← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 168

تفسير مبهمات القرآن

البلنسي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تفسير مبهمات القرآن «الموسوم بصلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن علي البلنسي (٧١٤ هـ - ٧٨٢ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور حنيف بن حسن القاسمي [المجلد الأول]

стр. 2

أصل هذا الكتاب من متطلبات درجة الماجستير في الكتاب والسنة من قسم الدراسات العليا الشرعية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى. نوقشت في ٨/ ١٤٠٧ /١٧ هـ وحصلت على تقدير ممتاز.

стр. 3

بسم الله الرّحمن الرّحيم المقدّمة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه: ﴿كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. أحمده سبحانه على أن خصّنا بالقرآن العظيم والنّور المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، علّم القرآن وجعله معجزة خاتم أنبيائه باقية ما بقي الزمان. وأشهد أن سيّدنا ونبينا محمدا عبد الله، ورسوله، المؤيد بهذا القرآن ﷺ ، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين. أما بعد: فإنّ العلماء قد عنوا بالقرآن عناية بالغة من جميع جوانبه فمنهم من عني بحل ألفاظه وبيان معانيه وأحكامه، ومنهم من عني بمعرفة ناسخه ومنسوخه وخاصّه وعامّه، ومنهم من كتب في أسباب نزوله، مكيّه ومدنيّه، ومنهم من عني بذكر بلاغته وإعجازه ومنهم من عني بكشف مبهمه، وكتبوا في ذلك الكثير مما يعجز القلم عن حصره. ولمّا كانت علوم القرآن أشرف العلوم وأفضلها، ودراسته والعكوف على أسراره ومعانيه تعطي المسلم ذخيرة تنفعه في عاجله وآجله. فإنني وجهت اهتمامي إلى دراسة جانب من جوانب علومه ألا وهو علم مبهمات القرآن

стр. 4

فاخترت كتاب: «صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل» لمصنّفه الإمام العلاّمة محمد بن علي البلنسيّ الأندلسيّ المتوفى سنة (٧٨٢ هـ) ﵀، لتكون دراسة هذا الكتاب وتحقيق القسم الأول منه موضوعا لنيل درجة الماجستير بفرع الكتاب والسنة، ذلك أن البلنسيّ قد جمع في هذا الفن (علم مبهمات القرآن) بين كتاب التعريف والإعلام لما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام للإمام الحافظ عبد الرحمن بن عبد الله السّهيليّ المتوفى سنة (٥٨١ هـ)، وهو من أشهر الكتب المؤلفة في هذا الفن، لما يشتمل عليه من أبحاث مفيدة، ولمكانة مؤلفه وتضلعه في علم اللّغة. وبين كتاب التكميل والإتمام لكتاب التعريف والإعلام للإمام العلاّمة محمد بن عليّ بن خضر الغسّاني المعروف ب «ابن عسكر» المتوفى سنة (٦٣٦ هـ). وأضاف إليهما زيادات مهمة لا تقل أهميتها عمّا ورد فيهما، وذلك بالرجوع إلى مصادر مختلفة في هذا الفن ذكرتها في مبحث مصادره، وهذا الكتاب - حسب اطلاعي - من أجمع الكتب التي ألّفت في هذا الفن. هذا وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى قسمين رئيسين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق. أما قسم الدراسة فيتكون من مقدمة وثلاثة فصول: المقدمة: وفيها ذكر الباعث على اختيار هذا الكتاب وخطة البحث. الفصل الأول: يشتمل على دراسة عصر المؤلف وتناولت فيه المباحث الآتية: ١ - الحالة السياسية بالأندلس في عصر البلنسي. ٢ - الحالة العلمية في غرناطة. ٣ - الحالة الاجتماعية. ٤ - مدى تأثر البلنسي بهذه الأحوال عامة. الفصل الثاني: حياة المؤلف، ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: في حياته الاجتماعية. وفيه مطلبان: المطلب الأول: اسمه، نسبه، أصله، كنيته. المطلب الثاني: موطنه، مولده، نشأته، أسرته.

стр. 5

المبحث الثاني: في حياته العلمية. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: طلبه العلم وأشهر شيوخه. المطلب الثاني: مكانته بين أقرانه. المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه. المطلب الرابع: تلاميذه. المطلب الخامس: آثاره العلمية ووفاته. الفصل الثالث: في التعريف بعلم المبهمات ودراسة كتاب صلة الجمع، ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: في التعريف بموضوع الكتاب، ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف المبهم لغة واصطلاحا. المطلب الثاني: الأصل في علم المبهمات. المطلب الثالث: أسباب ورود الإبهام في القرآن الكريم. المطلب الرابع: الطريق إلى معرفة المبهم. المطلب الخامس: الكتب المؤلفة في هذا الفن. المبحث الثاني: في دراسة كتاب صلة الجمع، والباعث إلى تأليفه، ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في الباعث إلى تأليفه. المطلب الثاني: في منهجه في الكتاب. المطلب الثالث: مصادره. المطلب الرابع: قيمته العلمية. المبحث الثالث: عملي في التحقيق: ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: عنوان الكتاب. المطلب الثاني: توثيق نسبته إلى المؤلف. المطلب الثالث: وصف النسخ المخطوطة. المطلب الرابع: منهج التحقيق. القسم الثاني: النّص المحقق.

стр. 6

الفصل الأوّل عصر البلنسيّ. وفيه أربعة مباحث المبحث الأول الحالة السياسية عاش الإمام البلنسيّ ﵀ في القرن الثامن الهجري (٧١٤ - ٧٨٢ هـ) بغرناطة، وهي الفترة التي كان ملوك بني الأحمر يحكمون فيها مملكة غرناطة، والتي ظهرت بعد أن ضعف أمر الموحدين (١) بالأندلس وبعد هزيمة محمد بن هود (٢) - آخر ملوك بني هود - من قبل ابن الأحمر (٣)، وكانت مملكة _________ (١) قامت الدولة الموحدية في المغرب عام (٥٤١ هـ) وذلك بعد نشاط متواصل من قبل مؤسس هذه الدولة محمد بن تومرت الذي بدأه عام (٥١٤ هـ)، وقد بدأ ابن تومرت ثورته برفع شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تطورت هذه الثورة، وصارت دعوة سياسية، ثم عسكرية قاتلت المرابطين حتى قضت على دولتهم. راجع: نهاية الأندلس: ١/ ١٥٧، والتاريخ الأندلسي للدكتور عبد الرحمن الحجي: ٤٥٧. (٢) هو: محمد بن يوسف بن هود، من ملوك الطوائف، الملقب بالمتوكل. تنازع مع ابن الأحمر رئاسة الأندلس، قتل سنة (٦٣٥ هـ). تاريخ ابن خلدون: (٤/ ٢٥١، ٢١٦). (٣) هو: محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر بن قيس الخزرجي المعروف ب «ابن الأحمر»، أول ملوك بني الأحمر الذين حكموا مملكة غرناطة. توفي سنة (٦٧١ هـ). الاحاطة: ٢/ ٩٢، واللّمحة البدرية لابن الخطيب: ٤٢، وتاريخ ابن خلدون: ٤/ ٢١٨.

стр. 7

غرناطة في أول أمرها تضم بجانب غرناطة عددا من المدن الأندلسية الأخرى، من أهمها جيّان وشريش ولوشة ومالقة ورندة ... وغيرها. وكانت هذه المدن تسقط (١) واحدة تلو الأخرى في أيدي النّصارى الذين كانوا يكيدون للمسلمين ويريدون إخراجهم من تلك البلاد، وقد كانت أوضاع المسلمين المتردية من شقاق وفساد تهيئ لهم كثيرا من الفرص للانقضاض عليهم. هذا وقد شهدت الدولة النّصرية في غرناطة مراحل من القوة والضعف ودورات من الانتصارات والهزائم، وسلسلة من المحالفات والمعاهدات مع ممالك أسبانيا المسيحية ومع ممالك العالم الإسلامي الأخرى (٢). وقد ولد الإمام البلنسيّ ﵀ في عهد خامس ملوك بني الأحمر، وهو أبو الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النّصري الذي وصفه ابن الخطيب (٣) بقوله: «كان عفيفا بريئا من المعاقرة وقد بذل العدل في رعيته واقتصد في جبايته، واجتهد في الدفاع عن مملكته، وحدثت في عهده حروب مع النّصارى الذين حاولوا اقتحام غرناطة، فصمد الغرناطيون وانهزم النّصارى أقبح هزيمة (٤). واستمر حكمه حتى مات قتيلا على يد ابن عمه محمد بن إسماعيل الذي طعنه بخنجر بين وزرائه وحشمه، وذلك سنة (٧٢٥ هـ) (٥). وخلفه في الحكم بعده ابنه محمد بن إسماعيل بن فرج النّصري المعروف بمحمد الرابع، كان فارسا شجاعا إلى حد التهور، واستولى النّصارى - في _________ (١) سقطت مدينة جيان سنة (٦٤٣ هـ)، ومدينة شريش سنة (٦٦٥ هـ)، ومدينة رندة في جمادى الأولى سنة (٨٩٠ هـ)، وسقطت مالقة في رمضان عام (٨٩٢ هـ). انظر: نهاية الأندلس: ٢٠٦، ٢١٤). (٢) تاريخ التعليم في الأندلس: ١٨١. (٣) اللمحة البدرية: ٧٨. (٤) نفح الطيب: ١/ ٤٤٩. (٥) اللحمة البدرية: ٨٧.

