стр. 596
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 16817
مجموعة رسائل العلامة قاسم بن قطلوبغا
ابن قطلوبغا
Полный текст (694 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 597
وقال الشافعي: لا يصحّ هذا التعليق، ولا يقع عليه الطلاق (١).
لنا: أنّ هذا تعليقٌ لما يصحّ تعليقه، وهو الطلاق، فيلزم كالعتق والوكالة والإبراء، ولأنّ التعليق بالشرط يمنع اتصال الحكم بمحله. وبدون الاتصال بالمحلّ لا ينعقد سببًا.
واستدلّ الشافعي:
بما رواه أبو داود، والترمذي وحسّنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا نذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ" (٢).
стр. 598
وما في معناه.
وأُجِيبَ: بأنّ هذا محمولٌ على نفي التخيير؛ لأنه هو الطّلاق لا تعليقه، فإنه لا يفهمه أهل اللغة ولا العرف ولا الشرع لما روى مالكٌ في موطئه (١): أنَّ سَعِيدَ بنَ عَمْرِو (٢) بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَأَلَ الْقَاسِم (٣) بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُل طَلَّقَ امْرَأَةً إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِم (٤): إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ (٥).
وروى عبد الرزاق عن (٦) معمر، عن الزهري أنه قال في رجلٍ: كل امرأةٍ
стр. 599
أتزوّجها فهيَ طالقٌ، وكلّ أمةٍ اشتريتها فهي حرّة. هو كما [قال]. قال له معمر: أو ليس قد جاء: "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلاَ عِتْقٍ إِلاَّ بَعْدَ ملكٍ"؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ (١).
قال الشيخ عبد اللطيف بن فرشته في شرح المنار: ولقائلٍ أن يقول: يشكل تعليق الطلاق والعتاق بالملك، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّه خطبَ امرأةً، فأبَوا أن يزوّجَهَا إِلاَّ بِزِيَادَةِ صَدَاقٍ. فَقَالَ: إِن تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكاحِ" (٢).
فإن الحديث مُفَسّرٌ لا يقبل التأويل، فلا بد أن يبيّن نسخه أو عدم صحّته. انتهى.
وسئل عن هذا الشيخ محيى الدين الكَافِيَجي (٣)، فأجاب:
стр. 600
الحمدُ لله الهادي للصّواب، الحديثُ محمولٌ على نفي تخيير الطلاق قبل النكاح. كذا ذكره أئمة الحديث والفقهاء على أنّه: لا يكون حجّةً علينا. لا ينفي التعليق كما ترى، فيكون نصب الدليل في غير محلّ النزاع، فإن قلت: الواقعة تشهد له بظاهرها، فلا يعدل عنه إلاّ بدليل، ولا دليل هنا.
قلت: قول النبي ﷺ : "لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النكِّاحِ".
شاهدٌ لنا عليه، فلا بُدّ من صرفِ الواقعة عن ظاهرها بقرينةِ الجواب، كما هو المقرر في موضعه.
فإن قلت: فليحمل قوله ﷺ على نفي التعليق بقرينة الحادثة السابقة، كما هو المتبادر.
قلت: حمل الكلام على حقيقةٍ واجبٌ مهما أمكنَ، لا سيما في كلام النبي ﷺ .
والحاصل: أنّ كلامه نصٌّ لا يقبل التّأويل. والكلام في الواقعة ظاهرٌ يقبل، فوجب تأويلها دونه من غايةٍ لقانون الشرع والأدب وترجيحًا لكلامه على كلام غيره، واكتفاء بتأويل كلام غيره عن تأويل كلامه، إذ لا ضرورة إليه. والحالة كذا. والله أعلم بالصّواب. كتبه محمد بن سليمان الكافيَجي الحنفي - عفى الله عنهما -.
قلت: قد دخل على الذي أخذ منه ابن فرشته حديث في حديث.
وذلك: أن الذي في كتب السنة وهو المحفوظ عند أهلها من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، هو ما قدمته في الاستدلال للشافعي من عند
стр. 601
الترمذي بدون قصة.
والقصّة إنّما تروى من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي (١) ثعلبة الخُشَنِيّ.
كما أخرج الدارقطني (٢)، عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ﷺ سئلَ عن رجلٍ قال: يوم أتزوّجُ فلانةً فهيَ طَالِقٌ ثلاثًا؟ قال النَّبِيُّ ﷺ : "طَلَّقَ مَا لاَ يَمْلِكُ".
وأخرج (٣)، عن أبي ثعلبة الخشنيّ قالَ: قَالَ عَمٌّ لِي: اعْمَلْ عَمَلًا حَتَّى أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي. فَقُلْتُ: إِنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ (٤)، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأتيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فسألته، فقال لي: "تَزَوَّجْهَا، فَإِنَّهُ لاَ طَلاَقَ إِلاَّ بَعْدَ النكِّاحِ (٥) ". قَالَ: فتزوّجها (٦)، فَوَلَدَت لي سعدًا وسعيدًا. انتهى.
إذا عرف هذا: فالحديث أشكل. هو الذي فيه القصّة، ولم يقل عاقل: إنّه مؤوّلٌ بما ذكر. فقوله: إنّه محمولٌ على نفي التنجيز باطلٌ.
وكذا قوله: نصب الدليل في غير محلّ النّزاع.
والحاصل: أنه أخذ كلام المشايخ في الحديث الذي لم يذكر فيه قصّة.
стр. 602
وأوردوه فيما ذكر بالقصّة الصّريحة في نفي التّأويل. يختار بيان عدم صحّته المذكور. والله أعلم.
وإذا عُلم بطلان هذا الجواب، فنقول قوله، فلا بد أن يبين نسخه أو عدم صحّته.
ففي إسناد حديث ابن عمر: ابن خالد الواسطي.
عمرو بن خالد. قال فيه أحمد بن حنبل (١) ويحيى بن معين (٢) وغيره (٣): كذّاب.
والدّارقطني (٤): إِنّه كذاب.
стр. 603
وقال وكيع (١): كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِنَ به تحوّل إلى واسط.
وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة الرازي (٢): كان يضع الحديث.
وفي الثاني:
علي بن قَرِين:
قال يحيى بن معين وغيره: كذاب.
وضعّفه أحمد.
وقال ابن عديّ: يسرق الحديث.
وقال أبو بكر ابن العربي: ليس لهذه الأحاديث أصل في الصّحة.
وقال ابن عبد الهادي (٣): الحديثان باطلان. انتهى.
وقال بعض من يزعم أنه يعلم من أهل الشّام: قد نقل الإمام حافظ الدين البرازي في مناقب أبي حنيفة في الفصل العاشر: أنّ رجلًا وامرأةً كانا يقعان في أبي حنيفة فوقع بينهما مشاجرة ذات ليلةٍ. فقال الزوج: إن سألتيني الليلة الطّلاق ولم أطلّقك فأنت ثلاثًا. وقالت المرأة: إن لم أسألكَ الليلة الطلاق
стр. 604
فمالي صدقة. فلما سكت عنهما الغضب ذهبا إلى سفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن أبي شبرمة، فلم يجدوا عندهم مخرجًا، فرجعا إلى أبي حنيفة مرعوبين فسألاه. فقال للمرأة. اسأليه الطلاق، فسألته، فقال للزوج: قل: أنت طالقٌ إن شئتِ. فقال لها: أنت طالق إن شئتِ. فقال للمرأة: قولي: لا أشاء. فقالت: لا أشاءُ. قال أبو حنيفة: اذهبا فقد بررتما.
