← Указатели

Указатели · id 16812

الوجازة في الأثبات والإجازة

ذياب الغامدي

Полный текст (348 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الوَجَازَةُ في الأثْبَاتِ والإجَازَة فِيْهِ مِئَةٌ وعُشْرُوْنَ ثَبَتًا وإجَازَةً وسُتُّونَ سَنَدًا لمؤلَّفَاتِ أهْلِ العِلْمِ تَقْرِيْظُ فَضِيْلَةِ الشَّيْخِ العَلامَةِ زُهَيرٍ الشَّاوِيْشِ للعَبْدِ الفَقِيرِ ذيَابِ بنِ سَعْدٍ آل حَمدانَ الغامِدي

стр. 2

موقع فضيلة الشيخ / ذياب بن سعد الغامدي www.islamlight.net/thiab شبكة نور الإسلام www.islamlight.net

стр. 3

الكِلْمَةُ الأخِيرَةُ في تَقْدِيْمِ كِتَابِ «الوَجَازَةِ في الأثْبَاتِ والإجَازَةِ» تَألِيْفُ العَلامَةِ / ذِيابِ بنِ سَعْدِ آلِ حَمدَانَ الغَامِدِيِّ بقَلَمِ: زُهَيرٍ الشَّاوِيْشِ إنَّ الحَمْدَ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحمَّدٍ رَسُوْلِ اللهِ، وعَلى آلِهِ وزَوْجَاتِه أُمَّهَاتِ المؤمِنِينَ، وجَمِيعِ صَحْبِه المُبرَّئِيْنَ مِنْ كُلِّ وَصْمَةِ عَارٍ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، وبَعْدُ: فَقَدْ تَكَرَّمَ عَليَّ أخِي الشَّيْخُ ذِيَابُ آلُ حمْدَانَ الغَامِديُّ الأزْدِيُّ الطَّائِفيُّ، بالاطَّلاعِ عَلى كِتَابِه الَّذِي جمَعَ بِه الأثْبَاتَ الَّتي وَصَلَتْ إلَيْها يَدُهُ، وسِتِّينَ سَنَدٍ لمؤَلَّفَاتِ أهْلِ العِلْمِ والرِّوَايَةِ. ومِثْلُ هَذا العَدَدِ يُعَدُّ كَبِيرًا جِدًّا في هَذَا الفَنِّ النَّادِرِ، الَّذِي لايَتَسَنَّى ـ عَلى التَّحْقِيْقِ ـ إلاَّ لعَدَدٍ قَلِيْلٍ مِنَ المُنْشَغِلِيْنَ بجَمْعِ ذَلِكَ، في خِدْمَةِ تِلاوَةِ كِتَابِ اللهِ «القُرْآنِ الكَرِيْمِ»، عَلى القُرَّاءِ بالرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ، وكَذَلِكَ السَّنَدِ للأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيْفَةِ. * * * وقُلْتُ: عَلى التَّحْقِيْقِ؛ لأنَّ هُنَاكَ وهُنَالِكَ عَدَدًا غَيْرُ قَلِيْلٍ مِنَ الادِّعَاءِ في جَمْعِ رِوَايَاتٍ وإسْنَادَاتِ أحَادِيْثَ، أو أثْبَاتٍ وإجَازَاتٍ، لَيْسَ لها سَنَدٌ ولا زِمَامٌ،

стр. 4

ولا مَقُوْدٌ ولا خِطَامٌ. ولَكِنَّ اللهَ أوْجَدَ لها مِنْ عُلَماءِ هَذَا الدِّيْنِ، مُنْذُ عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِيْنَ (١)، مَنْ يُبَيِّنُ زَيْفَهَا، ويَفْضَحُ زَخَارِفَها. فَوُجِدَ بَيْنَ النَّاسِ مَنْ سُمُّوا (صَيَارِفَةً)، فَكَشَفُوا الصَّحِيْحَ مِنَ المَوْضُوْعِ، والضَّعِيْفَ مِنَ المَعْلُوْلِ، والمَوْصُوْلَ مِنَ المَقْطُوْعِ، والمُضَافَ إلى الحقِّ مِنَ المَدْخُوْلِ، وهَكَذَا حَتَّى وَصَلَنا حَدِيْثُ سَيِّدِنا رَسُوْلِ الله ﷺ سَالمًا مِنْ كُلِّ عِلَّةٍ بالجُمْلَةِ الكُلِّيَّةِ، ونَبْذِ الحَدِيْثِ المَوْضُوْعِ جُمْلَةً وتَفْصِيلاً، وتَسْدِيْدِ الحَدِيْثِ الضَّعِيْفِ بكَلِماتٍ وَاضِحَةٍ جَلِيَّةٍ، لا يَلْجَأ إلَيْها إلاَّ مَنْ كَانَ في قَلْبِه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ، وتَبرَّأ مِنْهَا مَنْ حَسُنْتْ فِيْهِ الطَّوِيَّةُ، وأتَى اللهَ بقَلْبٍ سَلِيْمٍ. وأنَّ كُلَّ مُشْتَغِلٍ بعِلْمِ الحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ يجِدُ في الكَثِيْرِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ مِثْلَ مَا كَانَ يجِدُ أسْلافُه في الكُتُبِ الَّتِي وُضِعَتْ لِكُلِّ عَصْرٍ مِنْ عُلَماءِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ في زَمَانِه (٢). * * *

стр. 5

وقَدْ بَذَلَ أخِي المؤلِّفُ جُهْدًا كَبِيرًا في تَقْرِيْبِ أبْحَاثِ هَذَا الفَنِّ، وقَسَّمَهُ إلى أطْرَافٍ وأبَوْابٍ، وفُصُوْلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وجَعَلَ لكُلِّ وَاحِدٍ مِنْها عُنْوانًا حَصَرَ فِيْه مَا يحْوِي مِنْ عُلُوْمٍ وتَقْسِيماتٍ وفُرُوْعٍ. وهَذَا كُلُّه قَدْ لا تجِدُه كَامِلاً عِنْدَ كُلِّ مَنْ ألَّفَ سَابِقًا، أو عَرَفَ ذَلِكَ قَبْلَه في كُتُبِه، سِوَى مَا كَانَ مِنَ الإمَامِ البُخَارِيِّ ﵀ في «الصَّحِيْحِ الجَامِعِ». وقَرِيْبٌ مِنْه مَا وَجَدْنا في عَدَدٍ مِنْ بَاقِي كُتُبِ السُّنَّةِ الأمَّاتِ (١). * * * ونَجِدُ مِنَ المُؤلَّفِ ـ حَفِظَهُ اللهُ ـ عِنْدَ كَلامِه عَمَّنْ عَاصَرَهُم، ونَقَلَ عَنْهُم مِنْ إخْوَانِه العُلَماءِ، مَعَ أنَّ بَعْضَهُم مِنْ زُمَلائِه، ولَعَلَّ فِيْهِم مَنْ هُم تَلامِذَتَه وطُلابَه ... نَجِدُهُ يَذْكُرُهُم بأفْضَلِ الأوْصَافِ، وهَذَا مِنْ حُسْنِ أدَبَهِ، وتَوَاضُعِه مَعَهُم، وتَأكِيْدًا مِنْه عَلى أمَانَتِه العِلْمِيَّةِ في النَّقْلِ عَنْهُم، بَارَكَ اللهُ بِه وبِهْم. ولِذَلِكَ نَجِدُهُ ذَكَرَ العَشَرَاتِ مِنْ العُلَماءِ المُعَاصِرِيْنَ لَهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ مَنْ

стр. 6

قَارَبُوا عَصْرَه، مِثْلَ العَالمِ الجَلِيْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ الحتَّاوِيِّ الدُّومَانيِّ، الَّذِي أكْرَمَنِي بالعَمَلِ مَعِي في المكْتَبِ الإسْلامِي عَشَرَاتِ السِّنِيْنِ ـ تَغَمَّدَهُ اللهُ برَحْمَتِهِ ـ (انْظُرْ الصَّفْحَةَ ٩٢). وكَذَلِكَ مَا ذَكَرَه مِنْ رِوَايَتِه عَنِ العَالمِ السَّلَفِي الدُّكْتُورِ الشَّيْخِ صُبْحِي بنِ جَاسِمٍ البَدْرِيِّ السَّامُرَّائِيِّ، أعَادَهُ اللهُ إلى أهْلِهِ وبَلَدِه بَغْدَادَ بخِيْرٍ وسَلامَةٍ بَعْدَ أنْ غَادَرَهَا بسَبَبِ الحَوَادِثِ الألِيْمَةِ هُنَاكَ. وكَذَلِكَ حَيْثُ شَرَّفَنِي وذَكَرَني مَرَّاتٍ عَدِيْدَةٍ، وقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ العَدِيْدِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الَّذِيْنَ عَاصَرَهُم، فَجَزَى اللهُ أخِي العَالمِ الجَلِيْلِ، والبَاحِثِ النَّبِيْلِ، الخَيْرَ عَلى عَمَلِهِ. * * * وأمَّا قَوْلي: الكَلِمَةُ الأخِيْرَةُ، فَهَذِه نُكْتَةٌ أُطْلِقُها مُدَاعِبًا، لأنَّنِي كَتَبْتُ المئَاتِ مِنْ «المُقَدِّمَاتِ» لمَّا نَشَرْتُ كِتَابي (١). ومَا كَتَبْتُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ خَاصَّةٍ لكُتُبِ إخْوَاني أهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ.

стр. 7

وإنَّ هَذِه المُقَدِّمَاتِ ... هِي آخِرُ كَلِماتٍ تُكْتَبُ في الكِتَابِ، لأنَّها آخِرُ مَا يُوْضَعُ فِيْهِ، وإنْ غَلَبْتِ التَّسْمِيَةُ المَغْلُوْطَةُ عَلى الوَاقِعِ والصَّوَابِ. * * * وممَّا لَفَتَ نَظَرِي في عَمَلِه أنَّه ذَكَرَ السَّنَدَ كَامِلاً مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، لِكُلِّ كِتَابٍ، أو خَبرٍ (اتِّبَاعًا لمَنْ سَبَقَهُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ)، وكُنْتُ أرَى (وُجْهَةُ نَظَرٍ أُخْرَى) لُوْ أنَّه اكْتَفَى بنَقْلِ السَّنَدِ برَقْمٍ، وعِنْدَ تِكْرَارِه يُوْضَعُ الرَّقْمُ عِوَضًا عَنْ تِكْرِارِ السَّنَدِ كَامِلاً. ومِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: قَالَ عِنْدَ حَدِيْثِ: «سِلْسِلَةِ الذَّهَبِ «الَّتِي يَرْوِيْها الإمَامُ أحمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ، عَنِ الإمَامِ مُحمَّدِ بنِ إدْرِيْسَ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الإمَامِ مَالِكِ بنِ أنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ ﵏، عَنْ سَيِّدِنا عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ : «لايَبِعْ بَعْضُكُم عَلى بَيْعِ بَعْضٍ»، صَحِيْحُ مُسْلِمٍ (١٤١٢). وَحَدِيْثُ: «إذَا أرَادَ اللهُ بعَبْدِه خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ»، قَالُوا: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُه؟ قَالَ: «يُوَفِّقَهُ لعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ». وقَالَ بَعْدَهَا: لا يُوْجَدُ أصَحَّ مِنْهُ، وزَادَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَه: وهَذِه التَّرجَمَةُ لم يُخَرِّجْهَا أحَدٌ مِنْ أصْحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ. انْظُرْ الصَّفْحَةَ (٧٩). وهَذَا حَدِيْثٌ عَظِيْمٌ وَقَعَ ثُلاثِيًّا للإمَامِ أحمَدَ ... إلَخِ. وهُوَ في «شَرْحِ ثُلاثِيَّاتِ مُسْنَدِ الإمَامِ أحمَدَ» برَقْمِ (١٣١ و ١٩٦) طَبْعُ المَكْتَبِ الإسْلامِيِّ، وأُلْحِقَ كُلُّ ذَلِكَ