стр. 8

عهده - على بعض الحصون التابعة لمملكة غرناطة فاستنجد بسلطان المغرب فأنجده، واستعاد السلطان محمد الرابع جبل الفتح (١).وذلك عام (٧٣٣ هـ)، وفي السنة نفسها لقي السلطان مصرعه في كمين نصبه له المغاربة وهو عائد من حملته على جبل طارق، ذلك أنه كان سليط اللسان فحقد عليه بعض الجنود المغاربة وقتلوه. فبويع بعده أخوه السلطان يوسف بن إسماعيل بن فرج النّصري، وقد وصفه ذو الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب بقوله: «بدر الملوك وزين الأمراء، ... وافر العقل، كثير الهيبة، إلى ثقوب الذهن وبعد الغور، والتفطن للمعاريض والتبريز في كثير من الصنائع العملية، مائلا إلى الهدنة كلفا بالمباني والأثواب، جماعة للحليّ والذخيرة، مستميلا لمعاصريه من الملوك» (٢) وفي عهده غزا ملوك الإفرنج بقيادة آلفونسو الحادي عشر أراضي المسلمين فاستنجد السلطان يوسف بالسلطان أبي الحسن المريني (٣) فأنجده وأرسل إليه المدد بقيادة ولده أبي مالك، إلا أن النّصارى استطاعوا أن يهزموا أبا مالك وأن يقتلوه. فقدم أبو الحسن المريني ليثأر لهذه الهزيمة ولقيه السلطان يوسف، وتوجها لمقابلة جيوش النّصارى، ودارت معركة كبيرة في السابع من جمادى الأولى عام (٧٤١ هـ) هزم فيها المسلمون وغادر أبو الحسن المريني إلى المغرب وارتد السلطان يوسف إلى غرناطة وكانت محنة عظيمة لم يشهد مثلها منذ زمن طويل (٤). اتجه بعدها السلطان يوسف إلى تنظيم المملكة، وكان الغالب على أيامه _________ (١) اللمحة البدرية: (٩٠ - ٩٤). (٢) اللمحة البدرية: ١٠٢. (٣) هو: علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، أبو الحسن أحد سلاطين الدولة المرينية بالمغرب، كانت مدينة فاس عاصمة لها تولى الأمر بعد موت أبيه عام (٧٣١ هـ). (٤) اللمحة البدرية: (١٠٥، ١٠٦).

стр. 9

الهدنة والصلاح والخير (١)، وفي أيامه بنيت المدرسة الشهيرة التي لا تزال تعرف باسمه حتى الآن. وفي يوم عيد الفطر أول شوال عام (٧٥٥ هـ) حيث كان السلطان يوسف في المسجد الجامع بغرناطة وهو في السجدة الأخيرة من الصلاة (هجم عليه رجل ممرور (٢) ورمى نفسه عليه وطعنه بخنجر وقتله، وأخرج ذلك الممرور للناس الهائجة فمزق وأحرق) (٣). وولي أمر المملكة موت السلطان يوسف أكبر ولده محمد بن يوسف بن إسماعيل النّصري الملقّب ب «الغني بالله»، وصفه ابن الخطيب (٤) بقوله: «هذا السلطان مشتمل على خلال وأوصاف قلّ أن تجتمع في سواه: من حسن الصورة، واعتدال الخلق، والعراقة في الخير، وسلامة الصدر، وصحة العقد، وشمول الطهارة ... افتتحت أيامه بالسلم والهدنة». وبعد مضيّ خمس سنوات على ملكه حدثت فتنة أبعدته عن الحكم نحوا من عام، ذلك أن والده السلطان يوسف كان قد رشح لخلافته ابنه إسماعيل، ثم عدل عنه، فعهد بالولاية إلى محمد، فلمّا تولى السلطان محمد الحكم حجز أخاه إسماعيل في أحد القصور ومعه أمه وإخوته منها، وكانت أمه قد استأثرت ببعض مال أبيه فوجدت السبيل إلى السعي لولدها، فجعلت تواصل زيارة ابنتها زوج محمد بن إسماعيل ابن عم السلطان، وتحرّضه على التدخل لخلع الغني بالله محمد بن يوسف وتمليك ولدها، وكان محمد بن إسماعيل هذا قد أبعد عن تدبير المملكة ليحل محله الحاجب رضوان، والوزير لسان الدين ابن الخطيب، فاستجاب لتحريض والدة إسماعيل؛ من أجل ذلك جمع عددا من أنصاره، واغتنموا غياب السلطان محمد بن يوسف عن قصره، فتسلقوا أسوار القصر ليلا وقتلوا _________ (١) اللمحة البدرية: ١٠٩. (٢) الممرور: الذي غلبت عليه المرة، وهي الشدة والقوة، الصحاح: ٢/ ٨١٤، واللسان: ٥/ ١٦٨ (مرر). (٣) اللمحة البدرية: ١١٠. (٤) المصدر السابق، وانظر: الإحاطة في أخبار غرناطة: ٢/ ١٤.

стр. 10

الحرس واقتحموا الحجرات، وقتلوا الحاجب رضوان وانتهبوا ما عنده، ثم أخرجوا الأمير إسماعيل وبايعوه. فلما علم بذلك السلطان محمد بن يوسف ركب جواده وغادر إلى وادي آش. واعتقل الوزير ابن الخطيب وانتهبت أملاكه. فلما علم بهذه الأخبار سلطان المغرب أبو سالم المريني غضب لخلع السلطان وقتل حاجبه وأسر وزيره، وأرسل إلى إسماعيل بن يوسف أن يسمح لأخيه المخلوع بالانتقال إلى المغرب وأن يطلق سراح الوزير لسان الدين ابن الخطيب ليلتحق به. فلبّى إسماعيل بن يوسف طلب سلطان المغرب وانتقل السلطان المخلوع محمد بن يوسف إلى فاس وراح ينتظر الفرصة لاستعادة عرشه (١). أما إسماعيل بن يوسف الذي تمكن من الحكم فكان بقاؤه في الحكم أقل من سنة، وقد وصفه ابن الخطيب (٢) بقوله: «كان فتى وسيما بدينا على حداثة سنّه، حسن الصورة والقد، خنثا مضعوفا لمكان الاعتقال ومجاورة النساء، منحطا في درك اللّذة ... ». استضعفه صهره محمد بن إسماعيل فقتله، واستولى على الملك (٣). وفي عهده جهز ملك قشتالة جيشا لمحاربته، ذلك أنّ السلطان محمد بن يوسف الغني بالله كان يؤدي الجزية إلى حليفه ملك قشتالة فقطعها محمد بن إسماعيل، لكنه استطاع أن ينتصر على جيش ملك قشتالة (٤) الذي غضب واتصل بالغني بالله يدعوه إلى دخول الأندلس ووعده بالمساعدة، فعبر السلطان المخلوع إلى الأندلس وأقام بمدينة رندة، ثم زحف إلى مالقة فاحتلها، وكثر أتباعه فتوجه إلى غرناطة فلما علم بذلك محمد بن إسماعيل - المتغلّب على غرناطة - فر لاجئا إلى ملك قشتالة الذي بادر بقتله. ودخل السلطان محمد بن يوسف غرناطة واستعاد ملكه عام (٧٦٢ هـ) واستمرت إمارته الثانية حتى عام (٧٩٣ هـ).كان _________ (١) اللمحة البدرية: ١٢٠، والإحاطة: ٢/ ٢٦، وتاريخ ابن خلدون: (٧/ ٤٠٥، ٤٠٦). (٢) اللمحة البدرية: (١٢٦، ١٢٧). (٣) المصدر السابق. (٤) الإحاطة: (١/ ٥٢٣ - ٥٢٥).

стр. 11

يتميز في حكمه خلال هذه الفترة بالحكمة وبعد النظر خاصة في علاقاته مع الدول المجاورة. واغتنم السلطان محمد بن يوسف الخلاف الذي وقع بين ملوك النّصارى فزحف إلى الشمال واجتاح بعض المدن مثل جيّان ووصل إلى أسوار قرطبة عام (٧٦٩ هـ) لكنه لم يستطع اقتحامها، وعاد إلى غرناطة بغنائم كثيرة. وبسبب تجدد الخلاف بين ملوك النّصارى - أيضا - زحف السلطان محمد ابن يوسف لاستعادة بعض المدن والحصون فاسترجع الجزيرة الخضراء عام (٧٧٠ هـ).ومع بداية عام (٧٧١ هـ) شهدت غرناطة حقبة طويلة عم فيها السلام والرخاء (١). المبحث الثاني الحالة الاجتماعية كانت غالبية سكان غرناطة من المسلمين، ومن أجناس مختلفة؛ فمنهم العرب (٢) الذين قدموا من الشرق عقب الفتح الإسلامي واستوطنوا مدن الأندلس المختلفة، ثم توجهوا إلى غرناطة بعد سقوط تلك المدن بأيدي النّصارى. ومنهم البربر الذين قدموا من بلاد المغرب، وتفرقوا في معظم المدن الأندلسية لكنهم نزحوا منها إلى غرناطة في أعقاب سقوط تلك المدن. ومنهم المولدون (٣)، وكانوا يشكلون نسبة مرتفعة من السكان المسلمين في غرناطة. وكانت مملكة غرناطة تضم زهاء خمسة أو ستة ملايين نسمة، وكانت غرناطة وحدها تضم أكثر من نصف مليون نسمة (٤)، وبجانب المسلمين كان هناك _________ (١) الإحاطة: (٢/ ٤٨ - ٥٣)، ونهاية الأندلس: ١٤٩. (٢) الإحاطة: ١/ ١٠٠. (٣) هم: أعقاب الأسبان الذين أسلموا منذ الفتح الإسلامي للأندلس. نهاية الأندلس: ٧٠. (٤) المصدر السابق.