واتفقت كلمة أصحابنا في أصولهم: أنّ المعلّق بالشّرط لا ينعقد سببًا قبل وجود الشرط، فإن كان الزوج قد بَرّ في يمينه، فكيف ولم ينعقد المعلّق سببًا.
وإن كان المعلّق لا ينعقد سببًا، فكيف بر.
قلت: الجوابُ: إنّ قوله: أنت طالقٌ إن شئتِ تمليكٌ لا تعليقٌ.
قال في الذخيرة: تعليق الزوج طلاقَ المرأة بصفة من صفات قلب غيره، تفويض تمليك معنى، فيقتصر على المجلس، وعلى هذا اتفق كلام الأصحاب. والله أعلمُ.
ولما شاع هذا الجواب استبعد البِرّ بعض إخواني لخفاء وجهه عليه. فقلت: الوجه للبر أنّ الحالفَ إنما انعقد يمينه على الإيقاع لا الوقوع، وقد أوقع وإن أوصل به شيئًا آخرَ.
ألا ترى إلى ما قال أبو يوسف، عن أبي حنيفة قال: قلت: أرأيتَ أنّ رجلًا طلّقَ امرأته ثلاثًا أو واحدة يقول لها: أنتِ طالقٌ. هل في ذلك حيلةٌ حتى لا يقع عليها الطّلاق، وترجع إليه. فتكون على حالها؟ قال: نعم. قلت: فما الحيلة في ذلك؟. قال: إذا قال أنت طالقٌ ثلاثًا أو واحدةً فقال: إن شاء الله تعالى. فوصل يمينه بالاستثناء. برّ.
стр. 605
قلت: وكذلك إن قال لعبده: أنتَ حرٌّ إن شاء الله. قال: نعم. قلت: ويقول هذا غيركم؟ قال: نعم. قد جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
قال أبو يوسف: حدثنا أبو حنيفة، عن الحكم بن عتيبة (١)، عن عبد الله، وعن علي بن أبي طالبٍ: أنهّما قالا: من حلف بطلاقٍ أو عِتَاقٍ فاسْتَثْنَى، فلهُ اسْتِثْنَاؤُهُ (٢).
وقال أبو يوسف: حدثنا محمد بن عبيد الله العَرْزَمِيّ (٣)، عن عطاء بن أبي رياح، عن عبد الله بن عبّاس أَنا قال: مَنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ أَوْ عِتَاقٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، لَمْ يَقَعْ طَلاَقٌ وَلاَ عِتَاقٌ.
وقال أبو يوسف: وحدثنا الحسن بن عُمارة (٤)، عن الحكم (٥)،
стр. 606
عن إبراهيم (١) مثله.
وحدثنا أبو حنيفة، عن حمّاد (٢)، عن إبراهيم أنّهُ قال: مَنْ حَلَفَ بِطَلاَقٍ أَوْ عِتَاقٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَمْ يَقَع طَلاَقٌ وَلاَ عِتَاقٌ، فَمَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَيْمَانِ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فَقَدْ بَرَّ وَخَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ.
حدثنا عبد الله بن عمر الحملي، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ" (٣). قال ليث: فقلت لطاوس: وفي الطّلاق والعتاق؟ قال: نعم. وفي الطّلاق والعتق إِلاَّ مَا يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ.
قال: حدثنا الحسن بن عُمارة، عن الحكم، عن (٤) عبد الله بن عباس أنّه قَالَ: مَنْ حَلَفَ (٥) عَلَى يَمِيْنٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ.
قال: وحدثنا أبو يحيى، عن أبيه البراء بن عازب، عن علي بن أبي طالبٍ قَالَ:. . . . .
стр. 607
مَنِ اسْتَثْنَى فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ (١).
قال: عن أبي حنيفة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى وَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ (٢).
قَالَ: وعن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم أنّه قال في ذلك: خَرَجَ عن يمينه.
ولمّا انتهى الكلام إلى المخارجِ فقبل في قول الرّجل كلّما تزوّجت امرأةً فهيَ طالقٌ. أو قال لامرأةٍ: كلّما تزوّجتك فأنتِ طالقٌ، فقد جعل المشايخ المخرجَ من ذلك طريقين: نكاح الفضول أو المرافعة إلى من يعتقد يمين بطلان اليمين فيفسخها.
أمّا الأوّل: فقال في الينابيع: وإن لم تكن المرأة في نكاحه وقال لها: كلما تزوّجتك فأنت طالقٌ، فإنّها تطلق في كلّ مرةٍ يتزوجها أبدًا. فإن يتزوجها ولا يقع عليه الطلاق، فالحيلة في ذلك: أن يقول لمن يثق به من أحبابه وأصدقائه: إنِّي قد حلفت، أني كلّما تزوّجت امرأة أو كلّما تزوجت فلانةً فهي طالقٌ. فالآن إن يتزوجها طلقت وإن وكلّت رجلًا بأن يزوّجها مني طلّقت أيضًا. فإذا عرف المخاطب بأنّ له رغبة في تزوجها، فإنه يزوّجها منه، وهو فضولي في ذلك. فإذا علم الخلف ذلك نجيزه بالفعل، وذلك مثل أن يبعث إليها مهرها أو يظفر بها ويجامعها. ولو أجازه بالقول طلقت.
وقال بعضهم: لا تطلق. والأوّل أصحّ. انتهى.
стр. 608
وقال الإمام أبو الليث في حيل العيون عند ذكر هذه المسألة: وجعل الإجازة بالفعل أن يبعث إليها شيئًا من المهر أو النفقة أو يطأها أو يمسّها.
وقال في الهادي: كان القاضي الإمام الزّاهد أبو المعالي صاحب المناقب (١) لا يجوّز نكاح الفضولي.
كان القاضي الإمام مجد الدين لا يرى مخالفة أستاذه.
وقال الإمام علي السُّغْدي (٢): إنّي لا أجوّز نِكَاحَ الْفُضُوليِّ، ولا أفتي بالإجازة بالفعل والقول في نكاح الفضولي، وأجعل الإجازة بالفعل والقول سو اء. انتهى.
قلت: وهذا غير معتمد لمخالفة الرواية والدراية.
قال في شرح الزيادات: ولو حلف لا يتزوج، أو حلفت امرأة أن لا تتزوج، وقد كان زوّج أحدهما فضولي وأجاز بعد اليمين لا يحنث؛ لأن الشّرط التزوج والإجازة ليست بتزوج حتّى لا يراعي لها شرائط العقد من الشهود والولي وغير
стр. 609
ذلك. وهذه المسألة تدلّ على أنّ من حلفَ أن لا يتزوّج فأجاز نكاح الفضولي بعد اليمين لا يحنث وهو رواية عن محمد.
وبه قال: نفتي محمد بن سلمة.
قلت: إلاّ أنّ هذا خلاف الأصحّ على ما قال في الينابيع؛ لأنّ عقد الفضولي ينتقل إليه عند الإجازة.
وروى ابن سماعة، عن محمّد: أن عقد الفضولي إذا كان بعد اليمين فأجاز بالقول يحنث، وإن أجازه بالفعل لا يحنث.
وقال قاضي خان في شرح الزيادات: وعليه أكثر المشايخ: لأنّ القول من جنس العقد من حيث أن العقد قول، فأمكن إلحاقها بالعقد. أمّا الفعل: لا يجانس العقد ولا يخالفه، فلا يمكن إلحاق الفعل بالعقد.
قلت: وقد نقل في الينابيع: أنّ هذا هو الأصحّ. ومثله عن شمس الأئمة.
قال: الأصحّ عندي لا يحنث؛ لأنّ عقد النّكاح يختص بالقول، فلا يمكن جعل المجيز بالفعل عاقدًا له.
