Полный текст (779 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
* وقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: لا يَكُونُ القَطْعُ إلَّا في عَشَرَةِ (١) دَرَاهِمَ (٢)، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "القَطْعُ في عَشَرَةِ دَرَاهِمَ" (٣).
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يُقَالُ لَهُ القَطْعُ في عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَمَا أنَّ القَطْعَ في مَائةِ دَرْهَمٍ وأَزْيَدَ، وقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَة دَرَاهِمَ" [٣٠٧٤] , والمِجَنُّ: التُّرْسُ، ورَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ في رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٤)، وقَطَعَ عُثْمَانُ في أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ [٣٠٧٦].
قالَ مَالِكٌ: وكَانَتْ أُتْرُجَّةً تُؤْكَلُ وكَذَلِكَ قُوِّمَتْ، وأَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْ حِرْزٍ لا مِنْ شَجَرَتِهَا.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَجْهُ إبَائِةِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ أنْ تُقْطَعَ يَدُ غُلَامِ ابنِ عُمَرَ حِينَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ [٣٠٨١] , مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَذَرَهُ بالضَّرُورَةِ الَّتي اضْطَرْتَهُ إلى السَّرِقَةِ لِمَغِيبه عَنْ نَفَقَةِ مَوْلَاهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (لا قَطْعَ في عَامِ سَنَةٍ) (٥)، يُرِيدُ، لا قَطْعَ في عَامِ مَجَاعَةٍ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ العَبْدُ الآبِقِ إنَّمَا سَرَقَ مِنْ جُوعٍ، فَعَذَرَهُ سَعِيدُ بنُ العَاصِي بِذَلِكَ، وأَبَى مِنْ قَطْعِ يَدِهِ.
* وقالَ مَالِكٌ: (يُقْطَعُ يَدُ العَبْدِ الآبِقِ إذا سَرَقَ مَا فِيهِ القَطْعُ) [٣٠٨٤] ,إنَّمَا قالَ: إنَّهُ يُقْطَعُ إذا لَمْ يَقُمْ لَهُ عُذْرٌ بالحَاجَةٍ.
قالَ: ولَا يَقْطَعُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ إذا سَرَقَ دُونَ الإمَامِ، لِئَلَّا يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ العِتْقَ стр. 702
الذي يُلْزَمُ مِنْ مَثَّلَ بِعَبْدِه بِدَعْوَاهُ أنَّهُ سَرَقَ، فَلِهَذا لا يَقْطَعْهُ إلَّا الإمَامُ.
قِيلَ لإبنِ القَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مَا فِيهِ القَطْعُ فَلَمْ يُرْفَعْ إلى الإمَامِ حَتَّى وَرِثَ تِلْكَ السَّرِقَةَ، أو وُهِبتْ لَهُ، أَيَدْرَأُ عَنْهُ الإمَامُ الحَدَّ؟ فَقَالَ: إذَا رُفِع أَمْرُهُ إلى الإمَامِ قَطَعَهُ، ولَمْ يُنْظَرْ إلى قَوْلِ صَاحِبِ السَّرِقَةِ إذا قالَ: إنّي وَهَبْتُهَا لَهُ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ في رِدَاءِ صَفْوَانَ بنِ أُمَيّهَ الذِي وَهَبَهُ للسَّارِقِ بَعْدَمَا أُتِي بهِ إلى النبيِّ في ﷺ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الهِبَةُ القَطْعَ، وقالَ: "هَلاَّ وَهَبْتَهُ إيَّاهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِينِي بهِ".
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: الذِي يُوجِبُ القَطْعَ عَلَى السَّارِقِ هُوَ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ، وأنْ يَأْتِي مُسْتَسِرًّا، وأَنْ يَسْرِقَ مَا قِيمَتُهُ رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وإذا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ ثُمَّ وُجِدَتِ السَّرِقَةُ مَعَهُ رُدَّتْ إلى صَاحِبهَا، فإنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ وكَانَ عَدِيْمَا لَمْ يُتْبَعْ بِهَا دَيْنًا، لأَنَّهُ قَدْ أُخِذَتْ يَدُهُ عِوَضًا مِنَ السَّرِقَةِ، وإنَّمَا جَعَلَ اللهُ جَزَاءَهُ قَطْعَ يَدِه، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازَى بأَكْثَرَ مِمَّا جَازَاهُ اللهُ بهِ، فَيتْبَعُ بِقِيمَةِ السَّرِقةِ في عَدَمِهِ، ومَنْ أَلْزَمَهُ غَرِمَهَا في عَدَمِهِ عَاقَبَهُ عُقُوبَتَيْنِ، وأَمَّا إذا كَانَ مَليئًا فإنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بَعْدَ قَطْعِهِ قِيمَةُ السَّرِقَةِ إنْ كَانَتْ عَرْضًا لا تُوزَنُ ولَا تُؤْكَلُ، أَو مِثْلُهَا مِنَ المكِيلِ والمَوْزُونِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَفَّرَ مَالَهُ بِتِلْكَ السَّرِقَةِ التّي انتفَعَ بِهَا وأَدْخَلَهَا في [مَصَالِحِه] (١).
قالَ ابنُ القَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ اليُمْنَى ثُمَّ تُكْوَى بالنَّارِ، ثُمَّ يُخْلَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ ثَانِيَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ رَابِعَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ضُرِبَ وَسُجِنَ.
قالَ عِيسَى: وإذا أَخْطَأ بهِ في أَوَّلِ مَرَّةٍ أُخِذَ بالسَّرِقَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى مَكَانَ اليُمْنَى لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ القَطْعُ مَرَّة ثَانِيَة فتقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنَى، وتُجْزِيءُ بِقَطْعِ يَدِهِ اليُسْرَى عَنِ اليُمْنَى، فإنْ سَرَقَ ثَانِيَة قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنَى، ولَا تُقْطَعْ رِجْلُهُ اليُسْرَى، لِئَلَّا تَذْهَبَ جَوَارِحُهُ مِنْ شِق واحد فَيَبْقَى بِشِق وَاحِدٍ، وإذا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ كَانَ ذَلِكَ стр. 703
القَطْعُ لِكُلِّ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا قَبْلَ القَطْعِ، وُيغْرَمُ قِيمَةُ كُلِّ مَالٍ سُرِقَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ.
في قِصَّةِ الأَقْطَعِ الذِي آوَاهُ أَبو بَكْرٍ مِنَ الفِقْهِ: إضَافَةُ أَهْلِ البَلَاءِ، وأَنَّهُ مَنْ رُأيَا بِخَيْرٍ ظُنَّ بهِ خَيْرٌ.
* ولَيْسَ العَمَلُ عَلَى قَوْلِ أَبي بَكْرٍ: (وأَبيكَ، مَا لَيْلُكَ بلَيْلِ سَارِقٍ) [٣٠٨٩] , لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبَائِكُمْ" (١)، وذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِشَيءٍ فَإنَّمَا يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ، ولَا يُعَظَّمُ غَيْرُ اللهِ (٢)، وفِيهِ: أَنَّ الضَّيْفَ إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ.
قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا أَوجَبَ عَلَيْهِ غُرْمَ السَّرِقَةِ إذا كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ وَفَّرَ مَالَهُ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ الَّتي أَتْلَفَهَا.
قالَ مَالِكٌ: المُحَارِبُ: هُوَ الذِي يَخْرُجُ قَاطِعًا للطَرِيقِ مُكَابِرًا عَلَى أَخْذِ الأَمْوَالِ عَلَى وَجْهِ الفَسَادِ في الأَرْضِ.
والمُغْتَالُ: هُوَ الذِي يَخْدَع الرَّجُلَ أَو الصَبِيَّ حَتى يَأْمْنَهُ فَيُدْخِلُهُ بَيْتًا ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَلَى مَالِهِ ويَأخُذُه، فَهَذِه الغِيلَةُ الَّتي لا عَفوٌ فِيهَا, ولَا بدَّ مَنْ قَتْلِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وإنْ عَفَا عَنْهُ وَليُّ المَقْتُولِ.
وذُو النَّائِرَةِ (٣): هُوَ الرَّجُلُ الذِي يَأْتِي إلى الرَّجُلِ في حَرِيْمِه فَيَقْتُلُهُ علَى عَدَاوَة بَيْنَهُمَا، ويَذْهَبُ ولَا يَأْخُذُ مَالًا، وفِي مِثْلِ هَذا يَكُونُ القَتْلُ أَو العَفْوُ إلى أَوْلِياءِ المَقْتُولِ، فإِنْ عَفَوا عَنِ القَاتِلِ جَازَ عَفْوَهُمْ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: الذِي رَأَيْتُ مَالِكًا يَنْحُو إليهِ في المُحَارِبِينَ أَنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ وقَدْ قتَلَ فَإنَّهُ يُقْتَلُ، ومَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ وقَدْ قَطَعَ الطَّرِيقَ ولَمْ تَطُلْ إخَافتهُ стр. 704
وعِيَاثتهُ فإنَّهُ يُقْطِعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، ومَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَقْطَعَ طَرِيقًا ضُرِبَ ضرْبًا وَجِيعًا، ونُفِيَ إلى بَلْدَة يُسْجَنُ فِيهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ.
وقالَ عِيسَى: وَيجُوزُ للإمَامِ قَتْلُ هَذا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ والإجْتِهَادِ ولِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ (١) غَيْرُهُ.
قالَ عِيسَى: لَيْسَ عِنْدَنا في تَعْزِيرِ الإمَامِ لِمَنْ وَجَبَ تَعْزِيرُهُ بالسَّوْطِ حَدٌّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ، وذَلِكَ إلى اجْتِهَادِ الإمَامِ، وقدْ كَتَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إلى أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ ألَّا يَزِيدَ في التَعْزِيرِ عَلَى الثَّلَاثِينَ سَوْطًا (٢)، ولأَنْ يُخْطِيءُ الإمَامُ في العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَجَاوَزَ في العُقُوبَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ سَرَقَ عَبْدًا جَاهِلًا لا يَعْرِفُ شَيْئًا، أَو سَرَقَ صَبيًّا صَغِيرًا مِنْ حِرْزِهِ فإنَّهُ يُقْطَعُ، وأَمَّا إذا كَانَ عَبْدًا نَافِذًا في أَمْرِهِ (٣) فإنَّهُ لا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ، ولَكِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ الأَدَبَ المُوجِعَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بالمُخَنَّثينَ (٤).
قالَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (يُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ، لأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى المِيّتِ بَيْتَهُ) (٥)، يَعْنِي: دَخَلَ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ، واسْتَخْرَجَ أَكْفَانَهُ، (٦) وإنَّمَا قِيلَ للنبَّاشِ مُخْتَفٍ، لأَنَّهُ يَخْتَفِي بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَنِ النَّاسِ، وقالَ اللهُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، يَعْنِي: أَنَّهَا تَضُمُّ الخَلْقَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ عَلَى ظَهْرِهَا، وتَضُمُّهُمْ إذا مَاتُوا وصَاروا في القُبُورِ، فإذا أَخْرَجَ النَبّاشُ الكَفَنَ مِنَ القَبْرِ وبَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا قُطِعَتْ يَدُهُ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَى حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيىَ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ стр. 705
مُحَمَّدِ بنِ يَحْيِى بنِ حِبَّانَ: (أنَّ غُلَامًا لِعَمِّه يُقَالُ لَهُ فتيْل، وقِيلَ: فِيلٌ، سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ، فَغَرسَهُ في حَائِطِ سَيِّدِه) (١)، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ [٣١٠٤].
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّهُ لا قَطْعَ في الثِّمَارِ المَغْرُوسَةِ إذا سُرِقَتْ مِنْ- حِرْزٍ كَثُرتْ قِيمَتُهَا أَو قَلَّتْ، لِقَوْلهِ: "لا قَطعَ في [ثَمَرٍ ولا كثَرٍ] " (٣).
قالَ أَبو عُمَرَ: وإنْ كَثُرَ ثَمَنُهَا, ولَكِنْ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنَ العُقُوبَةِ.
