ولأنَّ تنزيه المسجد واجبٌ، وفي إدخال الميت المسجد احتمالُ وقوع النّجاسةِ فيه، فيكره كما يكره إدخال الصبي والمجنون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويث المسجد، فكذا هذا.
و لو وضعت الجنازة خارج المسجد والإمام خارج المسجد، ومعه صفٌّ والباقي في المسجد .
اختلفوا فيه:
قيل: لا تكره الصلاة عليه. وهكذا روي عن أبي يوسف في النوازل:
стр. 213
أنّه ليس له فيه احتمال تلويث المسجد (١).
وقيل: يكرهُ؛ لأنّ المسجد أعدَّ لأداء المكتوبات، فلا يقام فيه غيرها قصدًا إلّا بعذرٍ.
وقال في شرح القدوري: المسمّى بالمضمرات في قوله: ولا يصلى على ميتٍ في مسجدٍ جماعةٍ.
يُكرهُ أن يصلى على الميت في المسجد سواءٌ كانت الجنازة في المسجد أو هي خارج المسجد، والإمام في المسجد.
وفي النسفية: سئل عن صلاة لجنازة وهي خارج المسجد والناس في المسجد، هل يكرهُ؟ فقال: كان المشايخ أهل سمرقند لا يكرهون ذلك، ويصلون في المسجد والجنّازة على باب المسجد حتّى ورد عليهم السيد أبو شجاع، فرأى منهم ذلك فقال: ما لكم تصلون على الجنازة في المسجد؟.
قالوا: إنّ مشايخنا أجازوا ذلك.
قال: قد تقدمهم مشايخ أخر لم يجوزوه.
قالوا: ومن هم؟.
قال: إمام الأئمة أبو حنيفة، ومن تبعه. ونصّوا على كراهة ذلك في كتبهم، فاتفقوا على أنْ بنوا وراء المقصورة سقيفةً يوضع الميت فيها، وصفوفٌ منَ النّاس في هذه السقيفة، ثم يتّصل منه الصفوف التي في الجامع.
стр. 214
قال: فالحاصل أنّ إدخال الجنازة في المسجد والصلاة عليها في المسجد مكروهٌ عندنا.
وفي وضع الجنازة على باب المسجد والإمام والقوم في المسجد اختلافُ المشايخ، ووضع الجنازة خارج المسجد. وقيام الناس معه خارج المسجد، ثم اتصال الصفوف بهم غير مكروهٍ.
وأمّا الحجاج:
فقال محمّد في الموطّأ (١): حدثنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنّه قال: ما صُلِّيَ على عمرٍ إلَّا في المسجد.
وقال محمد (٢): لا يصلَّى على جنازةٍ [في المسجد]، وكذلك (٣) بلغنا عن أبي هريرة، وموضع الجنازة بالمدينة خارج [من] المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي [٢٧/ أ] على الجنائز فيه.
فأفاد: أنّ (٤) عمل النبي ﷺ كان على خلاف ما وقع في الصّلاةِ على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، فيحملُ على العذرِ.
وبه قال في المحيط، ولفظه: فلا يقام فيه - أي: المسجد - غيرها - أي: غير الصلاة - قصدًا إلّا لعذرٍ.
وهذا تأويلُ حديث عمرَ: أنَّهُ لَمَّا قتلَ صُلِّيَ عَلَيْهِ في المسجدِ؛ لأنَّهُ كَانَ
стр. 215
لعذرٍ. وهو خوف الفتنة والصَّدِّ عَنِ الدَّفنِ عند النبي ﷺ .
وروى الإمام الطحاوي (١)، عن عائشة: أَنَّها حين توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادْخُلُوا به المسجدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فأنكَرَ ذلكَ النَّاسُ عَلَيْهَا. فقالت: لقد صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ عَلى سُهَيلِ (٢) بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ.
قال (٣): فذهب قومٌ إلى هذا الحديث، فقالوا: لا بأسَ بالصَّلاة على الجنازة في المساجد.
واحتجُّوا أيضًا بما روي عن ابن عمر: أنَّ عمر صُلِّيَ عليه في المسجد.
وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا الصَّلاة على الجنازة في المساجد.
واحتجُّوا [في ذلك] بما حدَّثنا. . . إلخ.
فروى عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ صلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي مَسْجدٍ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ" (٤).
قال (٥): فلمَّا اختلفت الروايات عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الباب، (فكان فيما روينا في الفصل الأوَّل إباحة الصَّلاة على الجنائز في المساجد، وفيما
стр. 216
روينا في الفصل الثَّاني كراهة ذلك، احتجنا إلى كشف ذلك) (١) لنعلم المتأَخِّر من الحديثين، فنجعله ناسخًا للمتقدِّم منهما.
