← Джавами‘

Джавами‘ · id 16817

مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا

ابن قطلوبغا

Полный текст (694 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قلتُ: لكن الأقوى: دليل الخلافية للتصريح فيه، بأنّ الإصابة ليست بفرض حالة الاشتباه. . . إلخ. وما يقالُ مِنْ أنّ [مَنْ] (١) تحرّى وعَدَلَ عن جِهَةِ تحرّيه، ففي اعتقاده: أنَّهُ صلّى إلى غير القبلة. ومن كان كذلك لم تجز صلاته بخلاف من شك، ولم يتحرَّ وصلّى، فإنّه لم يجزم بأنه إلى غير القبلة، لكن لا يحكم بالجواز ابتداءً لاشتباه أمره على الشك، وإذا ظهر الخطأ أو الصّواب تيقّن ثبت حكمه، ويبطل حكم الشّك. يقالُ عليه: إن الحكم إن كان تابعًا لما عنده فقط من غير أن يكون لظهور صوابه أثرٌ فيلزم: أن ما أدّاه بالشك لا يصحّ؛ لأنّ الفرض ثابتٌ في ذمّته بيقينٍ، فلا يسقط بالشّكّ على أن عبارتهم تقتضي تأثير ظهور صوابه وخطأه فيما إذا شرع بالشّك، وأتمّ، ثمّ ظهرَ صوابه حيث صرّح في الاختيار بأنّه لا إعادةً عليه لوجود التوجه ونحو ذلك. وشرح في البدائع (٢) أيضًا: أنّه لو ظهر خطؤهُ بعد الفراغ أعاد، وصرّحوا

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 287

فيما إذا شرع بلا تحرٍّ، ثم ظهر في أثناء الصلاة: أنّه أصاب بلزوم الإعادة؛ لأنه قوّى حاله. ونبأ القوي على الضعيف لا يجوزُ، ولم يقتصروا في هذه المسائل على ما في خاطر المصلّي مع النّظرِ في عدم كونه مستقبلًا القبلة موجودةً في صورة الشّك، ولا يخلص إلاّ بادّعاءٍ: أنّ الحكم ما يتبع ما عنده، غير أنّه إن كان عن دليلٍ شرعي، فلا تأثير لظهور صوابه وخطئهِ فيما مضى مبنيًّا على ذلك، وإن لم يكن عن دليلٍ أثر. وها أنَا بأساطير الضَّراعةِ والمسكنةِ إلى أستاذي وإخواني الفضلاء في الوقوف على هذه الرُّقومِ، وتحريرها إسعافاَ إِلَيَّ، واغتنامَ أجرِ ودعاءٍ، وهو سبحانهُ حسبي ونعم الوكيل. وهذه صورة ما كتبه الشيخ الإمام العالم العلامة كمال الدين ابن الهمام - تغمده الله برحمته -: الحمدُ لله الفتاح العليم، وصلَّى الله على سيدنا محمَّدِ عبدهُ ورسولهُ، النَّبيّ الأمّيّ، وعلى آله وصحبه وسلم. لا ريبَ في أن مؤدّى اللّفظ المنقول، من المواضع الثلاثة: لزوم الإعادة عند عدم التحري في الاشتباه بعد تبين الآية، أعمّ من كون ذلك في الصلاة أو بعدها. وفهم ذلك فهم مدلولِ اللفظ قطعًا، لا ينسبُ لفاهمه تقصيرٌ فلا يخطئه. وإنّما الذي ينسب إليهم التقصير إن لم يعن بهم المسطرون لهذا الحكم في الكتب، على أنّه المذهبُ، فإنّهم بصدد التضعيف في مذهب أبي حنيفة. فكلُّ ما أطلقوه من الأحكام ساكتين عن إفادة أنّها اختيار المشايخ على خلاف قول أهل المذهب - أعني: الثلاثة -، لم يفهم منه إلا أنّه بيانٌ لمذهبهم، ولا شكّ أنّ كلام أهل المذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد المنقول من لفظ محمّدٍ في هذه المسألة عدم الإعادة عند ظهور الإصابة بعد الفراغ، كما

