Полный текст (734 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
بإسلام، أو ناشئ ببادية بعيدة، (أو أكرهت
المرأة) المزني بها (على الزنا) فلا حد، وكذا ملوط به أكره بإلجاء، أو تهديد، أو منع طعام، أو شراب مع إضرار فيهما.
الشرط (الثالث: ثبوت الزنا ولا يثبت) الزنا (إلا بأحد أمرين: أحدهما: أن يقر به) أي بالزنا مكلف ولو قنا (أربع مرات) لحديث ماعز، وسواء كانت الأربع (في مجلس، أو مجالس، و) يعتبر أن (يصرح) بذكر (حقيقة الوطء) فلا تكفي الكناية لأنها تحتمل ما لا يوجب الحد، وذلك شبهة تدرأ الحد، (و) يعتبر أن (لا ينزع) أي يرجع (عن إقراره حتى يتم عليه الحد) ، فلو رجع عن إقراره، أو هرب كف عنه، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعا فأنكر أو صدقهم دون أربع فلا حد عليه ولا عليهم.
الأمر (الثاني) مما يثبت به الزنا (أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه) ، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في المكحلة والرشأ في البئر، لأن النبي ﷺ لما أقر عنده ماعز، قال له: «أنكتها لا تكني؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشأ في البئر؟ قال: نعم» ، وإذا اعتبر التصريح في الإقرار، فالشهادة أولى (أربعة) فاعل يشهد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] ويعتبر أن يكونوا (ممن تقبل شهادتهم فيه) أي في الزنا بأن يكونوا رجالا عدولا ليس فيهم من به مانع من عمى أو زوجية، (سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين) ، فإن شهدوا في مجلسين
стр. 667
فأكثر، أو لم يكمل بعضهم الشهادة، أو قام به مانع حدوا للقذف، كما لو عين اثنان يوما، أو بلدا، أو زاوية من بيت كبير، وآخران آخر. (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك) الحمل، ولا يجب أن تسأل، لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة الفاحشة، وذلك منهي عنه، وإن سئلت وادعت أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا أربعا لم تحد، لأن الحد يدرأ بالشبهة.
[باب حد القذف]
. وهو الرمي بزنا أو لواط، (إذا قذف المكلف) المختار ولو أخرس بإشارة (محصنا) ولو مجبوبا، أو ذات محرم، أو رتقاء (جلد) قاذف (ثمانين جلدة، إن كان) القاذف (حرا) ؛ لقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (وإن) كان القاذف (عبدا) ، أو أمة ولو عتق عقب قذف جلد (أربعين) جلدة كما تقدم في الزنا. (و) القاذف (المعتق بعضه) يجلد (بحسابه) ، فمن نصفه حر يجلد ستين جلدة، (وقذف غير المحصن) ولو قنه (يوجب التعزير) على القاذف ردعا عن أعراض المعصومين، (وهو) أي حد القذف (حق للمقذوف) فيسقط بعفوه، ولا يقام إلا بطلبه، كما يأتي، لكن لا يستوفيه بنفسه وتقدم. (والمحصن هنا) أي في باب القذف هو: (الحر المسلم العاقل العفيف) عن الزنا ظاهرا ولو تائبا منه، (الملتزم الذي يجامع مثله) وهو ابن عشر وبنت تسع، (ولا يشترط بلوغه) لكن لا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ ويطالب، ومن قذف غائبا لم يحد
стр. 668
حتى يحضر ويطالب، أو يثبت طلبه في غيبته، ومن قال لابن عشرين: زنيت من ثلاثين سنة لم يحد.
(وصريح القذف) قوله: يا زاني يا لوطي، ونحوه) كيا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك، ويا منيوك، ويا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد، (وكنايته) أي كناية القذف (يا قحبة) و (يا فاجرة) و (يا خبيثة) و (فضحت زوجك، أو نكست رأسه، أو جعلت له قرونا، ونحوه) كعلقت عليه أولادا من غيره، أو أفسدت فراشه ولعربي: يا نبطي ونحوه، وزنت يدك، أو رجلك ونحوه، (إن فسره بغير القذف قبل) وعزر كقوله: يا كافر يا فاسق يا فاجر يا حمار ونحوه.
(وإن قذف أهل بلد أو) قذف (جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر) ، لأنه لا عار عليهم به للقطع بكذبه، وكذا لو اختلفا [في أمر] فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية، عزر ولا حد.
стр. 669
(ويسقط حد القذف بالعفو) أي عفو المقذوف عن القاذف، (ولا يستوفي) حد القذف (بدون الطلب) أي طلب المقذوف لأنه حقه كما تقدم، ولذلك لو قال المكلف: اقذفني فقذفه، لم يحد وعزر، وإن مات المقذوف ولم يطالب به سقط، وإلا فلجميع الورثة، ولو عفا بعضهم حد للباقي كاملا، ومن قذف ميتا حد بطلب وارث محصن، ومن قذف نبيا كفر وقتل ولو تاب، أو كان كافرا فأسلم.
[باب حد المسكر]
. أي الذي ينشأ عنه السكر، وهو اختلاط العقل، (كل شراب أسكر كثيره فقليله
حرام، وهو خمر من أي شيء كان) ؛ لقوله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه أحمد وأبو داود. (ولا يباح شربه) أي شرب ما يسكر كثيره (للذة ولا بتداو ولا عطش ولا غيره، إلا لدفع لقمة غص بها ولم يحضره غيره) ، أي غير الخمر، وخاف تلفا لأنه مضطر، ويقدم عليه بول، وعليهما ماء نجس، (وإذا شربه) أي المسكر (المسلم) ، أو شرب ما خلط به ولم يستهلك فيه، أو أكل عجينا لت به (مختارا عالما أن كثيره يسكر، فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية) ، لأن عمر استشار الناس في حد الخمرة، فقال عبد الرحمن: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب
стр. 670
عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة في الشام، رواه الدارقطني وغيره، فإن لم يعلم أن كثيره يسكر فلا حد عليه، ويصدق في جهل ذلك، (و) عليه (أربعون مع الرق) عبدا كان أو أمة، ويعزر من وجد منه رائحتها، أو حضر شربها، لا من جهل التحريم، لكن لا يقبل ممن نشأ بين المسلمين ويثبت بإقرار مرة كقذف، أو بشهادة عدلين. ويحرم عصير غلا وأتى عليه ثلاثة أيام بلياليها، ويكره الخليطان كنبيذ تمر مع زبيب، لا وضع تمر أو نحوه وحده في ماء لتحليته ما لم يشتد أو تتم له ثلاثة أيام.
[باب التعزير]
(وهو) لغة: المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة، لأنه يمنع المعادي من الإيذاء واصطلاحا (التأديب) لأنه يمنع مما لا يجوز فعله، (وهو) أي التعزير (واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه) أي كمباشرة دون فرج. (و) كـ (سرقة لا قطع فيها) لكون المسروق دون نصاب أو
стр. 671
غير محرز، (و) كـ (جناية لا قود فيها) كصفع ووكز، (و) كـ (إتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنا) إن لم يكن المقذوف ولدا للقاذف، فإن كان فلا حد ولا تعزير، (ونحوه) أي نحو ما ذكر، كشتمه بغير الزنا، وقوله: الله أكبر عليك، أو خصمك، ولا يحتاج في إقامة التعزير إلى مطالبة. (ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات) لحديث أبي بردة مرفوعا «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله
تعالى» متفق عليه، وللحاكم نقصه عن العشرة حسب ما يراه، لكن من شرب مسكرا في نهار رمضان حد للشرب، وعزر لفطره بعشرين سوطا، لفعل علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ومن وطئ أمة امرأته حد ما لم تكن أحلتها له، فيجلد مائة إن علم التحريم فيهما، ومن وطء أمة له فيها شرك عزر بمائة إلا سوطا؛
стр. 672
ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف، أو جرح، أو أخذ مال، أو إتلافه. (ومن استمنى بيده) من رجل أو امرأة (بغير حاجة عزر) ، لأنه معصية، وإن فعله خوفا من الزنا فلا شيء عليه إن لم يقدر على نكاح ولو لأمة.