فوجدنا في حديث عائشة دليلًا على أنَّهم [قد] كانوا تركوا الصَّلاة على الجنائز في المسجد، بعد أن كانت تفعل فيه، وارتفع (٢) ذلك من فعلهم،
стр. 217
وذهب معرفته عن عائشة، فلم يكن ذلك عندها لكراهية حديث بأركان الأمر عندها على أنّهم كانوا يصلّون عليها في المسجد لو شاؤوا.
لذلك أمرت به حتى أنكر ذلك الناس عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ لعلمهم بما غاب عنها، فبان بذلك: أنّ الإباحة للصلاة عليها في المسجد هي المتقدمة على ما في حديث عائشةَ (١) من صلاة رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء في المسجد، وأنّ الترك للصلاة عليها في المسجد هو المتأخر عن ذلك [٢٧/ ب] على ما في حديث أبي هريرة.
وإن حديث أبي هريرة ناسخٌ لحديث عائشة.
وهذا الذي ذكرناه من النهي عن الصلاة على الجنائز في المسجد، وكراهيتها. هو قول أبي حنيفة، ومحمد. وهو قول أبي يوسف أيضًا. غير أنّ أصحاب الإملاء رووا عنه أنه قال: إذا كان مسجدٌ قد أفرد للصَّلاة على الجنازة، فلا بأس بأن يصلَّى عَلَى الجنائز فيه. انتهى.
وما نقله عن أبي يوسف.
قال في المحيط: اختلفوا: هل له حكم المسجد؟ والصحيح: أنَّه ليس بمسجدٍ؛ لأنه (٢) ما أعدَّ للصَّلاة حقيقةً؛ لأنَّ صلاة الجنازة ليست بصلاةٍ
стр. 218
حقيقيَّةٍ، ولهذا: يجوز إدخال الميِّت فيه، وحاجة النَّاس ماسَّةٌ إلى أنه لم يكن مسجدًا توسعَةً للأمر عليهم (١). انتهى.
وقال الإمام أبو الحسين القدوري في التجريد: قال أصحابنا: تكرهُ الصلاة على الموتى في مسجد الجماعة.
وقال الشافعي (٢): يجوز لنا حديث أبي هريرة: أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ:
стр. 219
"مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجدِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ". ذكرهُ أبو داود (١).
قلت: ورواه عن ابن أبي شيبة (٢) بلفظ: "مَنْ صلَّى عَلَى جَنَازَة فِي الْمَسْجدِ فَلاَ صَلاَةَ (٣) لَهُ". قَالَ (٤): وَكانَ أصحاب رسول اللهِ ﷺ إذا ضاق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا.
وسيأتي له لفظٌ آخرَ. والله أعلمُ.
قال (٥): ولا يقال: إنه متروك الظاهر، لأننا اجتمعنا على استحقاقه الثواب بسقوط الفرض، لأنّ الفرض وإن سقط فيجوز أن لا يحصل له الثواب، وسقوط الفرض لا يوصف أنه له من غير فواتٍ.
стр. 220
ورويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا نعَى النَّجَاشِيَّ إِلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْمُصَلَّى (١).
ولو كانَ تَجُوز الصلاة في المسجد، لم يكن للخروج معنًى (٢).
ولأن النبي ﷺ قال: "جَنّبوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيانكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ. . . " (٣).
وكان المعنى فيهِ: أنهُ لا يؤمنُ تلويثُ المسجد منهم، وهذا موجودٌ في الميت. ولأنَّ الناس أفردوا للجنائز مسجدًا في سائر الأعصار.
ولو جاز في المسجد، لم يكن لإفراد موضع لها معنًى.
стр. 221
واحتجوا: بأنّ عائشةَ لمّا مات سعد بن أبي وقاص قالت: أدخلوهُ المسجدَ لأُصلِّي عليهِ. فأُنكرَ عليهَا ذلكَ. فقالت: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ على سهيل [٢٨/ أ] ابن البَيْضَاءِ إلّا في المسجد (١).
والجواب: أنَّ إِنكارهم دلّ على أنّ الظاهر في الشرع خلافُ ذلكَ؛ ولأنهم لا ينكرون ما يسوغ فيه الاجتهاد.
وقولها: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ على ابنِ البَيْضاءِ إلّا في المسجد. دلالة عليهم؛ لأنه لو كان يجوز ذلك لصلّى على جميع الناس، ولم يخصه بابن البيضاء. ولأنه يجوز أن يكون صلّى عليه لعذرٍ من مطرٍ أو غيرهِ.
ويجوز أن تكون الجنازة وضعت خارج المسجد، وصلّى عليه في المسجد. فظنّت عائشة: أن النّاس أنكروا عليها فعلَ الصلاة.