стр. 288

هو المذكور في الأصل وغيره من غير حكاية الخلاف. وقد عرف قول محمد لهم: إنّه ما لم يجد فيه خلافًا، فهو قولهم جميعًا. قال الحاكم أَبو الفضل في الكافي الذي هو مجموع كلام محمد في جميع كتبه، على ما ذكره في أوّله، ولو كان حين انتهى إلى موضع الصلاة. شكَّ. فلم يدرِ أينَ القبلة، فلم يتحرّ حتّى صلّى إلى بعض تلك الوجوه بغير تحرٍّ ولا أكبرَ رأي. فعليه: أن يعيد صلاته إلاّ أن يعلم أنّه صلّى للقبلة، إلاّ أنّ ذلك إنّما كان بعد دخوله في صلاته، لم تجز تلك الصلاة حتى يستقبلها بتكبير مستقبلٍ؛ لأن الواجب كان عليه أن يتحرّى، ثم يفتتح. فهذا نصُّ محمّدٍ في الأصل الذي هو شرح المبسوط، عدم الإعادة من غير خلافٍ. فإطلاقُ بعض المصنفين: لزوم الإعادة، إفادة بغير ما يتم بصدده من إفادة مذهب أبي حنيفة وأصحابه، فأمرٌ دائرٌ بين أمورٍ، إمّا قصدهم يؤدي ظاهر عبارتهم، فيحكم عليهم بالخطأ، إذ ليس ذلك قول أهل المذهب المقتدى بهم. وَإِمَّا إرادتهم كان ذلك فيما إذا ظهر الخطأ في الصّلاة، فيحكمُ بخطئهم بالتعبير إذا كان لفظهم أعمّ من مرادهم، فيوقع في التجهيل لا التعليم. وأمّا اطّلاعهم عن بعض رواياتٍ عنهم في ذلك، فيحكم عليهم بأخفّ من ذلك الخطأ، فإنّ إطلاق ذلك من غير بيانٍ: أنّها شذوذٌ من الروايات، اختاروها وتركوا المعروف عنهم. يعطي أنه المذهب المعروف، والفرض أنّ الظّاهر عنهم خلاف ذلك، فكان الواجبُ: بيان كون ذلك خلاف الظّاهر لا إرساله هكذا في مقام كتابة مذهب الأئمة. والله أعلمُ. وأمّا بمقام الاستدلال على لزوم الإعادة في ظهور الخطأ في الصّلاة دون

стр. 289

ما بعدها مع لزومها بعد ظهور الصّواب في صورة التحري، ثم العدول من جهته شيءٌ آخر. وقد استودعناه في موضعٍ آخر. والله الموفق. قال ذلك وكتبه محمد بن همام الدين. والله أعلم بالصّواب. وهذه صورة ما كتبه المرحوم الشيخ العلامة يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي (١): الحمد لله رب العالمين، الميسّر لكل عسير، وصلاته وسلامه على سيدنا محمّدٍ وآله وصحبه أجمعين. ظاهرُ عبارة الكتب الثلاثة: الإطلاق. ومفهومه: عدم الصّحة، ولزوم الإعادة عند وجود الاشتباه. وعدم التحري عند الشروع، ظهرَ إصابة الشّارع في الصلاة حال كونه فيها، أو بعد

стр. 290

الفراغ منها، أو لم يظهر. وإن كان ذلك مخالفًا لما ذكره صاحب الاختيار، والبعض ممن تقدمه من عدم الإعادة عند العلم بعد الفراغ. ففيه اختلاف الروايتين، ويكون مختار صاحب الوقاية. ومن أطلق أحد الروايتين وما ذكره من الاستدلالات والمنقول والأبحاث فيها، فأفاد وأجاد في ذلك. والله أعلم. قاله يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي عفى الله عنه.

