← Джавами‘

Джавами‘ · id 16817

مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا

ابن قطلوبغا

Полный текст (694 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الولد إذ ذاك نحو أربع سنين لرجل يقال له القاضي صدر الدين، فأقاموا في ملكه فبعد بلوغ شعبان كان معترفاً بالرّق لسيّده، ثم بعد ذلك ادّعى عُمر زوج وزيرة: أن شعبان ابنه وصدّقه الولد وأمه على ذلك. وذهبوا إليه. فهل يثبت نسبه بهذه الدعوى أم لا؟ وهل يستحق عمّن يملك الولد على السيّد أم لا؟ وهل يعتق بذلك أم لا؟ وهل للسيد التصرف بعد هذه الدعوى أم لا؛ أفتونا ماجورين. فأجاب ﵀: لا يثبت نسب الولد المذكور إلاّ أن يصدّقه المالك ولا يستحق المدعي ملكاً على السيّد بهذه الدّعوى، ولا يعتق العبد. وللمالك أن يتصرّف فيه بسائر التصرفات الشرعية ولا عبرة لتصديق الولد؛ ولا أمّه في هذه الحالة. والله أعلم. قال ﵀: ثم وقفت على السؤال وقد كتبت عليه: كل من يكتب على الفتوى في بلدنا من الحنفية: أنه يثبت نسب الولد بدون تصديق المالك. فكتبت: أمّا مستندي فيما كتبت فقول صاحب البدائع (١): وإن لم يكن الولد في يد نفسه، فإمّا أن يكون مملوكاً، وإمّا أن لم يكن، فإن كان ملك غيره وقت الدعوى، فإن كان علوقه في ملك المدعي يثبت نسبه بنفس الدعوى أيضًا. وإن لم يكن علوقه في ملكه لا يثبت النسب إلا بتصديق المالك على ما ذكرنا. والله أعلم. * * *

стр. 632

"وسئل ﵀ عمّن باع فضّة قرضٍ حجر بفلوسِ مؤجّلةٍ. فأجاب: بأنه لا يجوز لتصريح الأصحاب، بأنّ النقرة من جنس الثمن، وأصل الثمن وتصريحهم بأن الفلوس النافقة ثمن وبيع أحد الثمنين المختلفي الجنس بالآخر نسبة لا يجوز وإن جعلت الفلوس قروضاً لإقدامهما على تأجيلها على قول أبي حنيفة وأبي يوسف. فلا بد أن يجعل مسلماً فيها. وإذا قلنا بجواز السلم بلفظ البيع على الرّاجح فشرطه استيفاء شرائط السلم. كما قال في المنتقى: وينعقد السلم بلفظ البيع والشراء إذا وجد شرائط السلم ولم يستوف هنا قول الإمام وهو المفتى به. والله أعلم. * * * * و سئل ﵀: عمّن باع داراً بيع التقاضي وقبض بعض الثمن، ثم أقبض الباقي بعد هذه . ووقع التكاتب عند ذلك، وقد كان المشتري أباح شخصاً السكنى في الدار. فهل البيع صحيح أم لا؟ وهل يتوقف على الكتابة؟ وهل للبائع أو المشتري الرجوع على المباح له السكنى بأجرة المثل؟. وهل للذي أباح أن يرجع عن الإباحة أم لا؟. فأجاب: أن البيع صحيحٌ وإن لم يقبض كل الثمن. وأنه لا يتوقف على المكاتبة عند أحدٍ من علماء الأمّة. وليس للبائع ولا للمشتري رجوع على المباح السكنى بشيءٍ لا أجرةَ مثل ولا غيرها. وإن قلنا بصحة البيع ولا إن قلنا بعدم صحّته، وللمبيح الرجوع متى شاء. والله أعلم. وهذا بناء على الصحيح في صحّة بيع التعاطي والاكتفاء بقبض أحد البدلين. وأمّا عدم رجوع المبيع فظاهرٌ إذا قلنا بصحّة البيع.

стр. 633

ولو قيل بعدم صحة البيع على قول الكرخي فعنده: المنافع لا تضمن. والله أعلم. * * * * مسألة: رجل باع رجلاً سكراً ووزنه له، فألقى له ذهباً بمقدار الثمن، ونظر البائع إلى الذهب فوجد ديناراً منه ردياً. فقال له أبدله. فألقى له غيره ولم يأخذ الأول حتى ضاعا جميعاً. فما الحكم؟. أجباب: إن كان الدينار الذى ألقاه جيداً فهو للسكري من ثمن سكره. والله أعلم. * * * * و سئل عن رجل باع عن رجلٍ فصاً من ياقوت أحمر فى خاتم من ذهب بثمن معلوم ودفع للبائع الخاتم إلى المشتري وفيه الفصّ، فضاع عند المشتري فماذا يلزم المشتري. أجاب: إن كان الفصّ يمكن نزعه من غير ضررٍ فهذا قبض وعليه ثمن الفص ولا شيء عليه فى الخاتم. وإن كان لا يمكن نزعه إلا بضرر فليس هذا القبض بصحيحٍ. وقد أفسخ البيع قبل القبض بهلاك المبيع ولا شيء على المشتري. والله أعلم. * * * * و سئل عن رجلٍ باع ثوباً بَعْلَبَكياً معلوماً بينهما، وديناراً ذهباً بمئة وخسمين درهما إلى ستة أشهر.

стр. 634

فأجاب: بأن البيع باطل بينهما جميعاً لا يجوز لا في الثوب ولا في الدينار. والله أعلم. * * * * و سئل عن رجلٍ باع ديناراً بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملة الآن، ثم اشترى منه منديلاً إسكندريًّا معلوماً بينهما بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملةً الآن، واشترى المنديل المذكور قبل بيع الدينار. فما الحكم؟. أجاب: إن كان الصّرف قد وقع أوّلاً لا يكون هذا قصاصاً. وإن تقابضا قبل الاقتراض بل على مشتري الدينار أن يدفع الفضة، فإذا قبضها البائع دفعها عن ثمن المنديل، وإن كان افترقا قبل هذا بطل الصّرف. ولبائع المنديل ثمنه عند مشتريه. ولمشتريه ديناره عند البائع، وإن لم يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع، وإن وقع بيع المنديل أوّلاً وتقابضا، وجعل مشتري الدينار الفضّة قصاصاً قبل أن ينصرفا، صار قصاصاً، وإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع. والله أعلم. * * * * و سئل عن رجلٍ اشترى من صيّادِ سمكةً ودفع ثمنها . والحال: أن المشتري ناظر إلى العين المبيعة وهي بينهما، فاندفعت إلى البحر فهل يعد وزنها تسليماً حتى يكون من ضمان المشتري أو لا يكون تسليماً حتى تسلم باليد؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين. نعم. وزنها تسليم على قول بعض المشايخ على الصحيح. فهذه التخلية

стр. 635

الحاصلة بعد تمام العقد إلى اندفاعها في البحر كان يمكن المشتري قبضها فيها، فتكون التخلية تسليمًا، فتكون السمكة من ضامن المشتري. قال ﵀: ثم وقفت على جواب لبعض الحنفية صورته: الحمدُ لله الذي به أستعين، نعم المولى ونعم المعين. أقول - وبالله التوفيق -: لا يسمّى مثل هذا تسليماً حقيقةً، وإن حصلت التخلية بينه وبين المشتري صورة في الجملة فلا بد من تسليمه إيّاها باليد حقيقة لكونها بمنزلة السمكة في البحر حكمًا من حيث قيام المانع من التسليم، وله نظائر كثيرة مذكورةٌ في الفقه. وكتب الشيخ - رحمةُ الله عليه -: التسليم باليد ليس مذهب علمائنا، فلا يخفى بطلان ما ذكر على ذي لبٍّ والقواعد والنواظر ناطقةٌ بموافقة ما ذكرنا (١) ومخالفة ما ذكر. قال في الذخيرة (٢): وتسليم المبيع: هو أن يخلي (٣) بين المبيع وبين المشتري على وجه يتمكن المشتري من قبضه من غير حائلٍ (٤)، وكذا التسليم في جانب الثمن. وقال الشَّافعي: التَّخلِيَةُ ليست بقبضٍ. والصحيح مذهبنا؛ لأنّ (٥) التسليم مستحق على البائع، وما يستحق على