стр. 8

بفَهَارِسَ مُوَسَّعَةٍ جَيِّدَةِ الوَضْعِ، دَالَّةٍ عَلى مَا يُرَادُ مِنْ هَذَا الكِتَابِ القَيَّمِ. وهَذَا لا تَكَادُ تَجِدُ لَه أثرًا عِنْدَ غَيْرِه، وقَدْ عَرَّفَ رِجَالَه بِما فِيْه الكِفَايَةُ، ولم يُبْقِ سِوَى ذِكْرِ وَفَاتِهم، وأطَالَ اللهُ أعْمارَ الأحْيَاءِ مِنْهُم. كَما تَرَجْمَ لِكُلِّ عَالمٍ، أو مَنْ رَوَى خَبَرًا بِما يَدُلُّ عَلى عِلْمِه، ومَكَانَتِه، وبَلَدِه، وزَمَانِه، بِكُلِّ إتْقَانٍ وعِنَايَةٍ وأمَانَةٍ. وفي هَذِه الأبْحَاثِ العَدَدُ الكَبِيرُ مِنْ سَنَدِ كُلِّ كِتَابٍ بِدْءًا مِنْ «صَحِيْحِ الإمَامِ البُخَارِيِّ «إلى بَاقِي كُتُبِ السُّنَّةِ، حَتَّى مَا تَبَقَّى مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ. ونَقَلَ الخِلافَ الموْجُوْدَ مِنْ قِبَلِ عَدَدٍ مِنْ أصْحَابِ الآرَاءِ العِلْمِيَّةِ، بَيْنَ عُلَماءٍ أبَاحُوا شَيْئًا، وعُلماءٍ غَيرِهِم حَرَّمُوْهُ. ولمَّا وَجَدَ مَنِ اعْتَرَضَ عَلى إجَازَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحمَنِ ابنِ الشَّيْخِ حَسَنَ ابنِ شَيْخِ الدَّعْوَةِ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، رَدَّ ذَلِكَ وأثْبَتَ رِوَايتَه عَنْ جَدِّهِ، وذَكَرَ إجَازَتَهُ (١). وألحَقَ كُلَّ ذَلِكَ ببَيَانِ الَّذِي وَجَدَهُ، ودَلَّلَ عَلَيْه بغَايَةِ الأدَبِ. * * * كَما ذَكَرَ رِوَايَةَ أخِي الشَّيْخِ بَكْرِي عَبْدِ المَجِيْدِ الطَّرَابِيْشِي ـ حَفِظَهُ اللهُ ـ للقْرَآنِ الكَرِيْمِ، وهِيَ أعْلى سَنَدٍ في بَلادِ الشَّامِ (٢)، وقَدْ حَرِصَ ـ مَا أمْكَنَه ـ عَلى

стр. 9

بَقَاءِ أسَانِيْدِه كَامِلَةً، لأنَّ كَثِيرًا مِنْ طُلابِ العِلْمِ اليَوْمَ يَرْغَبُوْنَ أنْ تُذْكَرَ لهُم الأسَانِيْدُ كَامِلَةً، رَجَاءَ حِفْظِهَا أو نَسْخِها (كَما في الصَّفْحَةِ ٤٧)، وهَذَا مِنْهُ مُرَاعَاةً لطُلابِه ... وأنَا قَدْ أُخَالِفَه بذَلِكَ؟ ولِكُلٍّ وُجْهَةٍ هُوَ مُوَلِّيْها، والاجْتَهَادُ لا يُنْقَضُ بمِثْلِه. وأقُوْلُ: إنَّ ممَّا تَقَدَّمَ يجِدُ القَارِئ الكَرِيْمُ، أنَّ أخِي حَفِظَهُ اللهُ بَذَلَ جُهْدًا كَبِيرًا في هَذَا الكِتَابِ «الوَجَازَةِ في الأثْبَاتِ والإجَازَةِ»، وتَقْرِيْبِ هَذا الفَنِّ الصَّعْبِ أصْلاً بصُوْرَةٍ قَرِيْبَةٍ لمَنْ قَلَّ عِلْمُه (مِثْلي)، وجَعَلَهُ لمَنْ كَانَ كَامِلَ العِلْمِ تَذْكِرَةً نَافِعَةً، واللهَ أسْألُ أنْ يُحْسِنَ مَثُوْبَتَهُ. * * * وخِتَامًا: فإنَّني أرْجُو اللهَ أنْ يُوَفِّقَ أخِي البَاحِثَ الجَلِيْلَ، والمَوْسُوْعِي الوَاسِعَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ، فِيْما قَدَّمَ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ نَادِرٍ مُفِيْدٍ لعُلَماءِ الحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ وطُلابِه، ووَفَّقَهُ اللهُ لِكُلِّ خَيرٍ، وسَدَّدَ خُطَاه،، وآخِرُ دَعْوَانا أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالميْنَ. بَيْرُوتَ ١٣ رَبِيْعُ الثَّاني ١٤٢٨ هـ ١/ ٥/٢٠٠٧ م زُهِيْرٌ الشَّاوِيْشُ مُؤسِّسُ المَكْتَبِ الإسْلامِي في دِمِشْقَ، وبَيْرُوتَ، ومَكَّةَ، وعَمَّانَ

стр. 10

الحَمْدُ للِه الَّذِي حمَى هَذِه الشَّرِيْعَةَ الغَرَّاءَ بِأئِمَّةٍ أمْجَادٍ، قيَّدُوا شَوَارِدَهَا، وجَمَعُوا أوَابِدَهَا بِسَلاسِلِ الإسْنَادِ؛ فَتَمَّتِ الهِدَايَةُ بِاتِّصَالِ الرِّوَايَةِ، وكَمُلَتِ العِنَايةُ ببِلُوْغِ الغَايَةِ مِنَ الدِّرَايَةِ، وصَارَتِ الأسَانِيْدُ المُتَّصِلَةُ لِمَعَاهِدِ العُلُوْمِ كَالأنْوَارِ، ولمعَالمِ المَعَارِفِ كَالسِّوَارِ، يَرْوِيْهَا الأكَابِرُ عَنِ الأكَابِرِ، ومِنْهُ أضْحَى الإسْنَادُ مِنَ الدِّيْنِ، وقُرْبَةً إلى رَبِّ العَالمِيْنَ. والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ، وعَلَى آلِهِ، وصَحْبِهِ الغُرِّ الميَامِيْنَ، ومَنْ تَبِعَهُم بِإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ. أمَّا بَعْدُ: فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أنَّ الإجَازَةَ جَائِزَةٌ عَنْدَ فُقَهَاءِ الشَّرْعِ، المُتَصَرِّفِيْنَ في الأصْلِ والفَرْعِ، وعُلَمِاءِ الحَدِيْثِ، في القَدِيْمِ والحَدِيْثِ؛ قَرْنًا فَقَرْنًا، وعَصْرًا فَعَصْرًا إلى زَمَانِنَا هَذَا. وفي الإجَازَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي بَصِيْرَةٍ وبَصَرٍ: دَوَامُ مَا قَدْ رُوِيَ وذُكِرَ، وبَقَاءُ مَا قَدْ كُتِبَ ونُثِرَ؛ فَهِيَ أنْسَابُ الكُتُبِ، ولَوْلَاهَا لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، لِذَا كَانَ يَنْبَغِي التَّعْوِيْلُ عَلَيْهَا، والسُّكَوْنُ إِلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِي صِحَّتِهَا، أَوْ رَيْبٍ فِي فُسْحَتِهَا.

стр. 11

فَإذَا عُلِمَ هَذَا فَقَدْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَليَّ بلِقَاءِ عَدَدٍ مِنَ المَشَايخِ الأعْلامِ؛ حَيْثُ أخَذْتُ عَنْهُم باللِّقَاءِ والدَّرْسِ والمُلازَمَةِ والإجَازَةِ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ لِكُتُبِ ومُصَنَّفَاتِ أهْلِ الإسْلامِ؛ ووَجَدْتُ روَايَاتِهم قَدْ اتَّصَلَتْ بِالمُصَنِّفِيْنَ، وسُلْسِلَتْ بِعُلمَاءِ الدِّيْنِ المُحَقِّقِيْنَ. * * * فَكَانَ أنْ ذَكَرْتُ طَائِفَةً (وأرْجَيْتُ طَائِفَةً لأجَلٍّ مُسَمَّى) مِمَّنْ أخَذْتُ عَنْهُم ضَمَّنْتُهُم هَذا المُخْتَصَرَ الوَجِيْزَ تَحْتَ عُنْوَانِ: «الوَجَازَةُ في الأثْبَاتِ والإجَازَةِ»، وَهُوَ عَلَى لُطْفِ مَخْرَجِهِ وصِغَرِ حَجْمِهِ إلاَّ أنَّهُ انْتِقَاءٌ مِنْ مَجَامِيْعِ أهْلِ المَوَاجِزِ مَا يُرَغِّبُ الطَّالِبَ الأحْوَذِيَّ فِي النَّظَرِ فِيْهِ، ويَدْفَعُ اللَّوْذَعِيَّ إلى الانْتِسَابِ إلى أسَانِيْدِه وعَوَالِيْهِ، ويَقُوْدُ المِيْجَازِيَّ للالْتِحَاقِ بسَلاسِلِهِ وغَوَالِيْه، فَهُوَ جَوْهَرَةٌ مَكْنُوْنَةٌ، ودُرَّةٌ مَصَوْنَةٌ، خَرَّجْتُه بَعْدَ تَخْرِيْجِهِ، ونَثَرْتُه بَعْدَ تَنْثِيْرِه؛ ليَكُوْنَ لي زَادًا انْظُرُ فِيْهِ، وتَسْلِيَةً أفْرَحُ بِهِ، في زَمَنٍ تَغَرَّبَتِ الغُرْبَةُ بأهْلِ السُّنَّةِ، وأُعْجِمَتْ بَأهْلِ البَوَادِي الألْسِنَةُ، وتَنَاكَدَ النَّاسُ ببَعْضِهِم شَكًّا وظِنَّةً، وتَنَافَرَتِ القُلُوْبُ عَنْ مُهَاجَرَةٍ وشِحْنَةٍ، إلاَّ مَا رَحِمَ اللهُ! فَكَانَ هَذَا المَزْبُوْرُ لي سَمِيْرًا وأنِيْسًا، وتَذْكِيْرًا وجَلِيْسًا، كَما فِيْه تَسْلِيَةٌ أبُلُّ بِها غُرْبَةَ أهْلِ السُّنَّةِ والأثَرِ، وأُحْيِي بِه ذِكْرَى مَنْ كَانَ مِنْهُم وانْدَثَرَ، كَما فِيْهِ عُدَّةٌ لكُلِّ سَلَفِيٍّ، وغُدَّةٌ لكُلِّ خَلَفِيٍّ، ومِنْ وَرَاءَ مَا هُنَا لَعَلَّ وعَسَى يَجِدُ الأثَرِيُّ فِيْه مَا

стр. 12

غَابَ عَنْ نَظَرِي، ويَلْتَقِطُ العَبْقَرِيُّ مِنْهُ مَا غَرَبَ عَنْ فِكْرِي! ** * فَعِنْدَ هَذا؛ ضَمَمْتُ أطْرَافَ كِتَابي هَذَا بَيْنَ أبْوَابٍ عَشَرَةٍ، ولَفَفْتُ مَطَارِفَ أبْوَابِهِ في فُصُوْلٍ عَطِرَةٍ، كَمَا يَلي ويَأتي: البَابُ الأوَّلُ: مُقَدِّمَاتٌ عَنِ الإجَازَةِ، وفِيْه ثَمانِةَ فُصُوْلٍ. الفَصْلُ الأوَّلُ: مَعْنَى الإجَازَةِ. الفَصْلُ الثَّاني: فَضْلُ الإجَازَةِ. الفَصْلُ الثَّالثُ: صِحَّةُ الإجَازَةِ، والعَمَلُ بِها عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ. الفَصْلُ الرَّابِعُ: فَوَائِدُ الإجَازَةِ بَعْدَ تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا. الفَصْلُ الخَامِسُ: الرَّدُّ عَلى مَنْ أنْكَرَ الإجَازَةَ. الفَصْلُ السَّادِسُ: إجَازَةُ الصَّغِيْرِ غَيْرِ المُمَيِّزِ. الفَصْلُ السَّابِعُ: تَجَاهُلُ بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ عَنِ الإجَازَةِ. الفَصْلُ الثَّامِنُ: إجَازَةُ أهْلِ العَصْرِ. البَابُ الثَّاني: أسْماءُ الشُّيُوْخِ الَّذِيْنَ أخَذْتُ عَنْهُم العِلْمَ. البَابُ الثَّالِثُ: وفِيْه فَصْلانِ. الفَصْلُ الأوَّلُ: أسْماءُ الشُّيُوْخِ الَّذِيْنَ أخَذْتُ عَنْهُمُ الإجَازَةَ مُبَاشَرَةً. الفَصْلُ الثَّاني: أسْماءُ أثْبَاتِ وإجَازَاتِ الشُّيُوْخِ الَّذِيْنَ أخَذْتُ عَنْهُمُ الإجَازَةَ مُبَاشَرَةً.