стр. 291

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [٨] أَحْكَامُ القَهْقَهةِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 292

(٨) أَحْكَامُ القَهْقَهةِ قال ﵀: إنهّ قد رفع إليَّ سؤالٌ، صورته: ما الجواب رضيَ اللهُ عنكم، وأدام النفع بكم بمحمَّدٍ وآلهِ، عن ما نقله الإمام الزركشي في حواشيه على الرافعي فقال: سؤالٌ على الحنفية وهو: أنَّ حديث القهقهة ورد في صلاة الفرض، فقاسوا عليه النفل دون الجنازة. فإمّا أن يكون ذلك تعبّدًا، فكيف يقاس عليه النفل. وإمّا أن يكون معلّلًا، فكيف لم يُقس عليه الجنازة، وعليه جوابٌ صورته: الحمدُ لله المنعم بالصّواب. نقول ذلك تعبّدًا، وإلحاق الصلاة النافلة بطريق الدلالة لا القياس؛ لأنّها صلاةٌ حقيقةً حيث كانت أركانها أركان الصلاة وغير ذلك، بخلاف صلاة الجنازة، فهي ليست بصلاةٍ حقيقةً، أو قاصرةً، فلا يلحق بالفرض. وقال علماؤنا - رحمهم الله تعالى -: إنّ الصلاة النّافلة بمجرد الشروع فيها تصير واجبةً لازمةً، فتعامل معاملة الفرض دون غيرها. والحالة هذه.

стр. 293

وكتبت: الحمدُ لله. ربّ زدني علمًا. الجواب: إنّه تعبّد ولم يقس النفل، وإنمّا عملنا بعموم لفظ الصّلاة من قوله ﷺ : "مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ قَهْقَهَةً، فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ" (١). كما هي رواية ابن عدي (٢)، وغيره. ونحوها من الروايات، ولم تدخل الجنازة؛ لأنهّا ليست بمطلقة. ولا يتصوّر: أن يكون النفل ملحقًا بطريق الدلالة؛ لأنّ النّص الذي يكون له الدلالة نصٌّ يفهم المعنى الذي لأجله الحكم المذكور فيه على الوجه المصرّح به في الأصول. وحديثُ القهقهة (٣): اتفق على أنه يقصر على فهم المعنى الذي لأجله

стр. 294

الحكم المذكور فيه لكلّ مجتهدٍ. وكان العهد قد بعد بدلالة النصّ، فيذكر بها من بعض مختصراتنا. فنقول: قال الشيخ الإمام نظام الدين في كتابه: وأمّا دلالة النّص، فهي ما علم علّة الحكم المنصوص عليه لغةً، لا اجتهادًا واستنباطًا. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإنّ للتأفيف صورة معلومة، ومعنًى لأجله ثبت الحكم، وهو الأذى المعلوم بالنّصِّ لغةً يفهمه كل من فهم اللغة.

стр. 295

وعلى هذا: أوجبنا حد قطاع الطريق على الرّد بدلالة النّص؛ لأنّ العادة المجازية، وصورة ذلك بمباشرة القتال. ومعناها لغةً: نهي العدو، والتخويف على جهة ينقطع بها الطريق. وهذا معنى معلوم بالمحاربة لغةً. والرّدُّ مباشرٌ كذلك كالمقاتل. ولهذا: اشتركوا في الغنيمة، فيقام الحدّ على الرّدّ بدلالة النّصِّ من هذه الوجوه. وحاصله أمران: التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بالشيء على ما يساويه. أمّا على الأعلى: فنوعان: قطعيٌّ جليٌّ إن اتفق على طريق تعين مناطه. وظنيٌّ خفيٌّ، إن اختلف فيه. أمّا القطعي: فمن أمثلة ما فهم من حرمة التأفيف، حرمة الضرب، كما مر. وهما معلومان لغةً صورةً ومعنًى. وصورة التأفيف: التصويت بالشفتين عند الكراهة. ومعناه: المقصود الأدنى المتحقق. ومثله: ما فهم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا

стр. 296

يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. جزاء ما فوقها. ومن ﴿بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. بأدائه ما دونه. وأمّا الظَّنِّيُّ: فكما في إيجاب الكفارة على المفطر في رمضان بالأكل والشرب خلافًا للشّافعي، بدلالة سؤال الأعرابي بقوله: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا، مرتبًا عليه قوله: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْت (١). عن الجناية على الصّوم، بتفويت ركعةٍ التي هي معنى الموافقة، لا عن الوقاع من حيث هو. وذا مما يفهم لغة. فكذا جوابه ﷺ عن حكم الجناية لوجوب التطابق خصوصًا عن أفصح النّاس، والوقوع إليها متحققة فيها، بل أولى لكون خوض الصّائم عليها أشد. وسوقه إليهما أحد بمصادقة شرع الصوم. وفيهما الغالبُ، وكونه وجاء. فالظّن من اختلافهم: أنّ طريق فهم المناط يفضي إلى أنه الجناية المطلقة والمقيدة.