стр. 636

الإنسان يجب أن يكون له طريق [الخروج] عن عهدته بنفسه، ولو توقف ذلك (١) على وجود الفعل من غيره، وذلك الغير مختارٌ (٢) في الفعل يبقى هو في عهدة الواجب. انتهى بحروفه. وقال في السير الكبير: إذا ولّى الإمام رجلاً ببيع الغنائم، فجعل ذلك الأرماك (٣) في حظيرة وباع رمكةً منها رجلاً وقال للمشتري ادخل الحظيرة واقبض الرمكة. قد خلّيت بينك وبينها. فدخل الحظيرة لقبض الرمكة فعالجها، فانفلتت منه، وخرجت من باب الحظيرة وذهبت ولا يدري أين ذهبت ينظر في ذلك، فإن كان المشتري لا يقدر على أخذها فالهلاك على البائع؛ لأن المشتري لم يصر قابضاً لها حقيقةً، وهذا ظاهر، ولا حكماً؛ لأنّه لم يتمكن من قبضها إذا كان لا يقدر على أخذها. وإن كان المشتري يقدر على أخذها فالهلاك على المشتري؛ لأنه صار قابضًا لها حكماً؛ لأنّ في هذا يستوي الجواب بينهما إذا كان المشتري يقدر على أخذها من غير كلفةٍ ومشقّةٍ. ففي الحالتين يصير قابضاً لها بالتخلية؛ لأنّ في هذا الباب للتمكّن من القبض لا غير، ثم قال: وقعت فتوى في زماننا: أن رجلاً اشترى بقرةً من رجلٍ وهي في المرعى. فقال له البائع: اذهب فاقبض البقرة. فأفتى بعض مشايخنا: أنّ البقرة إذا كانت بمرأى العين بحيث يمكن الإشارة إليها وهذا قبض وما لا فلا.

стр. 637

وهذا الجواب ليس بصحيح. والصّحيح: أن البقرة إذا كان يتمكن المشتري من قبضها لو أراد، فهو قابضٌ لها بدليل مسألة الرمكة التي ذكرناها. انتهى. والله أعلم. * * * * و سئل ﵀: عن رجلٍ اقترض من رجلٍ مالاً على تركةِ فلان ، ثم أحال المقرض على رجلٍ غائبٍ بالقدر الذي اقترضه، ثم بعد ذلك صدر بين المقرض والمقترض براءة جامعة وإقرار بعدم الاستحقاق محكوم بموجب ذلك من حاكمٍ حنفي فادّعى المحال عليه بأنّ الحوالة باطلة. وأجيب بذلك، فهل للمقرض الرجوع بعد البراءة والحكم بموجبها أم لا؟. والجواب: ملصق على الإقرار بالقرض والحكم. إلخ. وعليه جواب شافعي صورته إن كان اقترض على جهة التركة. فلا يصحّ القرض ولا الحوالة وله الرجوع على المقترض وتحته جواب الحنفي صورته ما لم يوجد القرض بشرطه والحوالة بشرطها فله الرجوع بطريقه شرعاً كما أفتى به فلان. وإلى جواب الكافيجي: عقد القرض ليس بلازمٍ لا سئما على التركة. كما لا يجوز القرض على الوقف. وله الرجوع بعد الحكم والإبراء مع كلام آخر غير معتبر. فكتب الشيخ ﵀: ليس له الرجوع وهذه الأجوبة كلها باطلة. أمّا الشافعي: فلأنه مسبوق بحكم الحنفي الذي شاهده. وكتب تحته من غير علمٍ بمذهب الحاكم.

стр. 638

وأمّا الحنفي: فقد أخطأ مذهبه. قال الإمام الأسروشني (١) في فصوله: رجلٌ أبرأ رجلاً عن الدّعاوى والخصومات، ثم ادّعى عليه مالاً بالإرث من أبيه إن مات أبوه قبل إبرائه، صح الإبراء ولا تسمع دعواه وإن لم يعلم هو بموت الأب عند الإبراء (٢). وقال في فتاوى قاضي خان: اتفقت الروايات على أن المدعي لو قال: لا دعوى لي قبل فلانٍ ولا خصومة لي قبل فلانِ يصحّ حتى لا تسمع دعواه إلا في حق حادثٍ بعد البراءة. وهنا لم يكن كذلك؛ لأنّ الحوالة لم تنقل الدين من ذمة المقترض عندنا لغيبة المحال عليه وعدم رضاه ولا عبرة بظن المحتال وحيث كان المال في ذمّته فالبراءة صحيحة وإن لم يعرف المبرئ أن الذّمة مشغولة بالدين كما نقلناه. وقول المجيب الثالث: إن عقد القرض غير لازم خطأٌ لقول علمائنا: إنّ القرض يملك بالقبض عند أبي حنيفة وبالاستهلاك عند أبي يوسف. وقوله: كما لا يجوز القرض على الوقف خطأٌ أيضاً. لقولهم بجواز الاستدانة على الوقف بإذن الحاكم بلا خلاف، وبدون إذنه على الخلاف. وأمَّا قوله: إن له الرجوع فخطأ أيضاً. وقد علم وجه ذلك من الكلام على ما قبله. والله أعلم.

стр. 639

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [٢٤] [رِسَالَةٌ في] حَفْرِ المُرَبَّعَاتِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 640

(٢٤) [رِسَالَةٌ في] حَفْرِ المُرَبَّعَاتِ * سئل - رحمه الله تعالى - عن رجلٍ استأجر أُجراء يحفرون له مربعة عمقها قامتان وأزيد ليغرس فيها الكرم، فانهدمت حائط من حيطان المربعة على بعضهم في حالة الحفر، فمات فهل يهدر دمه أو يطالب به رفقته أو يطالب به المستأجر؟ وماذا يجب في ذلك؟. فأجاب: لا مطالبة على المستأجر وعلى الرفقة الذين يحصصهم وتقسط حصّة الميت. وهذا مما لا خلاف عندنا نعلمه في ذلك. فلفظ الرواية هكذا: ولو استأجر أربعة نفرٍ يحفرون له بئرًا فوقعت عليهم من حفرهم فمات أحدهم، فعلى كلّ واحدٍ من الثلاثة ربع الدّية وهدر الربع؛ لأنّه حصل بجنايتهم. والله أعلم. فأحضر إليه سؤال ثانٍ في رجلٍ استأجر ثمانية رجالٍ يحفرون له مربعة في رملٍ عمقها قامتان وأزيد ليغرس فيها الكرم، فانهدمت حائط من حوائطه الأربعة على اثنين منهم في حالة الحفر، فماتا. فهل يهدر دمهما أو يطالب به رفقتهما، أو يطالب به المستأجر. وماذا يجب في ذلك؟. وعليه جوابٌ صورته:

стр. 641

الحمدُ لله المنعم بالصّواب. لا ضمان على أحدٍ ممن ذكر في ذلك، ولا مطالبةَ فيه والحالة هذه. والله أعلم. قال الشيخ ﵀: فخشيت أن يخفى جوابي ويظهر هذا للحكام الذي يخفى عليهم بعض الأحكام الشرعية. فكتبت إلى جانب ذلك الجواب، ما صورته: الحمد لله. ربّ زدني علماً. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. لا يهدر ذمّتهما، ويطالب رفقتهما بديتهما، فعليهم دية ونصف دية لأولياء كل واحدٍ منهما: ثلاثة أرباع دية، ويهدر ربع هذا مما لا خلاف فيه عندنا. وأمّا المستأجر فلا شيء عليه. والحالة هذه والله أعلم. وخشيت من أصحاب الأغراض الفاسدة أنهم يحتجون في مثل هذه الواقعة بذلك الجواب ويقولون: قد أجاب فلانٌ في مثل هذا بكذا، كما يقولون في أحكام بإجماع المسلمين صدرت من بعض الحكام: قد حكم فلانٌ في مثل هذا بكذا، فعلقت هذا التعليق وضفنته عبارات كتب علمائنا ليتمكّن القائم لله من الرّد على المبطلين. فعبارة التجريد والإيضاح والمفيد والمزيد (١): ولو استأجر أربعة نفرٍ

стр. 642

يحفرون له بئراً، فوقعت عليهم من حفرهم، فمات أحدهم، فعلى كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة ربع الدِّية (١)، وهدر الرُّبع؛ لأنّه حصل بجنايتهم جميعاً (٢). انتهى بحروفه. وعبارة المبسوط (٣): ولو كان الأجراء أربعة فوقع عليهم من حفرهم، فمات واحدٌ ضمن الثلاثة. كلّ واحدٍ ربع الدية (٤) وهدر ربع الدية؛ لأن الأجراء مباشرون للإتلاف؛ لأنّ البئر إنما انهارت عليهم من حفرهم، فصارت كما لو استأجر أجراء لهدم حائط فسقط حالة الهدم من أيديهم شيءٌ على إنسافي ضمن الهادمُ؛ لأنّه مباشرٌ. فكذا هذا. والأمر سبب والضط ن على المباشر دون السبب. فقد تلفَ المقتول بجنايته وبجناية ثلاثة من أصحابه وجنايته مهدرة، وجناية أصحابه معتبرة. كما لو جرح نفسه جراحة وجراحة

стр. 643

ثلاثة ضمنوا ثلاثة أرباع الدية. فكذا هذا. انتهى. وهذه عبارة المحيط والذخيرة أيضاً. وعبارة القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان (١): رجلٌ استأجر أربعةَ رهطٍ يحفرون له بئراً فوقعت من حفرهم، فمات أحدهم، كان على كل واحدٍ من الثلاثة الباقين ربع دية الميت، وسقط ربعها، فبقي ثلاثة الأرباع. انتهى. وعبارة البدائع (٢): ولو استأجر أربعة نفرٍ يحفرون له بئراً، فوقعت عليهم من حفرهم، فمات أحدهم، فعلى كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة ربع الدِّية، وهدر الرّبم؛ لأنَّه مات من أربع جناياتٍ إلا أنَّ جناية المرءِ على نفسه هدرٌ، فبطل الرّبع، وتثبت جناية (٣) أصحابه [عليه]، فتعتبر، ويجب عليهم ثلاث (٤) أرباع الدِّية على كلِّ واحدٍ منهم الرّبع. وقد روى الشَّعبيُّ، عن علي ﵁: أَنَّه قَضَى عَلَى الْقَارِصَةِ وَالْقَامِصَةِ (٥) وَالْوَاقِصَةِ بِالدِّيَة أثَلاثًا وَهُنَّ (٦) ثَلاثُ جَوَارٍ، كبَتْ (٧) إحْدَاهُنَّ الأُخْرى، فَقَرَصَتْ الثَّالِثة الْمَرْكُوبةَ فَقَمَصَتْ (٨) فَسَقَطَتْ الرَّاكِبةُ فَقَضَى لِلَّتِي وَقَصَتْ بِثلثَيْ الدِّيَةِ عَلَى

стр. 644

صَاحِبَتِهَا، [وَأَسْقَطَ الثُّلُثَ]؛ لأَنَّ الْوَاقِصَةَ أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا (١). وَرُوِيَ: أَنَّ عَشَرَة مَدُّوا نَخْلَة فَسَقَطَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَمَاتَ، فَقَضَى عَلِي ﵁ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُشْرِ الدِّيَةِ، وَأَسقَطَ الْعُشْرَ؛ لأَنَّ الْمَقْتُولَ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ (٢). انتهى بحروفه. والله أعلم. * * * * و سئل عن رجلٍ استأجرَ جميع بستانين يعرف أحدهما بابن أبي الفرج والآخر بجنينة للنّصارى، وساقى على ما بالبستانين من النخيل والأشجار المساقاة الشرعية، على أن يقوم على النخيل والأشجار الكائنة بالبستانين المعلومة عندهما العلم الشرعي بنفسه، وبمن يستعين به من رجاله على ما يجوز عليه عقد المساقاة الشرعية من تنظيفٍ وتأبير وسقى على العادة في مثل ذلك، على أنّ مهما طلعه الله من ثمره في ذلك كانت مقسومة بينهما على مئة جزءٍ، وتسعةٍ وتسعين جزءاً للمساقي المذكور، وجزءٌ واحدٌ لربّ الأشجار المذكورة، ثم إن المستأجر المذكور أجّر البستان المعروف بجنينة النّصارى لرجل آخرَ، وساقاهُ كما في أبحاره، ومساقاته من غير زيادة، ثم إنّ المؤجّر الأوّل جافى غيبة المستأجر منه ووضع يده على جميع سواقط البستانين، وجميع ثمرة البستان المعروف بجنينة النّصارى، وباع ذلك وتصدّق فيه لنفسه. فماذا يجب عليه للمستأجر منه، وللمستأجر الآخر؟. فأجاب الشيخ - رحمه الله تعالى -:

стр. 645

الحمدُ لله. ربّ زدني علماً. لا يجب عليه لا للمستأجر منه ولا للمستأجر الثاني. وللمستأجر الثاني على الأجر أجرُ مثل عمله إن كان عمل، والحالة هذه. والله أعلم. ثم كتب على هذا جماعةٌ من أهل الديار المصرية من الحنفية ألواناً من الأجوبة بغير علمٍ. فواحدٌ كتب: الحمدُ لله الهادي للحقّ. يجب على المتعدي منعُ يدهِ مما هو كذلك مع المقابلة والضمان على الوجه الشرعي. وكتب آخر تحت خطه: الحمدُ لله، وبه توفيقي. إذا وقعت المساقاة للثاني بشروطها المعتبرة شرعاً، فهيَ صحيحةٌ. وعليه ما التزمه من العمل. وله المسمى من الخارج من ثمرة البستان، فإذا وضع أحدٌ يدهُ على الثمرة بغير إذنِ مالكها يكون متعدّياً، ويلزمه الضمان بطريقه الشّرعي. وكتب ثالثٌ: الحمدُ لله المنعمِ للصّواب. ما وضع المؤجّر الأوّل يده بغير طريقٍ شرعي، وتعدى فيه من ذلك، يلزمه قيمته للمستأجر منه، الذي يستحقه بطريقة شرعاً، ويزجر ويردع على تجرئه وتعديه. والحالة هذه.

