ: سَمِعْتُ الوَليدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدّثُ عَنْ أَبِي إدْرِيس الخَوْلاَنِي قالَ: لَقِيتُ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ (٢)، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ الذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي إدْرِيس الخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ. قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: سَنَدُ شُعْبَةَ في هَذا الحَدِيثِ هُوَ الصَّحِيحُ، لأَنَّ أبا إدْرِيسَ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، وذَلِكَ أَنَّ مَعْمَراً رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبي إدْريسَ الخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: (أَدْرَكْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ ﷺ ، وفَاتَنِي مُعَاذ بنُ جَبَلٍ). قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: وهَذا مِمَّا يُصَحِّحُ رِوَايةَ شُعْبَةَ في هَذا الحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْوِيهِ أَبو إدْرِيس عَنْ عُبَادَةَ، لَا عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ. قالَ أَحْمَدُ: وانْفَردَ أَبو حَازِمِ بنُ دِينَارٍ عَنْ أَبي إدْرِيسَ الخَوْلَانِيِّ عَنْ مُعَاذٍ بِسَنَدِ هَذا الحَدِيثِ، والمَحْفُوظُ فِيهِ عَنِ الوَليدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي إدْرِيس الخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ (٣). * قالَ أَبو عُمَرَ: الحُبُّ في اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، والتَزَاوُرُ في اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، والمُجَالَسَةُ في اللهِ ﵎ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الإيْمَانِ، كَمَا أَنَّ القَصْدَ في جَمِيعِ

стр. 749

أَحْوَالِ الإنْسَانِ، والتُّؤَدَةَ -أَعنِي التَّأَنِّي في الأُمُورِ- وتَرْكَ العَجَلَةِ، وحُسْنَ السَّمْتِ، يَزِيدُ الوَقَارَ، والسَّكِينَةَ جُزْءٌ مِنْ عِشْرِينَ جُزْءَاً مِنَ النُّبُوَّةٍ، وهَذِه الأَحْوَالُ كُلُّهَا مِنْ أَخْلاَقِ الأَنْبَياءِ صَلَوَاتُ اللهِ وسَلاَمَهُ وَرَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، فمَنْ كَانَت فِيهِ أَو بَعْضُهَا فَلْيَحْمَدِ اللهِ -جَلَّ وعَزَّ- عَلَيْهَا. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتي يُسَرُّ بِهَا مَنْ يَرَاهَا، أَو مَنْ تُرَى لَهُ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءَاً مِنَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النُبُوَّةِ هُوَ أَنْ يُخْبَرَ صَاحِبُهَا بأُمُورٍ رَغَائِبةٍ فَتَقَعُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ، ولذَلِكَ قالَ ﷺ : "ليس يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبوَّةِ إلَّا المُبَشِّرَاتِ"، يَعْنِي: الرؤيَا الصَّادِقَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالح. قالَ أَبو عُمَرَ: فأَمَّا الحُلْمُ فإنَّهُ الفَظِيعُ مِنَ الأَحْلاَمِ، يُرِيهِ الشَّيطَانُ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ لِيُحْزِنْهَ بذَلِكَ، فَمَنْ رأَى مِثْلَ هَذهِ الرؤيَا اسْتَعَاذَ باللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- إذا انْتبهَ مِنْ نَوْمهِ مِنْ شَرِّهَا، وتَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثاً، فإنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وبهَذا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ رَأَى رُؤيَا يَكْرَهُهَا أنْ يَفْعَلَ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُهُ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَا الله -جَلَّ وَعَزَّ- وَرَسُولُه ﷺ " إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَعِبٌ يُلْهِي عَنْ ذَكْرِ اللهِ تَعَالَى. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: سَأَلتْ [ابنَ أَبِي] (١) زَيْدٍ عَنْ صِفَةِ النَّرْدِ، فَلَمْ يَعْرِفْ صِفتَهُ، وقالَ لِي: هُوَ لَعِبٌ لَا يَكُونُ أَبَداً إلَّا بِقِمَارٍ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ كَمَا كَرِهَ الشِّطْرَنج، ولَيْسَ الإشْتِغَالُ بِهَذا والانْبِهَارُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الأَبْرَارِ (٢).

стр. 750

قالَ ابنُ القَاسِمِ: يُخْرَجُ مِنْ دَارِهِ مَنْ أَظْهَرَ المَعَاصِي فِيهَا، وفَعَلَ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- والمُسْلِمُونَ، كمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ للَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَاً في دَارِهَا وكَانُوا يَلْعَبُونَ بالنَّرْدِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: (إمَّا أنْ تَخْرِجُوا النَّرْدَ مِنْ دَارِي، وإلَّا أَخْرَجْتكُمْ مِنَها).

стр. 751

بابٌ في الإسْتِئْذَانِ، إلى آخِرِ بَابِ الغَنَمِ قَوْلُ ابنِ عَبَّاس وابنِ عُمَرَ: "إنْتِهَاءُ السَّلَامِ إلى البرَكَةِ)، هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: مَعْنَى سَلاَمِ اليَهُودِ عَلَى المُسْلِمِينَ: (السَّامُ عَلَيْكُمْ)، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ: المَوْتَ عَلَيْكُمْ، فأَمَرَ النبيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مِثلَ قَوْلهِمْ، فَيَحِيقُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَرَوَى ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زُمْعَةَ بنِ صالح قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ طَاوُوسَ يَقُولُ: (إذا سلَّمَ عَلَيْكُمْ اليَهُودِيُّ أو النَّصْرَانِيُّ، فَقُلْ لَهُ: عَلاَكَ السَّلاَمُ) (١)، أَيْ ارْتَفِعْ عِنْدَ السَّلَامِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: إنَّمَا كَرِهَ ابنُ عُمَرَ قَوْلَ المُسَلِّمِ عَلَيْهِ: (والغَادَيَاتَ والرَّائِحَاتِ)، يُرِيدُ: عَلَيْكَ سَلاَمُ الطَّيْرِ الَّتي تَغْدُوا في طَيَرَانِهَا، وتَرُوُحُ، فَكَرِهَ ابنُ عُمَرَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ خِلاَفُ مَا فَعَلَهُ النبي ﷺ وأَصْحَابُهُ، لأَنَّ السَّلاَمَ انتهَى إلى البَرَكَةِ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ مَكْرُوهَةٌ. ومَنْ قَالَ في سَلاَمِهِ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَركَاتُهُ)، كُتِبَ لَهُ ثَلاَثُونَ حَسَنَةً، والمَرْأةُ مِثْلُ ذَلِكَ.

