Полный текст (734 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحوه أو يعيده به (أو يلقي عليه حائطا) أو سقفا ونحوهما (أو يلقيه من شاهق) فيموت.
الثالثة: أن يلقيه بجحر أسد أو نحوه أو مكتوفا بحضرته أو في مضيق بحضرة حية أو ينهشه كلبا أو حية أو يلسعه عقربا من القواتل غالبا.
الرابعة: ما أشار إليه بقوله (أو) يلقيه (في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما) لعجزه أو كثرتهما، فإن أمكنه فهدر.
الخامسة: ما ذكرها بقوله (أو يخنقه) بحبل أو غيره أو يسد فمه وأنفه أو يعصر خصيته زمنا يموت في مثله.
السادسة: أشار إليها بقوله (أو يحبسه ويمنعه الطعام أو الشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا) بشرط تعذر الطلب عليه وإلا فهدر.
السابعة: ما أشار إليها بقوله (أو يقتله بسحر) يقتل غالبا.
الثامنة: المذكورة في قوله (أو) يقتله بـ (سم) بأن سقاه سما لا يعلم به أو يخلطه بطعام ويطعمه له أو بطعام أكله فيأكله جهلا، ومتى ادعى قاتل بسم أو سحر عدم علمه أنه قاتل لم يقبل.
التاسعة: المشار إليها بقوله (أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله) من زنا أو ردة لا تقبل معها التوبة أو قتل عمد (ثم رجعوا) أي: الشهود بعد قتله (وقالوا عمدنا قتله) فيقاد بهذا كله (ونحو ذلك) لأنهم توصلوا إلى قتله بما يقتل غالبا، ويختص بالقصاص مباشر للقتل عالم بأنه ظلم، ثم ولي عالم بذلك، فبينة وحاكم علموا ذلك.
(وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبا ولم يجرحه بها كمن ضربه في غير
стр. 632
مقتل بسوط أو عصا صغيرة) ونحوها (أو لكزه ونحوه) بيده أو ألقاه في ماء قليل أو صاح بعاقل اغتفله أو بصغير على سطح فمات (و) قتل (الخطأ أن يفعل ما له فعله مثل أن يرمي صيدا أو) يرمي (غرضا أو) يرمي (شخصا) مباح الدم كحربي وزان محصن (فيصيب آدميا) معصوما (لم يقصده) بالقتل فيقتله وكذا لو أراد قطع لحم أو غيره مما له فعله فسقطت منه السكين على إنسان فقتله، (و) كذا (عمد الصبي والمجنون) لأنه لا قصد لهما كالمكلف المخطئ، فالكفارة في ذلك في مال القاتل، والدية على عاقلته كما يأتي. ويصدق إن قال: كنت يوم قتلته صغيرا أو مجنونا، وأمكن، ومن قتل بصف كفار من ظنه حربيا فبان مسلما أو رمى كفارا تترسوا بمسلم وخيف علينا إن لم نرمهم ولم يقصده فقتله فعليه الكفارة فقط؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، ولم يذكر الدية.
[فصل في قتل الجماعة بالواحد]
فصل (تقتل الجماعة) أي: الاثنان فأكثر (بـ) الشخص (الواحد) إن صلح فعل كل واحد
لقتله؛ لإجماع الصحابة، روى سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا. وإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل فلا قصاص، ما لم يتواطئوا عليه. (وإن سقط القود) بالعفو عن القاتلين (أدوا دية واحدة) لأن القتل واحد فلا يلزم به أكثر من دية كما لو قتلوه خطأ، وإن جرح واحد جرحا وآخر مائة فهما سواء، وإن قطع واحد حشوته أو ودجيه ثم ذبحه آخر، فالقاتل الأول، ويعزر الثاني.
стр. 633
(ومن أكره مكلفا على قتل) معين (مكافئه فقتله، بالقتل) أي: القود إن لم يعف وليه (أو الدية) إن عفا (عليهما) أي: على القاتل ومن أكرهه؛ لأن القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكره تسبب إلى القتل بما يفضي إليه غالبا، وقول قادر: اقتل نفسك وإلا قتلتك إكراه (وإن أمر) مكلف (بالقتل غير مكلف) لصغر أو جنون، فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور آلة له، لا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب به (أو) أمر مكلف بالقتل (مكلفا يجهل تحريمه) أي: تحريم القتل كمن نشأ بغير بلاد الإسلام ولو عبدا للآمر، فالقصاص على الآمر لما تقدم (أو أمر به) أي: بالقتل (السلطان ظلما من لا يعرف ظلمه فيه) أي: في القتل بأن لم يعرف المأمور أن المقتول لم يستحق القتل (فقتل) المأمور (فالقود) إن لم يعف مستحقه (أو الدية) إن عفا عنه (على الآمر) بالقتل دون المباشر؛ لأنه معذور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق.
(وإن قتل المأمور) من السلطان أو غيره (المكلف) حال كونه (عالما بتحريم القتل فالضمان عليه) بالقود أو الدية لمباشرته القتل مع عدم العذر؛ لقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ، (دون الآمر) بالقتل فلا ضمان عليه، لكن يؤدب بما يراه الإمام من ضرب أو حبس. ومن دفع إلى غير مكلف آلة قتل ولم يأمره به فقتل - لم يلزم الدافع شيء
стр. 634
(وإن اشترك فيه) أي: في القتل (اثنان لا يجب القود على أحدهما) لو كان (منفردا لأبوة) للمقتول (أو غيرهما) من إسلام أو حرية، كما لو اشترك أب وأجنبي في قتل ولده، أو حر ورقيق في قتل رقيق، أو مسلم وكافر في قتل كافر (فالقود على الشريك) للأب في قتل ولده، وعلى شريك الحر والمسلم؛ لأنه شارك في القتل العمد العدوان، وإنما امتنع
القصاص عن الأب والحر والمسلم لمعنى يختص بهم، لا لقصور في السبب، بخلاف ما لو اشترك خاطئ وعامد أو مكلف وغيره أو ولي قصاص وأجنبي أو مكلف وسبع أو مقتول في قتل نفسه فلا قصاص (فإن عدل) ولي القصاص (إلى طلب المال) من شريك الأب ونحوه (لزمه نصف الدية) كالشريك في إتلاف مال، وعلى شريك قن نصف قيمة المقتول.
[باب شروط وجوب القصاص]
(وهي أربعة) :
أحدها: (عصمة المقتول) بأن لا يكون مهدر الدم (فلو قتل مسلم) حربيا أو نحوه (أو) قتل (ذمي) أو غيره (حربيا مرتدا) أو زانيا محصنا، ولو قبل ثبوته عند حاكم (لم يضمنه بقصاص ولا دية) ولو أنه مثله.
الشرط (الثاني: التكليف) بأن يكون القاتل بالغا عاقلا؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة (فلا) يجب (قصاص على صغير) ولا (مجنون) أو معتوه؛ لأنه ليس لهم قصد صحيح.