стр. 297

وأمّا على المساوي، فكإيجاب الكفّارة على المراد، لتحقق الجناية. وكونه معنًى مطّردًا منقولًا لغةً. وكإثبات حكم النسيان الوارد في الأكل والشرب والوقاع بمعنى كونه مساويًا محمولًا عليه طبعًا، وذا مفهومه لغة. وميل الطبع إليها مساوٍ. وكان نظيرهما وشمول كلٍّ منهما قصورًا، وكمالًا، فلهما مزية في أسباب الدعوة، وقصور في حالهما، إذ لا يغلبان البشر، وهو بالعكس، تحقق المساواة. ومن هنا لم يمكن الجماعُ ناسيًا في الصوم كالأكل ناسيًا في الصلاة. فإن قيل: اشتبه الفهم في هذه المسائل على فقيهٍ تبرز في طرق الفقه بعد أن بلغه الأدلة. فكيف يكون مفهومًا لغويًا ومناطًا قطعيًا صالحًا لإثبات ما يندرئ بالشبهات. أجيب: بأنّ معنى لغويته عدم توقف فهم مناطه على مقدمة شرعية من تأثير نوعٍ أو جنسه في نوع الحكم أو جنسه شرعًا بخلاف القياس؛ لا فهم كل أحد المعنى. ومعنى قطعيته: قطعية مفهوميته بالمعنى المذكور كالجناية من سؤال الأعرابي، لا قطعية دليل مناطيته ولا قطعية تعدي الحكم إلى الملحق، ولا قطعية كونه أجلى أو مساويًا. * تتمة: قال بعض الأصوليين: ليس للأدلة عمومٌ؛ لأنّ معنى النّص إذا ثبت علةً لا يحتمل أن لا يكون علّة، والإشارة تصلح لهُ. ومعناهُ: أن العلّة لا تخصص؛ لأنّها مدار الحكم وملزومه، فلو وجد دليل العرض عليها لجاز نسخًا لا تخصيصًا. وكذا الإشارة عند بعضٍ. منهم: أَبو زيدٍ، لما لم يسق الكلام. والأصحُّ: أنّها قد تخصص. كما

стр. 298

مال الإمام الشافعي بتخصيص إشارة قوله تعالى في حقّ الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. إِلَى أن لا يصلي عليهم في حقّ حمزة حيث صلى عليه ﷺ حين استشهد سبعين مرة. وألحقَ هنا الفرق على أن العموم للمنطوق لا للمفهوم. وعليه: قبول التخصيص. والله أعلم. * فائدة: في التوكيل في النكاح ، وفيما لا يضاف إليه، ليس للوكيل أن يضيف القبول فيه إلى نفسه؛ لأنه متى أضافه إلى نفسه انعقد له؛ لأنّه عقدٌ لازمٌ، لا يقبل الانتقال، ولا يتخلّف الحكم عن سببه، فيلزمه إذًا جميع ما يترتب عليه ذلك من الحقوق. والمخلص من هذا، والطريق الصحيح: أن يقول: زوّجت موكلتي نفسها من موكّلك فلانٍ الفلاني على صَداقٍ مبلغه. كذا حالًا أو مؤجّلًا. فيقول الوكيل: قبلَ موكّلي هذا النكاح بهذا الصَّداق على حكمه ورضي به. وسئل ﵀ عن رجلٍ، اشترى من آخرَ صابونًا، وقد أحضر البائع عينًا، أيّ: أنموذجًا. فابتاع منه مقدارًا. فأجاب: إن كان أشار إلى الصابون صحّ في قدره. وإن لم يكن أشار إليه، فإن عين مكانًا من الأمكنة به صابون. صحّ. وللمشتري خيار الرؤية وإن لم يكن كذلك، فالبيع باطلٌ. والله أعلم. * * *

стр. 299

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [٩] الأَصْلُ فِي بَيَانِ الفَصْلِ والوَصْلِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 300