وما روي عن عمرَ أنه صلى على أبي بكرٍ في المسجد (٢)، وصلّى صُهيبٌ على عمرَ في المسجد (٣).
стр. 222
يجوز أن يكونَ في مسجدٍ الجنازة.
قلتُ: وربما يقوّي هذا: أنّها ﵄، لم تحتج عليهم بفعلهم في عمرَ؛ فإنّ وفاته سنة ثلاثةٍ وعشرين. ووفاة سعدٍ سنة خمسٍ وخمسين أو ستٍ أو سبعٍ.
قال: ولأنه لا يثبت به إجماعٌ مع إنكارِ من أنكر على عائشة، قالوا: صلاةٌ شرعيةٌ، فلم يكره فعلها في المسجد كسائر الصلوات.
قلنا: نقولُ بموجبه؛ لأنّ الصلاة لا تكرهُ عندنا، وانّما يكرهُ إدخال الميت، ولأنّ سائر الصلوات يؤمنُ فيها تلويث المسجد، وتبطل بصلاة المستحاضة، ومن بهِ سلس البول.
قالوا: المسجدُ أنظف من غيره من البقاع، وكانت الصلوات فيه أفضلُ.
قلنا: من أصلكم: أنَّ صلاة الاستسقاء والعيدين في غير المسجد أفضلُ. وإنْ كانَ المسجد أفضل البقاع. انتهى.
فإن قيل: قال شرف الأئمة العقيلي: إنّ الصلاة على الجنازة في المسجد مكروهٌ كراهة تنزيهٍ.
قلت: الأظهرُ قول شرف الأئمة المكي: أنّها كراهة تحريمٍ كما سمعت من قول محمد، فإن أسلوبه في إطلاق المنع كذلك، ولما سمعت من نسخ الإباحة وظواهر الاستدلال.
قد روى الطيالسي (١): حدثنا ابن أبي ذئبٍ، عن صالحٍ مولى التوأمة
стр. 223
قالَ: أدركتُ رجالًا ممن أدركُوا (١) النبي ﷺ وَأَبَا بكرٍ، إذا جاؤوا فلم يجدوا إلَّا أَنْ يُصَلُّوا في المسجدِ رجعوا فلم [٢٨/ ب] يُصَلُّوْا. وَاللهُ أَعْلَمُ.
* * *
стр. 224
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[٦]
[رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 225
(٦) [رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
قال ﵀:
قد سألني الولد العاقل محمد بدر الدين بن الأخ محمد شمس الدين بن خير الدين، عن الصلاة بعد الوتر. وذكرَ: أنه وقع الكلام في ذلك بينه وبينَ جماعةٍ من أفاضل الطلبة، ويعض المشايخ، ولم يستحضر أحدٌ منهم منقولًا. وإنمّا جوّزوا الكراهة أخذًا من قوله: " وَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلاَتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا " (١).
فقلتُ: قد كتب الإمام حسام الدين في التراويح، والإمام الطحاوي في الوتر. فسألني أن أكتب له ذلك.
فقلتُ: قال الإمام حسام الدين الشهيد (٢) - رحمه الله تعالى -: اختلف
стр. 226
المشايخ ﵏ في التراويح، هل تُسَمَّى سُنة (١)؟
قال بعضهم: لاَ. وهي من النوافل.
وقال بعضهم: تسمّى سنة. وهو الصحيح.
وانقطع الخلاف برواية الحسن، عن أبي حنيفة بأنّها سنة (٢). وهذا: لأنّ النبي ﷺ قد أقامها في بعض الليالي وتركها في البعض. وبيّنَ العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا، ثم واظبَ عليها الخلفاء الراشدون.
وقد قال ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء مِنْ بَعْدِي" (٣).
стр. 227
وسنِّيتها:
ما روى الحسن، عن أبي حنيفة أنّه قال: القيامُ في شهرِ رمضان سُنةٌ لاَ يَنْبَغِي تركها أو ينبغي لأهل كل مسجدٍ أن يصلُّوا في مسجدهم كل ليلةٍ خمس ترويحات يؤمهم رجل يقرأُ في كلّ ركعةٍ عشر آياتٍ أو نحوها يسلّم من كل ركعتين، وكُلّما يصلي ترويحة انتظر بين الترويحتين قدر الترويحة، وينتظر بعد الخامسة قدر الترويحة، ثم يوتر بهم، فتصير عشرين ركعةً سوى الوتر. وهذا مذهب أصحابنا ﵏.
وقال مالك: يقومون ستًّا وثلاثين ركعةً اتباعًا لعمر وعلي. وإِنا نقول: إنّ في ذلك غير مشهور منها (١).