[باب القطع في السرقة]
. وهي أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، (إذا أخذ) المكلف (الملتزم) مسلما كان أو ذميا بخلاف المستأمن ونحوه، (نصابا من حرز مثله من مال معصوم) بخلاف حربي، (لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء قطع) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، ولحديث عائشة «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا» (فلا قطع على منتهب) ، وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة (ولا مختلس) وهو الذي يخطف الشيء ويمر به، (ولا غاصب ولا خائن في وديعة أو عارية أو غيرها) ، لأن ذلك ليس بسرقة، ولكن الأصح أن جاحد العارية يقطع إن بلغت نصابا، لقول ابن عمر «كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها» . رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وقال أحمد: لا أعرف شيئا يدفعه، (ويقطع الطرار) وهو (الذي يبط الجيب، أو غيره، ويأخذ منه) أو بعد سقوطه [إن بلغ] نصابا لأنه سرقه من حرز.
стр. 673
(ويشترط) للقطع في السرقة ستة شروط:
أحدها: (أن يكون المسروق مالا محترما) لأن ما ليس بمال لا حرمة له، ومال الحربي تجوز سرقته بكل حال (فلا قطع بسرقة آلة لهو) لعدم الاحترام (ولا) بسرقة (محرم) كالخمر وصليب وآنية فيها خمر، ولا بسرقة ماء، أو إناء فيه ماء، ولا بسرقة مكاتب وأم ولد ومصحف وحر ولو صغيرا، ولا بما عليهما.
الشرط الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ويشترط) أيضا (أن يكون) المسروق (نصابا،
وهو) أي نصاب السرقة (ثلاثة دراهم) خالصة أو تخلص من مغشوشة (أو ربع دينار) أي مثقال وإن لم يضرب (أو عرض قيمته كأحدهما) أي ثلاثة دراهم، أو ربع دينار فلا قطع بسرقة ما دون ذلك لقوله ﷺ : «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا» رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما، رواه أحمد، (وإذا نقصت قيمة المسروق) بعد إخراجه لم يسقط القطع؛ لأن النقصان وجد في العين بعد سرقتها (أو ملكها) أي العين المسروقة (السارق) ببيع، أو هبة، أو غيرهما (لم يسقط القطع) بعد الترافع إلى الحاكم، (وتعتبر قيمتها) أي قيمة العين المسروقة (وقت إخراجها من الحرز) لأنه وقت السرقة التي وجب بها القطع، (فلو ذبح فيه) أي في الحرز (كبشا) فنقصت قيمته (أو شق فيه ثوبا فنقصت قيمته عن نصاب السرقة ثم أخرجه) من الحرز فلا قطع لأنه لم يخرج من الحرز نصابا (أو أتلف فيه) أي في الحرز (المال لم يقطع) لأنه لم يخرج منه شيئا.
(و) الشرط الثالث: أن يخرجه من الحرز، فإن سرقه من غير حرز) كما لو وجد بابا مفتوحا، أو حرزا مهتوكا (فلا قطع) عليه
стр. 674
(وحرز المال ما العادة حفظه فيه) إذ الحرز معناه الحفظ، ومنه احترز، أي: تحفظ (ويختلف) الحرز (باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه) لاختلاف الأحوال باختلاف المذكورات (فحرز الأموال) أي النقود (والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران) أي الأبنية الحصينة والمحال المسكونة من البلد (وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة) ، والغلق اسم للقفل خشبا كان أو حديدا. وصندوق بسوق وثم حارس حرز (وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما) كقدور طبيخ وخزف (وراء الشرائج) وهي ما يعمل من قصب، أو نحوه يضم بعضه إلى بعض بحبل أو غيره (إذا كان في السوق حارس) لجريان العادة بذلك (وحرز الحطب والخشب والحظائر) جمع حظيرة - بالحاء المهملة والظاء المعجمة - ما يعمل للإبل والغنم من الشجر تأوي إليه فيعبر بعضه في بعض ويربط، (وحرز المواشي الصير) جمع صيرة وهي الحظيرة (وحرزها) أي المواشي (في المرعى بالراعي ونظره إليها غالبا) فما غاب عن مشاهدته غالبا فقد خرج عن الحرز، وحرز سفن في شط بربطها وإبل باركة معقولة بحافظ حتى نائم، وحمولتها بتقطيرها مع قائد يراها ومع عدم تقطير بسائق يراها، وحرز ثياب في حمام ونحوه بحافظ، كقعوده على متاع، وإن فرط حافظ حمام بنوم أو تشاغل ضمن ولا قطع على سارق إذا. وحرز باب ونحوه تركيبه بموضعه
(و) الشرط الرابع: (أن تنتفي الشبهة) عن السارق؛ لحديث «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» (فلا يقطع) سارق (بالسرقة من مال أبيه وإن علا، ولا) بسرقة (من مال ولده وإن سفل) ؛ لأن نفقة كل منهما تجب من مال الآخر (والأب والأم في هذا
стр. 675
سواء) لما ذكر. (ويقطع الأخ) بسرقة مال أخيه (و) يقطع (كل قريب بسرقة مال قريبه) ؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من أحدهما للآخر فلم تمنع القطع (ولا يقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزا عنه) ، روى ذلك سعيد عن عمر بإسناد جيد. (وإذا سرق عبد) ولو مكاتبا (من مال سيده، أو سيد من مال مكاتبه) فلا قطع، (أو) سرق قن أو (حر مسلم) من (بيت المال) فلا قطع، (أو) سرق (من غنيمة لم تخمس) فلا قطع؛ لأن لبيت المال فيها خمس الخمس، أو سرق (فقير من غلة موقوفة على الفقراء) فلا قطع لدخوله فيهم (أو) سرق (شخص من مال له فيه شركة له، أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه) كأبيه وابنه وزوجه ومكاتبه (لم يقطع) للشبهة.
الشرط الخامس: ثبوت السرقة، وقد ذكره بقوله: (ولا يقطع إلا بشهادة عدلين) يصفانها بعد الدعوى من مالك، أو من يقوم مقامه (أو بإقرار) السارق (مرتين) بالسرقة ويصفها في كل مرة لاحتمال ظنه القطع في حال لا قطع فيها (ولا ينزع) أي يرجع (عن إقراره حتى يقطع) ولا بأس بتلقينه الإنكار.
(و) الشرط السادس: (أن يطالب المسروق منه) السارق (بماله) ، فلو أقر بسرقة من مال غائب، أو قامت بها بينة انتظر حضوره ودعواه، فيحبس وتعاد الشهادة.