стр. 752

والإبْتِدَاءُ بالسَّلاَمِ مَأْمُور بهِ، والرَّدُّ وَاجِبٌ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، يَعْنِي: إذا قِيلَ لَكَ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، فَقُلْ: (وعَلَيْكُمْ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ)، فَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ بهِ، وإنْ قُلْتَ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ) كَمَا قِيلَ لَكَ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ. * قَوْلُ السَّائِلِ للنبيِّ ﷺ : "اسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي"، يَعْنِي: إذا أَرَدْتُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا، فقَالَ لَهُ النبي ﷺ : "نَعَمْ"، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ في المُرَاجَعَةِ، قَالَ لَهُ: "أتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُريَانَةً؟ قالَ: لَا"، فَلَا يَحِلُّ للإنْسَانِ أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى شَيءٍ مِنْ عَوْرَةِ أُمِّهِ ولَا غَيْرِهَا مِنْ قَرَابَتِهِ، وَمُبَاحٌ للَرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرَاهَا عُرْيَاتة وقَدْ يَغْتَسِلُ مَعَهَا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، ولَيْسَ يَنْبَغِي للعَبيِدِ والبَالِغِينَ مِنَ الأَحْرَارِ أنْ يَدْخُلُوا في الأَوْقَاتِ الثَّلاَثِ: بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وفِيَ القَائِلَةِ، وبَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَأذِنُوا، لِئَلَّا يَطَلِعُوا عَلَى عَوْرَةٍ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ إذا دَخَلَ بَيْتَاً لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، لأَمْرِ اللهِ ﵎ بذَلِكَ، وذَلِكَ قَوْلهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النور: ٦١]، فَيَقُولُ الإنْسَانُ عِنْدَ دُخُولهِ: (السَّلاَمُ عَلَيْنَا مِنْ رَبنا -جَلَّ وَعَزَّ- وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَركَاتَهُ). * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: لَمْ يَتَّهِمْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أبا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ فِيمَا حَدَّثَهُ بهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الاسْتِئْذَانِ، وإنَّمَا شَدَّدَ في ذَلِكَ عُمَرُ ﵀ كَرَاهِيةَ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ما لَمْ يَقُلْ. وَسَمِعَ حَدِيثَ الاسْتئِذَانِ مِنَ النبيِّ ﷺ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وَسَمِعَهُ أَبو سعيد الخُدْرِيِّ مِنَ النبيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَ بِهِ أَيْضَاً أَبو مُوسَى أبا سَعِيدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ . وقالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: مَنْ سَلَّمَ في الإسْتِئْذَانِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ.

стр. 753

وقَالَ ابنُ نَافِع: لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ، ومَعْنَاهُ: أَنَّ المَرَّةَ الأُولَى اسْتِئْذَان، والثَّانِيةَ: مَشُورَةٌ هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ في الدُّخُولِ أَمْ لَا؟، والثَّالِثَةُ: عَلاَمَة للرّجُوعِ، فَلِذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلاَثَةِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ النبيِّ ﷺ . قالَ مَالِكٌ: لَا يُسَمَّتُ (١) العَاطِسُ إلَّا أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ حَمْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-، كَمَا أَنَّهُ لَا يُرَدّ السَّلاَمُ إلَّا عَلَى مَنْ سَلَّمَ ابْتِدَاء، فتَسْمِيتُ العَاطِسِ هُوَ مِنْ نَحْوِ سَلاَمِ المُسْلِمِ، فإذَا زَادَ ذَلِكَ أَرْبَعَاً فَقُلْ: (إنَّكَ مَضْنُوكٌ)؛ أيْ مَزْكُومٌ، والضِّنَاكُ: الزُّكْمَةُ. * قَوْلُهُ: "لَا تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتَاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَو تَصَاوِيرُ" يُرِيدُ: لَا تَدْخُلُهُ مَلاَئِكَةُ الوَحِي، فأَمَّا الحَفَظَةُ فَلَا تُزَايِلُ أَصحَابَهَا في البِيُوتِ وغَيْرِهَا، قالَ اللهُ : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: رَخَّصَ النبيُّ ﷺ في حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ في امْتِهَانِ مَا كَانَ مِنَ التَّصَاوِيرِ رَقْمَاً فَي ثَوْبٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْهُ أَبو طَلْحَةَ ﵀ للإخْتِلاَفِ الذِي فِيهِ، ولَذِلَكِ قالَ: (هُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِي). وقَدْ رَوَى حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، مِنْ طَرِيقِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ عَلَى بَابِي سِتْرَاً فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أَلْقُوهُ، فَقَطَّعْنَاهُ وَجَعْلَنَا مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا النبي ﷺ " (٢)، فَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ في هَذا الحَدِيثِ فِيمَا يُمْتَهَنُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بهِ، وأَمَّا مَا كَانَ صُورَةً قَائِمَة فَمَكْرُوهٌ إيْجَادُهَا في البِيُوتِ وغَيْرِهَا.

стр. 754

* [قالَ عَبدُ الرَّحْمَنِ]: مَعْنَى سُؤَالِ النبيِّ ﷺ عَنِ الضَّبَابِ حِينَ جُعِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ للأَكلِ، فَقَالَ: "مِنْ أينَ لَكُمْ هَذِه؟ "،لَمْ يُرِدْ بِسُؤَالِهِ عَنْهَا: هَلْ هِيَ مِنْ حَلاَلٍ أَو حَرَامٍ؟، وإنَّمَا أَرَادَ أنْ يَعْلَمَ: كَيْفَ وَصَلُوا إليهَا؟. وتَأَوَّلَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ، فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ أنْ يَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى يَسْألَ: هَلْ هُوَ مِنْ حَلاَلٍ أَو حَرَامٍ؟، ولَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حُجة، لأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَّهِم الذِينَ وَضَعُوا ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِكَسْبِ الحَرَامِ وَقَدْ سَقَوْهُ في ذَلِكَ الحِينِ لَبَناً كَانَ عِنْدَهُمْ فَشَرِبَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلهُمْ، وحُكْمُ مَنْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخُوهُ أو صَدِيقُهُ طَعَاماً أَنْ يَأكُلَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الذِي وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ خَبيثُ المَكْسَبِ فَلَا يَأْكلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَإنَّمَا امْتَنَعَ النبيُّ ﷺ مِنْ أَكلِ الضَّبِّ مِنْ أَجْلَ رَائِحَتِهِ، كَرِهَ أَنْ يَلْقَى بِهَا جِبْرِيلَ ﷺ عنْدَ نزولهِ عَلَيْهِ بالوَحِي، ولَمْ يُحَرِّمْ أَكْلَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ ﷺ لِمَيْمُونَةَ في جَارِيَتِهَا الَّتي كَانَتْ شَاوَرَتْهُ في عِتْقِهَا، فقالَ لَهَا: "أَعْطِهَا أُخْتَكِ وَصِلِي رَحِمَكِ، فإنَّهُ خَيْرُ لَكِ"، فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنَ العِتْقِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَمَرَ النبيُّ ﷺ بقَتْلِ الكِلاَبِ المُؤْذِيةِ الَّتي مَنِ اقْتَنَاهَا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالح قِيرَاطَانِ مِنَ الأَجْرِ، وذَلِكَ أَنَّ اتِّخَاذَهُ لَهَا سَبَبٌ إلى أَنْ يُحْرَمَ مِنَ العمَلِ الصَّالح مِقْدَارَ قِيرَاطَيْنِ مِنَ الأَجْرِ، وأُبِيحَ لَهُ اتَّخَاذُهَا للصَّيْدِ والمَاشِيةِ للضَّرُورَةِ إليهَا، وقَدْ أَبَاحَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ المَيْتَةِ عِنْدَ الضرُورَةِ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَصْلُ الفَدِيدِ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الحَرَكَةِ، والعَمَلُ نَحْوَ مَا يَفْعَلُهُ الجَمَّالُونَ عِنْدَ سَقْيهِم الجِمَالَ وعِنْدَ رَحِيلِهِم عَلَيْهَا. قالَ مَالِكٌ: وَالفَدَّادُونَ هُمْ أَهْلُ الجَفَاءِ (١). * وقَوْلُهُ: "وَالفَخْرُ والخُيَلاَءُ في أَهْلِ الخَيْلِ"، يَعْنِي: الذِينَ يُمْسِكُونَهَا