(٩) الأَصْلُ فِي بَيَانِ الفَصْلِ والوَصْلِ قال ﵀: قد سألني بعض أجلاّء مشايخي من غير أرباب المذهب، عن وصل التطوع بالفريضة. وذكر لي: أن بعض علماء الحنفية ذكر له: أنما ذلك اختيار الإمام حافظ الدين النسفي، ولا يعرف لمن تقدمه من أئمتنا. فقلت: إن المسألة مسطورة في كتب جماعةٍ قبل النسفي. فسألني: أن أكتب له ذلك. فقلت مستعينًا بالله : قال الإمام محمد بن الحسن في الأصل: وإذا سلّم الإمام من الظّهر أو المغرب أو العشاء، كرهتُ له المكث قاعدًا. ولم أكرهه في الفجر والعصر، فإن شاء أن يصلي تطوعًا في الظهر والمغرب والعشاء لم يصلّ في مكانه بل يتأخر فيصلي خلف المقام أو حيث أحبّ من المسجد، خلا مكان الإمام. وساقه في خلاصة الفتاوى (١) وبلفظٍ آخرَ، فقال: وإذا سلَّم الإمام من

стр. 301

الظُّهر أو المغرب أو العشاء كرهت له المكث قاعدًا لكنَّه يقوم إلى التَّطوُّع، ولا يتطوَّع في مكان الفريضة ولكن ينحرف يمنةً أو يسرةً أو يتأَخَّر، وإن شاء رجع إلى بيته يتطوَّع وإن كان مقتديًا، أو يصلِّي وحدهُ إن لبث في مكانه يدعو جاز. وكذا إن قام إلى التَّطوُّع في مكانه أو تقدَّم أو تأخَّر أو انحرف يمنةً أو يسرةَ جاز والكلُّ سواءٌ (١).

стр. 302

وقال في البدائع (١): وروي عن محمَّدٍ أنه قال: يستحبُّ للقوم أيضًا أن ينقضوا [الصُّفوف] ويتفرَّقوا.

стр. 303

وقال فِي شرح الشَّهيد: القيام إلى السُّنَّة متَّصلٌ بالفرضِ مسنُونٌ (١). وكذا قال البَقَّالِيّ (٢). وقال في الذخيرة: وإذا فرغ الإمام من صلاته: أجمعوا على أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة سائر الصلوات في ذلكَ سواءً. وبعد ذلك ينظر إن كانت صلاة لا تطوع بعدها، يتخير إن انحرف عن يمينه أو يساره، وإن شاء ذهبَ في حوائجه، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إذا لم يجد أيّة رجلٍ يصلي، ولم يفصل فيما إذا كان المصلي في الصف الأول أو الأخير. وهذا ظاهر المذهب. وأمّا إن كانت صلاة بعدها تطوع كالظهر والمغرب والعشاء، يقوم للتطوع، ويكرهُ له تأخير التطوع عن حالٍ أداء الفريضة. وإذا قام إلى التطوع لا يصلي في المكان الذي صلّى فيه المكتوبة. بل يتقدم أو يتأخر أو ينحرف يمينًا أو شمالًا أو يذهب إلى بيته فيتطوع. ثَمَّة قال شيخ الأئمة الحلواني (٣): وهذا إذا لم يكن من قصده الاشتغال

стр. 304

بالدعاء، فإن كان له وردٌ يقضيه بعد المكتوبات، فأراد أن يقضي ورده قبل أن يشتغل بالتطوع، فإنه يقوم عن مصلاه، فيقضي ورده. وإن شاء جلس في ناحية من المسجد فقضى ورده، ثم قام إلى التطوع. فمن الصحابة من كان يقضي ورده قائمًا. ومنهم من كان يجلس في ناحيةٍ من المسجد فيقضي ورده، ثم يقوم إلى التطوع. فالأمر فيه واسعٌ. وهذه من شرح الحلواني. وما ذكرهُ شمس الأئمة (١) دليل جواز تأخير السنن، عن أداء الفريضة. هذا الذي ذكرنا في حق الإمام. وأمّا المنفرد والمقتدي: فإن أتيا بالتطوع في مصلاهما ويدعوان جاز. وإن أقاما التطوع في مكانهما، وإن تراخيا عن مكانهما وأقاما في مكانٍ آخرَ، جازَ. انتهى. وصرّح بكراهة تأخير التطوع عن الفريضة في الاختيار وشرح المختار. وقال: لأنهّ ﷺ كانَ لا يمكث إلاَّ قدر أن يقول: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَاركْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ" (٢). وقاله في الشافي.