стр. 12

النّصارى الذي لم يغادروا غرناطة منذ الفتح الإسلامي للأندلس، وكانوا يقيمون شعائرهم الدينية في كنيسة تقع خارج أسوار المدينة (١). وكان للنّصارى نشاط بارز في مجال التجارة على الرغم من قلة عددهم، وكانوا يتمتعون بتسهيلات كبيرة (٢) خاصة في عهد السلطان يوسف بن إسماعيل. كما كان بجانب المسلمين والنّصارى في غرناطة في ذلك العصر أقلية من اليهود، لكنها كانت قوية صاحبة نفوذ في المملكة (٣). وقد عاشوا خلال فترة حكم بني الأحمر في هدوء، وحظوا برعاية الحكام لشئونهم وتأمين مصالحهم. وقد كان لهم زيّ يميزهم عن المسلمين. يقول المقري في نفح الطيب (٤): «والصّفر مخصوصة باليهود ولا سبيل إلى يهودي أن يتعمم البتة». وقال ابن الخطيب (٥): «وقد أجبرهم السلطان إسماعيل بن فرج على وضع شارة تميزهم عن المسلمين». أما المجتمع من حيث تركيبه الطبقي فكان مكونا من الأحرار والعبيد، وقد أوجدت الزراعة فئة الملاكين الغنية القابضة على زمام الاقتصاد، وفئة الفلاحين التابعين للأرض التي يعملون فيها. وهناك التجار الذين جمعوا الأموال وابتنوا المنازل الفخمة وارتفعوا عن العامة، وكانوا يشكلون مع كبار الملاكين طبقة أعيان المملكة المتقدمة نفوذا ومكانة، لكنهم ظلوا دون الخاصة وأبناء الحكم مكانة. وكانت العامة تتألف من الحرفيين الصغار ومن العمال والأجراء والعاطلين عن العمل والعبيد، وهي تشكل القسم الأكبر من السكان (٦). _________ (١) الإحاطة: ١/ ١٠٧. (٢) غرناطة في ظل بني الأحمر للدكتور يوسف فرحات: ١١٠. (٣) نهاية الأندلس: ٧٣. (٤) نفح الطيب: ١/ ٢٢٣. (٥) اللمحة البدرية: ٨٤. (٦) غرناطة في ظل بني الأحمر: (١١٨، ١١٩).

стр. 13

أما المرأة الغرناطية في ذلك العصر فقد كانت ملتزمة بأحكام دينها من حيث تمسكها بالحجاب الشرعي، وعدم مخالطتها للرجال وعدم خروجها من منزلها إلا عند الضرورة. لكنها لم تكن بمعزل تام عن مجتمعها، فقد عرف مجتمع بني الأحمر عددا من النساء اشتهرت أسماؤهن في ميادين السياسة والعلم والأدب، منهن على سبيل المثال: مريم أم إسماعيل التي كانت محظية لدى السلطان يوسف بن إسماعيل وكان لها التأثير البارز في خلع السلطان محمد بن يوسف ومن النساء اللواتي اشتهرن في حقلي الطب والأدب أم الحسن بنت أبي جعفر الطنجالي (١). وكان مجتمع الدولة النّصرية - في ذلك العصر - غارقا في الفساد واللهو وبخاصة الأغنياء منهم، وكان الغناء والموسيقى وشرب الخمر واتخاذ الجواري منتشرة بين كثير من أفراد المجتمع الغرناطي. حتى في الظروف السياسية الخطيرة التي كانت تمر بها مملكة بني نصر. وشهد المجتمع إزاء هذا التيار المنحرف حركة تدعو إلى التزام وتطبيق أحكام الشريعة، وإلى البعد عن الفساد عامة. فبرز عدد من العلماء لمواجهة هذا التيار المنحرف ومقاومة الفساد ومحاربة البدع المستحدثة في الدين وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي ﵀ الذي صنّف كتابه الشهير «الاعتصام» الذي يعتبر من أجلّ الكتب حيث تناول فيه مؤلفه موضوع البدع بالتفصيل وحرر الكلام فيها وذلك بعرضها على الأدلة الشرعية وبيّن الفرق بينها وبين المصالح المرسلة. وقد تعرّض الإمام الشاطبي بسبب هذا الموقف لمضايقات كثيرة وقد وصف ذلك قائلا (٢): «قامت عليّ القيامة، وتواترت عليّ الملامة وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضّلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة ... ). _________ (١) نفح الطيب: ٤/ ٣١٨، وغرناطة في ظل بني الأحمر: ١٢٢. (٢) الإفادات والإنشادات: ٣٦، وانظر: الاعتصام: (١/ ٢٧، ٢٨).

стр. 14

المبحث الثالث الحالة العلمية لا بد لنجاح أي نشاط علمي في أي قطر كان وفي أي عصر أن يحظى برعاية حكامه له، وذلك بتشجيع العلماء والأدباء على المضي قدما كل في فنه. وبتوفير جميع ما تمس الحاجة إليه لطالب العلم المتفرغ لتحصيله، من بناء المدارس والأوقاف المخصصة لطلاب العلم وتوفير العلماء الأكفاء للتدريس. فإذا نظرنا إلى حال سلاطين بني نصر لوجدنا أن الحكام قد اهتموا بادئ الأمر بتعليم وتثقيف أبنائهم. فأولاد السلطان يوسف بن إسماعيل تأدبوا على الشّيخ رضوان الذي أصبح فيما بعد حاجبا للسلطان محمد بن يوسف. وكان أبو عبد الله الشريشي مؤدبا لأولاد محمد بن يوسف (١). والحدث المهم في تاريخ التعليم في غرناطة هو بناء المدرسة اليوسفية عام (٧٥٠ هـ)، وقد أسسها السلطان يوسف بن إسماعيل وانتسبت إليه. وتعرف هذه المدرسة أيضا بالمدرسة العلمية والمدرسة النّصرية. وكانت هذه المدرسة مقصدا لطلاب العلم من مختلف المناطق التابعة للمملكة، وقد نالت هذه المدرسة شهرة ملأت الآفاق. وكان يتولى التدريس في هذه المدرسة عدد من كبار العلماء في وقت واحد، فقد كان الإمام محمد بن علي بن أحمد الخولاني - شيخ البلنسيّ - المتوفى سنة (٧٥٤ هـ) يدرس النّحو والآداب (٢) وكان الشّيخ محمد بن إبراهيم ابن محمد السياري المتوفى سنة (٧٥٣ هـ) يدرس الفقه (٣)، والشيخ يحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي المتوفى سنة (٧٥٣ هـ) يدرس الأصول والفرائض والطب (٤). _________ (١) نفح الطيب: (٥/ ٢٦٨، ٧/ ١٠٨). (٢) الإحاطة: (٣/ ٣٥، ٣٦). (٣) الدرر الكامنة: ٣/ ٣٨٢، وتاريخ التعليم في الأندلس: ٤٠٤. (٤) الإحاطة: ٤/ ٣٩٠، وتاريخ التعليم في الأندلس: ٤٠٧.

стр. 15

وقد شهدت غرناطة عناية كبيرة بالتعليم والمعلمين في عهد السلطان يوسف بن إسماعيل وابنه السلطان محمد حيث أجريا الجراية على العلماء والمعلمين (١)، وأسندا إليهم وظائف كثيرة، وأوكلا إليهم أعمالا يتقاضون منها جراية مع قيامهم بالتدريس (٢). وإذا كان السلاطين قد اهتموا بالعلم والعلماء فإنّ وزراءهم وحجّابهم اهتموا بالعلم والعلماء كذلك، فقد قام الوزير لسان الدين ابن الخطيب بنقل الفقيه محمد بن محمد بن بيبش العبدري من سبتة إلى غرناطة، حيث قعد للإقراء إلى أن توفي سنة (٧٥٣ هـ) (٣). ومن العوامل التي ساعدت على نشاط الحركة العلمية في مملكة غرناطة سقوط المدن الأندلسية الكبرى مثل: قرطبة وبلنسيَة وأشبيلية ومرسيّة وغيرها. وهجرة كثير من علمائها إلى غرناطة (٤). كما كان لإنشاء الأربطة التي انتشرت في عهد المملكة النّصرية مساهمة في الحركة العلمية، وكان التعليم في هذه الأربطة يميل إلى الدراسات الشرعية عامة (٥). كما كان يقصد إلى معاهدها العلمية المختلفة كثير من الطلاب الأوربيين من مختلف أنحاء أوربا (٦). المبحث الرابع مدى تأثر البلنسيّ بهذه الأحوال وبعد هذه الدراسة السريعة التي استعرضت فيها العصر الذي عاش فيه _________ (١) الإحاطة: ٣/ ٣٢٨، وتاريخ التعليم في الأندلس: ٤٠١. (٢) تاريخ التعليم في الأندلس: ١٨٥. (٣) الإحاطة: ٣/ ٢٧. (٤) تاريخ التعليم في الأندلس: ١٨٦. (٥) المصدر السابق: ص: ٢٧٩. (٦) نهاية الأندلس: ٧٣.