стр. 755

للنتَاجِ، وأما أَصْحَابُ الغَنَم فَهُمْ أَهْلُ سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُفَدْفِدُونَ عِنْدَ سَقْيهَا [ولا عِنْدَ رَحِيلِهِم] (١) بِذَلِكَ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: وقَوْلُهُ: "رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ"، يُرِيدُ أنَّهُم كَانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كُفَّارَاً، وإنَّمَا فُتِحَ المَشْرِقُ في أَيَّامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وسَكَنَهُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَهَابِ الكُفَّارُ مِنْهُ. * قَوْلُهُ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمَاً يَتبعُ بِهَا شُعَفَ الجِبَالِ"، يُرِيدُ: بِرَعْيهَا فِيمَا تَشَعَّبَ مِنَ الجِبَالِ والمَوَاضِعِ الوَعِرَةِ. "يَفِرُّ بِدِينِهِ"، يَعْنِي: يَفِرُّ مِنَ الفِتَنِ الذِي يُذْهِبُ بالدِّينِ. وفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: اعْتِزَالُ النَّاسِ عِنْدَ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ كَيْفَمَا يُمْكِنُ الإعْتِزَالُ، لأَنَّ مُصِيبَةَ الدِّينِ لَا تَنْجَبِرُ. ومَنْ رَوَى هَذِه اللَّفْظَةَ "يَتْبَعُ بِهَا شُعَبَ الجِبَالِ" فإنَّهُ يَعْنِي: أَطْرَافَ لجِبَالِ وأَعَالِيهَا. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُهُ ﵇: "لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشيةَ أَحَدٍ إلَّا بإذْنِهِ"، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَلَّا يَسْتَبِيحَ أَحَدٌ مَالَ غَيْرِه إلَّا بإذْنِهِ، لأَنَّهُ إذْ نَهَى ﷺ -عَنْ حَلْبِ اللَّبَنِ بغَيْرِ إذْنِ صَاحِبهِ- وَهُوَ يُحْلَبُ غُدْوَةً وَيعُودُ عَشِيّهً في الضِّرْعِ فَمَا كَانَ مِمَّا لَا يَعُودُ أَحْرَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحُهُ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ صَاحِبُهُ. وقَوْلُهُ: "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤتَى مَشْرَبَتَهُ فَتُكسَرَ خِزَانَتُهُ"، يَعْنِي: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى غُرْفَتُهُ فَيُكْسَرُ قُفْلُهَا وُينتقَلُ طَعَامُهُ، فَمَعْنَى هَذا: أنْ يَكْرَه الإنْسَانُ لأَخِيهِ المُسْلِمِ مَا يَكْرَهَهُ لِنَفْسِهِ، ولَا يَرْضى في مَالِ أَخِيهِ مَالاَ يَرْضَاهُ في مَالِ نَفْسِهِ. * * *

стр. 756

بابُ الأكلِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاة، إلى آخِرِ بَابِ ذِكْرِ المَشْرِقِ * رَوَى يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ القَطَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا وُضِعَ طَعَامُ أَحَدِكُمْ وأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا يَقُمْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ عَشَائِهِ" (١)، مَعْنَاهُ: لِكَيْ يَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ للصَّلاَةِ فَلَا تَشْتَغِلُ نَفْسُهُ بِسَبَبِ الطَّعَامِ الذِي قَامَ عَنْهُ، وكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمَرَ يَفْعَلُ. * قالَ ابنُ خَالِدٍ: رَوَى القَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ حَدِيثَ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَيْمُونَةَ (٢)، والصَّحِيحُ فِيهِ كَمَا رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ في المُوطَّأ عَنْ مَالِكٍ. ورَوَى مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ، فَقَالَ: "إنْ كَانَ جَامِدَاً فأَلْقُوهَا ومَا حَوْلَهَا، وإنْ كَانَ مَائِعَاً فَلَا تَقْرَبُوهُ" (٣)، يَعْنِي: لَا تَقْرَبُوهُ للأَكْلِ. قالَ ابنُ خَالِدٍ: وَحَدَّثنا ابنُ وَضَّاح، عَنْ سَحْنُونَ، عَنِ ابنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ: "أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ

стр. 757

سَقَطَتْ في سَمْنٍ، فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ السَّمْنُ مَائِعَاً؟ فقَالَ: انتفِعُوا بهِ ولَا تَأكُلُوهُ" (١). [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: مِنْ هَذا الحَدِيثِ أُبِيحَ الإسْتِصْبَاحُ بالزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الفَأْرَةُ فتَمُوتُ فِيهِ إلَّا في المَسَاجِدِ، وإنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أنْ تَدْخُلَ النَّجَاسَةُ في المَسَاجِدِ. * قَوْلُهُ ﵇: "إنْ كَانَ الشُّؤمُ فَفِي الدَّارِ، والمَرْأةِ، والفَرَسِ"، قالَ أَبو عُمَرَ: قَدْ يَكُونُ الشُّؤْمُ في هَذِه الأَشْيَاءِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، واللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- أَعْلَمُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : (لَا عَدْوَى). وقَالَ مَعْمَرٌ: (شُؤْمُ المَرْأةِ أنْ تَكُونَ غَيْرُ وَلُودٍ، وَشُؤْمُ الفَرَسِ إذا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-). .................................................................... ...................................................... (٢) * * *

стр. 758

[بابُ مَا يؤْمَرُ بهِ مِنَ الكَلَامِ في السَّفَرِ، إلى آخِر بَاب الكَلَامِ] (١) ........................................................................... .......................................................................... ........................................................................... ........................................................................... .......................................... واليَومَ الآخِرَانِ تَطْهُرِي لنَا أَو تُودِّعَنا، فإن طَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قُبلْتَ. * وقَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ"، قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الوَعْثَاءُ أَصْلُهُ الشِّدَّةُ، وَهُوَ الطَرِيقُ الوَعِثُ الخَشِنُ. "والكَآبةُ": الحُزْنُ، وَهُوَ أَنْ يَنْقَلِبَ الرَّجُلُ مِنْ سَفَرِه إلى أَمْرٍ يَكْتَئِبُ مِنْهُ ويُحْزِنُهُ، وَهُوَ سُوءُ المَنْظَرِ في الأَهْلِ والمَالِ، وذَلِكَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ بَعْدَهُ مَا يَغُمُّهُ فِيهِم. * قَوْلُهُ: "الرَّاكِبُ شَيطَانُ" يَعْنِي: رَاكِبَ البَعِيرِ الذِي يُسَافِرُ وَحْدَهُ عَلَى بَعِيرِه سَفَراً تُقْصَرُ في مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وإنَّمَا قِيلَ لِهَذا شَيْطَانُ لأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ الذِي يُسَافِرُ وَحْدَهُ. وكَذَلِكَ "الرَّاكِبانِ شَيْطَانَانِ" لأَنَّهُمَا فَعَلاَ فِعْلَ الشَّيْطَانَيْنِ.