стр. 635
الشرط (الثالث: المكافأة) بين المقتول وقاتله حال جنايته (بأن يساويه) القاتل (في الدين والحرية والرق) يعني بأن لا يفضل القاتل المقتول بإسلام أو حرية أو ملك (فلا يقتل مسلم) حر أو عبد (بكافر) كتابي أو مجوسي ذمي أو معاهد؛ لقوله ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» رواه البخاري وأبو داود. (ولا) يقتل (حر بعبد) لحديث أحمد عن علي: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد» ، وروى الدارقطني عن ابن عباس يرفعه: «لا يقتل حر بعبد» ، وكذا لا يقتل حر بمبعض، ولا مكاتب بقنه؛ لأنه مالك لرقبته (وعكسه) بأن قتل كافر مسلما، أو قن أو مبعض حرا (يقتل) القاتل، ويقتل القن بالقن، وإن اختلفت قيمتهما، كما يؤخذ الجميل بالذميم والشريف بضده (ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر) والمكلف بغير المكلف؛ لعموم قَوْله
стр. 636
تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] .
الشرط (الرابع: عدم الولادة) بأن لا يكون المقتول ولدا للقاتل وإن سفل، ولا لبنته
وإن سفلت (فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل) لقوله ﷺ : «لا يقتل والد بولده» ، قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم. (ويقتل الولد بكل منهما) أي: من الأبوين وإن علوا؛ لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، خص منه ما تقدم بالنص، ومتى ورث قاتل أو ولده بعض دمه فلا قود، فلو قتل أخا زوجته فورثته ثم ماتت فورثها القاتل أو ولده فلا قصاص؛ لأنه لا يتبعض.
[باب استيفاء القصاص]
وهو فعل مجني عليه أو فعل وليه بجان مثل فعله أو شبهه (يشترط له) أي: لاستيفاء القصاص (ثلاثة شروط) :
стр. 637
(أحدها: كون مستحقه مكلفا) أي: بالغا عاقلا (فإن كان) مستحق القصاص أو بعض مستحقه (صبيا أو مجنونا لم يستوفه) لهما أب ولا وصي ولا حاكم؛ لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره (وحبس الجاني) مع صغر مستحقه (إلى البلوغ، و) مع جنونه إلى (الإفاقة) لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر، وإن احتاج لنفقة فلولي مجنون فقط العفو إلى الدية.
الشرط (الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه) أي: في القصاص (على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به) لأنه يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه ولا ولاية عليه (وإن كان من بقي) من الشركاء فيه (غائبا أو صغيرا أو مجنونا انتظر القدوم) للغائب (والبلوغ) للصغير (والعقل) للمجنون، ومن مات قام وارثه مقامه، وإن انفرد به بعضهم عزر فقط، ولشريك في تركة جان حقه من الدية، ويرجع وارث جان على مقتص بما فوق حقه، وإن عفا بعضهم سقط القود.
الشرط (الثالث: أن يؤمن) في (الاستيفاء أن يتعدى الجاني) الاستيفاء إلى غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، (فإذا وجب) القصاص (على) امرأة حامل أو امرأة (حائل فحملت
لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ) ، لأن قتل الحامل يتعدى إلى الجنين، وقتلها قبل أن تسقيه اللبأ يضره لأنه في الغالب لا يعيش إلا به، (ثم) بعد سقيه اللبأ (إن وجد من يرضعه) أعطي الولد لمن يرضعه وقتلت، لأن غيرها يقوم مقامها في إرضاعه، (وإلا) يوجد من يرضعه (تركت حتى تفطمه) لحولين؛ لقوله ﷺ «إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها. إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها، [وإذا زنت
стр. 638
لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها» ] رواه ابن ماجه. (ولا يقتص منها) أي من الحامل (في الطرف) كاليد والرجل (حتى تضع) وإن لم تسقه اللبأ، والحد بالرجم إذا زنت المحصنة الحامل أو الحائل وحملت (في ذلك كالقصاص) ، فلا ترجم حتى تضع وتسقيه اللبأ ويوجد من يرضعه، وإلا فحتى تفطمه وتحد بجلد عند الوضع.
[فصل لا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان]
فصل (ولا) يجوز أن (يستوفى قصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه) لافتقاره إلى اجتهاده وخوف الحيف (و) لا يستوفى إلا (بآلة ماضية) وعلى الإمام تفقد الآلة ليمنع الاستيفاء بآلة كالة لأنه إسراف في القتل، وينظر في الولي فإن كان يقدر على استيفائه ويحسنه مكنه منه وإلا أمره أن يوكل، وإن احتاج إلى أجرة فمن مال جان. (ولا يستوفى) القصاص (في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره) لقوله ﷺ : «لا قود إلا بالسيف» رواه ابن ماجه، ولا يستوفى من طرف إلا بسكين ونحوها لئلا يحيف.
[باب العفو عن القصاص]
أجمع المسلمون على جوازه (يجب بـ) القتل (العمد القود أو الدية فيخير الولي بينهما) لحديث أبي هريرة
стр. 639
مرفوعا «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدي، وإما أن يقتل» رواه الجماعة إلا الترمذي، (وعفوه) أي عفو ولي القصاص (مجانا) أي من غير
أن يأخذ شيئا أفضل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولحديث أبي هريرة مرفوعا «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا» رواه أحمد ومسلم والترمذي، ثم لا تعزير على جان (فإن اختار) ولي الجناية (القود أو عفا عن الدية فقط) دون القصاص (فله أخذها) أي أخذ الديه، لأن القصاص أعلا، فإذا اختاره لم يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى، (و) له (الصلح على أكثر منها) أي من الدية، وله أن يقتص لأنه لم يعف مطلقا، (وإن اختارها) أي اختار الدية فليس له غيرها، فإن قتله بعد قتل به لأنه أسقط حقه من القصاص، (أو عفا مطلقا) بأن قال: عفوت، ولم يقيده بقصاص ولا دية، فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص لأنه المطلوب الأعظم، (أو هلك الجاني فليس له) أي لولي الجناية (غيرها) أي غير الدية من تركة الجاني لتعذر استيفاء القود، كما لو تعذر في طرفه.
(وإذا قطع) الجاني (أصبعا عمدا فعفا) المجروح (عنها ثم سرت) الجناية (إلى
стр. 640
الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فـ) السراية (هدر) ، لأنه لم يجب بالجناية شيء فسرايتها أولى، (وإن كان العفو على مال فله) أي للمجروح (تمام الدية) أي دية ما سرت إليه بأن تسقط من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفا عنه وتوجب الباقي. (وإن وكل) ولي الجناية (من يقتص) له (ثم عفا) الموكل عن القصاص (فاقتص وكيله ولم يعلم) بعفوه (فلا شيء عليهما) لا على الموكل لأنه محسن بالعفو - وما على المحسنين من سبيل - ولا على الوكيل لأنه لا تفريط منه، وإن عفا مجروح عن قود نفسه، أو ديتها صح كعفو وارثه. (وإن وجب لرقيق قود أو) وجب له (تعزير قذف فطلبه) إليه (وإسقاطه إليه) أي إلى الرقيق دون سيده لأنه مختص به، (فإن مات) الرقيق بعد وجوب ذلك له (فلسيده) طلبه وإسقاطه لقيامه مقامه، لأنه أحق به ممن ليس له فيه ملك.