وقال في الهادي: والفتوى على أنّ نكاح الفضولي جائزٌ، فإن أجاز بالفعل لا يحنث لأنه حنث نفسه بالعقد وهو غير عاقدٍ. انتهى.
وقال في الفصول: ذكرَ نجم الدين النسفي في الفتاوى: المختار في نكاح الفضولي في الطلاق المضاف إذا أجاز الحالف بالفعل لا يحنث. وبالقول: يحنث.
قال بعض الإخوان: الإجازة بالفعل سوق المهر.
قلت: قدّمت عن أبي الليث: أن يبعث شيئًا من المهر أو النفقة أو
стр. 610
يطأها أو يمسّها.
وعن الينابيع: أن يبعث إليها مهرها أو يظفر بها ويجامعها.
قال: قد قاله البزازي.
قلت: لفظ البزازي: والإجازة بالفعل سَوْقُ المهرِ إليها لا الوطء والقبلة؛ لأنّه حرامٌ قبل نفوذ العقد.
قلت: وهذا الإيجاز مخلٌّ؛ لأنّه مأخوذٌ من شرح الزيادات. ولفظه: لكن ذلك الفعل ينبغي أن يكون بسوق الصّداق إليها ونحو ذلك دون الوطء والتقبيل، فإنّ ذلك حرامٌ قبل نفوذ العقد، فحذف لفظة ينبغي.
وكذلك قال الصّدر الشهيد حسام الدين في شرح الجامع الكبير: إنّ من احترز عن الطّلاق بأن علّق الطّلاقَ بالنّكاح. ينبغي أن يجيزه بتسليم المهر، أمّا بالموافقة، فلا. فهذا النفي للكراهة.
قال في الفصول: ولو قبلها أو لمسها بشهوةٍ يكون إجازة بالفعل. ولكن يكرهُ كالرّجعة بالفعل. انتهى.
قلت: وهذا نصّ ما أجبت به بلفظه. ولله الحمد.
قلت: والكراهة لقرب نفوذ العقد من المحرم كما في دفع النّصاب إلى الفقير.
قال قاضي خان: وإذا أراد الحالف أن يجيز عقد الفضولي بالفعل يجيزه سوق المهر ولا يقئبّل ولا يمس كيلَا يكون ابتداء الفعل قبل نفاذ النّكاح.
وفي الظهيرية: الإجازة بالفعل أن يبعث إليها شيئًا من المهر، فإن دفع المأمور إليها لا شك أنه أجاز، وإن لم يدفع إليها، هل تكون الإجازة رواية
стр. 611
لهذا في الكتاب؟!.
وفي الفوائد: قال ظهير الدين: المراد بسوق المهر، الوصول لا عين السوق.
وقال فخر الدين: لا يشترط؛ لأنّا نحتاج إلى الإجازة بالفعل.
وقوله: ادفع الدّراهم إليها إجازة منه بالفعل وقد حصلت. ولو دفع إليها. وقال: هذا مهرك.
قال ظهير الدين: يكون إجازةً بالقول، ولو كانت صغيرةً يبعث إلى وليّها، وإن بعث إليها بعطيّة أو هدية لم يكن ذلك إجازةً؛ لأنّ بعث الهدية والعطية ليست من خصائص النّكاح وأحكامه، فلم يكن إجازة بخلاف سوق المهر.
وفي شرح الطحاوي: فيجيز بالفعل. وهو بعث الهدية وما أشبهه.
قلت: القائل بالأوّل أكثر. والله أعلم.
و هل تكون الخلوة إجازةً ؟
قال في الفصول: ذكر شمس الأئمة السرخسي: إنه يكون إجازةً. لذا ذكره في فتاوى ظهير الدين إسحاق (١).
وقال بعضهم: نفس الخلوة لا يكون إجازةً. وفيه: ولو أجاز في نكاح الفضولي بالكتابة يكون إجازةً بالقول أو بالفعل.
ذكر في باب الكفّارات من أيمان الجامع في الفتاوى: إذا حلفَ
стр. 612
لا يكلم فلانًا أو قال: والله لا أقول لفلانٍ شيئًا، فكتب إليه كتابًا لا يحنث.
وذكر ابن سماعة في نوادره: عن محمّدٍ: أنه يحنث.
و هل للفضولي فسخ العقد قبل الإجازة ؟
نقل عن الفضولي من شرح الطحاوي وغيره: أنه لا يملك الفسخ بالقول اتفاقًا.
وفي الإجازة بالفعل بأن يزوّجه أختها خلافٌ.
قال فخر الدين: يتوقف الثاني ولا يكون فسخًا.
وقيل: يكون فسخًا. والله أعلم.
وأمّا الثاني: فقال الإمام فخر الدين: أمّا طريق فسخ اليمين، لو أنّ حنفي المذهب قال: إن تزوّجت امرأة فهيَ طالقٌ ثلاثًا، ثم جاء إلى القاضي، وطلب منه فسخ اليمين، فإن كان القاضي حنفيًا لا ينبغي له أن يفسخ يمينه بخلاف رأيه.
قلت: حتى لو قضى لا يصحّ.
قال في الهادي: ولو ترافعا إلى قاضٍ حنفي فحكم بصحة هذا النّكاح، لا يصح إلا إذا اعتقد في هذه المسألة قول الشافعي وأدّى اجتهاده إلى ذلك.
قال فخر الدين: لكن ينبغي للقاضي إن كان مأذونًا في الاستخلاف: أن يبعث الحالف إلى شافعي المذهب، ولا يأمر المبعوث إليه بفسخ اليمين؛ لأنّه كما يجوز للقاضي أن يحكم بخلاف رأيه، لا ينبغي له أن يأمر غيره بذلك، لكن يأمر المبعوث إليه أن يسمع خصومتهما ويقضي بينهما.
قلت: قال في الهادي: فلو نصب القاضي الحنفي فقيهًا شفعويًّا للحكم،
стр. 613
وصحّة هذا النّكاح لا يصحّ؛ إلاّ أن ينصبه للحكم بما هو المذهب عنده. فحينئذٍ يجوز. قاله جلال.
وقال غيرهُ: لو نصبه لهذه الحادثة خاصّة لا يجوز، ولو نصّبه قاضياً في محلّةٍ أو بلدةٍ جازَ.
قلت: وهذا إذا كان الإمام أُذن له في الاستخلاف في كل المذاهب لما ذكرناه في غير هذا الكتاب بما يقع به الاختصاص في التقليد.
قلت: وصورة الكتاب أطالَ اللهُ بقاء القاضي الإمام أُتيَ آخر ألقاهُ، رفعت إليَّ المسماة فلانة بنتَ فلانٍ بن فلانٍ. إنّ فلاناً تزوّجها وقد كان حلف قبل نكاحها بطلاق كلّ امرأةٍ يتزوّجها، ثم زوجني بعد هذا اليمين، ووقع الطلاق، فصرت محرّمة عليه بهذا السبب، وأنّها يمسكها حراماً ولا يقصر يده عنها، والتمست مني مكاتبةً في ذلك فأجبتها إلى ذلك، وكتبت هذا الكتاب إليه، فليتفضل بالإصغاء إلى هذه الخصومة الواقعة بينهما على ما يؤدِّي إليه اجتهاده، ويقع عليه رأيهُ وهو موفقٌ عن الله تعالى.
قال الإمام فخر الدين: فعند ذلك إن كان القاضي الأوّل أو الثاني أخذ لذلك مالاً لا يصح فسخه عند الكلّ، ولا ينفّذ قضاؤه. وإن كان أخذ زيادة على أجر المثل فكذلك.
قلت: وكذلك إن كان القضاء بالرشوة. قاله الإمام حافظ الدين النسفي. والله أعلم.