стр. 759

"والثَّلاَثَةُ رَكبٌ"، يَعْنِي: أنَّ سَفَرهُمْ ثَلاَثتَهُمْ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مُبَاحٌ، لأَنَّهُمْ يَتَعاوَنُونَ ويُسَدِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً، وَيَتَقَدَّمُهُمْ إمَامُهُمْ في الصَّلَاةِ، وَيَكُونَا مِنْ وَرَائَهُ صَفَّاً. * وقَوْلُهُ: "فإن كَانَتِ الأَرْضُ جَدْبةً فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا" يعنِي: فَأَسْرِعُوا السَّيْرَ عَلَى الدَّوَابِّ في الأَرْضِ الجَدْبَةِ إنْ كَانَتِ الدَّوَابُّ ذَاتَ شَحْمٍ ومُخٍّ، والنَّقْيُّ: الشَّحْمُ وَالمُخُّ، ومَعْنَى هَذا: لِكَيْ تَخْرُجُوا مِنَ الجُدُوبَةِ إلى أَرْضٍ ذَاتِ مَاءٍ وَمَرْعَى، فإن كَانَتْ الدَّوَابُّ ضِعَافَاً فَارْتَفِقُوا ولَا تُعَنِّفُوا عَلَيْهَا. * قَوْلُ عُثْمَانَ: (لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غير ذَاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ) يَعْنِي: لَا تَجْعَلُوا عَلَيْهَا مَرْتَبَةً تَأْتِي بِهَا في كُلِّ يَوْم، لأَنَّهَا رُبَّمَا (كَسَبت بِفَرْجِهَا) وأَتَتَكْمُ بهِ، وذَلِكَ حَرَامٌ. (ولَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ فإنَّهُ رُبَّمَا سَرَقَ) وجَاءَكُم بهِ، وذَلِكَ حَرَامٌ، ظَلاَ تُكَلِّفُوا الكَسْبَ مَنْ لَا يُطِيقُهُ. (وعَلَيْكُمْ مِنَ المَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا)، يَعْنِي: عَلَيْكُم بالحَلاَلِ، فَكُلُوا مِنْهُ واكْتَسِبُوه. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ للإمَاءِ أَنْ يَتَشَبَّهَنَ عِنْدَ خُرُوجِهِنَّ بالحَرَائِرِ، ولِذَلِكَ قالَ لابْنَتِهِ: (أَلَمْ تَرِ جَارِيةَ أُخْتِكِ تَجُوسُ النَّاسَ في هَيْئَةِ حُرَّةٍ) يَعْنِي: رَأَهَا تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مُغَطِّيَةَ الرَّأْسِ بثَوْبٍ كَالحُرَّةِ، فَدَلَّ هَذا مِنْ قَوْلهِ عَلَى أنَّ الأَمَةَ تَخْرُجُ في حَوَائِجِهَا [مَكْشَوفَةَ] (١) الرَّأْسِ، وأَنَّهُ لَا بَأْسَ بالنظَرِ إلى شُعُورِ الإمَاءِ، إذْ مِنْ شَأْنِهِنَّ الخُرُوجُ مَكْشُوفَاتِ الرُّؤُوسِ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: إنَّمَا كَانَ الإمَاءُ يَخْرُجْنَ في حَوَائِجِهنَّ مَكْشُوفَاتِ الرُّؤُوسِ عِنْدَ صَلاَحِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وأَمَّا حِينَ فَسَدَتْ فَلَا يَنْبَغِي للسَّادَةِ أَنْ يُخْرِجُوهُنَّ إلَّا مُسْتَّرَاتٍ كَالحَرَائِرِ.

стр. 760

* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: بَيْعَةُ الإمَامِ العَدْلِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى سُنَّةِ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- وَسُنَّةِ رَسُولهِ ﷺ فِيمَا اسْتَطَاعَهُ النَّاسُ مِنْ أَعْمَالِ البرِّ، وهَكَذا أَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وكَذَلِكَ الْتَزَمَهَا عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لِعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ حِينَ وَلِيَ الخِلاَفَةَ. * قَوْلُهُ: "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ المُسْلِمِ: يا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بهَا أَحَدُهُمَا" يَعْنِي: فَقَدْ لَحِقَ بِهَذِه الكَلِمَةِ إحْدَاهُمَا، فإن كَانَ الذِي قِيلَ لَهُ: يا كَافِرُ كَمَا قِيلَ فَهُوَ كَافِر، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ خِيفَ عَلَى القَائِلِ لَهُ: يا كَافِرُ، أَنْ يَصِيرَ كَافِرَاً بِقَوْلهِ لأَخِيهِ المُسْلِمِ: يا كَافِرُ، وإذا خِيفَ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَصِيرَ كَافِرَاً تَسَبَّبَ أَذِيَّتِهِ لأَخِيهِ المُسْلِمِ بالقَوْلِ القَبِيحِ، أَفَلَيْسَ هُوَ أَشَدُّ حَالاً وأَعْظَمُ وِزْرَاً فِيمَا يَسْتَضِرُّ بهِ مِنْ قَتْلِهِ في نَفْسِهِ، ومَالِهِ، وأَهْلِهِ؟!. ........................................................................... ........................................................................... .......................................................................... ....................................................... (١) وفِيمَا يَكْرَهُهُ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ-، قَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] يَعْنِي: سَدَادَاً مِنَ الإنْفَاقِ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ النبيِّ ﷺ في ذِي الوَجْهَيْنِ: "هُوَ الذِي يأتي هَؤُلاَءِ بَوْجهٍ وَهَؤُلاَءَ بَوَجْهٍ" يَعْنِي: الذِي يَكُونُ مَعَ النَّاسِ كُلِّهِمْ في غَيْرِ الحَقِّ يُدَاهِنُ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ في البَاطِلِ، فَهَذا مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ-.