стр. 305

وقال في البدائع (١): إذا فرغ الإمامُ من الصَّلاة فلا يخلُو (٢): إمَّا أن كانت صلاةً لا يصلَّى (٣) بعدها سنَّةٌ: كالفجر والعصر، فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدُّعاء؛ لأَنَّه لا تطوُّع بعد هاتين (٤) الصَّلاتين [فلا بأس] بالقعود، إلاَّ أنَّه يكرهُ له ذلك المكث على هيئته (٥) مستقبلَ القبلة، لما روي عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كاَنَ إذَا فَرَغَ مِن الصَّلاةِ لاَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ إلاَّ مِقْدَارَ مَا يَقُولَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ. تَبَاركْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ" (٦). وروي: [أنَّ] جلوس [الإمام] في مصلاَّه بعد الفراغ مستقبل القبلة بدعةٌ؛ ولأنَّ مكثه يوهم الدَّاخل أنَّه في الصَّلاة فيقتدي به فيفسد اقتداؤه، وكان (٧) المكث تعريضًا لفساد (٨) اقتداء غيره به فلا يمكث، ولكنَّه يستقبل

стр. 306

القوم (١) بوجهه إن شاء، إن لم يكن بحذائه أحدٌ يصلِّي، لما روي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ أَصْحَابَهُ، وَقَالَ: "هَلْ رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا؟ " (٢)، كَأَنَّهُ [كَانَ] يَطْلُبُ رُؤيا فِيهَا بُشْرَى فَتْحِ (٣) مَكَّةَ. فإن كان بحذائه أحدٌ يصلِّي لا يستقبل القوم بوجهه؛ لأنَّ استقبال الصُّورة في الصَّلاة مكروهٌ، لما روي: أَنَّ عُمَرَ [﵁] رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي إلَى وَجْهِ غَيْرِهِ، فَعَلاهُمَا بِالدِّرَّةِ. وَقَالَ لِلْمُصَلِّي: أَتَسْتَقْبِلُ (٤) الصُّورَةَ؟ وَلِلآخَرِ: أَتَسْتَقْبِلُ (٥) الْمُصَلِّي بِوَجْهِكَ؟ (٦). وإن شاء انحرف؛ لأنَّ بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول بالاستقبال. ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف: قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبرُّكًا بالتَّيامن (٧). وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى اليمين. وقال بعضهم: هو مخيَّر، إن شاء انحرف يمنةً، وإن شاء يسرةً، وهو

стр. 307

الصَّحيحُ؛ لأنَّ ما هو المقصود من الانحراف (١)، وهو: زوال الاشتباه يحصل بالأمرين جميعًا. وإن كانت صلاةً بعدها سنَّةٌ يكره له المكث قاعدًا. وكراهة القعود مرويَّة عن الصَّحابة [﵃]. روي عن أبي بكرٍ وعمر ﵄: أَنَّهُمَا كَانَا إذَا فَرَغَا مِن الصَّلاةِ قَامَا كَأَنَّهُمَا عَلَى الرَّضْفِ (٢).

стр. 308

ولأنَّ المكث يوجب اشتباه الأمر على الدَّاخل فلا يمكث، ولكن يقوم ويتنحَّى عن ذلك المكان، ثم ينتقل (١)؛ لما روي: عن أبي هريرة [﵁]، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ" (٢). وعن ابن عمر [﵁]: أَنَّهُ كَرِهَ لِلإِمَامِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى (٣) فِيهِ. ولأنَّ ذلك يؤدِّي إلى اشتباه الأمر على الدَّاخل، فينبغي أن يتنحَّى إزالةً للاشتباه أو استكثارًا من شهوده (٤) على ما روي: أَنَّ مَكَانَ الْمُصَلّي يَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 309