(وإذا وجب القطع) لاجتماع شروطه (قطعت يده اليمنى) لقراءة ابن مسعود "
стр. 676
فاقطعوا أيمانهما "؛ ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة، (من مفصل الكف) لقول أبي بكر وعمر: [تقطع يمين السارق من الكوع] ، ولا مخالف لهما من الصحابة، (وحسمت) وجوبا بغمسها في زيت مغلي لتسد أفواه العروق فينقطع الدم، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه بترك عقبه وحسمت فإن عاد حبس حتى يتوب وحرم أن يقطع (ومن سرق شيئا من غير حرز ثمرا كان أو كثرا) بضم الكاف وفتح المثلثة طلع الفحال (أو غيرهما) من جمار، أو غيره (أضعفت عليه القيمة) أي ضمنه بعوضه مرتين، قاله القاضي، واختاره الزركشي، وقدم في " التنقيح " أن التضعيف خاص بالثمر والطلع والجمار والماشية، وقطع به في " المنتهى " وغيره، لأن التضعيف ورد في هذه الأشياء على خلاف
القياس، فلا يتجاوز به محل النص، (ولا قطع) لفوات شرطه، وهو الحرز.
[باب حد قطاع الطريق]
. (وهم الذين يتعرضون للناس بالسلاح) ولو عصا أو حجرا (في الصحراء، أو البنيان) أو البحر، (فيغصبونهم المال) المحترم (مجاهرة لا سرقة) ، ويعتبر ثبوته ببينة، أو إقرار مرتين والحرز ونصاب السرقة، (فمن) [أيْ] أيُّ مكلف ملتزم ولو أنثى أو رقيقا (منهم) أي من قطاع الطريق (قتل مكافئا) له (أو غيره) أي غير مكافئ (كالولد) يقتله أبوه، (و) كـ (العبد) يقتله الحر، (و) كـ (الذمي) يقتله المسلم، (وأخذ المال) الذي قتله لقصده (قتل) وجوبا لحق الله تعالى، ثم
стр. 677
غسل وصلي عليه، (ثم صلب) قاتل من يقاد به في غير المحاربة (حتى يشتهر أمره) ولا يقطع مع ذلك، (وإن قتل) المحارب (ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب) ، لأنه لم يذكر في خبر ابن عباس الآتي، (وإن جنوا بما يوجب قودا في الطرف) كقطع يد أو رجل ونحوها (تحتم استيفاؤه) كالنفس، صححه في " تصحيح المحرر "، وجزم به في " الوجيز " وقدمه في " الرعايتين " وغيرهما. وعنه: لا يتحتم استيفاؤه. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وقطع به في " المنتهى " وغيره.
(وإن أخذ كل واحد) من المحاربين (من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق) من مال لا شبهة له فيه، (ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد) وجوبا، (وحسمتا) بالزيت المغلي (ثم خلي) سبيله، (فإن لم يصيبوا نفسا ولا مالا يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا) متفرقين، (فلا يتركوا يأوون إلى بلد) حتى تظهر توبتهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] ، قال ابن عباس ﵄: " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا
стр. 678
من الأرض " رواه الشافعي. ولو قتل بعضهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم، وإن قتل بعض وأخذ المال بعض، تحتم قتل الجميع وصلبهم، (ومن تاب منهم) أي المحاربين (قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان) واجبا (لله) تعالى (من نفي وقطع) يد ورجل (وصلب، وتحتم قتل) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] . (وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال إلا إن يعفى له عنها) من مستحقها. ومن وجب عليه حد سرقة أو زنا أو شرب فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم سقط ولو قبل إصلاح عمل.
(ومن صال على نفسه أو حرمته) كأمه وبنته وأخته وزوجته، (أو مال آدمي أو بهيمة فله) أي للمصول عليه (الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) ، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب لعدم الحاجة إليه، (فإن لم يندفع) الصائل (إلا بالقتل فله) أي للمصول عليه (ذلك) أي قتل الصائل (ولا ضمان عليه) ، لأنه قتله لدفع شره، (وإن قتل) المصول عليه (فهو شهيد) لقوله ﷺ : «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد» رواه الخلال، (ويلزمه الدفع عن نفسه) في غير فتنة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وكذا يلزمه الدفع في غير فتنة عن نفس غيره، (و) عن (حرمته) وحرمة غيره
стр. 679
لئلا تذهب الأنفس (دون ماله) ، فلا يلزمه الدفع عنه ولا حفظه عن الضياع والهلاك، [فإن فعل فلا ضمان عليه] (ومن دخل منزله رجل متلصصا فحكمه كذلك) أي يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإن أمره بالخروج فخرج لم يضربه وإلا فله ضربه بأسهل ما يندفع به، فإن خرج بالعصا لم يضربه بالحديد، ومن نظر في بيت غيره من خصاص باب مغلق ونحوه فحذف عينه أو نحوها فتلفت فهدر، بخلاف مستمع قبل إنذاره.
[باب قتال أهل البغي]
. أي الجور والظلم والعدول عن الحق (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة) - بفتح النون - جمع مانع كفسقة وكفرة، وبسكونها بمعنى امتناع يمنعهم - (على الإمام بتأويل سائغ) ولو لم يكن فيهم مطاع (فهم بغاة) ظلمة، فإن كانوا جمعا يسيرا لا شوكة لهم، أو لم يخرجوا بتأويل، أو خرجوا بتأويل غير سائغ فقطاع طريق، ونصب الإمام فرض [كفاية] ، ويجبر من تعين لذلك، وشرطه أن يكون حرا ذكرا عدلا قرشيا عالما كافيا ابتداء ودواما.
(و) يجب (عليه) أي على الإمام (أن يراسلهم) أي البغاة، (فيسألهم) عن (ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، والإصلاح إنما يكون بذلك، فإن كان ما ينقمون منه مما لا يحل أزاله، وإن كان
حلالا لكن التبس عليهم فاعتقدوا أنه مخالف للحق، بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه، (فإن فاءوا) أي رجعوا عن البغي وطلب القتال تركهم، (وإلا) يرجعوا (قاتلهم) وجوبا، وعلى رعيته معونته، ويحرم قتالهم بما يعم إتلافهم كمنجنيق ونار إلا لضرورة وقتل ذريتهم
стр. 680
ومدبرهم وجريحهم ومن ترك القتال، ولا قود بقتلهم بل الدية، ومن أسر منهم حبس حتى لا شوكة ولا حرب، وإذا انقضت فمن وجد منهم ماله بيد غيره أخذه، وما تلف حال حرب غير مضمون، وإن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يخرجوا عن قبضة الإمام لم يتعرض لهم، وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل. (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو) طلب (رياسة فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة) من الطائفتين (ما أتلفت على الأخرى) قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفتين وإن لم يعلم عين المتلف، ومن دخل بينهما بصلح فقتل وجهل قاتله وما جهل متلف ضمنتاه على السواء.