[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]
من الأطراف والجراح. (من أقيد بأحد في النفس) لوجود الشروط السابقة (أقيد به في الطرف والجراح) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] . . . الآية، (ومن لا) يقاد بأحد في
стр. 641
النفس
كالمسلم بالكافر، والحر بالعبد، والأب بولده، فلا يقاد به في طرف ولا جراح لعدم المكافأة. (ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس، وهو) أي القصاص فيما دون النفس (نوعان) :
(أحدهما في الطرف فتؤخذ العين) بالعين، (والأنف) بالأنف، (والأذن) بالأذن، (والسن) بالسن، (والجفن) بالجفن، (والشفة) بالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى، (واليد) باليد: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، (والرجل) بالرجل كذلك، (والأصبع) بأصبع تماثلها في موضعها، (والكف) بالكف المماثلة، (والمرفق) بمثله، (والذكر والخصية والألية والشفر) بضم الشين وهو أحد اللحمين المحيطين بالرحم كإحاطة الشفتين على الفم (كل واحد من ذلك بمثله) للآية السابقة.
(وللقصاص في الطرف شروط) ثلاثة (الأول: الأمن من الحيف) وهو شرط جواز الاستيفاء، ويشترط لوجوبه إمكان الاستيفاء بلا حيف، (بأن يكون القطع من مفصل أو ينتهي إليه) يعني إلى حد (كمارن الأنف وهو ما لان منه) دون القصبة، فلا قصاص في جائفة ولا كسر عظم غير سن ولا بعض ساعد ونحوه، ويقتص من منكب ما لم يخف جائفة.
الشرط (الثاني: المماثلة في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين) من يد ورجل وعين وأذن ونحوها (بيسار ولا يسار بيمين، ولا) يؤخذ (خنصر ببنصر، ولا) عكسه لعدم المساواة في الاسم، ولا يؤخذ (أصلي بزائد وعكسه) ، فلا يؤخذ زائد بأصلي لعدم
стр. 642
المساواة في المكان والمنفعة، (ولو تراضيا) على أخذ أصلي بزائد أو عكسه (لم يجز) أخذه به لعدم المقاصة، ويؤخذ زائد بمثله موضعا وخلقة.
الشرط (الثالث استواؤهما) أي استواء الطرفين المجني عليه والمقتص منه (في الصحة والكمال، فلا تؤخذ) يد أو رجل (صحيحة بـ) يد أو رجل (شلاء، ولا) يد أو رجل (كاملة الأصابع) أو الأظفار (بناقصتهما، ولا) تؤخذ (عين صحيحة بـ) عين (قائمة) وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أن صاحبها لا يبصر بها، قاله الأزهري، ولا لسان ناطق بأخرس ولو تراضيا لنقص ذلك. (ويؤخذ عكسه) فتؤخذ الشلاء وناقصة الأصابع والعين القائمة بالصحيحة، (ولا أرش) لأن المعيب من ذلك كالصحيح في الخلقة، وإنما نقص
في الصفة، ولا تؤخذ أذن سميع بأذن أصم شلاء، ومارن الأشم الصحيح بمارن الأخشم الذي لا يجد رائحة شيء، لأن ذلك لعلة في الدماغ.
[فصل النوع الثاني من نوعي القصاص فيما دون النفس]
، (الجراح، فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم) لإمكان استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة، وذلك (كالموضحة) في الرأس والوجه (وجرح العضد و) جرح (الساق و) جرح (الفخذ و) جرح (القدم) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج) كالهاشمة والمنقلة
стр. 643
والمأمومة، (و) لا في ذلك من (الجروح) كالجائفة لعدم أمن الحيف والزيادة، ولا يقتص في كسر عظم (غير كسر سن) لإمكان الاستيفاء منه بغير حيف كبرد ونحوه، (إلا أن يكون) الجرح (أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة فله) أي للمجني عليه (أن يقتص موضحة) لأنه يقتصر على بعد حقه، ويقتص من محل جنايته، وله (أرش الزائد) على الموضحة، فيأخذ بعد اقتصاصه من موضحة في هاشمة خمسا من الإبل، وفي منقلة عشرا وفي مأمومة ثمانية وعشرين وثلثا، ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافه اللحم، (وإذا قطع جماعة طرفا) يوجب قودا كيد، (أو جرحوا جرحا يوجب القود) كموضحة ولم تتميز أفعالهم، كأن وضعوا حديدة على يد وتحاملوا عليها حتى بانت (فعليهم) أي على الجماعة القاطعين أو الجارحين (القود) ، لما روي عن علي أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده، ثم جاء آخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا في الأول فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية يد الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما، وإن تفرقت أفعالهم أو قطع كل واحد من جانب فلا قود عليهم.
(وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها) فلو قطع أصبعا فتآكلت أخرى أو اليد وسقطت من مفصل، فالقود فيما يشل الأرش [بقود أو دية] ، (وسراية القود مهدورة) فلو قطع طرفا قودا فسرى إلى النفس فلا شيء على قاطع لعدم تعديه، لكن إن قطع قهرا مع حر أو برد أو بآلة كالة أو مسمومة ونحوها لزمه بقية الدية.
(ولا) يجوز أن (يقتص عن عضو وجرح قبل برئه) لحديث جابر، «أن رجلا جرح
стр. 644
رجلا فأراد أن يستقيد فنهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح» ، رواه الدارقطني، (وكما لا تطلب له) أي للعضو أو الجرح (دية) قبل برئه لاحتمال السراية، فإن اقتص قبل فسرايتها بعد هدر. ولا قود ولا دية لما رجي عوده من نحو سن ومنفعة في مدة تقولها أهل الخبرة، فلو مات تعينت دية الذاهب.
стр. 645
[كتاب الديات]
جمع دية، وهي المال المؤدى إلى مجني عليه، أو وليه بسبب جناية، يقال: وديت القتيل: إذا أعطيت ديته. (كل من أتلف إنسانا بمباشرة أو سبب) بأن ألقى عليه أفعى، أو ألقاه عليها، أو حفر بئرا محرما حفرها، أو وضع حجرا، أو قشر بطيخ، أو ماء بفنائه، أو طريق، أو بالت بها دابته ويده عليها ونحو ذلك، (لزمته ديته) سواء كان مسلما، أو ذميا، أو مستأمنا، أو مهادنا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، (فإن كانت) الجناية (عمدا محضا فـ) الدية (في مال الجاني) ، لأن الأصل يقتضي أن بدل المتلف يجب على متلفه وأرش الجناية على الجاني، وإنما خولف في العاقلة لكثرة الخطأ، والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف، وتكون (حالة) غير مؤجلة كما هو الأصل في بدل المتلفات. (و) دية (شبه العمد والخطأ على عاقلته) أي عاقلة الجاني، لحديث أبي هريرة: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها» متفق عليه، ومن دعا من يحفر له بئرا بداره فمات بهدم لم يلقه أحد عليه فهدر.