стр. 16

البلنسي ﵀، وأبنت فيها - بصورة موجزة - الوضع السياسي والعلمي والاجتماعي نخلص إلى أنّ البلنسيّ قد لحقه بعض ما جرى في ذلك العصر من نتائج وتأثيرات سياسية، ذلك أن السلطان محمد بن يوسف بن إسماعيل بن الأحمر النّصري، الذي تولى حكم غرناطة مرتين: الأولى من عام (٧٥٥ - ٧٦٠ هـ)، والثانية من (٧٦٣ - ٧٩٢ هـ).قد استعمل البلنسيّ في بعض رسائله إلى ملك المغرب، وكان يعمل في غرناطة مراقبا للسّوق من قبل السلطان. وفي عام (٧٦١ هـ) تغلب على الدولة السلطان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل فقتل حاجب السلطان المخلوع محمد بن يوسف واعتقل وزيره لسان الدين ابن الخطيب، وغضب على البلنسيّ فأرصد له رجالا بعثهم من رندة - مدينة قريبة من غرناطة - فأسروه في طريقه وقدموا به سليبا، قدوم الشهرة والمثلة، موقنا بالقتل. ثم عطف عليه السلطان أبو عبد الله حنينا إلى حسن تلاوته في محبسه ليلا (١). ويبدو أن البلنسيّ ﵀ كانت له مكانة مرموقة لدى السلطان محمد بن يوسف الذي كان قد فر إلى المغرب بعد أن تغلب محمد بن إسماعيل على الحكم في غرناطة. وبعد أن عاد السلطان المخلوع إلى ملكه أعاد البلنسي للإقراء (٢). هذا عن تأثره ﵀ بالوضع السياسي الذي كان يسود غرناطة في ذلك العصر. أما عن مشاركته في الحركة العلمية النشطة في عصره فقد كان البلنسي ﵀ أحد العلماء البارزين الذين كان يشار إليهم في المجتمع الغرناطي، وكان يشارك في المجالس العلمية التي كانت تعقد بالمسجد الجامع بغرناطة بجانب مشاهير علماء عصره. وقد نقل تلميذه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشّاطبي في كتابه _________ (١) الإحاطة: ٣/ ٣٩. (٢) الإحاطة: ٣/ ٣٩.

стр. 17

«الإفادات والإنشادات» (١) بعض الفوائد التي كانت تبحث في تلك المجالس، فقد ذكر الشاطبي ﵀ أنه حضر مجلسا ضم أبا عبد الله البلنسيّ وأبا عبد الله المقري والأستاذ أبا سعيد بن لب ولسان الدين ابن الخطيب والقاضي أبا القاسم الشريف، وذلك عام (٧٥٧ هـ). _________ (١) الإفادات والإنشادات: (١٢٦، ١٢٧).

стр. 18

الفصل الثاني حياة المؤلف المبحث الأول في حياته الاجتماعية المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وأصله، وكنيته: هو محمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الأوسي البلنسيّ ثم الغرناطي، أبو عبد الله (١). _________ (١) مصادر ترجمته: الإحاطة في أخبار غرناطة: (٣/ ٣٨، ٣٩). برنامج المنتوري: ٢٢٦ (مخطوط). الدرر الكامنة لابن حجر: (٤/ ٢٠٧، ٢٠٨). بغية الوعاة: ١/ ١٩١. طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٢١٣. درة الحجال: ٢/ ٢٤٥. لقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد: ٢٢٠. نيل الابتهاج: ٢٧٠. الأعلام: ٦/ ٢٨٦. معجم المفسرين لعادل نويهض: ٢/ ٥٨٧. كما ورد له ذكر في: الإفادات والإنشادات للشاطبي: ٩٤. وشرح ألفية ابن مالك للشاطبي أيضا: /١٦٥ ب. وغاية النهاية لابن الجزري: ٢/ ٢٠١.=

стр. 19

هكذا ورد اسمه ونسبه وأصله وكنيته على غلاف النّسخة الأصلية المعتمدة هنا والتي نقلت من رواية تلميذ المؤلف الإمام الشاطبي وعن خطه كتبت، وكذلك ورد في برنامج محمد بن عبد الملك المنتوري تلميذ البلنسي أيضا. والأوسي نسبة إلى الأوس قبيلة من الأنصار من القحطانية (١)، وأما البلنسيّ فنسبة إلى بلنسيَة (٢) مدينة بالأندلس مشهورة، أصله منها. المطلب الثاني: موطنه، مولده، نشأته، أسرته: لم تسعفنا المصادر التي ترجمت للبلنسيّ بالمكان الذي ولد فيه، لكن تلميذه محمد بن عبد الملك المنتوري ذكر أنه ولد يوم الاثنين الخامس والعشرين لذي الحجة عام أربعة عشر وسبع مائة (٣). _________ =وثبت أبي جعفر البلوي: (١٤٤، ١٤٩). وتوشيح الديباج للقرافي: ١٢٦. وكشف الظنون: (١/ ٤٢١، ٤٥٤). وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان: الذيل: ٢/ ٣٧٧. (١) الجمهرة لابن حزم: ٣٣١، واللباب لابن الأثير: ١/ ٩٣. (٢) بلنسية: بفتح الباء واللام والسين مهملة وياء خفيفة. مدينة في مشرق الأندلس قريبة من قرطبة، بينها وبين البحر ثلاثة أميال، وهي على نهر جار، كثيرة الحدائق والبساتين، معجم البلدان: ١/ ٤٩٠، والروض المعطار: ٩٧. وقد احتلها النصارى عام ٤٨٧ هـ، واستردها الموحدون عام ٥٩٥ هـ ثم دخلها النصارى في شهر صفر عام ٦٣٦ هـ بعد حصار دام قرابة عام وبعد دفاع مجيد من قبل أهلها. انظر تاريخ ابن خلدون: ٧/ ٢٥٢، ونفح الطيب: (٤/ ٤٥٦ - ٤٦٠)، ونهاية الأندلس: ٣٦. وفي وصف أهل بلنسية يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: (وأهلها خير أهل الأندلس يسمون عرب الأندلس). (٣) برنامج المنتوري: ٢٢٦ (مخطوط). وقد أثبت ما ذكره تلميذه باعتباره أقرب الناس إليه عهدا، ولأنه ذكر تاريخ ولادته محددا باليوم والشهر، ولأنه ذكره بالحروف فهذه دلائل قوية على صحة ما أثبته المنتوري. وقد ورد عند التنبكتي في نيل الابتهاج: ٢٧٠ أنه ولد عام (٧٢٤ هـ).

стр. 20

وكذا ذكر ابن القاضي في درة الحجال (١). ولا نعرف شيئا عن نشأته الأولى إلاّ ما وصفه لسان الدين ابن الخطيب (٢) بقوله: عفيف النشأة، أما أسرته فلم أعرف عنها شيئا إلا ما ذكره الإمام الشاطبي في طرة المخطوط حيث وصف والد البلنسي بقوله: «الفقيه الأجل الأكمل المقدس ... » وهذا الوصف يدل على أن والده كان على درجة جيدة من العلم بشهادة الإمام الشاطبي له بذلك. وما ذكره - أيضا - البلنسيّ عن والده - رحمهما الله - فيما نقله الشاطبي في الإفادات والإنشادات فقد نقل عن البلنسيّ أنّه قال: «أصابت أبي أزمة شديدة لحقنا بسببها كرب عظيم، فبينما أنا ليلة نائم إذ أتاني رجل حسن القدّ والصّورة، أشبه رجل بالأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار شيخنا ﵀ ثم دعا: «اللهم يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك».قال: وقد كنت حفظته قديما ونسيته فذكرته عند ذلك، ثم قال قل: اللهم أدّ عني الدّين وأغنني من الفقر، اللهم خر لي واختر لي فإني قد عجزت عن صلاح نفسي وفوضت لك أمري. فاستيقظت وقد حفظته، فدعوت الله به فلم يكن إلاّ يسيرا ثم فرّج الله عنّا ببركة هذا الدعاء. قال: فلم أزل أدعو به إثر الصلوات إلى الآن. قال الشّاطبيّ: وقد سمعته يدعو بهنّ إثر الصلوات، وما تركتهن - أنا - منذ حدثني بهذا (٣).انتهى. ولم أقف على غير هاتين المعلومتين فيما يتعلق بأسرة الإمام البلنسي ﵀. _________ (١) درة الحجال: ٢/ ٢٤٥. (٢) الإحاطة: ٣/ ٣٨. (٣) الإفادات والإنشادات: (٩٤، ٩٥).