стр. 13

البَابُ الرَّابِعُ: أسَانِيْدُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ. البَابُ الخَامِسُ: أسَانِيْدُ كُتُبِ السُّنَّةِ الخَمْسَةَ عَشَرَ. البَابُ السَّادِسُ: أسَانِيْدُ السَّادَةِ الحَنَابِلَةِ. البَابُ السَّابِعُ: أسَانِيْدُ المَذَاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأرْبَعَةِ. البَابُ الثَّامِنُ: أسَانِيْدُ المُسَلْسَلاتِ، وفِيْه فَصْلانِ. الفَصْلُ الأوَّلُ: حَدِيْثُ الرَّحْمةِ المُسَلْسَلِ بالأوَّلِيَّةِ. الفَصْلُ الثَّاني: الحَدِيْثُ المُسَلْسَلِ بالمَحَبَّةِ. البَابُ التَّاسِعُ: أسَانِيْدُ المُدِّ النَّبَوِيِّ. البَابُ العَاشِرُ: وفِيْهِ فَصْلانِ. الفَصْلُ الأوَّلُ: أسْماءُ مِئَةٍ وعِشْرِيْنَ ثَبْتًا وإجَازَةً. الفَصْلُ الثَّاني: أسَانِيْدُ مَرْوِيَّاتِ ومُؤلَّفَاتِ سِتِّيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ. الفَهَارِسُ العَامَّةُ. والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إمَامِ المُرْسَلِيْنَ، وعَلَى آلِهِ، وصَحْبِهِ، ومَنْ أسْنَدَ أثَرَهُم إلى يَوْمِ الدِّيْنِ

стр. 14

فَكَانَ الفَرَاغُ مَنْ تَسْطِيْرِه لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيْعِ الأوَّلِ لِعَامٍ ألْفٍ وأرْبَعْمائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِيْنَ وكَتَبهُ مُصَلِّيًا عَلى النَّبِيِّ أحمَدَ، ومَنْ تَبِعَه بإحْسَانٍ وأسْنَدَ ذِيابُ بنُ سَعْدٍ آلِ حَمْدانَ الغَامِدِيُّ (١٠/ ٣/١٤٢٨)

стр. 15

البَابُ الأوَّلُ الفَصْلُ الأوَّلُ: مَعْنَى الإجَازَةِ الفَصْلُ الثَّاني: فَضْلُ الإجَازَةِ الفَصْلُ الثَّالثُ: صِحَّةُ الإجَازَةِ، والعَمَلُ بِها عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ الفَصْلُ الرَّابِعُ: فَوَائِدُ الإجَازَةِ بَعْدَ تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا الفَصْلُ الخَامِسُ: الرَّدُّ عَلى مَنْ أنْكَرَ الإجَازَةَ الفَصْلُ السَّادِسُ: إجَازَةُ الصَّغِيْرِ غَيْرِ المُمَيِّزِ الفَصْلُ السَّابِعُ: تَجَاهُلُ بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ عَنِ الإجَازَةِ الفَصْلُ الثَّامِنُ: إجَازَةُ أهْلِ العَصْرِ

стр. 16

الفَصْلُ الأوَّلُ مَعْنَى الإجَازَةِ الإجِازَةُ هِي إحْدَى طُرُقِ التَّحَمُّلِ والرِّوَايَةِ عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، لِذَا تَنَوَّعَتْ في مَعْنَاهَا وأدَائِها باعْتِبَارَاتٍ لا تُخْرِجُهَا عَنْ مَعْنَى تَحَمُّلِ العِلْمِ عَنِ الشُّيُوْخِ في الجُمْلَةِ. فأمَّا الإجَازَةُ في اللُّغَةِ، وعَنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ: فَهِي الإذْنُ والإبَاحَةُ، وتَأتي بمَعْنَى الخَبَرِ. واصْطِلاحًا: هِي إذْنُ المُحَدِّثِ للطَّالِبِ أنْ يَرْوِيَ عَنْهُ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ أو غَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ مِنْه أو يَقْرَأ عَلَيْه، وهَذا أصْلُ مَعْنَاهَا عِنْدَ الاطْلاقِ! وهَذا أوْسَعُها مَعْنىً واسْتِخْدَامًا عِنْدَ عَامَّةِ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، فَهِي: إذنٌ في الرِّوَايَةِ لَفْظًا أو كِتَابَةً، تُفِيْدُ الإخْبَارَ الإجْمَاليَّ عُرْفًا. وتَأتي الإجَازَةُ أيْضًا بمَعَانٍ أخْرَى بشَرْطِ التَّقْيِيْدِ، مِنْهَا: ـ إجَازَةُ الشَّيْخِ الطَّالِبَ بَعْدَ السَماعِ من الشَّيْخِ مُبَاشَرَةً، أو مِنْ غَيْرِه، وهُوَ مَا يُسَمَّى عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ: سَماعًا. ـ إجَازَةُ الشَّيْخِ الطَّالِبَ بَعْدَ قِرَاءةِ الطَّالِبِ عَلى الشَّيْخِ، وهُوَ مَا يُسَمَّى: عَرْضًا.

стр. 17

ـ إجَازَةُ الشَّيْخِ الطَّالِبَ مَعَ مُنَاوَلَةِ الشَّيْخِ الكِتَابَ للطَّالِبِ. ولَفْظُه أنْ يَقُوْلَ: أجَزْتُكَ أو أجَزْتُ لَكَ أنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذا الكِتَابَ، أو هَذَا الثَّبْتَ، سَواءٌ كَانَ مِنْ تَألِيْفِه أو مِنْ غَيْرِه ممَّا لَهُ فِيْهِ سَنَدٌ صَحِيْحٌ، فَيَرْوِي الطَّالِبُ عَنْه ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْمَعَهُ مِنْهُ أو يَقْرَأهُ عَلَيْه بمَعْنَاهَا العَامِ. فإنْ سَمِعَه مِنْه، أو قَرَأهُ عَلَيْه فَدَرَجَةُ كَمالٍ وفَضْلٍ لا شَرْطٍ كَما يَدَّعِيْه بَعْضُهُم! وعَلَيْه فالإجَازَةُ: رِوَايَةٌ قَبْلَ أنْ تَكُوْنَ دِرَايَةً، كَما هُو صَنِيْعُ وتَصَرُّفُ جَماهِيْرِ السَّلَفِ والخَلَفِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ وغَيْرِهِم. * * * وقَدْ تَوَسَّعَ أهْلُ العِلْمِ في الإجَازَةِ لفظًا ومَعْنىً، للْحِفَاظِ عَلى الإسْنَادِ واتِّصَالِهِ، وتَسَلْسُلِ رِجَالِهِ، والانْتِسَابِ لكُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا، فَكَانَتْ مِعْيَارًا لِذَلِكَ، وعُنْوَانًا عَلى الطَّبَقَاتِ واللُّقِيِّ والمُعَاصَرَةِ في غَيْرِهَا مِنْ تَحَاسِيْنِ الرِّوَايَةِ، وأفَانِيْنِ الإجَازَةِ. ثُمَّ الإجَازَةُ تَارَةً تَكُوْنُ بلَفْظِ المُجِيْزِ بَعْدَ السَّؤالِ فِيْهَا مِنْ المُجَازِ لَه، أو غَيْرِه، أو مُبْتَدِئًا بِها. وتَارَةً تَكُوْنُ بخَطِّ المُجِيْزِ عَلى اسْتِدْعَاءٍ، كَما جَرَتِ العَادَةُ، أو بِدُوْنِ اسْتِدْعَاءٍ، قَاله السَّخَاوِيُّ وغَيْرُه.

стр. 18

أمَّا اسْتِدْعَاءُ الإجَازَةِ عَنْ طَرِيْقِ سُؤالِ الغَيْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَيْه أئِمَّةٌ أعْلامٌ، وحُفَّاظٌ كِبَارٌ مِنْهُم أبو طَاهرٍ السِّلَفِيُّ وغَيْرُه، ولَيْسَ هَذا مَحلَّ ذِكْرِهِم. * * * وأرْكَانُ الإجَازَةِ أرْبَعَةٌ: المُجِيْزُ، والمُجَازُ لَهُ، والمُجَازُ بِهِ، ولَفْظُ الإجَازَةِ. ولِكُلِّ رُكْنِ مِنْهَا: بَابُه وآدَابُه، لَيْسَ هَذا مَحلَّ بَسْطِها، فانْظُرْهَا في مَبْسُوطَاتِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، وتَصَارِيْفِ المُجِيْزِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ؟! فَأمَّا المُجَازُ، فلَه شُرُوْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها في الجُمْلَةِ، مِنْها: ـ أنْ يَكُوْنَ مُسْلِمًا، غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بالفِسْقِ والسَّخَفِ. ـ أنْ يَكُوْنَ حَاذِقًا عَارِفًا بمَعْنَى الإجَازَةِ: لَفْظًا وضَبْطًا، وتَعْيِينًا وتَنْوِيْعًا. أي: عَالمًا بأنَّ مَا أخَذَه عَنْ شَيْخِه؛ كَانَ بطَرِيْقِ الإجَازَةِ، وعَالمًا بضَبْطِ الكِتَابِ الَّذِي أُجِيْزَ فِيْه، فَلا زِيَادَةَ فِيْه ولا نُقْصَانَ؛ ليَسْلَمَ مِنَ التَّصْحِيْفِ والتَّحْرِيْفِ، وذَلِكَ بعَرْضِ نُسْخَتِه عَلى نُسْخَةِ شَيْخِه أو غَيْرِه تَأكِيْدًا لضَبْطِ الكِتَابِ، وهَذا مَا عَلَيْه أهْلُ العِلْمِ قَبْلَ نَتَاجِ المَطَابِعِ اليَوْمَ. أمَّا اليَوْمَ؛ فَما تُخْرِجُه المَطَابِعُ العِلْمِيَّةُ الموْثُوْقَةُ: لهُوَ كَافٍ في ضَبْطِ الكِتَابِ وتَعْيِينِه، وعَلى هَذا عَمَلُ المُسْلِمِيْنَ اليَوْمَ. وكَذا يَكُوْنُ عَالمًا بتَعْيِينِ واسْمِ الكِتَابِ الَّذِي أُجِيْزَ فِيْه، فَلا يَخْلِطَ بَيْنَ كِتَابٍ وآخَرَ!