стр. 646
(وإن غصب حرا صغيرا) أي حبسه عن أهله (فنهشته حية) فمات، أو (أصابته صاعقة) وهي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد، قاله الجوهري، فمات وجبت الدية، (أو مات بمرض) وجبت الدية، جزم به في " الوجيز " (و) " منتخب الآدمي " وصححه في " التصحيح " وعنه: لا دية عليه، نقلها أبو الصقر، وجزم بها في " المنور " وغيره، وقدمها في " المحرر " وغيره، قال في " شرح المنتهى ": على الأصح، وجزم بها في " التنقيح " وتبعه في " المنتهى " و " الإقناع ". (أو غل حرا مكلفا وقيده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية) ، لأنه هلك في حال تعديه بحبسه عن الهرب من الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.
[فصل من أدب زوجته أو ولده فقتله هل عليه قصاص]
فصل (وإذا أدب الرجل ولده) ولم يسرف لم يضمنه، وكذا لو أدب زوجته في نشوز، (أو) أدب (سلطان رعيته أو) أدب (معلم صبية ولم يسرف يضمن ما تلف به) ، أي بتأديبه لأنه فعل ما له فعله شرعا، ولم يتعد فيه. ومن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي، أو غيره ضمن لتعديه، (ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنينا ضمنه المؤدب) بالغرة لسقوطه بتعديه.
(وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله) تعالى فأسقطت، (أو استعدى عليها رجل) أي طلبها لدعوى عليها (بالشرط في دعوى له فأسقطت) جنينا (ضمنه السلطان) في المسألة الأولى لهلاكها بسببه، (و) ضمن (المستعدي) في المسألة الثانية لهلاكه بسببه، (ولو ماتت) الحامل في المسألتين (فزعا) بسبب الوضع أو لا (لم يضمنا) ، أي لم يضمنها السلطان في الأولى ولا المستعدي في الثانية، لأن ذلك ليس بسبب لهلاكها في العادة،
стр. 647
جزم به في " الوجيز " وقدمه في " المحرر " (و) " الكافي "، وعنه أنهما ضامنان لها كجنينها لهلاكها بسببهما وهو المذهب كما في " الإنصاف " وغيره، وقطع به في " المنتهى " وغيره، ولو ماتت حامل، أو حملها من ريح طعام ونحوه ضمن ربه إن علم ذلك عادة.
(ومن أمر شخصا مكلفا أن ينزل بئرا أو) أمره أن (يصعد شجرة) ففعل، (فهلك به) أي بنزوله أو صعوده (لم يضمنه) الآمر، (ولو أن الآمر سلطان) لعدم إكراهه له، (وكما لو استأجره سلطان أو غيره) لذلك وهلك به، لأنه لم يجن ولم يتعد عليه، وكذا لو سلم بالغ عاقل نفسه أو ولده إلى سابح حاذق ليعلمه السباحة فغرق لم يضمنه السابح.
[باب مقادير ديات النفس]
المقادير جمع مقدار، وهو مبلغ الشيء وقدره، (دية الحر المسلم مائة بعير أو ألف مثقال ذهبا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة) ، لحديث أبي داود عن جابر «فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة» رواه أبو داود. وعن عكرمة عن ابن عباس «أن رجلا
قتل فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألف درهم» . وفي كتاب عمرو بن حزم: «وعلى أهل الذهب ألف دينار» . (هذه) الخمس المذكورات (أصول الدية) دون غيرها، (فأيها أحضر من تلزمه) الدية
стр. 648
(لزم الولي قبوله) ، سواء كان ولي الجناية من أهل ذلك النوع، أو لم يكن، لأنه أتى بالأصل في قضاء الواجب عليه، ثم تارة تغلظ الدية وتارة لا تغلظ، ( [فتغلظ] في قتل العمد وشبهه) فيؤخذ (خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة) ، ولا تغليظ في غير إبل (و) تكون الدية (في الخطأ) مخفقة، (تجب أخماسا ثمانون من الأربعة المذكورة) أي عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، (وعشرون من ابني مخاض) هذا قول ابن مسعود. وكذا حكم الأطراف، وتؤخذ من بقر مسناة وأتبعة ومن غنم ثنايا وأجذعة نصفين، (ولا تعتبر القيمة في ذلك) أي أن تبلغ قيمة الإبل أو البقر أو الشياه دية نقد لإطلاق الحديث السابق، بل تعتبر فيها السلامة من العيوب، لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
(ودية) الحر (الكتابي) الذمي، أو المعاهد، أو المستأمن (نصف دية المسلم) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين» ، رواه أحمد، وكذا جراحه (ودية المجوسي) الذمي، أو المعاهد، أو المستأمن (و) دية (الوثني) المعاهد، أو المستأمن (ثمانمائة درهم) كسائر المشركين، روي عن عمر وعثمان وابن مسعود، وجراحه بالنسبة. (ونساؤهم) أي نساء أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان وسائر المشركين (على النصف) من دية ذكرانهم، (كـ) دية نساء (المسلمين) لما في كتاب عمرو بن حزم «دية
стр. 649
المرأة على النصف من دية الرجل» ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب ثلث الدية، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها» أخرجه النسائي.
ودية خنثى مشكل نصف دية كل منهما، (ودية قن) ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا ولو مدبرا أو مكاتبا قيمته عمدا كان القتل أو الخطأ، لأنه متقوم فضمن بقيمته بالغة ما بلغت كالفرس، (و) في (جراحة) أي جراح القن إن قدر من حر بقسطه من قيمته، ففي يده نصف قيمته نقص بالجناية أقل من ذلك أو أكثر، وفي أنفه قيمته كاملة، وإن قطع ذكره، ثم خصاه فقيمته لقطع ذكره وقيمته مقطوعة وملك سيده باق عليه، وإن لم يقدر من حر ضمن بـ (ما نقصه) بجنايته (بعد البرء) أي التئام جرحه كالجناية على غيره من الحيوانات.
(ويجب في الجنين) الحر (ذكرا كان أو أنثى) إذا سقط ميتا بجناية على أمه عمدا أو خطا (عشر دية أمه غرة) ، أي عبدا أو أمة قيمتها خمس من الإبل إن كان حرا مسلما، (و) يجب في الجنين (عشر قيمتها) أي قيمة أمه (إن كان) الجنين (مملوكا،
стр. 650
وتقدر الحرة) الحامل برقيق (أمة) ويؤخذ عشر قيمتها يوم جنايته عليها نقدا، وإن سقط حيا لوقت يعيش لمثله فيه إذا مات ما فيه مولودا، وفي جنين دابة ما نقص أمه. (وإن جنى رقيق خطأ أو) جنى (عمدا لا قود فيه) كالجائفة، (أو) جنى عمدا (ففيه قود واختير فيه المال، أو أتلف) رقيق (مالا) وكانت الجناية والإتلاف (بغير إذن سيده تعلق) ما وجب بـ (ذلك برقبته) ، لأنه موجب جنايته، فوجب أن يتعلق برقبته كالقصاص، (فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته) إن كان قدر قيمته فأقل، وإن كان أكثر منها لم يلزمه سوى قيمته حيث لم يأذنه في الجناية، (أو يسلمه) السيد (إلى ولي الجناية فيملكه أو يبيعه) السيد (ويدفع ثمنه) لولي الجناية إن استغرقه أرش الجناية، وإلا دفع منه بقدره، وإن كانت الجناية بإذن السيد، أو أمره فداه بأرشها كله، وإن جنى عمدا فعفا ولي على رقبته لم يملكه بغير رضى سيده، وإن جنى على عدد زاحم كل بحصته وشراء ولي قود له عفو عنه.