стр. 228
فإن زادوا ستّ عشر ركعة، فهذا على وجهين:
إنْ أرادوا الترويحات منفردين بغير جماعةٍ، ولا بأسَ به. وهو مستحبٌّ أيضًا.
وإن صلّوا بجماعةٍ [٢٩/ أ] كَمَا هوَ مذهب مالكٍ، كُرِهَ لأنَّ النوافلَ بالجماعةِ لو كانت مستحبةً لكانت أفضل كالمكتوبات. ولو كانت أفضل لكان المجتهدون القائمون بالليل يجتمعون فيصلون جماعةً طلبًا للفضيلة. فلمّا لم يرو ذلك عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة: أنّه لا فضلَ في ذلك لو ثبت الفضل ثبت لمكان التراويح، ولم يثبت ذلك.
وذكر الطحاوي ﵀ في اختلاف العلماء: عن المعلى (١)، عن أبي يوسف أنّه قال: من قدر أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام في شهرِ رمضان، فأَحبُّ إليَّ أن يصلِّي في البيت (٢). وهذا خلافُ ظاهرِ الرواية.
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 230
فصلٌ
ومن ترك التراويح في الجماعة وصلّاها في البيت (١)؟
стр. 231
اختلف المشايخ ﵏ فيه:
منهم من قال: يكونُ تاركًا للسنة وهو مسيءٌ.
لما روي عن النبي ﷺ أنّه قدر ما صلَّى التَّراويح صلَّى بجماعةٍ.
وهكذا نقل عن أصحابه، وعليه اتفاق فقهاء الأمصار.
ومنهم من قال: كان تاركًا للفضيلة، ولا بأس به لما روي عن عمر وسالمٍ ونافعٍ: أنّهم كانوا ينصرفون ولا يقومون.
عُلِمَ: أن الجماعة فضيلة. والصَّحيحُ: أنّ إقامتها بالجماعة سنّة على الكفاية حتى لو ترك أهل المسجد كلهم الجماعة، فقد تركوا السنة، وأساؤوا في ذلك وإن أقيمت التراويح بالجماعةِ في المسجد. فمن تخلّفَ عنها من أفراد الناس، وصلّى في بيته، فقد ترك الفضيلة، وإن لم يكن مسيئًا. وإن صلّوها بالجماعة في البيت، فقد اختلفوا فيه. والصحيح: أنّ للجماعة فضيلة، وللجماعة في المسجد فضيلة أخرى. فهنا قد حاز إحدى الفضيلتين، وترك الأخرى. وهذا في المكتوبات.
* * *
стр. 232
فصلٌ
الانتظار من كل ترويحتين قدر الترويحة مستحبٌ. كما ذكرنا من رواية الحسن، عن أبي حنيفة (١).
وهذا: لأن في ذلك تحقيق اسم الصّلاة. وهيَ: التّراويح. ولأنها مأخوذةٌ عن السلف.
وأهل الحرمين مجمعون على الانتظار بين كل ترويحتين.
أما أهل مكّة: فإنهّم يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا.
وأمّا أهل [٢٩/ ب] المدينة: فإنهم يصلون أربعًا.
ولهذا: صارت تراويح أهل مكة مع الوتر ثلاثًا وعشرين. وتراويح أهل المدينة: تسعًا وثلاثين. وهكذا أهل كل بلدٍ يسبحون أو يصلّون أو ينتظرون سكوتًا. ذلك القدر.
وأمّا الاستراحة: على خمس تسليماتٍ.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: لا بأس به.
وقال أكثرهم: لا يستحبُّ. وهذا هو الصحيح. فإنّ الصحيح: أنه
стр. 233
لا يستحبّ إِلّا عند تمام كل ترويحةٍ. وهي خمس ترويحاتٍ؛ لأنَّ ذلك مخالف عمل أهل الحرمين وغيرهم.
* * *
فصلٌ
وأمّا نية التراويح (١): فإنْ نوى التراويح أو سنّة الوقت أو قيام الليل في الشهر جاز كما إذا نوى الظُّهرَ، أو فرض الوقت جازَ.
فإن نوى صلاةً مطلقةً أو نوى تطوعًا فحسب. اختلف المشايخ فيه:
ذكر بعض المتقدمين: أنّ الأصحّ أنه لا يجوز؛ لأنهّا سنة. والسنة لا تتأدّى بنية التطوع أو بنية الصلاة.
كما روى الحسن، عن أبي حنيفة في ركعتي الفجر، وهذا: لأنها صلاة مخصوصة كالمكتوبات، فلا تتأدّى بمطلق النية.