стр. 19

ولبَعْضِهِم شُرُوْطٌ؛ لَكِنْ جُمْلَةُ القَوْلِ في هَذا مَا ذَهَبَ إلَيْه الإمَامُ ابنُ سَيَّدِ النَّاسِ ﵀ (٧٣٤): فَأقَلُّ مَرَاتِبِ المُجِيْزِ أنْ يَكُوْنَ عَالمًا بمَعْنَى الإجَازَةِ العِلْمَ الإجْمَالي مِنْ أنَّه رَوَى شَيْئًا، وأنَّ مَعْنَى إجَازَتِه لغَيْرِه إذْنُه لِذَلِكَ الغَيْرِ في رِوَايَةِ الشَّيءِ عَنْهُ بطَرِيْقِ الإجَازَةِ المَعْهُوْدَةِ مِنَ أهْلِ هَذا الشَّأنِ، لا العِلْمَ التَّفْصِيلي بِما رَوَى وبِما يَتَعَلَّقُ بأحْكَامِ الإجَازَةِ. وهَذَا العِلْمُ الإجْماليُّ حَاصِلٌ فِيْمَنْ رَأيْنَاهُ مِنْ عَوَامِ الرُّوَاةِ، فإنِ انْحَطَّ رَاوٍ في الفَهْمِ عَنْ هَذِه الدَّرَجَةِ ـ ولا إخَالُ أحَدًا يَنْحَطُّ عَنْ إدْرَاكِ هَذَا إذَا عُرِفَ بِه ـ فَلا أحْسِبُه أهْلاً لأنْ يُتَحَمَّلَ عَنْه بإجَازَةٍ ولا سَماعٍ. وقَالَ أيْضًا: وهَذا الَّذِي أشْرَتُ إلَيْه مِنَ التَّوَسُّعِ في الإجَازَةِ هُو طَرِيْقُ الجَمْهُوْرِ. انْتَهَى. وأقَرَّه السَّخَاوِيُّ ﵀ (٩٠٢)، في كِتَابِه «فَتْحِ المُغِيْثِ «(٢/ ٤٥٩)، بقَوْلِه: «ومَا عَدَاهُ مِنَ التَّشَدُّدِ، فَهُو مُنَافٍ لما جُوِّزَتِ الإجَازَةُ لَه مِنْ بَقَاءِ السِّلْسِلَةِ ...» انْتَهَى. قُلْتُ: والحَالَةُ هَذِه إذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ ابنُ سَيَّدِ النَّاسِ وغَيْرُه في شَرْطِ المُجِيْزِ مِنَ التَّوَسُّعِ؛ كَانَ شَرْطُ المُجَازِ لَه مِنْ بَابِ أوْلى، واللهُ أعْلَمُ. نَعَم؛ هُنَاكَ فَرْقًا ذَكَرَه بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِيْما إذَا كَانَتِ الإجَازَةُ لأجْلِ أنْ يَعْمَلَ بِها المُجَازُ لَه، أو لأجْل رِوَايَتِه لها.

стр. 20

فَما كَانَ مِنْها للعَمَلِ فَشَدَّدَ فِيْها أهْلُ العِلْمِ، بمَعْنَى: أنْ يَكُوْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، وصَاحِبَ فَهْمٍ باللِّسَانِ وغَيْرِه، أمَّا إذَا كَانَتْ لأجْلِ الرِّوَايَة وهُو الغَالِبُ، فَما ذَكَرْنَا مِنَ التَّوَسُّعِ والتَّرْخِيْصٍ والتَّيْسِيْرِ، واللهُ أعْلَمُ. * * * وقَدْ كَانَ كَثِيْرٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ وأهْلِ الإجَازَاتِ يَسْتَعْمِلُوْنَ ألْفَاظًا في مَعْنَى الإجَازَةِ، مِثْلُ: المَشْيَخَةِ، والمُعْجَمِ، والبَرْنَامَجِ، والفِهْرِسِ. ـ فَالمَشْيَخَةُ: تُطْلَقُ عَلى الجُزْءِ الَّذِي يَجْمَعُ فِيْه المُحَدِّثُ أسْماءَ شُيُوْخِه، ومَرْويَّاتِه عَنْهُم بُدُوْنِ تَرْتِيْبٍ. ـ فَإذا رَتَّبَ أسْمَاءَهُم عَلى حُرُوْفِ المُعْجَمِ: فَهُوَ المُعْجَمُ. لِذَا كَثُرَ اسْتِعْمالُ وإطْلاقُ المَعَاجِمِ عَلى المَشْيَخَاتِ! ـ والفِهْرِسُ: هُوَ الكِتَابُ الَّذِي يَجْمَعُ فِيْه المُحَدِّثُ شُيُوْخَه، وأسَانِيْدَهُم، وكَذَا مَرْوِيَّاتِه عَنْهُم، ومَا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ، كَأنَّه أخَذَ عَنِ الحُجَّةِ؛ لأنَّ أسَانِيْدَهُ وشُيُوْخَه حُجَّةٌ لَهُ، وقَدَ ذَكَرَهُ كَثِيْرٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ. ـ وأهْلُ الأنْدَلُسِ يَسْتَعْمِلُوْنَ البَرْنَامِجَ: بمَعْنَى الفِهْرِسَةِ. ـ والثَّبَتُ (بالفَتْحِ): هُوَ مَا يُثْبِتُ فِيْهِ المُحَدِّثُ مَسْمُوْعَاتِه، مَعَ أسْماءِ المُشَارِكِيْنَ لَه فِيْه، لأنَّه كالحُجَّةِ عِنْدَ الشَّخْصِ لسَماعِه، وسَماعِ غَيْرِه. فَأهْلُ المَشْرِقِ يَقُوْلُوْنَ إلى الآنَ: الثَّبَتَ، وأهْلُ المَغْرِبِ إلى الآنَ يُسَمُّوْنَه: الفِهْرِسَةَ، وكُلٌّ جَائِزٌ. * * *

стр. 21

لأجْلِ هَذَا وغَيْرِه أُلِّفَتْ لأجْلِهَا الأثْبَاتُ الكَثِيْرَةُ، مَا بَيْنَ مَبْسُوْطٍ ومُخْتَصَرٍ، بَلْ مِنْهُم مَنِ اكْتَفى بوُرِيْقَاتٍ مُعْتَصَرَةٍ تَأخُذُ بمَجَامِعِ أكْثَرِ أسَانِيْدِ الكُتُبِ والأثْبَاتِ. وقَلَّما رَأيْتُ رَجُلاً فَاضِلاً إلاَّ ولَهُ ثَبَتٌ، أو إجَازَةٌ، أو فِهْرِسٌ، أو مُعْجمٌ، أو مَشْيَخَةٌ، ولَوْ تَتَبَّعْتُ مَنْ ألَّفَ في ذَلِكَ؛ لخَرَجْتُ بكِتَابي هَذا عَنْ مَقْصَدِ الاخْتِصَارِ، ومَنْ أرَادَهُ فلْيَنْظُرْ كِتَابَ «المَجْمَعِ المُؤسِّسِ للمُعْجَمِ المُفَهْرَسِ»، و «المُعْجَمِ المُفَهْرَسِ» كِلاهُما للحَافِطِ ابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيِّ (٨٥٢)، وكِتَابَ «فِهْرِسِ الفَهَارِسِ والأثْبَاتِ» لعَبْدِ الحيِّ الكتَّانيِّ (١٣٨٢)، ومِنْ آخِرِها كِتَابُ «مُعْجَمِ المَعَاجِمِ والمَشْيَخَاتِ» لشَيْخِنا المُسْنِدِ يُوْسُفَ المَرْعَشْليِّ، وَهُوَ مِنْ أجْمَعِها وأنْفَعِها، بَلْهَ أجْمَعُهَا. والحَالَةُ هَذِه كَانَ مِنْ عَجَبٍ؛ تَغَافُلُ بَعْضِ عُلَماءِ زَمَانِنا عَنْ هَذِه الجَادَّةِ المَطْرُوْقَةِ سَلَفًا وخَلفًا، فَلا إجَازَاتٍ يَطْلُبُوْنَ، ولا أثْبَاتٍ يَرْغَبُوْنَ، واللهُ الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ!

стр. 22

الفَصْلُ الثَّاني فَضْلُ الإجَازَةِ إنَّ فَضْلَ الرِّوَايةِ لا يَخْفَى لِذِي بَصَرٍ وبَصِيْرةٍ، بَلْ لا أظُنُّ أحَدًا شَمَّ رَائِحَةَ العِلْمِ يُنْكِرُ فَضْلَها، أو يَجْهَلُ أمْرَهَا، فَهِي واللهِ سَلاسِلُ العِلْمِ، ولَوْلاهَا لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ! فكَانَتْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ مَقْرُوْنةً بالعِلْمِ حِلاًّ وتِرْحَالاً، فلا يُذْكَرُ العِلْمُ إلاَّ إذا ذُكِرَتْ، ولا يُعْرَفُ العَالمُ إلاَّ إذَا عَرَفَها، ولا يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ إلاَّ إذَا صَحَّ سَنَدُهَا ... هَذا يَوْمَ كَانَ العِلْمُ بأهْلِه، وكَانَتْ سُوْقُ الرِّوَايةِ قَائِمَةً، ومَجَالِسُ التَّحْدِيْثِ عَامِرَةً، وكَانَ الرِّجَالُ هُمُ الرِّجَالَ؛ فَعِنْدَهَا كَانَ طَالِبُ العِلْمِ لا يَبْرُزُ بَيْنَ أقْرَانِه إلاَّ بالرِّوَايَةِ، ولا يُمَيَّزُ عَنْ غَيْرِه إلاَّ بالتَّحْدِيْثِ. نَعَمْ؛ لم يَكُنْ العِلْمُ يَوْمًا إلاَّ بِها وهَكَذا، ولم تَتَزَيَّنْ مَجَالِسُ العِلْمِ يَوْمًا إلاَّ بِها وهَكَذَا؛ حَتَّى إذَا دُوِّنَتِ الأحَادِيْثُ وحُفِظَتْ، وصُنِّفَتِ الكُتُبُ وحُرِّرَتْ، قَامَتْ عِنْدَها الإجَازَاتُ وغَيْرُها لتَأخُذَ طَرَائِقَ شَتَّى في حِفْظِ هَذِه السُّلالَةِ الأثَرِيَّةِ، والطَّرِيْقَةِ السَّلَفِيَّةِ في وَصْلِ أنْسَابِ هَذِه الكُتُبِ، والتَّشَرُّفِ بالانْتِسَابِ إلى رِجَالها ابْتِدَءًا بالنَّبِيِّ ﷺ ، وانْتِهَاءًا بالشَّيْخِ، والحِفَاظِ عَلى خَصَائِصَ هَذِه الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وقَدْ كَانَ. أمَّا اليَوْمَ فَلَمْ تَزَلْ غُبَّارَاتٌ سَلَفِيَّةُ تَحْتَفِظُ بِهذِه الإجَازَاتِ وِرْدًا وصُدُوْرًا، أخْذًا