стр. 761

* قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ للنبيِّ ﷺ : "أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالحُونَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذا كثرَ الخَبَثُ"، يَعْنِي: إذا كَثُرَ أَوْلاَدُ الزِّنَا. قالَ أَبو عُمَرَ: يَدُلُّ هَذا الحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّالِحِينَ قَدْ يَهْلَكُوا بِهَلاَكِ أَهْلِ المَعَاصِي المُجَاهِرِينَ بِهَا، ولَكِنْ يَكُونُ هَلاَكُهُمْ شَهَادَةً لَهُمْ لأَمْرِهِمْ بالمَعْرُوفِ وكَرَاهِيَتِهِمْ لأَفْعَالِ أَهْلِ المَعَاصِي، واللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً . * وَحَدِيثُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ غَيَّرَ عَلَى أَهْلِ المَعَاصِي بِلِسَانهِ أَو بِقَلْبهِ لَمْ يُعَذَّبْ بِعَذَابِ العَامَّةِ، إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ المُنْكَرِ، وغَلَبَةِ السُّفَهاءِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ العُقُوبَةُ نَازِلَةَّ بَأَهْلِ المُنْكَرِ، ويَكُونُ مَوْتُ الصَّالِحِينَ شَهَادَة لَهُمْ، لإنْكَارِهِمْ عَلَى العُصَاةِ المُسْتَحِلِّينَ للمَحَارِمِ (١). * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِنَفْسِهِ: (وَاللهِ لَتَتَّقِينَ اللهَ -جَلَّ وَعَزَّ- أَو لَيُعَذِّبَنَّكِ) مَعْنَاهُ: لَيُعَذِّبَكِ إنْ جَازَاكِ بِعَمَلِكِ، واللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وُيعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. قالَ مُجَاهِدٌ: الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ بِسَوْطِهِ، وتَسْبِيحِهِ، وَوَعِيدِه لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ (٢). * قَوْلُهُ ﷺ : "مَا تَرَكتُهُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائي وَمَؤُنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقةٌ"، يَعْنِي بِعَامِلهِ: عُمَّالَ حَوَائِطِه الَّتي مَاتَ عَنْهَا، يُخْرَجُ مِنْ ثَمَرتِهَا نَفَقَةُ نِسَائِهِ، ومَؤُنة عُمَّالِهَا، وَيَتَصَدَّقُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الفُقَرَاءِ، فَكَانَتِ النَّفَقَةُ تَجْرِي عَلَى نِسَائِهِ بَعْدَهُ مِنْ ثَمَرِ حَوَائِطِهِ إلى أَيَّامِ عُمَرَ بنِ الخطاب، فَلَمَّا صَارَ الأَمْرُ إليهِ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَتَمَادِيْنَ عَلَى ذَلِكَ، أَو يَقْطَعْ لَهُنَّ قِطَائِعَاً، فَاخْتَارَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ - رَضِيَ اللهُ

стр. 762

عَنْهُمَا - أَنْ يَقْطَعَ لَهُمَا، فَقَطَعَ لَهُمَا قَطِيعَاً بالغَابةِ، وأَخْرَجَهُمَا عَنْ حِصْتِهِمَا عَنْ ثَمَرةِ تِلْكَ الحِيطَانِ، فَمَلَكَتَا مَا أَقْطَعَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عُمَرُ إلى أَنْ مَاتتا، وَوُرِثَ ذَلِكَ عَنْهُمَا. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: (لَهِيَ أَسْوَدَ مِنَ القَارِ) هَكَذا رَوَاهُ يَحْيىَ، ورَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ: (لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادَاً مِنَ القَارِ)، وَهُوَ الصَّوَابُ، لأَنَّ العَرَبَ لَا تَقُولُ: هَذا أَسْوَدُ مِنْ هَذا، وإنَّمَا تَقُولُ: هُوَ أشَدُّ سَوَادَاً. قالَ: والقَارُ هُوَ الزِّفْتُ. * قَوْلُهُ في الصَّدَقةِ الطَّيِّبةِ: "إنَّ الله -جَلَّ وَعَزَّ- يُربِّيهَا لِصَاحِبهَا"، هُوَ مِنْ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: كَانَ بَيْرُحَاءُ حَائِطَاً لأَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ بالمدِينَةِ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يدْخُلُهُ، وَيشْرَبُ مِنْ مَائِهِ. قَالَ أَبو عُمَرَ: هَذا أَصْلٌ في الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ الأَجِنَّةِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فتصَدَّقَ بهِ أَبو طَلْحَةَ، فَقَالَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ مَالٌ رَايحٌ"، يَعْنِي: يَرُوحُ عَلَى أَبي طَلْحَةَ ﵀ أَجْرَهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ومَنْ رَوَاهَا: "هُوَ مَالٌ رَابِحٌ"- بالبَاءِ مُعْجَمَةٍ بِوَاحِدَةٍ تَحْتَها - فَمَعْنَاهُ: هُوَ مَالٌ كَثيرُ الرِّبْحِ. وَفِي قَوْلِ النبيِّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: "اجْعَلهُ في الأَقْرَبِينَ"، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنْ يَجْعَلَ المُوصَى إليه مَا فَضَلَ بِيَدِه مِنْ وَصِيَّةِ المُوصِي حَيْثُ يَرَاهُ مِنْ [سُوءِ المَخْبَرِ] (١). وفِيهِ: أَنَّ الصَّدَقَةَ المَوْقُوفَةَ تَرْجِعُ إلى قَرَابةِ المُتَصَدِّقِ بِهَا، إلَّا أَنْ يُسَبِّلَهَا المُتَصَدِّقُ بِهَا في شَيءٍ مِنْ وُجُوهِ البرِّ فَلَا تُحَالُ عَنْهُ.

стр. 763

وفِيهِ: أَنَّ [صَّدَقَةَ] (١) التَّطَوِّعِ عَلَى القَرَابةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقةِ عَلَى غَيْرِ القَرَابةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ في ذَلِكَ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ رَحِمٍ، بِخِلاَفِ الزَّكَاةِ لأَنَّهَا لِمَنْ سَمَّى اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- في كِتَابهِ، وذَكَرَهُمْ في قَوْلهِ ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تَحِل الصَّدَقَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ", يُرِيدُ: بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِم، لَا تَحِلُّ لَهُمْ صَدَقَةُ الفَرْضِ ولَا التَّطَوُّعِ. قَالَ عِيسَى: يُفْرَضُ للفَقِيرِ مِنْهُمْ مِنْ جِزْيةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وكَانَ ابنُ القَاسِمِ لَا يَرَى هَذا الحَدِيثَ إلَّا في صَدَقةِ الفَرْضِ خَاصَّةً، وكَانَ يَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَوَالِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ صَدَقةِ التَّطَوُّعِ. إنَّمَا تَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ ﵂ بحَبّةِ عِنَبٍ عَلَى المِسْكِينِ الذِي سَألها لِكَيْ تُرِي مَنْ يَحْضِرْنَهَا مِنَ النِّسَاءِ ألَّا تَحْتَقِرَنًّ شَيْئَاً تَتَصَدَّقُ بهِ وإنْ كَانَ يَسِيرَاً. * قَوْلُ النبيِّ ﷺ للذِي سَألهُ أَنْ يُعطيهِ شَيْئَاً، فَقَالَ: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ شَيءٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ"، يَعْنِي: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ مَالٍ فَلَنْ أَمْنَعْكُمُوهُ. ثُمَّ قَالَ: "إنَّ اليَدَ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"، فَفِي هَذا بَيَانُ أَنْ لَا يَسْأَلَ الإنْسَانُ أَحَداً شَيْئَاً إلَّا عِنْدَ الحَاجَةِ والضَّرُورَةِ، لأَنَّهُ إذا كَانَتْ يَدُهُ سُفْلَى مَعَ إبَاحَةِ المَسْألةِ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الضَّرُورَةِ. * وقَوْلُهُ ﷺ لِعُمَرَ ﵁: "مَا أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ فَخُذْهُ، وإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- إليكَ"، في هَذا الحَدِيثِ رُخْصَةٌ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مَا أُعْطِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ ولَا تَعَرُّضٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي الحَاجَةِ. وكَانَ مالكٌ يَرَى تَرْكَ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ عَلَى حَقّه [مِنَ] (٢) الصَّدَقةَ تَجِبُ إليهِ مِنْ أَحَدٍ، وإنْ لَمْ يَسْألْ ذَلِكَ.