وفِيهِ: بَيَانُ [العَالِمِ] (٤) للإمَامِ إذا أَرادَ أنْ يَقْضِي بِخِلَافِ السُّنَّةِ.
وفِيهِ: رُجُوعُ الإمَامِ إلى قَوْلِ العَالِمِ إذا عَلِمَ أَنَّ الحَقَّ في قَوْلهِ، كَمَا رَجَعَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ إلى مَا أخْبَرَهُ بهِ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قالَ: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولَا كَثَرٍ"، يَعْنِي: لا تُقْطَعُ يَدُ مَنْ سَرَقَ مِنَ الثِّمَارِ المُعَلَّقَةِ في رُؤُوسِ الشَّجَرِ، ولَا عَلَى مَنْ قَلَعَ كَثَرًا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ فَغَرسَهُ في حَائِطِه، والكَثَرُ: الجُمَّارُ، وَهُوَ صِغَارُ النَّخْلِ، وجَمِيعُ نُقُولِ الثِّمَارِ، فَمَنْ سَرَقَها مِنْ حِرْزٍ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ، وعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِقِيمَةِ مَا سَرَقَ، وُيؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنَ الأَدَبِ.
وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَحْنُونَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَرَقَ شَجَرَةً أو نَخْلَةً مِنْ دَارِ رَجُلٍ فإنَّهُ يُقْطَعُ. стр. 706
وقال لَنا أَبو عُمَرَ: لا قَطْعَ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِحَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيج.
وحدَّثنا أَبو عِيسَى يحيى بنُ عَبْدِ اللهِ، قال: حَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ يحيى، عَنْ أَبيهِ يحيى بنِ يحيى، عَنِ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، عَنِ ابنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرُوِ بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدّهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقَالَ: "مَنْ أَصَابَ [مِنْهُ] (١) مِنْ ذِي حَاجَةٍ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، ومَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ بِشَيءٍ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (٢) والعُقُوبَةُ، ومَنْ سَرَقَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيهِ الجَرِينُ فَبَلَغَ ذَلِكَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَعَلَيْهِ القَطْعُ" (٣).
[قال] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لا قَطْعَ في الثِّمَارِ المُعَلَّقَةِ في رُؤُوسِ الشَّجَرِ، وإنَّ للمُضْطَرّ أَنْ يَأْكُلَ [مِنْهَا] (٤) مَا يَسُدُّ جُوعَهُ وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في ذَلِكَ صَاحِبُهَا, ولَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهَا شَيْئًا، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنَ المَيْتَةِ في قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، فإذَا أَخْرَجَ مَعَهُ شَيْئَا مِنْ ثَمَرِ ذَلِكَ الحَائِطِ الذِي أَكَلَ مِنْهُ صَارَ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيا، فَعَلَيْهِ غُرْمُ مَا خَرَجَ بهِ مِنْ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ العُقُوبَةُ لِتَعَدّيهِ في إخْرَاجهِ، فإذَا وَضَعَ الثمَرَ في الجَرِينِ صَارَ مَحْرُوزًا، فَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ مَا فِيهِ القَطَعُ قُطِعَ، لأَنَّهُ [قَدْ] (٥) خَرَجَ عَنْ مَعْنَى الثَّمَرِ التّي جَاءَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ فَلِهَذا يُقْطَعُ.
* [قال] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: أنَّ إقْرَارَ العَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقَعُ بهِ العُقُوبَةُ عَلَيهِ في جَسَدِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ [٣١٠٨] مِنْ جِهَةِ أنَّهُ لا يُتَهَّمُ في أَنْ يُوقعَ عَلَى نَفْسِهِ عُقُوبَةً.
فإن اعْتَرَفَ بمَا يَسْتَضِرُّ بهِ سَيّدُهُ مِنْ غُرْمٍ يَغْرِمُهُ لَمْ يَجْزِ اعْتِرَافُهُ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ يُتَهَّمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يُرِيدُ باعْتِرَافِهِ أنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِ سَيِّدِه طَمَعًا مِنْهُ أنْ يُسْلِمَهُ السَّيّدُ في الجِنَايةِ التّي أَقَرَّ بِهَا، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ إقْرَارُهُ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ للمُقِرّ لَهُ стр. 707
بِشَاهِدَيْنِ، أو بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ ويَمِينٌ، ثُمَّ يَكُونُ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ بالخَيَارِ إنْ شَاءَ افْتَكَهُ بِقِيمَةِ جِنَايَتِهِ، وإنْ شَاءَ أَسْلَمَهُ فِيهَا ويَكُونُ عَبْدًا للمُجْنَى عَلَيْهِ.
* قالَ مَالِكٌ: لا قَطْعَ عَلَى المُسْتَعِيرِ [٣١١٠].
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنِ الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ مَعْمَر: "أَنَّ امْرَأةً اسْتَعَارَتْ حُلْيًا ثُمَّ جَحَدَتْهُ فأمَرَ بِهَا النبي ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا" (١)، فقالَ لِي: انْفَرَدَ بِهَذا الحَدِيثِ مَعْمَر، لَم يَرْوهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وقدْ أَدْخَلَ البخاري في كِتَابهِ حَدِيثًا أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا قَطْعَ عَلَى المُسْتَعِيرِ" (٢)، وبِهَذا قَالَ مَالِكٌ.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ، يَتْلُوهُ كِتَابُ الأَشْرِبَةِ إنْ شَاءَ اللهُ
* * * стр. 708
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحمدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسِيرُ كتابِ الأَشْرِبةِ، والحَدِّ فِي الخَمْرِ
* قَؤلُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ: (إنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَزَعَمَ أَنّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ) [٣١١٦] , وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: أَنَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا أَنَّهُ يُحَدُّ إذا شَهِدَ شَاهِدَانِ من [المُسْلِمينَ] (١) يَعْرِفَانِ رَائِحَةَ الخَمْرِ أَنَّهُ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا.
وأَن الإمَامَ يُقِيمُ الحُدُودَ عَلَى القَرِيبِ والبَعِيدِ.
وقَدْ ثَبَتَ أنَّ مَا أَسكَرَ كَثيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ مِنْ جَمِيعِ الأَشْرِبةِ، والخَمْرُ تَكُونُ مِنْ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العَسَلِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، وإنَّمَا حُرِّمَتْ الخَمْرُ [لأَنَّهَا تُوَلِّدُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ، وتَصُدُّ عَنْ ذَكْرِ اللهِ، وعَنِ الصَّلَاةِ] (٢) وشَرَابُهُمْ يَومِيِّذٍ فَضِيخُ التَّمْرِ، وقَدْ بيَّنَ اللهُ في كِتَابهِ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا فقالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى انْتِقَالِ اسْمِ العَصِيرِ إلى اسْمِ الخَمْرِ بالشِّدَّةِ الحَادِثةِ في العَصِيرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إنَّ الشِّدَّةَ عِلَّةَ (٣) التَّحْرِيمِ، فَكُلَّمَا стр. 709
كَانَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ مَوْجُودَةً مِنْ جَمِيعِ الأَشْرِبةِ وَجَبَ لَهُ حُكْمُ الخَمْرِ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (١): جَعَلَ عُمَرُ مَسْأَلةَ إقَامَةِ الحَدِّ في الخَمْرِ مَسْأَلةَ شُورَى، وأَخَذَ في ذَلِكَ بِقَوْلِ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ [﵁] (٢)، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ (٣) أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ [٣١١٧] , ولَمْ يَثْبَتْ فِيهِ حَدّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ عَنِ النبيِّ ﷺ ، إلَّا أَنَّهُ جَلَدَ فِيهِ بالجَرِيدِ والنِّعَالِ، وجَلَدَ فِيهِ أَبو بَكْرٍ [﵁] (٤) أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ (٥) في أَيَّامِ عُمَرَ عَلَى جَلْدِ ثَمَانِينَ سَوْطًا.
* قالَ ابنُ القَاسِمِ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: يُنْبَذُ في الظُّرُوفِ كُلِّهَا إلَّا الدُّبَاءَ والمُزَفَّتَ، لأَنَّهُ [ثَبَتَ] (٦) نَهْيُ النبيِّ ﷺ عَنِ الإنْتِبَاذِ فِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وأَبي هُرَيْرَةَ [٣١٢٢ و ٣١٢٣] (٧).
قالَ عِيسَى: لا يُنتبَذُ البُسْرُ والتَّمْرُ، ولا التَّمْرُ والزَّبِيبُ جَمِيعًا.
قالَ: ولَا يُخْلَطُ المُعَسَّلُ والسّكُرْكَةُ، والسّكُرْكَةُ شَرَابٌ يُعْمَلُ مِنَ القَمْحِ (٨).
قالَ: ولَا بَأْسَ أَنْ يُخْلَطَ العَسَلُ واللَّبَنُ.
قالَ: ولَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَ العَسَلُ في النَّبِيسِ (٩)، لأَنَّهُمَا خَلِيطَانِ. стр. 710
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: رَخَّصَ أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ في شَرَابِ النَّبَابِيِسِ.
قالَ عِيسَى: ولَا يُخْلَطُ نَبيذُ زَبِيبٍ ونَبيذُ تَمْرٍ ثُمَّ يُشْرَبَانِ وإنْ لَمْ يُسْكِرا، وقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يَنْبُذَ النَّبيِذَ، فَيَنْظُرُ إلى التَمْرَةِ بَعْضُهَا بُسْرَةٌ وبَعْضُهَا رُطْبَةٌ فَيَقْطَعُهَا، ولَا يَنْبذْهَا كُلُّهَا، كَرَاهِيةَ أَنْ يُنْبَذَ البُسْرَ والرُّطَبَ جَمِيعًا، لِنَهْى رَسُولِ اللهِ ﷺ عنِ الخَلِيطَيْنِ في الإنْتِبَاذِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ يُهَيِّجُ بَعْضًا.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: حَدِيثُ عَائِشَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ البِتْعِ، فقالَ: "كُل شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" [٣١٢٨].
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وقالَ فِيهِ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: أَنَا أَقِفُ عِنْدَ هَذا الحَدِيثِ، والبِتْعُ: شَرَابُ العَسَلِ، وفِيهِ: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وقَدْ رَدَّ النبيُّ ﷺ راوِيةَ الخَمْرِ الَّتي أُهْدِيتْ إليهِ، وقالَ: "إنَّ الذي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا" (١).
قالَ عِيسَى (٢): شَرَابُ الفَضِيخِ هُوَ: أَنْ يُؤْخَذَ البُسْرُ فَيُهَشَّمُ ويُصَبُّ عَلَيْهِ
المَاءُ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَطِيبَ ويُشْرَبَ، ومَنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَحْدُثُ فِيهِ الشِّدَّةُ صَارَ
حَرَامًا.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَبَاحَ مَالِكٌ الانْتِفَاعَ بأَوَانِي الخَمْرِ بَعْدَ أَنْ تُغْسَلَ مَا لَمْ تَكُنْ زِقَاقًا (٣)، ولَمْ يَأْخُذْ [مَالِكٌ] (٤) في ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبي طَلْحَةَ لأَنسِ بنِ مالك حِينَ قَالَ لَهُ: (قُمْ إلى هَذِه الجِرَارِ فَاكسِرْهَا) [٣١٣٣] , وأَما الزِّقَاقُ فتَدْخُلُهَا نَجَاسَةُ الخَمْرِ، فَلَا يُنتفعُ بِهَا لأَنَّهَا تُفْسُدُ كُلَّمَا جُعِلَ فِيهَا.
* قَوْلُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ [لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ حِينَ طَبَخَ لَهُ الشَّرَابَ، فقَالَ فِيهِ стр. 711
عُمَرُ: (مَا أَرَى بهَذا بَأْسًا)، فقَالَ عُبَادَةُ] (١): (أَحْلَلْتَهَا والله يا أَميرَ المُؤْمِنِينَ) [٣١٣٤] , إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ [عُبَادَةُ] (٢) مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اتَّقَى أَلَّا يُبَالِغَ في طَبْخِهَا، فَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا فتَصِيرُ خَمْرًا، فَلَمَّا فَهمَ عُمَرُ مَعْنَى قَوْلِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قالَ: (اللَّهُمَّ إني لا أَحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ، ولَا أُحْرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ)، في هَذا مِنَ الفَقْهِ: أَنْ يَتَبَرَّأُ العَالِمُ مِنْ قَوْلَةٍ يَقُولُهَا إذا اتَّقَى فِيهَا فَسَادَ النَّاسِ، وكَانَ إمَامًا يُقْتَدَى بهِ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ النبي ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنيا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا في الآخِرَةِ" [٣١٣٢] فَسَّرَهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ فقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْسَاهَا في الجَنَّةِ إذا دَخَلَها فَلَا تَجْرِي لَهُ عَلَى بَالٍ،
كَمَا قَدْ يَنْظُرُ إلى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ في دَرَجَةٍ عَالِيةٍ فَلَا يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا، والجَنَةُ دَرَجَاتٌ ومَنَازِلُ، تُدْخَلُ بِرَحْمَةِ اللهِ، وتُتَبَوَّأُ مَنَازِلُهَا بِقَدْرِ أَعْمَالِ العِبَادِ (٣).
وقِيلَ أَيْضًا: أنَّ مَعْنَى هَذا الحَدِيثِ [مَعْنَى] (٤) الوَعِيدِ، وأَنَّهُ يُحْرِمُهَا في وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، ولَوْ كَانَ يُحْرَمُهَا أَبَدًا في الجَنَّةِ لَكَانَتْ عُقُوبَةَ شُرْبِ الخَمْرِ في الدّنيا تتبَعُهُ في الجَنَّةِ، وكُلُّ مَنْ دَخَلَ الجَتةَ فَقَدْ غَفَرَ اللهُ [جلَّ وعزَّ] (٥) ذُنُوبَهُ.
* * *
تَمَّ الكِتَابُ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَتْلُوهُ كِتَابُ الجَامِعِ إنْ شَاءَ اللهُ
* * * стр. 712
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّم تَسْلِيمَا
تَفْسِيرُ كِتَابِ الجَامِعِ
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "اللهُمَّ إني أَدْعُوكَ لِلْمَدِينهِ بمِثْلِ مَا دَعَاكَ بهِ إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ ومثْلَهُ مَعَهُ" [٣٣٠٣] , فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ المَدِينَةِ عَلَىَ مَكَّةَ، لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَهْلِ المَدِينَةِ بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بهِ إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ، ودُعَاءُ إبْرَاهِيمُ (١) لِمَكَّةَ أنْ يَرْزُقُهَمْ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ] (٢) مِنَ الثَّمَرَاتِ، وأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهِمْ، يَعْنِي: يَجْلِبُونَ إليهَا الأَقْوَاتَ، ودَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَهْلِ المَدِينَةِ أَنْ يُبَارِكَ لَهُمْ في طَعَامِهِمْ المَكِيلَ بالصَّاعِ والمُدّ -الذِي بهِ قِوَامُ الأَبْدَانِ المُفْتَرَضِ عَلَيْهَا الطَاعَاتِ- بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لأَهْلِ مَكَّةَ.
وسَمَّى اللهُ ﵎ المَدِينَةَ دَارَ الإيمَانِ، فقالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] , يَعْنِي بهِ الأَنْصَارَ سُكَّانَ المَدِينَةِ، ورَوَى سَعِيدُ بنُ أَبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "المَدِينَةُ قُبَّةُ الإسْلَامِ، ودَارُ الإيمَانِ، وأَرْضُ الهِجْرَةِ، ومُبْتَدأُ الحَلَالِ والحَرَامِ" (٣).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: واخْتَارَ اللهُ [جَلَّ وعَزَّ] المَدِينَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لمَحْيَاهُ стр. 713
ومَمَاتَهُ، وجَعَلَهَا دَارَ الهِجْرَةِ إليهِ، وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بالشُّهَدَاءِ، وعَلَى أَنْقَابِهَا مَلَائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، ولَا الدَّجَّالُ، وبِهَا رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ولَوْ عَلِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ بُقْعَةً أَفْضَلَ مِنْهَا مَا دَعَا الله [جَلَّ وَعَزَّ] أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا.
وقالَ مَالِكٌ [﵀]: افْتُتِحَتِ القُرَى بالسَّيْفِ حَتَّى مَكَّةَ، وافْتُتِحَتِ المَدِينَةُ بالقُرْآنِ (١).
* قَوْلُ ابنِ عُمَرَ لِمَوْلَاتهِ حِينَ شَاوَرَتْهُ في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا: (اقْعُدِي لُكَعُ) [٣٣٠٥] , يَقُولُ: اقْعُدِي يا دَانِيةَ الحَالِ، ثُمَّ أَعْلَمَهَا بِمَا للصَّابِرِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى لأَوَاءِ المَدِينَةِ، واللأَوْاءُ: هُوَ الجُوعُ ونَكَدُ الكَسْبِ (٢).
وفِي هَذا الحَدِيثِ بَيَان لِفَضْلِ المَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ البُلْدَانِ كُلِّهَا، وعَلَى المُسْلِمِ نَصِيحَةُ المُسْلِمِ إذا شَاوَرَهُ، وقَدْ قالَ النبيُّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" (٣).
* قَوْلُ الأَعْرَابِيِّ للنبيِّ ﷺ : (أَقِلْنِي بَيْعَتِي) [٣٣٠٦] , يَعْنِي: أَقِلْنِي مَا بَايَعْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ البَقَاءِ مَعَكَ بالمَدِينَةِ وتَرْكِي وَطَنِي، فأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ [عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ المَدِينَةِ] (٤) عَاصيًا للهِ [جَلَّ وَعَزَّ] ولِرَسُولهِ [ ﷺ ] وتَرَكَ هِجْرَتِهِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ: "إنَّمَا المَدِينهُ كَالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طِيبُهَا"، يَعْنِي: تَنْفِي مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ النَّاسِ، ويَبْقَى فِيهَا الطَّيِّبُونَ النَّاصِعُونَ، والنَّاصِعُ: هُوَ الشَّيءُ الصَّافِي النَّقِيُّ اللَّوْنِ.
قالَ أَبو عُمَرَ: خُرُوجُ ذَلِكَ الأَعْرَابِيِّ مِنَ المَدِينَةِ (٥) بَعْدَ هِجْرَتهِ إليهَا شَبيهٌ بالرِّدَّةِ، وذَلِكَ أَنَّ بَيْعَةَ النبيِّ ﷺ لِلنَاسِ في أَوَّلِ قُدُومِهِ إلى المَدِينَةِ كَانَتْ عَلَى أَنْ لا يَخْرُجُ أَحَدٌ عَنْهَا، فَمَنْ خَرَجَ عَنْهَا كَانَ عَاصيًا للهِ وَرَسُولهِ. стр. 714
وقالَ غَيْرُهُ: كَانَتِ الهِجْرَةُ في أَوَّلِ قُدُومِ النبيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ في بَلَدِهِ فَرْضًا، فَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إلى المَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مُوَالَاةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] , فَبَقِيَ النَّاسُ عَلَى هَذا إلى عَامِ الفَتْحِ، ثُمَّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (١)، يَعْنِي: إذَا دُعِيتُمْ- إلى الجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ فَانْفِرُوا إليه مِنْ أَوْطَانِكُمْ، فَارْتَفَعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ، وبَقِيَ فَرْضُ الجِهَادِ عَلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِنَا هَذَا.
* قَوْلُ النبي ﷺ : "أُمِرْتُ بقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى" [٣٣٠٧] يَعْنِي: يَفْتَتِحَ أَهْلُهَا القُرَى، فأَقَامَ القَرْيَةَ مَقَامَ الأَهْلِ.
وقَوْلُهُ: "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ"، يَعْنِي: أَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهَا يَثْرِبَ، وَإنَّمَا اسْمُهَا المَدِينَةُ، وسُمِّيتْ في القُرْآنِ يَثْرِبَ عَلَى وَجْهِ الحِكَايةِ، لِتَسْمِيةِ المُشْرِكِينَ لَهَا يَثْرِبَ قَبْلَ أَنْ يُسَمِّيهَا اللهُ دَارَ الإيْمَانِ.
وقَوْلُهُ: "يَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ"، يَعْنِي: يَحْمِلُونَ بأَهْلِيهِم، ويُوَلُونَ المَدِينَةَ، ويُزَيِّنُونَ لَهُم الخُرُوجَ عَنْهَا إلى غَيْرِهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلهِ : ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] , يَعْنِي: تَسَيَّرَتِ الجِبَالُ تَسْيِرًا.
وقَوْلُهُ: "والمَدِينهُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ"، يَعْنِي: صَبْرَهُمْ في المَدِينَةِ مَعَ شِدَّةِ الحَالِ خَيْر لَهُمْ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْهَا إلى غَيْرِهَا.
* وقَوْلُهُ ﷺ : "لَتُتْرَكَنَّ المَدِينهُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كانَتْ، حَتَّى يَدْخُلَ الكَلْبُ أَو الذِّئْبُ فَيُغَذِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي المَسْجِدِ أَو عَلَى المِنْبَرِ" [٣٣١٠] , وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْبَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبْقَى بِمَسْجِدِه حَتَّى تَبْقَى المَدِينَةُ خَالِيةً لا أَحَدَ فِيهَا يَمْنَعُ الكَلبَ أَو الذِّئْبَ مِنْ أنْ يَبُولَ عَلَى المِنْبَرِ، ويُقَالُ: غَدَّتِ المَرْأةُ وَلَدَهَا - стр. 715
مُشَدَّدَةً -إذا بَالَتْهُ، وغَدَتْهُ -مُخَفَّفَةً- إذا رَبَّتْهُ، وإنمَا يَقُولُ النَّاسُ بالمَدِينَةِ في آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ شِدَّةِ الحَالِ وتَغَيِّرِ الزَّمَانِ.
*وقَوْلُهُ ﷺ : "هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ" [٣٣١٣] , يَعْنِي: هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ، وَهُم الأَنْصَارُ السَّاكِنُونُ بِجَبَلِ أُحُدٍ، وكَانُوا يُحِبُّونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ويُحِبُّهُمْ هُوَ، وقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَحَبَّةُ للجَبَلِ نَفْسِهِ، كَمَا يَكُونُ مِنْهُ التَّسْبِيحُ، قالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ,فَكَمَا يُسَبِّحُ الجَبَلُ كَذَلِكَ تَكُونُ لَهُ مَحَبّةٌ، وقَدْ قَالَ النبيُّ ﷺ لِجَبَلٍ أُحُدٍ إذْ تَحَرَّكَ بهِ وبأَصْحَابهِ: "اسْكُنْ أُحُدٌ، فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدٌ" (١)، وكَانَ النبيُّ ﷺ وأَبُو بَكْرِ وعُمَرَ، فَخَاطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الجَبَلَ مُخَاطَبَةَ مَنْ يَعْقِلُ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ مَحَبَّةٌ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الأَنْصَارَ، لأَنَّهُمْ آوُوهُ، ونَصَرُوهُ، وقَامُوا بالإسْلَامِ.
* قَوْلُهُ ﷺ في المَدِينَةِ: "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ" [٣٣١٤] , قالَ ابنُ نَافِع: الَّلابِتَانِ هُمَا الحَرَّتَانِ، إحْدَاهُمَا الَّتي يَنْزِلُ بِهَا الجَامعُ إذا رَجَعُوا مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ بِغَرْبِيِّ المَدِينَةِ، والأخْرَى مِمَّا تَلِيهَا مِنْ شَرْقِيِّ المَدِينةِ، فَمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الحَرَّتَانِ حَرَامٌ أَنْ يُصَادَ فِيهَا طَيْرًا وغَيْرَهُ.
