وأمّا مذهب مالك:
فقال ابن الحاجب: "وفي قليل النَّجاسة في كثير الطَّعام المائع قولان" (١).
стр. 184
قال الشيخ خليل في شرحه: أي: وفي تأثير قليل النجاسة فعدم التأثير كالماء. والتأثير لأنَّ الماء له مزية بتطهير العين الباقي.
والمشهور: التأثير.
قال ابن دقيق العيد: ولو فرَّق بين ما يعسر الاحتراز منه (١) كروثِ الفأرة فيعفى [عنه]، وبين ما لا يعسر كبول ابن آدم، فينجِّس لما بعد (٢).
стр. 185
ويفهم من قوله: "قليل"، أنّ النَّجاسة لو كانت كثيرة أفسدت، وإن كان الطعام كثيرًا.
"وأمّا الجامد كالعسل والسّمن الجامدين فينجس ما مرت (١) به خاصّة قليلة أو كثيرة، فيلقى (٢)، وما [٢٣/ ب] حولها بطول (٣) مكثها وقصره" (٤).
قال ابن الحاجب: "وفي استعمال النجس لغير أكل كالوقود وعلف الدواب والنّحل (٥) قولان" (٦).
قال الشيخ خليل: والمشهور من القولين: الجواز. والوقود مقيّد بغير المساجد.
قال ابن الحاجب: "وفي طهارة الزيت النجس ونحوه قولان" (٧).
قال الشيخ خليل: قال ابن بشير: المشهور في ذلك كله؛ لأنَّه لا يطهر.
وقال ابن الحاجب (٨): وهما جاريان في كل نجاسة، تغيرت أعراضها
стр. 186
كرماد الميتة - يعني: القولين المتقدمين - في لبن الجلاّلة جريان فيما ذكر. ويرجّح غيره عدم الطهارة.
وأمّا مذهب أحمد بن حنبل:
فقال الزركشي في شرح الخرقي (١): إذا وقعت (٢) النجاسة في مائعٍ، ففي أحد الروايات: أنه ينجسٌ قلَّ أو كثرَ. وهي اختيار عامّة الأصحاب.
الثَّانية: حكم الماءِ حكم المائعِ. اختارها أبو العباس.
الثالثة: ما أصله الماء كالحل ونحوه. حكمه حكم الماء، وما لا فلا.
وقال في الزيت النجس: ويجوز الاستصباح به في أشهر الروايتين. وهي اختيار الخرقي.
والثانية: لا يجوزُ.
ومنع أحمد من دهن الجلود به، ولا يحل أكله ولا بيعه. هو المشهور المجزوم به، عند عامّة الأصحاب.
وعنه رواية: أنه يجوز بيعه لكافرٍ يعلم بنجاسته.
وخرَّج أبو الخطاب وغيره قولًا بجواز بيعه مطلقًا من رواية: الاستصباح؛ لأنَّه إذاً مُنْتَفَعٌ (٣) به.
стр. 187
وخرَّجَ أبو البركات ذلك على القول بتطهيره بالغسل؛ لأنَّه إذًا كالثَّوب المتنجّس. وهذا أصحُّ إلَّا أنَّهُ بناءٌ على ضعيفٍ. انتهى.
قال الشيخ العلامة ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمّى بالفروع (١): ولا باستحالة ذي رأي لا يطهر شيءٌ باستحالة ونارٍ.
وعنه: بل بقي عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه يطهر بالاستحالة والنار.
قال: وعليهما (٢) يتخرج عمل زيتٍ نجسٍ صابوناً ونحوه. انتهى.
فقد علمت: أن عن الإمام مالك وأحمد كقولنا. وإنما الاختلاف في ترجيح أحد القولين.
وهنا أنا أذكر لك ما حضرني من الأدلة على محلّ النّزاع، والله [٢٤/ أ] ولي الإعانة.
روى الطحاوي في المشكل (٣)، والحاكم في. . . . . . . . . . . . . . .
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 189
المستدرك (١)، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وَقَعَتِ الفَأرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِداً فَألْقُوْهَا وَمَا حَولَهَا، وَإنْ كَانَ ذَائِباً فَاسْتَصْبِحُوا - أَوْ: فَانتفِعُوا - بِهِ".
قال الحاكم: صحيح على شرطهما.
وقال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٢): حدّثنا عبد الوهاب الثَّقفيُّ، عن برد، عن مكحولٍ: أَنَّ فَأرَةً وَقَعَتْ فِي زيتٍ، فَسَألوا النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: "اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلاَ تأكلُوه".