стр. 21

المبحث الثاني في حياته العلمية المطلب الأول: طلبه للعلم وأشهر شيوخه: تلقى الإمام البلنسيّ - رحمه الله تعالى - العلم عن جماعة من أجلّ علماء عصره من أشهرهم: ١ - محمد بن علي بن أحمد الخولاني أبو عبد الله، ويعرف ب «ابن الفخار» وب «البيري» (١)، الإمام النّحوي الفقيه، المقرئ، المفسر، شيخ النّحاة في عصره. وصفه ابن الخطيب (٢) بقوله: «أستاذ الجماعة، وعلم الصّناعة، وسيبويه العصر ... إمام الأئمة من غير مدافع، مبرزا أمام أعلام البصريين من النّحاة، منتشر الذكر، بعيد الصّيت، عظيم الشهرة ... قل أن يقرأ عليه أحد إلا نجب. درّس ابن الفخار ﵀ بالمدرسة النّصرية وقرأ عليه البلنسيّ مصنفات كثيرة، ذكر جملة منها المنتوري - تلميذ البلنسيّ - في برنامجه (٣) منها كتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام لأبي زيد السهيليّ المتوفى سنة (٥٨١ هـ). وكتاب التكميل والإتمام لكتاب التعريف والإعلام لابن عسكر الغساني المتوفى سنة (٦٣٦ هـ)، وكتاب الجمل لأبي القاسم الزجاجي المتوفى سنة (٣٤٠ هـ) وبرنامج الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي المتوفى سنة (٧١٦ هـ)، وتآليف الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن القطان الحميري المتوفى سنة (٦٢٨ هـ). _________ (١) البيري: بكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها الراء نسبة إلى مدينة البيرة بالأندلس، معجم البلدان: ١/ ٥٢٦، واللباب لابن الأثير: ١/ ١٩٧. (٢) الإحاطة: (٣/ ٣٥ - ٣٨)، وانظر ترجمته في غاية النهاية: (٢/ ٢٠٠، ٢٠١)، وبغية الوعاة: (١/ ١٧٤، ١٧٥)، ونفح الطيب: (٥/ ٣٥٥)، وشجرة النور الزكية: ٢٢٨. (٣) برنامج المنتوري: (٣٠، ٣١، ٩٢، ١١١، ١٩٢، ١٩٣، ١٩٤، ٢٠٣).

стр. 22

وتآليف ابن عسكر الغساني، وتآليف الشيخ أبي العباس أحمد ابن يوسف السلمي المعروف ب «ابن فرتون» المتوفى سنة (٦٦٠ هـ) وغير ذلك من التصانيف الكثيرة، فكان جلّ انتفاع البلنسي ﵀ عن شيخ الجماعة ابن الفخار كما وصفه بذلك ابن الخطيب (١). ٢ - كما تلقى البلنسيّ العلم على يد محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن جزي الكلبي، أبو القاسم، الغرناطي الأندلسي، الإمام المفسر، الفقيه، اللّغوي، صاحب كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، في التفسير، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، والبارع في قراءة نافع ووسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم. وصفه ابن الخطيب (٢) بقوله: (كان ﵀ على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيها حافظا، قائما على التدريس، مشاركا في فنون من العربيّة، والفقه والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حفظة للتفسير مستوعبا للأقوال، جمّاعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور صحيح الباطن. تقدم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنه ... ). قرأ عليه البلنسيّ كتاب «حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع» للإمام القاسم بن فيرة الشاطبي المتوفى سنة (٥٩٠ هـ). ذكر ذلك تلميذ البلنسي محمد بن عبد الملك المنتوري في برنامجه (٣). توفي الإمام ابن جزي الكلبي شهيدا في معركة طريف مع النّصارى (٤). _________ (١) الإحاطة: ٣/ ٣٩. (٢) الإحاطة: (٣/ ٢٠، ٢١). (٣) برنامج المنتوري: ٦ (مخطوط). (٤) الإحاطة: ٢٣، وانظر ترجمته في الكتيبة الكامنة لابن الخطيب: (٤٦ - ٤٨)، والدرر الكامنة: ٣/ ٤٤٦، ونفح الطيب: (٥/ ٥١٤ - ٥١٧).

стр. 23

٣ - ومن شيوخه أيضا: القاضي الشريف الحسن بن يوسف بن يحيى الحسيني السبتي، أبو علي. رحل إلى المشرق فلقي ابن دقيق العيد ثم رجع فاستوطن تلمسان إلى أن مات بها سنة (٧٥٤ هـ)، وقيل سنة (٧٥٣ هـ) (١). قرأ عليه البلنسي (٢) تأليف الأستاذ أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيدة الأنصاري النّحوي. ٤ - ومن العلماء البارزين الذين أخذ عنهم البلنسيّ الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق التلمساني أبو عبد الله. المشهور بالخطيب وبالجد ابن مرزوق الملقّب بشمس الدين، قدم الأندلس في أواخر عام (٧٤٨ هـ) وقعد للإقراء بالمدرسة النّصرية عام (٧٥٣ هـ)، وخطب في المسجد الأعظم بغرناطة. توفي عام (٧٨١ هـ) (٣). ٥ - محمد بن علي بن أحمد بن هذيل بن الفخار الخولاني ذكره المنتوري في برنامجه (٤)، وأنه قرأ تآليفه على البلنسيّ ﵀ ولم أقف له على ترجمة. هؤلاء الشيوخ الخمسة التي وجدت تصريحا في كونهم شيوخ البلنسي وممن كان يدرس في المدرسة النّصرية في زمن تلقي البلنسيّ للعلم الشّيخ محمد بن إبراهيم السياري ويعرف ب «البياني»، وكان يتولى تدريس الفقه بالمدرسة المذكورة، توفي عام (٧٥٣ هـ) (٥). _________ (١) نفح الطيب: ٥/ ٢٣٢، وانظر: الإحاطة: ٤/ ٤٥٨، وثبت أبي جعفر البلوي: (٢٦٥، ٢٧٠). (٢) برنامج المنتوري: ٢١٣ (مخطوط). (٣) ترجمته في: الديباج المذهب: ٢/ ٢٩٠، وبغية الوعاة: (١/ ٤٦، ٤٧)، ونيل الابتهاج: (٢٦٧ - ٢٧٠)، ونفح الطيب: (٥/ ٤١٢ - ٤١٨). (٤) برنامج المنتوري: ٢٢٤ (مخطوط). (٥) ترجمته في: الإحاطة: ١/ ٢١٠، الديباج المذهب: (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧)، والدرر الكامنة: ٣/ ٣٨٢، وتاريخ التعليم في الأندلس: ٤٠٤.

стр. 24

ومنهم الشيخ محمد بن محمد بن محارب الصريحي، كان إماما في الفرائض والحساب، بارعا في العربية، مشاركا في الفقه وكثير من العلوم العقلية. توفي عام (٧٥٠ هـ) (١). ومنهم الإمام يحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي، درّس الأصول والفرائض والطب. توفي عام (٧٥٣ هـ) (٢). المطلب الثاني: مكانته بين أقرانه: كفى البلنسيّ مكانة أن يخلف شيخ النّحاة وإمام الأئمة من غير منازع في عصره بالأندلس الشّيخ محمد بن علي بن أحمد الخولاني، وأن يقعد مكانه ويتصدر للتعليم بالمدرسة النّصرية، أشهر مدرسة على الإطلاق في المغرب والأندلس آنذاك. وقد سلف أن هذه المدرسة كانت تضم أشهر علماء ذلك العصر حيث كانوا يلقون فيها دروسهم في شتى العلوم. وقد كان البلنسيّ ﵀ يلقب ب «الأستاذ»، وهو لقب لا يطلق في الأندلس إلاّ على من بلغ مكانة رفيعة في علمي اللّغة والنّحو. فضلا عن كونه مفسرا بارزا يشار إليه في عصره بالبنان وهو قبل هذا وذاك فقيه متميّز بين أقرانه. المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه: أبرز من أثنى على الإمام البلنسيّ ﵀ معاصره ذو الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب الغرناطي حيث قال (٣): (طالب هش، حسن اللّقاء، عفيف النّشأة، مكب على العلم، حريص على استفادته، قائم على العربية والبيان، ذاكر الكثير من المسائل، حافظ متقن، حسن الإلقاء والتقرير ... ). _________ (١) ترجمته في: الإحاطة: ٣/ ٧٨، ونيل الابتهاج: ٢٤٩، وتاريخ التعليم في الأندلس: ٤٠٦. (٢) الإحاطة: ٤/ ٣٩٠. (٣) الإحاطة: (٣/ ٣٨، ٣٩).

стр. 25

وقال عنه تلميذه الإمام أبو إسحاق الشاطبي (١): (وكان شيخنا أبو عبد الله البلنسي ﵁ في هذا العلم عارفا بطرق أئمته المتأخرين عالما بمقاصدهم فيه، وكان من طرق تعليمه بيان المقاصد بحسب القارئ من الابتداء والانتهاء، مرشحا لفهمه مدربا له، وموقظا لفكره لاقتناص الجواب وإيراد السؤال، مطرزا مجلسه بنقل نكت شيوخه، متأدبا معهم إذا ذكر أحد منهم طرب بذكراهم وأمتع بالثناء عليهم ... ). كما وصفه الإمام الشاطبي (٢) - أيضا - بالشيخ الفقيه الأستاذ النحوي الفاضل ... ، ووصفه - أيضا - بالشيخ الفقيه الأستاذ النحوي اللغوي العالم المتفنن الكبير الشهير الفاضل الكامل ووصفه تلميذه محمد بن عبد الملك المنتوري (٣) بقوله: (الشيخ الأستاذ النّحوي الأعرف المتحلّق ... ). وقال عنه الحافظ ابن حجر (٤): (لازم أبا عبد الله بن الفخّار ومهر في العربية). وقال عنه التنبكتي (٥): (العالم المفسر المؤلف ... من علماء غرناطة). وقال الشّيخ عبد الله الأدكاوي (٦): (الإمام الفقيه النّحوي اللّغوي ... ). المطلب الرابع: تلاميذه: كانت المدرسة النّصرية في عصر البلنسيّ ﵀ تعجّ بالطلاب الغرناطيين والوافدين إليها من أنحاء المملكة ومن المغرب. وقد كان البلنسيّ متصدرا - آنذاك - للتعليم بها، وخالفا شيخه ابن الفخّار _________ (١) شرح ألفية ابن مالك للشاطبي: /١٦٥ ب. (٢) الإفادات والإنشادات: ٩٤. (٣) برنامج المنتوري: ٢٢٦ (مخطوط). (٤) الدرر الكامنة: ٤/ ٢٠٧. (٥) نيل الابتهاج: (٤٧، ٢٧٠). (٦) ترويح أولي الدماثة بمنتقى الكتب الثلاثة: اب.