قالَ ابنُ نَافِعٍ: وَحَرَّةٌ أُخْرَى مِمَّا تَلِي القِبْلَةَ مِنَ المَدِينَةِ، وحَرَّةٌ رَابِعَةٌ مِنْ جِهَةِ الجَوْفِ (٢)، فَمَا بَيْنَ هَذِه الحِرَارِ كُلِّهَا في الدُّوُرِ مُحَرَّمٌ أَنْ يُصَادَ فِيهَا، ومَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا صَادَهُ، كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ في حَرِمِ مَكَّةَ (٣).
* وقالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَجْعَلْ في صَيْدِ المَدِينَةِ جَزَاءً عَلَى مَنْ صَادَهُ لِعِظَمِ شَأْنِهِ، كَمَا لَمْ يَجْعَلْ في اليَمِينِ الغَمُوسِ كَفَّارَةً عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهَا لِعِظَمِ إثْمِهَا، فَكَذَلِكَ стр. 716
لَمْ يَجْعَلْ عَلَى مَنْ صَادَهُ في حَرَمِ المَدِينَةِ جَزَاءً عَلَى مَنْ صَادَهُ لِعِظَمٍ الإثْمِ في ذَلِكَ، ومَنْ صَادَ في حَرَمِ المَدِينَةِ صَيْدًا لَمْ يَصِحُّ لَهُ مُلْكُهُ، ولَذِلَكَ نزَعَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ مِنْ يَدِ شُرَحْبِيلِ بنِ سَعْدٍ النَّهَسَ الذِي كَان صَادَهُ في حَرَمِ المَدِينَةِ [٣٣١٦] , والنَّهَسُ: طَيْرٌ صَغِيرٌ، فأَخَذَهُ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ مِنْ يَدِه وأَطَارَهُ، وهَكَذا يُفْعَلُ أيضًا بِمَنْ صَادَهُ في حَرَمِ مَكَّةَ صَيْدًا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ يَدِه، وُيسَرَّحُ إذْ لا يَسْتَقِرُّ مُلْكُ الصَّائِدِ عَلَيْهِ.
* قالَ عِيسَى: مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ: (كانَ بِلَالٌ إذا أَقْلَعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتُهُ) [٣٣١٨] , يَعْنِي: كَانَ إذا أَقْلَعَتْ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ صَوْتَهُ بإنْشَادِ الشَّعْرِ.
قالَ: (والإذْخِرُ والجَلِيلُ): شَجَرتَانِ طَيِّبَتَانِ تَكُونَانِ بأَوْدِيةِ مَكَّةَ.
(وشَامَةٌ وَطَفِيلُ): جَبلَانِ مِنْ جِبَالِ مَكَةَ، فَكَانَ بِلَالٌ يَتَمَنَّى العَوْدَةَ إلى مَكَّةَ، فَدَعَا النبيُّ ﷺ أَنْ يُحَبِّبَ اللهُ إليهِ المَدِينَةَ وإلى أَصْحَابهِ كَحُبِّهِمْ مَكَّةَ وأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، وأَنْ يُصَحّحَهَا لَهُمْ مِنَ الوَبَاءِ، وأَنْ يَنْقُلَ حُمَّاهَا إلى أَهْلِ الجُحْفَةِ، وكَانَ أَهْلُ الجُحْفَةِ يَوْمِيِّذٍ كَافِرِينَ، فَدَعا النبيُّ ﷺ الله أَنْ يَبْتَلِيهِم بالحُمَّى، وكَانَ دُخُولُ عَائِشَةَ عَلَى بِلَالٍ وعِيَادَتِهَا لَهُ قَبْلَ نزولِ الحِجَابِ.
* قالَ الأَخْفَشُ (١): أَنْقَابُ المَدِينَةِ هِيَ طُرُقُهَا وفِجَاجُهَا، فَعَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ يَمْنَعُونَ الطَّاعُونَ والدَّجَّالَ مِنْ دُخُولِ المَدِينَةِ [٣٣٢٠] , لِدُعَاءِ النبيِّ ﷺ أَنْ يُصَحِّحَهَا اللهُ مِنَ البَلَاءِ والآفَاتِ، غَيْرَ أَنَّهَا قَدْ تَبْقَى في آخِرِ الزَّمَانِ خَالِيَةً، ويَذْهَبُ أَهْلُهَا حَتَّى يَدْخُلَ الكَلْبُ فَيَبُولُ في المَسْجِدِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَطَأُ الدَّجَّالُ جَمِيعَ الأَرْضِ حَاشَا المَدِينَةَ لِمَنع المَلَائِكَةِ إيَّاهُ مِنْ دُخُولهَا، وقَدْ يدخلَالدَّجَّالُ مَكَّةَ، ورَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيهَا في مَنَامِهِ حِينَ رَأَى عِيسَى بنَ مَرْيَمَ يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ كَمَا وَصَفَ الدَّجَّالَ بِصِفَتِهِ حِينَ رَآهُ بِمَكَّةَ. стр. 717
* قالَ مَالِكٌ: جَزِيرَةُ العَرَبِ: مَكَةُ، والمَدِينَةُ، واليَمَنُ (١).
يُفْعَلُ بِمَنْ سَكَنَها مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الإسْلَامِ مِثْلُ مَا فَعَلَ عُمَرُ بأَهْلِ فَدَكَ ونَجْرَانَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ" [٣٣٢٣، ٣٣٢٤].
قالَ عِيسَى: كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخطاب لِعَبْدِ اللهِ بنِ عَيَّاشٍ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ تَفْضِيلِهِ مَكَّةَ عَلَى المَدِينَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: (أَنتَ القَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْر مِنَ المَدِينةِ؟)، فقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ: (هِيَ حَرَمُ اللهِ وأَمْنُهُ وفِيهَا بَيْتُهُ)، فَجَاوَبَهُ عَبْدُ اللهِ عَنْ غَيْرِ مَا سَأَلهُ عَنْهُ عُمَرُ مِمَّا لا يُنْكِرُهُ عُمَرُ، وهَذِه حَيْدَةٌ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِ عُمَرَ
، وَلَو أَجَابَهُ عَلَى لَفْظِ سُؤَالهِ فقالَ: هِيَ أَفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ لَضَرَبَهُ عُمَرُ بالدِّرَّةِ، ولَمْ يَشُكُّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في أَنَّ المَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ تَمَنَّى أَنْ يَمُوتَ فِيهَا ويُدْفَنَ بِهَا, ولِمَا خَصَّها اللهُ بأنْ جَعَلَ فِيهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمَوْضِعِ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا ومَا فِيهَا" (٢)، وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ علَى فَضْلِ المَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ.
*قالَ أَبو عُمَرَ: تَلَقَّى النَّاسُ حَدِيثَ الطَّاعُونِ "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأَرْضٍ فلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهَا، وإذا وَقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" [٣٣٢٩] عَلَى سَبيلِ الرُّخْصَةِ إنْ شَاءُوا خَرَجُوا، وإنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا إذا لَمْ يُرِيدُوا بِخُرُوجِهِم الفِرَارَ стр. 718
مِنَ القَدْرِ، فإذَا أَرَادَ الخَارِجُ مِنْ أَرْضِ الطَاعُونِ بِخُرُوجِهِ الفِرَارُ مِنَ القَدْرِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الخُرُوجُ، لأَنَّهُ يُخَالِفُ النبي ﷺ ، ويُكَذّبُ بالقَدَرِ، لأَنَّهُ يَقُولُ: إن خُرُوجِي يَدْفَعُ عَنِّي مَا نَزَلَ بأَهْلِ هَذِه الأَرْضِ، وأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِخُرُوجِهِ الفِرَارَ مِنَ الطَّاعُونِ، ويَعْتَقِدُ أنَ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئُهُ فَمُبَاح لَهُ الخُرُوجُ، وكَذَلِكَ حُكْمُ الدَّاخِلِ في بَلَدِ الطَاعُونِ إذا أَقَرَّ أَنَّ دُخُولَهُ لَيْسَ يَجْلِبُ حَتْفًا لَمْ يَكُنْ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَمُبَاحٌ لَهُ الدُّخُولُ، وهَذا تَأْوِيلُ العُلَمَاءِ في هَذا الحَدِيثِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: (سَرْغُ) الذي انْصَرَفَ مِنْهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ هُوَ مِنْ آخِرِ عَمَلِ الحِجَازِ وأَوَّلِ عَمَلِ الشَّامِ، وذَلِكَ أَنَّةُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِدِمَشْقَ انْصَرَفَ بالنَاسِ، وكَرِهَ أَنْ يَقْدِمَ بَأَصْحَاب رَسُولِ اللهِ أَرْضَ الطَاعُونِ، وانْصَرَفَ بِهِم بَعْدَ أَنْ شَاوَرَ الصَّحَابةَ في ذَلِكَ، وَأَخبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفِ أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ يَقُولُ: "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيهَا".
وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: مُشَاوَرَةُ الإمَامِ عُلَمَاءَ المُسْلِمِينَ فِيمَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتهِ، وأَخْذِه في ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ بهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُشَاوِرَ أَصْحَابَهُ، فقالَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] , قالَ أَهْلُ التفْسِيرِ: إنَّمَا أَمَرَ اللهُ بمَشُورَتهِمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ وَحْيٌّ، [وقَالُوا] (١): مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الَأَرْضِ أَسَدَّ رَأْيًا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ولَكِنْ أَمَرَهُ اللهُ بِمَشُورَتهِمْ لِيَكُونَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابهِ وغَيرِهِمْ مِنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَقَعَ في رِوَايةِ ابنِ المُنْكَدِرِ في هَذا الحَدِيثِ: "وإذَا وَقَعَ بأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" عَلَى مَعْنَى: لا تَخْرُجُوا فَارِّينَ مِنْهُ، وَوَقَعَ في رِوَايةِ أَبي النَّضرِ: "لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ"، وهَكَذا رَوَاهُ يحيى بنُ يحيى [٣٣٣٠]. стр. 719
قالَ أَبو عمَرَ: ظَاهِرُ هَذِه الرِّوَايةِ يُبِيحُ الخُرُوجَ مِنْ أَرْضِ الطَّاعُونِ وإنْ قَصَدَ الخَارِجُ بِخُرُوجهِ الفِرَارَ مِنْهُ، وهَذا خِلَافُ مَعْنَى قَوْلهِ: "لا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" وَرِوَايةُ ابنِ المُنْكَدِرِ إنَّمَا تُبِيحُ الخُرُوجَ إذا لَمْ يَقْصِد الخَارِجُ بِخُرُوجِهِ الفِرَارَ مِنْ قَدَرِ اللهِ.
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (١): سأَلْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَنْ رِوَايةِ يحيى مِنْ طَرِيقِ أَبي النَّضْرِ: "لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ"، فَقَالُوا: لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ إنْ خَرَجْتُمْ، ومَعْنَى هَذِه الرِّوَايةِ: لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ إنْ خَرَجْتُمْ، وظَاهِرُ هَذِه الرِّوَايةِ تَمْنَعُ مِنَ الخُرُوجِ مِنْ أَرْضِ الطَاعُونِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرَوى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ ، وذَكَرَ الحَدِيثَ، وقَالَ في آخِرِه: "إذا وَقَعَ بأَرْضٍ وأَنتمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ" (٢).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرِوَايةُ ابنِ بُكَيرٍ في هَذا الحَدِيثِ عَنْ مالكٍ، عَنِ أَبي النَّضْرِ تُوَافِقُ مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابنُ المُنْكَدِرِ: أنَّ الخُرُوجَ مِنْ أَرْضِ الطَّاعُونِ مُبَاحٌ لِمَنْ أَرَادَ أنْ يَخْرُجَ إنْ لَمْ يَرِدْ بِخُرُوجِهِ الفِرَارَ مِنَ الطَّاعُونِ، وإذَا خَرَجَ فَارًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: (رُكْبَةُ) [٣٣٣٣] الَّتي أَحَبَّهَا عُمَرُ وفَضَّلَ سُكْنَاهَا عَلَى الشَّامِ هِيَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ والعِرَاقِ في نَاحِيةِ الطَّائِفِ، وأَرَادَ عُمَرُ أَنَّ سَاكِنِيهَا أَطْوَلَ أَعْمَارًا وأَسْلَمَ أَبْدَانًا مِمَّنْ سَكَنَ أَرْضَ الشَّامِ، مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الوَبَاءِ بالشَّامِ، ولَمْ يُرِدْ عُمَرُ أَنَّ (رُكْبَةَ) تَزِيدُ في طُولِ أَعْمَارِ أَهْلِهَا, ولَكِنْ لَمَّا قَدَّرَ اللهُ أَعْمَارَهُمْ طَوِيلَةً سَكَّنَهُمْ في تِلْكَ الأَرْضِ، فأَحَبَّ عُمَرُ في هَذا الحَدِيثِ طُولَ البَقَاءِ في الدُّنيا، والمُعَافَاةَ стр. 720
مِنَ الأَمْرَاضِ، ثُمَّ تَمَنَّى آخِرَ عُمُرهِ المَوْتَ حِينَ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الفِتْنَةَ في دِينِه لئَلاَّ يَذْهَبُ دِينُهُ، فقالَ: (اللَّهُمَ كَبُرتْ سِنِّي، وانْتَشَرتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إليكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) [٣٠٤٤].