стр. 764

* قالَ مَالِكٌ: وقَدْ كَانَ حَكِيمُ بنُ حِزَام يَأْبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عُمَرَ بنِ الخطاب ﵁ مَا كَانَ يُعْطِيهِ مِنْ عَطَايَاه الوَاجِبةِ لَهُ، وكَانَ يَتَأَوَّلُ في ذَلِكَ حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "أَنَّ خَيْرَاً لأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَأخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئَاً". [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: وهَذا الحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَنْ مَسْأَلةٍ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ، ولَا يَخْتَلِفُ حَدِيثُ عُمَرَ وحَدِيثُ حَكِيمٍ، وفِي إشْهَادِ عُمَرَ عَلَيْهِ حِينَ كَانَ يأْبَى أَنْ يَأْخُذَهَ، دَلِيل عَلَى أَنَّ أَخْذَ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ، لأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ، ولَوْ كَانَ التَّرْكُ خَيْراً عَلَى الجُمْلَةِ مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ، ولَعَذَرَهُ بِتَرْكِهِ إيَّاهُ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ الرَّجُلِ للنبيِّ ﷺ حِينَ سَأَلهُ أَنْ يُعْطِيهِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ما يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَهُ: "إنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ"، هَذا رَجُل جَاهِل، لأَنَّهُ اتَّهَمَ النبيَّ ﷺ [بالمَنع] (١) إيَّاهُ. قالَ مَالِكٌ: مَنْ تَوَلَّى إعْطَاءَ الصَّدَقَاتِ لَمْ يَعْدِمْ مَنْ يَلُومَهُ، وقَدْ كُنْتُ أَتَولَّى إعْطَاءَهَا بِنَفْسِي حَتَّى أُوذِيتُ فَتَركتُهَا (٢). [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ ولَهُ أُوقِيَّةٌ أَو عَدْلُهَا مِنَ الوَرِقِ فَقَدْ أَلْحَفَ في مَسألَتِهِ"، والمُلْحِفُ [هُوَ] (٣) الذِي لَا تِحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَخَذَهَا [سَرَفاً] (٤)، وأَمَّا مَنْ أتَاهُ شَيءٌ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ فَمَبُاحٌ [لَهُ أَخْذُهُ]، ومُبَاحٌ لَهُ تَرْكُهُ إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: إنَّمَا غَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ علَى الرَّجُلِ الذِي كَانَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقةِ [وأَرَادَ إبِلاً] (٥) سأَلهُ مِنْهَا، فَغَضِبَ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا

стр. 765

[...............] (١) إن أَخَذَ أَجْرَ سِعَايَتِهِ عَلَى جَمْعِ الصَّدَقةِ والقُدُومُ بِهَا إلى المَدِينةِ، ثُمَّ سَأَلهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيهِ مِنْهَا فَلَمْ يَفْعَلْ؛ لأنَّهُ مِنَ الأَغْنِياءِ الذِينَ لَا تَحِلُّ لَهُم الصَّدَقةُ، وإنَّمَا حَلَّ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا أوَّلاً مِنْ أَجْلِ سِعَايَتِهِ عَلَى جَمْعِهَا، لأنَّهُ مِنَ العَامِلِينَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَخَذَ أَجْرَ سِعَايَتِهِ صَارَ غَنِيَّاً، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَائِرَهَا شَيْئَاً. * [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: الحِمَى الذِي اسْتَعَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ هُنَيَّاً هُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ المَدِينةِ، يُقَالُ لَهُ النَّقِيعُ -بالنُّونِ- وَهُوَ غَيْرُ البَقِيع الذِي فِيهِ المَقْبَرةُ، وهَذا الحِمَى هُوَ كَثيرُ الكَلأ، فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَحْفَظَ ذَلِكَ الكَلأَ، ويُقَدَّمُ للرَعِي فِيهِ رَبُّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ. وَالصُّرَيْمَةُ مِنَ الغَنَمِ: هِيَ الثَّلاَثُونَ إلى الأَرْبَعِينَ. والغُنَيْمَةُ: العَدَدُ اليَسِيرُ، فَكَانَ يُبْدَأ بِهَؤُلاَءِ في الرَّعِي قَبْلَ أَصْحَابِ المَاشِيةِ الكَبيرَةِ، وإنَّمَا يَكُونَ هَذا في الشَّيءِ الذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الفُقَرَاءُ والأَغْنِياءُ مِنَ الكَلأ والمَاءِ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَيُبْدَأُ فِيهِ بالفُقَرَاءِ قَبْلَ الأَغْنِياءِ، ثُمَّ يَكُونُ فَضْلَةُ ذَلِكَ للأَغْنِيَاءِ. [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: اللِقْحَةُ الصَّفِيِّ: هِيَ النَّاقَةُ الغَزِيرَةُ اللَّبَنِ. * قَوْلُهُ ﷺ : "وأَنا العَاقِبُ"، يَعْنِي: أَنَّهُ آخِرُ المُرْسَلَيْنَ، لأَنَّهُ أَرْسَلَ عَقِبَهُمِ أَجْمَعِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ ﷺ آخِرَ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، ولَا يُغيِّرُ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئاً، وَيُصَلِّي خَلْفَ الإمَامِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَيتَزَوَّجُ. * * *

стр. 766

قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوَانَ: جَمَعَتُ هَذا الكِتَابَ عَلَى قَدْرِ فَهْمِي، وَمَبْلَغِ عِلْمِي، وعَلَى حَسَبِ مَا ضَبَطْتُهُ عَنْ شُيُوخِي ﵏، ولَسْتُ أُحَاشِي نَفْسِي فِيهِ مِنَ الغَلَطِ، والنِّسْيَانِ، والخَطَأ. فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ (تَفْسِيرِ يحيى بنِ إبْرَاهِيمَ بِنِ مُزَيْنٍ)، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ خُمَيرٍ، عَنِ ابنِ مُزَيْنٍ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (تَفْسِيرِ الأَخْفَشِ)، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو مُحمَّدٍ البَاجِي، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ (١)، عَنْ يحيى بنِ عُمَرَ (٢)، عَنِ الأَخْفَشِ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (تَفْسِيرِ ابنِ نَافِعٍ)، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو عِيسَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ يحيى، عَنِ ابنِ نَافِعٍ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (مُوطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ)، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو مُحَمَّدٍ بنِ رَشِيقٍ، عَنْ أَبي جَعْفَرٍ (٣)، عَنِ ابنِ بكَيْرٍ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنَ (المُدَوَّنَةِ)، فَحَدَّثَنِي بهِ أَبو بَكْرِ بنِ أَبِي عُقْبَةَ، عَنْ جَبَلَةَ بنِ حَمُّودٍ، (٤) عَنْ سَحْنُونَ بنِ سعيد. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (حَدِيثِ اللَّيْثِ)، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو عِيسَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ يحيى، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ.