стр. 23

وعَطَاءً إلاَّ أنَّهُم بَيْنَ غُرْبَةٍ وتَغْرِيْبٍ، واللهُ خَيْرٌ حَافِظًا! * * * وقَدْ ذَكَرَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ في «شَرَفِ أصْحَابِ الحَدِيْثِ «(٤٣)، قَوْلَ الحَافِظِ أبي بَكْرٍ مُحَمَّدٍ الأصْبَهانيُّ ﵀ (٣٠٩): «بَلَغَنِي أنَّ اللهَ تَعَالى خَصَّ هَذِه الأمُّةَ بثَلاثَةِ أشْيَاءَ، لم يُعْطِها مَنْ قَبْلِهَا: الإسْنَادَ، والأنْسَابَ، والإعْرَابَ». انْتَهى. وقَالَ الإمَامُ أبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ﵀ (٢٧٧): «لم يَكُنْ في أمَّةٍ مِنَ الأمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ أدَمَ يَحْفَظُوْنَ آثَارَ نَبِيِّهِم، وأنْسَابَ سَلَفِهِم مِثْلُ هَذِه الأمَّةِ!». فَقِيْلَ لَهُ: رُبَّما رَوَوْا حَدِيْثًا لا أصْلَ لَه، قَالَ: «عُلماؤهُم يَعْرِفُوْنَ الصَّحِيْحَ مِنَ السَّقِيْمِ». وبنَحْوِه قَالَ ابنُ حَزْمٍ ﵀ وغَيْرُه عَنِ الرِّوَايَةِ واتِّصَالِ السَّنَدِ في «الفِصَلِ في المِلَلِ والنِّحَلِ» (٢/ ٢٢١): إنَّ اللهَ خَصَّ بِه المُسْلِمِيْنَ دُوْنَ سَائِرِ أهْلِ المِلَلِ كُلِّها، وأبْقَاهُ عِنْدَهُم غَضًّا جَدِيْدًا عَلى قَدِيْمِ الدُّهُوْرِ، يَرْحَلُ في طَلَبِه إلى الآفَاقِ البَعِيْدَةِ مَنْ لا يُحْصِي عَدَدَهُم إلاَّ خَالِقُهُم، ويُوَاظِبُ عَلى تَقْيِيْدِه مَنْ كَانَ النَّاقِلُ قَرِيْبًا مِنْه. انْتَهَى بتَصَرُّفٍ. * * * نَعَمْ؛ فَإنَّ الإسْنَادَ سُنَّةٌ طَرَقَهَا السَّلَفُ وتَطَرَّقَها الخَلَفُ، لِذَا تَظَافَرَتْ كَلِماتُ الأئِمَّةِ، وعُلَماءِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وحَمَلَةِ الآثَارِ النَّبَوِيَّةِ في أهمِيَّةِ الإسْنِادِ ومَكَانَتِه،

стр. 24

وإلَيْكَ بَعْضًا مِنْها: فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ في «مُقَدِّمَةِ صَحِيْحَه «عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ المُبَارَكِ ﵀، قَوْلَهُ: «الإسْنَادُ مِنَ الدِّيْنِ، ولَوْلا الإسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاء». ورَوَى أيْضًا عَنْ ابنِ سِيْرِيْنَ ﵀، قَوْلَهُ: «إنَّ هَذا العِلْمَ دِيْنٌ، فانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُوْنَ دِيْنَكُم». وذَكَرَ القَسْطَلانيُّ في «شَرْحِ المَوَاهِبِ «(٥/ ٣٩٣)، عَنِ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلَه: «الَّذِي يَطْلُبُ الحَدِيْثَ بِلا سَنَدٍ كحَاطِبِ لَيْلٍ، يَحْمِلُ الحَطَبَ وفِيْه أفْعَى لا يَدْرِي». وذَكَرَ السَّخَاويُّ في «فَتْحِ المُغِيْثِ «(٢/ ٢٢٢)، عَنِ الإمَامِ أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ ﵀ قَوْلَه: «إنَّها لَوْ بَطَلَتْ ـ الإجَازَةُ ـ لضَاعَ العِلْمُ». * * * واعْلَمْ رَحِمكَ اللهُ أنَّ طَلَبَ العُلُوِّ في السَّنَدِ والرِّوَايةِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ: قَالَ الإمَامُ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵀: «طَلَبُ الإسْنَادِ العَالي، سُنَّةٌ عَمَّنَ سَلَفَ». وقَالَ: «طَلَبُ إسْنَادِ العُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ». وكَذَا ذَكَرَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ في «الجَامِعِ لأخْلاقِ الرَّاوِي» (١/ ١٢٣، ١٨٤)، قَوْلَ الإمَامِ مُحَمَّدِ بنِ أسْلَمَ الطُّوْسِيِّ ﵀: «قُرْبُ الإسْنَادِ، قُرْبَةٌ إلى اللهِ ».

стр. 25

ومِنْ جِيَادِ مَا هُنا مَا ذَكَرَه ابنُ الصَّلاحِ في «عُلُومِ الحَدِيْثِ» (٤٣٩)، أنَّه قِيْلَ ليَحْيَ بنِ مَعِيْنٍ ﵀ في مَرَضِه الَّذِي مَاتَ فِيْه: مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: «بَيْتٌ خَالٍ، وسَنَدٌ عَالٍ». قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في «مِنْهَاجِ السُّنَّةِ» (٧/ ٣٧): «والإسْنَادُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِه الأمَّةِ، وهُو مِنْ خَصَائِصِ الإسْلامِ، ثُمَّ هُو في الإسْلامِ مِنْ خَصَائِصِ أهْلِ السُّنَّةِ. والرَّافِضَةُ أقَلُّ عِنَايَةً بِه، إذْ لا يُصَدِّقُوْنَ إلاَّ بِما يُوَافِقُ هَوَاهُم، وعَلامَةُ كَذِبِه عِنْدَهُم، أنَّه يُخَالِفُ هَوَاهُم» انْتَهى. فَمِنْ عَلامَاتِ أهَلِ السُّنَّةِ: حُبُّهم للحَدِيْثِ والأثَرِ: رِوَايَةً ودِرَايَةً، قَوْلاً وعَمَلاً، وهَلِ الإيْمانُ إلاَّ قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيْدُ ويَنْقُصُ؟! وكَذَا حِفْظُهُم لَه: تَألِيْفُا وتَصْنِيْفًا، إجَازَةً ووِجَادَةً ... ولَوْلا حِفْظُ اللهِ للحَدِيْثِ بأهْلِه ورِجَالِه، لَدُرِسَ الدِّيْنُ بَعْدَ جِدَّةٍ، وتَقَوَّضَتْ أرْكَانُه بَعْدَ شِدَّةٍ! وأمِّا أهْلُ البِدَعِ والأهْوَاءِ، فَلا شَيءَ مِمَّا ذُكِرَ هُنا؛ اللَّهُمَّ هَوَىً مُتَّبَعٌ، وتَقْلِيْدٌ مُبْتَدَعٌ! * * * قُلْتُ: ولَو لم يَكُنْ في فَضْلِ الإسْنَادِ إلاَّ انْتِظَامُ الرَّاوِي في سِلْسِلَةٍ سَلِسَةٍ مَعَ اسْمِ المُصْطَفَى ﷺ ؛ لَكَفَى بِذَلِكَ شَرَفًا وفَضْلاً ونُبْلاً!

стр. 26

ومَا أجْمَلَ مَا قَالَهُ أبُو حَاتِمٍ البُسْتِيُّ ﵀ في كِتَابِه «المَجْرُوْحِيْنَ» (١/ ٨٩) عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ ... الحَدِيْثُ»: «ومَنْ أحَقُّ بِهذا التَّأوِيْلِ مِنْ قَوْمٍ فَارَقُوا الأهْلَ والأوْطَانَ، وقَنِعُوا بالكِسْرِ والأطْمَارِ، في طَلَبِ السُّنَنِ والآثَارِ، وطَلَبِ الحَدِيْثِ والأخْبَارِ، يَجُوْلُوْنَ في البَرَارِي والقِفَارِ، ولا يُبَالُوْنَ بالبُؤسِ والإقْتَارِ، المُتَّبِعُوْنَ لآثَارِ رَسُوْلِ رَبِّ العَالَمِيْنَ؛ وذَبِّ الزُّوْرِ عَنْه حَتَّى وَضَحَ للمُسْلِمِيْنَ المَنَارُ، وتَبَيَّنَ لهُم الصَّحِيْحُ مِنَ بَيْنِ المَوْضَوْعِ والزُّوْرِ مِنَ الآثَارِ؟ وأرْجُو أنْ لا يَكُوْنَ مِنَ هَذِه الأمَّةِ في الجَنَّةِ أقْرَبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَذِه الطَّائِفَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أوْلى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيَامَةِ، أكْثَرُهُم عَليَّ صَلاةً». ولَيْسَ في هَذِه الأمَّةِ طَائِفَةٌ أكْثَرَ صَلاةً عَلى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذِه الطَّائِفَةِ؛ فَهُم عَلى وُجُوْهِهِم في هَذِه الدُّنْيا يَهِيْمُوْنَ، وبتَعْلِيْمِ السُّنَنِ فِيْها يَنْعَمُوْنَ، وعَلى حُسْنِ الاسْتِقَامَةِ يَدُوْرُوْنَ، ولأهْلِ الزَّيْغِ والآرَاء يَقْمَعُوْنَ، وعَلى السَّدَادِ في السُّنَّةِ يَمُوْتُوْنَ، وعَلى الخَيْرَاتِ في العُقْبَى يُقَدِّمُوْنَ، أولَئِكَ حِزْبُ اللهِ ألا إنَّ حَزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُوْنَ» انْتَهَى. ومِنْ نُكَاتِ هَذَا العِلْمِ مَا ذَكَرَهُ السَّخَاويُّ في «فَتْحِ المُغِيْثِ «(٢/ ٤٠٠)، عنْ أبي الحَسَنِ ابنِ النِّعْمَةِ ﵀ (٥٦٧): لم يَزَلْ مَشَايُخُنَا في قَدِيْمِ الزَّمَانِ يَسْتَعْمِلُوْنَ هَذِه الإجَازَاتِ، ويَرَوْنَها مِنْ أنْفَسِ الطَّلَبَاتِ، ويَعْتَقِدُوْنَها رَأسَ مَالِ الطَّالِبِ، ويَرَوْنَ مَنْ عُدِمَها المَغْلُوْبَ لا الغَالِبَ ...» انْتَهَى. * * *

стр. 27

وأخِيْرًا، فَهَذِه جُمَلٌ نَذْكُرُ فِيْها فَوَائِدَ الإجَازَةِ عَلى اخْتِصَارٍ: ـ مِنْها: أنَّ فِيْها مَا ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ ابنُ خَيْرٍ الإشْبِيْليُّ ﵀ في مُقَدِّمَةِ «فِهْرِسَتِه» (١٥ - ١٦): «واعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ، أنَّ الإجَازَةَ أمْرٌ ضَرُوْرِيٌّ في الرِّوَايَةِ، بِها تَتِمُّ وتَكْمُلُ، وإلاَّ كَانَتْ نَاقِصَةً لا مَحَالَةً. أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ ابنِ عَتَّابٍ عَنْ أبِيْه أبي عَبْدِ اللهِ ـ وكَانَ مِنْ أهْلِ التَّيَقُّظِ والتَّحَرُّزِ والتَّحَفُّظِ في الرِّوَايَة ـ أنَّه قَالَ: لا غِنَى لطَالِبِ الحَدِيْثِ عَنِ الإجَازَةِ: سَمِعَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَنِ المُحَدِّثِ، أو عَرَضَهُ عَلَيْه، أو سَمِعَه بِعَرْضِ غَيْرِه عَلَيْه، لِجَوَازِ الغَفْلَةِ والسِّنَةِ والإسْقَاطِ والتَّصْحِيْفِ والتَّبْدِيْلِ عَلَيْهِما، أو عَلى أحَدِهِما. فإنْ كَانَ المُحَدِّثُ هُوَ القَارِئ بلَفْظِه، فَجَائِزَ السَّهْوِ عَلى المُسْتَمِعِ، وذِهَابَ مَا يَقْرَأ عَلَيْه، وإنْ كَانَ غَيْرَه، فَجَائِزٌ أنْ يَسْهُوَ الَّذِي يَقْرَأ عَلَيْه، فَإذَا أُضِيْفَتِ الإجَازَةُ إلى السَّماعِ أو العَرْضِ احْتَوَتِ الإجَازَةُ عَلى جَمِيْعِ مَا تَقَعْ فِيْه غَائِلَةٌ مِنْ هَذِه الغَوَائِلِ. هَذَا مَعْنَى كَلامِ الشَّيْخِ دُوْنَ لَفْظِه» أهـ. ـ ومِنْها: اسْتِعْجَالُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الضَّرُوْرَاتِ. ـ ومِنْها: الاسْتِكْثَارُ مِنْ المَرْوِيِّ؛ حَتَّى لا يَكَادُ أنْ يَشُذَّ حَدِيْثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إلاَّ وقَدْ حَصَّلَه الطَّالِبُ ورَوَاهُ. وهَذَا مَا ذَكَرَهُ أيْضًا ابنُ خَيْرٍ الإشْبِيْليُّ ص (١٦/ ١٧): «واعْلَمُوا وَفَّقَكُم اللهُ، أنَّ في الإجَازَةِ فَائِدَتَيْنِ: إحْدَاهُما: اسْتِعْجَالُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الضَّرُوْرَاتِ.