وكانَ مكحولٌ يقولُ: إِذَا وَقَعَتْ فِي السَّمْنِ وَكَانَ (٣) جَامِداً أُلقيَ وَمَا حَوْلَهُ، وَأكُلَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَائِباً لَمْ (٤) يُؤْكَلْ مِنْهُ شَيءٌ.
стр. 190
وهذا حديثٌ مرسلٌ، والمرسلُ عندنا حجّة، وكذلك عند مالك، وروايةٌ عن أحمد.
وقد بيَّنتُ أرجحية القول بقبول الْمُرْسَلِ فِي مقدمة شرح القدوري، ونزهة الرائض فليطلبه ثمّة من أراد الوقوف عليه، ومن يرد المرسل يقبله إذا جاء موصولًا من طريقٍ أخرى. وهذا كذلك.
فإن طريق الطحاوي والحاكم غير هذه، فإنّها عن (١) عبد الواحد بن زياد، عن معمر، عن الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ .
قال ابن أبي شيبة:
حدّثنا هشام، عن أبي بشر، عن نافع: أنَّ جرذاً وقعَ في قدرٍ؛ لآلِ ابْنِ عُمَرَ، فَسُئِلَ؟ فقال: انتُفِعُوا بهِ، وادْهَنُوا بِهِ الأُدْم (٢)(٣).
حدّثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافعٍ، عن صفية بنت أبي عبيدٍ: أنَّ جرّاً لآل ابن عمر، فيه عشرون فرقاً من سمنٍ أو زيادة، وقعت فيه فأرةٌ فماتت، فأمرهم ابن عمر أن يستصبحوا به (٤).
حدّثنا زياد بن الحباب، عن حميد بن عبيد الطَّائي، حدّثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جدّه أنس: أنه سُئِلَ (٥) عن الفأرة تقع في الزيت أو
стр. 191
السمن (١)؟ قال: إِنْ كَانَ جَامِدًا أخذت وما حولها فألقي وأكل ما بقي، وإن كان ذائبًا استصبحوا به (٢)(٣).
حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبد الملك [٢٤/ ب] عن عطاء قال: إن كَانَ جامدًا فألقوها وما يليها، وكل ما بقي، وإن كان ذائبًا فاستصبح به ولا تأكله (٤).
حدثنا هشام (٥)، عن يونس، عن ابن سيرين: أنَّ الأشعري سُئِلَ عن سمنٍ مَاتَ فيها وزغٌ؟ فقال: بيعوه بيعًا، ولا تبيعوه من مُسْلِمٍ (٦). انتهى.
وقول الصحابي والتابعي الذي زاحم الصحابة في الفتوى، حُجّةٌ عندنا. ولهذا شاهدٌ صحيح؛
أخرجه الشيخان في صحيحيهما (٧)، عن النبي ﷺ في العَجِيْنِ الذي عُجِنَ بماءٍ، مِنْ آبَارِ ثَمُودَ، أنَّهُ نهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضحَ (٨).
وإذا جازَ الاستصباح، ودهن الجلود، جاز عندهما من وجوهٍ الانتفاعُ إلّا للأكل، لخروجه بالنص.
стр. 192
فإن قيل: قد روى أبو داود (١)، عن النبي ﷺ قالَ في فَأرَةٍ وقعت في سمنٍ: "فإنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوه".
قلت: قد صرَّح الحفاظ بأن معمرًا غلط فيه عن الزهري.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية (٢): وأمَّا الزيادة التي رواها أبو داود وغيره: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وان كان مائعًا فلا تقربوه"، فهيَ غلطٌ كما بيّن ذلك البخاري.
وذكره الترمذي (٣) وقالوا: غلط معمرٌ في هذا.
ومما استدل به البخاري في صحيحه (٤): أن الزهري نفسه أفتى في المائع إذا وقعت فيه الفأرة أو غيرها جامدًا أو مائعًا، قليلًا كانَ أو كثيرًا، أن يلقي النّجاسة ويؤكل.
واحتجّ الزّهري بهذا الحديث.
فتبيّن بهذا: أن سائر أصحابه حفظوه عنه، وغلط عليه معمر لا سيّما فيما حدّث به معمرٌ للبصريين عنه، فإنه غلط فيه في مواضع. انتهى.