стр. 767

ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ [مُصَنَّفِ] (١) ابنِ عَبْدِ الحَكَمِ، فَحَدَّثنِي بهِ أَبو جَعْفَرِ بنُ عَوْنِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ جَامِعٍ (٢)، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الحَكَمِ (٣)، عَنْ أَبيهِ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (مُصَنَّفِ أَبي دَاوُدَ)، فَحَدَّثَنِي بهِ أَبو جَعْفَرٍ، عَنِ ابنِ الأَعْرَابِيِّ (٤)، عَنْ أَبي دَاوُدَ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (مُصَنَّفِ البُخَارِيِّ)، فَحَدَّثَنِي بهِ أَبو جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ السَّكَنِ (٥)، عَنِ الفِرَبْرِيِّ (٦)، عَنِ البخاري. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ (مُسْنَدِ ابنِ أَبي شَيْبَةَ)، فَحَدَّثَنِي بهِ أَبو مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ، عَنِ ابنِ وَضَّاح (٧)، عَنِ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ. ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ ابنِ أَبي زَيْدٍ، فَبْعَضُهُ مِمَّا سَمِعْتُهُ قِرَاءَة عَلَيْهِ، ومِنْهُ مَا أَجَازَ لِي مِنْ رِوَايَتِهِ (٨).

стр. 768

ومَا كَانَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ الأَبْهَرِيِّ، وَهُوَ مِمَّا كَتْبَهُ إليَّ إجِازَةً وأنَا بِمِصْرَ (١). ومَا كَانَ فِيهِ قَالَ أَبو عُمَرَ، وَهُوَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الإشبيلِيُّ حِفْظُتُه عَنْهُ في طُولِ ...... (٢) * * *

стр. 769

فهرس مصادر التحقيق والدراسة ١ - الآثار المروية في الأطعمة السرية والآلات العطرية، لإبن بشكوال، تحقيق محمد ياسر الشعيري، مكتبة أضواء السلف، الرياض. ٢ - أبو الوليد ابن الفرضي القرطبي، وكتابه الألقاب، إعداد أحمد اليزيدي، وزارة الأوقاف المغربية. ٣ - أحكام القرآن، للجصاص، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٤ - الإستذكار، لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، لإبن عبد البر، تحقيق حسَّان عبد المنان ومحمود قيسية، دار النداء، بيروت. ٥ - الإصابة في تمييز الصحابة، لإبن حجر، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت. ٦ - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم اللالكائي، تحقيق أحمد بن سعد حمدان، دار طيبة، الرياض. ٧ - الإقتضاب في شرح غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب، لليفرني التلمساني، تحقيق الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثينين، مكتبة العبيكان، الرياض. ٨ - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والإنساب، لإبن ماكولا، تحقيق محمد بن يحيى المعلمي، دار المعارف العثمانية، بالهند. ٩ - الأم، للإِمام الشافعي، المكتبة العلمية، بيروت.

стр. 770

١٠ - الأماكن، أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة، للحازمي، تحقيق وتعليق العلامة حمد الجاسر، إدارة مجلة العرب، الرياض. ١١ - الإِمام مالك وأثره في علم في علم الحديث النبوي، لمشعل الحدادي، دار غراس، الكويت. ١٢ - الأنساب، للسمعاني، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٣ - أوجز المسالك إلى موطأ مالك، للكاندهلوي، تحقيق الدكتور تقي الدين الندوي، دار القلم في دمشق. ١٤ - الأوسط في السنن والإجماع والإختلاف، لإبن المنذر، تحقيق الدكتور صغير أحمد حنيف، مكتبة طيبة، الرياض. ١٥ - الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ، للداني، تحقيق رضا الجزائري، وعبد الباري عبد الحميد، دار المعارف بالرياض. ١٦ - الإيمان، لأبي عبيد، تحقيق الألباني، الدار الأرقم بالكويت. ١٧ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت ١٨ - البدور الزاهرة في القراءات المتواترة العشرة، لعبد الفتاح القاضي، دار السلام، القاهرة. ١٩ - برنامج شيوخ القاسم التجيبي، تحقيق عبد الحفيظ منصور، الدار العربية للكتاب في ليبيا وتونس. ٢٠ - بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، للضبي، دار الكتاب العربي بمصر. ٢١ - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لإبن عذارى، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ٢٢ - التاج والإكليل لمختصر خليل، للمواق، طبع بهامش مواهب الجليل للحطاب. ٢٣ - تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق عمر التدمري، دار الكتاب العربي، بيروت. ٢٤ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، مكتبة الخانجي، القاهرة. ٢٥ - تاريخ دمشق، لإبن عساكر، تحقيق العمروي، دار الفكر، بيروت.

стр. 771

٢٦ - تاريخ علماء الأندلس، لإبن الفرضي، الدار المصرية للتأليف والترجمة. ٢٧ - تبيين الحقائق، للزيلعي، دار الفكر، بيروت. ٢٨ - تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، للمباركفوري، المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة. ٢٩ - تذكرة الحفاظ، للذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٣٠ - تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه، لمحمد بن عبد الله التليدي، دار البشائر الإِسلامية، بيروت. ٣١ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، وزارة الأوقاف المغربية. ٣٢ التعليق على الموطأ، للوقشي، تحقيق الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان، الرياض. ٣٣ - تغليق التعليق، لإبن حجر، تحقيق الدكتور سعيد القزقي، دار عمار، والمكتب الإسلامي في بيروت. ٣٤ - تفسير ابن أبي زمنين، وهو مختصر لتفسير يبيح بن سلام، مكتبة الفاروق بمصر. ٣٥ - تفسير ابن كثير، مكتبة الفتح بالشارقة. ٣٦ - تفسير الطبري، دار المعرفة، بيروت. ٣٧ - تفسير القرطبي، دار الكتب المصرية. ٣٨ - تفسير الموطأ، لإبن مزين، مخطوط، منه نسخة ناقصة في مكتبة القيروان العتيقة، وفي خزانتي مصورتها. ٣٩ - تفسير غريب الموطأ، لإبن حبيب، تحقيق الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان، بالرياض. ٤٠ - تفسير عبد الرزاق، تحقيق الدكتور مصفى مسلم، مكتبة الرشد، بالرياض. ٤١ - التكملة لكتاب الصلة، لإبن الأبار، تحقيق عبد السلام الهراس، دار المعرفة بالدار البيضاء.