стр. 721
بابُ النَّهْي عَنِ القَوْلِ بالقَدَرِ،
إلى آخِرِ بَابِ جَامِعِ القَدَرِ
* تَرْجَمَ مَالِكٌ في المُوطَّأ في رِوَايةِ يحْيِى عَنْهُ أَوَّلَ هَذا البَابِ، فقالَ: (هَذا بَابُ النَّهْي عَنِ القَوْلِ بالقَدْرِ) [٣٣٣٥] , قالَ أَبو عُمَرَ: عَلَى مَعْنَى هَذا بَابُ النَّهْيِّ عَنِ القَوْلِ بِنَفِي القَدَرِ، وتَرْجَمَهُ ابنُ بُكَيْرٍ في رِوَايَتِهِ عَنْ مالك: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ القَوْلِ بالقَدَرِ) (١).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنِ السّكُوتِ عَنِ الكَلَامِ في القَدَرِ، فقَالَ: مَنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُقِرٌّ بالقَدَرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وإنْ سَكَتَ وَهُوَ شَاكٌّ في القَدَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَأمَّا الجِدَالُ فِيهِ فَمَكْرُوهٌ، وقَدْ جَاءَ في الحَدِيثِ: (إذا ذُكِرَ القَدَرِ فأَمْسِكُوا) (٢)، يَعْنِي: آمِنُوا بالقَدَرِ، وأَمْسِكُوا عَنِ الكَلَامِ فِيهِ، والمُجَادَلةِ في ذَلِكَ، وهَذا عَلَى ظَاهِرِ تَرْجَمَةِ الكِتَابِ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" [٣٣٣٦] يَعْنِي: غَلَبَ آدَمُ مُوسَى بالحُجَّةِ، وأَلْزَمَهُ أَنَّ قَضَاءَ اللهِ نَافِذٌ عَلَى العَبْدِ لا يُنْجِيهِ مِنْهُ شَيءٌ.
وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ المُنَاظَرةِ في أُصُولِ الدِّيَانةِ، وإقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا، وأَنَّ الله قَدْ قَدَّرَ عَلَى العِبَادِ مَا هُمْ صَائِرُونَ إليهِ، стр. 722
وإنمَا صَحَّتِ الحجةُ في هَذه المَسْأَلةِ لَآدَمَ عَلَى مُوسَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ الله قَدْ غَفَرَ لآدمَ ذَنْبَهُ، وأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ فَلَا يَحْتَجُّ عَلَى مَعْصِيةٍ بأن يَقُولَ: (إنَّ اللهَ قَدْ قَدَّرَها عَلَيَّ)، إذْ لا يَدْرِي كَيْفَ يَنْجُو مِنْهَا في الآخِرَةِ، وَلِمِثْلِ هَذا المَعْنَى احْتَجَّ ابنُ عُمَرَ عَلَى الذِي سَأَلهُ عَنْ عُثْمَانَ وفِرَارَهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ العَدُوِّ، وقالَ ابنُ عُمَرَ: (مَا عَلَى عُثْمَانَ مِنْ ذَنْبٍ) (١)، قَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُ لِقولهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] , فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ غُفِرَ ذَنْبُهُ أَمْ لَمْ يُغْفَرْ لَمْ تُقَمْ لَهُ حُجَّةٌ بأن يَقُولَ: (إنَّ الله قَدْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ).
وأَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ آدَمَ ومُوسَى حُجَّةً بأن أَعْمَالَ العِبَادِ كُلَّهَا قَدْ قَدَّرَهَا اللهُ ، وَأَنَّةُ عَلِمَهَا قَبْلَ كَوْنِهَا، بِخِلَافِ قَوْلِ أَهْلِ البدَعِ الذينَ يَقُولُونَ: (أَفْعَالُ العِبَادِ لَيْسَتْ مُقْدُورَةً للهِ)، ويَقُولُونَ: (إنَّ الله خَلَقَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا غَيْرَ الأَعْمَالِ)، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبيرًا، قال اللهُ تعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: رَوَى غَيْرُ مَالِكٍ حَدِيثَ مُسْلِمِ بنِ يَسَار، عَنْ [نُعيْمِ] (٢) بنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب، بأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إلى آخِرِ القِصَّةِ.
قالَ أَحْمَدُ: ولَمْ يَذكُرْ مَالِكٌ في سَنَدِ هَذا الحَدِيثِ [نُعَيْمَ] بنَ رَبِيعَةَ، وذِكْرُهُ في الحَدِيثِ هُوَ الصَّحِيحُ، وبهِ يُسْنَدُ الحَدِيثُ، وعَلَى رِوَايةِ مَالِكٍ هُوَ غَيْرُ مُسْنَدٍ، إذْ لا يَتَّصِلُ مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ [٣٣٣٧] (٣). стр. 723
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وفِيهِ: أَنَّ للهِ يَمِينًا، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ بِلَا كَيْفٍ ولَا تَحْدِيدٍ.
وقالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: [واليَدَانِ] (١) غَيْرُ النِّعْمَتَيْنِ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (٢) [ص: ٧٥].
وفِي هَذا الحَدِيثِ: أَنَّ الله خَلَقَ أَهْلَ الجَنَّةِ للجَنَّةِ، وأَهْلَ النَّارِ للنَّارِ، وأنَّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ في أُمِّ الكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْلِقَهُمْ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألونَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ مَالِكٌ في بَابِ القَدَرِ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللهِ، وسُنَّةَ رَسولهِ" [٣٣٣٨] عَلَى مَعْنَى: أنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ كَانَ مُوقِنًا بالقَدَرِ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُ أَبي سُهَيْلٍ في القَدَرِيَّةِ: (إنْ لَمْ يَتُوبُوا عُرِضُوا عَلَى السَّيفِ) [٣٣٤٢] , قَالَ مَالِكٌ: (وذَلِكَ رَأْيِي فِيهِم)، مَعْنَى هَذا القَوْلِ: إِنَّ القَدَرِيَّةَ وغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ إذا خَرَجُوا عَلَى إمَامٍ عَادِلٍ يُرِيدُونَ قِتَالَهُ، وَيدْعُونَ إلى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّهَمْ يُدْعَوْن إلى السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، فإنْ أَبَوا أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ بِدْعَتِهِمْ ومَا هُمْ عَلَيْهِ قُوتلُوا.
قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّمَا يُسْتَتَابُ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ مَنْ أَعْلَنَ بِدْعَتَهُ، وخَرَجَ عَلَى الأئِمَةِ، وأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ غَيْرَ خَارِج مِنْهُمْ، فإِنَّ هَؤُلَاءِ لا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ، ولَا يُنْكَحُ إليهِم، ولَا يُعَادُ مَرِيضُهُمْ، ولا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ، وبِهَذا أَفْتَى الفُقَهَاءُ بِقُرْطُبَةَ في أَصْحَابِ ابنِ مَسَزرَّةَ حِينَ شَاوَرَهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَبْدُ стр. 724
الرَّحْمَنِ بنُ أُمَيَّةَ فِيمَا كَانُوا قَدْ ظَهَرُوا مِنْ مَذْهَبِ ابنِ مَسَرَّةَ (١)، وعَهِدَ حِينَئِذٍ إلى النَّاسِ أَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْهُم إمَامًا، ولَا مُؤَذِّنًا، ولَا مُؤَدِّبًا يُؤَدِّبُ الصِّبْيَانَ، ولَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا يَشْهَدُوا بهِ عِنْدَ الحَاكِمِ، وكَانَ ذَلِكَ سَنَةً ثَلَاثٍ وأَرْبَعِينَ وثَلَاثِمَائةَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُهُ: "لا تَسْألُ المَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا" [٣٣٤٤] يَعْنِي: لا تَسْأَلُ المَرْأةَ زَوْجَهَا أنْ يُطَلّقَ امْرَأةً لَهُ أُخْرَى لِتَتَفَرَّدَ هِيَ بِزَوْجِهَا، وتُفْرِغَ صَحْفَةَ أُخْتِهَا مِنْ (٢) طَعَامِ زَوْجِهَا، فإنَّ سُؤَلَهَا ذَلِكَ لَيْسَ بِزَائِدٍ في رِزْقِهَا, ولَا فِيمَا قَدَّرَهُ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ] لَهَا، فَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَضُرَّ بأُخْتِهَا, ولتَرْضَ بِقَضَاءِ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] فإنَّ ضرَرَها بِهَا لَيْسَ بِنَافِعِهَا شَيْئًا.
قَوْلُهُ: "لا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" [٣٥٣٤] , قالَ الأَخْفَشُ: الجَدُّ الحَظُ والبَخْتُ، وكَانُوا في الجَاهِلِيّهِ يَقُولُونَ: إنَّمَا يُرْزَقُ الإنْسَانُ بِجَدِّهِ، يُرِيدُونَ بِبَخْتِهِ، فَرَدَّ النبيُّ ﵇ قَوْلَهُمْ هَذا، وقالَ: إنَّمَا هُوَ رِزْقُ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] لَيْسَ يُرْزَقُ أَحَدٌ بِجَدٍ، ولَكِنَّ الله يُعْطِي ويَمْنَعُ.
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُهُ: "الحَمْدُ لله الذِي خَلَقَ كُل شَيءً كمَا يَنْبَغِي الذي لا يُعْجِلُ شَيءٌ أَنَاهُ وقَدَرَهُ" [٣٣٤٦] (٣)، قالَ الأَخْفَشُ: أَنَا الشَّيءِ وَقْتُهُ وبُلُوغُهُ، стр. 725
يَعْنِي: أَنَّهُ لا يَأْتِي شَيءٌ قَبْلَ قَدَرِ اللهِ [جَلَّ وعَزَّ] الذِي قَدَّرَهُ لِذَلِكَ الشَّيءِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ.
وقوله: "أَجْمِلُوا في الطَّلَبِ"، يَعْنِي: اطْلُبُوا الحَلَالَ بِرِفْقٍ، لأَنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيءٍ قَطُّ إلَّا زَانَهُ، ولَا مُنِعَ مِنْ شَيءٍ إلَّا شَانه، فَطَلَبُ الرِّزْقِ بِرِفْقٍ أَجْمَلُ مِنْ طَلَبِهِ بِعُنْفٍ.
стр. 726
بابٌ في حُسْنِ الخُلُقِ، والحَيَاءِ،
والغَضَبِ، والمُهَاجَرَةِ
رَوَى ابنُ بُكَيْبر عَنْ مالك، عَنْ يَحْيىَ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَل، أَنَّهُ قالَ: آخِرُ مَا أَوْصَانِي بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي في الغَرْزِ أَنْ قَالَ: "أَحْسِنْ خُلُقَكَ للنَّاسِ" (١).
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا الحَدِيثُ مُرْسَل، لأَنَّ يَحْيىَ بنَ سَعِيدٍ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ.
و (الغَرْزُ) هُوَ: رِكَابُ رَحْلِ البَعِيرِ، وَهُوَ مِثْلُ رِكَابِ سَرْجِ الدَّابَّةِ.
وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: وُصَاةُ الإمَامِ عَامِلَهُ بالرِّفْقِ بِرَعِيّتِهِ، وأنْ يُحْسِنَ لَهُمْ خُلُقَهُ، وذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ (٢) خُلُقَهُ للنَّاسِ رَفَقَ بِهِمْ، ولَمْ يُؤْذِهِمْ، ولَا تَجَبَّرَ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِينُ الأَخْلَاقِ قَائِدٌ إلى كُلِّ خَيرٍ، والفَظَاظَةُ مَكْرُوهَةٌ، قالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
* قَوْلُ عَائِشَةَ: "ما خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أَمْرَيْنِ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا" [٣٣٥١] , وذَكَرتِ، (٣) الحَدِيثَ إلى آخِرِه، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: رِفْقُ الإنْسَانِ بِنَفْسِهِ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَدِيمُ بهِ العَمَلُ، وإذا حَمَّلَ نَفْسَهُ стр. 727
المَشَقَّةَ (١) رُبَّمَا انْقَطَعَ فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا، وفِيهِ: تَرْكُ الإثْمِ، وتَرْكُ الإثْمِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ، وفِيهِ: العَفْوُ عَنِ النَّاسِ فِيمَا دُونَ الحُدُودِ، وإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وارْتَفَعَتْ إلى الأئِمَّةِ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهَا (٢)، وهَذا كُلُّهُ مِنْ تَحْسِينِ الأَخْلَاقِ.
* قَوْلُهُ ﵇: "مِنْ حُسْنِ أَخْلَاقِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" [٣٣٥٢] , يُرِيدُ: أنَّهُ مَنْ تَرَكَ مَا لا يَعْنِيهِ فَقَدْ حَسُنَتْ أَخْلَاقُهُ، وسَلِمَ صَدْرُهُ، ومَنِ اتَّبَعَ مَا لا يَعْنِيهِ أَضَرَّ بِدِينِه ودُنْيَاهُ.
وهَذا الحَدِيثُ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، [عَنْ عَلِيُّ بنِ حُسَيْنٍ] (٣)، وأَسْنَدَهُ [عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ] (٤) العُمَرِيُّ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ" (٥)، وهَذا الحَدِيثُ هُوَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ الَّتي هِيَ دَعَائِمُ الإسْلَامِ، والحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ : "الدِّينُ النِّصِيحَةُ، للهِ، ولِرَسُولهِ، ولِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ، ولِخَاصَّتِهِمْ" (٦)، والحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ : "الأَعْمَالُ بالنّيَّاتِ، ولِكُلِّ امْرِيٍّ مَا نَوَى" (٧)، والحَدِيثُ الرابع: قَوْلُهُ ﷺ للذِي اخْتَصَرَ لَهُ في الوَصِيَّةِ: "لا تَغْضَبْ". стр. 728
* قالَ عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبيبٍ: كَانَ الرَّجُلُ الذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حينَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ: "بئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ" [٣٣٥٣] عُيَيْنَةَ بنَ بَدْرٍ الفَزَارِيَّ، يَعْنِي: هَذا بِئْسَ الرَّجُلُ (١).
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: في هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: أَلَّا غِيبَةَ في الفَاسِقِ إذا ذُكِرَتْ أَفْعَالُهُ، وقَدْ جَاءَ في غَيْرِ حَدِيثِ مالك: "اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيهِ، كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ" (٢)، وفِي مُحَادَثَةِ النبيِّ ﷺ لذَلِكَ الرَّجُلِ -الذِي قَالَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ: "بئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ" وَضَحِكُهُ مَعَهُ- رُخْصَةٌ في مُجَالَسَةِ مَنْ يُتَقَّى أَذَاهُ، ولا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ، لأَنَّ في ذَلِكَ اسْتِدْفَاعًا لِضُرّهِ، وهَذا كُلّهُ مِنْ تَحْسِينِ الأَخْلَاقِ.
قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: (في صَلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ) [٣٣٥٦] , يَعْنِي: أَنْ يَسْعَى الإنْسَانُ في الصُّلْحِ بَيْنَ مَنِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ، وتَشَتَّتْ أُمُورُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، والسَّعِيّ في هَذا خَيْر مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، ومِنْ صَدَقةِ التَّطَوّعِ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ بالإلْفَةِ، ونَهَى عَنِ الفُرْقَةِ، فَقَالَ [جَلَّ ثَنَاؤُهُ] (٣): ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] , وقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
وقَوْلُ سَعِيدٍ: (وإيَّاكُمْ والبَغْضَةَ، فَإنَّهَا هِيَ الحَالِقَة)، يَعْنِي: أَنَّهَا حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وذَلِكَ أَنَّهَا تُذْهِبُ بالدِّينِ وتُغَيِّرُهُ، ومَنْ أَحَبَّ لأَخِيهِ المُسْلِمِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ: "لِكُل دِينٍ خُلُقٌ" [٣٣٥٩] , يَعْنِي: لِكُلّ دِينٍ شَرِيعَةٌ، "وخُلُقُ الإسْلَامِ الحَيَاءُ"، يَعْنِي: الحَيَاءَ الذِي يَقُودُ إلى خَيْرٍ، ويَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ]. стр. 729
قالَ أَبو عُمَرَ: إلَّا في طَلَبِ العِلْمِ، فإنَّ الحَيَاءَ فِيهِ ضَعْفٌ، والإسْتِكْبَارُ فِيهِ مَذْمُومٌ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: مَا تَعَلَّمَ مُسْتَحِيٌّ، ولَا مُسْتَكْبِرٌ.
قالَ عِيسَى: قَوْلُ الرَّجُلِ للنبيِّ ﷺ : "عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ" [٣٣٦٢] , [يَعْنِي: أَعِيشُ] (١)، وتَصْحَبَنِي الكَلِمَاتُ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "لا تَغْضَبْ"، يُرِيدُ: أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَغْضَبْ حَسُنَتْ أَخْلَاقُهُ، وخَفَّتْ مَؤُونتهُ، وأَحَبَّهُ النَّاسُ.
* قَوْلُهُ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ" [٣٣٦٣] يَعْنِي: لَيْسَ القَوِيُّ مَنْ يُصَارِعُ النَّاسَ فَيَغْلِبُهُمْ، "إنَّمَا القَوِيُّ الذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"، يَعْنِي: يَغْلِبَ نفْسَهُ عِنْدَ غَضَبِهِ، فَيَمْنَعَهَا مِنْ إنْفَاذِ مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ.
* قَوْلُهُ: "إيَّاكُمْ والظَّنَّ" [٣٣٦٧] , يُرِيدُ: إيَّاكُمْ أَنْ يَظُنَّ أَحَدُكُمْ بأَخِيهِ المُسْلِمِ ظَنَّ سُوءٍ إذا كَانَ الخَيْرُ عَلَيْهِ غَالِبًا، ولَا يَسْمَعُ مِنْهُ مَقَالَةَ نَاقِلٍ عَنْهُ قَوْلَ سُوءٍ، "فالظَّنُ أَكْذَبُ الحَدِيثِ"، وقَدْ قَالَ عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (مَنْ عَلِمَ مِنْ أَخِيهِ مُرُوَءةً جَمِيلَةً فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ مَقَالَاتِ الرِّجَالِ، ولا يَقْبَلُ إلَّا مَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ في أُمُورٍ لا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، ومَنْ حَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ فَنَحْنُ [لِسَرِيرَتهِ] (٢) أَرْجَا)، ثُمَّ قَالَ: (ألَّا إنَّ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ أَرْبَعُ أَصَابِعِ)، وَوَضَعَ يَدَيْهِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وعَيْنَيْهِ، فَقَالَ: (الحَقُّ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي، والبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ: سَمِعْتُ بأُذُنَيَّ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الإنْسَانُ في أَخِيهِ إلَّا مَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ) (٣).
* وقَوْلُهُ في حَدِيثِ المُوَطَّأ: "لاتباغضوا" [٣٣٦٦] أَي: لا يُبْغِضْ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، ولَا يُبْغِضْ بَعْضَكُمْ بَعْضًا إلى بَعْضٍ.
"ولَا تَحَاسَدُوا"، يَعْنِي: لا تَتَنَافَسُوا في أُمُورِ الدُّنيا، حَتَّى يَحْسَدَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَيُولِّدُ ذَلِكَ بَيْنَكُم العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ. стр. 730
وقَوْلُهُ: "ولَا تَدَابَرُوا"، يَعْنِي: لا يَعْرِضُ أَحَدُكُمْ عَنْ أَخِيه المُسْلِمُ بِوَجْهِهِ، ويُوَلّيهِ دُبُرَهُ اسْتِثْقَالًا لَهُ، بَلْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبلَهُ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ، ويُحْسِنَ لَهُ خُلُقَهُ، وقالَ ابنُ عُمَرَ: (البِرُّ شَيءٌ هَيِّن، وَجْهٌ طَلِيقٌ، وكَلَامٌ لَيِّنٌ" (١).
وقَوْلُهُ: "ولَا تَجَسَّسُوا"، يَعْنِي: لا يُرْسِلُ أَحَدُكُمْ مَنْ يَسْأَلُ لَهُ عَمَّا يُقَالُ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، والتَّجَسُّسُ -بالجِيمِ-: البَحْثُ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ، وسُوءُ الظَّنِّ بِهِم.
وقَوْلُهُ: "لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ" [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذا حَدٌّ مَوقُوتٌ في مُهَاجَرَةِ الرَّجُلِ أَخَاهُ، ومَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الغِلِّ الذِي لا يَحِلُّ إلَّا في أَهْلِ البدَعِ، أَو مَنْ يُجَاهِرُ بالكَبَائِرِ لا يَسْتَحِي مِنَ اللهِ [جَلَّ وَعَزَّ] ولَا مِنَ النَّاسِ، أو ظَالَمٌ يَظْلِمُ النَّاسَ لا يُرَاقِبُ الله [جَلَّ وَعَزَّ] فِيهِم، فَهُجْرَانُ هَؤُلَاءِ مُبَاحٌ، وتَرْكُ مُجَالَسَتِهِم وَاجِبَةٌ، ولَا غِيبَةَ فِيهِم.
قِيلَ لِمَالِكٍ: الرَّجُلُ يَهْجُرُ أَخَاهُ ثُمَّ يَبْدُوَ لَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِكَلَامِهِ، فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا لَهُ لَمْ [يَتَبَرَّءْ] (٢) مِنَ الشَّحْنَاءِ حَتَّى يُكَلِّمَهُ، ويُسْقِطَ مَا كَانَ مِنْ هُجْرَانهِ أَخَاهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: وهَذا في غَيْرِ الفَاسِقِ المُعْلِنِ الفِسْقَ الذِي لا يَقْبَلُ المَوْعِظَةَ إذا وُعِظَ، فَهُجْرَانُ هَذا مُبَاحٌ، ولَا غِيبَةَ فِيهِ إذا ذُكِرَتْ أَفْعَالُهُ.
* وقَوْلُهُ: "اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا" [٣٣٦٩] يَعْنِي: اتْرُكُوا هَذَيْنِ المُتَصَارِمَيْنِ غَيْرَ مَغْفُورٍ لَهُمَا حَتَّى يَرْجِعَا عَنْ هُجْرَانِهِمَا، فإذا كَانَ الهُجْرَانُ مَانِعًا للغُفْرَانِ لَمْ يَنْبَغِ للمُسَلِّمَيْنِ أَنْ يَتَمَادَيا فِيهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
* * * стр. 731
تَفْسِيرُ أَبْوَابِ اللّبَاسِ والإنْتِعَالِ
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَدْرَكَ زيدُ بنُ أَسْلَمَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وحَدِيثُهُ عَنْهُ مُرْسَلٌ في المُوَطَّأ [٣٣٧٣].