[باب حكم المرتد]
. (وهو) لغة: الراجع، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] واصطلاحا: (الذي يكفر بعد إسلامه) طوعا ولو مميزا، أو هازلا بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل (فمن أشرك بالله) تعالى كفر لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ، (أو جحد ربوبيته) سبحانه، (أو) جحد (وحدانيته، أو) جحد (صفة من صفاته) كالحياة والعلم كفر، (أو اتخذ لله) تعالى (صاحبة أو ولدا، أو جحد بعض كتبه، أو) جحد بعض
стр. 681
(رسله، أو سب الله) سبحانه، (أو) سب (رسوله) أي رسولا من رسله، أو ادعى النبوة، (فقد كفر) ، لأن جحد شيء من ذلك كجحده كله، وسب أحد منهم لا يكون إلا من جاحده. (ومن جحد تحريم الزنا أو) جحد (شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها) أي على تحريمها، أو جحد حل خبز ونحوه مما لا خلاف فيه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس، أو حكما ظاهرا مجمعا عليه إجماعا قطعيا (بجهل) أي بسبب جهله وكان ممن يجهل مثله ذلك، (عرف) حكم (ذلك) ليرجع عنه، وإن أصر و (كان مثله لا يجهله كفر) لمعاندته للإسلام وامتناعه من التزام أحكامه، وعدم قبوله لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة، وكذا لو سجد لكوكب ونحوه، أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين أو امتهن القرآن، أو أسقط حرمته لا من حكى كفرا سمعه وهو لا يعتقده
[فصل فيمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار]
فصل (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار رجل، أو امرأة دعي إليه) أي إلى الإسلام (ثلاثة أيام) وجوبا، (وضيق عليه) ، وحبس لقول عمر ﵁: " فهلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه كل يوم رغيفا وأسقيتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني " رواه مالك في " الموطأ " ولو لم تجب الاستتابة لما برئ من فعلهم، (فإن) أسلم لم يعزر، وإن (لم يسلم قتل بالسيف) ، ولا يحرق بالنار لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوه بعذاب الله - يعني النار» أخرجه البخاري وأبو داود، إلا رسول كفار، فلا يقتل
стр. 682
ولا يقتله إلا إمام أو نائبه ما لم يلحق بدار حرب فلكل أحد قتله وأخذ ما معه.
(ولا تقبل) في الدنيا (توبة من سب الله) تعالى، (أو) سب (رسوله) سبا صريحا، أو تنقصه، (ولا) توبة (من تكررت ردته) ، ولا توبة زنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، (بل يقتل بكل حال) ، لأن هذه الأشياء تدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام، ويصح إسلام مميز يعقله وردته، لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد البلوغ ثلاثه أيام.
(وتوبة المرتد) إسلامه (و) توبة (كل كافر إسلامه بأن يشهد) المرتد أو الكافر الأصلي (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) لحديث ابن مسعود «أن النبي ﷺ دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ حتى أتى عل صفة النبي ﷺ وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي ﷺ : آووا أخاكم» رواه أحمد. (ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه) كتحليل حرام، أو تحريم حلال، أو جحد نبي، أو كتاب، أو رسالة محمد ﷺ إلى غير العرب، (فتوبته مع) إتيانه بـ (الشهادتين إقراره بالمجحود به) من ذلك، لأنه كذب الله سبحانه بما اعتقده من الجحد، فلا بد في إسلامه من
стр. 683
الإقرار بما جحده. (أو قوله: أنا) مسلم أو (بريء من كل دين يخالف دين الإسلام) ، ولو قال كافر: أسلمت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن، صار مسلما وإن لم يلفظ
بالشهادتين، ولا يغني قوله: محمد رسول الله عن كلمة التوحيد، وإن قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويمنع المرتد من التصرف في ماله، وتقضى منه ديونه وينفق منه عليه وعلى عياله، فإن أسلم، وإلا صار فيئا من موته مرتدا. ويكفر ساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه، لا كاهن ومنجم وعراف وضارب بحصى ونحوه إن لم يعتقد إباحته، وأنه يعلم به الأمور المغيبة ويعزر، ويكف عنه، ويحرم طلسم ورقية بغير العربي، ويجوز الحل بسحر ضرورة.
* * * *
стр. 684
[كتاب الأطعمة]
. جمع طعام، وهو ما يؤكل ويشرب، (والأصل فيها الحل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، (فيباح كل) طعام (طاهر) بخلاف متنجس ونجس، (لا مضرة فيه) احترازا عن السم ونحوه حتى المسك ونحوه (من حب وثمر وغيرهما) من الطاهرات. (ولا يحل نجس كالميتة والدم) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] . . . الآية، (ولا) يحل (ما فيه مضرة، كالسم ونحوه) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، (وحيوانات البر مباحة إلا الحمر الأنسية) ؛ لحديث جابر «أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» متفق عليه.
(و) إلا (ما له ناب يفترس به) أي ينهش بنابه، لقول أبي ثعلبة الخشني: «نهي رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع» متفق عليه، (غير الضبع) لحديث جابر «أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع» احتج به أحمد، والذي له ناب (كالأسد والنمر والذئب والفيل والفهد والكلب والخنزير وابن آوى وابن عرس والسنور) مطلقا،
стр. 685
(والنمس والقرد والدب) والفنك والثعلب والسنجاب والسمور، (و) إلا (ماله مخلب من الطير يصيد به كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال والهمزة، (والبومة) لقول ابن عباس: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي
مخلب من الطيور» رواه أبو داود، (و) إلا (ما يأكل الجيف) من الطير، (كالنسر والرخم واللقلق والعقعق) وهو القاق، (والغراب الأبقع والغداف، وهو) طائر (أسود صغير أغبر، والغراب الأسود الكبير، و) إلا (ما يستخبثه) العرب ذوو اليسار، (كالقنفذ والنيص والفأرة والحية والحشرات كلها والوطواط، و) إلا (ما تولد من مأكول وغيره كالبغل والسمع) من الخيل والحمر الأهلية، وما تجهله العرب، ولم يذكر في الشرع، يرد إلى أقرب الأشياء شبها به، ولو أشبه مباحا ومحرما غلب التحريم، ودود جبن وخل ونحوهما يؤكل تبعا.
стр. 686
[فصل ما يحل من الأطعمة الحيوانات وغيرها]
فصل (وما عدا ذلك) الذي ذكرنا أنه حرام، (فحلال) على الأصل (كالخيل) لما سبق من حديث جابر، (وبهيمة الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] ، (والدجاج والوحشي من الحمر، و) من (البقر كالإبل والتيتل والوعل والمها، (و) كـ (الضباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش) كالزرافة والوبر واليربوع، وكذا الطاووس والببغاء والزاغ وغراب الزرع، لأن ذلك مستطاب، فيدخل في عموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
(ويباح حيوان البحر كله) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ، (إلا الضفدع) لأنها مستخبثة، (و) إلا (التمساح) لأنه ذو ناب يفترس به، (و) إلا (الحية) لأنها من المستخبثات، وتحرم الجلالة التي أكثر علفها النجاسة ولبنها وبيضها [نجس] حتى تحبس ثلاثا وتطعم الطاهر فقط. ويكره أكل تراب وفحم وطين وغدة وأذن وقلب وبصل وثوم ونحوها ما لم ينضج بطبخ، لا لحم منتن أو نيء.
(ومن اضطر إلى محرم) بأن خاف التلف إن لم يأكله (غير السم حل له) إن لم يكن في سفر محرم (منه ما يسد رمقه) أي يمسك قوته ويحفظها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وله التزود إن خاف، ويجب تقديم السؤال على أكله، ويتحرى في مذكاة اشتبهت بميتة، فإن لم يجد إلا طعام غيره، فإن كان ربه مضطرا،
стр. 687
أو خائفا
أن يضطر فهو أحق به، وليس له إيثاره، وإلا لزمه بذل ما يسد رمقه فقط بقيمته، فإن أبى رب الطعام أخذه المضطر منه بالأسهل فالأسهل، ويعطيه عوضه.
(ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه) كثياب (لدفع برد أو) حبل أو دلو (لاستقاء ماء ونحوه وجب بذله له) ، أي لمن اضطر إليه (مجانا) مع عدم حاجته إليه، لأن الله تعالى ذم على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] ، وإن لم يجد المضطر إلا آدميا معصوما فليس له أكله، ولا أكل عضو من أعضاء نفسه.
(ومن مر بثمر بستان في شجره، أو متساقط عنه، ولا حائط عليه) أي على البستان، (ولا ناظر) أي حافظ له، (فله الأكل منه مجانا من غير حمل) ولو بلا حاجة، روي عن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم، وليس له صعود شجرة ولا رميه بشيء، ولا الأكل من مجني مجموع إلا لضرورة، وكذا زرع قائم وشرب لبن ماشية.
(ويجب) على المسلم (ضيافة المسلم المجتاز به في القرى) دون الأمصار (يوما وليلة) قدر كفايته مع آدم، لقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته» متفق عليه. ويجب إنزاله ببيته مع عدم مسجد ونحوه، فإن أبى من نزل به الضيف، فللمضيف طلبه به عند حاكم، فإن أبى فله الأخذ من ماله بقدره.
стр. 688
[باب الذكاة]
. يقال: ذكى الشاة ونحوها تذكية، أي ذبحها، فهي ذبح، أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه، أو عقر ممتنع. و (لا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة) ، لأن غير المذكى ميتة، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (إلا الجراد والسمك وكل ما لا يعيش إلا في الماء) ، فيحل بدون ذكاة لحل ميتته، لحديث ابن عمر يرفعه «أحل
لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان الحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» رواه أحمد وغيره، وما يعيش في البر والبحر، كالسلحفاة وكلب الماء لا يحل إلا بالذكاة. وحرم بلع سمك حيا، وكره شيه حيا لا جراد لأنه لا دم له.
(ويشترط للذكاة أربعة شروط) : أحدها - (أهلية المذكي بأن يكون عاقلا) ، فلا يباح ما ذكاه مجنون، أو سكران، أو طفل لم يميز؛ لأنه لا يصح منه قصد التذكية، (مسلما) كان (أو كتابيا) أبواه كتابيان؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، (ولو) كان المذكي مميزا أو (مراهقا، أو امرأة، أو أقلف) لم يختن ولو بلا عذر، (أو أعمى) أو حائضا أو جنبا. (ولا تباح ذكاة سكران ومجنون) لما تقدم، (و) لا ذكاة (وثني ومجوسي
стр. 689
ومرتد) لمفهوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
الشرط (الثاني الآلة، فتباح الذكاة بكل محدد) ينهر الدم بحده، ولو كان (مغصوبا من حديد وحجر وقصب وغيره) ، كخشب له حد وذهب وفضة وعظم، (إلا السن والظفر) لقوله ﷺ : «ما أنهر الدم فكل، ليس السن والظفر» متفق عليه.
الشرط (الثالث - قطع الحلقوم) وهو مجرى النفس، (و) قطع (المريء) بالمد، وهو مجرى الطعام والشراب، ولا يشترط إبانتهما، ولا قطع الودجين، ولا يضر رفع يد الذابح إن أتم الذكاة على الفور، والسنة نحر إبل بطعن بمحدد في لبتها وذبح غيرها، [ (فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح] وذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة و) النعم (الواقعة في بئر ونحوها بجرحه في أي موضع كان من بدنه) ، روي عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، (إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه) مما يقتله لو انفرد، (فلا يباح) أكله لحصول قتله بمبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر، وما ذبح من قفاه ولو عمدا إن أتت الآلة على محل ذبحه وفيه حياة مستقرة حل، وإلا فلا. ولو أبان رأسه حل مطلقا، والنطيحة ونحوها إن ذكاها وحياتها تمكن زيادتها على حركة مذبوح حلت، والاحتياط مع تحرك ولو بيد أو رجل، وما قطع حلقومه، أو أبينت حشوته فوجود حياته كعدمها.
والشرط (الرابع - أن يقول) الذابح (عند) حركة يده (بالذبح: بسم الله) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، (ولا يجزيه غيرها) كقوله: باسم
стр. 690
الخالق ونحوه، لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى بسم الله. وتجزئ بغير عربية ولو أحسنها، (فإن تركها) أي التسمية (سهوا أبيحت) الذبيحة لقوله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم إذا لم يتعمد» رواه سعيد، (لا) إن ترك التسمية (عمدا) ولو جهلا، فلا تحل الذبيحة لما تقدم. ومن بدا له ذبح غير ما سمي عليه أعاد التسمية. ويسن مع التسمية التكبير لا الصلاة على النبي ﷺ ، ومن ذكر مع اسم الله اسم غيره حرم ولم يحل المذبوح.
(ويكره أن يذبح بآلة كالة) لحديث «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» رواه الشافعي وغيره. (و) يكره أيضا (أن يحدها) أي الآلة (والحيوان يبصره) لقول ابن عمر: «إن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم» رواه أحمد وغيره (و) يكره أيضا (أن يوجهه) أي الحيوان (إلى غير القبلة) ، لأن السنة توجيهه إلى القبلة على شقة الأيسر، والرفق به والحمل على الآلة بقوة. (و) يكره أيضا (أن يكسر عنقه) أي عنق ما ذبح، (أو يسلخه قبل أن يبرد) ، أي قبل زهوق نفسه؛ لحديث أبي هريرة «بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها: لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق» رواه الدارقطني. وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه حل لنا إن ذكر اسم الله عليه.
وذكاة جنين مباح بذكاة أمه إن خرج ميتا أو متحركا كمذبوح.
стр. 691
[باب الصيد]
. وهو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا غير مقدور عليه، ويطلق على المصيد، (ولا يحل الصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط) :
(أحدها - أن يكون الصائد من أهل الذكاة) ، فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني ونحوه، وكذا ما شارك فيه.
الشرط الثاني (الآلة وهي نوعان) :
أحدهما (محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح و) يشترط فيه أيضا (أن يجرح) الصيد (فإن قتله بثقله لم يبح) لمفهوم قوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» (وما ليس بمحدد كالبندق والعصا والشبكة والفخ لا يحل ما قتل به) ، ولو مع قطع حلقوم ومريء لما تقدم، وإن أدركه وفيه حياة مستقرة فذكاه حل، وإن رمى صيدا بالهواء، أو على شجرة فسقط فمات حل، وإن وقع في ماء ونحوه لم يحل.
(والنوع الثاني الجارحة فيباح ما قتلته) الجارحة (إن كانت معلمة) ، سواء كانت مما يصيد بمخلبه من الطير، أو بنابه من الفهود والكلاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] ، إلا الكلب الأسود البهيم فيحرم صيده واقتناؤه، ويباح قتله
стр. 692
وتعليم نحو كلب وفهد أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل. وتعليم نحو صقر أن يسترسل إذا أرسل ويرجع إذا دعي لا بترك أكله.
الشرط (الثالث - إرسال الآلة قاصدا) للصيد، (فإذا استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح) ما صاده، (إلا أن يزجره فيزيد في عدوه بطلبه فيحل) الصيد، لأن زجره أثر في عدوه، فصار كما لو أرسله، ومن رمى صيدا فأصاب غيره حل.