стр. 646

وإنّما قال الشيخ ﵀: ما تقدّم؛ لأنّ لفظ الرواية والسواقط لصاحب النخيل؛ لأنّها ليست من الثّمرة، وإنّما هي بمنزلة النّخل نفسه. هذا لفظ علمائنا بحروفه. ولفظها في مسألة الثمرة والنخل لا يدفعها إلى غيره، إلاّ أن يقول له ربُّ النّخل: اعمل فيه برأيكَ. هذا لفظ أصل المبسوط (١). ولفظ التجريد والمفيد والمزيد والإيضاح (٢): ولو دفع نخلاً معاملةً، ولم يقل: اعمل برأيك. فدفع العاملُ إلى غيره معاملةً فعمل فيه، فما (٣) خرج فهو لصاحب النّخل، وللعامل الآخر على العامل أجر مثله؛ لأن العامل الأوّل لم يعمل، فلم يستحق شيئاً. والثاني عمل بحكم عقدٍ فاسدٍ؛ لأنّ العامل لا يملك أن يعامل غيره بدون الإذن. ولفظ البدائع (٤): ومن أحكام المعاملة: أنَّ العامل لا يملك أن يدفع إلى غيره معاملةً، إلاَّ إذا قال له ربُّ النَّخل (٥): اعمل فيه برأيك؛ لأنَّ الدَّفع

стр. 647

إلى غيره لا يثبت (١) إثبات الشَّركة في مال غيره بغير إذنه فلا يصحُّ، وإذا قال له: اعمل أفيه، برأيك، فقد أذن له، فصحَّ، ولو لم يقل له: اعمل فيه برأيك، فدفع العامل إلى رجلٍ آخر معاملةً، فعمل فيه، فما خرج (٢) فهو لصاحب النَّخل، ولا أجر للعامل الأوَّل؛ لأنَّ استحقاقه بالشَّرط - وهو شرط العمل - ولم يوجد العمل منه (٣) بنفسه (٤) ولا بغيره أيضاً؛ لأنَّ عقده معه لم يصحَّ، فلم يكن عمله مضافاً إليه، وله على العامل الأوَّل أجر مثل عمله [يوم عمل]؛ لأنَّه عمل له بأمره، فاستحقَّ أجر المثل. انتهى. ولفظ المحيط: دفع إلى رجلٍ نخلاً (٥) له معاملة منه بالنصف، ولم يقل له: اعمل برأيك، فدفع العامل إلى غيره معاملةً، فالخارج كله لصاحب النّخل، وللعامل الآخر على الأوَّل أجرٌ مثل عمله، ولا أجرَ للأوّل على صاحب النّخل؛ لأنّ الأوّل صار مخالفًا غاصباً لما دفع نخل غيره إلى غيره وأشركه في الخارج بغير إذن صاحبه، فلا يستحقّ الأجر؛ لأنَّه غاصبٌ. وقد استأجر الثاني بشيءٍ بعينه وهو لا يملكه، وقد أوفى الثاني العمل فيستحقّ أجر المثل على الأوّل؛ لأنّ الخارج تولّد من النّخل، فيكون لصاحبه. انتهى. ولفظ الذخيرة: وإذا دفع إلى رجلٍ نخلاً معاملةً بالنّصف ولم يقل: اعمل برأيك، فدفع العامل إلى آخر معاملة يعمل فيه فما خرج فهو لصاحب النّخل.

стр. 648

وللعامل الآخر على العامل الأول أجر مثله فيما عمل بالغاً ما بلغَ، ولا أجر للعامل الأوّل. أمّا لا أجرَ للعامل الأوّل؛ لأنّه يكون إيجاب الشركة في مال الغير. والعامل الأوّل لم يعملن بنفسه. وعمل الثاني غير مضافٍ إليه؛ لأن العقد الأوّل لم يتناوله، فلا يستحقّ أجر المثل، وإنّما للعامل الثاني أجر مثل عمله على الأوّل؛ لأنه أوفى العمل. وقد استأجره الأول فيستحقّ أجر المثل عليه. قالوا: وقوله: بالغاً ما بلغ. قول محمّدٍ. أمّا عند أبي يوسف فلا يتجاوز به ما سمّى. انتهى. والله أعلم. * * * * و سئل الشيخ من مدينة غزّة: هل يجوز للجندي أن يؤجر ما أقطعه الإمام الأعظم من أراضي بيت المال، ولا يجوز لكونه غير متمكنٍ من استمرار التسليم في جميع المدّة، لجواز أن يخرجه عنه في أثناء المدّة، وبكونه ملك منفعة ذلك لا في مقابلة مالٍ، فهل للجندي نظير المستأجر في أنّ له أن يؤجّر أو نظير المستعير في أنّه ليس له أن يؤجّر المستعار. فإن قيل لجواز الإجارة ولزومها، فهل إذا مات المؤجّر إن أخرج الإمام الأرض عنه، وأقطعها لغيره تنفسخ الإجارة أو لا؟. فإن قيل: بعدم انفساخها، فهل تبقى بأجر المثل أو بما سمّاه المؤجّر الأوّل. والحال: أنّ الأرض المؤجّرة لم يكن للمستأجر فيها بناءٌ ولا غرسٌ ولا نسبٌ. فأجاب:

стр. 649

الحمدُ لله. ربّ زدني علماً. نعم. لهُ أن يؤجّر ما أقطعه الإمام، ولا أثر لجواز إخراج الإمام له في أثناء المدّة، كما لا أثر لجواز موت المؤجّر في أثناء المدّة ما أجّرَ، ولا لكونه ملك منفعةً لا في مقابلة مالٍ لاتفاقهم على أنّ من صولح على خدمة عبدٍ سنة كان للمصالحِ أن يؤاجره إلى غير ذلك من النصوص الناطقة لجواز إيجار ما ملكه من المنافع لا في مقابلة مالٍ، فهو نظير المستأجر؛ لأنه ملك الإقطاع بمقابلة استعداده لما أعدّ له، لا نظير المستعير لما قلنا، وإذا مات المؤجّر أو أخرج الإمام الأرض عن المقطع تنفسخ الإجارة لانتفاء الملك إلى غير المؤجّر. كما لو انتقل الملك في النظائر التي خرج عليها إجارة الإقطاع، وهي إجارة المستأجر. وإجازة العبد الذي صولحَ على خدمة مدةً معلومةً، وإجازة الموقوف عليه الغلّة. وإجازة العبد المأذون، وما يجوز عليه الإجازة من مال التجارة، وإجازة أم الولد. والله أعلم. ثم وقف الشيخ على جواب لبعض الحنفية من أهل العصر صورته: الحمد لله المنعم للصّواب. نعم يجوز للجندي أن يؤجّر إقطاعه حيث كان، يتضمن إقطاعه له ملك المنفعة والتصرّف فيه في العرف العام بما يراه، وليس هذا نظير المستعير وتكون الإجارة من المقطع صحيحة لازمةً حيث كانت مشتملةً على شروطها شرعاً، ولا ينفسخ بالموت ولا بإقطاعه غيره. فإنّ الإمام جعله كالوكيل في ذلك. وتبقى بالمسمّى الذي وجد في شرط اللزوم، ويشهد لذلك؛ قواعد علمائنا والحالة هذه. قال الشيخ - رحمه الله تعالى -:

стр. 650

قوله: في العرف العام. مستدرك لاستناده التصرف من ملك المنفعة، ولعدم صلاحيته؛ لأنه يكون وكيلاً. وقوله: إنه لا تنفسخ بالموت ولا بإخراج الإمام الإقطاع عنه. مخالفٌ لحكم النّظائر التي خرج جواز الإقطاع عليها، كما صرّحت بها. وقوله: إنّ الإمام جعله كالوكيل مخالفاً لما صدر به من أنّه ملك المنفعة والتصرّف بما يراه. وقوله: إنّ القواعد تشهد بذلك. من نوع فتاوى الرأي. حيث لا يتصور أن يكون مالك المنفعة على الانفراد وكيلاً في إيجارها عن غيرها. والله أعلم. * * * * قال - رحمه الله تعالى -: ورد علينا من دمشق من قبل الأمير قراجا الظّاهري (١) ثلاثة أسئلة: الأوّل (٢): في قتيلٍ وجدَ في محلّةٍ أو بين قريتين أو بين طائفتين التقتا بالسيوف وغيرها، فأجلوا عن قتيلٍ وطلب أولياء القتيل ديَته من أهل المحلّة، أو أقرب القريتين، أو أحد الطائفتين، أو منهما جميعاً، وادّعوا عليهم فقضى لهم بالقسامة والدية عليهم، ودفعوا الدية إلى أولياء القتيل، ثم تصرّف الأولياء في الدّية، واقتسموها فيما بينهم، فهل يكون أخذ أولياء المقتول الدية وقبولها عفواً عن القاتل من القصاص؟.