стр. 28

والثَّانِيَةُ: الاسْتِكْثَارُ مِنَ المَرْوِيِّ؛ حَتَّى لا يَكَادُ أنْ يَشُذَّ عَمَّنْ اسْتَكْثَرَ مِنَ المَرْوِيَّاتِ حَدِيْثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إلاَّ وَقَدِ احْتَوَتْ رِوَايَتُه عَلَيْه، فَيَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ مِنَ الحَرَجِ في حِكَايَةِ كَلامِهِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ. فَقَدْ سَمِعْتُ الخُطَبَاء عَلى المنَابِرِ، وأعْيَانَ النَّاسِ في المَشَاهِدِ والمَحَاضِرِ، يَذْكُرُوْنَ أقْوَالَ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا رِوَايَةَ عِنْدَهُم لهَا! وقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ ﵏ عَلى أنَّه لا يَصِحُّ لمُسْلِمٍ أنْ يَقُوْلَ: قَالَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَذَا؛ حَتَّى يَكُوْنَ عِنْدَه ذَلِكَ القَوْلُ مَرْوِيًّا، ولَوْ عَلى وُجُوْهِ الرِّوَايَاتِ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، وفي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «مَنْ كَذَبَ عَليَّ «مُطْلَقًا دُوْنَ تَقْيِيْدٍ». ـ ومنها: حِفْظُهَا لجَمِيْعِ مُصَنَّفَاتِ أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ بدَوَامِ أسَانِيْدِها، واتِّصَالِ رِجَالِها؛ لانْقِطَاعِ اتِّصَالِ السَّمَاعِ بالمُؤلِّفِ، مَعَ قِدَمِ الدَّهْرِ. وهَذا مَا قَالَه الحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ ﵀ في «الوَجِيْزِ في ذِكْرِ المُجَازِ والوَجِيْزِ» (٥٤ - ٥٥): «ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَبْقَى كُلُّ مُصَنَّفٍ قَدْ صُنِّفَ كَبِيْرٌ، ومُؤلِّفٍ كَذَلِكَ صَغِيْرٌ عَلى وَجْهِ السَّماعِ المُتَّصِلِ عَلى قَدِيْمِ الدَّهْرِ المُنْفَصِلِ، ولا يَنْقَطِعُ مِنْه شَيءٌ بِمَوْتِ

стр. 29

الرُّوَاةِ، وفَقْدِ الحُفَّاظِ الوُعَاةِ، فَيُحْتَاجُ عِنْدَ وُجُوْدِ ذَلِكَ، بَعْدَ اسْتِعْمالِ سَبَبٍ فِيْه بَقَاءُ التَّألِيْفِ، ويَقْضِي بدَوَامِهِ، ولا يُؤدِّي بَعْدُ إلى انْعِدَامِه. فَالوُصُوْلُ إذَنْ إلى رِوَايَتِه بالإجَازَةِ، فِيْه نَفْعٌ عَظِيْمٌ، ورِفْدٌ جَسِيْمٌ، إذِ المَقْصُوْدُ بِه إحْكَامُ السُّنَنِ المَرْوِيَّةِ في الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وإحْيَاءُ الآثَارِ عَلى أتَمِّ الإيْثَارِ، سَوَاءٌ كَانَ بالسَّماعِ أو القِرَاءَةِ أو المُنَاوَلَةِ والإجَازَةِ».أهـ ـ ومِنْهَا: حِفْظُها لأسْماءِ الكُتُبِ، ونِسْبَتِها لمؤلِّفِيْها. ـ ومِنْهَا: أنَّها مِيْزَانُ ومِعْيَارُ قَبُوْلِ الرِّوَايَةِ ورَدِّها؛ ولَوْلاهَا: لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، كَما قِيْلَ. ـ ومِنْهَا: أنَّ الإجَازَةَ تُعْتَبْرُ أنْسَابًا للكُتُبِ، كَما قِيْلَ. ـ ومِنْها: الرِّفْقُ بطَالِبِ العِلْمِ ممَّنْ لا يَسْتَطِيْعُ السَّفَرَ والرِّحْلَةَ، إلى كُلِّ بَلَدٍ. وهَذا مَا قَالَه الحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ ﵀ في «الوَجِيْزِ «(٥٧): «ومِنْ مَنَافِعِ الإجَازَةِ أيْضًا: أنْ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ، وبَاغٍ للعِلْمِ ورَاغِبٍ، يَقْدِرُ عَلى سَفَرٍ ورِحْلَةٍ، وبالخُصُوْصِ إذَا كَانَ مَرْفُوْعًا إلى عِلَّةٍ أو قِلَّةٍ، أو يَكُوْنَ الشَّيْخُ الَّذِي يَرْحَلُ إلَيْه بَعِيْدًا، وفي الوُصُوْلِ إلَيْه، يَلْقَى تَعَبًا شَدِيْدًا، فالكِتَابَةُ حِيْنَئِذٍ أرْفَقُ، وفي حَقِّهِ أوْفَقُ، ويُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ أنْهَجِ السَّنَنِ، وأبْهَجِ السُّنَنِ، فَيَكْتُبُ مَنْ بِأقْصَى المَغْرِبِ إلى مَنْ بأقْصَى المَشْرِقِ، فيَأذَنُ لَه في رِوَايَةِ مَا يَصِحُّ لَدِيْه مِنْ حَدِيْثِه عَنْه، ويَكُوْنُ

стр. 30

ذَلِكَ المَرْوِيُّ حُجَّةً، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَدْ صَحَّ عَنْه ﷺ أنَّه كَتَبَ إلى كِسْرَى وقَيْصَرَ وغَيْرِهما، مَعَ رُسُلِهِ، فَمَنْ أقْبَلَ عَلَيْهِم وقَبِلْ مِنْهُم، فَهُو حُجَّةٌ لَه، ومَنْ لم يَقْبَلْ ولم يَعْمَلْ فَحُجَّةٌ عَلَيْه» انْتَهَى. ـ ومِنْهَا: كُوْنُها مَصَادِرَ لتَرَاجِمِ الشُّيُوْخِ، والتَّعْرُّفِ عَلى سِيَرِهِم ومَسْمُوْعَاتِهم، وخَاصَّةً صَاحِبَ المَشْيَخَةِ نَفْسَه؛ لاسِيَّما في اتِّصَالِ أسَانِيْدِ صَاحِبِ المَشْيَخَةِ بكُتُبٍ مُعَيَّنَةٍ. ـ ومِنْهَا: أنَّ فِيْها رَبْطًا بَيْنَ الطَّالِبِ والشَّيْخِ؛ حَيْثُ كَانَتْ الرِّحْلَةُ مِنْ أجْلِها في طَلَبِ الحَدِيْثِ، وقَطْعِ الفَيَافي والقِفَارِ، وإيْثَارِ لِقَاء الشُّيُوْخِ، والعُلُوِّ والسَّماعِ، عَلى الدَّعَةِ والرَّاحَةِ. ـ ومِنْهَا فَوَائِدُ غَيْرُ مَا ذُكِرَ؛ قَدْ ذَكَرَهَا أهْلُ العِلْمِ اسْتِقْلالاً أو تِبَاعًا تَجِدُهَا في مَضَانِّها لاسِيَّما كُتُبُ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، والمَعَاجِمِ، والمَشْيَخَاتِ، والإجَازَاتِ وغَيْرِهَا. * * * ومَهْما يَكُنْ مِنْ فَائِدَةٍ ذُكِرَتْ هُنَا أو نُسِيَتْ، أو ظَهَرَتْ أو خَفِيَتْ؛ فَهِي في مجمُوْعِها تُدَنْدِنُ حَوْلَ أمْرَيْنِ، بَلْهَ في فَلَكِهِما تَدُوْرُ، فَقَمِنٌ بطَالِبِ الإجَازَاتِ أنْ يجْعَلَهُما نَصْبَ عَيْنَيْه، وهُما:

стр. 31

أوَّلاً: أنَّ الإجَازَاتِ تَسرُّ، ولا تَغرُّ! ثَانِيًا: أنَّها تَزِيْدُ في العِلْمِ والأعْمالِ، لا التَّعَالمِ والإهمَالِ! فإنْ شِئْتَ؛ يا رَعَاكَ اللهُ، فَقُلْ: إذَا لم تُوْرِثِ الإجَازَاتُ صَاحِبَهَا نِيَّةً خَالِصَةً، وأعْمالاً صَالحَةً، فَهِي حُجَّةٌ عَلَيْه لا لَه، عَوْذًا باللهِ، فَتَأمَّلْ!

стр. 32

الفَصْلُ الثَّالثُ صِحَّةُ الإجَازَةِ، والعَمَلُ بِها عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ لَقَدْ أطْبَقَ جَمْهُوْرُ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى صِحَّةِ الإجَازَةِ وقَبُوْلها، بَلْ قَدْ حَكَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الإجْمَاعَ عَلى صِحَّتِها، كأبي الوَلِيْدِ البَاجِي (٤٧٤)، والقَاضِي عِيَاضِ بنِ مُوْسَى اليَحْصُبِيِّ (٥٤٤) رَحِمَهُما اللهُ تَعَالى. قُلْتُ: وفِيْما حَكَيَاهُ نَظَرٌ، إلا أنَّ السَّوَادَ الأعْظَمَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا عَلى صِحَّتِها واعْتِبَارِها في الجُمْلَةِ. قَالَ الحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ ﵀ في «الوَجِيْزِ» (٥٣ - ٥٧): «فاعْلَمْ الآنَ أنَّ الإجَازَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الشَّرْعِ المُتَصَرِّفِيْنَ في الأصْلِ والفَرْعِ، وعُلَماءِ الحَدِيْثِ في القَدِيْمِ والحَدِيْثِ، قَرْنًا فَقَرْنًا، وعَصْرًا فَعَصْرًا إلى زَمَانِنَا هَذَا. ويُبِيْحُوْنَ بِها الحَدِيْثَ، ويُخَالِفُوْنَ فِيْها المُبْتَدِعَ الخَبِيْثَ، الَّذِي غَرَضُهُ هَدْمُ مَا أسَّسَه الشَّارِعُ، واقْتَدَى به الصَّحَابيُّ والتَّابِعُ، فَصَارَ فَرْضًا وَاجِبًا، وحَتْما لازِبًا. ومَنْ رُزِقَ التَّوْفِيْقَ، ولاحَظَ التَّحْقِيْقَ مِنْ جَمِيْعِ الخَلْقِ، بَالَغَ في اتِّبَاعِ السَّلَفِ الَّذِيْنَ هُم القُدَى، وأئِمَّةُ الهُدَى، إذِ اتِّبَاعُهُم في الوَارِدِ مِنَ السُّنَنِ، مِنْ أنْهَجِ السَّنَنِ، وأوْقَى الجُنَنِ، وأقْوَى الحُجَجِ، السَّالِمَةِ مِنَ العِوَجِ. ومَا دَرَجُوا عَلَيْه: هُو الحَقُّ الَّذِي لا يَسُوْغُ خِلافُه، ومَنْ خَالَفَه فَفِي خلِافِه مَلامَةٌ، ومَنْ تَعَلَّق بِه فالحُجَّةُ الوَاضِحَةُ سَلَكَ، وبالعُرْوَةِ الوُثْقَى