قال فخر الدين: عقداً وأجّر المثل، فذلك لا يمنع صحة الفسخ. والأولى أن لا يأخذ. وإذا جاء الحالف إلى القاضي الثاني بكتاب القاضي الأول لا يسمع
стр. 614
الثاني كلامه ولا يفسخ إلاّ بمحضر من الخصم فيحضر مع نفسه المرأة التي تزوجها، فتدعي المرأة على الحالف أنّها امرأته وأنَّه تزوجها بمئة دينارٍ. وعليه أداء مهرها. والقيام بموجب النكاح من الثاني والنفقة وغير ذلك. فيقول: بلى تزوجتها بمئة دينارٍ إلا أنني حلفت قبل نكاحها إن تزوجت امرأةً فهي طالقٌ فتزوجتها ووقع عليها الطلاق قبل الدخول باليمين السابقة. فإذا سمع كلامهما وطلبت المرأة من القاضي الحكم ببقاء النكاح تقول: حكمت ببطلان اليمين الذي ذكرتها وبقاء النكاح بينكما، فينفذ قضاؤه، وتحل المرأة للحالف ولا يحتاج فسخه إلى إمضاء القاضي، وإن أمضى كان أحوط.
قلت: وقد قال في الهادي: وكيفية قضاء القاضي: أن يتزوج الحالف امرأةً بنفسه، ثم يترافعا إلى قاضٍ يعتقد بطلان اليمين، وادّعت امرأةٌ أنه حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، فأنكر الزوج الوقوع، وأقامت المرأة شاهدين على أنه حالفٌ فيحكم القاضي بصحة هذا النكاح وإلغاء اليمين السابق على قول عبد الله بن عباس وابن مسعودٍ.
ولو حكم الحاكم بإلغاء اليمين السابق قبل أن يتزوج الحالف امرأة، وأطلق للحالف أن يتزوج من شاء، فإنه لا يصح؛ لأنّ حكم الحاكم إنما يجوز بعد حكم النكاح، ودعوى المرأة بإيقاع الطّلاق.
قلت: وقال ظهير الدين: رجلٌ حلفَ بطلاق كل امرأةٍ يتزوجها واحتاجَ الرّجل إلى فسخ هذا اليمين.
ينبغي له: أن يتزوج امرأة بتزويج وليّها إياها، إن كان لها وليٌّ أو بتزوبج القاضي إيَّاها إن لم يكن لها وليٌّ حتى يصحّ النكاح بالإجماع، ثم ترفع المرأةُ الأمرَ إلى القاضي إلخ، وقال بعد كتاب القاضي في ذلك، ثم إذا وصل الكتاب
стр. 615
إلى المكتوب إليه، تُدعى هذه الامرأة قبل المكتوب إليه، تدعى هذه الامرأة قبل المكتوب إليه على زوجها على نحو ما ذكرت للقاضي الكاتب - يعني: ما قدّمناه في صورة الكتاب - فيقر الزوج بهذه اليمين، وبهذا النكاح، إلاّ أنه يقول: إنها حلالٌ لي ولم يقع عليها الطلاق معللًا بعدم انعقاد اليمين، فيقضي المكتوب إليه ببطلان هذه اليمين، وبقيام النكاح بينهما أخذاً بقول من يقول ببطلان هذه اليمين من علماء السلف.
و صورة السجل:
يقول القاضي: فلان بن فلان. ورد في كتابٍ من القاضي فلانٍ المتولي لعمل القضاء والحكام بكور كذا ونواحيها من قبل السلطان فلانٍ مشتملًا على ما رفع إليه من الخصومة الواقعة بين فلانٍ بنت فلانٍ وبين فلانٍ بن فلانٍ في وقوع الطلاق بسبب اليمين المضافة إلى النكاح. وقد أمرني بالإصغاء إلى هذه الخصومة وفصلها واستماع البيّنة فيها والقضاء بما وقع في رأي واجتهادي فامتثلت أمرهُ وعقدت مجلسًا لذلك، فحضرت في مجلسي ذلك فلانة بنت فلان وأحضرت مع نفسها زوجها فلان بن فلان، فادّعت هذه التي حضرت على الذي أحضرته معها: أنّ هذا يطالبني بالطّاعةِ في أحكام النكاح زاعماً أني زوجته، وقد كان حلف قبل أن يتزوجني بطلاقِ كل امرأة يتزوجها، ثم تزوجني وقد وقع على الطّلاق، وحرمت عليه بهذا السبب والزَّوج أقر باليمين وبالنِّكاح وأنكر وقوع الطلاق بهذا السبب، ثم إنّ الزوج سألني الحكم بما يقع عليه رأي واجتهادي، فاجتهدت في ذلك وتأملت وتأنَّيت، ووقع رأيي على بطلان اليمين المضافة إلى النّكاح عملاً مني بقول من لا يرى صحّة اليمين المضافة إلى النكاح، فحكمت ببطلان هذه اليمين، ويحلّ هذه المرأة على هذا الزوج بهذا النّكاح،
стр. 616
وأمرتها بطاعة هذا الزّوج في أحكام النّكاح بحضرة هذين المخاصمين في وجهها حكماً أبرمته وقضاء أنفذته في مجلسِ حكمي هذا بين الناس على سبيل الشهرة والإعلان دون الخفية والكتمان. وكان ذلك بعد ما أطلق القاضي فلان ابن فلان الحكم في هذه الخصومة بما يقع عليه رأي واجتهادي وذلك في يوم كذا في شهر كذا من سنة كذا.
قلت: بهذا تبيّن: أن طريق مشايخنا التصريح دون الإجمال، ولو فعل القوم إلى أن مثل هذا التبيين الحق من الباطل. والله أعلم.
قال القاضي فخر الدين: فإن كان هذا الحالف عقد على هذه المرأة أيماناً بأن قال لها مراراً: إذا تزوجتك فأنت طالقٌ أو كُلّما تزوّجتك فأنت طالقٌ. أو قال: إذا تزوجت امرأةً فهي طالقٌ. قال ذلك مراراً، فإذا حكم بقيام نكاح هذه يفسخ الأيمان كلّها في قولهم. ولو كان قال لامرأةٍ: إذا تزؤجتك فأنت طالقٌ. ثم قال لامرأةٍ أخرى: إذا تزوجتك فأنت طالقٌ. فتزوج واحدةً منهما ففسخ في غير حقّها حتى لو تزوج أخرى يطلق في قولهم وكذا لو كان ذلك في نسوة، وإن عقد يميناً واحدةً على كل النّساء بأن قال: كل امرأةٍ تزوّجتها فهي طالقٌ ففسخ اليمين في امرأةٍ واحدةٍ جعلوا المسألة على الاختلاف قياساً على مسألة ذكرها في المنتقى: رجلٌ قال: كل عبدٍ أملكه فهو حرٌّ، فملك عبداً فأقام العبد بيّنةً على يمينه وحكم القاضي بيمينه وبعتق العبد، ثم ملك عبداً آخر هل يحتاج العبد الثاني إلى إقامة البيّنة على اليمين.
قال: على قول محمّدٍ: لا يحتاجُ.
وعلى قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة: يحتاج.
стр. 617
وأكثر المشايخ في مسألة الطلاق: على قول محمّد. هذا كما لو ادّعى رجل على رجلٍ أنّه وكيلُ فلانٍ الغائب في جميع حقوقه وخصوماته مع الناس. وللغائب على المدّعى عليه كذا. وأقام البينة على ذلك، وقضى القاضي بالوكالة العامة؛ فإنه لا يحتاج إلى إثبات الوكالة على غريمٍ آخرَ.