قلت: في رواية الطحاوي والحاكم يكون من الاختلاف على معمرٍ. والله أعلم.
стр. 193
وعلى التنزّل: فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما إذا أمكنَ، وقد أمكنَ بحمل القربان النهي عنه، عن الأكل.
وقد أطلق القربان في لسان الشرع، وأريدَ به غير مطلق الدنوّ مما يقتضيه المقام.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢, الإسراء: ٣٤].
وإذا ثبت جواز الانتفاع صح [٢٥/ أ] البيعُ إلَّا أن يقومَ مانعٌ.
وأمَّا دليلُ طهارة ما استحال إلى عين طهارةٍ فهوَ: أنَّ الشارعَ رتّب وصف النجاسة على تلك الحقيقة.
والحقيقة تنتفي بانتفاء بعض أجزاء مفهومها. فبالكل أولى.
وقد روى حربٌ الكرماني مسألةً بإسناده إلى أنس بن مالكٍ: أنهُ سئلَ عن تنّورٍ شويَ فيه خنزيرٌ. قال: يسجره مرةً أخرى.
وفي روايةٍ: حتّى يبيض (١).
وقد أطنب شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميّة في تقريره هذا وإيضاحه فقال في مسألة ملاقاة النجاسة: الظاهر الصحيح من قول العلماء، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
ووجه في مذهب الشافعي (٢): أنّ النّجاسة إذا صارت رمادًا أو
стр. 194
قصر ملا (١) كانَ ذلكَ طاهرًا، وكذلك إذا صار ملحًا أو نشادرًا أو دخانًا أو فطرويًا أو غير ذلك من الأعيان الطّاهرة.
وتراب القبور المنبوشة وإن كان مستحيلًا عن صديدِ الموتى.
وقد ثبت في الصحيح (٢): أن مسجد رسول الله ﷺ كان مقبرةً للمشركين، وكان فيه نخلٌ وخروبٌ، فأمر النبي ﷺ بالقبور فنبشت، وبالنّخل فقطعت، وبالخروب فسويت، ولم يأمر بنقل التراب القديم الذي كان في المقبرة، وهي مقبرة المشركين.
فما الظن بمقابر المسلمين.
ومن ظنّ من الفقهاء: أنه إنما نهى عن الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة، فظنّهُ مخطئٌ، بل العلّة التي بينّها ﷺ إنما هي مشابهة المشركين. وساق الأدلة. ووجهها إلى أن قال:
стр. 195
وقول النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَجُعِلَتْ تُرْبتُهَا طَهُورًا" (١).
يتناول الذي عند القبور وغيره.
ومن قال: إن ذلك أو غيره نجسٌ لا مستحيل عن نجاسةٍ. فيقال له: هذا المعنى لا يوجب تحريمه لا بنص ولا قياس، فإنّ هذا لم يدخل في ألفاظ النصوص، فإنه تراب، وإنما حرّم الله الخبائث لما فيها من الخبث.
وهذا المعنى منتفٍ فيه، وقد اتفق [٢٥/ ب] العلماء على أن الخمر إذا بدأ الله بفسادها، طهرت مع أنه إنما تغير بعض صفاتها، لكن لما زال ما فيها من المعنى المسكر حلّتْ.
ومعلومٌ: أن استحالة بقية الخبائث ملحًا وترابًا وبخارًا أبلغ من استحالة الخمر، فهي أولى بالتطهير، وقد فرق من فرق بين الخمر وغيره من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم: بأن الخمرة حلت بالاستحالة، وطهرت بالاستحالة، بخلاف غيرها.
فيقالُ لهم: هذا الفرقُ فاسدٌ بوجهين:
أحدهما: أن هذا تسليمٌ ما. والاستحالة تؤثر في انقلاب حكم العين، فإذا كانت تجعل الطيب خبيثًا، والخبيث طيبًا. عُلِمَ: أن هذا حكمها في الطرفين جميعًا.
الثاني: أن جميع الخبائث كذلك، إنما صارت نجسةً بالاستحالة، فإنّ الإنسانَ يشربُ الماء الطّاهر فيستحيل بولًا، ودمًا.
стр. 196
ويأكل الطعام فيستحيل عذرةً.
والخنزيرُ مخلوقٌ من الماء والتراب، وهما طاهران (١). انتهى.