стр. 651

وهل يكون العفو قبول الدية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. شاملاً لما ذكر سواءٌ كان القاتل معلوماً أو مجهولًا أم لا؟. ثم إذا ظهر القاتل بعد ذكرٍ هل يعود الأمر إلى القصاص، وينقض ما دفع من القسامة، وإعطاء الدية أم يبطل القصاص؟. وهل لأولياء القتيل أن يدّعوا بذلك على القاتل أم لا؟. وإذا بطل القصاص واستمر حكم الدية، وادّعى أهل المحلّة أو غيرهم على أولياء القتيل بالمال الذي أخذ منهم حيث ظهر القاتل؟. وهل لأولياء القتيل رد المال على أهل المحلّة أو غيرهم، بأنّ القتيل وجدَ بين ظهرانيكم، وقد أعطيتم الدية بحكم الشرع وجدًا لكم ما وقع منكم من التقصير في الحفظ والمنع من القتل، وكان ذلك بحيث عليكم أم ليس لهم ذلك؟. وهل للذين أخذ منهم الدية الرجوع على أولياء المقتول سواء كان منهم أو من غيرهم؛ وتؤخذ الدية من القاتل أو من عاقلة القاتل؛ وهل يكون حكم هذا القتل حكم الخطأ أو شبه العمد فتؤخذ الدية من القاتل مغلّظة أو من عاقلته أم يعود عمداً، ويقتص من القاتل ويبطل القضاء بالدية والقسامة؟. وهل يفرق العلم بالقاتل بإقراره أو بالبينة أم لا؟. وهل يسمع إقراره وقولهم: كنتم متبرعين في العطاء؟. أم هل تسمع هذه الشهادة بعدما ذكر أم لا؟. وهل يفرّق بين ما إذا كان الشهود من أهل المحلّة أو من غيرهم أم لا؟.

стр. 652

فأجاب - رحمهُ الله تعالى -: لا يكون أخذ الأولياء الدية وقبولها عفوًا عن القاتل؛ لأنّه لم يُعلم، والقصاص لم يثبت، وليس الآية الشريفة شاملة لما ذكر؛ لأنّ علماء الأمّة اختلفوا فيها على أقوالٍ: ليس هذا منها. وإذا علمَ القاتل بإقراره أو بالإخبار عنه، ولا تسمع للأولياء عليه دعوى؛ لأنّ الأولياء لما ادّعوا على أهل المحفة واختاروا من يحلف وحلفوا إلخ. فقد أبرؤوا غير أهل المحلّة عن القتل ونفوه عنه، فلا تسمع لهم دعوى على غيرهم بعد ذلك أصلاً. وقد أشار علماؤنا إلى ذلك بتعليل عكسه. فقالوا: إذا ادّعى الولي القتل على رجلٍ من غير أهل المحلّة يكون إبراء لهم عن القسامة والدّية؛ لأنه نفى القتل عنهم بدعواه على غيرهم. وإذا لم يسمع لهم دعوى لم يظهر القتيل عند الحكم من غير أهل المحلّة، لم يسمع لأهل المحلّة بدعوى على أولياء القتيل، ولا يسمع لهم وحدهم دعوى على القاتل، كما صرّح به في البدائع وشرح الطّحاوي وغيرهما. وحينئذٍ لا يتوجه شيءٌ بما ذكر. والله أعلم. وكتبَ حنفي: الحمدُ للهِ المنعمِ بالصّوابِ. لا يكون ما ذكر من أخذ الأولياء للمقتول الدية، ممن ذكر عفوًا عن القصاص في حقّ القاتل، حيث لم يجب شرعاً في مثل هذه الصورة المفروضة قودٌ حتى يكون قبولهم الدية عفواً عن القصاص. وقول العلماء: العفو قبول الدية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلخ.

стр. 653

ليس شاملاً لذلك، فإنّ الآية الكريمة، إنّما هي في حقّ من ثبت له قصاصٌ، ثُمّ إنّ الولي أو أحد الأولياء إِذا رضيَ بأخذ الديةِ، تسقط المطالبة بالقصاص، ولم تثبت في شيءٍ من الصّور مطالبةً بقصاص على أحدٍ شرعاً. فإذا وقع من الأولياء ما ذكر، ثم ظهرَ بعد ذلك قاتل معيّن، وثبت بطريقة شرعاَ ذلك وتعين الحق عليه. تعود المطالبة عليه. وما فعل تبين أنّه لم يكن عليهم. فإذا عاد بالمطالبة الولي على معيّنٍ يرد ما أخذ من عاقلة أهل المَحِلّة عليهم. فإذا قال الأولياء: بأنّ القتيلَ وجدَ بين أظهركم، وقد أعطيتم بحكم الشرع وجداً. لخ. فللغارمين الدية أن يقولوا: إنّما دفعنا ذلك بناءً على الوجوب علينا شرعًا، وقد تبين عدم ذلك، فنحن نستردُّ ما أخذ منا لهم ذلك شرعاً، لكن بقيَ الكلام عند ثبوت القتل على شخص (١) معيّن عمداً، يتعلّق به القصاص بعد وجود ما تقدّم بأجمعه. والذي يظهر: تعلّق حق القصاص عيناً بالقاتل بعد وجود شروط ذلك شرعاً. ولا ينتقل الحكم إلى غيره إلاّ بالصّلح. وما وجبَ به المال لا يظهر في حق العاقلة. وكذلك إذا أقرّ إذا لم يصدّقوه ما لم يظهر من أقوال مشايخنا صريحاً: أنّ فيما تقدّم قبل ظهور القاتل المعيّن عمداً يكون شبهة في وجوب القصاص، ولم أقف عليه.

стр. 654

وما نقل عن أبي حنيفة: أنّ شهادة بعض أهل المحلّة على قتل غيرهم أو واحدٍ منهم باطلة وإن خالفاه في الأولى، فإنمّا ذلك بناءً على أنّهم صاروا خصماً أو هم بعرضية أن يصيروا خصماً فقالَ بالأوّل. وقالا بالثّاني. وأمّا في الصّورة الواقعة: فهم نزلوا خصماً وألزموا الدية فلا يقبلون بلا خلاف. والحالة هذه. والله أعلم. فقال الشيخ - رحمه [الله]-: عندما وقف عليه قوله: ثم ظهر بعد ذلك قاتلٌ معيّنٌ، وثبت بطريقة شرعاً ذلك. إلخ. هو مبنيٌّ على ما ذكر بعده. وقد ثبت أنه لا طريق للثبوت شرعاً، فلا يصحّ شيءٌ مما ذكر، ولا يحتاج إلى فرضه. والله تعالى أعلمُ. والثَّالثُ في ميّتٍ مكفّنٍ موضوعٍ في مكانٍ، فجاء قومٌ وادّعوا بأنّه أبوهم (١)، وأثبتوا ذلك، وقد ترك مالاً كثيراً، فأراد كلّ واحدٍ منهما أن يكون الميراث له (٢)، ثم بعد ذلك كشفوا عن الميت فإذا هو خنثى. هل تعتبر البيئتان أم لا؟. وهل يكون الميراث لهم بينهم أم لا؟. فأجاب الشيخ أمين الدين يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي (٣): الحمدُ لله المنعم بالصّواب. بعد الموت إذا حصلت الدّعوى، فالمقصود منها المال. فيعمل بمقتضي البينتين عند التعارض وعدم المرجّح، فيكون المال بينهما. ونظير ذلك: ما قال