стр. 26

هناك ومعيدا دول تدريسه (١)، ويذكر ابن الخطيب (٢) عن ابن الفخّار أنه قلّ في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطلبة ويمكن أن يستنتج من هذا أنه كان للبلنسيّ تلاميذ كثيرون، إلاّ أن المصادر التي بين يدي لم تذكر من هؤلاء إلا أشهرهم وهم: ١ - إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي، الغرناطي، أبو إسحاق (٣). الإمام الفقيه، الأصولي، النّحوي المشهور، صاحب كتاب الاعتصام والموافقات في أصول الفقه، وله شرح على ألفية ابن مالك، واسمه المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية. قال التنبكتي (٤): لم يؤلف عليها مثله بحثا وتحقيقا فيما أعلم. وهو راوي كتاب صلة الجمع وعائد التذييل عن شيخه البلنسيّ المؤلف، والذي أقوم بتحقيقه. وقد توفي الإمام الشاطبي ﵀ سنة (٧٩٠ هـ). ٢ - ومن تلاميذه أيضا القاضي محمد بن محمد بن عاصم القيسي الغرناطيّ، أبو بكر المتوفى سنة (٨٢٩ هـ).درس على البلنسيّ والشاطبي وغيرهما. له عدة منظومات في القراءات والفقه والأصول والنّحو. قال عنه التنبكتي (٥): (يشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام مشاركة حسنة، ويتقدم في الأدب نظما ونثرا وكتبا وشعرا إلى براعة الخط، وأحكام الرسم، وإتقان الصنائع العملية، كالتفسير والتذهيب وغيرهما ... ). _________ (١) الإحاطة: ٣/ ٣٩. (٢) الإحاطة: ٣/ ٣٦. (٣) ترجمته في نيل الابتهاج: ٤٦، ولقط الفرائد: ٢٢٥، وشجرة النور الزكية: ٢٣١، والأعلام: ١/ ٧٥. (٤) نيل الابتهاج: ٤٨. (٥) نيل الابتهاج: ٢٨٩، وانظر ترجمته في: توشيح الديباج: (١٢٦، ١٢٧) وشجرة النور الزكية: ٢٤٧.

стр. 27

٣ - محمد بن عبد الملك بن علي القيسي بن عبد الملك المنتوري (١) الغرناطي، أبو عبد الله الإمام المقرئ الخطيب الراوية. جاء في نيل الابتهاج (٢): كان فقيها كبيرا محدّثا جليلا راوية. من مصنّفاته: التعريف بالجاحظ، وشرح أجزاء أبي الحسن بن بريّ، وكتاب الظمآن في عدد آي القرآن، وكتاب المسلسلات، وتحفة الجليس وبغية الأنيس، والمقطوعات الشعرية في الوصايا والمواعظ، وبرنامج رواياته (٣) ذكر به مجموعة ضخمة من الكتب المشهورة في عصره، وساق أسانيده إليها من شيوخه إلى مؤلفيها، وذكر في نهايته أسماء شيوخه الذين تلقى عنهم، وذكر مولد كل واحد منهم ووفاته. توفي الشيخ المنتوري ﵀ بغرناطة في رابع ذي الحجة عام (٨٣٤ هـ).كما ورد في نهاية برنامجه (٤). المطلب الخامس: آثاره العلمية ووفاته: أ - آثاره العلمية: يبدو أن البلنسيّ ﵀ لم يكن من المكثرين من التصنيف وذلك لأن المصادر التي ترجمت له لم تذكر سوى كتابين هما: ١ - صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل وهو ذيل على كتاب الإمام السهيلي التعريف والإعلام وتكملته لابن عسكر المسمّى بالتكميل والإتمام. _________ (١) المنتوري: بكسر الميم وسكون النون وضم التاء. كذا ضبطه التنبكتي في نيل الابتهاج: ٢٩١ عن أحمد بن داود البلوي. (٢) المصدر السابق. (٣) توجد نسخة من هذا البرنامج في الخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع (١٥٨٧)، مكتوبة بمدينة بلش بالأندلس بخط أندلسي سنة (٨٧٣ هـ) وتقع في (٢٣٣ صفحة) توجد مصورتها بمكتبة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العثيمين بمكة المكرمة. وقد أعارني إياها، وأفدت منها كثيرا جزاه الله خيرا. (٤) برنامج المنتوري: ٢٣١ (مخطوط).

стр. 28

٢ - تفسير القرآن. ذكره لسان الدين ابن الخطيب (١) ووصف كتابه هذا بأنه متعدد الأسفار. ٣ - تحفة الصّديق في براءة الصّدّيق، وهي رسالة للبلنسي ﵀ في براءة يوسف ﵊ مما نسب إليه في قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِها﴾، وردّ الشّبه التي أثيرت حوله. توجد نسخة من هذا الكتاب بمكتبة الأسكوريال باسبانيا. ب - وفاته: اتفقت المراجع التي رجعت إليها على أنّ الإمام البلنسيّ ﵀ توفي عام (٧٨٢ هـ).وذكر تلميذه محمد بن عبد الملك المنتوري (٢) أنه توفي يوم السبت الخامس لشهر ربيع الأول من العام نفسه. _________ (١) الإحاطة: ٣/ ٣٩. (٢) برنامج المنتوري: ٢٢٦ (مخطوط)، وكذا ذكر التنبكتي في نيل الابتهاج: ٢٧٠.

стр. 29

الفصل الثالث في التعريف بعلم المبهمات ودراسة كتاب صلة الجمع المبحث الأول في التعريف بعلم المبهمات المطلب الأول: تعريف المبهم لغة واصطلاحا . أ - المبهم في لغة العرب: اسم مفعول مشتق من الإبهام، والإبهام في اللّغة الخفاء. فيقال: ليل بهيم لخفاء ما فيه عن الرؤية، لأنه لا ضوء فيه إلى الصباح، وأبهمت الباب: أغلقته وسددته. والطريق المبهم إذا كان خفيّا لا يستبين. وأمر مبهم لا مأتى له. واستبهم عليه الكلام: استغلق (١). ب - والمبهمات اصطلاحا: كل لفظ ورد في القرآن الكريم من ذكر من لم يسمه الله فيه باسمه العلم، من نبي أو ولي أو غيرها، من آدمي أو ملك، أو جني أو بلد أو كوكب أو شجر، أو حيوان له اسم علم أو عدد لم يحدد، أو زمن لم يبيّن، أو مكان لم يعرف (٢). المطلب الثاني: الأصل في علم المبهمات: اهتم العلماء بعلم المبهمات، واعتبروا أن الاعتناء به حسن لفضله _________ (١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ٦/ ٣٣٧، ومعجم مقاييس اللغة: ١/ ٣١١، والصحاح: ٥/ ١٨٧٥، واللسان: ١٢/ ٥٦، (بهم). (٢) التعريف والإعلام للسّهيلي: ٨، وغرر البيان لمبهمات القرآن لابن جماعة: ٣٨، والإتقان: ٤/ ٨١.

стр. 30

وشرفه، ومما يدل على عنايتهم بهذا العلم وفضله وشرفه ما يلي: ١ - ما أخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما (١) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعت كنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة ... الحديث. قال السّهيليّ (٢) ﵀ بعد أن أورد هذا الحديث: فهذا أوضح دليل على اعتنائهم بهذا العلم ونفاسته عندهم. وقال السيوطي (٣): قال العلماء: هذا أصل في علم المبهمات. ٢ - ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (٤). قال: (طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته) (٥). ونقل السّهيليّ (٦) هذا القول عن عكرمة مولى ابن عباس وقال: وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما، وأن الاعتناء به حسن، وأن المعرفة به فضل. _________ (١) صحيح البخاري: ٦/ ٦٩، كتاب التفسير، سورة التحريم باب: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْااجِكَ. وصحيح مسلم: ٢/ ١٠١٨، كتاب الطلاق، باب «في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ... ». (٢) التعريف والإعلام: ٩. (٣) مفحمات الأقران: ٨. (٤) سورة النساء: آية: ١٠٠. (٥) انظر تخريج هذا الأثر: ص: ٣٥٣. (٦) التعريف والإعلام: (٢٧، ٢٨).