وذكر أكثر المتأخرين: أنّ التراويح وسائر السنن تتأدّى بمطلق النية؛
стр. 234
لأنهّا نوافل. والنوافل تتأذى بمطلق النية. لكن واظب عليها رسول الله ﷺ . فالاحتياط: أن ينوي التراويح أو سنة الوقت، أو قيام الليل في شهر رمضان. وفي سائر السنن ينوي السنة، أو ينوي الصلاة متابعًا لرسول الله ﷺ ليكون أبعد عن الاختلاف. والله أعلم.
* * *
فصل وقدر القراءة في التراويح (١):
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يقرأ كما يقرأ في المغرب؛ لأنهّا أخفّ من أخفّ المكتوبات.
стр. 235
وهذا غير سديد؛ لأنه لا يقع بذلك الختم في شهر رمضان.
وقال بعضهم: يقرأ كما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء في وقتها.
وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعةٍ من عشرين إلى ثلاثين آية.
لما روي: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ دَعَا ثَلاَثَةً مِنَ الأَئِمَّةِ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ، وَأَمَرَ أَحَدَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلاَثِينَ آيَةً. وَأَمَرَ الثَّانِي أَنْ يَقْرَأ [٣٠/أ] فِي كُلِّ ركعةٍ خمسًا وعشرين آية. وأمرَ الثَّالثَ أَنْ يقرأ في كلّ ركعةِ عشرينَ آيةً.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يقرأُ في كل ركعةٍ عشر آياتٍ ونحوها.
فَمَا قاله عمرُ فضيلةٌ، وما قالهُ أبو حنيفة سنةٌ.
وهذا: لأنهم اتفقوا على أنّ السنة الختم مرّة.
والفضيلة: الختم مرتين.
والختم مرتين يقع بما أمرَ به عمر.
والختم مرة يقع بما أمر به أبو حنيفة.
لأنّ عدد ركعات التراويح ست مئة. وآياتُ القرآن ستة آلاف ومئتي. فيكون في كل ركعةٍ: عشر آياتٍ.
ومن المتقدمين من مشايخنا:
قال في الحاوي القدسي (١): وإن خافَ أن يثقل على القوم، لا يزيد
стр. 236
في القعدة على قدر التشهد. وفي القراءة على الفاتحة وثلاث آياتٍ قصارٍ. والإخلاصُ ونحوها.
الذي قال: إِنَّ الأصحَّ أنّ التراويح لا يجوز بمطلق النية قال: الأفضل أن يقرأ في كل ركعةٍ ثلاثين آيةً، ويختم في كل عشرٍ ختمة؛ لأنَّ كل عشرٍ من الشهر متميّزٌ مخصوصٌ. واللهُ أعلمُ.
* * *
فصلٌ
والأفضلُ: تعديل القراءة بين التسليمات.
كما روى الحسن، عن أبي حنيفة.
وجاء عن عمر.
وإن خالف فلا بأس به.
وأمّا التسليمة الواحدة؛ فإنه لا يستحب تطويل القراءة في الثانية بلا خلاف، كما في سائر الصلوات.
وإن طوّل القراءة في الأولى على الثانية لا بأس به.
وأمّا المختار: فإنه يجب أن يكون على الخلاف عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يكون المختار التسوية بين الركعتين. كما رواه الحسن، عن أبي حنيفة.
стр. 237
ويكون المختار عند محمّد: تطويل الأولى على الثّانية، كاختلافهم في قراءة الظهر والعصر. والله أعلم.
* * *
فصلٌ
إذا صلّى الإمام التراويح قاعدًا لعذرٍ أو لغير عذرٍ والقوم قيام .
الكلام في هذا الفصل في موضعين: في الجواز، وفي الاستحباب.
أما الكلام في الجواز:
اختلف المشايخ فيه.
منهم من قال: جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يجز عند محمّد اعتبارًا بالفرض.
وقال بعضهم: يجوز عندهم جميعًا. وهذا هو الصّحيح؛ لأنهم لو قعدوا جاز. فإذا قاموا كان أولى بالجواز. ولا كذلك الفرض.
وإنّما نشأ الخلاف بين المشايخ على قول محمّد، عن رواية أبي سليمان، كما نبين إن شاء الله تعالى.
وأمّا الاستحباب:
عن أبي حنيفة وأبي يوسف: المستحبُّ: أن يقوم القوم إِلَّا لعذرٍ؛ لأنّه جاز لهم القيام والقعود.
فالقيام أفضل لا محالة.
وعند محمّد: المستحب: أن يقوم؛ لأن هذا الاختلاف معتبرٌ حتّى منع
стр. 238
الفرض من الجواز. وكذا منع النفل من الاستحباب.