стр. 655

مشايخنا في الأختين إذا ادّعت كل واحدة نكاح رجلٍ واحدٍ ولم يكن إحداهما مرجّحة على الأخرى في بيّنتها، ولا بمرجّحٍ آخرَ. ففي هذه الحالة تهاتر البيّنتان، ولا تعمل بيّنة منهما. وإذا كان بعد موته يعمل بهما، ويجعل الميراث بينهما نصفين، وذلك لأنّ بعد الموت مقصودهما المال. ومسائل كثيرة من هذا الباب إذا كانت الدّعوى من كلّ واحدة وواحدٍ بعد الموت يعمل بهما في قسمة الميراث بينهما، وإن تساقط قبل الموت إذا كانت الدعوى في الحياة والحالة هذه. ورفع إليَّ هذا على يد السيّد الأرميوني (١)، فكتبت:

стр. 656

الحمدُ لله، ربِّ زدني علماً. لم يضع الأئمة مسألة الميّت الملفوف على هذا الوجه المذكور في السؤال؛ لأنّه لا يحصل غرضهم، فإنّ غرضهم تصوير مسألة يجتمع منها جميع الورثة الخمسة عشر الذكور والعشر الإناث ومن عدا الزوجين يمكن اجتماعهم في أيّ ميّتٍ كانَ. وأمّا اجتماع الزَّوجين: لأنّ الأولاد. وعن هذا جاء تعارض البيّنتين. فالاعتبار الأوّل: ذكرت في الفرائض.

стр. 657

وبالاعتبار الثاني: ذكرت في أدب القاضي. ولم يجعلوها في باب دعوى الأختين كما زعم المجيب. وإنّما أجروها على القولين المشهورين في الخنثى. هل يبقى إشكاله بعد البلوغ أم لا؟. فالقائل بنفي الإشكال بعد البلوغ أعمل البيّنتين كما قال أبو سعيد الهروي في شرح أدب القضاء، عن أبي حنيفة أنّه قال: فيما إذا قام رجلٌ ببيّنة على ميّتٍ ملفوفٍ في كفنٍ أنّه امرأته وهؤلاء أولادهُ منها. وأقامت امرأة بيئة أنّه زوجها وهؤلاء أولادها منه، فكشف عنه، فإذا هو خنثى، له الآلتان: يقسم المال بينهما، فأعمل البينتين، وقسم المال بين الفريقين. وأمّا صفة القسمة: فللزوجة ما هو الأكثر وهو الربع (١)، ولا منازعة للزّوجة في أكثر من الثمن، فيسلّم الثمن للزوجة بلا منازعة واستوت منازعتهما في الثمن الآخر، فيكون لكلّ نصف ثمنٌ، ومخرجه من ستة عشر للزوج ثلاثة وللزوجة واحد والباقي للأولاد. فإن كان هناك أبوان، فلهما السدسان، ومخرج السدس من ستة، وبينهما موافقة بالنّصف فيضرب نصف أحدهما في كامل الآخر، يبلغ ثمانية وأربعين. للزوجة الربع اثنا عشر. وللزوج تسعة وللزوجة ثلاثة لما قدّمناه. وللأبوين السدسان ستة عشر لكل ثمانية والباقي وهو عشرون للأولاد إن كانوا ذكوراً أو إناثاً. الأوَّل من رؤوسهم. والثاني ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. فإن انكسر صحح بطريقه، وإن كانوا إناثاً فقط فلهنّ الثلثان. فتعول

стр. 658

المسألة إلى ستين للزوجة والأبوين ما قدمناه، والباقي وهو اثنان وثلاثون للبنات، فإن استقاموا وإلاّ صحح بطريقه. والقائل بانتفاء الإشكال بعد البلوغ يمنع من إعمال البيّنتين كما قال في فتاوى ملا الأعلى: وإن كان هذا الخُنثى المشكل مات قبل أن يظهر أمره، فأقام الرّجل البيّنة: أنّ أباه زوّجها إيّاه بألف درهم برضاها، وأنّها ولدت منهُ هذا الولد. قال: أُجيزُ بيّنته وأجعلها امرأته، وأجعل الولد ابنها، وإن أقامت المرأة البيّنة: أنّ أباها زوّجها إيّاه برضاها منه، وأنَّه دخل بها وأنّها ولدت منه هذا الولد. قال: تقبل بيّنتها، ويقضي بكون الخنثى رجلاً وألزمه الولد، فإن اجتمعت الدّعوتان جميعاً. وجاءت البيّنتان معاً ولم يوقّتا أو وقّتا على السّواءِ، فإنّه تتهاتر جميعاً. انتهى. وبعضهم ذهبَ إلى الترجيح فقال في فتاوى ش (١): لو شهدَ شهودٌ على خنثى أنه غلامٌ. وشهودٌ على أنّه جاريةٌ والمطلوب ميراثٌ، قضى بشهادة الغلام وإن قضى بأنّها جارية. انتهى. فظهر بهذا: المنقول في عين المسألة خلاف ما زعم المجيب من أنّها من باب دعوى الأختين. والله أعلم. * * * * و سئل - رحمه الله تعالى - عمّن عليه دَينٌ مستغرق وقد حكم بضرب

стр. 659

عنقه، فلما قدمَ لذلك، أعتق جميع ما يملكه من عبيدٍ وجوارٍ وكتب بعد ذلك عتائق بأيديهم وتزوّج بعض العبيد الجواري وليس للمعتق مالٌ سوى العبيد والجوار، فهل ينفذ العتق ويصح التزويج أم لا؟. فأجاب: نعم. ينفّذ العتق، ويصح التزويج إلا المستولدات، فبعد انقضاء عدّتهن وهي ثلاث حيضٍ. والله أعلم. قيل: قال في الفصول العمادية: المريض إذا أعتق في مرض موته ولا مال له سواه فعتقه موقوفٌ عند أبي حنيفة حتى لو شهد هذا المعتق، لا تقبل شهادته؛ لأنّه من التصرفات التي لا يحتمل الفسخ. فيتوقف وينظر في وصايا الصغرى. انتهى. قال الشيخ ﵀: هو كذلك في وصايا الصغرى معزوٌّ إلى الباب الثاني من الدّفتر الثاني في الزّيادات. وهذه الروايات في زيادات الزّيادات. ومعنى قوله: فيتوقف من العبد في الحال في أحكام الحرية من الشهادة وغيرها، فأبرأَ السيّد تبيّن أنّه حرٌّ من حين أعتق، وإن مات السيّد فالمعتق بمنزلة المكاتب إذا سعى في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -. * * * * و سئل ﵀ عن رجل عليه دُيونٌ ، فرفع أمره إلى بعض القضاة لينظر في حاله، فعيّن القاضي أمره إلى بعض نوّابه وهو حنفيٌّ. والحال: أنّ المديون لم يقدر على وفاء الديون التي عليه، كما ذكر.