[باب ديات الأعضاء ومنافعها]
. أي منافع الأعضاء (من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف) ولو من أخشم أو مع عوجه، (واللسان والذكر) ولو من صغير (ففيه دية) تلك (النفس) التي قطع منها على التفصيل السابق؛ لحديث عمرو بن حزم مرفوعا «وفي الذكر دية وفي أنف إذا أوعب جذعا الدية وفي اللسان الدية» رواه أحمد والنسائي واللفظ له، (وما فيه) أي في الإنسان (منه
شيئان كالعينين) ولو مع حول أو عمش، (و) كـ
стр. 651
(الأذنين) ولو لأصم، (و) كـ (الشفتين، و) كـ (اللحيين) وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان، (وكثديي المرأة وكثندؤتي الرجل) بالثاء المثلثة، فإن ضممتها همزت، وإن فتحتها لم تهمز، وهما للرجل بمنزلة الثديين للمرأة، (و) كـ (اليدين والرجلين والأليتين وإسكتي المرأة) بكسر الهمزة وفتحها وهما شفراها، (ففيهما الدية وفي إحداهما نصفها) ، أي نصف الدية لتلك النفس. (وفي المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز بينهما ثلثها) ، لأن المارن يشمل ثلاثة أشياء منخرين وحاجزا فوجب توزيع الدية على عددها. (وفي الأجفان الأربعة الدية وفي كل جفن ربعها) أي ربع الدية، (وفي أصابع اليدين) إذا قطعت (الدية كأصابع الرجلين) ففيها دية إذا قطعت، (وفي كل أصبع) من أصابع اليدين أو الرجلين (عشر الدية) لحديث ابن عباس مرفوعا «دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع» رواه الترمذي وصححه. (وفي كل أنملة) من أصابع اليدين، أو الرجلين (ثلث عشر الدية) ؛ لأن في كل أصبع ثلاث مفاصل، (والإبهام) فيه (مفصلان وفي كل مفصل) منها (نصف عشر الدية كدية السن) يعني أن في كل سن، أو ناب، أو ضرس ولو من صغير، ولم يعد خمسا من الإبل، لخبر عمرو بن حزم مرفوعا «في السن خمس من الإبل» رواه النسائي.
стр. 652
[فصل في دية المنافع]
فصل
في دية المنافع
(و) تجب (في كل حاسة دية كاملة، وهي) أي الحواس (السمع والبصر والشم والذوق) لحديث «وفي السمع الدية» ولقضاء عمر ﵁ في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات، والرجل حي، (وكذا) تجب الدية كاملة
(في الكلام، و) في (العقل، و) في (منفعة المشي، و) في منفعة (الأكل، و) في منفعة (النكاح، و) في (عدم استمساك البول أو الغائط) لأن في كل واحد من هذه منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها كالسمع والبصر، وفي ذهاب بعض ذلك إذا علم بقدره ففي بعض الكلام بحسابه، ويقسم على ثمانية وعشرين حرفا وإن لم يعلم قدر الذاهب فحكومة. (و) يجب (في كل واحد من الشعور الأربعة الدية؛ وهي) أي الشعور الأربعة (شعر الرأس و) شعر (اللحية و) شعر (الحاجبين وأهداب العينين) ، روي عن علي، وزيد بن ثابت ﵄: وفي الشعر الدية، ولأنه أذهب الجمال على الكمال، وفي حاجب نصف الدية، وفي هدب ربعها وفي شارب حكومة،
стр. 653
(فإن عاد) الذاهب من تلك الشعور (فنبتت سقط موجبه) ، فإن كان أخذ شيئا رده، وإن ترك من لحية أو غيرها مالا جمال فيه فدية كاملة. (و) يجب (في عين الأعور الدية كاملة) قضى به عمر وعثمان وعلي وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة ﵃، ولأن قلع عين الأعور يتضمن إذهاب البصر كله، لأنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بالعينين، وإن قلع صحيح عين أعور أقيد بشرطه وعليه معه نصف الدية. (وإن قلع الأعور عين الصحيح) العينين (المماثلة لعينه الصحيحة عمدا فعليه دية كاملة ولا قصاص) روي عن عمر وعثمان ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، ولأن القصاص يفضي إلى استيفاء جميع البصر من الأعور، وهو إنما أذهب بصر عين واحدة، وإن كان قلعها خطأ فنصف الدية.
стр. 654
(و) يجب (في قطع يد الأقطع) أو رجله عمدا (نصف الدية كغيره) أي كغير الأقطع وكبقية الأعضاء، ولو قطع يد صحيح أقيد بشرطه.
[باب الشجاج وكسر العظام]
. الشج: القطع، ومنه شججت المفازة، أي قطعتها، (الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة) سميت بذلك لأنها تقطع الجلدة، فإن كان في غيرهما سمي جرحا لا شجة، (وهي) أي الشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب (عشر) مرتبة، أولها: (الحارصة) بالحاء والصاد المهملتين (التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا ولا تدميه) ، أي لا يسيل منه دم، والحرص: الشق، يقال: حرص القصار الثوب: إذا شقة قليلا، وتسمى أيضا القاشرة والقشرة، (ثم) يليها (البازلة الدامية الدامعة) بالعين المهملة لقلة سيلان الدم منها تشبيها بخروج الدمع من العين، وهي التي يسيل منها الدم، ثم) يليها (الباضعة وهي التي تبضع اللحم) أي تشقه بعد الجلد، ومنه سمي البضع، (ثم) يليها (المتلاحمة وهي الغائصة
في اللحم) ، ولذلك اشتقت منه، (ثم) يليها (السمحاق، وهي التي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة) تسمى السمحاق، سميت الجراحة الواصلة إليها بها لأن هذه الجراحة تأخذ في اللحم كله حتى تصل إلى هذه القشرة، (فهذه الخمس لا مقدر فيها، بل) فيها (حكومة) لأنه لا توقيف فيها في الشرع، فكانت كجراحات بقية البدن. (وفي الموضحة وهي ما توضح اللحم) هكذا في خطه والصواب العظم، (وتبرزه)
стр. 655
عطف تفسير على توضحه. ولو أبرزته بقدر إبرة لمن ينظره (خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم «وفي الموضحة خمس من الإبل» ، فإن عمت رأسا ونزلت إلى وجه فموضحتان. (ثم) يليها (الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه) أي تكسره، (وفيها عشرة أبعرة) روي عن زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف في عصره من الصحابة، (ثم) يليها (المنقلة وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها، وفيها خمس عشر من الإبل) لحديث عمرو بن حزم، (وفي كل واحدة من المأمومة) ، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وتسمى الآمة وأم الدماغ، (والدامغة) بالغين المعجمة وهي التي تخرق الجلد (ثلث الدية) لحديث عمرو بن حزم «في المأمومة ثلث الدية» والدامغة أبلغ.