الشرط (الرابع - التسمية عند إرسال السهم، أو) إرسال (الجارحة، فإن تركها) أي التسمية (عمدا أو سهوا لم يبح) الصيد لمفهوم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» متفق عليه. ولا يضر إن تقدمت التسمية بيسير، وكذا إن تأخرت
بكثير في جارح إذا زجره فانزجر، ولو سمى على صيد فأصاب غيره حل، لا على سهم ألقاه ورمى بغيره، بخلاف ما لو سمى على سكين ثم ألقاه وذبح بغيرها. (ويسن أن يقول معها) أي مع بسم الله (الله أكبر، كـ) ما في (الذكاة) لأنه « ﷺ كان إذا ذبح يقول: باسم الله والله أكبر» ، وكان ابن عمر يقوله، ويكره الصيد لهوا، وهو أفضل مأكول، والزراعة أفضل مكتسب.
* * *
стр. 693
[كتاب الأيمان]
. جمع يمين، وهو الحلف والقسم. (واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث) فيها (هي اليمين) التي يحلف فيها (بـ) اسم (الله) الذي لا يسمى به غيره، كالله، والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورب العالمين، والرحمن، أو الذي يسمى به غيره، ولم ينو الغير كالرحيم والخالق والرازق والمولى، (أو) بـ (صفة من صفاته) تعالى، كوجه الله وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته وعهده وأمانته وإرادته، (أو بالقرآن، أو بالمصحف) ، أو بسورة، أو آية منه، ولعمر الله يمين، وما لا يعد من أسمائه تعالى، كالشيء والموجود، وما لا ينصرف إطلاقه إليه، ويحتمله كالحي والواحد والكريم إن نوى به الله، فهو يمين وإلا فلا.
(والحلف بغير الله) سبحانه وصفاته (محرم) لقوله ﷺ : «فمن كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت» متفق عليه، ويكره الحلف بالأمانة (ولا تجب به) أي بالحلف بغير الله (كفارة) إذا حنث.
(ويشترط لوجوب الكفارة) إذا حلف بالله تعالى (ثلاثة شروط) : (الأول: أن تكون اليمين منعقدة، وهي) اليمين (التي قصد عقدها على) أمر (مستقبل ممكن، فإن حلف على أمر ماض كاذبا عالما فهي) اليمين (الغموس) ؛ لأنها
стр. 694
تغمسه في الإثم، ثم في النار، (ولغو اليمين) هو (الذي يجري على لسانه بغير قصد، كقوله) في أثناء كلامه: (لا والله، وبلى والله) ؛ لحديث عائشة مرفوعا «اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله» رواه أبو داود، وروي موقوفا، (وكذا يمين عقدها يظن
صدق نفسه فبان بخلافه، فلا كفارة في الجميع) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وهذا منه. ولا تنعقد أيضا من نائم وصغير ومجنون ونحوهم
الشرط (الثاني - أن يحلف مختارا، فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه) ؛ لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
الشرط (الثالث - الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه) ، كما لو حلف لا يكلمن زيدا اليوم فلم يكلمه، (مختارا ذاكرا) ليمينه، (فإن حنث مكرها أو ناسيا فلا كفارة) ، لأنه لا إثم عليه.
(ومن قال في يمين مكفرة) أي تدخلها الكفارة كيمين بالله تعالى ونذر وظهار: (إن شاء الله، لم يحنث) في يمينه فعل، أو ترك إن قصد المشيئة، واتصلت يمينه لفظا أو حكما؛ لقوله ﷺ : «من حلف، فقال: إن شاء الله لم يحنث» رواه أحمد وغيره.
стр. 695
(ويسن الحنث في اليمين إذا كان) الحنث (خيرا) ، كمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، وإن حلف على فعل مندوب، أو ترك مكروه كره حنثه، أو على فعل واجب، أو أولى، ولا يلزم إبرار قسم كإجابة سؤال بالله تعالى، بل ويسن. (ومن حرم حلالا سوى زوجته) ؛ لأن تحريمها ظهار كما تقدم، سواء كان الذي حرمه (من أمة، أو طعام، أو لباس، أو غيره) كقوله ما أحل الله علي حرام ولا زوجة له، أو قال: طعامي علي كالميتة (لم يحرم) عليه، لأن الله سماه يمينا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] ، واليمين على الشيء لا تحرمه، (وتلزمه كفارة يمين إن فعله) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي التكفير. وسبب نزولها أنه ﷺ قال: «لن أعود إلى شرب العسل» متفق عليه، ومن قال: هو يهودي، أو كافر، أو يعبد غير
الله، أو بريء من الله تعالى، أو من الإسلام، أو القرآن، أو النبي ﷺ ، ونحو ذلك ليفعلن كذا، أو إن لم يفعله، أو إن كان فعله فقد فعل محرما وعليه كفارة يمين بحنثه.
[فصل في كفارة اليمين]
فصل
في كفارة اليمين (يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين) ، لكل مسكين مد بر، أو نصف
стр. 696
صاع من غيره، (أو كسوتهم) أي: العشرة مساكين، للرجل ثوب يجزيه في صلاته وللمرأة درع وخمار كذلك، (أو عتق رقبة، فمن لم يجد) شيئا مما تقدم ذكره (فصيام ثلاثة أيام) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، (متتابعة) وجوبا لقراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعة" وتجب كفارة ونذر فورا بحنث، ويجوز إخراجها قبله. (ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد) ولو على أفعال كقوله: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا أعطيت، والله لا أخذت، (فعليه كفارة واحدة) ، لأنها كفارات من جنس واحد، فتداخلت كالحدود من جنس، (وإن اختلف موجبها) ، أي موجب الأيمان وهو الكفارة (كظهار ويمين بالله) تعالى (لزماه) أي الكفارة (ولم يتداخلا) لعدم اتحاد الجنس، ويكفر قن بصوم وليس لسيده منعه منه، ويكفر كافر بغير صوم.
باب جامع الأيمان المحلوف بها (يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ؛ لقوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى» فمن نوى بالسقف أو البناء السماء، أو بالفراش أو البساط الأرض قدمت على عموم لفظه. ويجوز التعريض في مخاطبة لغير ظالم، (فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) لدلالة ذلك على النية، فمن حلف ليقضين زيدا حقه غدا، فقضاه قبله لم يحنث إذا اقتضى السبب أنه لا يتجاوز غدا،
стр. 697
وكذا ليأكلن شيئا أو ليفعلنه غدا، وإن حلف لا يبيعه إلا بمائة لم يحنث إلا إن باعه بأقل منها، وإن حلف لا يشرب له الماء من عطش ونيته، أو السبب قطع منته، حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه منة، (فإن عدم ذلك) أي النية وسبب اليمين الذي هيجها (رجع إلى التعيين) ، لأنه أبلغ من دلالة الاسم على المسمى، لأنه ينفي الإبهام بالكلية، (فإذا حلف لا لبست هذا القميص فجعله سراويل أو
رداء أو عمامة ولبسه) حنث، (أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا) ، وكلمه حنث، (أو) حلف لا كلمت (زوجة فلان هذه، أو صديقه فلانا) هذا (أو مملوكه سعيدا) هذا، (فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم) حنث، (أو) حلف (لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا) وأكله حنث، (أو) حلف لا أكلت (هذا الرطب فصار تمرا، أو دبسا، أو خلا) وأكله حنث، (أو) حلف لا أكلت (هذا اللبن فصار اللبن جبنا، أو كشكا ونحوه، ثم أكله حنث في الكل) ، لأن عين المحلوف عليه باقية، كحلفه لا لبست هذا الغزل فصار ثوبا. وكذا حلفه لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد باعها، أو وهي فضاء، أو مسجد، أو حمام ونحوه، (إلا أن ينوي) الحالف أو يكون سبب اليمين يقتضي (ما دام) المحلوف عليه (على تلك الصفة) ، فتقدم النية وسبب اليمين على التعيين كما تقدم.