ذكر أبو سليمان، عن محمّد، عن رجل أَمَّ قومًا في شهر رمضان جالسًا: أيقومون؟ قال؛ نعم. في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
خصَّ قول أبي حنيفة وأبي يوسف من المشايخ من قال: إنّما خصّ؛ لأنه لا يستحب عنده. وهذا هو الصّحيح. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وإذا صلَّى التراويح قاعدًا من غير عذرٍ (١):
الكلام في هذا الفصل أيضًا في موضعين: في الجواز والاستحباب.
وأما الكلام في الجواز:
اختلف المشايخ فيه:
منهم من قال: لا يجوز.
ومنهم من قال: يجوز.
وهذا هو الصّحيح. وأجمعوا على أن ركعتي الفجر قاعدًا من غير عذرٍ لا يجوز.
стр. 239
هكذا روى الحسن، عن أبي حنيفة نصًّا.
أمّا من قال: لا يجوز.
قال: لأنّ هذا سنّة شابهت ركعتي الفجر.
وأمّا من قال: يجوز.
قال: لأنّ هذه نافلة لم يختص بزيادة تأكيد، فصارت كسائر النوافل.
والدليل عليه: رواية أبي سليمان، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ولم يفصلوا بين العذر وغير العذر.
وأمّا الكلام في الاستحباب:
فالصحيح: أنّه لا يستحبُّ؛ لأنه يخالف المتواتر وعمل السّلف - رحمهم الله تعالى -.
* * *
فصلٌ إذا صلّى التراويح مقتديًا بمن يصلي المكتوبة، أو وترًا، أو نافلة غير التراويح .
اختلف المشايخ فيه (١):
стр. 240
منهم من بنى هذا الاختلاف على الاختلاف في النية.
من قال من المشايخ: أنّ التراويح لا تتأدّى بالنية المطلقة حتّى ينويها. يقول هنا: لا يصحُّ؛ لأنهّا لا تتأدّى إِلَّا بنيّتها، فلا تتأدّى بنية الإمام، بخلاف نيته.
ومن قال من المشايخ: أنّها تتأذى بمطلق النية.
ينبغي أن يقول هنا: أنه يصحُّ. والأصحُّ: أنه لا يصح الاقتداءُ. وعلى هذا الاختلاف: إذا لم يسلم من العِشَاءِ حتّى بَنا عليها التّراويح. والأصحُّ: أنه لا يصحُّ. وهذا أظهرُ؛ لأنه مكروهٌ. فعلى هذا الاختلاف: إذا بناها على السنة بعد العِشَاء.
والصّحيح: أنّه لا يصحُّ، وإن اقتدى في التسليمة الأولى أو الثّانية بمن يصلّي التسليمة الخامسة أو العاشرة.
اختلف المشايخ فيه: والصَّحيحُ: أنّه يصحُّ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدة. ونيّة الثّانية أوِ الأولى لغوٌ.
ألَا ترى أنه لو نوى الثّالثة بعد الأولى، لم يكن إِلَّا الثَّانية.
والدّليل عليه: أنه لو اقتدى في الرّكعتين بعد الظّهر، بمن يصلّي الأربع قبل الظّهر. يجوزُ. فهذا أولى.
* * *
стр. 241
فَصْلٌ إذا صلَّى ترويحةً واحدةً بتسليمةٍ واحدةٍ، وقد قعد في الثّانية قدر التشهد .
اختلف المشايخ فيه (١):
стр. 242
قال بعضهم: لا يجزئه الأربع إلّا عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وقال أكثرهم: يجزئهُ عن تسليمتين وهو الصّحيح؛ لأنه قد أكمل، ولم يُخِلَّ بشيءٍ إلّا أنّه جمعَ بين المتفرق واستدام التحريمة، فكان أولى بالجواز، وإنْ صلّى ستًا أو ثمانيًا أو عشرًا بتسليمةٍ واحدةٍ. وقعد على رأس كلّ ركعتين.
فعلى قول الأولين: لم يجز إِلَّا عَنْ رَكْعَتَيْنِ.
واختلف المشايخ المتأخرون فيه: قال عامّة المتأخرين: كان كلّ ركعتين عن تسليمةٍ. وهو الصّحيح؛ لأنّه قيّد كلّ شفع بالقعودِ بسائرِ الأفعال. والتسليمةُ: قطعٌ وخروجٌ، فلا يكون من تمام الصّلاة.
وفرّق بعض المتأخرين بين هذه المسألة وبين الّتي قبلها. فقال: متى
стр. 243
ما عدّو ما هي مستحبّة في صلاةٍ، فكلّ ركعتين من ذلك يجريان عن تسليمةٍ، ومتى لم يكن كذلك لم يجز إلّا عن قدر المستحبّ؛ لأنّ في الزّيادة كراهة. وفي استحبابه خلافٌ.
ففي هذا اختلافٌ أيضًا.
فعلى هذا: إذا صلّى ستًا تجزئ عن ثلاثِ تسليماتٍ، عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه عن تسليمتين.