стр. 31

٣ - ثم إنّ من كتب في علوم القرآن جعله نوعا من أنواع علوم القرآن الكريم. ٤ - كما أفرد كثير من العلماء المبهمات بالتصنيف. ويرى ابن عسكر (١) ﵀ أن علم المبهمات من أشرف العلوم التي ينبغي الاعتناء بها فيقول: (وإن من أشرف علومه وأطرف مفهومه، علم ما أبهم فيه من أسماء الذين نزلت فيهم الآيات، وكانوا سببا لما فيه من الأخبار والحكايات ... ). وبرى البلنسيّ (٢) ﵀ أنّ دراسة الآيات المبهمة في القرآن أولى بالاهتمام والعناية حيث قال إذا كانت الأدباء تتدارس علم ما أبهم من أسماء الشعراء، وتتنافس في ذكر طبقاتهم وأخبارهم للأمراء، فالقارءون لكتاب الله بذلك أحرى وعلى سنن الصالحين أجرى. المطلب الثالث: أسباب ورود الإبهام في القرآن الكريم: ذكر الإمام الزركشي في البرهان (٣) لأسباب وقوع الإبهام في القرآن الكريم سبعة أسباب مع ذكر أمثلة لكل من هذه الأسباب وتبعه في ذلك الإمام السيوطي (٤) وهي: الأول: الاستغناء ببيانه في موضع آخر، ومثاله: قوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) أبهموا في هذه الآية، ولكنهم بيّنوا في قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ (٦). _________ (١) التكميل والإتمام: ٢ أ. (٢) صلة الجمع: ١٠١. (٣) البرهان في علوم القرآن: (١/ ١٥٦ - ١٦٠). (٤) مفحمات الأقران: (٩، ١٠)، والإتقان في علوم القرآن: (٤/ ٧٩، ٨٠)، ومعترك الأقران: (١/ ٤٨٤، ٤٨٥). (٥) سورة الفاتحة: آية: ٦. (٦) سورة النساء: آية: ٦٩.

стр. 32

الثاني: أن يكون معروفا لاشتهاره، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١) فلم يصرّح باسم الزوجة وهي حواء وذلك لشهرة تعيينها لأنه ليس له غيرها. الثالث: قصد الستر عليه، ليكون أبلغ في استعطافه، ولهذا كان النّبيّ ﷺ إذا بلغه عن قوم شيء خطب فقال: «ما بال رجال قالوا كذا»، وهو غالب ما في القرآن كقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (٢)، قيل: هو مالك بن الصّيف. وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ (٣)، قيل: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت. الرابع: ألا يكون في تعيينه كبير فائدة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ (٤). وكقوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ (٥). وكقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ (٦). الخامس: التنبيه على العموم، وهو غير خاص بخلاف ما لو عيّن، كقوله تعالى: _________ (١) سورة البقرة: آية: ٣٥. (٢) سورة البقرة: آية: ١٠٠. (٣) سورة النساء: آية: ٤٤. (٤) سورة البقرة: آية: ٢٥٩. (٥) سورة الأعراف: آية: ١٦٣. (٦) سورة يونس: آية: ٩٨.

стр. 33

﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (١). وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْاالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ (٢). السادس: تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ (٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٥) والمراد الصديق ﵁ في الكل. السابع: تحقيره بالوصف الناقص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٦)، والمراد فيها العاصي بن وائل. ويلحق بهذه الأسباب ما أشار إليه الزركشي في البرهان (٧) من اللّطائف والأسرار التي يمكن أن تكون سببا للإبهام، ومن تلك اللّطائف اللّطيفة التي أشار إليها في نداء القرآن أهل الكتاب ب ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ مع قول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، حيث بيّن أن الخطاب في الأولى لترغيب أهل الكتاب بالإيمان، وفي الثانية للتنبيه إلى أن يعقوب يأتي بعد إسحاق. ومن ذلك المبالغة في الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ﴾ _________ (١) سورة النساء: آية: ١٠٠. (٢) سورة البقرة: آية: ٢٧٤. (٣) سورة التوبة: آية: ٤٠. (٤) سورة النور: آية: ٢٢. (٥) سورة الزمر: آية: ٣٣. (٦) سورة الكوثر: آية: ٣. (٧) البرهان: (١/ ١٦١ - ١٦٣).

стр. 34

﴿مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ... ﴾ (١)، فقد وصفه الله وصفا كاشفا يعرفه كل أحد ومع ذلك فهو مبهم. ولعل القرآن الكريم إنما بالغ في وصفه وكشفه ليعرفه النّاس ويحذروه، وليرتدع من كان فيه بعض تلك الصفات فيقلع عنها. ومن ذلك أن العرب حين تتحدث عن الحرائر تكني، وإذا تحدثت عن الإماء تسمي، ومن هذا المنطلق جعل الزركشيّ تكرار اسم مريم في القرآن الكريم ردا على ما قالته النّصارى فيها وفي ابنها، وللتنبيه على أمر العبودية التي هي صفة لها، وليؤكد على أنّ عيسى ابن مريم ابنها بلا أب، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (٢). المطلب الرابع: الطريق إلى معرفة المبهم: لا سبيل إلى معرفة المبهم في القرآن - على اختلاف جنسه - إلا بالقرآن نفسه الذي يبهمه في موضع ويبينه في موضع آخر. أو بالحديث عن رسول الله ﷺ أو بالأثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. قال الإمام السيوطي (٣) ﵀: مرجع هذا العلم النقل المحض، ولا مجال للرأي فيه، وإنّما يرجع فيه إلى قول النّبيّ ﷺ وأصحابه الآخذين عنه، والتابعين الآخذين عن الصحابة. قال الزركشي (٤) ﵀: لا يبحث فيما أخبر الله باستئثاره بعلمه، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٥) والعجب ممّن تجرأ وقال: قيل إنهم قريظة، وقيل: من الجن. _________ (١) سورة القلم: الآيتان: ١٠، ١١. (٢) سورة المؤمنون: آية: ٥٠. (٣) مفحمات الأقران: ٨، وانظر: الإتقان: ٤/ ٨١ ومعترك الأقران: ١/ ٤٨٤. (٤) البرهان: ١/ ١٥٥. (٥) سورة الأنفال: آية: ٦٠.

стр. 35

قال السيوطي (١): ليس في الآية ما يدل على أن جنسهم لا يعلم وإنّما المنفيّ علم أعيانهم، ولا ينافيه العلم بكونهم من قريظة أو من الجن، وهو نظير قوله في المنافقين: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (٢)، فإنّ المنفيّ علم أعيانهم. ثم القول في أولئك بأنهم بنو قريظة، أخرجه ابن أبي حاتم (٣) عن مجاهد، والقول بأنهم من الجن، أخرجه ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عريب عن أبيه مرفوعا عن النّبيّ ﷺ ، فلا جرأة. المطلب الخامس: الكتب المؤلفة في هذا الفن: كانت الآيات المبهمة وتفسيرها مبثوثة في كتب التفسير، ولم يكن لهذا العلم مصنّف خاص، وكان من السابقين إلى التأليف فيه: ١ - الإمام أبو زيد وأبو القاسم أيضا عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي الأندلسي السهيلي (٤) (٥٠٨ - ٥٨١ هـ).صنف مؤلفات تدل على سعة علمه وقوة فهمه منها: ١ - الروض الأنف في شرح السيرة النبوية. ٢ - نتائج الفكر في النحو. ٣ - كتاب الفرائض وشرح آيات الوصية. ٤ - الأمالي في النحو. وهذه المؤلفات الثلاثة الأخيرة طبعت بتحقيق الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا. _________ (١) الإتقان: (٤/ ٨٠، ٨١). (٢) سورة التوبة: آية: ١٠١. (٣) انظر تخريج هذا الأثر والذي بعده عند تفسير هذه الآية في هذا الكتاب: ص: ٥٢٧. (٤) أخباره في: بغية الملتمس: ٣٥٤، وإنباه الرواة: (٢/ ١٦٢ - ١٦٤) ووفيات الأعيان: (٣/ ١٤٣، ١٤٤)، والعبر للذهبي: ٤/ ٢٤٤، والديباج المذهب: (١/ ٤٨٠، ٤٨٣).

стр. 36

أما كتاب السهيليّ في المبهمات فاسمه التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، أودع فيه ﵀ مبهمات القرآن وذكرها بشيء من الإيجاز والإجمال، وقد وصف كتابه في مقدمته (١) بأنه مختصر وجيز، وبيّن في هذه المقدمة موضوع الكتاب، وأهمية علم المبهمات عند السلف، والفائدة من هذا العلم. وذكر في نهاية الكتاب الباعث على تأليفه والمنهج الذي سار عليه في تأليفه فقال: (كان إملائي لهذا الكتاب على سائل سألني عن هذه الأسماء المبهمة في القرآن إملاء، ممّا حفظته قديما وحديثا، مطالعة ودرسا في كتب التفسير والأخبار، ومسندات الحديث والآثار، فمنه ما حفظت لفظه فأوردته كما حفظته، ومنه ما اختلف فيه ألفاظ الرواة فلم أتتبع جميعها ولكني لخصت المعنى متحريا، والصواب في تلك الأنحاء متوخيا، وأضربت عن الإسناد لما رويته من ذلك مختصرا، إذ كان الكتاب جوابا لسائل، وعجالة لمستفهم، ونبّهت في أكثره على المواضع التي منها أخذت والدواوين التي طالعت. وكذا ما أوردت فيه من الأسباب فهو موجود أيضا في كتب السير وأنساب العرب المشهورة عن أهل الأدب، فلم أحتج إلى الإشهاد على ما ذكرته بأكثر مما أوردته وأحلت عليه ... ). أما ترتيب الكتاب فقد بدأ فيه السّهيليّ ﵀ بتفسير سورة الفاتحة وانتهى بسورة الفلق، ولم يتناول مبهمات جميع سور القرآن بل أغفل مبهمات تسع وعشرين سورة وهي: سورة العنكبوت، فاطر، الشورى، الذاريات، الحديد، التغابن، الطلاق، الملك، الدهر، المرسلات، النبأ، النازعات، المطففين، الانشقاق، الأعلى، الغاشية، الضحى، الانشراح، القدر، البيّنة، الزلزلة، العاديات، القارعة، التكاثر، العصر، النصر، الإخلاص، الناس. أما السور التي تعرض لها فقد بلغ مجموع آياتها (٢٩٤) آية وهو يذكر اسم السورة ثم الآية المبهمة مرتبا ذلك - في الأعم الأغلب - حسب ورودها _________ (١) التعريف والإعلام: ٨.