وأمَّا المُقتَدُونَ (١): فبعض مشايخنا قال (٢): لا حرج عليهم في ترك الانتقال (٣) لانعدام الاشتباه على الدَّاخل عند معاينة فراغ مكان الإمام عنه. وروي عن محمَّدٍ أنَّه قال: يستحبُّ للقوم أيضًا: أن ينقضوا الصُّفُوف ويتفرَّقُوا ليزول الاشتباهُ على الدَّاخل المعاين الكلَّ في الصَّلاة البعيدة عن الإمام، ولما روينا من حديث أبي هريرة [﵁]. انتهى. وقال حافظ الدين (٤) في كتابه: أمّا السنن التي بعد الفريضة فيأتي بها في المسجد في مكانٍ صلّى فيه فرضه بالأولى أن يتنحّى خطوة، والإمام يتأخّر عن مكانٍ صلّى فيه فرضه لا محالة. انتهى. وهذا لا يستلزم الوصل، فظهرَ: أنّ ما عُزِيَ للنسفي ليس صريحًا عنه. وأن المسألة صريحةٌ عن من هو أقدم منه. فموت النسفي بعد العشر وسبع مئة. وموت صاحب الاختيار في تاسع عشر المحرم سنة ثلاثة وثمانين وست مئة. وموت الحسام الشهيد سنة ست وثلاثين وخمس مئة. وموت صاحب البدائع سنة سبع وثمانين وخمس مئة.

стр. 310

وموت البقالي: سنة اثنين وسبعين وخمس مئة. وموت الحلواني سنة ثمانية وأربعين وأربع مئة. وأمّا ما حكاه الحلواني، عن الصّحابة. فلم أقف عليه. وأمّا حديث عائشة الذي أخرجه صاحب البدائع: فأخرجه مسلم، والترمذي (١). وأمّا قوله: ورويَ [أنَّ] جلوس [الإمام] في مصلاَّهُ. . . إلخ. فأخرجه ابن أبي شيبة (٢)، عن عمر: أنّه قال: جلوسُ الإمامِ بعد السّلام بدعة. وأمّا حديث: كان إذا فرغ من صلاة الفجر. . . فمتفقٌ عليه (٣). وفي الباب: ما هو أعمّ منه. وهو ما روى سَمُرة قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. أخرجه البخاري (٤). وأمّا قول: لما روي: أنّ عمرَ: أنّه رأى رجلًا يُصَلِّي، وَوَجْهُهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَلَمْ أَرَهُ فِي الْبَابِ.

стр. 311

ما رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه (١)، عن عطاء بن يسار (٢): قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَسْتَقْبِلُ الصُّورَةَ". وما رواه الدارقطني (٣)، عن ابن الحنفية: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي إِلَى رَجُلٍ، فَأَمَرَه (٤) أَنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ أَتْمَمْتُ الصَّلاَةَ. فَقَالَ: "إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إلَيْهِ مُسْتَقْبِلَهُ". وقد جاء في الانحراف: ما رواه الأثر، عن يزيد بن الأسود قال: صلّيتُ مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ الفجرَ، فَلَمَّا سلَّمَ انْحَرَفَ (٥). وعن ابن مسعودٍ أَنَّهُ قالَ: لاَ يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ حَظًّا لِلْشَّيْطَانِ مِنْ صَلاَتِهِ، يَرَى حَقًّا عَلَيْهِ: أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِيْنَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ مَا يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ. رواهُ مسلم (٦).

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 313

ولأبي داود (١)، عَنْ هلب: أنّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ. وأمّا ما روي عن أبي بكرٍ وعمر: فروى الطبراني (٢)، عن أنس بن مالكٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ ،

стр. 314

فكان ساعةَ يسلّمُ. يقوم: ثم صلّيت مع أبي بكرٍ، فكان ساعةَ يصلي يقوم، ثم صلّيت مع عمر، فكان إذا سلّم وثب كأنّه يقوم من رضفةٍ (١). ورأى ذلك فيما بعد التشهّد الأوّل.

стр. 315

روى ابن أبي شيبة (١)، من طريق تميم بن سلمة: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرضف (٢) - يعني: حتى يقوم -. وأخرجه من طريقٍ آخرَ (٣) بلفظ: وَكَانَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الْجَمْرِ حَتَى يَقُومَ. وأمّا حديث أبي هريرة: فأخرجه أَبو داود، وابن ماجه (٤). وهو عامٌّ. والذي يخصُّ الإمام: ما رواه أَبو داود، وابن ماجه، عن المغيرة بن شعبة: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ يُصَلِّي الإمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ" (٥).