فإن صلّى عشرًا، فعندهما تجزئ تسليمتين.
وعنده في الرِّواية الشّاذة: عن خمس تسليماتٍ.
وفي روايةِ الأصل: وَإِلَّا فلَا. عن أربعِ تسليماتٍ.
وفي رواية الجامع الصغير: عن ثلاثِ تسليماتٍ، وَإِن صَلَّى التّراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا، وقعدَ في كلّ ركعتين.
فعلى قول الأولين: جاز عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وعلى قول عامّة المتأخرين: جازت عن الكل على قول بعض المتأخرين على الاختلاف الّذي حكينا.
والصَّحيحُ قول العامّة.
* * *
فصلٌ وإذا صلّى ترويحةً بتسليمةٍ، ولم يقعد في الرّكعة الثّانية.
فالقياس وهو قول محمّد وزفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: أنّه تفسد
стр. 244
صلاته، ويلزمه قضاءُ هذه التسليمة، ولا يجوز ذلك عن شيئين.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. يجوز.
ثمّ اختلف المشايخ فيه على قولهما.
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ. وهو الصّحيح؛ لأنه أكمل الأريع بتسليمةٍ واحدةٍ فحسب. بخلاف ما إذا قعد في الثّانية؛ لأنه أكمل كلّ شفعٍ بالقعود.
وإن صلّى ثلاث ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ، ولم يقعد في الثّانية ساهيًا، أو عامدًا، فلا شك: أن صلاته باطلة في القياس. وهو قول محمّد وزفر. وهو رواية عن أبي حنيفة. وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وأمّا في الاستحسان وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وقال بعضهم: لا يجزئه عن شيءٍ أصلًا.
وكذا الخلاف في غير التّراويح إذا تنفّل بثلاث ركعات، ولم يقعد إِلّا في آخرها جاز عند الأولين، ولم يجز عند الآخرين.
أما من قال: يجوزُ يقول: الفرض يجوز. بمثل هذه الصّفة. وهو المغرب. فكذا النّفل، ويجب أن يجوز، وإذا جاز النّفل جازت التّراويح؛ لأنها نافلة.
فصار هذا كما لو صلَّى الأريع بقعدةٍ واحدةٍ. وذلك: يجوز عن تسليمةٍ واحدةٍ. فكذا هذا.
وأمَّا من قال: لا يجوز؛ فإنه يقولُ: إن القعدةَ المشروعة قد
стр. 245
تركها.
والتي فعلها في غير موضعها؛ لأنهّا لم تشرع في النّوافل في الثّالثةِ، فصار كأنّه لم يقعد فيها أصلًا، ولو لم يقعد فيها أصلًا، لا يجوز، وإذا لم يجز النفل، لم تجز التراويح؛ لأنّها نافلة بخلاف الأربع؛ لأنّ القعدة في آخرها قعدة في موضعها.
ثمّ على قول أولئك إذا جازت هذه الثّلاثة عن تسليمةٍ، هل يلزمه شيءٌ آخرَ لأجل الثّالثة إن كان ساهيًا؛ لَا لأَنّه شروعٌ في مظنونٍ وإن كان عامدًا، يلزمه ركعتان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنّه قد صحّت الثّالثة حيث حكم بصحّة التحريمة حين قعد في آخر الصّلاة، ولم يكملها بضمِّ أخرى إليها، فيلزمه القضاءُ على قول هؤلاء إذا لم تجزئ الثلاث عن شيءٍ أصلًا. فيلزمه قضاء الأوليين.
وهل يلزمه قضاء الثالثة: فعلى وجهين:
إن كان ساهيًا فلا يلزمه لما قلنا، وإن كان عامدًا لزمه ركعتان في قول أبي يوسف.
وفي قول أبي حنيفة: لا يلزم؛ لأنّ التحريمة قد فسدت حتّى لم يقعد على رأس الىانية، ولم يأتِ بالرّابعة. فإذا قام إلى الثَّالثةِ فقد شرع في الثّالثة بتحريمةٍ فاسدةٍ.
وهذا موجبٌ للقضاءِ عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة: لا، في الصّحيح من مذهبه.
فعلى هذا: إذا صلّى التّراويح عشر تسليماتٍ، كلّ تسليمة ثلاث ركعاتٍ، ولم يقعد إلّا في آخرها.
стр. 246
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر وهو رواية عن أبي حنيفة: عليهِ قضاءُ التراويح كلِّها، ولا شيءَ عليه سوى ذلك.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف على قول أولئك. جازت التراويح، ولا شيءَ عليه، إن كان قام ساهيًا، وإن قام عامدًا، فعليه أيضًا قضاء عشرين ركعة.