стр. 37

في المصحف، وعند ما ينتهي من الآية يبدأ بذكر آية جديدة ... وهكذا إلى آخر السورة. أما منهجه في بيان المبهم فإنه يعتمد على ما يلي: أولا: يعتمد على القرآن نفسه، وقد تجلى ذلك في أول آية تناولها وهي: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، قال (٢): هم الذين ذكرهم الله في سورة النساء (٣) حين قال: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ ... ﴾ وأيد ما استنبطه بدليل عقلي ملخّصه أن كل سائر في طريق يحتاج إلى رفيق، يؤنسه ويشد من أزره، ولعله إنما حمله على ذلك ما أورد من حديث عن رسول الله ﷺ في دعائه عند احتضاره: «اللهم الرفيق الأعلى»، واستأنس بحديث: «خير الرفقاء أربعة» (٤).ومثل ذلك يمكن أن يقال في بيانه لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، حيث أورد قوله تعالى: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ (٥). ثانيا: فإن لم يجد تفسير المبهم في القرآن ينتقل إلى السنة المطهرة ومن النماذج على ذلك: ١ - لما ذكر قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ (٦) فقد بيّن _________ (١) سورة الفاتحة: آية: ٧. (٢) التعريف والإعلام: ٩. (٣) آية: ٦٩. (٤) أورد المصنف ﵀ هذا الحديث والذي قبله عند تفسير هذه الآية. انظر تخريجهما هناك. (٥) سورة البقرة: آية: ٦١. وقد تكرر استشهاده بآيات القرآن في كشف الإبهام في الصفحات الآتية: (١٤٦، ٣١٣، ٤٢٣، ٥٦٤، ٥٦٩). (٦) سورة آل عمران: آية: ١٢٢.

стр. 38

الطائفتين بذكر الحديث الذي ورد في صحيح البخاري (١) عن جابر بن عبد الله أنه قال: «هم بنو سلمة وبنو حارثة». ٢ - وفي سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢) أورد الحديث عن سنن الترمذي وتفسير الطبريّ وغيرهما (٣). ثالثا: إذا لم يجد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يفسر المبهم ينتقل إلى أقوال الصحابة والتابعين في تفسير تلك الآيات المبهمة لكنه - غالبا - لا يصرح بأسمائهم عند ما ينقل عنهم (٤)، وأكثر هذه الأقوال ترجع إلى عبد الله ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس، ووهب بن منبه. وفي بعض الأحيان يعزو القول إلى أحدهم مصرحا باسمه (٥). _________ (١) انظر تخريج هذا الحديث: ص ٣٠٦. (٢) سورة النساء: آية: ١٠٧. (٣) انظر: صلة الجمع: (٣٥٦ - ٣٥٩)، وقد تكرر استشهاده بالحديث في الصفحات الآتية: (٣٧٠، ٣٩٨، ٤١٨، ٤٩٢، ٥٠٢، ٥٠٣، ٥١٨، ٥٤٩، ٥٥٧، ٥٦٥). (٤) انظر تفسير قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ (البقرة: آية: ٣٥)، ص: ١٤٣، وتفسير قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (البقرة: آية: ٤٠)، وتفسير قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ... (البقرة: آية: ٤٩)، وتفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ (آل عمران: آية: ٢٣)، وتفسير قوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ (آل عمران: آية: ٧٢). وانظر الصفحات الآتية: (١٤٥، ١٤٧، ١٥١، ١٥٧، ١٦٦، ١٧١، ١٧٣، ٢٦١، ٢٧٤، ٢٨٩، ٢٩٤، ٣٠٦). (٥) انظر ما صرح بنقله عن ابن عباس في الصفحات الآتية: (٣٥١، ٣٥٣، ٤٩٦)، وعن عكرمة: ٣٥٣، وعن قتادة: ٤٦٧، وعن مجاهد: ٤٩٦.

стр. 39

ويلاحظ على كتاب التعريف والإعلام للسهيلي ورود الأحاديث الضعيفة، مثل الحديث الذي مر ذكره قبل قليل «خير الرفقاء أربعة» وغيره، وقد بيّن الإمام السّهيليّ ﵀ أنه لم يشترط في كتابه إيراد الصحيح فقط، وذلك عند تفسيره قوله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْاابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (١) قال (٢): «وقع في كتب الوعظ والرقائق أسماء هذه الأبواب على ترتيب لم يرد في أثر صحيح وإن كنا لم نشترط في هذا الكتاب على أن نقتصر على الصحيح دون غيره ... ». كما يلاحظ على كتاب السّهيليّ - أيضا - ورود الأقوال الغريبة دون تعقيب عليها، مثال ذلك ما ذكره حول مواضع هبوط آدم ﵇ وحواء، وإبليس والحية (٣). كما يلاحظ أيضا استطراد المؤلف ﵀ في ذكر أمور لا تتعلق بموضوع الكتاب، من ذلك محاولته بيان نوع الشجرة التي منع آدم ﵇ أكلها، والحكمة من منعه منها ولو بعلة واهية (٤). ومن ذلك أيضا ذكر أول من سجد من الملائكة لآدم ... وغير ذلك من الأمور التي ليس هناك حاجة إلى معرفتها ولا يترتب عليها فائدة. ولكن يبقى للإمام السهيلي ﵀ فضل السبق إلى الكتابة في هذا العلم، والذي لا يعرف قبله من أفرده بمصنّف مستقل. والكتاب مطبوع في مصر عام (١٣٥٦ هـ، ١٩٣٨ م) باعتناء الشيخ محمود ربيع. كما طبع في بيروت عام (١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧) بتحقيق الأستاذ عبد أ. مهنا. هذا وقد ذكر صاحب هدية العارفين (٥)، والأستاذ خير الدين _________ (١) سورة الحجر: آية: ٤٤. (٢) التعريف والإعلام: ٦٢. (٣) التعريف والإعلام: ١٠، وانظر: صلة الجمع: ١٣٣. (٤) المصدر نفسه. (٥) هدية العارفين: ١/ ٥٢٠.

стр. 40

الزركلي (١)، والأستاذ عادل نويهض (٢) أن للإمام السّهيليّ ﵀ كتابا آخر في مبهمات القرآن غير التعريف والإعلام واسمه: الإيضاح والتبيين لما أبهم من تفسير الكتاب المبين. لم أقف على من نسبه إلى السهيلي غير هؤلاء. ٢ - ثم جاء الإمام العلاّمة أبو عبد الله بن عسكر وهو: محمد بن علي بن خضر الغسّاني، الأندلسيّ، المالقي (؟ - ٦٣٦ هـ). صنّف كتبا كثيرة منها المشرع الروي في الزيادة على غريبي الهروي، ونزهة النّاظر في مناقب عمار بن ياسر، والإكمال والإتمام في صلة الإعلام بمحاسن الأعلام من أهل مالقة الكرام ... وغير ذلك (٣). أما كتابه في المبهمات فاسمه «التكميل والإتمام لكتاب التعريف والإعلام» (٤)، وواضح من عنوانه أنه ذيل على كتاب السّهيليّ (التعريف والإعلام)، وقد ذكر ابن عسكر ﵀ أن الهدف من تصنيفه هذا الكتاب هو إتمام الفائدة بذكر المبهم الذي لم يذكره السهيلي فقال: (وأجد الشّيخ ﵁ يعني السهيلي - قد أغفله ولم يحل قفله، ألحقه من كتابه في الطرر وأضيف جوهرة إلى تلك الدرر، حرصا على أن تعظم الفائدة لمن استفاد، وتبقى الفائدة بعد النفاد ... ). وبيّن ابن عسكر ﵀ فضل الإمام السّهيليّ عليه وفضل كتابه على كتابه هذا وقال - في أدب العالم المتواضع - يصف كتاب السّهيليّ: (فهو وإن كان ضئيلا حجمه فقد أشرق في الإبداع نجمه وإني لم أزل منذ رأيت سناه وفهمت مقصده الشريف ومنحاه، أرتشف من حياضه وأقتطف من _________ (١) الأعلام: ٣/ ٣١٣. (٢) معجم المفسرين: ١/ ٢٦٧. (٣) أخباره في: الذيل والتكملة: ٦/ ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء: (٢٣/ ٦٥، ٦٦)، والإحاطة: (٢/ ١٧٢ - ١٧٥) والمرقبة العليا: ١٢٣، وبغية الوعاة: ١/ ١٧٩. (٤) حققه الباحث حسين عبد الهادي بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام (١٤٠٤ هـ) ونال به درجة الدكتوراة.
следующие страницы →