وإن هشمه بمثقل ولم يوضحه، أو طعنه في خده فوصل إلى فمه فحكومة، كما لو أدخل غير زوج أصبعه في فرج بكر، (وفي الجائفة ثلث الدية) لما في كتاب عمرو بن حزم: «في الجائفة ثلث الدية» ، (وهي) أي الجائفة (التي تصل إلى بطن الجوف) كبطن - ولو لم تخرق أمعاء - وظهر وصدر ومثانة وبين خصيتين ودبر، وإن أدخل السهم من جانب فخرج من آخر فجائفتان رواه سعيد بن المسيب عن أبي بكر، ومن وطئ زوجة لا يوطأ مثلها فخرق ما بين مخرج بول ومني، أو ما بين السبيلين فعليه الدية إن لم يستمسك بول وإلا فثلثها، وإن كانت ممن يوطأ مثلها لمثله فهدر.
стр. 656
(و) يجب (في الضلع) إذا جبر كما كان بعير، (و) يجب في (كل واحدة من الترقوتين بعير) لما روى سعيد عن عمر ﵁: في الضلع جمل وفي الترقوة جمل. والترقوة: العظم المستدير حول العتق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان، وإن انجبر الضلع أو الترقوة غير مستقيمين فحكومة (و) يجب (في كسر الذراع: وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد) في (الفخذ و) في (الساق) والزند (إذا جبر ذلك مستقيما بعيران) ؛ لما روى سعيد، عن عمرو بن شعيب، [عن أبيه، عن جده] ، أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر في أحد
الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان ففيهما أربعة من الإبل، ولم يظهر له مخالف من الصحابة. (وما عدا ذلك) المذكور (من الجراح وكسر العظام) كخرزة صلب وعصعص وعانة (ففيه حكومة، والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم، وهي) أي الجناية (به قد برئت فما نقص من القيمة فله) أي للمجني عليه (مثل نسبته من الدية، كأن) أي لو قدرنا أن (قيمته) أي قيمة المجني عليه لو كان (عبدا سليما) من الجناية (ستون، وقيمته بالجناية خمسون، ففيه) أي في جرحه (سدس ديته) لنقصه بالجناية سدس قيمته، (إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر) من الشرع، (فلا يبلغ بها) أي الحكومة (المقدر) كشجة دون الموضحة لا تبلغ حكومتها أرش الموضحة، وإن لم تنقصه الجناية حال برء قوم حال جريان دم، فإن لم تنقصه أيضا، أو زادته حسنا فلا شيء فيها.
стр. 657
[باب العاقلة وما تحمله]
العاقلة (عاقلة الإنسان) ذكور (عصابته كلهم من النسب، والولاء قريبهم) كالإخوة، (وبعيدهم) كابن ابن ابن عم جد الجاني (حاضرهم وغائبهم حتى عمودي نسبه) ، وهم آباء الجاني (و) إن علوا وأبناؤه وإن نزلوا، سواء كان الجاني رجلا أو امرأة، لحديث أبي هريرة: «قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لزوجها وبنيها، وأن العقل على عصبتها» متفق عليه، يقال: عقلت من فلان: إذا غرمت عنه دية جنايته، ولو عرف نسبه من قبيلة ولم يعلم من أي بطونها لم يعقلوا عنه، ويعقل هرم وزمن وأعمى أغنياء، (ولا عقل على رقيق) لأنه لا يملك ولو ملك فملكه ضعيف، (و) لا على (غير مكلف) كصغير ومجنون لأنهما ليسا من أهل النصرة، (و) لا على (فقير) لا يملك نصاب زكاة عند حلول الحول فاضلا عنه، كحج وكفارة ظهار ولو معتملا، لأنه ليس من أهل المواساة، (ولا أنثى ولا مخالف لدين الجاني) لفوات المعاضدة والمناصرة. ويتعاقل أهل ذمة اتحدت
مللهم. وخطأ إمام وحاكم في حكمهما في بيت المال، ومن لا عاقلة له أو له وعجزت، فإن كان كافرا فالواجب عليه، وإن كان مسلما فمن بيت المال حالا إن أمكن وإلا سقطت. (ولا تحمل العاقلة عمدا محضا) ولو لم يجب به قصاص، كجائفة ومأمومة، لأن العامد غير معذور فلا يستحق المواساة، وخرج بالمحض شبه العمد فتحمله، (ولا) تحمل العاقلة أيضا (عبدا) أي قيمة عبد قتله الجاني، أو قطع طرفه ولا تحمل
стр. 658
أيضا جنايته (ولا) تحمل أيضا (صلحا) عن إنكار، (ولا اعترافا لم تصدقه به) بأن يقر على نفسه بجناية وتنكر العاقلة.
روى ابن عباس مرفوعا: «لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا» ، وروي عنه موقوفا. (ولا) تحمل العاقلة أيضا (ما دون ثلث الدية التامة) أي ذكر حر مسلم لقضاء عمر أنها لا تحمل شيئا حتى يبلغ عقل المأمومة إلا غرة جنين مات بعد أمه أو معها بجناية واحدة لا قبلها، ويؤجل ما وجب بشبه العمد والخطأ على ثلاث سنين، ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يسهل عليه، ويبدأ بالأقرب فالأقرب لكن تؤخذ من بعيد لغيبة قريب.
[فصل في كفارة القتل]
فصل
في كفارة القتل
(من قتل نفسا محرمة) ولو نفسه، أو قنه، أو مستأمنا، أو أجنبيا، أو شارك في قتلها (خطأ) ، أو شبه عمد (مباشرة، أو تسببا) ، كحفره بئرا، (بغير حق فعليه) أي على القاتل ولو
стр. 659
كافرا، أو قنا، أو صغيرا، أو مجنونا (الكفارة) عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا إطعام فيها، وإن كانت النفس مباحة كباغ، أو القتل قصاصا، أو حدا، أو دفعا عن نفسه فلا كفارة، ويكفر قن بصوم ومن مال غير مكلف وليه ويتعدد بتعدد قتل.
[باب القسامة]
وهي لغة: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم: أقسم إقساما وقسامة. وشرعا: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) ، روى أحمد ومسلم أن النبي ﷺ أقر القسامة
على ما كانت عليه في الجاهلية، ولا تكون في دعوى قطع طرف ولا جرح.
و (من شروطها) أي القسامة (اللوث، وهو العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر) ، وكما بين البغاة وأهل العدل، وسواء وجد مع اللوث أثر القتل أو لا (فمن ادعى عليه القتل من غير لوث حلف يمينا واحدة وبرئ) حيث لا بينة للمدعي كسائر الدعاوى فإن نكل قضي عليه بالنكول إن لم تكن الدعوى بقتل عمد، فإن كانت به لم يحلف وخلي سبيله.