стр. 316

وفيه: لفظ: "فَلاَ يَتَطَوع الإمام في مكانه الّذي صلّى فيه بالنّاس" (١). أَمَّا أثرُ ابن عمر: فأخرجه ابن أبي شيبة، عن عطاء: [أن] ابن عبّاس وابن الزّبير وأبا (٢) سعيد وابن عمر كَانُوا يَقُولُونَ: لاَ يَتَطَوَّعُ حَتّى يَتحَوّلَ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيْهِ الْفَرِيضَةَ (٣). وفي سنده: رجلٌ متّهم. وأخرج (٤)، عن ابن عليّة، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي سُبحته (٥) مَكَانَهُ. وأخرج من طريقٍ آخر (٦)، عن نَافعٍ: أنَّ ابن عمرَ كَانَ لا يرى بذلك بأسًا. وأمَّا أنّ مكان المصلي يشهد لهُ: فلم أقف عليه. وإنّما روى الإمام أحمد، والترمذي، عن أبي هريرة قال: قرأ

стр. 317

رسول الله ﷺ : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. قال: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ ". قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: "وَإِنَّ أَخْبَارَهَا: أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، [أَنْ] تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا في يَوْمِ كَذَا، فَهَذِهِ (١) أَخْبارُهَا" (٢). والحاصل: استحباب تبدّل هيئة الإمام بعد الفراغ، وكراهة بقائها، واستحباب ذلك للقوم أيضًا. والتخيير بين التطوع في المسجد وعدمه عقيب الفرض. هذا ما ورد عن المتقدمين، وكراهة تأخير التطوع عن الفريضة وسنّة المتأخرين، ولم أرَ لهم دليلًا على ذلك إلاّ ظاهر حديث أنس المتقدم، وما يشير إليه حديث أبي هريرة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيَعْجَزُ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ" (٣). رواه أَبو داود، وابن ماجه.

стр. 318

ويردّ عليه: ما رواه مسلم في صحيحه (١)، عن السائب (٢) بن أخت نَمِر: أَنَّهُ قالَ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ لاَ نُوصِلَ صَلاَةً حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ (٣). وما روى أَبُو داود (٤)، عَنْ أَبَي رِمْثَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلاةَ [أَوْ مِثْلَ

стр. 319

هَذِهِ الصَّلاةِ] مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ تَكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَةً، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِه، حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -، فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ (١) الأُولَى (مِنْ الصَّلاةِ يَشْفَعُ) (٢) فَوَثَبَ [إِلَيْهِ] عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ أَنَّهُم (٣) لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ (٤) فَصْلٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ (٥)، فَقَالَ: "أَصَابَ اللهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ". فَإِنّ أخذ الفصل باستدلالهم بحديث عائشة اندفع هذا، وأنّ المنع مقدّم على الإباحة عند التعارض؛ لأن ذلك صريح فكيف وهو محتمل مع ما فيه من التكلّف. وورد لنا عن أبي هريرة: أنّ النبي ﷺ قال لِفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ: "أَلاَ أُعَلِّمُكُمْ

стр. 320

شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبّقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدكُمْ؟ وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ: تُسَبِحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ [مَرَّةً]. . . الحديث". أخرجاه (١). فإن قيل: هذا يصدق بما إذا قال عقب السنة من غير اشتغالٍ بما هو من توابع الصلاة. قلت: نعم. إذا ورد ما يقتضي الوصل أو كراهة الفصل حمل على ذلك. أمّا إذا لم يرد فلا يصرف عن حقيقته. وبالجملة: فالرّاجح عندي: ما روي عن المتقدمين وكراهة الوصل والإباحة مع الفصل بنحو ما ورد كحديث ثوبان قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ إذا انصرفَ من صلاته: استغفر الله ثلاثًا. وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ". رواهُ الجماعة إِلاَّ البخاري (٢). وحديث عبد الله بن الزبير: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ حِينَ يُسَلّمُ:
следующие страницы →