[فصل الرجوع في اليمين إلى ما يتناوله الاسم عند عدم النية]
فصل (فإن عدم ذلك) أي النية والسبب والتعين (رجع) في اليمين (إلى ما يتناوله الاسم، وهو) أي الاسم (ثلاثة: شرعي وحقيقي وعرفي) وقد لا يختلف المسمى
стр. 698
كالأرض والسماء والإنسان والحيوان ونحوها.
(فالشرعي) من الأسماء (ماله موضوع في الشرع وموضوع في اللغة) ، كالصلاة والصوم والزكاة والحج والبيع والإجارة، فالاسم (المطلق) في اليمين سواء كانت على فعل أو ترك (ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح) ، لأن ذلك هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، إلا الحج والعمرة فيتناول الصحيح والفاسد لوجوب المضي فيه كالصحيح، (فإذا حلف لا يبيع، أو لا ينكح فعقد عقدا فاسدا) من بيع أو نكاح (لم يحنث) ، لأن البيع أو النكاح لا يتناول الفاسد، (وإن قيد) الحالف (يمينه بما يمنع الصحة) أي بما لا تمكن الصحة معه، (كأن حلف لا يبيع الخمر أو الخنزير حنث بصورة العقد) ؛ لتعذر حمل يمينه على عقد صحيح، وكذا إن قال: إن طلقت فلانة الأجنبية فأنت طالق طلقت بصورة طلاق الأجنبية.
(و) الاسم (الحقيقي هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته) كاللحم، (فإذا حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحما، أو مخا، أو كبدا، أو نحوه) ، ككلية وكرش وطحال وقلب ولحم رأس ولسان (لم يحنث) ، لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئا من ذلك إلا بنية اجتناب الدسم (ومن حلف لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والتمر والملح [والخل] والزيتون ونحوه) ،
كالجبن واللبن، (وكل ما يصبغ به) عادة كالزيت والعسل والسمن واللحم، لأن هذا معنى التأدم. (و) إن حلف (لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا) أو عمامة أو قلنسوة (أو نعلا حنت) ، لأنه ملبوس حقيقة وعرفا، (وإن حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام) كل (إنسان) ، لأنه نكرة في سياق النفي فيعم حتى (ولو قال له: تنح أو اسكت أو لا كلمت زيدا) فكاتبه أو راسله حنث ما لم ينو مشافهته. (و) إن حلف (لا يفعل شيئا فوكل من فعله حنث) ، لأن الفعل يضاف إلى من فعل
стр. 699
عنه، قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] ، وإنما الحالق غيرهم، (إلا أن ينوي مباشرته بنفسه) فتقدم نيته، لأن لفظه يحتمله.
(و) الاسم (العرفي ما اشتهر مجازه فغلب) على الحقيقة، (كالرواية) في العرف للمزادة وفي الحقيقة للجمل الذي يستقي عليه، (والغائط) في العرف للخارج المستقذر، وفي الحقيقة لفناء الدار وما اطمأن من الأرض (ونحوهما) ، كالظعينة والدابة والعذرة، (فتعلق اليمين بالعرف) دون الحقيقة، لأن الحقيقة في نحو ما ذكر صارت كالمهجورة ولا يعرفها أكثر الناس. (فإذا حلف على وطء زوجته، أو) حلف على (وطء دار تعلقت يمينه بجماعها) أي جماع من حلف على وطئها، لأن هذا هو المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ في العرف، (و) تعلقت يمينه (بدخول الدار) التي حلف لا يطأها لما ذكر. (وإن حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكا في غيره، كمن حلف (لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه) لم يحنث، (أو) حلف (لا يأكل بيضا فأكل ناطفا لم يحنث) ، لأن ما أكله لا يسمى سمنا ولا بيضا، (وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه) فيما أكله (حنث) لأكله المحلوف عليه.
[فصل من فعل المحلوف عليه مكرها]
فصل (وإن حلف لا يفعل شيئا، ككلام زيد ودخول دار ونحوه، ففعله مكرها لم يحنث) ، لأن فعل المكره غير منسوب إليه. (وإن حلف على نفسه أو غيره ممن) يمتنع بيمينه و (يقصد منعه كالزوجة والولد أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا، أو جاهلا حنث في الطلاق والعتاق) بفتح العين (فقط) ، أي دون اليمين بالله تعالى والنذر والظهار، لأن الطلاق والعتاق حق آدمي فلم يعذر فيه بالنسيان والجهل، كإتلاف المال والجناية، بخلاف اليمين بالله تعالى، ونحوه فإنه حق الله
стр. 700
تعالى وقد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان. (و) إن حلف (على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره) كأجنبي لا يفعل شيئا (ففعله حنث) الحالف
(مطلقا) أي سواء فعله المحلوف عليه عامدا أو ناسيا، عالما أو جاهلا، (وإن فعل هو) أي الحالف لا يفعل شيئا، أو من لا يمتنع بيمينه من سلطان وأجنبي (أو غيره) ، أي ما ذكر (ممن قصد منعه) كزوجة وولد (بعض ما حلف على كله) ، كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه (لم يحنث) ، لعدم وجود المحلوف عليه، (ما لم تكن له نية) أو قرينة، كما لو حلف لا يشرب ماء هذا النهر وشرب منه فإنه يحنث.
[باب النذر]
[النذر] لغة: الإيجاب، يقال: نذر دم فلان، أي أوجب قتله. وشرعا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئا غير محال بكل قول يدل عليه.
و (لا يصح) النذر (إلا من بالغ عاقل) مختار، لحديث «رفع القلم عن ثلاث» . . . " (ولو) كان (كافرا) نذر عبادة، لحديث «عمر: إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك» .
(والصحيح منه) أي من النذر (خمسة أقسام) :
(أحدها) - النذر (المطلق مثل أن يقول: لله علي نذر، ولم يسم شيئا فيلزمه كفارة يمين) ؛ لما روى عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(الثاني - نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه) أي من
стр. 701
الشرط المعلق عليه، (أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب) ، كقوله: إن كلمتك، أو إن لم أضربك، أو إن لم يكن هذا الخبر صدقا، أو كذبا فعلي الحج، أو العتق ونحوه، (فيخير بين فعله وبين كفارة يمين) لحديث عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» رواه سعيد في " سننه ".
(الثالث - نذر المباح كلبس ثوبه وركوب دابته) ، فإن نذر ذلك (فحكمه كـ) القسم
(الثاني) يخير بين فعله وكفارة يمين، (وإن نذر مكروها من طلاق أو غيره استحب) له (أن يكفر) كفارة يمين، (ولا يفعله) ، لأن ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة.