стр. 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 203
وربما يؤدي النظر في دليل الطهارة بالاستحالة إلى أنّ المائع إذا كان كثيرًا، وكانت النجاسة الواقعة بحيث تستهلك فيه أو بعضها لا ينجس ولا يحرم
стр. 204
تناوله بعين ما تقدم من دليلهم؛ ولأنّ التحريم في كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله ﷺ تتعلق بأسماءٍ ولها معانٍ. والتحليل كذلك، فإنّ الله تعالى أحلَّ اللبنَ والعسلَ والدّهنَ ونحوها. وحرّم الميتة والدّم والخمر والخبائث من غيرها.
والنجس المستهلك في الزيت لا يتناوله لفظ التحريم، ولا معناه. والمستهلك فيه لم يثبت له اسم الخبث، بل هذا المائع الذي استهلك فيه الخبث، إنّما يُسمَّى لبنًا وعسلًا وزيتًا مثلًا، ولا يُسَمَّى باسم الخبث، يكون قد تناوله نصوص التحليل دون التحريم، فيكون طاهرًا حلالًا لا حرامًا نجسًا. وفي هذا تكريرُ الاستدلال للتوضيح.
وكذا لو شرب زيتًا استهلكت فيه الخمر لا يجلد ولو شرب الصبي في زمن الرضاع لبنًا مغلوبًا بغيره، لا يثبت حرمة الرضاع [٢٦/ أ] وحينئذٍ إن لم يكن محل إطلاقِ المشايخ التنجيس والحرمة والأمر بالإراقة أو الاستصباح والبيع بالمعنى المذكور. والتطهير بالطريق المذكور: أنَّ ما يكون في الأواني بل هو أعمّ من ذلك، فالترجيح عندي لما قال شداد: المائع كالماء وإن كان مرادهم ما يكون في الأواني كما تقتضيه عبارة الكرخي.
فالقولان متوافقان، ويحمل رواية أبي داود على تقدير الثبوت على أنها خرجت مخرج العادة.
ومثلها: مرسلُ مكحولٍ، وأقوالُ الصحابة والتابعين المذكورين، وهو ظاهر.
وفي خصوص ما نحن فيه:
стр. 205
ما رواه ابن أبي شيبة (١): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمران بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: سُئِلَ ابنُ مسعودٍ في فأرة وقعت في سمنٍ فماتت. فقال: إِنَّمَا حَرَّمَ اللهُ من الْمَيْتَةِ لَحْمَهَا وَدَمَهَا.
وفتوى الزهري المتقدّمة، والكلُّ في الماءِ جارٍ على قول أبي يوسف الذي أخبرناه، كما قدمنا نقله. والله أعلم.
* * *
(٥) أَحْكَامُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ فِي المَسْجِدِ
قال ﵀: قد ظنَّ بعضُ الناس من صلاةِ شيخ الإسلام سعد الدين الديري (١) على إبراهيم بن الجيعان (٢) في الجامع الأزهر: أنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ
стр. 208
لذلك عندنا، وأنّه لا معنى لتركه لذلك، وصلاتي على بعض الناس في الرّحاب، فسألني؟ فقلت: المنقولُ: المنعُ.
قال الإمام محمَّد بن الحسن في مُوَطَّئِهِ (١): لا يصلَّى على جنازةٍ في مسجدٍ.
وقال الإمام الطحاوي في معاني الآثار (٢): النَّهي عن الصَّلاة على
стр. 209
الجنازة في المسجد وكراهيتها، هو قول أبي حنيفة ومحمَّدٍ، وهو قول أبي يوسف أيضًا، غير أنّ أصحاب الإملاءِ رووا عنه (١) أنّه قالَ: إذا كان مسجدٌ قد أُفْرِدَ للصلاة على الجنائز، فلا بأس بأن يصلّى على الجنائز فيه (٢)(٣).
стр. 210
وقول صاحب الهداية في مختارات النوازل: ولا يصلّي صلاة الجنازة في مسجدِ يصلّي فيه الجماعة عندنا للحدث، وسواء كان الميت في المسجد أو خارجًا منه في ظاهر الرواية.
وفي رواية: إذا كان الميِّت خارجَ المسجد، لا يكرهُ (١).
وقال في المحيط: وتكره صلاة الجنازة في المسجد خلافًا للشافعي.
والصحيح: قولنا: لما روى ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجدِ فَلاَ [٢٦/ ب] شَيءَ لَهُ" (٢).