стр. 660
ومن شرط القسامة أيضا تكليف مدعى عليه القتل، وإمكان القتل منه، ووصف القتل في الدعوى، وطلب جميع الورثه واتفاقهم على الدعوى وعلى عين القاتل، وكون فيهم ذكور مكلفون، وكون الدعوى على واحد معين، ويقاد فيها إذا تمت الشروط.
(ويبدأ بأيمان الرجال من ورثه الدم فيحلفون خمسين يمينا) وتوزع بينهم بقدر إرثهم، ويكمل كسر ويقضي لهم، ويعتبر حضور مدع ومدعى عليه وقت حلف، ومتى حلف الذكور فألحق حتى في عمد لجميع الورثة، (فإن نكل الورثة) عن الخمسين يمينا، أو عن بعضها (أو كانوا) أي الورثة كلهم (نساء حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ) إن رضي الورثة، وإلا فدى الإمام القتيل من بيت المال كميت في زحمة جمعة وطواف.
* * *
стр. 661
[كتاب الحدود]
جمع حد، وهو لغة: المنع، وحدود الله محارمه. واصطلاحا: عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها.
(لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل) لحديث «رفع القلم عن ثلاثة» ، (ملتزم) أحكام المسلمين مسلما كان أو ذميا بخلاف الحربي والمستأمن، (عالم بالتحريم) لقول عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه، (فيقيمه الإمام أو نائبه مطلقا) سواء، كان الحد لله كحد الزنا، أو لآدمي كحد القذف، لأنه يفتقر إلى اجتهاد، ولا يؤمن من استيفائه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه، ويقيمه (في غير مسجد) ، وتحرم فيه لحديث حكيم بن حزام «أن رسول الله ﷺ نهى أن يقاد في بالمسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» وتحرم شفاعة وقبولها في حد الله تعالى بعد أن يبلغ الإمام، ولسيد مكلف عالم به وبشروطه إقامته بجلد وإقامة تعزير على رقيق كله له.
стр. 662
(ويضرب الرجل في الحد قائما) لأنه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، (بسوط) وسط (لا جديد ولا خلق) بفتح اللام لأن الجديد يجرحه والخلق لا يؤلمه، (ولا يمد ولا يربط ولا يجرد) المحدود من ثيابه عند جلده، لقول ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد، (بل يكون عليه قميص أو قميصان) ، وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت، (ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد) ، لأن المقصود تأديبه لا إهلاكه، ولا يرفع ضارب يده بحيث يبدو إبطه. (و) سن أن (يفرق الضرب على بدنه) ليأخذ كل عضو منه
حظه، ولأن توالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى القتل، ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين، ويضرب من جالس ظهره وما قاربه. (ويتقي) وجوبا (الرأس والوجه والفرج والمقاتل) ، كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدى ضربه على شيء من هذه إلى قتله أو ذهاب منفعته، (والمرأة كالرجل فيه) أي فيما ذكر، (إلا أنها تضرب جالسة) لقول علي ﵁: تضرب المرأة جالسة والرجل قائما، (وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف) ، لأن المرأة عورة وفعل ذلك بها أستر لها وتعتبر لإقامته نية لا موالاة.
(وأشد الجلد) في الحدود (جلد الزنا، ثم) جلد (القذف، ثم) جلد (الشرب، ثم) جلد (التعزير) ، لأن الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] وما دونه أخف منه في العدد، فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة ولا يؤخر حد لمرض ولو رجي زواله، ولا لحر أو برد ونحوه، فإن خيف من السوط لم يتعين فيقام بطرف ثوب ونحوه، ويؤخر لسكر حتى يصحو.
(ومن مات في حد فالحق قتله) ولا شيء على من حده لأنه أتى به على الوجه
стр. 663
المشروع بأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، ومن زاد ولو جلدة، أو في السوط أو بسوط لا يحتمله فتلف المحدود ضمنه بديته، (ولا يحفر للمرجوم في الزنا) رجلا كان أو امرأة، لأن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية ولا لليهوديين لكن تشد على المرأة ثيابها لئلا تنكشف، ويجب في إقامة حد الزنا حضور إمام أو نائبه وطائفة من المؤمنين ولو واحدا، وسن حضور من شهد وبداءتهم برجم.
[باب حد الزنا]
. وهو فعل الفاحشة في قبل أو دبر. (إذا زنا) المكلف (المحصن رجم حتى يموت) لقوله ﷺ وفعله. ولا يجلد قبله ولا ينفى. (والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة، أو الذمية) أو المستأمنة (في نكاح صحيح) في قبلها، (وهما) أي الزوجان (بالغان عاقلان حران فإن اختل شرط منهما) أي
стр. 664
من هذه الشروط المذكورة (في أحدهما) أي أحد الزوجين (فلا إحصان لواحد منهما) ويثبت إحصانه بقوله: وطئتها ونحوه لا بولد منها مع إنكار وطئه.
(وإذا زنا) المكلف (الحر غير المحصن جلد مائة جلدة) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، (وغرب) أيضا مع الجلد (عاما) لما روى الترمذي «عن ابن عمر أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» ، (ولو) كان المجلود (امرأة) فتغرب مع محرم وعليها أجرته، فإن تعذر المحرم فوحدها إلى مسافة القصر، ويغرب غريب إلى غير وطنه.
(و) إذا زنى (الرقيق) جلد (خمسين جلدة) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير، (ولا يغرب) الرقيق لأن التغريب إضرار بسيده، ويجلد ويغرب مبعض بحسابه.
стр. 665
(وحد لوطي) فاعلا كان أو مفعولا به (كزان) ، فإن كان محصنا فحده الرجم وإلا جلد مائة وغرب عاما، ومملوكه كغيره ودبر أجنبية كاللواط.
(ولا يجب الحد) للزنا (إلا بثلاثة شروط) :
(أحدها: تغييب حشفته الأصلية كلها) أو قدرها لعدم (في قبل أو دبر أصليين من آدمي حي) ، فلا يحد من قبل، أو باشر دون الفرج، ولا من غيب بعض الحشفة، ولا من غيب الحشفة الزائدة، أو غيب الأصلية في زائدة، أو ميت، أو في بهيمة، بل يعزر وتقتل البهيمة، وإنما يحد الزاني إذا كان الوطء المذكور (حراما محضا) أي خاليا عن الشبهة، وهو معنى قوله.
الشرط (الثاني: انتفاء الشبهة) لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» (فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك) ، أو محرمة برضاع ونحوه، (أو لولده) فيها شرك، (أو وطئ امرأة) في منزله (ظنها زوجته، أو) ظنها (سريته) فلا حد، (أو) وطئ امرأة (في نكاح باطل اعتقد صحته، أو) وطئ امرأة في (نكاح) مختلف فيه كمتعة، أو بلا ولي ونحوه، (أو) وطئ أمة في (ملك مختلف فيه) بعد قبضه كشراء فضولي ولو قبل الإجازة (ونحوه) . أي نحو ما ذكر كجهل تحريم الزنا من قريب عهد
стр. 666
بإسلام، أو ناشئ ببادية بعيدة، (أو أكرهت
المرأة) المزني بها (على الزنا) فلا حد، وكذا ملوط به أكره بإلجاء، أو تهديد، أو منع طعام، أو شراب مع إضرار فيهما.