رجلٌ قال لامرأةٍ: إذا تزوّجتك فأنت طالق فتزوّجها وطلّقها ثلاثاً، ثم أنّها رفعت الأمر إلى القاضي ليفسخ اليمين، فإنّ القاضي لا يفسخ؛ لأنّه لو فسخ تطلقُ ثلاثاً بالتنجيز بعد النكاح فلا يفيد.
فلو أنّ أجنبيًّا علق الطلاق بالتزويج فتزوّج امرأةً فلم يرفع الأمر إلى القاضي، لكن سأل شفعويًّا فأفتاهُ بعدم الوقوع. لا ينبغي للحالف أن يأخذ بفتواه، ويترك مذهبه؛ لأنّ عليه الأخذ بقول علمائه لا بقول أصحاب الشّافعي وفتواهم لا يكون حجّة في حقّه.
ولو أنّ المرأة مع الرّجل حكّما رجلاً ليحكم بينهما في هذه الحادثة إن كان المحكم حنفيًّا لا ينفذ حكمه.
وإن كان شافعيًّا: اختلفوا فيه.
قال بعضهم: لا ينفذ حكمه؛ لأنّ حكمه بمنزلة الفتوى. والصّحيح: أن ينفذ حكمه عليهما. هكذا ذكره شمس الأئمة الحلواني.
إن حكم المحكّم في المجتهدات نحو الكنايات والطلاق المضاف، وغير ذلك نافذ ليس لأحدهما أن يرجع عن حكمه بعد ذلك.
قال ﵀: وهذا مما يعرف ولا يفتى به كيلا يتجاسر إليه العامّة؛ ولأجل ذلك امتنع المشايخ عن الفتوى في جواز حكم المحكم.
стр. 618
وإنّ حكّما رجلاً ولم يعلماه أنهما حكّماه في هذه الحادثة؛ إلاّ أنهّما اختصما إليه، فحكم المحكم بينهما فعلى قول مَنْ يُجَوِّز حكم المحكم يجوز؛ لأن التحكيم يثبت بدون العلم. وإن كان الحالف تزوّج امرأةً ولم يرفعا الأمر إلى القاضي حتى تزوّجت المرأة بزوجٍ آخرَ من غير علمِ الزّوج، ثم رفع الأمرَ إلى القاضي واختصما إليه، فقضى القاضي ببطلان اليمين وعدم وقوع الطلاق لا ينفذ حكمه؛ لأنّ نكاح الزوج الثاني يمنعه من القضاء للأوّل. وليس فسخ يمين الحالف أولى من إبطال نكاح الثاني. انتهى.
وقال في الفصول: ثم نفاذ هذا القضاء في حكم المحكوم عليه. متفقٌ عليه.
وفي حق المقضي له: إن كان عالمًا، فكذلك عندهما.
وعند أبي يوسف: إذا كان المحكوم له يعتقد الحرمة. وقضى القاضي بالحلّ لا يترك رأي نفسه بإباحة القاضي.
قلت: قال الإمام حسام الدين في الفتاوى الصغرى بعد ذكر الخلاف: وهذا الخلاف في غير رواية الأصول.
أمّا جواب ظاهر الرواية: أنّه ينفذ ذكره في آخر كتابه الاستحسان. انتهى.
قلت: ذكر الخلاف في النوادر. والمراد بكتاب الاستحسان: الاستحسان من الأصل. ولفظه فيه، وفي السير الكبير: إذا طلّقها بلفظ الكناية، فرفع إلى قاضٍ وهو يرى أن الكناية رواجع. وقضى له بالرّجعة. هل له أن يراجعها وإن كان رأيه خلاف ذلك. انتهى. ولم يذكر خلافاً.
قال في المحيط: وظاهر المذهب ينفذ من غير خلافٍ.
стр. 619
ولأبي يوسف في الخلافية: أنّ القضاء في حق المقضي له فتوى؛ لأنّه لا إلزام عليه؛ لأنه مخبر فيه إن شاء راجعَ وإن شاء لم يراجع. وبالفتوى: لا يصير الحرام حلالاً. والبائن رجعيًّا كما لو شهد شاهدان على رجلٍ أنه قتل ولي هذا عمد وقضى القاضي له عليه بالقَوَد. والولي يعرف أن الشّهود شهود زورٍ لا يحلّ له أن يقتله. فكذا هذا.
ولهما: أنّ القضاء إلزامٌ في حقّ المقضي له من حيث الاعتقاد؛ لأنَّه التزم اعتقاد ثبوت الحلّ والرّجعة فيصير مقضيًّا عليه في حق الاعتقاد إن لم يكن مقضيًّا عليه في حق الاستيفاء.
ولهذا: لو كان جاهلاً ينفذ. فكذا إذا كان عالماً؛ لأن القضاء يلزم في حقّ النّاس كافّةً بخلاف الفتوى؛ لأنّه ليس بملزمٍ لا من حيث الاعتقاد ولا من حيث الاستيفاء. انتهى.
قال في الهادي: أمّا قضاء القاضي فقد اتفقوا على جوازه، ولم يقل أحدٌ أنه لا يجوز إلاّ في روايةٍ عن أبي يوسف أنّه قال: إذا كان الحالف فقيهاً حنفيأً يعتقد وقوع الطلاق، لا يجوز له أن يدعي رأي نفسه برأي القاضي فيما اعتقد حراماً، لكن حاصل المذهب عن أبي حنيفة ومحمّد: يجوز له أن يدّعي رأي نفسه برأي القاضي؛ لأن القاضي إنما يكون نائباً عن الحق أو الخلق. فإن كان نائبًا عن الحق، صار حكمه كالنَّص. وإن كان نائباً عن الخلق صار كأن الخلق كلهم أجمعوا على هذا، فيدّعي رأي نفسه لهذا. انتهى.
* تتميم:
إذا قال: كل امرأةٍ تدخل في نكاحي. أو قال: تصير حلالاً لي.
стр. 620
فهي طالقٌ ثلاثاً.
اختلف المشايخ:
فقال شمس الأئمة السرخسي، والإمام البزدوي (١) والسيد أبو قاسم: يحنثُ إذا عقد له الفضولي سواء أجاز بالقول أو بالفعل.
وذكر الفقيه أبو جعفر ونجم الدين النسفي: أنّ هذا وكل امرأةٍ أتزوّجها سواء؛ لأنّ دخولها في نكاحه لا يكون إلاّ بالتزويج، فيكون ذكر الحكم ذكر سببه المختصّ به، فيصير في التقدير، كأنه قال: إن تزوّجتها. ويتزويج الفضولي لا يصير متزوّجًا بخلاف ما لو قال: كل عبدٍ دخل في ملكي، فإنَّه يحنث بعقد الفضولي هنا. فإنّ ملك اليمين لا يختص بالشراء. بل له أسبابٌ سواهُ.
ولو قال: كل امرأةٍ أتزوّجها أو يزوّجها غيري لأجلي فهيَ طالقٌ ثلاثاً. فالوجه فيها: أن يزوّج الفضولي لأجله فيقع الطلاق الثلاث؛ لأنّ الشرط تزويج الغير له مطلقاً، ولكن لا يحرم عليها؛ لأنّها تطلق قبل دخولها في ملك الروج، فلا تحرم عليه. ألا ترى أنّ بعد عقد الفضولي لو طلّقها الزّوج ثلاثاً لا تحرم عليه، وإنمّا لا تحرم؛ لأنّ الطلاق إنما يقع قبل دخوله في ملك الزوج. فكذا هاهنا، إلاّ أنّه لا يقبل الإجازة؛ لأنّه صار مردوداً فيعقد الفضولي ثانياً لأجله، ويجيز هو بالفعل.