(الرابع - نذر المعصية كـ) نذر (شرب الخمر، و) نذر (صوم يوم الحيض، و) يوم (النحر) وأيام التشريق، (فلا يجوز الوفاء به) ؛ لقوله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (ويكفر) إن لم يفعله، روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب ﵃، ويقضي من نذر صوما من ذلك غير يوم حيض.
(الخامس - نذر التبرر مطلقا) أي غير معلق، (أو معلقا كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه) ، كالعمرة والصدقة وعيادة المريض، فمثال المطلق: لله علي أن أصوم أو أصلي؛ ومثال المعلق (كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا) من صلاة أو صوم ونحوه، (فوجد الشرط لزمه الوفاء به) أي بنذره؛ لحديث «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري، (إلا إذا نذر الصدقة بماله كله) من يسن له، فيجزيه
стр. 702
قدر ثلثه ولا كفارة لقوله ﷺ لأبي لبابة لما نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى: «يجزي عنك الثلث» رواه أحمد، (أو) نذر الصدقة (بمسمى منه) أي من ماله، كألف (يزيد) ما سماه (على ثلث الكل، فإنه يجزيه) أن يتصدق بـ (قدر الثلث) ، ولا كفارة عليه، جزم به في " الوجيز " وغيره، والمذهب أنه يلزمه الصدقة بما سماه، ولو زاد على الثلث، كما في " الإنصاف " وقطع به في " المنتهى " وغيره، (وفيما عداها) أي عدا المسألة المذكورة بأن نذر الثلث فما دون، (يلزمه) الصدقة بـ (المسمى) لعموم ما سبق من حديث «من نذر أن يطيع الله فليطعه» .
(ومن نذر صوم شهر) معين كرجب أو مطلق (لزمه التتابع) ، لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع، سواء صام شهرا بالهلال، أو ثلاثين يوما بالعدد، (وإن نذر أياما معدودة) كعشرة أيام، أو ثلاثين يوما (لم يلزمه التتابع) ، لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع، (إلا بشرط) بأن يقول: متتابعة، (أو نية) التتابع، ومن نذر صوم الدهر لزمه، فإن أفطر كفر فقط بغير صوم، ولا
يدخل فيه رمضان ولا يوم نهي، ويقضي فطره برمضان، ويصام لظهار ونحوه منه، ويكفر مع صوم ظهار ونحوه، ومن نذر صوم يوم الخميس ونحوه فوافق عيدا، أو أيام تشريق أفطر وقضى وكفر، وإن نذر صلاة وأطلق فأقله ركعتان قائما لقادر، وإن نذر صوما وأطلق، أو صوم بعض يوم، لزمه يوم بنية من الليل ولمن نذر صلاة جالسا أن يصليها قائما، وإن نذر رقبة فأقل مجزئ في كفارة.
стр. 703
[كتاب القضاء]
[القضاء] لغة: إحكام الشيء والفراغ منه، ومنه ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] واصطلاحا: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الحكومات. (وهو فرض كفاية) ، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. و (يلزم الإمام أن ينصب في كل إقليم) بكسر الهمزة (قاضيا) ، لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر الخصومات في جميع البلدان بنفسه، فوجب أن يرتب في كل إقليم من يتولى فصل الخصومات بينهم لئلا تضيع الحقوق. (ويختار) لنصب القضاء (أفضل من يجده علما وورعا) ، لأن الإمام ناظر للمسلمين فيجب عليه اختيار الأصلح لهم. (ويأمره بتقوى الله) ، لأن التقوى رأس الدين (و) يأمره (بأن يتحرى العدل) أي إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل. (ويجتهد) القاضي (في إقامته) أي إقامة العدل بين الأخصام، ويجب على من يصلح له ولم يوجد غيره ممن يوثق به أن يدخل فيه إن لم يشغله عما هو أهم منه. ويحرم بذل مال فيه، وأخذه وطلبه، وفيه مباشر أهل.
(فيقول) المولي لمن يوليه: (وليتك الحكم أو قلدتك) الحكم، (ونحوه) ، كفوضت، أو رددت، أو جعلت إليك الحكم، أو استنبتك، أو استخلفتك في الحكم، والكناية نحو: اعتمدت، أو عولت عليك لا ينعقد بها إلا بقرينة نحو فاحكم، (ويكاتبه) بالولاية (في البعد) أي إذا كان غائبا، فيكتب له الإمام عهدا بما ولاه، ويشهد عدلين عليها.
(وتفيد ولاية الحكم العامة الفصل بين الخصوم وأخذ الحق لبعضهم من بعض) أي أخذه لربه ممن هو عليه، (والنظر في أموال غير المرشدين) كالصغير والمجنون والسفيه،
стр. 704
وكذا مال غائب (والحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس، والنظر في وقوف عمله ليعمل بشروطها، وتنفيذ الوصايا، وتزويج من لا ولي لها) من النساء، (وإقامة الحدود، وإمامة الجمعة والعيد) ما لم يختصا بإمام، (والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن الطرقات وأفنيتها ونحوه) ، كجباية خراج وزكاة لم يخصا بعامل، وتصفح شهوده وأمنائه ليستبدل بمن يثبت جرحه، لا الاحتساب على الباعة والمشترين، وإلزامهم بالشرع.
(ويجوز أن يولي) القاضي (عموم النظر في عموم العمل) بأن يوليه سائر الأحكام في سائر البلدان، ويجوز أن (يوليه خاصا فيهما) بأن يوليه الأنكحة بمصر مثلا، (أو) يوليه خاصا (في أحدهما) بأن يوليه سائر الأحكام ببلد معين، أو يوليه الأنكحة بسائر البلدان. وإذا ولاه ببلد معين نفذ حكمه في مقيم به وطارئ إليه فقط، وإن ولاه بمحل معين لم ينفذ حكمه في غيره، ولا يسمع ببينة إلا فيه، كتعديلها. وللقاضي طلب رزق من بيت المال لنفسه وخلفائه، فإن لم يجعل له شيء وليس له ما يكفيه، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجعل، جاز. ومن يأخذ من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه ولا لخطه.
(ويشترط في القاضي عشر صفات: كونه بالغا عاقلا) ، لأن غير المكلف تحت ولاية غيره، فلا يكون واليا على غيره، (ذكرا) لقوله ﷺ : «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (حرا) لأن الرقيق مشغول
стр. 705
بحقوق سيده (مسلما) لأن الإسلام شرط للعدالة، (عدلا) ولو تائبا من قذف، فلا يجوز تولية الفاسق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . . . الآية، (سميعا) لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين، (بصيرا) لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، (متكلما) لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته، (مجتهدا) إجماعا، ذكره ابن حزم، قاله في " الفروع "، (ولو) كان مجتهدا (في مذهبه) المقلد فيه لإمام من الأئمة، فيراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها ويقلد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به ولو اعتقد خلافه، قال الشيخ تقي الدين: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولي لعدم أنفع الفاسقين، وأقلهما شرا وأعدل المقلدين، وأعرفهما بالتقليد، قال في " الفروع ": وهو كما قال، ولا يشترط أن يكون القاضي كاتبا، أو ورعا، أو زاهدا، أو يقظا، أو مثبتا للقياس، أو حسن الخلق، والأولى كونه كذلك.
(وإذا حكم) بتشديد الكاف (اثنان) فأكثر بينهما (رجلا يصلح للقضاء) ،
следующие страницы →