стр. 660

ثم إنه كتب فصل محضر بإعسارِه. وكتبه فيه أربعة شهود بارزي العدالة، ثم جاء بعض أصحاب الديون، فادّعى عليه بدينه. فأجاب: إنّه معسرٌ لا مال له، ثم قامت تلك البيّنة شهادتهم عند القاضي، وأعذر لصاحب الدين، وهو المدعي. فأجابَ: بعدم الدّافع والطعن لذلك. فسأل المديون القاضي بثبوت ما قامت به البيّنة والحكم بموجبه. فأجابه لذلك، فهل هذا الثبوت والحكم صحيحان؟. وهل ينفذ ذلك على بقية أصحاب الديون أو لا؟. فأجاب: رفع المديون أمره إلى القاضي، وتعيين القاضي أمره إلى بعض نوّابه، ليس له أصل في الشّرع عند علمائنا، لاتفاقهم على أنّ الحق لربّ الدين في المطالبة من أيّ حكام الشريعة يشاء، وكتابة المحضر وكتابة الشهود فيه قبل الحكم مما لا عبرة به في الشرع عندنا لاتفاق علمائنا على أنّه لا تسمع البيّنة إلّا في وجه من يكون أصلًا أو وكيلًا أو حكمًا إلّا في كتاب القاضي ولا تسمع البيّنة بالإعسار قبل الحبس في الصحيح. قال في المحيط: فإن أخبره عدلٌ أو اثنانِ بإعساره قبل الحبس. فيه روايتان: في روايةٍ: تقبلُ ولا يحبسه. وفي رواية الخصّاف: لا تقبل. وإليه ذهب عامّة مشايخنا. وهو الصحيح؛ لأن الحبس لم يشرع حجّة لإبطال حقوق العباد، والحبس حق العباد، فلا يبطل حقّه بمجرّد الخبر بدون

стр. 661

قرينةِ الصّدق، وبعد الحبس انضمّت إلى الخبر قرينة الصّدق وهو الحبس، بل لو شهد وأقبل مضى مدة الحبس. قال في مختارات النوازل: لا تقبل. وعليه عامّة المشايخ. وليس للقاضي المقلّد أن يحكم بالضّعيف؛ لأنّه ليس من أهل الترجيح، فلا يعدل عن الصحيح إلَّا القصد غير جميلٍ. ولو حكم لا ينفّذ؛ لأنّ قضاءه بغير الحق؛ لأنّ الحقّ هو الصحيح. وما وقع من أنّ القول الضعيف يتقوّى بالقضاء المراد به قضاء المجتهد، كما بيّن في موضعه لما لا يحتمله هذا الجواب (١). والله أعلمُ. * * *

стр. 662

* و سئل ﵀: عن رجلٍ طلّق زوجته البالغة طلاقًا بائنًا ، ثم اتّفقا على العود، فامتنع أبوها. وقال للشّهود: حلفت بالطلاق أنني لا (١) أتكلم لها في شيءٍ. استأذنوها: إن رضيت فأنا راضٍ، تشهدوا عليه بذلك. واستأذنوها لعمّها وللحاكم الحنفي بتلك البلدة التي هم بها وحضروا إلى القاضي، وشهدوا عنده: أنّ فلانةً بنتَ فلانٍ أذنت لكم أن تزوّجها لمطلّقها فلان بن فلانٍ من غير ذكر جد لهما. فعقد القاضي العقد يحضره شهوده. وكتب على مسودته علامته واسمه والتاريخ، ثم اجتمع به أبو الزّوجة وقال له: ليس لي في الزّواج غرضٌ وأغصبوني. فقال القاضي للشّهود: ولمَ لا سميتم جدّها مذهبنا لا يصحّ النسب إلا بتسمية الجدّ. هذا تدليسٌ. فهل الأمر كما قال من جهة عدم الصحّة، وإنّ ذلك من الشهود تدليسٌ والعقدُ صحيحٌ وهو مفرّطٌ لعدم تنبيه الشهود على تسمية الجد مع عقده وكتابته على المسوّدة التي ليس فيها اسم الجدّ. وإذا قال: أنا فسخته لذلك، فهل للفسخ تأثيرٌ في قطع العصمة أم العصمة باقية ثابتة بمجرّد العقد؟ أفتونا مأجورين. فأجاب ﵀: العقد المذكورُ صحيحٌ، وليس من الشهود تدليسٌ ولا أثرٌ لفسخه في قطع العصمة. أمّا صحّة العقد: فلأن البالغة وليّة نفسها وولاية الأب ولاية استحبابٍ، فلا أثر لقوله: أغصبوني. والقاضي وكيلٌ عنها، ولا يشترط تسميةٌ مع معرفة

стр. 663

الشهود لها، وإنّما يشترط ذكر الجدّ من العاقد لا للشهود عند أبي حنيفة إذا لم يكونوا يعرفونها. وعند أبي يوسف ومحمّد: يكفب ذكر الأب. وإذا كانت الشهود تعرفها فيجوزُ، وإن لم يذكروا إلّا اسمها خاصّةً. قال في الينابيع: قال أبو القاسم: لو وكّلت المرأة رجلًا من أن يزوّجها من نفسه فقال في غيبتها للشهود: اشهدوا بأنّي تزوّجت فلانةً ولم يعرفها الشّهود، لا يجوز النّكاح حتى يذكر اسمها واسم أبيها على وجه يستدرك بذلك. قال الفقيه: وهذا قياس قول أبي حنيفة. فإنّ النكاح عنده لا يجوز حتى ينسبها إلى جدّها. وفي قياس قولهما: إذا سمّى اسم أبيها مع اسمها جازَ. قال الفقيه: هذا إذا لم يعرفوها. أمّا إذا عرّفوها جاز وإن لم يذكروا إلّا اسمها خاصّةً. انتهى بحروفه. والله أعلم.

стр. 664

مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا [٢٥] حُكْمُ الخُلْعِ وَحُكْمُ الحَنْبَلي فِيهِ تَأْلِيفُ العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 665

(٢٥) حُكْمُ الخُلْعِ وَحُكْمُ الحَنْبَلي فِيهِ قال ﵀: قد استشكل بعض من ينسب إلى العلم بمذاهبنا حل الزوجة بحكم الحنبلي: أنّ الخلع فسخٌ بعد تطليقتين؛ لأنّ الحكم يرفع نزاع المتنازعين. فامّا أن يرفع تعلّق الحل والحرمة بشيءٍ واحدٍ، فلا. فقلت: بل الحكم يرفع تعلّق الحلّ والحرمة بالشيء الواحدِ؛ لأنَّ ظنَّ المجتهد الذي يعمل به مقلّده، إنّما يفيد تعلّق الحكم بالشيء إذا لم يعارضه معارضٌ أقوى. وهنا قد عارضه وهو حكم الحاكم؛ لأن الشرع أوجبَ العملَ به. فالحادثة إن كانت نازلة بمجتهدٍ، فإن اختصّت به، يحمل على ما يؤذيه اجتهاده، فإن استوت الأمارات يخبر بشهادة القلب عندنا أو يعاود النّظر ليترجّح أحدهما، وإن تعلّقت بغير مجتهدٍ، فعند إمكان الصّلح اصطلحا أو رجعا إلى حاكمٍ إن وجدَ وإلّا فإلى محكّمٍ. وعند عدم إمكان الصّلح رجعا إلى الحاكم أو المحكم حتى لو كان حاكمًا ينصب من يفصل بينهما. وإن كانت النازلة بمقلّدٍ. فإن اختصّت عمل بموجب قول إمامه. فإن كان فيه قولًا عملَ بموجب الصحيح من مذهب مقلّده. فإن تعدد التصحيح عمل بفتوى الأعلم الأورع، وإن استوت خُيّر فيها عند الشّافعية. وعندنا تعرضُ على مفت ثالثٍ. فإن كان في بلدٍ آخر وإن تعلّقت بغيره فالأمر كما تقدم. وإمّا أن يصطلحا أو يرجعا إلى حكم حاكمٍ أو مُحكّمٍ.