стр. 33

اسْتَمْسَكَ، والفَرْضِ الوَاجِبِ اتَّبَعَ، وعَنْ قَبُوْلِ قَوْلٍ لَنَا في قَوْلِ مَنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى وفِعْلِه امْتَنَع ... فإذَا ثَبَتَ هَذَا وتَقَرَّرَ، وصَحَّ بالبُرْهَانِ وتَحَرَّرَ، فَكُلُّ مُحَقِّقٍ يَتَحَقَّقُ ويَتَيَقَّنُ أنَّ الإسْنَادَ رُكْنُ الشَّرْعِ وأسَاسُه، فَيَتَسَمَّتْ بِكُلِّ طَرِيْقٍ إلى مَا يَدُوْمُ بِه دَرْسُه لا انْدِرَاسُه. وفي الإجَازَةِ كما لا يَخْفَى عَلى ذِي بَصِيْرَةٍ وبَصَرٍ، دَوَامُ ما قَدْ رُوِيَ وصَحَّ مِنْ أثَرٍ، وبَقَاوةُ بَهَائِه وصِفَائِه، وبَهْجَتِه وضِيَائِه. ويَجِبُ التَّعْوِيْلُ عَلَيْها، والسُّكُوْنُ أبَدًا إلَيْها، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ في صِحَّتِها، ورَيْبٍ في فُسْحَتِها، إذْ أعلى الدَّرَجَاتِ في ذَلِكَ: السَّماعُ، ثُمَّ المُنَاوَلَةُ، ثَمُّ الإجَازَةُ ... إلخ. وقَدْ بَيَّنَا أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ، مَعْرِفَةُ الرَّاوِي، وضَبْطُه، وإتْقَانُه عَلى أيِّ وَجْهٍ كَانَ: سَماعًا، أو مُنَاوَلَةً، أو إجَازَةً، إذْ جَمِيْعُ ذَلِكَ جَائِزٌ. انْتَهَى باخْتِصَارٍ. * * * وهَاكَ يَارَعَاكَ اللهُ بَعْضَ أسْماءِ مَنْ ذَهَبَ إلى القَوْلِ بجَوَازِ الإجَازَةِ، وصِحَّةِ القَوْلِ والعَمَلِ بِها، عَلى اخْتِصَارٍ وطَرَفٍ. وكَانَ ممَّنْ يُصَحِّحُ الإجَازَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ (١١٠)، ومَكْحُوْلٌ الشَّامِيُّ (١١٣)، ونَافِعٌ مَوْلى ابنِ عُمَرَ (١١٧)، وقَتَادَةُ بنُ دَعَامَةَ السُّدُوْسِيُّ (١١٧)، والزُّهْرِيُّ (١٢٤)، وأيُّوْبُ

стр. 34

السِّخْتِيَانيُّ (١٣١)، ورَبِيْعَةُ الرَّأي (١٣٦)، وابنُ جُرَيْجٍ (١٥٠)، والأوْزَاعِيُّ (١٥٧)، وحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ (١٥٨)، والثَّوْرِيُّ (١٦١)، والمَاجِشُوْنُ (١٦٤)، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (١٧٥)، ومَالِكٌ (١٧٩)، وابنُ عُيَيْنَةَ (١٩٨). والشَّافِعيُّ (٢٠٤)، وأحْمَدُ بنُ حَنْبَلَ (٢٤١)، ومُحَمَّدُ بنُ يَحْي الذُّهْليُّ (٢٥٨)، والبُخَارِيُّ (٢٥٦)، ومُسْلِمٌ (٢٦١)، والتِّرمِذِيُّ (٢٧٩)، وأبُو زُرْعَةَ (٢٨١)، وابنُ خُزَيْمَةَ (٣١١)، وغَيْرُهُم كَثِيْرٌ فَوْقَ الحَصْرِ. أمَّا أسْماءُ مَنْ يُصَحِّحُ الإجَازَةَ مِنَ المُتأخِّرِيْنَ؛ فَكَثِيْرٌ لا يُحْصَوْنَ: فَهَذَا: ابنُ أبي دَاوُدَ السِّجِسْتَانيُّ (٣١٦)، والدَّارَقُطْنيُّ (٣٨٥)، وابنُ مَنْدَه الحَنْبليُّ (٣٩٥)، والحَاكِمُ النَّيْسَابُوْرِيُّ (٤٠٥)، وأبُو نُعِيْمٍ الأصْفَهانيُّ (٤٣٠)، وابنُ حَزْمٍ (٤٥٦)، وأبُو يَعْلى الحَنْبليُّ (٤٥٨)، والبَيْهَقِيُّ (٤٥٨)، وابنُ عَبْدِ البَرِّ (٤٦٣)، والخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ (٤٦٣)، وأبُو الوَلِيْدِ البَاجِي (٤٧٤) وابنُ رُشْدٍ القُرْطُبِيُّ الجَدُّ (٥٢٠)، والقَاضِي عِيَاضٌ اليَحْصُبِيُّ (٥٤٤)، وأبُو بَكْرٍ الإشْبِيْليُّ (٥٧٥)، وأبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ (٥٧٦)، وعَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيليُّ (٥٨١)، وابنُ الصَّلاحِ (٦٤٣)، والضِّيَاءُ المَقْدَسِيُّ الحَنْبَليُّ (٦٤٣)، والمُنْذَرِيُّ (٦٥٦)، وابنُ دَقِيْقٍ (٦٦٧)، والنَّووِيُّ (٦٧٦). وابنُ تَيْمِيَّةَ (٧٢٨)، والمِزِّيُّ (٧٤٢)، والذِّهَبِيُّ (٧٤٨)، وابنُ القَيِّمِ (٧٥١)، وابنُ كَثِيْرٍ (٧٧٤)، وابنُ رَجَبٍ (٧٩٥)، وابنُ حَجَرٍ (٨٥٢)،

стр. 35

والسَّخَاوِيُّ (٩٠٢)، وابنُ عَبْدِ الهَادِي (٩٠٩)، والسُّيُوْطِيُّ (٩١١)، والصَّنْعَانيُّ (١١٨٢)، ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (١٢٠٦)، وأئِمَّةُ الدَّعْوَةِ، والشَّوْكانيُّ (١٢٥٠)، وابنُ بَازٍ (١٤٢٠)، وابنُ عَقِيْلٍ، وهُؤلاءِ في غَيْرِهِم مِنَ الأئِمَّةِ الكِبَارِ؛ كُلُّهُم قَدِ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُم عَلى صِحَّةِ الإجَازَةِ والعَمَلِ بِها، واللهُ المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ. * * * أمَّا مَنْ كَرِهَ الإجَازَةَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، فلأمُوْرٍ: ـ إمَّا خَوْفًا مِنِ انْقِطَاعِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ والحَدِيْثِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ. ـ أو خَوْفًا مِنْ اسْتِكْثَارِ طَالِبِ العِلْمِ بهَذِه الإجَازَاتِ عَلى حِسَابِ تَحْصِيْلِ العِلْمِ، وهَذَا شَرْطٌ، فَكَانَ عَلى طَالِبِ العِلْمِ أنْ يَحْذَرَ غَوَائِلَ العِلْمِ وشَوائِبَه، وإلاَّ كَانَ مَا يُحَصِّلُه مِنْ إجَازَاتٍ وغَيْرِها حُجَّةً عَلَيْه عَيَاذًا باللهِ! ومَعَ هَذَا وغَيْرِه إلاَّ أنَّ كَثِيْرًا ممَّنْ كَرِهَ الإجَازَةَ قَدْ رَجَعَ إلى القَوْلِ بجَوَازِهَا والأخْذِ بها. والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِيْنَ

стр. 36

الفَصْلُ الرَّابِعُ فَوَائِدُ الإجَازَةِ بَعْدَ تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا هَذِهِ الإجَازَاتُ الَّتي ارْتَسَمَتْ في الدَّفَاتِرِ، وأُخِذَتْ عَنِ الأكَابِرِ، وتَسَلْسَلَتْ برِجَالِ أهْلِ العِلْمِ والتَّثَبُّتِ بَعْدَ تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا؟! مَا هِي إلاَّ تَأكِيْدًا لمنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ في حِفْظِ اتِّصَالِ السَّنَدِ، والانْتِسَابِ إلى رِجَالِه؛ حَتَّى يَصِلَ مَرْفُوْعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ . ومَا الإجَازَاتُ إلاَّ رَبِيْبَةُ الرِّوَايَةِ، خَرَجَتْ مِنْ نَسْلِهَا، وتَرَبَّتْ في حِجْرِهَا، ورَضَعَتْ مِنْ لَبَنِهَا ولُبَانِها، فَلمَّا كَانَتِ الرِّوَايَةُ قَائِمَةً حَيَّةً في زَمَانِها اسْتَغْنَى أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَنِ الإجَازَاتِ، ولمَّا وَقَفَتِ الرِّوَايَةُ بَعْدَ التَّدْوِيْنِ والتَّألِيْفِ قَامَتِ الإجَازَاتُ جَذَعَةً بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ إلى اليَوْمَ، فَهِي نَسِيْبَةُ الرِّوَايَةِ، وصِهْرُ السَّمَاعِ، والوَلَدُ للفِرَاشِ. وقَدْ قِيْلَ: الإجَازَةُ أفْضَلُ مِنَ السَّماعُ؟، والصَّوَابُ خِلافُه قَطْعًا! وخَصَّ بَعْضُهُم الاسْتَواءَ بالأزْمَانِ المُتَأخِّرَةِ الَّتَي حَصَلَ التَّسَامُحُ فِيْها في السَّماعِ بالنِّسْبَةِ للمُتَقَدِّمِيْنَ، لكَوْنِه آلَ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدِ؛ إذْ هُو حَاصِلٌ بالإجَازَةِ، إلاَّ إنْ وُجِدَ عالمٌ بالحَدِيْثِ وفُنُوْنِه وفَوَائِدِه، ومَعَ ذَلِكَ فالسَّماعُ إنَّما هُوَ حِيْنَئذٍ أوْلى، لما يُسْتَفَادُ مِنَ المُسْمِعِ وَقْتَ السَّماعِ، لا لمُجَرَّدِ قُوَّةِ رِوَايَةِ السَّماعِ عَلى الإجَازَةِ!، ذَكَرَهُ السَّخَاويُّ في «فَتْحِ المُغِيْثِ» (٢/ ٣٩١). * * *