قال صاحب المحيط: وعندي أنّ في الكرّة الثانية لا حاجة إلى عقد الفضولي، بل إذا تزوّج بنفسه لا تطلق؛ لأنّ اليمين انحلّت بتزوبج الفضولي
стр. 621
له لا إلى جزاءٍ وليست بكلمة تقتضي التكرار.
ولو قال: كلّ امرأةٍ أتزوجها أو تزوّجها غيري لأجلي وأجيزه فهي طالقٌ ثلاثاً. أو قال لامرأة: إن صرت زوجة لي، إمّا بعقدي أو عقد الفضولي، وإجازتي. اختلفت فيه الروايات.
قيل: لا وجه لجوازه؛ لأنه شدد على نفسه.
وفعل الفضولي لا يرفع الطلاق.
وقال الفقيه أبو جعفر وصاحب الفصول: الحيلة فيه: أن يزوجه فضولي امرأة بغير أمره ويغير أمرها، ثم يجيز هو النكاح، فيقع الحنث قبل إجازة المرأة لا إلى جزاءٍ لعدم الملك، ثم تجيز المرأة النكاح فلا تعمل إجازتها، ثم يجددان النكاح بأنفسهما، ويكون هذا نكاحاً صحيحاً؛ لأن اليمين انعقدت على زوج واحد، إذ لفظه لا يقتضي التكرار. انتهى. واللهُ أعلم.
* * *
стр. 622
مَجْمُوعَةُ رَسَائِل العَلَّامَة قَاسِم بن قُطْلُوبُغَا
[٢٣]
مَسْأَلَةٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ زَوْجَتهُ
تَأْلِيفُ
العَلَّامَة قَاسِم بْنِ قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي
المولود سَنَة ٨٠٢ هـ والمتوفى سَنة ٨٧٩ هـ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 623
(٢٣) مَسْأَلَةٌ في طَلَاقِ المَرِيضِ زَوْجَتهُ
قال - رحمه الله تعالى -:
قد سئلتُ عن امرأة طلّقها زوجها طلاقاً رجعياً في مرض موته، ثم مضى عليه ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوماً، ثم مات، فأقرّت أنّها حاضت في هذه المدّة ثلاث حيض وانقضت عدتها منه قبل موته بخمسة أيّامٍ، فهل ترث مع الإقرار أم لا، فأجبت: أنها لا ترث في هذه الصّورة. والله أعلم بالصّواب.
ثم وقعتُ على جواب لبعض المشايخ الحنفية صورته:
الحمد لله المنعم بالصَّواب.
إذا كان الطلاق رجعيًّا ترث منه ما دامت عدة الوفاة قائمة. والله أعلم.
وأخبرني الذي أوقفني على هذا الجواب: أن مستند المجيب قول الشيخ عبد اللطيف بن فرشته في شرح المجمع في فصل طلاق الفارّ: قيدنا طلاقها بالبينونة؛ لأنه إذا كان رجعيًّا فعليها عدّة الوفاة أيضاً اتفاقاً.
فقلت: لم يزل الفهم عزيزاً وبالوقوف على المأخذ يعضُّ عليها بالنواجذ، ما ذكره ابن فرشته فيما إذا مات وعدة الطلاق قائمة؛ لأنّها حينئذٍ زوجة. وعلى الزّوجة تربص أربعة أشهر وعشراً.
أمّا إذا كانت العدة منقضية، فلم تكن زوجة فلا يجب عليها عدة ولا ترث عندنا. والله أعلم.
стр. 624
ثم أخبرني جمعٌ من أهل العلم: أن المجيب وقف على خطي بالجواب فقال:
قد أجبته بأنّها ترث. وهذا وخاطره. فقلت: لم يكن هذا بخاطري ولا يحل هذا في دين الله لأمثالي، وإنمّا هذا مصرّحٌ به في كثيرٍ من المصنّفات.
وفي بعضها مطلقٌ عن تعيين الطلاق.
قال الكرخي: إذا طلّق الرَّجل امرأته طلاقاً رجعياً في مرضه الذي مات فيه، ثم مات وهي في العدة ورثته. وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد وزفر والحسن بن زياد مصرّح فيه بأنّه ماتَ وهي في العدّة في كثيرٍ من المصنفات. وأشار إليه في عبارة بعضهم، وتعليل بعضٍ، وبهما معاً، وهو ما عنيته بقولي وبالوقوف على المأخذ يعضّ عليها بالنّواجذِ.
أمّا الأوّل: فقال الإمام حسام الدين في فتاواه (١): وإن كان الطلاق من المريض رجعياً، أو كان طلّقها في الصّحّةِ رجعياً، ثم مات وهي في العدّة، فعدّتها عدة الوفاة لا غير. وبطل عنها الحيض في قولهم جميعاً. انتهى بحروفه.
ونحوه في التتمة (٢) والمنية (٣).
وقال الشيخ الإمام قاضي خان في فتاواه: والحرمة المطلقة إذا مات الزوج في العدّة، إن كان الطلاق رجعيًّا تنقلب عدّتها عدة الوفاة. انتهى بحروفه.
وأمّا الثاني: فقال الكرخي في مختصره: وإن كان الطلاق رجعيًّا في
стр. 625
صحّةٍ أو مرض فعليها: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وبطل عنها الحيض في قولهم جميعاً. انتهى.
"فبطل": يشير إلى قيامها وقت الموت إذ المنقضي المعدوم لا يبطل.
ونحو قولهم في شروح الهداية (١): أَمَّا إذا طلَّقها رجعيًّا، فعدَّتها عدَّة الوفاة، سواءٌ طلَّقها في مرضه أو في صحَّته، ودخلت في عدَّة الطَّلاق، ثم مات الزَّوج.
وأمّا الثالث: فقال في الهداية (٢): أمَّا إذا كان رجعيًّا، فعليها عدَّة الوفاة بالإجماع، بخلاف [غير] الرَّجعيِّ؛ لأنَّ النكاح باقٍ من كل وجبة. انتهى.
ولا يبقى النكاح في الرجعي بعد ثلاث حيضٍ وخمسة أيّامٍ.
وقال في شرح الكنز: بخلاف المطلّقة رجعيًّا حيث تكون عدّتها عدة الوفاة اتفاقاً لبقاء الزوجية من كلّ وجهٍ قبيل الموت وانقطاعه بالموت. فيجب عليها عدة الوفاة. انتهى.
ومن حاضت ثلاث حيضٍ ومكثت بعدها خمسة أيام لا يكون زوجها قبل الموت وقد انقطعت الزوجية بانقضاء العدّة لا بالموت.
وقال في الإيضاح: وإن كان الطلاق رجعيًّا في صحّة أو مرضٍ فعدتها أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشرا (٣). بلا خلافٍ؛ لأن النكاح قد نفي. انتهى.
стр. 626
ولا يبقى النكاح بعد انقضاء ثلاث حيضٍ وأيّامٍ.
وقال في المحيط: المطلقة الرجعية إذا مات زوجها تعتد للوفاة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً (١). لقيام النكاح. انتهى.
ولا قيام للنكاح بعد مضي ثلاث حيضٍ.
وأمّا الرّابع: فقال في البدائع (٢): إذا طلَّق امرأتهُ ثم مات، فإن كان الطَّلاق رجعيًّا انتقلت عدَّتها إلى عدَّة الوفاة، سواءٌ طلَّقها في حالة المرض أم في حال الصِّحَّة، وانهدمت عدَّة الطَّلاق، فعليها أن تستأنف عدَّة الوفاة في قولهم جميعاً؛ لأنَّها زوجتُه (٣) بعد الطَّلاق، إذ الطَّلاق الرَّجعيُّ لا يوجب زوال الزَّوجيَّة، وموت الزَّوج يوجب (٤) على زوجته عدَّة الوفاة لقوله (٥) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] كما لو مات قبل الطَّلاق. انتهى.