стр. 666

وقال عبد السيد الحطيني (١): عمّن علّق الثلاث بتزوّجها. فقيل له: لا يحنثُ على قول الشّافعي. فاختارهُ: أنّ على الشافعي مجتهد يعتد به، فهل يسعه المقام معها. فقال على قول مشايخنا العراقيين: نعم. وعلى قول الخراسانيين: لا. قال مجد الأئمة التّرجماني: لا بأس بأن يؤخذ في هذا بقول الشافعي. لأنَّ كثيرًا من الصّحابة في جانبه. قال: فقلّت الشبهة. وصحّ القول بالحلّ، إذ لا يصل بحكم الحاكم بفسخ التعليق. وفيه رخصة عظيمة. واعلم: أنّ مشايخنا يطلقون لفظ المفتي على من له نوع اجتهادٍ في المذهب. ويطلقون على أمثالنا لفظ المتفقه. قال الإمام علاء الدين الزّاهدي (٢): استفتى رجل (٣) مفتيين حنفيين فأفتيا بالضدّين بالحلّ والحرمة، والصّحّة والفساد. فأخذ العامّي بفتوى الفساد في العبادات والصّحة في المعاملات. وقال ظهير الدين الْمَرْغِيْنَانِيّ (٤): إن كان المستفتي مجتهدًا، يأخذ بقول من ترجّح عندهُ بدليل. والعامّي بقول من هو أفقه منهما عنده. وإن استويا

стр. 667

عنده يستفتي غيرهما ولو لم يوجد إلا في بلدٍ آخرَ. كذا كان يفعله الصّحابة والتّابعون. أمّا لو سأل متفقّهًا ففعل، ثم مفتيًا فأجابَ بعكسه. قضى صلاةً صلاّها بقول المتفقه، إن أفتا المفتي بالقضاء. قاله شرف الأئمة المكي - رحمهُ الله تعالى -. * * * * و سئل ﵀ عن زوجين اختصما بعد الفرقة في صغيرةٍ بينهما ، وذلك بعد فطامها، الأم تطلبها بالنفقة والأجرة، والأب يأبى ذلك ويقول: عندي أجنبية تربيها بغير أجرة. فهل تقدم الأجنبية على الأم أم لا؟. وهل تستحق الأم الأجرة على الحضانة أم لا؟. وإذا قلتم بعدم تقديم الأجنبية على الأم؟ فهل للأب أن يقيم من يخدم وليدته عند الأم ويتولّى هو الإنفاق على ولده أم لا؟. وما حكم الله في ذلك؟. فأجاب: الحمدُ لله ربّ العالمين. تقدّم الأجنبية بشرط: أن لا يمنع الأم من الولد ولا الولد من الأم. والله أعلم. وأجاب المرحوم (١) البدري محمّد بن عبيد الله:

стр. 668

اللهم أرشدني للصّواب. ليس للحضانة أجرة عندنا، إذ هو حقٌّ لها، وليس للأجنبية ولا للأب أخذ الولد منها ما دام حقّها في الحضانة إلى أن تتزوّج بغير ذي رحمٍ محرم من الصغير. ولها أن تطلب النّفقة من الأب وتنفق هي على ولدها وتطلب أجرة الخدمة للولد، وإن أراد الأب أن يقيم من يخدم ولده عندها بأجرٍ. فالأمّ أحق بالأجر وإن كانت متبرعة بالخدمة، فإن تبرّعت الأم بالخدمة منعت الأجنبية وإلّا فلا إلّا أن يكون في ذلك إضرارٌ بها. والله أعلم. * * * * و سئل ﵀: ما تقول في قول الخلاصة وغيره: إنّ الشّاهدين إذا شهدا أنّ القاضي قضى لفلانٍ على فلانٍ بكذا . وقال القاضي: لم أقض. لا تجوز شهادتهما ويكون القول قول القاضي. هل هذا إذا لم ينفذ حكم الأول قاضٍ آخر أم مطلقًا ويمتنع العمل به عنده وعند المنفذ أو عنده؟. أفتونا مأجورين. فأجاب: نعم. هذا مطلقٌ سواء نفّذ حكم الأوّل أو لا. ويمتنع العملُ به عند المُنكر وعند غيره؛ لأنّ المصرّح به في الأصول الاتّفاق على سقوط العمل بالشّهادة المذكورة، فصار كما لو قال: شهدوا الأصل لا شهادة لنا، ولم يشهد هؤلاء. وقد صوّرها بعض شرّاح المغني: بأن ادّعى رجلٌ عند قاضٍ أنّه قضى له بحقٍّ على هذا الخصم، فأنكر القاضي قضاءه، فأقام المدّعي شاهدين

стр. 669

على قضائه بهذه الصّفة. وعلى هذا فيبعد وقوع التنفيذ المصطلح عليه الآن في مثل هذه الصّورة؛ لأنّه يكون بعد شهادة الشّهود على ما نسبَ إلى القاضي في أسجاله. والله أعلم. * * * * و سئل ﵀: عن رجلٍ وقف شيئًا معيّنًا من ماله على نفسه ، ثم من بعده على جهة معيّنة ولم يتصل بحاكمٍ شرعيٍّ، ثم من بعد ذلك وقف ذلك الشيء بعينه على نفسه، ثم من بعده على جهةٍ أخرى غير الجهة الأولى، وحكم بصحّة هذا الوقف الثاني ولزومه لدى حاكمٍ حنفيّ في وجه الواقف في ساعة الوقف، ولم يتّصل الوقف الأوّل بحاكمٍ أصلًا، ثم بعد موت الواقف وإيصال العين الموقوفة إلى الجهة الثانية حكم حاكم حنفي بصحّة الوقف الأوّل لعدم علمه بالوقف الثاني والحكم به. فأيّ الوقفين هو الصحيح المقول به؟. أفتوا مأجورين. فأجاب: الوقف الأول هو الصّحيح لاتفاق المشايخ على أنّ الفتوى على قولهما بلزوم الوقف، وحيث كان لازمًا فلا يصحّ تغييره بلا شرطٍ منه، ولا يضر في لزومه عدم اتّصاله بحاكم؛ لأن الحاكم ممنوع شرعًا أن يحكم بخلاف ما عليه الفتوى. والله أعلمُ. * * * * و سئل ﵀: في قول السّادة الحنفية، فيمن استأجر عبدًا للخدمة فسافر به بغير إذن مولاه، ثم ردّه إلى مولاه سالمًا لا أجر له عندنا.

стр. 670

هل المراد: لا أجر له قياسًا واستحسانًا أو قياسًا لا استحسانًا، كما هو الحكم فيمن استأجر حانوتًا فأسكن فيه حدّادًا بغير إذن مالكه، ثم ردّه إليه غير منهدمٍ؛ لأنه لا يلزم الأجر قياسًا. ويلزمه استحسانًا، كما صرّح به في معراج الدّراية وغيرها، على أنّهم قاسوا مسألة المسافرة بالعبد على مسألة إسكان الحداد، فهل سكتوا في مسألة المسافرة عن القياس والاستحسان اعتمادًا على ما قد مرّ في مسألة الحداد وبين المسألتين فرق في وجوب الأجر وعدمه، فإن كان بينهما فرق فبيّنوه للسائلين رضي الله عنكم؟. فأجاب: الحمدُ لله ربّ العالمين. اعلم: أن القياس والاستحسان إنما يجريان في بعض المسائل كمسألة الدّار دون مسألة بعض كمسألة العبد. فلا يقال له فيها: لا أجر له قياسًا واستحسانًا، ولا قياسًا فقط؛ لأنّهما مما لا يتأتّى فيها ذلك، ولم يقس علماؤنا مسألة المسافرة بالعبد على مسألة إسكان الحداد، وإنما وقع لبعض المصنفين تشبيهها بها في أنه لا يجوز ما لم يسأله الإطلاق إلّا بالشرط. وإنّما افترق الجوابان؛ لأنّ المعقود عليه في مسألة الدّار السُّكنى، وفي الحدادة السّكنى وزيادة، فقد استوفى المعقود عليه وزيادة، وسَلِمت العين من الزيادة، فوجب الأجر وسقط الضمان، وخدمة الحضر والسفر في حكم جنسين مختلفين فقد استوفى خلاف ما وقع عليه العقد، فلا أجر. وقد سلّمت العين بما استوفى، فسقط الضّمان. والله تعالى أعلم. قال - رحمه الله تعالى -:
следующие страницы →