стр. 772

٤٢ - التكملة لكتاب الصلة، للقضاعي، دار الجيل، بيروت. ٤٣ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لإبن حجر، تصحيح وترقيم السيد عبد الله هاشم اليماني بالمدينة المنورة. ٤٤ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لإبن عبد البر، وزارة الأوقاف المغربية. ٤٥ - تنوير الحوالك على موطأ مالك، للسيوطي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر. ٤٦ - تهذيب الكمال، للمزي، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٤٧ - تهذيب المدونة، للبراذعي، تحقيق الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن شيخ، دار البحوث الإِسلامية في دبي. ٤٨ - التوسط بين مالك وابن القاسم، لأبي عبيد القاسم بن خلف الجبيري، تحقيق مصطفى باجو، دار الضياء في طنطا. ٤٩ - توضيح المشتبه، لإبن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٥٠ - الثمر الداني شرح رسالة القيرواني، للأزهري، دار الكتب العلمية، بيروت. ٥١ - الجامع، لإبن أبي زيد القيرواني، تحقيق عبد المجيد التركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ٥٢ - جامع الترمذي، تحقيق العلامة أحمد شاكر للمجلدين الأوليين، ثم أكمله غيره، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٥٣ - جامع العلوم والحكم، لإبن حجر، دار المعرفة، بيروت. ٥٤ - جامع بيان العلم وفضلة، لإبن عبد البر، تحقيق الزهيري، دار ابن الجوزي، الدمام. ٥٥ - جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، للحميدي، الدار المصري للتأليف والترجمة.

стр. 773

٥٦ - الجرح والتعديل, لإبن أبي حاتم، دائرة المعارف العثمانية، بالهند. ٥٧ - جمهرة الفقهاء المالكية، للدكتور قاسم سعد، دار البحوث الإِسلامية وإحياء التراث، دبي. ٥٨ - حاشية ابن عابدين، المسماة: رد المحتار على الدر المختار، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة. ٥٩ - الحجة على أهل المدينة، للشيباني، دار عالم الكتب، بيروت. ٦٠ - حركة الحديث بقرطبة خلال القرن الهجري الخامس، لخالد الصمدي، وزارة الأوقاف المغربية. ٦١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم، دار الفكر، بيروت. ٦٢ - دراسات في مصادر الفقه المالكي، للدكتور ميكلوش موراني، دار الغرب الإسلامي. ٦٣ - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لإبن فرحون، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة. ٦٤ - سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مصر. ٦٥ - سنن أبي داود، تحقيق عزت عبيد الدعاس، حمص، سوريا. ٦٦ - سنن الدارقطني، تصحيح وترقيم السيد عبد الله هاشم يماني، بالمدينة المنورة. ٦٧ - السنن الكبرى للبيهقي، دائرة المعاراف الإِسلامية، بالهند. ٦٨ - سنن النسائي، ترقيم عبد الفتاح أبو عدة، مكتب المطبوعات الإِسلامية بحلب. ٦٩ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٧٠ - شجرة النور الزكية، لمخلوف، دار الفكر، بيروت. ٧١ - شرح السنة، للبغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت. ٧٢ - الشرح الكبير على مختصر خليل، للدردير، دار الفكر، بيروت. ٧٣ - شرح فتح القدير، للكمال ابن الهمام، دار الفكر، بيروت.

стр. 774

٧٤ - شرح معاني الآثار، للطحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٧٥ - شعب الإيمان، للبيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٧٦ - صحيح ابن حبان، بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وحسين أسد، مؤسسة الرسالة. ٧٧ - صحيح ابن خزيمة، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت. ٧٨ - صحيح البخاري، مع شرحه فتح الباري. ٧٩ - صحيح مسلم، تحقيق محمد قؤاد عبد الباقي، مصطفى البابي الحلبي في القاهرة. ٨٠ - الصلة، لإبن بشكوال، الدار المصري للتأليف والترجمة. ٨١ - الضعفاء، للعقيلي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٨٢ - طبقات القراء، المسمى: معرفة القراء الكبار، للذهبي، تحقيق صالح مهدي عباس، وبشار عواد، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٨٣ - العبر في خبر من غير، للذهبي، تحقيق فؤاد سيد، والمنجد، الكويت. ٨٤ - العلل، للدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن السلفي، مكتبة طيبة، الرياض. ٨٥ - عمدة القارئ بشرح صحيح البخاري، للعيني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة. ٨٦ - عون المعبود في شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة. ٨٧ - غاية النهاية في طبقات القراء، لإبن الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت. ٨٨ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق الدكتور حسين شرف، مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ٨٩ - الغنية، للقاضي عياض، تحقيق محمد بن عبد الكريم، الدار العربية للكتاب. ٩٠ - غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة، لإبن بشكوال، تحقيق عز الدين السيد وولده محمد كمال الدين، عالم الكتب، بيروت.

стр. 775

٩١ - فتح الباري بشرح صيح البخاري، لإبن حجر، المكتبة السلفية بالقاهرة. ٩٢ - فهرسة ابن عطية الغرناطي، تحقيق محمد أبو الأجفان، ومحمد الزاهي، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ٩٣ - فهرسة شيوخ ابن خير، دار الآفاق، بيروت. ٩٤ - الفواكه الدواني، للنفزاوي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٩٥ - القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٩٦ - القبس في شرح موطأ الإِمام مالك، لإبن العربي، تحقيق الدكتور محمد عبد الله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي. ٩٧ - القوانين الفقهية، لإبن جزي الكلبي، دار العلم للملايين، بيروت. ٩٨ - الكافي في فقه أهل المدينة، لإبن عبد البر، مكتبة الرياض الحديثة. ٩٩ - لسان العرب، لإبن منظور، دار الشعب، بالقاهرة. ١٠٠ - المبسوط، للسرخسي، دار المعرفة، بيروت. ١٠١ - المحلى، لإبن حزم، تحقيق أحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٠٢ - محمد بن وضاح القرطبي، للدكتور نوري معمر، مكتبة المعارف بالرباط. ١٠٣ - مدرسة الحديث في القيروان من الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس الهجري، للحسين بن محمد شواط، الدار العالمية للكتاب الإسلامي بالرياض. ١٠٤ - المدونة، لسحنون بن عبد السَّلام، تحقيق السيد علي الهاشمي، في أبو ظبي. ١٠٥ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، الهند. ١٠٦ - المستغثين بالله، لإبن بشكوال، مصر. ١٠٧ - مسند أبي يعلى، تحقيق حسين أسد، دار المأمون، دمشق. ١٠٨ - مسند أحمد، الطبعة الميمنية بالقاهرة. ١٠٩ - المسند الجامع، جمع بشار عواد معروف وغيره، دار الجيل بيروت. ١١٠ - مسند الموطأ، للجوهري، تحقيق طه بوسريع ولطفي الصغير، دار الغرب الإسلامي.
следующие страницы →