فقوله: انتقلت. . . وانهدمت. . . وأنّها زوجة، وموتُ الزَّوج يوجب على الزَّوجة عدَّة الوفاة. . . يشير إلى ما قلنا على ما تقدّم مكرّراً.
وقال في الذخيرة (٦): وإذا كان الطلاق رجعياً في صحّةٍ أو مرضٍ، فعدّتها أربعة أشهرٍ وعشراً، وقد بطل عنها الحيض في قولهم جميعاً؛ لأنّ الطّلاق
стр. 627
الرجعي لا يقطع النكاح عندنا، فكانت الزوجية قائمة [لدى الموت] (١)، والله تعالى (٢) جعل كل الواجب على المرأة عند موت الزوج التربص بأربعة أشهر وعشراً (٣)، وكان من ضرورته: سقوط الاعتداد بالحيض. انتهى.
* فائدة:
قال الشيخ الإمام قاضي خان في فتاواه: قالت بعد الطلاق: أيست، ثم مات زوجها بعدما مضت ثلاثة أشهر من وقت إقرارها (٤) لا ميراث لها.
* فائدة أخرى:
قال في كتاب فصول (٥) العمادي: رجلٌ طلّق زوجته في المرض، فمات الزوج بعد انقضاء العدة، كان المشكل من متاع البيت لوارث الزوج؛ لأنّها صارت أجنبية بانقطاع العدة، ولم يبق لها يد وإن مات قبل انقضاء العدة. كان الشكل للمرأة عند أبي حنيفة؛ لأنها قرّت فلم تكن أجنبية، وكان هذا بمنزلة ما لو مات الزوج قبل الطلاق.
* نكتة:
يلزم على ما فهموه من شرح المجمع، استحالة المسألة التي نصّ عليها:
стр. 628
أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر، والحسن بن زياد، وتبديل حكمها الشرعي، وتحريم فرج حلال مدّة، وإباحة أكل مالين بالباطل، نفقة العدة بعد انقضائها إلى الموت والميراث. والله أعلم.
تَمَّت
* * *
* قال ﵀:
و سئلت عن رجلٍ طلّق امرأته طلقتين وراجعها من الثانية . ثم قال لها: أنت طالق ثلاثاً. أنت طالقٌ ثلاثاً، أنت طالق ثلاثاً. فقالت له امرأة حال قوله: أنت طالق ثلاثًا. قُل: إن شاء الله تعالى. فقال: إن شاء الله متصلاً بالمرة الثالثة، فهل يقع أم لا؟.
فأجبت: نعم. وقع عليه الطلاق الثلاث في هذه الصورة. والله أعلم.
ومستندي: قول علمائنا: إذا قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً، أنت طالقٌ إن شاء الله. يقع.
وقوله: أنت طالق فاصل بين الثلاث. والاستثناء.
وقولهم: إن المذكور في آخر الكلام إذا يقع به طلاق أو يجب به حد. فالاستثناء على الكل. والله أعلم.
وسئلت عن وجه قوله في القنية بحينئذٍ أنت طالق بائنٌ إن شاء الله تعالى. لا يقع. أجبتُ: بأن الطلاق الصّريح رجعي، فوصفه به لغو، فيكون فاصلاً فيلحقه الاستثناء. والله أعلم.
وأخذت هذا من قول علمائنا. لو قال لها: أنت طالقٌ ألبتة إن شاء الله.
стр. 629
أو قال لها: أنت طالق بائنٌ إن شاء الله. فالاستثناء صحيح ولا يصير قول ألبتة فاصل؛ لأنّ الطلاق قد يكون بائنًا وقد يكون غير بائنٍ. فإذا قال: ألبتة. أو قال: بائن فقد وصف الطلاق بوصف يليق به، فلا يصير فاصلاً بخلاف ما إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً ألبتة أو ثلاثاً بواوين معاً إن شاء الله. فإنّ هناك لا يصح الاستثناء ويصير قوله ألبتة بواوين فاصلاً على ظاهر الرواية؛ لأنّ الثلاث لا يكون إلا بواوين فيلغوا هذا الوصف ويصير فاصلاً.
وعن محمّد: لا يصير فاصلاً. انتهى. والله أعلم.
* و سئل عن رجلٍ حلف بالطلاق من زوجته ليضعن هذا الزيتون في هذا الصحن فكسرت زوجته الصحن من ساعته يحنث إن لم يوجد زمان يسع الفعل بعد اليمين.
فأجاب: بأنه قد وقع الطلاق والله أعلم.
ثم أحضر إليه السؤال. وعليه جواب صورته: لا حنث عليه. والحال هذه. والله أعلم. وإلى جانب الجواب سؤالٌ صورته: المسؤول. دليل هذا الجواب ليطمئن نفس الحالف. وعليه جواب صورته.
قد قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى -: إنّ زمن البر يستثنى من اليمين، فإذا حلف ليضعن هذا في هذا الإناء، فلا بد من تصوّر زمن البر، فإذا لم يتمكن من ضيق الزمان من الوضع فيه، لم يتصور، فلا يحنث إذا حصل الكسر قبل ذلك. والله أعلم.
فخشي الشيخ ﵀ من إباحة الفرج بهذه الشبهة.
وكتبت:
الحمد لله رب العالمين. ربّ زدني علماً.
стр. 630
قد تقدم مني جواب في هذه الواقعة، يحنث الحالف؛ لأنّ هذه المسألة من فروع مسألة الكوز المطلقة عن الوقت. وفيها: يجب البر في الحال. فإذا فات المحل المحلوف عليه، حنث.
وعلى هذا: ما قال في الذخيرة (١): والله لآكلنّ هذا الطّعام لو هلك من ساعته يحنث في يمينه.
وفي فتاوى الملا الأعلى (٢): ومن هذا الجنس: إن لم تذهبي وتأتي بذلك الحمام، فأنت طالقٌ، فذهبت لتأتي به فطار الحمام، يقع الطلاق، وما علل به لعدم الحنث ليس عبارة أحد من علمائنا، وإنما قالوا في مسائل الحلف على ترك ما هو متلبس به إن تحقق من البر مستثنى عن اليمين، وهذا ليس مما نحن فيه.
ألا ترى أنهم لم يقولوا فيمن حلف: ليمسنّ السماء، إنّ زمن البر مستثنى، فلا يحنث حتى يمضي زمان يتمكن فيه زمن الفعل، وإنما قالوا: يحنث للعجز الحالي.
وبالجملة: فليس لأحدٍ أن يفتي بضدّ المنقول. والله أعلم.
* * *
* سئل - رحمه الله تعالى -: عن امرأةٍ تسمّى وزيرة باعت أمةً لها تسمّى حسبيَ الله مع ابنةٍ لها تسمّى حريقة لامرأةٍ تسمّى فاطمة وكان البيع بحضور زوج وزيرة البائعة ويسمّى عُمر، ثم إنّ المرأة المذكورة جاءت بولدٍ وهي في ملك فاطمة وسمي شعبان، ثم إن فاطمة المذكورة باعت الأمة وولدها وسن
стр. 631
الولد إذ ذاك نحو أربع سنين لرجل يقال له القاضي صدر الدين، فأقاموا في ملكه فبعد بلوغ شعبان كان معترفاً بالرّق لسيّده، ثم بعد ذلك ادّعى عُمر زوج وزيرة: أن شعبان ابنه وصدّقه الولد وأمه على ذلك. وذهبوا إليه. فهل يثبت نسبه بهذه الدعوى أم لا؟ وهل يستحق عمّن يملك الولد على السيّد أم لا؟ وهل يعتق بذلك أم لا؟ وهل للسيد التصرف بعد هذه الدعوى أم لا؛ أفتونا ماجورين.