قالَ أَبو عُمَرَ: مَعْنَى كَسْرِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ للقِثَّاءِ الذِي وَضَعَهُ بَيْنَ يَدِي النبيِّ ﷺ لِكَيْ يُرِيهِ أَنَّهُ للأَكْلِ وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وحُكْمُ مَنْ وَضَعَ بَيْنِ يَدِي ضَيْفِه خَبْزًا أَنْ يُكَسِّرَهُ لِكَي يَرَى الضَّيْفُ أنَّهُ للأَكْلِ وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: ومَعْنَى قَوْلِ النبيِّ ﷺ لِجَابِرٍ: "مَنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذا الجِرْو قِثَّاءً "، وسُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اسْتَغْرَبَهُ في ذَلِكَ المَكَانِ الذِي كَانُوا فِيهِ، ولَمْ يَرِدْ بِسُؤَالهِ لَهُ عَنْهُ هَلْ هُوَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ مِنْ حَرَامٍ؟ وحُكْمُ مَنْ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ أنْ يَأْكَلَ إذا احْتَاجَ إلى الأَكْلِ ولَا يَسْأَلُ، إلَّا أنْ يَكُونَ الذِي وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ خَبِيثَ المَكْسَبِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ.
وكَرِهَ النبيُّ ﷺ لِمَنْ يَجِد الثِّيَابَ أَنْ يَلْبَسَ الخَلِقَ، ولا سِيَّما عِنْدَ مُلَاقَاةِ العَدُوِّ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ [سُبْحَانَهُ] (١) المُسْلِمِينَ أَنْ يَعُدُّوا للمُشْرِكِينَ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ، وَلِذَلِكَ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ حِينَ خَلَعَ عَنْهُ الخَلِقَ ولَبسَ مَا تَجَمَّلَ بهِ فاسْتُجِيبَ دُعَاؤُهُ [فِيهِ] (٢)، وقُتِلَ في سَبِيلِ [اللهِ جَلَّ وعَزَّ] (٣) شَهِيدًا.
* قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (إذا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) [٣٣٧٥] стр. 732
يَعْنِي: إذَا أَوْسَعُ اللهُ [جَلَّ وَعَزَّ] عَلَيْكُمْ في الحَلَالِ فَأَوْسِعُوا مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ في اللِّبَاسِ وغَيْرِه، وعَلَى أَهْلِيكُمْ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَرَفًا.
وقَوْلُهُ: (جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ)، قالَ ابنُ وَهْبٍ: هُوَ أَنْ يَلْبَسُ الرَّجُلُ ثَوْبَيْنِ في الصَّلَاةِ، ويُنَقِّيهُمَا مِنَ الوَسَخِ، وصَلَاةُ الرَّجُلِ في ثَوْبَيْنِ مَأْمُورٌ بهِ، وصَلَاتُهُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ رُخْصَةٌ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فقَالَ: "أَولِكُلِكُمْ ثَوْبَانِ؟ " (١)، فأَجَازَ ذَلِكَ عِنْدَ العَدَمِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَجَازَ مَالِكٌ للرَّجُلِ (٢) لِبَاسَ المَلَاحِفِ (٣) المُعْصَفَّرَةِ في البيُوتِ وفِي أَفْنِيةِ الدُّورِ، وكَرِهَ لِبَاسَهَا في المَحَافِلِ، وعِنْدَ الخُرُوجِ إلى الَأَسْوَاقِ.
وفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَبْسِ القَسِيِّ، وعَنِ المُعْصَفَّرِ" (٤)، فَلِهَذا الحَدِيثِ كَرِهَ [مَالِكٌ] (٥) لِبَاسَ المُعَصَّفَرِ مِنَ الثِّيَابِ في مَحَافِلِ الرّجَالِ.
...........................................................................
.................................................................. (٦)
* * * стр. 733
[تَفْسِيرُ كِتَابِ صِفَةِ النبيِّ ﷺ -] (١)
* قالَ أَنسَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ليْسَ بالطَّوِيلِ البَائِنِ"، يَعْنِي: لَمْ يَكُنْ بالطَّوِيلِ المُتَفَاوِتِ، وَلَمْ يَكُنْ بالقَصِيرِ، كَانَ رَبع القَامَةِ.
* وقَوْلُهُ: "ولَيْسَ بالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ"، يَعْنِي: لَمْ يَكُنْ بالشَّدِيدِ البَيَاضِ الذِي يَتَوَهَّمُهُ النَّاظِرُ إليهِ بَرَصَاً مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ، وكَانَ بَيَاضَهُ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ.
"ولَمْ يَكُنْ بالآدَمِ"، يَعْنِي: لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ السُّمْرَةِ.
"ولَا بالجَعْدِ القَطَطِ"، يَعْنِي: الشَّدِيدَ الجُعُودَةِ.
"ولَا بالسَّبِطِ"، يَعْنِي: لَمْ يَكُنْ مُرْسَلَ الشَّعْرِ، كَانَ وَسَطَ الخِلْقَةِ ﷺ .
وَوَصَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ ﷺ بالصُّورَةِ الَّتي خَلَقَهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَرَأَهُ يَطُوفُ بالبَيْتِ، وهَذِه رُؤْيَةُ حَق، لأَنَ الشَيَاطِينَ لَا تَتَمَثَّلُ في صُورَةِ الأَنْبيَاءِ، ولَا شَكَّ في أَنَّ عِيسَى ﷺ في السَّمَاءِ، وَهُوَ حَيٌّ، ويَفْعَلُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ في خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ.
وقِيلَ لِعِيسَى ﷺ المَسِيحُ مِنْ أَجْلِ سِيَاحَتِهِ في الأَرْضِ.
* وَوَصَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ بِصُورَتهِ، ودَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الدَّجَّالَ يدخلُ مَكَّةَ، ولَيْسَ يدخلُ المَدِينَةَ؛ لأن المَلاَئِكَةَ الذينَ عَلَى أَنْقَابِهَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ دُخُولهَا. стр. 734
وقَوْلُهُ في الدَّجَّالِ: "كأنَّ عَينَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ"، قَالَ الأَخْفَشُ: يَعْنِي كَأَنَّهَا عَنَبَةٌ قَدْ طَفَتْ وامْتَلأَتْ وبَرَزَتْ.
وقالَ غَيْرُهُ: "كَأَنَّها عَنَبَةٌ طَافِيَةٌ"، يَعْنِي: قَدْ ذَهَبَ ضَوْئُهُا وتَغَيَّضَتْ، ومِنْهُ قِيلَ لَهُ: المَسِيحُ، لأَنَّهُ مَمْسُوحُ العَيْنِ.
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: أَوْقَفَ مَالِكٌ حَدِيثَ أَبي هُرَيْرَةَ: "خَمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ"، إلَّا أَنَّهُ يدخلُ في المُسْنَدَاتِ، لِقَوْلهِ: "الفِطْرَةِ" وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتي سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ"، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ (١).
الخِتَانُ سُنَّة في الرِّجَالِ، وأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ إبْرَاهِيمُ ﷺ .
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبيبٍ: أَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ ﷺ ، فَسَأَلَ الله -جَلَّ وَعَزَّ- عَنْ مَعْنَى الشَّيْبِ، فَأَوْحَى اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- إليهِ أَنَّهُ وَقارٌ (٢).
وكَرِهَ مَالِكٌ حَلْقَ الشَّارِبِ كُلَّهُ وعَابَهُ، ورَأَهُ مُثْلَةً، وقَدْ كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب ﵀ عَلَيْهِ- إذا أَكْرَبَهُ أَمْرٌ فتَلَ شَارِبَهُ، ولَوْ كَانَ مَحْلُوقَاً مَا وَجَدَ مَا يَفْتِلُ مِنْهُ (٣).
* * * стр. 735
بابُ الأَكلِ بالشِّمَالِ، والطَّعَامِ،
والشَّرَابِ، والعَمَلِ في ذَلِكَ
مَعْنَى كَرَاهِيةِ النبي ﷺ عَنْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أو يَشْرَبَ بِشِمَالِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ، ولَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَثِلَ شَيءٌ مِنْ فِعْلِهِ، فَاليَدُ اليُمْنَى للأَكْلِ والشُّرْبِ والمُنَاوَلةِ، واليُسْرَى للإسْتِنْجَاءِ وشِبْهِ ذَلِكَ.
* قَوْلُ النبيّ ﷺ : "رُدُّوا المِسكِينَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" (١) ...........................................................................
...........................................................................
..........................................................................
.......................................................
[قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: (لَقْدْ سَمِعْتُ صَوْتَ] (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَعِيفَاً أَعْرِفُ فِيهِ الجُوُعَ)،فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إجَازَةِ الشَّهادَةِ عَلَى الصَّوْتِ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلْحَقَهُ مِنْ أَلَمِ الجُوُع مَا يَلْحَقُ البَشَرِ مِنْ ضَعْفِ الصَّوْتِ، وَضَعْفِ البَدَنِ، وقَدِ اسْتَعَاذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الجُوعِ، وقَالَ: "إنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ" (٣)، стр. 736
فَوَجَّهَتْ حِينَئِذٍ أُمُّ [سُلَيْمٍ] (١) أَقْرَاصَاً مِنْ شَعِيرٍ لَقتْهَا بِبَعْضِ خِمَارِهَا، وأَعْطَتْهَا أَنسَ بنَ مَالِكٍ، وطَرَحَتْ فَصْلَةَ الخِمَارِ عَلَى ظَهْرِ أَنسٍ.
فِفِي هَذا مِنَ الفِقْهِ: سَدُّ الرَّجُلِ خَلَّةَ أَخِيهِ إذا عَلِمَ مِنْهُ حَاجَةً نزلَتْ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَسْألهُ ذَلِكَ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ.
وعَلِمَ النبيُّ ﷺ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ ميَسُرّهُ مَسِيرَهُ إليهِ هُوَ وأَصْحَابُهُ، ولِذَلِكَ لاَقَاهُ أَبو طَلْحَةَ مَسْرُورَاً بهِ وبأصْحَابِهِ، ولَيْسَ العَمَلُ عَلَى ظَاهِرِ هَذا، مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذا لَا يَحْتَمِلَهُ كُل النَّاسِ، ولِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دُعِيَ إلى طَعَامِ وَلِيمَةٍ أَو غَيْرِهَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ، إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَرّ ذَلِكَ صَاحِبُ الوَليمَةِ أَمْ لَا.
قالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: (ادْعُ مَنْ لَقِيتَ)، فَمُبَاحٌ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرَ (٢).
وَفْي حَدِيثِ أَبي طَلْحَةَ البَرَكَةُ في الثَّرِيدِ، لِفِعْلِهِ ذَلِكَ ﷺ ، وفِيهِ: إبَاحَةُ أَكْلِ الطَّعَامِ المَأدُومِ، والأَكلُ حَتَّى يَشْبَعُ الإنْسَانُ، وأن لا يَجْلِسَ عَلَى مَائِدَةِ الطَّعَامِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ إذا كَانُوا جَمَاعَةً، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ "ائدنْ لِعَشَرَةٍ"، وظَهَرَتْ بَرَكَةُ النبيِّ ﷺ في هَذا الطَّعَامِ اليَسِيرِ حَتَّى شَبِعَ مِنْهُ العَدَدُ الكَثيرُ، وهَذا مِنْ عَلاَمَاتِ نبوَّتهِ ﷺ .
قالَ أَبو عُمَرَ: وذُكِرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أكلَ آخِرَ القَوْمِ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ.
* قَوْلُهُ ﷺ : "طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ"، يَعْنِي: أَنَّهُ مَا يَشْبَعُ مِنْهُ اثْنَانِ مِنَ الطَّعَامِ يَكْفِي ثَلاَثَةَ رِجَالٍ، وَيرْوَى عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ هَمَّ في سَنَةِ مَجَاعةٍ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَهُمْ عَلَى سَبيلِ المُوَاسَاةِ، وقَالَ: (إنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ قُوتهِ) (٣). стр. 737
* قَوْلُهُ ﷺ : "أَوْكوا السِّقَاءَ"، يَعْنِي: أَرْبِطُوا فَمَ قِرْبَةَ المَاءِ بالوِكَاءِ، والوِكَاءُ: الخَيْطُ الذِي يُرْبَطُ بهِ فَمُ القِرْبَةِ.