الشرط (الثالث: ثبوت الزنا ولا يثبت) الزنا (إلا بأحد أمرين: أحدهما: أن يقر به) أي بالزنا مكلف ولو قنا (أربع مرات) لحديث ماعز، وسواء كانت الأربع (في مجلس، أو مجالس، و) يعتبر أن (يصرح) بذكر (حقيقة الوطء) فلا تكفي الكناية لأنها تحتمل ما لا يوجب الحد، وذلك شبهة تدرأ الحد، (و) يعتبر أن (لا ينزع) أي يرجع (عن إقراره حتى يتم عليه الحد) ، فلو رجع عن إقراره، أو هرب كف عنه، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعا فأنكر أو صدقهم دون أربع فلا حد عليه ولا عليهم.
الأمر (الثاني) مما يثبت به الزنا (أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه) ، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في المكحلة والرشأ في البئر، لأن النبي ﷺ لما أقر عنده ماعز، قال له: «أنكتها لا تكني؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشأ في البئر؟ قال: نعم» ، وإذا اعتبر التصريح في الإقرار، فالشهادة أولى (أربعة) فاعل يشهد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] ويعتبر أن يكونوا (ممن تقبل شهادتهم فيه) أي في الزنا بأن يكونوا رجالا عدولا ليس فيهم من به مانع من عمى أو زوجية، (سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين) ، فإن شهدوا في مجلسين
стр. 667
فأكثر، أو لم يكمل بعضهم الشهادة، أو قام به مانع حدوا للقذف، كما لو عين اثنان يوما، أو بلدا، أو زاوية من بيت كبير، وآخران آخر. (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك) الحمل، ولا يجب أن تسأل، لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة الفاحشة، وذلك منهي عنه، وإن سئلت وادعت أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا أربعا لم تحد، لأن الحد يدرأ بالشبهة.
[باب حد القذف]
. وهو الرمي بزنا أو لواط، (إذا قذف المكلف) المختار ولو أخرس بإشارة (محصنا) ولو مجبوبا، أو ذات محرم، أو رتقاء (جلد) قاذف (ثمانين جلدة، إن كان) القاذف (حرا) ؛ لقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (وإن) كان القاذف (عبدا) ، أو أمة ولو عتق عقب قذف جلد (أربعين) جلدة كما تقدم في الزنا. (و) القاذف (المعتق بعضه) يجلد (بحسابه) ، فمن نصفه حر يجلد ستين جلدة، (وقذف غير المحصن) ولو قنه (يوجب التعزير) على القاذف ردعا عن أعراض المعصومين، (وهو) أي حد القذف (حق للمقذوف) فيسقط بعفوه، ولا يقام إلا بطلبه، كما يأتي، لكن لا يستوفيه بنفسه وتقدم. (والمحصن هنا) أي في باب القذف هو: (الحر المسلم العاقل العفيف) عن الزنا ظاهرا ولو تائبا منه، (الملتزم الذي يجامع مثله) وهو ابن عشر وبنت تسع، (ولا يشترط بلوغه) لكن لا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ ويطالب، ومن قذف غائبا لم يحد
стр. 668
حتى يحضر ويطالب، أو يثبت طلبه في غيبته، ومن قال لابن عشرين: زنيت من ثلاثين سنة لم يحد.
(وصريح القذف) قوله: يا زاني يا لوطي، ونحوه) كيا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك، ويا منيوك، ويا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد، (وكنايته) أي كناية القذف (يا قحبة) و (يا فاجرة) و (يا خبيثة) و (فضحت زوجك، أو نكست رأسه، أو جعلت له قرونا، ونحوه) كعلقت عليه أولادا من غيره، أو أفسدت فراشه ولعربي: يا نبطي ونحوه، وزنت يدك، أو رجلك ونحوه، (إن فسره بغير القذف قبل) وعزر كقوله: يا كافر يا فاسق يا فاجر يا حمار ونحوه.
(وإن قذف أهل بلد أو) قذف (جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر) ، لأنه لا عار عليهم به للقطع بكذبه، وكذا لو اختلفا [في أمر] فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية، عزر ولا حد.
стр. 669
(ويسقط حد القذف بالعفو) أي عفو المقذوف عن القاذف، (ولا يستوفي) حد القذف (بدون الطلب) أي طلب المقذوف لأنه حقه كما تقدم، ولذلك لو قال المكلف: اقذفني فقذفه، لم يحد وعزر، وإن مات المقذوف ولم يطالب به سقط، وإلا فلجميع الورثة، ولو عفا بعضهم حد للباقي كاملا، ومن قذف ميتا حد بطلب وارث محصن، ومن قذف نبيا كفر وقتل ولو تاب، أو كان كافرا فأسلم.
[باب حد المسكر]
. أي الذي ينشأ عنه السكر، وهو اختلاط العقل، (كل شراب أسكر كثيره فقليله
حرام، وهو خمر من أي شيء كان) ؛ لقوله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه أحمد وأبو داود. (ولا يباح شربه) أي شرب ما يسكر كثيره (للذة ولا بتداو ولا عطش ولا غيره، إلا لدفع لقمة غص بها ولم يحضره غيره) ، أي غير الخمر، وخاف تلفا لأنه مضطر، ويقدم عليه بول، وعليهما ماء نجس، (وإذا شربه) أي المسكر (المسلم) ، أو شرب ما خلط به ولم يستهلك فيه، أو أكل عجينا لت به (مختارا عالما أن كثيره يسكر، فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية) ، لأن عمر استشار الناس في حد الخمرة، فقال عبد الرحمن: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب
стр. 670
عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة في الشام، رواه الدارقطني وغيره، فإن لم يعلم أن كثيره يسكر فلا حد عليه، ويصدق في جهل ذلك، (و) عليه (أربعون مع الرق) عبدا كان أو أمة، ويعزر من وجد منه رائحتها، أو حضر شربها، لا من جهل التحريم، لكن لا يقبل ممن نشأ بين المسلمين ويثبت بإقرار مرة كقذف، أو بشهادة عدلين. ويحرم عصير غلا وأتى عليه ثلاثة أيام بلياليها، ويكره الخليطان كنبيذ تمر مع زبيب، لا وضع تمر أو نحوه وحده في ماء لتحليته ما لم يشتد أو تتم له ثلاثة أيام.
[باب التعزير]
(وهو) لغة: المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة، لأنه يمنع المعادي من الإيذاء واصطلاحا (التأديب) لأنه يمنع مما لا يجوز فعله، (وهو) أي التعزير (واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه) أي كمباشرة دون فرج. (و) كـ (سرقة لا قطع فيها) لكون المسروق دون نصاب أو
следующие страницы →