وعلى قول هؤلاء: عليه قضاء التراويح كلها كما في القياس، ولا شيء عليه سوى ذلك في قول أبي حنيفة كيفما كان.
وفي قول أبي يوسف: إن كانَ ساهيًا فهو كذلك. وإن كان عامدًا فعليه مع التراويح قضاء عشرين ركعة أخرى.
وإن صلّى التراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا ولم يقعد إلّا في آخرها.
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر روايةً عن أبي حنيفة: لم يجزِئ عن شيء، وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن التراويح كلها.
وقال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ كما ذكرنا من الاختلاف، فيما إذا صلّى ترويحة بتسليمةٍ ولم يقعد على رأس الرّكعتين.
وقال بعضهم: يُنظر إلى قدر المستحبّ، فكل ركعتين من المستحب تجزئ عن تسليمةٍ كما قال هذا القائل فيما إذا صلّى ستًّا أو ثمانيًا فقعد على رأس كلّ ركعتين.
стр. 247
والصّحيح: أن قول هذا القائل فيما إذا قعد على رأس كلّ ركعتين.
أما هنا: الصّحيح ما قال بعض المشايخ: أنه يجزئ عن تسليمةٍ واحدةٍ. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وأمّا وقت التّراويح (١):
فقد اختلف المشايخ فيه:
قال الشّيخ الإمام إسماعيل الزّاهد وجماعة: اللّيل كلّهُ إلى طلوع الفجر وقتٌ لها قبل العشاء وبعدها. وقبل الوتر وبعدها؛ لأنّها قيام اللّيل، فكان شرطها: اللّيل فحسب.
стр. 248
وقال عامّةُ مشايخ بلخ وبخارى: وقتها ما بين العشاء والوتر، ولو صلّاها قبل العشاء أو بعد الوتر، لم يؤدّها في وقتها؛ لأنّ الآثار كذا وردت. وإنّما تشيع في التّراويح الآثار.
والصّحيح: أن وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، حتّى لو صلّاها بعد الوتر يجوز. ولو صلّاها قبل العشاء لا يجوز؛ لأنّها نوافل سنّت بعد العشاء. فاشبهت التطوع المسنون بعد العشاء في غير شهر رمضان. والله أعلم.
* * *
فصلٌ وإذا فاتت التراويح، هل تقضى بعد وقتها بالجماعة، وغير الجماعة.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يقضي من الغد ما لم يدخل وقت تراويح أخرى.
وقال بعضهم: تُقْضَى ما لم يمض شهر رمضان.
وقال بعضهم: لا تُقْضَى أصلًا. وهو الصّحيح؛ لأنّها ليست بآكد من سنّة المغرب والعشاء، وتلك لا تُقْضَى وحدها عند أصحابنا، فكذلك هذه (١).
والدّليل عليه أنّها لا تُقْضَى بالجماعة: بالإجماع. ولو كانت تُقْضَى
стр. 249
لقضيت كما فاتت، فإنّ قضاءها منفردًا كان مستحبًّا كسنّة المغرب إذا قضاها. والله أعلمُ.
* * *
فصلٌ وإذا شكّوا أنهم صلوا تسع تسليماتٍ أو عشرًا.
اختلف المشايخ فيه (١):
قال بعضهم: أعادوا تسليمةً واحدةً بالجماعة احتياطًا.
وإذا قال بعضهم: هل يزيدون؛ لأنّ الزيادة عن التراويح بالشك لا يجوزُ. والصَّحيحُ: أنَّهَا يُصَلّون تسليمةً أخرى فُرَادَى حَتَّى يَقع الاحتياط في فصل السّنة بإتمامها.
ويقع الاحتراز عن أداء النّافلة بالجماعة غير التّراويح. والله أعلم.
* * *
*
فصلٌ وإذا صلّى التّرويحة الواحدة إِمامًا، فكلُّ واحدٍ منهما بتسليمةٍ.
اختلف المشايخُ فيه (٢):
стр. 250
قال بعضهم: لا بأسَ به.
والصحيحُ: أنّه لا يستحبُّ ذلكَ. ولكن كلّ ترويحةِ يؤدِّيها إمامٌ واحدٌ وعليه عمل أهل الحرمين وغيرهم، ويكون تبديل الإمام بمنْزلة الانتظارِ. والله أعلم.
* * *
فصلٌ الأفضل: استيعابُ أكثر اللّيل بالصّلاة، والانتظار.
وبعض مشايخنا قالوا: إذا أخّروها إلى ما بعد نصف اللّيل، لم يستحب، وشبّهها بتأخير العشاء.
والصّحيح: أنّه لا بأس به. وهو المستحب والأفضل؛ لأنّها قيام اللّيل، وقيام اللّيل في آخر اللّيل أفضل.