стр. 37

نَعَمْ؛ لَقَدْ حَفِظَتْ لَنا دَوَاوِيْنُ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا: الأحَادِيْثَ وغَيْرَهَا بِلا زِيَادَةٍ أو نُقْصَانٍ؛ حَيْثُ تَسَلْسَلَتْ برِجَالٍ أثْبَاتٍ، وبشُرُوْطٍ مُعْتَبَرةٍ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ، في غَيْرِها مِنَ الشُّرُوْطِ والاعْتِبَارَاتِ الحَدِيْثِيَّةِ، فَعِنْدَهَا أقَامُوْا سُوْقَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، والتَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، فَكَانَ حِيْنَئِذٍ القَبُوْلُ والرَّدُّ، ولهُم في كُتُبِ الرِّجَالِ والطَّبَقَاتِ، والجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ مَا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ويَشْهَدُ. فَلمَّا وَقَفَتْ دَوَاوِيْنُ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا عَلى رِجَالها ومُصَنِّفِيْها، حِيْنَئِذٍ أمِنَ أهْلُ السُّنَّةِ والحَدِيْثِ مِنْ عَبَثِ العَابِثِيْنَ، وكَذِبِ المُفْتَرِيْنَ، وانْتِحَالِ المُبْطِلِيْنَ، فَعِنْدَهَا لم يَبْسِطُوا لِسَانَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، بَلْ مَدُّوْا حَبْلَ الوَصْلِ بَيْنَ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا، وبَيْنَ مَنْ أرَادَ الانْتِسَابَ إلَيْها؛ حَتَّى يَبْقَى الإسْنَادُ سُنَّةً مَاضِيَةً يَأخُذُهُ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، والأصَاغِرُ عَنِ الأكَابِرِ، ويَبْقَى للأمَّةِ سَنَدُهُا خَاصَّةً عَنْ سَائِرِ الأمَمِ، فاللهُ أكْبَرُ! فإذَا عُلِمَ هَذا كَان عَلى طَالِبِ السُّنَّةِ والأثَرِ أنْ يَرْفَعَ رَأسًا، وأنْ يَحُثَّ الخُطَى للانْتِسَابِ إلى كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيْرِهَا؛ ليَشْرُفَ بالنِّسْبَةِ والقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وغَيْرِهِ مِنْ عُلُماءِ الإسْلامِ الرَّبَّانِيِّيْنَ. * * * لأجْلِ هَذَا؛ كَانَ مِنَ مَمْحُوْضِ الخَطَأ أنْ يَتَقَوَّلَ أحَدٌ، أو يَتَفَوَّهَ رَجُلٌ: بأنَّ وَصْلَ السَّنَدِ، وطَلَبَ الإجَازَةِ اليَوْمَ: لَيْسَتْ مِنَ الإسْلامِ في شَيءٍ، أو أنَّها لَيْسَتْ مِنَ عِلْمِ ومَنْهَجِ السَّلَفِ بشَيءٍ؟!

стр. 38

وعَلى مِثْلِ هَذِه القَالاتِ والأُغْلُوْطَاتِ رَدَّ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْها رَدًّا شَافِيًّا، بأوْجَزِ عِبَارَةٍ، وأقْرَبِ إشَارَةٍ، كَما يَلي: قَالَ ابنُ الأثِيْرِ ﵀ (٦٠٦) في «مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الأصُوْلِ» (١/ ٧٣): «عَلى أنَّ الضَّبْطَ في زَمَانِنَا هَذا؛ بَلْ وقَبْلَه مِنَ الأزْمَانِ المُتَطَاوِلَةِ قَلَّ وُجُوْدُه في العَالمِ، وعَزَّ وُقُوْعُهُ؛ فإنَّ غَايَةَ دَرَجَاتِ المُحَدِّثِ ـ في زَمَانِنَا ـ المَشْهُوْرِ بالرِّوَايَةِ الَّذِي يُنَصِّبُ نَفْسَه لسَمَاعِ الحَدِيْثِ في مَجَالِسِ النَّقْلِ: أنْ تَكُوْنَ عِنْدَه نُسْخَةٌ قَدْ قَرَأهَا أو سَمِعَها، أو في بَلْدَتِه نُسْخَةٌ عَلَيْها طَبَقَةُ سَماعٍ: اسْمُهُ مَذْكُوْرٌ فِيْها، أو لَه مُنَاوَلَةٌ أو إجَازَةٌ بذَلِكَ الكِتَابِ، فإذَا سُمِّعَ عَلَيْه اسْتَمَعَ إلى قَارِئِه، وكَتَبَ لَه بخَطِّه بقِرَاءتِه وسَمَاعِه ...» انْتَهَى. وقَالَ الحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ السِّلِفِيُّ ﵀ في جُزْءٍ لَه جَمَعَهُ في «شَرْطِ القِرَاءةِ عَلى الشُّيُوْخِ» كَما في «شَرْحِ الألْفِيَّةِ» للعِرَاقِي (١/ ٣٤٨)، و «النُّكَتِ» للزَّرْكَشِيِّ (٣/ ٤٣٠): «إنَّ الشُّيُوْخَ الَّذِيْنَ لا يَعْرِفُوْنَ حَدِيْثَهُم، الاعْتِمَادُ في رِوَايَتِهِم عَلى الثِّقَةِ المُقَيِّدِ عَنْهُم، لا عَلَيْهِم، وإنَّ هَذا كُلَّه تَوَسُّلٌ مِنَ الحُفَّاظِ إلى حِفْظِ الأسَانِيْدِ، إذْ لَيْسُوا مِنْ شَرْطِ الصَّحِيْحِ إلاَّ عَلى وَجْهِ المُتَابَعَةِ، ولَوْلا رُخْصَةُ العُلَماءِ لما جَازَ الكِتَابَةُ عَنْهُم، ولا الرِّوَايَةُ إلاَّ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُم دُوْنَ آخَرِيْنَ». وقَالَ أيْضًا الإمَامُ البَيْهَقِيُّ ﵀ في كِتَابِ «مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ» (٢/ ٣٢١):

стр. 39

«تَوَسَّعَ مَنْ تَوَسَّعَ في السَّماعِ عَنْ بَعْضِ مُحَدِّثِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِيْنَ لا يَحْفَظُوْنَ حَدِيْثَهُم، ولا يُحْسِنُوْنَ قِرَاءتَه مِنْ كُتُبِهِم، ولا يَعْرِفُوْنَ مَا يُقْرَأ عَلَيْهِم بَعْدَ أنْ تَكُوْنَ القِرَاءةُ عَلَيِهِم مِنْ أصْلِ سَماعِهِم. وهُوَ أنَّ الأحَادِيْثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ ـ أو وَقَعَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ والسَّقَمِ ـ، قَدْ دُوِّنَتْ وكُتِبَتْ في الجَوَامِعِ الَّتي جَمَعَها أهْلُ العِلْمِ بالحَدِيْثِ، ولا يَجُوْزُ أنْ يَذْهَبَ شَيءٌ مِنْها عَلى جَمِيْعِهِم، وإنْ جَازَ أنْ تَذْهَبَ عَلى بَعْضِهِم؛ لضَمانِ صَاحِبِ الشَّرِيْعَةِ حِفْظَها، فَمَنْ جَاءَ اليَوْمَ بحَدِيْثٍ لا يُوْجَدُ عِنْدَ جَمِيْعِهِم لم يُقْبَلْ مِنْه، ومَنْ جَاء بحَدِيْثٍ هُوَ مَعْرُوْفٌ عِنْدَهُم، فالَّذِي يَرْوِيْهِ اليَوْمَ لا يَنْفَرِدُ برِوَايَتِه، والحُجَّةُ قَائِمَةٌ بحَدِيْثِه برِوَايَةِ غَيْرِه، والقَصْدُ مِنَ رِوَايَتِه السَّماعُ مِنْه: أن يَصِيْرَ الحَدِيْثُ مُسَلْسَلاً بـ «حَدَّثَنا»، أو بـ «أخْبَرنَا»، وتَبْقَى هَذِه الكَرَامَةُ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِها هَذِه الأمَّةُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، شَرَفًا لنَبِيِّنَا ﷺ كَثِيْرًا». ومَا أجْمَلَ مَا ذَكَرَهُ ابنُ الصَّلاحِ ﵀ فِيْما نَحْنُ بصَدَدِه؛ حَيْثُ فَصَّل ورَتَّبَ، ولم يَتْرُكْ لمُعَارِضٍ جَنْبًا يَتَّكئ عَلَيْه، وذَلِكَ بقَوْلِه: «أعْرَضَ النَّاسُ في هَذِه الأعْصَارِ المُتأخِّرَةِ عَنِ اعْتِبَارِ مَجْمُوْعِ مَا بَيَّنَّا مِنَ الشُّرُوْطِ في رِوَاةِ الحَدِيْثِ ومَشَايِخِه، فَلَمْ يَتَقَيَّدُوا بِها في رِوَايَاتِهِم، لتَعَذُّرِ الوَفَاءِ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وكَانَ عَلَيْه مَنْ تَقَدَّمَ.

стр. 40

ووَجْهُ ذَلِكَ: مَا قَدَّمْنَاهُ في أوَّلِ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ كَوْنِ المَقْصُوْدِ المُحَافَظَةَ عَلى خَصِيْصَةِ هَذِه الأمَّةِ في الأسَانِيْدِ، والمُحَاذَرَةِ مِنِ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِها؛ فلْيُعْتَبَرْ مِنَ الشُّرُوْطِ المَذْكُوْرَةِ مَا يَلِيْقُ بِهَذَا الغَرَضِ عَلى تَجَرُّدِه، وليَكْتَفِ في أهْلِيَّةِ الشَّيْخِ بِكَوْنِه مُسْلِمًا بالِغًا عَاقِلاً غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بالفِسْقِ والسَّخَفِ، في ضَبْطِه بوُجُوْدِ سَماعِه مُثْبَتًا بخَطِّ غَيْرِ مُتَّهَمٍ، وبرِوَايَتِه مِنْ أصْلٍ مُوَافِقٍ لأصْلِ شَيْخِه «. وعَلى حِفْظِ السَّنَدِ وبَقَاءِ سُنَّةِ المُحَدِّثِيْنَ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ، قَالَ ابنُ جَمَاعَةَ ﵀ (٧٣٣)، في «المَنْهَلِ الرَّوِي» (٣٤): «لَيْسَ المَقْصُوْدُ بالسَّنَدِ في عَصْرِنا إثْبَاتَ الحَدِيْثِ المَرْوِيِّ وتَصْحِيْحِه؛ إذْ لَيْسَ يَخْلُوا فِيْه سَنَدٌ عَمَّنَ لا يَضْبِط حِفْظَهُ أو كِتَابَه ضَبْطًا لا يُعْتَمَدُ عَلَيْه فِيْه؛ بَلْ المَقْصُوْدُ بَقَاءُ سِلْسِلَةِ الإسْنَادِ المَخْصُوْصِ بِهَذِه الأمَّةِ فِيْما نَعْلَمُ، وقَدْ كَفَانَا السَّلَفُ مَئُوْنَةَ ذَلِكَ، فاتِّصَالُ أصْلٍ صَحِيْحٍ بسَنَدٍ صَحِيْحٍ إلى مُصَنِّفِه كَافٍ، وإنْ فُقِدَ الإتْقَانُ في كُلِّهِم أو بَعْضِهِم» انْتَهَى. * * * ومِنْ خِلالِ مَا مَضَى مِنْ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِيْنَ، نَفْهَمُ أنَّ الإجَازَةَ وغَيرَهَا لم تَكُنْ بَعْدَ تَدْوِيْنِ كُتُبِ السُّنَّةِ وغَيرِهَا: إلاَّ تَوَسُّلٌ مِنَ الحُفَّاظِ إلى حِفْظِ الأسَانِيْدِ، إذِ المَقْصُوْدُ المُحَافَظَةُ عَلى خَصِيْصَةِ هَذِه الأمَّةِ في الأسَانِيْدِ، والمُحَاذَرَةِ مِنِ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِها!
следующие страницы →