وقَوْلُهُ: "خَمِّرُوا الإنَاءَ"، يَعْنِي: غَطُّوا إنَاءَ المَاءِ إذا كَانَ فِيهِ المَاءُ بِخِرْقَةٍ أَو غَيْرِهَا، والتَّخْمِيرُ: التَّغْطِيَةُ.
وقَوْلُهُ: "أَغْلِقُوا البَابَ"، يَعْنِي: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ البِيُوتِ إذا نِمْتُمْ باللَّيْلِ.
"وأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ"، يَعْنِي عِنْدَ النَّوَمِ، "فَإنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقَاً، ولَا يَحِلُّ وِكلاءً، ولَا يَكْشِفُ إنَاءً"، وأَمَرَ بإطْفَاءِ المَصَابِيحَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الفَأْرَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الفَتِيلَةَ مِنَ القِنْدِيلِ وَهِيَ مَوْقُودَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً لِحَرْقِ البَيْتِ، وقَدْ عُرِضَ مِثْلُ هَذا بالمَدِينَةِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَباً لِحَرْقِ البَيْتِ ومَا كَانَ دَاخِلُهُ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ في الضَّيْفِ: "جَائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ"،يَعْنِي: يُكْرِمُهُ ضَيْفُهُ بأَطْيَبِ طَعَامِهِ يَوْمَاً ولَيْلَةً، ثُمَّ يُقَدِّمُ إليهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ عِنْدَهُ.
* قالَ: "والضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيام، ومَا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ"، فَلَا يَسْتَبِيحُ أَكْلَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الأيَّام إلَّا مَنْ تحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ.
قالَ ابنُ وَضاحٍ: قَالَ سَحْنُونُ: إنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ القُرَى، وأَمَّا في الحَضَرِ فالفِنْدِقُ يَنْزِلُ فِيهِ [المُسَافِرُ] (١).
قَالَ أَبو عُمَرَ: مِنْ مَكَارِم الأخْلاَقِ أَنْ يَضِيفَ الإنْسَانُ صَدِيقَهُ في بَادِيةٍ كَانَ أَو حَاضِرَةٍ، وقَدْ حَضَّ عَلَى الضِّيَافَةِ خِيَارُ النَّاسِ، وسَلَفُ الأُمَّةِ.
وقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرُ في قَوْلهِ ﵎: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، أَنَّهَا نَزَلَتْ في الضيَافَةِ، وَهُوَ أنْ يَقُولَ مَنْ نَزَلَ عَلَى стр. 738
صَدِيقِهِ فَلَمْ يُحْسِنْ ضِيَافتَهُ: إنَّ فُلاَناً قَصَّرَ في أَمْرِي، فأبيحَ لَهُ القَوْلُ فِيهِ ومَلاَمَتِهِ (١).
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ] (٢): في حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ حِينَ بَعَثَهُ النبيُّ ﷺ في جُمْلَةِ السَّرِيَّةِ الَّتي وَجَّهَهَا قِبَلِ السَّاحِلِ، مِنَ الفِقْهِ: مُوَاسَاةُ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بَعْضَاً عِنْدَ عَدَمِ الأَقْوَاتِ، ونَظَرُ الإمَامِ في ذَلِكَ، وفِيهِ إبَاحَةُ أَكْلِ مَا رَمَى بهِ البَحْرُ مَيْتَاً مِنْ دَوَابِّهِ.
وقَالَ أَبو عُمَرَ: لَمْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ الحُوتَ المَيَّتَ عَلَى وَجْهِ مَا تُؤْكَلُ عَلَيْهِ المَيْتَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إليهَا، وذَلِكَ أَنَّهُمْ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ الحُوتِ أيَّامَاً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، والمُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ إنَّمَا يأْكُلُ مِنْهَا ثُمَّ يَنتقِلُ عَنْهَا بطَلَبِ المُبَاحِ مِنَ القُوتِ، وقدْ قَالَ ﷺ في البَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣).
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عِيسَى ﷺ لأصْحَابهِ: "عَلَيْكُمْ بالمَاءِ القَرَاحِ"، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِشُرْبِ المَاءِ الذِي لَا يُخَالِطُهُ شَرَابٌ غَيْرُهُ.
"والتقْلُ البَرِّيِّ"، يَعْنِي: البَقْلَ الذِي تُنْبِتُهُ الأَرْضُ بِغَيْرِ مَؤُنَةٍ ولَا زِرَاعَةٍ.
وقَوْلُهُ في خُبْزِ البُرِّ: "لَنْ تَقُومُوا بشُكْرِه"، يَعْنِي: لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِ النَّعِيمِ في الدُّنيا فَخُذُوا مِنْهَا بالقَصْدِ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: هَذا في شَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ لا في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لأَنَّ الله ﵎ أَبَاحَ [لهذه] (٤) الأُمَّةِ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الحَلاَلِ، وقَدْ أَكَلَ النبيُّ ﷺ عِنْدَ أبي الهَيْثَمِ بنِ التَّيْهَانِ الخُبْزَ، واللَّحْمَ، وشَرِبَ الماءَ العَذْبِ، ثُمَّ стр. 739
قَال لأَصْحَابهِ الذِين أَكَلُوا مَعَهُ: "لَتسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ"، يَعْنِي: تَسْأَلُونَ عَنْهُ سُؤَالَ امْتِنَانٍ، لَا سُؤَالَ حِسَابٍ، ولا سُؤَالَ مُنَاقَشَةٍ.
قالَ أَبو عُمَرَ: أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذا الحَدِيثَ في كِتَابِ الجَامِعِ في إثْرِ حَدِيثِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ ﷺ ، لِكَيْ يُرِي النَّاسَ تَوْسِعَةَ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- عَلَى هَذِه الأُمَّةِ في أَكْلِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ.
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: في قَوْل النبيِّ ﷺ لأَبي الهَيْثَمِ حِينَ هَمَّ بِذَبْحِ الشَّاةِ، فَقَالَ لَهُ: "نكبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ"، يَعْنِي: اتْرُكْ ذَبْحَ ذَاتِ اللَّبَنِ.
فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: تَرْكُ ذَبْحِ ذَوَاتِ اللَّبَنِ الَّتي يَعِيشُ أَهْلُهَا مِنْ لَبَنِهَا، وفِيهِ أَيْضَاً: قُصُودُ الإخْوَانِ إلى أَبْيَاتِ إخْوَانِهِمْ كلِ طَعَامِهِمْ عِنْدَ الحَاجَةِ إلى الطَّعَامِ، وفِيهِ: إكْرَامُ الرَّجُلِ زُوَّارَهُ بأَطْيَبَ طَعَامِهِ، وهَذا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَصِلَةِ الإخْوَانِ بَعْضَهُمْ بَعْضَاً.
* قالَ أَبو عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ أَكُولاً، ولَذِلَكَ أَكَلَ الصَّاعَ مِنَ التَّمْرِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ طَعَامَاً قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَضَرَّ بهِ الجُوُعُ.
[قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: التَّمْرُ إذا نُزِعَ نَوَاهُ ذَهَبَ نِصْفُهُ، وإنَّمَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ الصَّاعِ الذِي وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ نِصْفُ الصَّاعِ، وفِي أَكْلِ عُمَرَ لِجَمِيعِه في مَرَّة وَاحِدَةٍ مِنَ الفِقْهِ: إبَاحَةُ الشِّبَعِ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ إذا كَانَ مِنْ حَلاَلٍ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ عُمَرَ للَّذِي أَكَلَ مَعَهُ الخُبْزَ بالسَّمِنِ: (كأنَّكَ مُقْفِرٌ، يَعْنِي بالمُقْفَرِ: الذِي لَا شَيءَ لَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ سَمْنَاً ولَا أَكْلاً عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ في حَاجَةٍ، فَقَالَ: (لَا آكُلُ سَمْنَاً حَتَّى يَحيَا النَّاسُ)، يَعْنِي: حَتَّى يُغَاثُ النَّاسُ بالحَيَا والخَصْبِ، وأَرَادَ بِهَذا عُمَرُ أنْ يُشَارِكَ النّاسَ في ضِيقِ عَيْشِهِمْ، وهَكَذا يَفْعَلُ [أَهْلُ] (١) العَدْلِ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: أَكْلُ الجَرَادِ مُبَاحٌ، ولِذَلِكَ قَا" عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ حِينَ стр. 740
سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: (وَدِدتُ أَنَّ عِنْدَنا قَفْعَة نَأكُلُ مِنْهُ) يَعْنِي: لَيْتَ عِنْدَنا قَفَّة مَمْلُوئَةً مِنْ جَرَادٍ نأكُلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ الجَرَادُ إلَّا بِذَكَاة، لأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَرِّ الذِي يَتَولَّدُ فِيهِ، وذَكَاتُهُ قَطْعُ أَرْجُلِهِ وأَجْنِحَتِهِ، أَو يُسْوَى في النَّارِ وَهُوَ حَيٌّ، فإن مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْنَعَ بهِ شَيءٌ مِنْ هَذا لَمْ يُؤْكَلْ لأَنَّهُ مَيْتَةٌ.
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ حِينَ بَعَثَ إلى أُمِّه في الطَّعَامِ الذِي أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ بهِ زُوَّارَهُ، فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: إكْرَامُ الرَّجُلِ إخْوَانَهُ الذِينَ يَزُورُونه بِطَعَامِهَ، وأن لا يَحْتَقِرَ الإنْسَانُ شَيْئَاً يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ إخْوَانِهِ، وَتَرْكُ القَوْمِ الأَكْلَ إذا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إلى الطَّعَامِ، وشُكْرُ اللهِ -جَلَّ وَعَزَّ- عِنْدَ تَوَسُّعِهِ عَلَى العَبْدِ بِنِعْمَةٍ، لِقَوْلِ أَبي هُرَيْرَةَ: (الحَمْدُ للهِ الذِي أَشْبَعَنا مِنَ الخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامَنَا إلَّا الأَسْوَدَيْنِ التَّمْرَ والمَاءَ)، وإنَّمَا قَالَ: (الأَسْوَدَانِ) والمَاءُ لَيْسَ بأَسْوَدَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، فَغَلَبَ أَحُدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، كَمَا قِيلَ: (سُنَّةُ العُمَرَيْنِ) يَعْنُونَ سُنَّةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵄.
وقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ في الغَنَمِ: (امْسَحْ الرُّعَامَ عَنْهَا)، يَعْنِي: امْسَحْ مُخَاطَهَا.
وقَوْلُهُ: (أَطِبْ مَرَاحَهَا)، يَعْنِي: نَظِّفِ المَوْضِعَ الذِي تَرُوحُ إليه، وتَأْوِي فِيهِ.
(فإنَّهَا مِن دَوَابِّ الجَنَّةِ)، يَعْنِي: هِيَ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ، قالَ اللهُ -جَلَّ وَعَزَّ- في أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] يَعْنِي بهِ: لَحْمَ الضَّأنِ.
و (الثَّلَّةُ مِنَ الغَنَمِ) هِيَ: القَلِيلَةُ مِنَ العَدَدِ، والثُّلَّةُ -بِرَفْعِ الثَّاءِ- الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ.
وقَوْلُ أَبي هُرَيْرَةَ: (لَيَأتِيَنَّ عَلَىِ النَّاسِ زَمَان يَكُونُ فِيهِ الثَّلَّةُ مِنَ الغَنَم خير مِنْ دَارِ مَرْوَانَ)، يَعْنِي: أنَّ الزَّمَانَ يَتَغيَّرُ بِتَغَيِّر أَهْلِهِ، وَيَشْتَدُّ الحَالُ حَتَّى يَكونَ حَالُةُ الفَارِّ بِدِييهِ المُسْتَغْنِي بالغَنَمِ اليَسِيرَةِ خَيْرٌ مِنْ حَالَةِ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، ولَمْ يَكُنْ أَبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ هَذَا إلَّا بِعِلْمٍ سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ ﷺ .
* [قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ]: قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ للَّذِي سَأَلهُ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ لَبَنِ يَتيمِهِ،
следующие страницы →