فأجاب ﵀:
لا يثبت نسب الولد المذكور إلاّ أن يصدّقه المالك ولا يستحق المدعي ملكاً على السيّد بهذه الدّعوى، ولا يعتق العبد.
وللمالك أن يتصرّف فيه بسائر التصرفات الشرعية ولا عبرة لتصديق الولد؛ ولا أمّه في هذه الحالة. والله أعلم.
قال ﵀: ثم وقفت على السؤال وقد كتبت عليه: كل من يكتب على الفتوى في بلدنا من الحنفية: أنه يثبت نسب الولد بدون تصديق المالك.
فكتبت:
أمّا مستندي فيما كتبت فقول صاحب البدائع (١): وإن لم يكن الولد في يد نفسه، فإمّا أن يكون مملوكاً، وإمّا أن لم يكن، فإن كان ملك غيره وقت الدعوى، فإن كان علوقه في ملك المدعي يثبت نسبه بنفس الدعوى أيضًا.
وإن لم يكن علوقه في ملكه لا يثبت النسب إلا بتصديق المالك على ما ذكرنا. والله أعلم.
* * *
стр. 632
"وسئل ﵀ عمّن باع فضّة قرضٍ حجر بفلوسِ مؤجّلةٍ.
فأجاب: بأنه لا يجوز لتصريح الأصحاب، بأنّ النقرة من جنس الثمن، وأصل الثمن وتصريحهم بأن الفلوس النافقة ثمن وبيع أحد الثمنين المختلفي الجنس بالآخر نسبة لا يجوز وإن جعلت الفلوس قروضاً لإقدامهما على تأجيلها على قول أبي حنيفة وأبي يوسف. فلا بد أن يجعل مسلماً فيها.
وإذا قلنا بجواز السلم بلفظ البيع على الرّاجح فشرطه استيفاء شرائط السلم. كما قال في المنتقى: وينعقد السلم بلفظ البيع والشراء إذا وجد شرائط السلم ولم يستوف هنا قول الإمام وهو المفتى به. والله أعلم.
* * *
* و سئل ﵀: عمّن باع داراً بيع التقاضي وقبض بعض الثمن، ثم أقبض الباقي بعد هذه . ووقع التكاتب عند ذلك، وقد كان المشتري أباح شخصاً السكنى في الدار. فهل البيع صحيح أم لا؟ وهل يتوقف على الكتابة؟ وهل للبائع أو المشتري الرجوع على المباح له السكنى بأجرة المثل؟. وهل للذي أباح أن يرجع عن الإباحة أم لا؟.
فأجاب: أن البيع صحيحٌ وإن لم يقبض كل الثمن. وأنه لا يتوقف على المكاتبة عند أحدٍ من علماء الأمّة. وليس للبائع ولا للمشتري رجوع على المباح السكنى بشيءٍ لا أجرةَ مثل ولا غيرها.
وإن قلنا بصحة البيع ولا إن قلنا بعدم صحّته، وللمبيح الرجوع متى شاء. والله أعلم.
وهذا بناء على الصحيح في صحّة بيع التعاطي والاكتفاء بقبض أحد البدلين.
وأمّا عدم رجوع المبيع فظاهرٌ إذا قلنا بصحّة البيع.
стр. 633
ولو قيل بعدم صحة البيع على قول الكرخي فعنده: المنافع لا تضمن. والله أعلم.
* * *
* مسألة:
رجل باع رجلاً سكراً ووزنه له، فألقى له ذهباً بمقدار الثمن، ونظر البائع إلى الذهب فوجد ديناراً منه ردياً. فقال له أبدله. فألقى له غيره ولم يأخذ الأول حتى ضاعا جميعاً. فما الحكم؟.
أجباب: إن كان الدينار الذى ألقاه جيداً فهو للسكري من ثمن سكره. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجل باع عن رجلٍ فصاً من ياقوت أحمر فى خاتم من ذهب بثمن معلوم ودفع للبائع الخاتم إلى المشتري وفيه الفصّ، فضاع عند المشتري فماذا يلزم المشتري.
أجاب: إن كان الفصّ يمكن نزعه من غير ضررٍ فهذا قبض وعليه ثمن الفص ولا شيء عليه فى الخاتم.
وإن كان لا يمكن نزعه إلا بضرر فليس هذا القبض بصحيحٍ. وقد أفسخ البيع قبل القبض بهلاك المبيع ولا شيء على المشتري. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ باع ثوباً بَعْلَبَكياً معلوماً بينهما، وديناراً ذهباً بمئة وخسمين درهما إلى ستة أشهر.
стр. 634
فأجاب: بأن البيع باطل بينهما جميعاً لا يجوز لا في الثوب ولا في الدينار. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ باع ديناراً بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملة الآن، ثم اشترى منه منديلاً إسكندريًّا معلوماً بينهما بخمسة وعشرين نصفاً من الفضة معاملةً الآن، واشترى المنديل المذكور قبل بيع الدينار. فما الحكم؟.
أجاب: إن كان الصّرف قد وقع أوّلاً لا يكون هذا قصاصاً. وإن تقابضا قبل الاقتراض بل على مشتري الدينار أن يدفع الفضة، فإذا قبضها البائع دفعها عن ثمن المنديل، وإن كان افترقا قبل هذا بطل الصّرف. ولبائع المنديل ثمنه عند مشتريه. ولمشتريه ديناره عند البائع، وإن لم يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع، وإن وقع بيع المنديل أوّلاً وتقابضا، وجعل مشتري الدينار الفضّة قصاصاً قبل أن ينصرفا، صار قصاصاً، وإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل الصّرف وبقي البيع. والله أعلم.
* * *
* و سئل عن رجلٍ اشترى من صيّادِ سمكةً ودفع ثمنها .
والحال: أن المشتري ناظر إلى العين المبيعة وهي بينهما، فاندفعت إلى البحر فهل يعد وزنها تسليماً حتى يكون من ضمان المشتري أو لا يكون تسليماً حتى تسلم باليد؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين.
نعم. وزنها تسليم على قول بعض المشايخ على الصحيح. فهذه التخلية
стр. 635
الحاصلة بعد تمام العقد إلى اندفاعها في البحر كان يمكن المشتري قبضها فيها، فتكون التخلية تسليمًا، فتكون السمكة من ضامن المشتري.
قال ﵀: ثم وقفت على جواب لبعض الحنفية صورته:
الحمدُ لله الذي به أستعين، نعم المولى ونعم المعين.
أقول - وبالله التوفيق -: لا يسمّى مثل هذا تسليماً حقيقةً، وإن حصلت التخلية بينه وبين المشتري صورة في الجملة فلا بد من تسليمه إيّاها باليد حقيقة لكونها بمنزلة السمكة في البحر حكمًا من حيث قيام المانع من التسليم، وله نظائر كثيرة مذكورةٌ في الفقه.
وكتب الشيخ - رحمةُ الله عليه -: التسليم باليد ليس مذهب علمائنا، فلا يخفى بطلان ما ذكر على ذي لبٍّ والقواعد والنواظر ناطقةٌ بموافقة ما ذكرنا (١) ومخالفة ما ذكر.
قال في الذخيرة (٢): وتسليم المبيع: هو أن يخلي (٣) بين المبيع وبين المشتري على وجه يتمكن المشتري من قبضه من غير حائلٍ (٤)، وكذا التسليم في جانب الثمن.
وقال الشَّافعي: التَّخلِيَةُ ليست بقبضٍ.
والصحيح مذهبنا؛ لأنّ (٥) التسليم مستحق على البائع، وما يستحق على