ولأنَّ تنزيه المسجد واجبٌ، وفي إدخال الميت المسجد احتمالُ وقوع النّجاسةِ فيه، فيكره كما يكره إدخال الصبي والمجنون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويث المسجد، فكذا هذا.
و لو وضعت الجنازة خارج المسجد والإمام خارج المسجد، ومعه صفٌّ والباقي في المسجد .
اختلفوا فيه:
قيل: لا تكره الصلاة عليه. وهكذا روي عن أبي يوسف في النوازل:
стр. 213
أنّه ليس له فيه احتمال تلويث المسجد (١).
وقيل: يكرهُ؛ لأنّ المسجد أعدَّ لأداء المكتوبات، فلا يقام فيه غيرها قصدًا إلّا بعذرٍ.
وقال في شرح القدوري: المسمّى بالمضمرات في قوله: ولا يصلى على ميتٍ في مسجدٍ جماعةٍ.
يُكرهُ أن يصلى على الميت في المسجد سواءٌ كانت الجنازة في المسجد أو هي خارج المسجد، والإمام في المسجد.
وفي النسفية: سئل عن صلاة لجنازة وهي خارج المسجد والناس في المسجد، هل يكرهُ؟ فقال: كان المشايخ أهل سمرقند لا يكرهون ذلك، ويصلون في المسجد والجنّازة على باب المسجد حتّى ورد عليهم السيد أبو شجاع، فرأى منهم ذلك فقال: ما لكم تصلون على الجنازة في المسجد؟.
قالوا: إنّ مشايخنا أجازوا ذلك.
قال: قد تقدمهم مشايخ أخر لم يجوزوه.
قالوا: ومن هم؟.
قال: إمام الأئمة أبو حنيفة، ومن تبعه. ونصّوا على كراهة ذلك في كتبهم، فاتفقوا على أنْ بنوا وراء المقصورة سقيفةً يوضع الميت فيها، وصفوفٌ منَ النّاس في هذه السقيفة، ثم يتّصل منه الصفوف التي في الجامع.
стр. 214
قال: فالحاصل أنّ إدخال الجنازة في المسجد والصلاة عليها في المسجد مكروهٌ عندنا.
وفي وضع الجنازة على باب المسجد والإمام والقوم في المسجد اختلافُ المشايخ، ووضع الجنازة خارج المسجد. وقيام الناس معه خارج المسجد، ثم اتصال الصفوف بهم غير مكروهٍ.
وأمّا الحجاج:
فقال محمّد في الموطّأ (١): حدثنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنّه قال: ما صُلِّيَ على عمرٍ إلَّا في المسجد.
وقال محمد (٢): لا يصلَّى على جنازةٍ [في المسجد]، وكذلك (٣) بلغنا عن أبي هريرة، وموضع الجنازة بالمدينة خارج [من] المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي [٢٧/ أ] على الجنائز فيه.
فأفاد: أنّ (٤) عمل النبي ﷺ كان على خلاف ما وقع في الصّلاةِ على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، فيحملُ على العذرِ.
وبه قال في المحيط، ولفظه: فلا يقام فيه - أي: المسجد - غيرها - أي: غير الصلاة - قصدًا إلّا لعذرٍ.
وهذا تأويلُ حديث عمرَ: أنَّهُ لَمَّا قتلَ صُلِّيَ عَلَيْهِ في المسجدِ؛ لأنَّهُ كَانَ
стр. 215
لعذرٍ. وهو خوف الفتنة والصَّدِّ عَنِ الدَّفنِ عند النبي ﷺ .
وروى الإمام الطحاوي (١)، عن عائشة: أَنَّها حين توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادْخُلُوا به المسجدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فأنكَرَ ذلكَ النَّاسُ عَلَيْهَا. فقالت: لقد صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ عَلى سُهَيلِ (٢) بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ.
قال (٣): فذهب قومٌ إلى هذا الحديث، فقالوا: لا بأسَ بالصَّلاة على الجنازة في المساجد.
واحتجُّوا أيضًا بما روي عن ابن عمر: أنَّ عمر صُلِّيَ عليه في المسجد.
وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا الصَّلاة على الجنازة في المساجد.
واحتجُّوا [في ذلك] بما حدَّثنا. . . إلخ.
فروى عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ صلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي مَسْجدٍ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ" (٤).
قال (٥): فلمَّا اختلفت الروايات عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الباب، (فكان فيما روينا في الفصل الأوَّل إباحة الصَّلاة على الجنائز في المساجد، وفيما